كيف يمكن تصور مشروع جديد، يقطع مع الاشتراكيات التسلطية، مع الدولانيين، المركزيين، اليعقوبيين، الذين دفعوا الحركة العمالية والاجتماعية إلى المأزق، سواء اللينينية، أو الستالينية، أو الاشتراكية-الديمقراطية؟
والسؤال هو كيف يمكن لهذا الصراع الذي نسميه اشتراكية أو شيوعية تحررية، والذي يصبو إلى قطيعة ثورية كونه يهدف إلى بناء مجتمع شيوعي بالمعنى الأصيل، أي المجتمع الشيوعي المدار ذاتياً، نقول كيف يمكن لهذا الصراع ان يسلك طريقاً متأقلماً مع المعطيات الجديدة والمعقدة للمجتمع المعاصر؟
هذه الوثيقة تعبر عن الاتجاهات الكبرى، عن المقترحات العامة لتيار نضالي يبحث عن أجوبة على هذه الأسئلة.
هذه الوثيقة لا تزعم تقديم أجوبة جاهزة، بصورتها النهائية: فهي ليست عقيدة، متزمتة، جامدة.
إنها تشكل فحسب نقطة انطلاق نظرية وعملية؛ فهي تُعبِّرُ عن التقاءات ، عن نقاط اتفاق؛ تطرح أسئلة. هي إذَن مجرد وسيلة للتفكير والعمل، والتي لن نذخر جهداً لتطويرها في المستقبل.
يريد هذا النص المشاركة في بناء تيار ثوري، دولي، جديد.
سوف نحاول إجراء توليف لعطاءات متعددة، مستقاة من الصراعات والتجارب التاريخية التي خاضتها التيارات الثورية المختلفة، الإدارية الذاتية (أي المرتكزة إلى مبدأ الإدارة الذاتية)، الأيكولوجية (البيئية)، النِسَوية، النقابية… نحن نعتبر أننا ننتمي إلى نَسَبٍ واسع ومتعدد يمد جذوره في الإرهاصات الأولى للحركة العمالية، في التيارات ضد التسلطية، النقابية الثورية، التحررية، الأنرشية، المجالسية، ولكننا نحاول توسيعَ رقعة مراجعنا أبعد من هذا، مع رفضنا الانصياع لأي عقيدة دوجمائية، أياً كانت، ماضية أم حاضرة.
نرغب في إيجاد تحديد معاصر لمفهوم الصراع الطبقي و للبروليتاريا، يأخذ في عين الاعتبار التحولات العميقة التي طرأت على عصرنا دون أن يبخس دور الانتفاضات والنضالات التي خاضتها الطبقات المسحوقة.
نؤكد أن الرأسمالية ليست المرحلة الأخيرة للتاريخ الإنساني، المرحلة النهائية وغير القابلة للتجاوز: من هنا ضرورة قيام مشروع ثوري جديد، لا يقتصر على شلة صغيرة من الناس، بل يستند إلى نضالات الشغيلة، نضالات العناصر الشابة، نضالات الطبقة التي تشكل قاعدة المجتمع، كما يستند إلى التنظيم الذاتي لهؤلاء وإلى قدرتهم على فرض سلطات مضادة.
نحاول إذن خلق توجه سياسي، اجتماعي، ثقافي، يمفصل كل أنواع النضال الجماهيري: من ناحية تلك المطالبة بانتزاع حقوق للناس، أو النقابية، وبصورة عامة تلك المنبثقة عن نضال الجمعيات (الجمعياتية)، ومن ناحية ثانية تلك النضالات (التعبيرات) الجذرية، البديلة، الثورية. إن هذا التوجه يرفض أن يضيع في متاهات الدهاليز المؤسساتية، في السياسة المهنية، إذ هو يمنح الأولوية للنضالات الاجتماعية وللنضال على الأرض مع الناس وللناس.
نريد بالضرورة أن ننتظم كي نكون أكثر فعالية، ولكننا نرفض الحزب شكلاً ومحتوى ووظيفةً. أخيراً ولأننا لا نزعم الإمساك بالحقيقة ولأن اتحاد القوى ضروري كي تزن في ساحة النضال، فإننا نبحث على التلاقيات الممكنة في العمل النضالي وفي الحوار مع كل القوى ضد الرأسمالية. لهذا نقترح فكرة حركة كبرى معادية للرأسمالية وذاتية الإدارة: هي قوة تعددية، واسعة، يشكل تيارنا أحد مكوناتها.
إنها كما تلاحظون قناعات تحدد هوية صراعنا والتي تساهم هذه الوثيقة في إضاحها.
نحن ضد الرأسمالية وبصورة جذرية. نحن لا نعارض فحسب تجاوزات النظام الرأسمالي الذي يهيمن اليوم على العالم أجمع، بل نعارض جذريا كل مرتكزاته: استغلال العمل الإنساني لمصلحة أقليات، أي أصحاب القيادة والامتياز؛ التخريب التدريجي للمصادر الطبيعية (للبيئة)؛ التطور العالمي غير المتساوي والإمبريالية؛ إنسلاب الفرد؛ السيطرة الدولانية على المجتمع.
كوننا ضد الرأسمالية فنحن نرفض منطق السباق من أجل الربح، منطق المؤسسة (أي المؤسسة التجارية)، نمط التطور الإنتاجي، التراتبية و اللامساواة الاجتماعية: نرفض إذن هذه الشعارات التي يطلقها مجتمع يسيطر عليه كلياً نمط إنتاج رأسمالي وطبقات رأسمالية.
نحن معادون للرأسمالية لأسباب اجتماعية، عبر التزامنا في الصراعات الطبقية للطبقة المستغَلة. كما معادون للرأسمالية لأسباب أتيقية (أخلاقية)، عبر التزامنا بالقيم المساواتية، التحررية، قيم العدالة الاجتماعية واحترام خصوصيات كل فرد. وكذلك لأسباب حياتية لأن الرأسمالية تقوم على استغلال أكثر فأكثر ضراوة للطبيعة التي تهدد في أمد منظور استمرار الإنسانية.
نحن معادون للرأسمالية أياً كان الشكل التاريخي الذي تتخذه: رأسمالية ليبرالية أو رأسمالية دولانية. نحن ضد الرأسمالية الليبرالية المؤسَسة على تنظيم “مستقل” للسوق والتي تزعم أنها “ديمقراطية” فيما في الحقيقة هي ترتكز على نمط إنتاج لا ديمقراطي جوهرياً وهي تهدف كلياً لتحقيق أرباح في جيوب الطبقات المسيطرة. كذلك نحن ضد رأسمالية الدولة وإن زعمت أنها “اشتراكية” أو حتى “شيوعية” فيما في الحقيقة هي تقوم على نمط استغلال وسيطرة طغيانية للشغيلة وعلى التحديد التسلطي للسوق لصالح طبقة من أصحاب الامتياز فائقة القوة تتمثل في البيرقراطية و تقنوقراطية الدولة (أي قيادة الحزب). وبالتالي نحن لا ندعم لا دولنة جزئية أو كاملة للرأسمالية الليبرالية ولا خصخصة جزئية أو كاملة لرأسمالية الدولة.
إن معاداتنا للرأسمالية تندرج منذ حين في النضالات اليومية التي هي في البداية محصورة بالضرورة في الإطار المفروض من قبل الطبقات المسيطرة. لكن هذه النضالات تدعمُ، عبر عملية النقد الجذري الذي تمارسه وعبر مشروع مجتمع بديل للرأسمالية، تدعمُ مفهوم اشتراكية “ذاتية الإدارة” وتحررية تساعد في قيام حراك واسع يناضل على خلفية الصراع الطبقي والانتفاضات الثورية الدائمة.
نؤكد أن تقسيم المجتمع إلى طبقات متناقضة يبقى الميزة الأساسية للرأسمالية المعاصرة. لقد عَرِفت الرأسمالية تحولات عميقة؛ فهي لم تكف ولن تكف عن التحول عبر دورة مستمرة من الأزمات والتوسع. وهي في أي حال ترتكز أولاً وأخيراً على علاقات سيطرة قياديين على مُقادين مع اللازمة المعروفة وهي استغلال الطبقات المسيطِرة للشغيلة اليدويين والذهنيين.
إن الطبقات الاجتماعية تتحدَّدُ بموقعها في علاقات السلطة ضمن الإنتاج – إنتاج الأشياء المادية، السلع، التجهيزات، إنتاج الخدمات – وسواء قام هذا الإنتاج في القطاع الخاص أم العام.
ولكن نعني بالطبقات الاجتماعية مجمل المرتبطين بهذه الفئات الاجتماعية والمتموقعة في الإنتاج: العائلات، الشباب، الذين لا يعملون، المتقاعدون، العاطلون عن العمل.. نعني إذن بصراع الطبقات الصراعات القائمة في المؤسسات أو المرتبطة بالعمل، بالبطالة، بالعمل غير الثابت، كما الصراعات القائمة في بقية المجتمع عندما تبرز هذه الصراعات تناقضات طبقية.
لقد طرأت على الطبقات الاجتماعية في الرأسمالية المعاصرة تغييرات في تركيبتها ولا يسعنا بالتالي الاستمرار في الاستناد إلى الصور التي تركها لنا القرن الماضي.
ونعني بالطبقة الرأسمالية مجمل الفئات التي تمسك بزمام القرار في الإنتاج والمجتمع والتي تقرر كيفية توزيع فائض إنتاج القيمة. فقد انضمت اليوم إلى البورجوازية المتميزة بالملكية الفردية شرائح رافقت تطور شركات ومؤسسات وإدارات الدولة: أي البيرقراطية والتقنوقراطية.
البروليتاريا الحديثة لا تقتصر على العمال وحدهم، رغم أن هؤلاء لا يزالون يحتلون مكاناً مهماً في المجتمع. بالنسبة إلينا البروليتاريا هي مجمل المجموعات الإنسانية التي لا تمتلك سلطة قرار حقيقية في الإنتاج، والملزمة بيعَ قوةِ عملها عبر وضعية العمل المأجور. هذه البروليتاريا تتشكل في قاعدتها من الشغيلة اليدويين ومن العمال والمستخدمين. بالإضافة إلى الشغيلة الذهنيين والمسيطَر عليهم والمستغلِّين مثل التقنيين والأساتذة.
إن جزءاً كبيراً من البروليتاريا الحديثة واقع في البطالة والعمل الهش، أي العمل المؤقت، غير الثابت. وهذه البطالة والعمل الهش أصبحا مُعطيين بنيويين وَزِنين في العلاقات الاجتماعية المعاصرة.
بين الطبقة الرأسمالية والبروليتاريا برزت شرائح متوسطة ومأجورة جديدة (كوادر، تقنيون..)، تقوم بمهام إدارة و تأطير. وتكتسب هذه الشرائح وزناً متزايداً سياسياً ولكن ثقافياً أيضاً. إن الصراع الطبقي يفترض أن نميز ضمن هذه الشرائح بين تلك التي يقتصر دورها على الأمور التقنية والمهنية، وتلك التي تشارك في تقرير غائية الإنتاج. هذه الشرائح المتوسطة والمأجورة الجديدة هي متنوعة بصورة قصوية بحيث ينبغي التفريق ضمنها بين شريحتين كبريين: الشريحة الأكثر ثراء والتي تتماهى مع الطبقة الرأسمالية ولا تتميز عنها إلا بقدر ابتعادها عن مراكز القرار، فيما الشريحة الأخرى تتداخل كلياً مع البروليتاريا.
إن تطور القطاع الثالث، وتزايد عدد التقنيين، وتناقص عمال الصناعة في البلدان الصناعية، والعمل الهش والبطالة، كل هذا أدى إلى إزالة الصورة الاجتماعية التقليدية التي كانت لا ترى إلا عمال الصناعة.
يمارَسُ اليوم صراع الطبقات بأشكال جديدة. لقد غدت صورة الطبقة المكونة فقط من العمال، الأقلية العمالية، كطليعة سوسيولوجية وقوة جذب وحيدة، غدت صورة قديمة وبائدة يقتضي استبدالها بمشروع وحدة جديدة، أوسع بكثير توحِد جميع مكونات البروليتاريا الحديثة، الذهنية واليدوية، المأجورة والغارقة في نمط العمل الهش، الصناعية والخدماتية (أعمال القطاع الثالث: التجارة، التأمين..)، مع أخذ الخصوصيات بعين الاعتبار،. هذه البروليتاريا الجديدة، المتعددة الأشكال ولكن القابلة للتوحيد على أساس وضعها المشترك، هذه البروليتاريا المسيطَر عليها والمستغَلَّة، ينبغي أن تبحث عن نقاط تلاقٍ مطلبية وضد رأسمالية مع جماهير واسعة من الشرائح المتوسطة المأجورة التي تسيطر عليها الرأسمالية. هذه التلاقيات سوف تنبني بفضل الصراعات الاجتماعية، الوعي الجماعي، بفضل بروز مشاريع جديدة تحوِّل وتطوِّر المجتمع.
دون أن نَصُبَّ في “رسولية” معينة، وانطلاقا فقط من دورها في علاقات الهيمنة والإنتاج، يمكن الجزم بأن البروليتاريا تحمل في طياتها صراعاً طبقياً دائماً، كامناً حيناً ومتفجراً أحياناً. يفرض هذا الصراع الطبقي على الطبقات المسيطرة تحولات وتسويات دائمة، تحددها موازين القوى، في مجالات العمل، توزيع الثروات، الحقوق، المؤسسات. ولكنها تحمل أيضاً إعادة نظر شاملة للرأسمالية، ما تمَّ التعبيرُ عنه بصورة دائمة على مرِّ التاريخ. يحمل إذاً الصراع الطبقي تحولاتٍ جزئية، متعارضة مع المنطق الرأسمالي والمصالح الرأسمالية، كما يحمل قطيعة ثورية ترسم قواعد مجتمع جديد يحرر الإنسانية جمعاء.
إن مشاركتنا في نضالات البروليتاريا لا تمنعنا من رؤية أن المجتمع على درجة كبيرة من التعقيد والتنوع، وأنه يمثل تشكيلة اجتماعية غير متجانسة تهيمن عليها الرأسمالية وقوانينها (لا سيما قوانين السوق)، وحيث تتعايش أشكال أخرى من الإنتاج (أو قل أشكال أخرى من استغلال الشغيلة): أشكال تعاونية، جمعياتية، ما قبل رأسمالية (الفلاحون، الحرفيون)، و فردانية. ثمة أشكال اجتماعية أخرى تدخل هكذا حقل صراع الطبقات: طبقة الفلاحين، الشرائح المتوسطة التقليدية، الشرائح المتوسطة المأجورة الجديدة، ما يطرح بالضرورة مشاكل نظرية وعملية عديدة لا يمكن اجتنابها خلال سيرورة إيجاد البديل للرأسمالية.
يجب أن نذكر هنا على وجه الخصوص “شغيلة الأرض” (المزارعون) الذين يقبع العدد الأكبر منهم تحت نير استغلال المنظومة المهيمنة، فَهُم يشكلون دوماً فئة اجتماعية مهمة سواء لجهة غائية عملهم أم لموقعهم في البيئة الطبيعية.
إن انتعاش الرأسمالية في القرن التاسع عشر والعشرين ما كان ليتم لولا النهب المنهجي لثروات بلدان الجنوب واستغلال البروليتاريا في الغرب من ناحية واستغلال بروليتاريا شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من ناحية ثانية. تستند الرأسمالية على التطور غير المتساوي على مستوى الكرة الأرضية، على نظام عالمي إمبريالي حيث تفرض نفسها العواصم الكبرى، سواء مباشرة عبر الاستعمار، أم عبر الأنظمة المتواطئة، أم بسلاح المساعدات المصلحية والاستدانة.
ونتائج هذه السيرورة كارثية : تهديم التوازنات الطبيعية والزراعات الحيوية والإنتاج المحلي لصالح قطاعات تصديرية للثروات باتجاه العواصم (المتروبولات الكبرى). هكذا فإن اقتصاديات هذه البلدان هي غير مكتملة، تبعية، غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات السكان. وما هي لازمة هذا الأمر: تزايد اللامساواة، البؤس والجوع. كما الهيمنة المتصاعدة للثقافة الغربية ولنمط حياة غربي لا بد أن يفتت القيم الخاصة لكل شعب.
نطالب فرنسا بإزالة الاستعمار عن بلدان “الدوم توم”، أي مناطق ما وراء البحار. نحن معادون بالكامل “لإمبرياليتنا”، ولا يمكن إلا أن ندعم بالشكل الأكثر وضوحاً نضالات الشعوب الواقعة ضحية هذه الإمبريالية، ولا سيما تلك التي تخوضها وستخوضها شعوب “الدوم توم” من أجل إزالة الاستعمار عن كاهلها. كما نعارض التدخلات العسكرية والحروب التيتسببت بها “دولتنا”.
نحن ندعم جميع نضالات الشعوب ضد الإمبريالية ومن أجل استقلالها. وهذا الدعم المبدئي هو في آن واعٍ ونقدي. لقد أكدت التجربة أن نضالات الاستقلال، المشروعة دوماً في رفضها للسيطرة، وتالياً المستحقة كل الدعم، تُولٌِد في غالب الأحيان أنظمة بيروقراطية، عسكريتارية، أو متورطة في شتى أشكال النيوكولونيالية. لا ترتكز جميع النضالات على المكوٌِنات الاجتماعية ذاتها، ودعمنا يذهب أولاً إلى الفلاحين الفقراء ومختلف شرائح البروليتاريا. لا ترسم جميع حركات التحرر الأهداف نفسها، ولا تستخدم الأسلحة والأشكال نفسها. ندعم أولاً القوى الأكثر ديمقراطية، الأكثر تمثيلاً والأكثر قدرة على مصارعة الرأسمالية والدولانية.
في مواجهة القمع ندعم الطموحات القومية والهوياتية[1][1]. دعمنا أمر أكيد ولكنه دعم نقدي، لا سيما إزاء مفاهيم تنزع إلى تثبيت تعارض بين الشعوب أو محو الواقع الطبقي، كما تتحفنا به الثلاثية المقدسة “أمة/دولة/وطن”. مقابل هذه المفاهيم التي تحمل هيمنات جديدة ينبغي أن نواجهها بطرح آخر يكمن في حق كل شعب في العيش على “أرضه” بالمعنى التاريخي والثقافي للكلمة دون أن يحظر أي شعب، على شعوب أخرى، على ثقافات أخرى، حقٌَها في التعايش مع تلك الشعوب، والاختلاط بها. هدفنا هنا هو الإسهام في خلق مواطنة تقطع مع الانتماءات الإثنية والثقافية والقومية والدينية.
في البلدان الأوروبية وبإشكال مختلفة نجد السيرورة ذاتها، سيرورة التطور غير المتساوي، سيرورة قمع الثقافات والشعوب، والتي ولدت مطالب قومية وأحياناً نضالات من أجل الاستقلال أو الحكم الذاتي (كما في أيرلندا، في منطقة الباسك الإسبانية، في كورسيكا). هنا أيضاً ثمة نضالات مشروعة تنال مشاركتنا أو دعمنا النقدي، لا سيما عندما تحمل هذه النضالات شرائح كبيرة من الشعوب المعنية والتي يمكن أن تفتح أفقاً “ضد-رأسمالي” وتحريري.
يشكٌِل النضال البيئي تاريخياً جزءاً لا يتجزأ من النضال التحرري، كما يشكل برأينا أحد الجبهات الأساسية للنضال الثوري. عدة عناصر تدق اليوم ناقوس الخطر على البشرية وتمنح النضال البيئي أهمية أساسية: التلوث، تخريب البيئة، زعزعة استقرار المنظومات البيئية للكرة الأرضية.
لقد ولٌَدت الرأسمالية قطيعة بين الإنسان والطبيعة. كيف لا والدينامية الخاصة بها تستند إلى ضرورة تحقيق نمو متزايد للإنتاج، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا على حساب نزيف دائم للمصادر الطبيعية. المنطق الإنتاجي هو المسؤول عن تخريب الطبيعة الهائل، عن التدهور العام لإطار الحياة، عن زعزعة لا سابق لها للتوازنات البيئية. تخريب طبقة الأوزون، خلل في التوازنات الحرارية للفضاء، فناء الغابات في النصف الشمالي للكرة الأرضية (“الأمطار الحمضية”)، تلوث المياه من جرّاء رمي النفايات الصناعية والزراعية، تعدد الكوارث الصناعية (الكيميائية والنووية)، تخريب الغابات الاستوائية… تُحَضٌِر لنا الحضارة الإنتاجية للغد مستقبلاً سوداوياً.
إن الحكومات والأحزاب الحاكمة والأجهزة الدولية تكرٌِر الإعلانات وتتخذ أنصاف الإجراءات التي تحفظ المصالح الأساسية للشركات المتعددة الجنسيات والمسؤولية عن التلوث، ولكنها إجراءات غير كافية لكبح شتى أنواع تخريب الطبيعة.
إزاء المشاكل البيئية يبدو أن كل ما تحاول أن تفعله الرأسمالية أو المجتمعات البيرقراطية غير قابل للتطبيق. لقد خرٌَب هذا المنطق الهدف “الطبيعي” للإنتاج، أي تلبية احتياجات المنتجين. يقود هذا المنطق الإنسانيةَ إلى مأزق أكيد.
إن النشاط الإنساني يقترب من حدود لم تعد تستطيع منظومة “الأرض” البيئية تحملَها. ثمة تناقض بين الإبقاء على اقتصاد رأسمالي إنتاجي وبقاء الإنسانية على قيد الحياة.
هكذا فإن النضال البيئي لا يندرج فقط ضمن النضالات من أجل إزالة التلوث ومن أجل وقف تخريب البيئة والطبيعة، رغم ضرورة هذه النضالات. فالنضال البيئي برأينا لا يمكن إلا أن يكون نضالاً ضد الرأسمالية بصورة جذرية. هذا النضال البيئي أو هذا المفهوم البيئي الجديد يجب أن يواجه أولاً منطق وطبيعة المنظومة القائمة، فيعرض نمطه الجديد في التطور، ومفهوماً آخر للعمل والتكنولوجيات، وشكلاً آخر للاستهلاك، وبالطبع علاقة أخرى بين المجتمع والطبيعة. يمكن للنضال البيئي أن يحمل مشروعاً مجتمعياً بديلاً للرأسمالية وبصورة شاملة، ومشروع حياة من نوع آخر مؤسسة على رابط عميق بين البشر والطبيعة، رابط مستعاد[2][2] ومتجدد. ولكن لنُحَذٌِرَ من أمر هام: إن ما نقصده هنا ليس ذلك المفهوم الميتولوجي بعض الشيء، عن طبيعة “صافية” هدمها الإنسان. إذ إن الإنسان ونشاطاته الخلاقة والمنتجة تشكل جزءاً من الطبيعة. إن كوكبنا “الأرض”، بثروته النباتية والحيوانية لم يكن يوماً منظومة جامدة، بل على العكس من ذلك كان دوماً مقراً لتطور دائم، لتوازن دينامي لمكوناته.
إلا أن التطور التكنولوجي للقرن العشرين خلق وضعاً جديداً. فالإنسان قادر اليوم، إن لم يتحكم بتطوره، أن يخلق قطيعة خطيرة، خللاً عنيفاً في توازن الكرة الأرضية. لقد شهد القرن العشرون مرحلة التحول من التلوث “المقبول” (أي الذي يمكن أن يتحمله المحيط البيئي) والذي تسببت به اليد البشرية إلى “فقدان توازن بيئي” يهدد مستقبل الإنسانية. إن الإجراءات المجتزأة ليست فعالة إطلاقاً أمام التزايد الشامل لفقدان التوازن البيئي. ما يجب مواجهته هو المرض وليس حواليه.
والحال أن هذه المواجهة لا تأتي في أولوية برنامج عمل المؤسسات السياسية، كما ليست العمل الوحيد الذي يقوم به الأخصائيون الذين في وسعهم إيجاد حلول للمشاكل المستعجلة التي كشف عنها علمُ البيئة. من أجل التصدي لهذا الأمر يقتضي قيام عمليات تعبئة جماهيرية كبرى. والموضوعات البيئية يجب ان تستعيدَها وترفعَها وتناضلَ من أجلها الحركة العمالية نفسها. لا سيما وأن الشغيلة هم المتضررون الأوائل من الكوارث البيئية، سواء في عملية الإنتاج أم في حياتهم اليومية.
ينبغي أن يتحكم البشر بالنمو السكاني (الديمجرافي)، أن تراقب إنتاجها الصناعي، واستهلاكها للطاقة الوقودية، أن تعيد ابتكار زراعة لا تقضي على مصادر المياه والأتربة. إن الإنتاجية الرأسمالية تتعارض كلياً مع هكذا تطور. من ناحية لأن هذه الإنتاجية تفترض بالضرورة نمواً متفجراً للإنتاج، للاستهلاك وللسكان؛ ومن ناحية ثانية لأنها ترتكز إلى مجتمعات غير مساواتية كلياً، وغير قادرة على التحكم بإدارة جماعية لتوزيع متجانس للثروات المتوفرة.
إن النضال البيئي، ولأن لا معنى له خارج توكيد ضرورة قيام نوع آخر من التطور، فهو مرتبط مباشرة بالنضال من أجل ديمقراطية مباشرة ومن أجل مساواة اقتصادية.
إنه لمن المرتقب أن تتخذ التعبئات البيئية تطورات مهمة. رغم أن تحقيق انتصارات جزئية هو أمر مهم، لكن مفعولها لا يكتمل إلا إذا ساهمت في إضعاف الهيمنة الأيديولوجية لمفهوم الإنتاجية[3][3] على الشعوب، إلا إذا ترافقت مع تطور الديمقراطية والتعاضد بين الناس… وشكلت خطوة باتجاه نمط جديد من التطور.
هكذا فإن النضال البيئي، إذا نظرنا إليه من زاوية مختلفة، يستطيع /ويجب/ أن يرتبط، بالصراعات الطبقية في إطار رفض شامل للرأسمالية.
إن نضالنا ليس موجهاً فحسب ضد شكل من أشكال الإنتاج المادي وسيطرته على العمل والعمل والطبيعة. فنحن نحمل طموحات تحررية تتجاوز الصراع الطبقي وحده. لذا فإن تحرير كل فرد ليس بنظرنا هدفاً ثانوياً بل الهدف الأساسي للصراع الاجتماعي. بعيداً عن أي تعارض بين الأمرين، نحن نعتبر أن الحرية الفردية لا يمكن أن تتقدم بمعزل عن النضال الاجتماعي الجماعي.
منذ آلاف السنين القمع والإنسلاب يخنقان إبداع الفرد والمجموعات الاجتماعية: العنصرية، كره الأجانب، قمع النساء، القيود الأخلاقية التي تمارس ضد المثيلي الجنس، فرض المفاهيم الثقافية… وهذه الإنسلابات لم تخلقها الرأسمالية، بل هي تفيد منها كوسائل تمتن سيطرتها، عبر قمع القدرات الخلاقة والحيوية لكل فرد وعبر تعميق الكراهية والتفتت بين الناس.
تندرج الأديان بين العناصر الأساسية المسببة للإنسلاب: عبر الرؤية للعالم التي تقدمها الأديان، والأشكال التراتبية التي تعتمدها، وتقييد حياة الأفراد ضمن شبكة من العقائد الجامدة والأفكار المحرَّمات المفروضة. فنحن بالطبع مؤيدون لحرية الإيمان وممارسة الطقوس الدينية ونحترم خيارات كل إنسان، ونستنكر كل أشكال القمع والحظر. لكننا نرفض كل إمساك من قبل الأديان بالمجتمع كما نريد إخضاع الأديان لنقد جذري.
نحن إذاً مؤيدون لنضال شامل ضد كل أشكال الإنسلاب والقمع والذي يصبو إلى الاحترام المطلق لهوية كل فرد، كي يستطيع الناس أن يعيشوا، ويحبوا، ويعملوا، ويبدعوا، ويعبروا عن آرائهم بحرية، دون عوائق من حيث العرق، والجنس، والانتماء إلى دولة (الجنسية)، والسن ونمط حياة، أن يستطيع الجميع إيجاد مكان في المجتمع الإنساني، يضمن لهم حياة مزدهرة ووسائل عيش كافية.
إذا كانت الرأسمالية تدعم هذه الإنسلابات المترسخة منذ الأزمنة الغابرة، مع تجديدها لها، فأنها بنفسها حاملة لإنسلابات خاصة: في العمل مثلاً حيث الفرد مجزٌَأ، مهيمَن عليه ومختزَل إلى مجرد سلعة؛ وكذلك في علاقة الإنسان بالطبيعة؛ وفي الحياة اليومية حيث يحدد منطقُ الربح نمطَ الاستهلاك.
نحن إذاً نؤيد تضافر الصراعات الطبقية مع الصراعات المختلفة الأخرى ضد كل أنواع الإنسلاب. إن تهديم النظام الرأسمالي وبناء علاقات اجتماعية مساواتية وتحررية يوفران القواعد الضرورية لحقبة تحرير جديدة.
چرا آنارشیسم، “Libertarian Socialism” (سوسیالیزم آزادیخواه) نیز نامیده می شود؟ A.1.3
بسیاری از آنارشیست ها با توجه به ماهیت منفی و به دور از واقعیت تعریف واژەی “آنارشیسم”، اصطلاحات دیگری را برای تاکید بر ذات مثبت و سازندەی آن به کار بردەاند. بیشترین اصطلاحات به کار برده شده عبارتند از “free socialism” (سوسیالیزم آزاد)، “free communism” (کمونیزم آزاد)،”libertarian socialism” (سوسیالیزم آزادیخواه) و “libertarian communism” (کمونیزم آزادیخواه). برای آنارشیست ها، سوسیالیزم آزادیخواه، کمونیزم آزادیخواه و آنارشیسم عملا به یک معنا است. و یا آنطور که Vanzetti می نویسد:
“در هر حال ما هم همانند سوسیال دموکرات ها،سوسیالیست ها، کمونیست ها و I.W.W سوسیالیست هستیم. تنها تفاوت اساسی بینما و آنان این است که آنان قدرت طلب (طرفدار تمرکز قدرت) بوده ولی ماآزادیخواه هستیم؛ آنان به استقرار دولت و حکومت خود ایمان دارند در حالیکهما به استقرار هیچ نوع حکومت و دولتی ایمان نداریم.” [Nicola Sacco and Bartolomeo Vanzetti, The Letters of Sacco and Vanzetti, p. 274]
اما آیا این صحیح است؟ با مراجعه به American Heritage Dictionary در می یابیم که:
Libertarian (آزادیخواه): کسی که به آزادی عمل و اندیشه ایمان دارد؛ کسی که به آزادی اراده و اختیار باور دارد.
Socialism (سوسیالیزم): سیستمی اجتماعی که در آن تولیدکنندگان، قدرت سیاسی و ابزار تولید و توزیع را در اختیار دارند.
اینک آمیزش این دو تعریف چنین ثمره می دهد: Libertarian Socialism: سیستمیاجتماعی که به آزادی عمل، اندیشه و اراده ایمان دارد. سیستمی کهتولیدکنندگان، قدرت سیاسی و ابزار تولید و توزیع را در اختیار دارند.
با این حال، با ایجاد “حزب آزادیخواه” در ایالات متحدەی آمریکا، بسیاری از مردم اینک واژەی “سوسیالیزم آزادیخواه” را دچار نوعی تناقض می دانند. در واقع بسیاری از “آزادیخوهان” فکر می کنند که آنارشیست ها تلاش دارند تا اندیشەهای ” ضد آزادیخواهانەی سوسیالیزم” را ( آنگونه که آنان تصور می کنند) با ایدوئولوژهای حزب آزادیخواه آمیزش داده و به این ترتیب “سوسیالیزم” را بیشتر “قابل قبول” نشان دهند. به عبارت دیگر، آنان می پندارند که آنارشیست ها تلاش دارند تا واژه و اعتبار “آزادیخواه” را از صاحبان حقیقی آن بدزدند!
اما واقعیت این است که آنارشیست ها واژەی “آزادیخواه” را از سال ٠۱۸۵ تا کنون و برای بیان خود و اندیشه هایشان به کار بردەاند . مطابق آنچه که آنارشیست تاریخدان — Max Netllau — می گوید، آنارشیست انقلابی — Joseph Dejacque — روزنامەی Le Libertaire, Journal du Mouvement Socialرا بین سال های ۱۸۵۷ تا ۱۸۶۱ در نیویورک منتشر کرد. و این در حالی است که تاریخ استفادەی واژەی “کمونیزم آزادیخواه” به ماه نوامبر ۱۸۸۰ برمی گردد. [Max Netllau, A Short History of Anarchism, p. 75 and p. 145]
استعمال واژەی “آزادیخواه” توسط آنارشیست ها از دهه ی ۱۸۹۰ به بعد در فرانسه و به منظور رهایی از قوانین ضد آنارشیست آن زمان و همچنین برای جلوگیری از تصورات منفی مردم از کلمه ی “آنارشی” رواج یافت ( به عنوان مثال، Sebastien Faure و Louis Michel روزنامەی Le Libertaire — آزادیخواه — را در سال ۱۸۹۵ در فرانسه منتشر کردند). بعد از آن و به خصوص در خارج از آمریکا، واژەی ” آزادیخواه” همواره توسط جنبش های آنارشیست به کار رفته است. حتی آنارشیست ها در جولای ۱۹۵۴ در ایالات متحده “The Libertarian Leauge” ( لیگ آزادیخواه) را سازمان دادند که به اصول Anarcho-Syndicalist (آنارکو سندیکالیست) پایبند بود و تا سال ۱۹۶۵ ادامه داشت. اما از سوی دیگر، حزب “آزادیخواه” آمریکا تنها در حدود سال های ۱۹۷۰ به وجود آمد ( یعنی بعد از گذشت بیش از ۱۰۰ سال پس از نخستین باری که آنارشیست ها واژه ی ” آزادیخواه” را برای بیان اندیشەهای خود به کار بردند). بنابراین، این حزب آزادیخواه است که واژەی آزادیخواه را “دزدیده” است و نه آنارشیست ها. در قسمت دوم این FAQ در مورد تناقضات موجود در “آزادیخواهی” کاپیتالیستی به بحث خواهیم پرداخت.
آنچنانکه در قسمت های آینده توضیح خواهیم داد، تنها سیستم مالکیت ” آزادیخواهی سوسیالیستی” (Libertarian – Socialist) می تواند آزادی های فردی را بیشینه ساخته و تضمین کند. لازم به یادآوری نیست که مالکیت دولتی — یا همان “سوسیالیزم دولتی” — برای آنارشیست ها به هیچ وجه سوسیالیزم نیست. در واقع ما در بخش های آینده خواهیم فهمید که سیستم “سوسیالیزم دولتی” نوعی از کاپیتالیسم است و هیج محتوای سوسیالیستی ای را در خود نمی گنجاند. چنانچه Rudolf Rocker آورده است، “سوسیالیزمبرای آنارشیست ها تنها مسئلەی شکم سیری نیست. بلکه مسئله ایجاد فرهنگیاست که هویت فردی و ابتکار آزاد افراد را تضمین می کند. بدون آزادی، جامعهبه سوی حکومت کاپیتالیستی سوق خواهد یافت و تمام تفکرات و احساسات افرادقربانی منافع عدەای موهوم خواهد شد.” [quoted by Colin Ward, “Introduction”, Rudolf Rocker, The London Years, p. 1]
پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.