يزعم السلطويون الديمقراطيون أن الديمقراطية التمثيلية النيابية هى أقرب شكل ممكن لممارسة السلطة يضمن الحرية للبشر، وما هى فى الحقيقة سوى مجرد إعطاء الأغلبية الحق فى أن تذهب بشكل دورى لتختار من بين السياسيين الرأسماليين والبيروقراطيين الذين يمثلون النخبة الحاكمة من سيمارس عليهم السلطة، وباسمهم، فى تمثيلية لا تنطلى إلا على السذج، فمن يملكون أى من مصادر السلطة، هم وحدهم القادرين واقعيا على الفوز فى الترشيح للمجالس التمثيلية الذى يكتفى المحرومون منها واقعيا بمجرد حقهم القانونى والشكلى فى الترشيح، فليس لهم سوى اختيار أى من هؤلاء المرشحين سيمثلهم لعدة سنوات، معتمدين فى اختيارهم على مدى تأثرهم بالدعاية الانتخابية التى تملك وسائلها النخب الحاكمة والمالكة التى يمثلها هؤلاء المرشحين.
فى حين نؤكد نحن على شكلية ديمقراطية الصندوق الانتخابى، ومن ثم نرفضها، فالممارسة السياسية عبر الصناديق الانتخابية مهزلة سخيفة، وخدعة كبرى تمارس باسم الحرية، ولا يمكن أن تأتى بمن يعبرون عن المصالح النهائية للبروليتاريا، لأن النخب السياسية البرجوازية سواء فى الحكم أو فى المعارضة تحتكر وحدها دون البروليتاريا الناخبة كل وسائل التأثير على عقول تلك البروليتاريا، والمحجوب عنها المعرفة، والمعلومات الضرورية، مما يجعلها عاجزة عن اتخاذ القرار الصحيح، فضلا عن انها خاضعة أساسا لعملية تشكيل العقل و توجيهه إلى ما تريده هذه النخب من أراء، و التى تتنافس فيما بينها فى لعبة كراسى موسيقية، لتبادل مقاعد الحكم و المعارضة، فبطاقة الاقتراع بين أيدى شعب أهمل تثقيفه عمدا، وتنتشر بين أفرادة كافة أنواع الأميات الأبجدية والثقافية والمعلوماتية، وتتسلط عليه أدوات غسل العقل وتعليبه، و صناعة الوعى وتشكيله، ليست سوى حيلة ماكرة لإنتاج وتجديد إنتاج نخب حاكمة ترتدى أقنعة التمثيل الشعبى الكاذب، و مهمتها الجوهرية هى أن تحافظ على مصالح ملاك الثروة و وسائل العنف والمعرفة.
يؤكد ما نذهب إليه ضعف الحركات السياسية والنقابية العمالية، وأن المشاركة الجماهيرية فى النقابات و الأحزاب السياسية خصوصا، والعملية البرلمانية عموما قد تدهورت بمعدلات مذهلة، لتتحكم فى العملية السياسية كلها جماعات الضغط للقضية الواحدة كالبيئةـ و الأقليات من جانب الناخبين، والمال والعصبيات القبلية والطائفية، وأن العملية الانتخابية والممارسة البرلمانية من أولها لآخرها هى مجرد سيرك للثرثرة و التضليل، فنجاح الحملات الانتخابية للمرشحين تعتمد على وسائل الترويج الإعلانى بأكثر مما تعتمد على البرامج الانتخابية، وذلك لجذب أصوات جماعات الضغط، والناخبين عادة لا يجدون فروقا واضحة بين البرامج تستدعى الاهتمام بالاختيار بين المرشحين، ومن ثم يعتمد النجاح فى الانتخابات على الجوانب الشخصية للمرشح، وإمكانيه جذبه لأصوات الناخبين، الذين قد ينجذبون لما له من جاذبية شخصية لا اقتناعا بالبرنامج الانتخابى الذى يقدمه.
ديكتاتورية البروليتاريا
يدعى السلطويون الاشتراكيون أننا يجب أن نمر بمرحلة انتقالية مؤقتة نحو المجتمع الشيوعى، تسمى ديكتاتورية البروليتاريا تقوم فيها الدولة الاشتراكية، باحتكار كل السلطات ومصادرها باسم البروليتاريا التى تقع فى العبودية لمن يملكون السلطة الفعلية من الساسة والبيروقراطيين والعسكريين، والدولة الاشتراكية هنا مؤسسة كلية القدرة والجبروت تسحق كل الخاضعين لسلطانها الشامل بأسوأ مما تفعله الدولة الرأسمالية، وهى تستند على تمثيل البروليتاريا، لتبرر السلطة الواقعية لأفراد ونخب سياسية، يسيطرون فعليا على مصادر السلطة الواقعية دون من تدعى تمثيلهم، ومن ثم تنفرد تلك النخب بممارستها، فمن يحوز على السلطة ومصادرها لا يتنازل عنها، بل لابد وأن يدافع عن ما يحوزه بكل الوسائل الممكنة مهما بلغت شراستها، ومهما كانت أفكاره ونواياه المعلنة، فأنه مضطر لخيانتها لمقتضيات الحفاظ على موقعه فى السلطة، هذا ما أثبتته وقائع التاريخ فى الدول التى كانت تدعى بالاشتراكية، وما يبرهن عليه المنطق، فالبشر الأعلى ليسوا بملائكة حتى يتنازلوا عن امتيازاتهم ونفوذهم بمحض إرادتهم دون أى ضغط عليهم من من هم أسفلهم من البشر .
الاشتراكية الإصلاحية
يعتقد السلطويون الإصلاحيون بواقعية الإصلاح عبر كل من البرلمان والنضال النقابى فى ظل الديمقراطية البرلمانية وهذا لأنه مع ثمانينات القرن التاسع عشر دخلت الرأسمالية مرحلتها الاحتكارية، التى تميزت بتكون هامش ربح إضافى سمى بالربح الاحتكارى الناتج عن الأوضاع الاحتكارية للمؤسسات الرأسمالية، وما تلى ذلك من الارتباط المباشر بين تلك المؤسسات الرأسمالية والدولة، و هذا ساعد مع تصاعد النضال العمالى من أجل تحسين ظروف العمل والحياة، فضلا عن الحصول على الحقوق السياسية للبروليتاريا فى بعض البلدان، على نشأة وتطور الإصلاحية بملامحها المعروفة، فقررت الطبقات الرأسمالية، و بما توفر لديها من فوائض مالية من الربح الاحتكارى، و عن اضطرار، أن تستجيب لبعض المطالب العمالية النقابية والسياسية التى لا تمس الجوهر الرأسمالى، وهو ما قلم أظافر الطبقة العاملة فى النهاية وروضها تدريجيا، الأمر الذى دشنه فكريا مفكروا الإصلاحية والاشتراكية الديمقراطية، فالطريق الإصلاحى الواقعى الذى رسموه لخوض الصراع الطبقى تحول لدي من أتوا بعدهم لتعاون طبقى، ثم تدهور مؤخرا موقف الإصلاحية ليصبح الدفاع عن الرأسمالية باسم الليبرالية ذات البعد الاجتماعى والأخلاقى فيما بعد، ونلاحظ أنهم فى كل تلك الأحوال سعوا للفوز بأغلبية مقاعد البرلمانات، والوصول للسلطة عبر صناديق الاقتراع من أجل الإصلاح التدريجى للرأسمالية، مبشرين بامكانية تحولها إلى الاشتراكية، وتورطوا من أجل ذلك فى الممارسات السياسية اللاأخلاقية، هكذا بدأوا بالفعل، حتى انتهى بهم الحال ليكونوا مجرد أداة لحل أزمات الرأسمالية، وتجميلها، بتسكين آثار الصراع الطبقى وتهدئتها، وكان ما أضاف للإصلاحية قوة دفع كبيرة طوال القرن العشرين، هو زيادة التدخل الحكومى فى الاقتصاد لتنشيط الطلب العام على السلع والخدمات، وذلك بزيادة الانفاق الحكومى العام، بواسطة زيادة الضرائب، وذلك للقضاء على الكساد والبطالة وتوسيع سوق الاستهلاك.
أضيف إلى هذا عامل سياسى آخر هو ظهور الكتلة المسماة بالاشتراكية، وما شكلته من نموذج بديل ألهم بشعاراته البروليتاريا بالثورة طوال القرن العشرين، مما اضطرت معه الرأسمالية المتقدمة لتقديم المزيد من التنازلات للطبقات العاملة و الوسطى فيما عرف بدولة الرعاية الاجتماعية، ساعد فى ذلك قوة نفوذ النقابات والأحزاب الإصلاحية فى البلاد الرأسمالية المتقدمة التى حققت فيه الطبقات العاملة والوسطى مستويات مرتفعة من المعيشة، كما شهد العالم بأسره عهدا من الرواج والتشغيل شبه الكامل للعمالة بعد الحرب العالمية الثانية، وزيادة التدخل الحكومى بدرجات متفاوتة فى الإنتاج لصالح رفع مستوى معيشة الطبقات الشعبية، و قد وصف البعض ذلك العهد بربع القرن المجيد الذى بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية، و انتهى بدخول الرأسمالية مع أوائل السبعينات مرحلة جديدة عرفت بالكوكبية ذات ملامح مختلفة تماما عن المرحلة السابقة، مما أدى لأفول الإصلاحية البرلمانية والنقابية، التى تدهورت لتتحول إلى مجرد ليبرالية رأسمالية ذات حس اجتماعى، يسميها مفكروها بالطريق الثالث الذى هو مسخ لا معنى له بالنسبة للإصلاحية القديمة التى كانت الأكثر نجاحا فى تحقيق أهدافها، والأكثر منطقا فى مبرراتها النظرية.
والعامل الأهم الذى أدى لأفول الإصلاحية هو ما أصطلح عليه بديكتاتورية أسواق المال العالمية، فقد أدى تدويل الإنتاج السلعى إلى ضرورة تخلى الدولة عن تدخلها المباشر فى الإنتاج، الذى ميز المرحلة الاحتكارية، ومع حرية انتقال رؤوس الأموال عبر العالم أصبح على الحكومات أن تسترضى المستثمرين بتحقيق أفضل مناخ ممكن لهم، وذلك بتحرير حركتهم وتدليلهم مقابل تقييد دور الحكومات، وتقليص حقوق العمال واضطهادهم، وذلك بتخفيض الضرائب وزيادة الإعفاءات من التزامات الرأسماليين قبل الحكومات، وبيع القطاع الحكومى فيما عرف بالخصخصة، وضمان عدم التدخل الحكومى فى النشاط الرأسمالى إلا لصالح تشجيع الاستثمار، وتعظيم أرباحه على حساب رفاهية العمال، ومن ثم تقليص الإنفاق العام على عكس ما تفترضه السياسة الإصلاحية، حتى أصبح التنافس بين حكومات العالم الآن ينحصر فى توفير أفضل مناخ للاستثمار لجذب رؤوس الأموال، وذلك بالضغط على الطبقات العمالية و الوسطى . فأكثر الإصلاحيين النقابين و البرلمانيين جذرية الآن لن يستطيع أن يفعل أى شىء للطبقات العاملة إلا تقديم الوعود التى سوف تتحطم على صخرة استرضاء رؤوس الأموال المقيمة بالبلاد لكيلا تهرب للخارج حيث المناخ الاستثمارى أكثر ربحية، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية بإغراءها بالقدوم للداخل، وذلك بتوفير أفضل الفرص لها للاستثمار، فهروب رأسالمال يعنى تفاقم مشكلة البطالة، وضيق سوق العمل والاستهلاك على السواء، ولذلك لا مفر من طاعة الحكومة للرأسماليين وتدليلهم، وقد صعدت ديكتاتورية أسواق المال فى وقت شهدت فيه الرأسمالية ظاهرة الركود التضخمى، وهو ما يعنى أن الحلول الإصلاحية القديمة للأزمات الاقتصادية الدورية لم تعد تصلح، فحل أزمة الركود يعنى زيادة الإنفاق العام مما سيزيد من معدل التضخم، وحل مشكلة التضخم يعنى اتخاذ سياسات تقشقية تزيد من معدل الركود . ما أضعف النقابية والإصلاحية أيضا الارتفاع المطرد فى معدلات البطالة فمع اتساع جيش العمال المتعطلين يصعب على جيش العمال المشتغلين الضغط على أصحاب العمل، بل و قد يضطرون لقبول شروط أسوء للعمل للحفاظ على ما يحوزونه من فرص العمل التى تتضائل باستمرار واضطراد، ويتشوق للحصول عليها المتعطلون بشروط أكثر سوءا.
تدهور الإصلاحية كان نتيجة منطقية أخرى أيضا للسقوط المدوى للاشتراكية التسلطية البيروقراطية، مما أعفى الرأسمالية من الخوف القديم من البديل الملهم بالثورة العمالية، وخصوصا أن هذا السقوط ألحق الضرر على المدى القصير بالحركات السياسية الثورية، فما الذى يضمن للناس أن الثورة لن تسلب منهم كما حدث من قبل، ومن يضمن أنها لن تتدهور لهذا النموذج الكئيب الذى تكشف لهم سواء قبل وبعد السقوط، ومن ثم و إزاء التهميش الواسع للسكان، وفقدان الثقة بالثورة، يغرق المهمشون والخائفون من التهميش على السواء انفسهم فى شتى أنواع المخدرات والأوهام والخيالات. لكل هذه العوامل التى لا علاقة لها بالرومانسية والخيالية نقول أن الإصلاحية باتت أكثر خيالية من الطريق الثورى، برغم كل ما يتراص فى هذا الطريق من صعوبات وعراقيل
لا يوجد أي طريق يقود من الميتافيزيقية إلى الوقائع الحقيقية للحياة . هناك هاوية واحدة تفرق النظرية عن الواقع . و من المستحيل أن تتجاوز هذه الهاوية بواسطة ما أسماه هيغيل (( القفزة النوعية )) من عالم الفكر إلى عالم الطبيعة و الحياة الواقعية .
الطريق الذي يقود من الواقع المعين إلى النظرية و بالعكس هو الأسلوب العلمي و يعتبر الطريق الواقعي . في العالم الواقعي هناك الحركة الاجتماعية نحو أشكال تنظيمية التي ستعكس بدورها صورة الحياة نفسها بكل جوانبها و تعقيداتها في أكبر مكان ممكن .
هكذا هو طريق البشر نحو الحرية الكاملة التي ستكون حقا للجميع , طريق الثورة الاجتماعية الأناركية التي ستنشأ من البشر أنفسهم الذي سيشكلون قوة تقضي على كل العقبات . فيما بعد ستخرج بشكل عفوي الأشكال الخلاقة للحياة الاجتماعية من قاعدة الروح الشعبي . طريق السادة الميتافيزيقيين يختلف تماما . ميتافيزيقيون هو تعبير نستخدمه عن أنصار هيغيل و عن الوضعيين و عن كل أولائك الذين يعبدون العلم كإله , كل أولائك الذين يمجدون بروكروستي , الذين بوسيلة أو بأخرى صنعوا معيار لمجتمع مثالي مؤلف من سجن ديق يريدون دفع كل الأجيال القادمة نحوه , كل أولائك الذين بدل أن ينظروا إلى العلم كجزء من الأحداث الأساسية للحياة الطبيعية و الاجتماعية يصرون على أن الحياة كلها تتوقف عند نظرياتهم العلمية التجريبية الإجبارية . الميتافيزيقيون و الوضعيون هم أولائك الذين يحاولون فرض قوانينهم الاستبدادية على الحياة باسم العلم , و هم شاؤوا أو أبوا عبارة عن رجعيين . هذا أمر يتسهل قبوله.
العلم بالمعنة الحقيقي للكلمة هو الآن بيد أقلية غير مهمة . على سبيل المثال عندنا في روسيا كم عدد العلماء المهنيين من أصل السكان الذي يصل تعدادهم إلى 8 ملايين نسمة ؟ ربما ألف يعلمون بقطاعات علمية ولكن ليس أكثر من مئات قليلة يمكن أن يعتبروا علماء جديين . فإن كان العلم هو من يجب أن يملي القوانين فأغلبية الملايين ستحكم من قبل مئة أو مئتان من المختصين . و في الواقع سيكون الحكام أقل من هذا بكثير فكل الفروع العلمية لا تعنى بإدارة المجتمع . هذا سيكون واجب علماء الاجتماع – علم العلوم – و عالم اجتماع حقيقي عليه أن يكون على اتطلاع بكل العلوم الأخرى . كم من هؤلاء الناس يوجد في روسيا أو في كل أوروبا ؟ عشرين أو ثلاثين ؟ وهل سيحكم هؤلاء العشرين أو الثلاثين العالم ؟ هل يستطيع أحد أن يتصور شيء أكثر لا منطقية و استبداد أفظع من هذا ؟
شيء أكيد بأن هؤلاء العشرين أو الثلاثين سيتقاتلون فيما بينهم و إن اتفقوا على خط سياسي ما فسيتحمل نتائجه الجنس البشري. أهم مساوئ الشبه مختص هو توجهه نحو تقوية معرفته للتقليل من أهمية معرفة كل شخص آخر . أعطه سلطة الرقابة و سيصبح طاغية ساحق . أليس من العار أن تكون البشرية عبيد عند اختصاصيين معياريين ! أعطوهم السلطة المطلقة لرونهم يستخدمون الكائنات البشرية لتجاربهم كما يستخدم العلم اليوم الأرانب و الكلاب .
يجب أن نحترم العلماء لعطآتهم و إنجازاتهم , و لكن لمنع فساد مستواهم الفكري و الأخلاقي يجب ألا يمنحوا حقوق و امتيازات خاصة تختلف عن تلك التي يمتلكها أي شخص – على سبيل المثال حرية التعبير عن المعتقدات و الفكر و المعرفة – لا يجب أن يعطى لا لهؤلاء و لا لأي مجموعة اختصاصية غيرهم ليتسلطوا على غيرهم . و أولائك الذين أعطوا السلطة لا جدال بأنهم سيصبحون الظالمين و المستغلين في المجتمع .
إلا أنهم قد قالوا لنا كلاما آخر (( العلم لن يكون مدى الحياة ملك للقليلين سيأتي زمن و يصبح حقا للجميع )) زمن كهذا بعيد جدا و حتى يتحقق يجب أن تحدث اضطرابات اجتماعية كثيرة و لكن و حتى لو وصلنا إلى هذا الزمن من سيثق بوضع قدره بيد قديسي العلم .
أعتقد بأن من يؤمن بأنه بعد الثورة الاجتماعية سنصبح جميعا مثقفين هو مخطئ . حينها كما هو الآن العلم سيبقى أحد القطاعات الاختصاصية إلا أنها ستكون حق للجميع و ليس لقلة من أعضاء الطبقة السائدة . بإلغاء الطبقة العلم سيصبح حق لكل أولائك الذين يملكون القدرة و الإرادة لطلبه , و لكن ليس على حساب العمل العضلي الذي سيكون إجباري للجميع .
في متاح الجميع سيكون هناك تعليم علمي عام و خصوصا تعليم الطريق العلمي , تعويد التفكير الصحيح , و قدرة أن يقوم أحدهم بأشياء صحيحة بنسب أقل أو أكثر . و لكن موسوعات فكرية و علماء اجتماعيين متقدمين سيكونون قليلين جدا . سيكون من المؤسف للجنس البشري أن يكون التفكير النظري هو البئر الوحيد الذي يقود المجتمع , إن كان العلم وحده هو الذي يدير المجتمع . الحياة ستطفأ و البشرية ستتحول لقطيع عبودي صامت . سيادة العلم على الحياة لا يمكن أن يكون له نتيجة إلا وحشية الجنس البشري .
نحن الأناركيست الثوريين نؤيد التعليم لكل الشعب , و الحرية , و أكبر مجال تمديد للحياة الاجتماعية . إلا أننا أعداء للدولة و كل شكل من أشكال سيطرة الدولة . بعكس الميتافيزيقيين و الوضعيين و أولائك الذين يعبدون العلم ,نعلن بأن الحياة الاجتماعية و الطبيعة يسبقون النظرية التي هي عبارة عن حدث في الحياة إلا أنها ليست مؤسسها . خارج العمق الذي لا ينضب للمجتمع تحدث مجموعة مستمرة من التطورات و لكن ليس فقط عن طريق التفكير . النظرية تولد دائما من الحياة , و لكن أبدا لا تشكلها , كلافتات الطرقات التي قد تدلك على الطريق و الخطوات المختلفة للخيارات الوحيدة و المستقلة للحياة .
على هذا الأساس نحن لا نطمح لإرغام نفسنا أو غيرنا على شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي مأخوذة من كتب أو موضوعة من قبلنا . نؤمن بأن البشر يملكون داخلهم و داخل غرائزهم ( التي تتطور أكثرأو أقل من خلال المسيرة البشرية ) في حاجاتهم اليومية و في طموحاتهم التي يشعرون و التي لا يشعرون بها كل مزاية التنظيم الاجتماعي المستقبلي . نبحث عن هذا الشيء المثالي داخل البشر نفسهم . كل سلطة دولة و كل حكومة من طبيعتها تقرر من دون و من فوق الشعب و ترغم الناس دون جدل على الخضوع لتنظيم و أهداف غريبة و خارجة عن طموحات البشر . نعلن بأننا ضد كل حكومة و كل سلطة دولة و كل تنظيم حكومي بشكل عام . نعتقد بأن البشر يمكن أن يكونوا أحرار فقط حين ينظمون من القاعدة إلى الأعلى في اتحادات مستقلة و حرة دون الأبوية الحكومية و لكن ليس بدون تأثير التشكيلات الفردية و الحزبية .
أفكار كهذه نملك كثوار اجتماعيون و لذلك ندعى أناكيست . لا نحتج لهذا الاسم و لكن لأننا أعداء كل سلطة حكومية لأننا نعلم بأن سلطة كهذه تفسد من يرتديها و أولائك الذين يجبرون على الخضوع لها . فنتيجة لآثارها الضارة الفئة الأولى يتحولون لمستميتين و طموحين طغاة و مستغلين للمجتمع من أجل مصالحهم الطبقية و الشخصية أما الأخرين فيصبحون عبيد .
كل المثاليون و الميتاقيزيقيون و الوضعيون أولائك الذين يؤيدون سلطة العلم على الحياة و الثوار العقاديون يؤيدون جميعا فكرة الدولة و سلطتها بشكل متشدد لأنهم يرون فيها نظامهم و أملهم الوحيد لإنقاذ المجتمع . شيء منطقي جدا إذا كانوا معتمدين على الاقتراح الأساسي ( الذي نعتبره كاذب ) أن الفكرة تسبق الحياة و أن النظرية توجد قبل الخبرة الاجتماعية و أن علم الاجتماع يشكل بداية كل الانتفاضات الشعبية و إعادة الهيكلة يصلون إلى نتيجة حتمية تقول لأن الفكر , النظرية و العلم موجودون بأيادي قلة من الناس على الأقل في هذه الأيام فهؤلاءالقلة هم من سيقود الحياة الاجتماعية و لن يكونوا فقط الرواد بل قادة كل الحركات الشعبية . و فورا بعد الثورة التنظيم الاجتماعي الجديد لن ينظم من قبل الرابط الحر الموجود بين التنظيمات و الاتحادات الشعبية المحلية و غير المحلية من الأسفل إلى الأعلى كما هو مطلب و غريزة البشر , و لكن فقط عن طريق ديكتاتورية القلة المتعلمة التي تعتبر ممثل الإرادة الشعبية .
طريقة التمثيل الكاذب الحكومي تستخدم لتغطية سيادة الشعب من قبل إليت مميز , أقلية منتخبة من جموع شعبية مخدوعة لا تعرف لمن و لماذا انتخبت . باستخدام هذه التقنية و التعبير التجريدي لها الذي يعتقد بشكل كاذب بأنها تمثل الإرادة الشعبية و التي الناس الحقيقيون لا يعلمون شيئا عنها , يبنون نظرية الدولة كما يبنون نظرية الديكتاتورية الثورية .
الفرق بين الديكتاتورية الثورية و الدولة معدوم فالاثنان يمثلون نفس القاعدة ألا و هي حكم الأقلية على الأكثرية باسم الغباء المزعوم للفريق الثاني و الذكاء المزعوم للفريق الأول يبقى الفريقان فريقان رجعيان حيث أن الفريقان يعملا على حفظ و إدامة الحقوق السياسية و الاقتصادية للأقلية السائدة و العبودية السياسية و الاقتصادية للجماهير الشعبية .
هذا الآن يظهر بشكل واضح فالديكتاتوريون الثوريون إلى قلب القوة الحالية و الهيكل الاجتماعي ليبنوا على أطلالها ديكتاتوريتهم لم و لن يكونوا أعداء للحكومة بل على العكس هم دائما المروج المستميت لفكرة الحكومة . هم أعداء للحكومات الحالية لأنهم يريدون أن يستبدلوها . هم ضد الهيكل الحكومي الحالي لأنها تمنع نشوء ديكتاتوريتهم . إلا أنهم و بنفس الوقت أكثر الأصدقاء التزاما بسلطة الدولة لأنه في حال دمرت الثورة هذه السلطة محررة بشكل الجموع بشكل حقيقي ستمنع هذه الأقلية الثورية الكاذبة من أي أمل بالإساءة للجموع التي أرادوا تحويلهم لورثة سياساتهم الحكومية . لقد عبرنا مرارا وتكرارا عن نفورنا من نظريات ماركس و لاسال الذين يعتمدون على العمال بهدف تأسيس الدولة الشعبية , التي و اعتمادا على تحليلاتهم ليست إلا البديل البروليتاري في مكان السلطة الحكومية .
و لكن فليسمح لنا بالسؤال : إن كانت البروليتاريا هي الطبقة السائدة فعلى من ستحكم ؟ باختصار ستحافظ على وجود بروليتاري آخر يكون خاضعا لهذه السلطة الجديدة لهذه الدولة الجديدة . على سبيل المثال القرويون الذين لا يحظون باحترام الماركسيين باعتبارهم يمثلون مستوى ثقافي أدنى سيحكمون غالبا من العمال الصناعيين بالمدن . أو إن كان يجب أن ننظر إلى هذه المشكلة من وجهة نظر قومية فالسلافيين سيصبحون في نفس موقع الرضوخ للبروليتاريين الألمان المنتصرين حيث يرضخ الآن هذا الأخير للطبقة البورجوازية الألمانية .
طالما الدولة الموجودة فسيادة طبقة على طبقة ستبقى موجودة و النتيجة ستكون العبودية . فدولة دون عبودية هو أمر خيالي لذلك نحن ضد كل دولة .
ماذا يعني بأن طبقة البروليتاريا ستصبح الطبقة السائدة ؟ هل من المعقول أن تكون البروليتاريا بأجمعها على رأس الحكومة ؟ يوجد تقريبا 4 ملايين ألماني . هل من الممكن أن يكون الأربع ملايين هؤلاء أعضاء بالحكومة ؟ في هذه الحالة لا يوجد لا دولة و لا حكومة فإن كان هناك دولة سيكون هناك من يحكم و من هو عبد .
النظرية الماركسية تحل بشكل بسيط هذه المعضلة . فبقولهم حكم شعبي يقصدون حكم قلة ممثلة منتخبة من قبل الشعب . الحق الشعبي لانتخاب الممثلين الشعبين في الحكومة و الكلمة الأخيرة للماركسيين و للديمقراطيين . و هو عبارة عن كذبة تختفي خلفها الأقلية السائدة , كذبة يزداد خطرها بادعائها تمثيل الإرادة الشعبية .
و في النهاية و من أي جهة نريد أن ندرس هذه الكذبة سنرى بأنها تؤدي لأن تحكم الجموع الشعبية من قبل أقلية مميزة . الماركسيون يقولون بأن هذه الأقلية ستكون من العمال . نعم قد تكون هذه الأقلية مؤلفة من عمال سابقين يتوقفون عن كونهم عمال ما أن يصلوا إلى سدة الحكم و سينظرون إلى جموع العمال البسطاء من موقع سلطتهم الحكومية , لن يمثلوا الشعب بعد بل سيمثلون أنفسهم فقط و مطالبهم لممارسة السلطة على الشعب . أولائك الذين يرفضون هذا لا يعرفون إلا القليل عن الطبيعة البشرية .
الماركسيون يقولون بأن هؤلاء الممثلون المنتخبون سيكونون اشتراكيون مثقفون و ملتزمون . التعابير المشابهة (( لمثقفين اشتراكيين )) و (( اشتراكية علمية )) و …. إلخ الموجودة بشكل كبير في كتابات أنصار لاسال و ماركس تدل على أن الدولة الشعبية الكاذبة ليست إلا استبداد رقابي للسكان من قبل فئة قليلة من العلماء الكاذبين . و الناس الغير مثقفين سيتحولون إلى قطيع منضبط . يا لها من حرية حقيقية !
الماركسيون يعلمون جيدا عن هذا التناقض و يعترفون بأن حكومة علماء ستكون ديكتاتورية مهما كان شكلها الديمقراطي . إلا أنهم يتواسون بأن هذه السيادة ستكون لفترة وجيزة . يقولون بأن هدفهم الوحيد و تثقيف الشعب و رفع مستواه الاقتصادي و السياسي لدرجة دولة من هذا الشكل تصبح غير مهمة و الدولة تخصر حينها دورها القمعي ستتحول إلى تنظيم حر للمصالح الاقتصادية و الكمونات .
يوجد تناقض مهم في هذه النظرية . فإن كانت دولتهم حقا دولة شعبية لماذا يريدون إلغاءها ؟ و إن كانت الدولة ضرورية لتحرير العمال إذا العمال الذين يعيشون بهذه الدولة لم يتحرروا بعد . لماذا إذا تدعى هذه الدولة بالشعبية ؟ بحربنا ضد هؤلاء دفعناهم للاعتراف بأن الحرية أو الأناركية التي هي عبارة عن تحرير الجموع الشعبية و تنظيمها من الأسفل للأعلى هو الهدف النهائي و للتطور الاجتماعي و أن أي دولة دون أن نستثني دولتهم الشعبية هو عبارة عن تزاوج يتألف من الاستبداد من جهة و العبودية من جهة أخرى . يقولون بأن ديكتاتورية كهذه هي انتقال مرحلي نحو الحرية المطلقة للبشر و بأن الأناركية و الحرية هم الهدف , إلا أن الدولة و ديكتاتوريتها هي وسيلة , و هكذا حتى تتحرر الجموع الشعبية نحتاج أولا إلا الاستعباد ! حربنا مع هؤلاء يتوقف عند هذا التناقض . الماركسيون يصرون على أنه فقط عن طريق ديكتاتورية ( طبعا ديكتاتوريتهم ) يمكن أن يتحرر الشعب . و نحن نرد عليهم بأن أي ديكتاتورية لا تهدف إلا للمحافظة على ذاتها و بأنها ستولد استبداد الناس و العبودية . الحرية يمكن أن تولدد فقط من الحرية و من انتفاضة جماعية شعبية و تنظيم إرادي للناس من القاعدة إلى الأعلى .
إن نظرية الاشتراكيين المضادين للدولة أو الأناركسيت تقودهم حتما للصراع مع كل أشكال الدولة و مع كل خطوط السياسات البورجوازية و لا تختار طريق إلا الثورة الاجتماعية . النظرية المواجة الشيوعية السلطوية و حكم العلماء تجذب و تسبب ارتباك لأنصارها و تحت حجة التكتيك السياسي تقوم دائما بتعاملات مع الحكومة و الأحزاب البورجوازية و تسير بشكل فادح بطريق الرجعية .
النقطة التأسيسية لهذا البرنامج هو أن الدولة وحدها تستطيع تحرير البروليتاري ( الكاذب ) . لكي يتحقق ذلك يجب أن تهتم الدولة بتحرير البروليتاري من الرأسمالية . هل المعقول أن تملك الدولة إرادة كهذه ؟ ليتحقق ذلك يجب أن تصبح الدولة بيد البروليتاري عن طريق ثورة عن طريق عمل بطولي . و لكن ما أن يستحوذ البروليتاري على الدولة يجب بشكل مباشر أن يلغي هذا السجن الأبدي للبشر . و لكن اعتمادا على ماركس فالبشر ليس عليهم فقط بعدم إلغاء الدولة بل على العكس عليهم تقويتها على مدها و أن يتركوا المجال متاح للمحسنين الأوصياء المعلمين قادة الحزب الشيوعي , يعني بالنسبة للسيد ماركس و أصدقاؤه سيحررون الشعب بطريقتهم الخاصة , و سيحصرون السلطة بين أيديهم القوية , لأن الشعب الغير متعلم يحتاج إلى وصاية قوية , كما سينشؤون بنك حكومي , الذي سيتحكم بكل التجارة , الصناعة , الزراعة و حتى العلم . و الجموع ستفصل إلى معسكرين , الزراعيين و الصناعيين , و سيكونون تحت الإدارة المباشرة لسلطة الدولة , التي ستتكون من طبقة العلماء السياسيين المميزة الجديدة .
أن الاشتراكية التحررية ترتكز على الدحض الكامل لمجموعة من الأساطير السائدة بقوة بين الناس،وهى تعيق تقبلهم للأناركية، ومن البديهى أنها و رغم كونها قناعات الغالبية، إلا أنها ليست بالضرورة قناعات صحيحة، ومن ثم يمكن لنا رفضها ببساطة، والتشبث بما نراه صحيحا، لأنه دائما ما كان التطور الاجتماعى نتيجة أفكار طلائع ورواد كانوا دائما يشكلون قلة اجتماعيا قبل أن تسود رؤيتهم بين الغالبية
ضرورة الدولة
يدعى السلطويون أن السلطة القمعية التى تعتبر الدولة أهم مؤسساتها، ضرورة اجتماعية مطلقة لضمان سير المجتمع وتماسكه وحمايته من أعدائه الخارجين عن قوانينه، وقواعده، وأعدائه، من الطامعين فى السيطرة عليه وغزوه، وحماية غالبية المواطنين الصالحين والطيبين من القلة الضالة والمنحرفة والخارجة عن السيطرة والقانون، وأن المشكلة ليست فى السلطة القمعية فى حد ذاتها، ولكن فيمن يمارسها، وكيف يمارسها. أما نحن فنرى أن السلطة تفسد من يمارسها، ولو خلصت نيته، وحسنت أخلاقه، و أنه من الخيالية أن نركن لوهم أن تحكمنا الملائكة البشرية التى لم يخبرنا التاريخ أنها حكمتنا من قبل، فحتى لو حكمتنا فسوف تتحول لشياطين بمجرد إحساسها بدفء مقاعد السلطة، فالسلطة تقمع وتشوه من تمارس عليهم مثلما تشوه وتفسد من يمارسوها .
هذا لا يعنى إنكار أن البشر فى أمس الحاجة دائما لتنظيم يضمن تعاونهم، وينظم نشاطهم الجماعى لتلبية احتياجاتهم المشتركة دون أن يقمعهم ودون أن يتعالي عليهم، وهو أمر مختلف تماما عن السلطة القمعية التى تتعالى عليهم، و التى تقهرهم رغما عن إرادتهم، ومن خارجهم، فهناك فرق بين سلطة إدارية تمارس للتنظيم، كسلطة رجل المرور فى الشارع، وسلطة قبطان السفينة فى أعالى البحار، وسلطة الطيار فى طائرته، وبين السلطة السياسية القهرية والمتعالية والمنفصلة عن إرادة وحرية البشر التى ترفضها الحركة الاشتراكية التحررية، وهذا الرفض لا يعنى أن الاشتراكية التحررية ضد تنظيم المجتمع عبر هيئاته التفويضية المنتخبة، و الاشتراكية التحررية بالضرورة مع وجود قوة رادعة، و قامعة للاعتداءات المخلة بأمن الناس وحريتهم وحقوقهم
“لقد احتللنا مستشفياتنا العامة من أجل القيام بدمقرطة عميقة و حقيقية , ستجعل المجتمع قادرا على أن يقرر مصيره ثانية”
في مواجهة وضع اقتصادي مريع و بعد أن كانوا شاهدين على تغيرات اجتماعية و اقتصادية كبرى في بلادهم , قام عمال الصحة في اليونان باحتلال مستشفيين عامين , معارضين بذلك إجراءات التقشف القاسية التي تبنتها الحكومة اليونانية في السنتين الأخيرتين .
المستشفى العام في كيلكيس ( شمال اليونان ) هو تحت سيطرة العمال الكاملة منذ 6 فبراير شباط . أكد المستخدمون أنهم “انطلاقا من إدراك كامل لمهمتنا الاجتماعية و التزامنا الأخلاقي المرتبطين بعملنا , سنحمي صحة المواطنين الذين يأتون إلى مستشفانا , و سنوفر الرعاية المجانية للذين يحتاجونها” , و طالبوا الحكومة في نفس الوقت “بأن تلتزم أخيرا بمسؤوليتها , و أن تتجاوز انعدام حسها الاجتماعي الذي تجاوز كل الحدود” .
شدد العمال في المستشفى العام في كيلكيس على أن احتلالهم للمستشفى لن ينتهي حتى الدفع الكامل لكل مستحقاتهم و حتى تعود رواتبهم لمستواها قبل الاقتطاعات . قالوا أنهم يجيبون على “فرض الفاشية بالديمقراطية” بوضع المستشفى “تحت السيطرة الكاملة و المباشرة” للعمال حيث يكون “الجهاز الوحيد المسؤول لاتخاذ القرارات ذات الطبيعة الإدارية هي الجمعية العامة للعاملين فيه” .
بعد أسبوع في 13 فبراير شباط بدأت نقابة ( اتحاد ) أطباء مستشفى ريثمون و نقابة العمال احتلال مستشفاهم العام و إدارته ذاتيا ردا على التراجع في مستواه الذي نتج عن دمجه بمستشفى تشانيا . معلقة على الدمج المقترح قالت نقابة الأطباء أن مستشفى تشانيا قد خصص للمنطقة الغربية من كريت و هذا سيؤدي أوتوماتيكيا إلى الحد من عمليات المستشفى في ريثمون . بحسب الوثائق الحكومية , سيضمن الاندماج عمل الأقسام و الوحدات في واحد فقط من هذين المستشفيين و سيؤدي لإغلاق بعض الأقسام في مستشفى ريثمون . و سيؤدي أيضا إلى تحويل المرضى من الريف المجاور من أجل التشخيص و العلاج لعدم وجود قسم مخصص لعلاج طبي متقدم و يجب على المرضى و على الحالات الحرجة أن تذهب إلى تشانيا . أخيرا يتضمن الدمج نقل الخدمات الإدارية و بعض الخدمات الأخرى لتغطية نقص الكادر في المستشفى المركزي .
شدد العمال على أن “الوصف السابق يصف أوضاع العمل الحقيقية في المستشفى المدمج و يعبر مرة أخرى عن الاستهتار بالناس و المرضى في تلك المنطقة . أكثر من ذلك , قالوا أنهم يعتبرون كل “الممثلين السياسيين للمنطقة و كل المتحدثين السياسيين الذين يدافعون عن الحفاظ على البنوك في مواجهة حياة البشر أنهم “غير مرغوب بهم” و قالوا أن المستشفى سيبقى تحت سيطرة الجمعية العامة حتى إسقاط السياسة النيوليبرالية .
أخيرا و ليس آخرا , يطالب العمال في كلا المستشفيين العاميين المحتلين بكل دعم ممكن و يدعون المجتمع و العمال المتضررين من الأزمة الاقتصادية للقيام بأعمال مشابهة , “حتى انتصارنا النهائي على النخبة الاقتصادية – السياسية التي تضطهد هذا البلد و تدمر العالم” .
التحررية دون الاشتراكية تؤدى إلى الاستغلال والقهر، والاشتراكية دون التحررية تؤدى إلى الاستغلال والقهر أيضا، ومن هنا ترى الحركة الاشتراكية التحررية أن الانفصال بين هدف تحرير الأفراد، و بين هدف المساواة فى الحقوق فيما بينهم، يعنى فى النهاية استمرار كل من استعبادهم واستغلالهم بأشكال مختلفة، إلا أنه يحدث مرة باسم الحرية الفردية كما فى الرأسمالية الفردية، ومرة أخرى باسم المساواة كما فى اشتراكية الدولة، ومن ثم نرى أنه من البديهى أننا لو منحنا الحرية للأفراد على إطلاقها مثلما هى للحيوانات فى الغابة، لتحولوا لوحوش وفرائس، يفترس ويستغل ويقهر الأقوياء فيهم الضعفاء، ولو ساوينا بينهم دون اعتبار لإرادتهم الفردية لقمعنا حريتهم
انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية لغرب يدعى التحررية، وشرق يدعى الاشتراكية، والحقيقة أن ما كان فى الغرب لم يكن أبدا إلا حرية الرأسماليين فى استغلال العمال وقهرهم، وأن ما كان فى الشرق لم يكن أبدا اشتراكية بل كان قهر البروليتاريا واستغلالها من قبل الدولة لصالح كبار رجالها و إدارتها الذين يطلق عليهم البيروقراطيين.
فما هى تلك الحرية فى ظل التحررية الرأسمالية؟، سنجد أننا لو أخذنا أحد مبادئها مثلا، وليكن أن جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وأن جميع المواطنين لهم الحق على قدم المساواة فى اللجوء للقضاء، فلنرى إذن ماذا يحدث واقعيا لو نشب نزاع بين مواطنين غير متساوين فى قدراتهم الواقعية، مالية كانت أو أدبية، رغم مساواتهم القانونية، بالطبع لهم الحق فى اللجوء للقضاء، إلا أن الطرف الأقوى هو الأقدر على أن يستأجر أكفأ المحامين، وأن يرشو القضاء لو استطاع أن يؤثر عليه بما له من قدرات أو نفوذ، وربما عجز الطرف الأضعف عن الدفاع عن نفسه، وعن تكليف محامى كفء لشرح دعواه، و إقناع القضاء بها، فالقانون دائما كان مجرد سيف يصنعه الأقوياء ليسلطوه على الضعفاء فحسب.
من ناحية أخرى، من هم الذين يشرعون القوانين، ويصدرون القرارات واللوائح، ويتابعون تنفيذها، والحكم بها ؟، أليسوا هم أعضاء البرلمان والوزراء والرؤساء والحكام، وفى هذا الخصوص تعطى التحررية الرأسمالية جميع المواطنين حق الترشيح لتلك المناصب العامة على قدم المساواة لكل المواطنين، ولكن كل من الرأسمالى والبيروقراطى والمرشح المعبر عن مصالح الرأسماليين والبيروقراطيين هو وحده القادر على الاستمتاع بهذا الحق عمليا، فى حين تحرم منه البروليتاريا والمرشحين المعبرين عن مصالحها، فالرأسماليون والبيروقراطيون فقط هم القادرين على تمويل حملاتهم الانتخابية، بما يملكوه من أموال ونفوذ، و هم القادرين على شراء ولاء المرشحين المستعدين للتعبير عن مصالحهم بتمويل حملاتهم الانتخابية، وتسخير الإعلام لتسويقهم بين الناخبين، وهم لكل هذه الأسباب لهم الفرصة الأكبر فى النجاح فى الانتخابات لتلك الوظائف العامة.
وما هى اشتراكية الدولة؟، ألم تكن حكم المواطنين بأجهزة الأمن، وترويضهم بأجهزة الإعلام، التى ساعدت البيروقراطيين فى استغلال البروليتاريا، والاستمتاع بالامتيازات المختلفة على حسابها، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى ألا تنتج البروليتاريا إلا ما يريده البيروقراطيون، وبالكيفية التى يريدونها، بعيدا عن ما يحقق الرفاهية للبروليتاريا، وبعيدا عن سيطرتهم على ظروف عملهم وحياتهم، كما كانت تبشر بذلك الاشتراكية فى أصولها، وما هو الفرق الحقيقى بين بروليتارى يعمل لدى الدولة دون أى حقوق نقابية، وبين بروليتارى يعمل لدى الرأسمالى، فى كلتا الحالتين نراه لسد حاجته للطعام، يتنازل عن حريته ووقته وجهده، مرة للرأسمالى، ومرة لبيروقراطى الدولة، ألم تكن اشتراكية الدولة تلك تعنى إهدار الموارد، فى سباق التسلح و غزو الفضاء فى حين كان منتجى الثروة من البروليتاريين لا تتوفر لهم الكثير من سبل الحياة الكريمة ؟، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى استعباد ملايين البروليتاريين فى معسكرات للعمل؟، فالاشتراكية لا يمكن أن تعنى شيئا مهما للبروليتارى، لو لم تكن هى الحق المطلق للبروليتاريين باعتبارهم منتجى الثروة فى التحكم فى ظروف حياتهم وعملهم، و الاستمتاع بما ينتجوه من ثروات، ولو لم تكن تحريرهم من نظام العمل المأجور، ولكن ما حدث أن اشتراكية الدولة لم تقدم ما وعدت البروليتاريا به، بل قدمت نموذجا كئيبا للحياة، ولم تترك لهم فرصة الإبداع والمبادرة والحرية، فما كان أسهل أن يخسروا ما روضتهم به الدولة من مكتسبات قليلة بالمقارنة بما كان يتمتع به البروليتاريين فى الغرب الرأسمالى.
لم يكن ما حدث هنا أو هناك، أو ما تطورت إليه الأمور فى كلا المعسكرين مفاجأة للاشتراكيين التحرريين بل كان جزء من انتقاداتهم التقليدية لكلا النظامين، وتنبؤاتهم الفكرية بسقوطهما، فالحرية الفردية لأفراد غير متساوين واقعيا تعنى خضوع الأطراف الضعيفة لإرادة الأطراف القوية، ومن ثم إتاحة الفرصة للأقوياء لاستغلال الضعفاء وقهرهم، والمساواة بين أفراد غير أحرار يعنى قدرة من سلبوهم تلك الحرية فى أن يستغلونهم فضلا عن قهرهم، وأن يتمتعوا بامتيازات لا يتمتع بها عبيدهم.
قلت في مقالة سابقة أن الأحداث التي تهز العالم العربي اليوم تشبه تلك التي هزت العالم في عام 1989 ( 1). ليس فقط أنه يمكن إيجاد تشابه بينها في عمق و مدى الاستياء على رقعة جغرافية ضخمة , بل أيضا لأن هذه العاصفة من الغضب الشعبي تطرح تساؤلا فيما يتعلق بتركيبة ( بنية ) جغرافية محددة كان يعتقد حتى اليوم أنها صلبة كالفولاذ . في حالتنا هذه , كانت هذه الديكتاتوريات قديمة العهد قد شكلت و دعمت و تعززت وفق المصالح الجيو – إستراتيجية للولايات المتحدة ( و شريكها الأصغر , الاتحاد الأوروبي ) في منطقة ذات أهمية استثنائية فيما يتعلق بالنفط خاصة . في عام 1989 كانت النتائج السياسية للمظاهرات عميقة و طويلة الأمد – لم يعن سقوط الأنظمة “الاشتراكية الفعلية” فقط سقوط بعض الديكتاتوريات البيروقراطية الكريهة , بل و بسبب الضعف النسبي لليسار التحرري و الثوري الحقيقي , مثل سقوطا لمجموعة من القيم و الآفاق السياسية ؟؟ التي ربطت على نحو غير صحيح مع الكتلة السوفيتية , و الصعود الجامح لليبرالية الجديدة كنظام لا ريب فيه في المجال الاقتصادي , السياسي , القيمي و الإيديولوجي .كانت هذه نهاية التاريخ بحسب بعض المحامين الشرسين “للنظام العالمي الجديد” . لكن التاريخ بقي يكتب , كما جرى بشكل دراماتيكي في سياتل 1999 من قبل الحركة المناهضة للعولمة . و عندما كانت هناك حاجة للمزيد من الاحتجاجات كانت هناك موجة النضالات المباشرة بين عامي 2000 و 2005 في أمريكا الجنوبية التي تحدت أسس هذا النموذج , حيث لعبت الشعوب , الطبقات المضطهدة و المستغلة , الأدوار الرئيسية في هذا التاريخ .الأحداث في العالم العربي التي حبست أنفاسنا في الشهرين الماضيين هزت النظام العالمي الجديد في واحدة من أقوى حلقاته – تلك الديكتاتوريات التي حافظ عليها “العالم الحر” لعقود لتؤمن التدفق المتواصل للنفط و ليحتفظ بموطأ قدم عسكري في منطقة ذات أهمية اقتصادية و جيو – إستراتيجية هائلة لصالح الإمبراطورية . هذه الانتفاضات تجري في قلب الرأسمالية العالمية , حيث يبقي تدفق النفط استمرار التجارة و الصناعة الدوليتين . إنها تجري في دول جميعها من الحلفاء المقربين لواشنطن , من هنا يأتي المحتوى المعادي للإمبريالية لهذه الاحتجاجات ( حتى الديكتاتور الليبي , القذافي , كان قد أصبح شريكا مقربا للولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي في مرحلة “الحرب على الإرهاب” ) . و جميعها بلدان قد تآكلت بفعل تناقضات داخلية مؤثرة , حيث تواجد الجوع إلى جانب نمو الاقتصاد الكبير ( الماكرو ) و تزايد ثراء الأسر الحاكمة . لكن هناك شيئا آخر – إنها في نفس الوقت تتحدى و تهز الأسس السياسية للنظام . أولئك الذين ينادون “بالديمقراطية” قد استفزهم الجدال السياسي الشديد على المستوى الدولي عن المضمون السياسي لهذا التعبير المطاط ( الفضفاض ) كما في تعبير “الديمقراطية” . قبل كل شيء لأن “الديمقراطية” التي يتحدث عنها الليبراليون أصحاب البذلات و أربطة العنق في دهاليز السلطة ليست نفس الديمقراطية التي في أذهان الناس المتظاهرين في الشوارع .
مفهومان متناقضان عن الديمقراطية
إن صورة اضطلاع العامة ( الجمهور ) بدور قيادي في السياسة هي أسوأ كابوس للطبقة الحاكمة التي تعني “الديمقراطية” بالنسبة لها الحفاظ على البنية القانونية و الاقتصادية التي تدعم امتيازاتها الحصرية . لذلك ليس من قبيل المصادفة أن الإعلام الرأسمالي كان يبث الدعوات إلى “الاستقرار” و “النظام” , إلى جانب الدعم الرسمي للحاجة إلى الديمقراطية في البلدان العربية ( “متناسيا” دعمه التقليدي للأتوقراطيات ( أو الأنظمة الاستبدادية ) المحلية ) . مثلا في El Mercurio ( 11 فبراير شباط ) كتب ديفيد غالاكر ملاحظة نمطية : “لا يمكنك أن تحكم أي بلد من الشارع , على الرغم من كل الأوهام التي تقول عكس ذلك و التي يحملها بعض مثقفي الديمقراطية المباشرة المتطرفة التشاركية” . آراء كهذه جرى التعبير عنها بالجملة في الإعلام الرسمي .
من المثير للاهتمام هنا ذكر ممارسة الحكم من الشارع , حيث أنها تظهر الحدود الضيقة للديمقراطية البرجوازية الشكلية . دعونا نوضح بعض المفاهيم ( الأفكار ) التي استخدمها غالاكر : عندما تحدث عن الشارع , فإن ما فعله هو مساواته بالشعب . عندما قال أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون شكلا تشاركيا “متطرفا” , فإنه قصد أن الطبقة العاملة ( “المتطرفة” في معارضة الطبقة التي يمثلها ) يجب أن تستبعد من اللعبة الديمقراطية . لنفس هذا السبب علينا أن نستبعد الفقراء و العمال وفقا لفكرته عن الديمقراطية من أي مشاركة مباشرة في إدارة شؤونهم , إنهم يحاولون لذلك أن يتخذوا مظهر “الجدية” و “الاحترام” لكي يخفوا المصالح الطبقية لهذه الرؤية .
في مقال له عن الانتفاضات العربية , يضع الكاتب الأوروغواياني راؤول زيبيتش اليد على الجرح :
“يظهر النظام بشكل جيد أنه يمكنه أن يعيش فقط من خلال سلطة دولة ما , حتى أكثرها “راديكالية” أو “عداءا للمؤسسة أو للنظام” , لكنه لا يتحمل وجود الناس في الشوارع . يمكننا أن نقول أن الناس في الشوارع هم المفتاح في أعمال تراكم رأس المال , لذلك كانت من بين أولى “الإجراءات” التي اتخذها الجيش ( المصري ) بعد أن انسحب مبارك إلى سكنه التقاعدي هو مطالبة الناس بترك الشوارع و العودة إلى العمل” . ( 2 )
الشارع هو المكان الأفضل حيث يجري التعبير عن السلطة من الأسفل . إنه مكان رمزي حيث يخوض فيه الناس معركتهم حتى الموت مع من هم في الأعلى . هناك حيث يختبرون الأساليب البديلة لمعالجة “الشؤون العامة” . في كل مرة اندفع فيها الناس إلى منصة التاريخ من خلال احتجاجاتهم فإنهم دائما – من خلال ممارسة الديمقراطية المباشرة – أوجدوا مؤسساتهم الخاصة بهم خارج المؤسسات الرسمية , الدولة , و في معارضتها . هذه هي الحال منذ الثورة الفرنسية , عندما شكلت البروليتاريا في عام 1792 أول كومونة لها في باريس و أقام الشعب ( أو الناس People ) أجهزة للديمقراطية المباشرة الوليدة , فقط ليشاهدوا كيف جرى الاستيلاء عليها فيما بعد , و سحب الاعتراف منها و أخيرا سحقها على أيدي البرجوازية اليعقوبية في نضالها ضد النظام القديم .
للديمقراطية حدود دائما و البرجوازية تعرف هذا – المشكلة في من سيضع هذه الحدود . في اليونان الكلاسيكية , حيث ولد المفهوم ( مفهوم الديمقراطية ) كانت الحقوق الديمقراطية امتيازا فقط “للمواطنين” , أقلية من السكان الذين عاشوا من عمل الأكثرية المستعبدة . في الديمقراطيات الغربية , و لفترة طويلة , حرمت المستعمرات ( المستوطنات ) التي أطعمت المدن من الديمقراطية أو حرم منها العمال المحليون الذين كانوا دون ملكية أو تعليم . في إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كما تقول الفكرة السائدة يستبعد الفلسطينيون تماما من نعم الديمقراطية . في الولايات المتحدة نفسها , الدولة الأكثر “ديمقراطية” في العالم ( كما تقول ) و على الرغم من انتخاب رئيس أسود البشرة مؤخرا , فإن واحدا من كل أربعة رجال أمريكيين من أصل أفريقي يقاسي في السجون الأمريكية المنتشرة , و الكثير منهم ينتظر الإعدام . الآخرون يعيشون في معظم الحالات في غيتوهات , بينما يعمل نظام الحزبين كالسحر لصالح النخبة العسكرية الصناعية . دعونا نأخذ أي ديمقراطية غربية على سبيل المثال , ما تسمى بالديمقراطيات “التمثيلية” , قم باستطلاع بسيط عن الطبقة الاجتماعية و جنس غالبية البرلمانيين , النتيجة ستكون ساحقة , أنهم ذكور من الطبقة الرأسمالية . يشكل الرأسماليون أقلية صغيرة جدا من المجتمع , لكن معظم البرلمانيين منهم . ستلاحظ أيضا أن المجموعات الأثنية أو القومية المضطهدة غير ممثلة أيضا . تجري حماية الماكينة الانتخابية و المؤسساتية بألف خدعة لمنع تمثيل حقيقي للشعب ( أو الناس People ) .
على العكس من ذلك فإن مفهوم الديمقراطية التشاركية أو المباشرة هو القطب المناقض لمفهوم الديمقراطية التمثيلية كما تدافع عنها الطبقة الرأسمالية و متملقيها . يجري تحديد حدودها من قبل الجماهير ( الناس , الشعب People ) الثائرة ( و المنظمة ) , التي تكتسب خلال الصراع وعيا جديدا بقدراتها و بوجودها . الديمقراطية المباشرة في الثورة الفرنسية بين عامي 1792 و 1793 فرضت حدودا على المضاربين , و قوت لبعض الوقت الصراع ضدهم . كل الخبرات السابقة لسلطة الشعب و للديمقراطية المباشرة التي حدثت على مدار التاريخ استبعدت فكرة الاستغلال الاقتصادي . المشاركة المباشرة لكل عضو في المجتمع , الممارسة الجماعية للسلطة , أغرقت الأقلية الرأسمالية في بحر مصالح الناس ( الشعب ) التي جرى التعبير عنها بكل حرية و بشكل مباشر . ليس من قبيل المصادفة لذلك أن تتجاهل الديمقراطية المباشرة التمييز بين السياسي و الاقتصادي ( هذا هو أسوأ رعب للرأسماليين ) و تتجه نحو جمعنة الملكية . الشارع هو مكان رمزي هام . لكنه غير كافي بحد ذاته . تدريجيا ينتهي الناس دوما بإدراك أن “الديمقراطية” , ديمقراطيتهم المباشرة التي ظهرت في إطار النضال , تشتمل أيضا على جمعنة الأعمال , المناجم , الأرض , المعامل و المكاتب .
عندما يتولى الناس مسؤولية شؤونهم , فإننا نرى بوضوح أنه لا يمكن أن توجد مساواة سياسية دون مساواة اقتصادية .
الديمقراطية المباشرة في اللجان الشعبية
في مصر , كما في كل مكان من العالم العربي , ظهرت اللجان الشعبية التي أظهرت القدرة السياسية للطبقات العاملة . إن غالاكر مخطئ عندما يقول أنه لا يمكن حكم بلد ما من الشارع . في الواقع كان “الشارع” في مصر و تونس و لعدة أسابيع المكان الوحيد للحكم .
هناك الكثير من شهود العيان على كيف مورست الديمقراطية المباشرة من خلال اللجان الشعبية في مصر و تونس و ليبيا , نعرف عنها بفضل المراسلات الجيدة لبعض المراسلين العالميين . دعوني أقتبس إحداها من “كومونة ميدان التحرير في القاهرة” التي أعتبر أنها نموذجا جيدا عن شهادات العيان هذه :
“انطلق المصريون من كل الفئات الاجتماعية بشكل طوعي لتنظيف الشوارع , و توجيه المرور في وقت الظهيرة , منسقين تنظيم الدوريات في الأحياء مع وقوع الحوادث الأولى للنهب و منظمين حتى لجان الدفاع الذاتي في أثناء مواجهات الثاني من فبراير شباط مع البلطجية , منظمين نقاط للتفتيش و مواقع للمراقبة , و مستشفيات مؤقتة لمعالجة الجرحى ( .. ) لم يتردد الناس في أن يتشاركوا أو يعطوا القليل الذي يملكونه من طعام أو شراب .
متغلبين على إرث طويل من العداء و الشك المتبادل على أساس الفوارق الطائفية , كانت هناك مصر واحدة لكل شخص في ميدان التحرير : للرجال و النساء , الصغار و الكبار , المسلمين و المسيحيين . حوار حي و مفعم بالقوة – حر و زاخر بالمعاني , ملأ فجأة كل الزوايا الأربعة لميدان التحرير , ناقلا عن طريق مكبرات الصوت كل طيف الآراء و الأفكار السياسية الحاضرة . أي تبني عام لأية مقترحات جرى بشكل ديمقراطي من خلال تصويت الأغلبية المباشر ( .. )
في لحظة ما صوت سكان ميدان التحرير فيما إذا كان يجب أن ينتخبوا ممثلين عنهم ليتخذوا القرارات المصيرية نيابة عن حركة الاحتجاجات , لقد صوتوا بشكل ساحق و حازم بلا على هذا الاقتراح” ( 3 ) .
هذه الشهادة تتطابق مع غيرها من الشهادات التي نشرت عن هذه اللجان , التي تذكر بانتشار المؤسسات الديمقراطية المباشرة في الأرجنتين بعد أزمة ديسمبر كانون الأول 2001 و الانتفاضة الشعبية التي صاحبتها . حتى صحيفة “الإيكونوميست” المحافظة قالت ( 5 – 11 مارس آذار 2011 ) دون أن تذكر صراحة اللجان الشعبية في ليبيا , بل مشيرة فقط إلى حالة التنظيم في “المناطق المحررة” أن :
“في المناطق التي تحت أيدي الثوار , لم يكن الخوف من الانزلاق إلى الفوضى حقيقيا . فرغم نقص أفراد الشرطة , لم تزداد الجرائم . لم تبلغ الطالبات اللواتي حضرن الاحتفالات عن وقوع أي تحرش . لأسبوعين تقريبا , كان أصحاب المطاعم يقدمون الشاي و السندويشات مجانا . ليظهروا إحساسهم الجديد بالتآخي عرض أصحاب الأعمال أن يقوموا بكنس الشوارع” ( 4 ) .
من المؤكد أن الديمقراطية المباشرة التي انتصرت في الشارع ليست علاجا شافيا لكل الأمراض , لوحدها , أو لحل جميع المشاكل التي تواجه الشعوب العربية بطريقة سحرية . لا البطالة و لا انعدام المساواة المتزايدة , و لا أسعار الطعام المرتفعة أصلا و التي ارتفعت أكثر . تظهر المواجهات بين المسيحيين و المسلمين في مصر هذا الأسبوع أن التفرقة الطائفية لم يتم التغلب عليها نهائيا . لكن الديمقراطية المباشرة تخلق فضاءات ( مجالات ) عامة يمكن أن تصبح فيها المطالب الشعبية إعصارا مدمرا , و قيادة جماعية تسعى إلى دفع المساواة و الجمعنة .
الثورة في العالم العربي – ليس فقط وضع نهاية للديكتاتوريات
بينما تستحضر الولايات المتحدة و دماها في المنطقة شبح القاعدة لكي تخلق عدم الثقة بين الناس في الغرب تجاه إخوتهم و أخواتهم العرب , فإن الانتفاضة في البلدان العربية استطاعت أن تبلغ مستويات غير متوقعة من القدرة على البقاء , ذاهبة أبعد بكثير من المطالب المحدودة لتغيير حكومة ما . كتب الصحفي مايكل جانسن في “Irish Times” ( 4 مارس آذار 2011 ) مقدما نظرة سريعة على التغييرات الهائلة داخل المجتمع المصري التي جرت في ظل الحكومة الانتقالية و كيف أن رياح التغيير لم تترك أي شخص في حالة المتفرج
“شكل طلاب المدارس الثانوية حركة تدعو لإعادة النظر في النظام التعليمي المصري . تطالب المنظمات النسوية بحقوق متساوية و تمثيل كامل في الحكومة و المجتمع المدني . يطالب الصحفيون بإنهاء التقييدات على الإعلام و إبعاد المحررين و أعضاء المجالس الذين دعموا الخط الحكومي في ظل نظام مبارك” .
“دعا الشيوخ , المبشرون , و طلاب أقدم مؤسسة مصرية أي جامعة الأزهر إلى تحريرها من ألف عام من سيطرة الحكومة . أصحاب العمائم الثوريون يصرون على أن يجري انتخاب شيخ الأزهر , الذي هو مدير جامعتها و أكبر رجل دين سني في العالم , و بقية المراكز المهمة و لفترات محددة عوضا عن أن يعينوا مدى الحياة …
الأساتذة , العاملون في الخدمة المدنية , أساتذة الجامعات , المحامون , القضاة و العمال في المصانع العامة و تلك التي تمت خصخصتها يعبرون عن غضبهم نحو المسؤولين , و المدراء غير الأكفاء و ضد الفساد المنتشر . عشرات الآلاف من العمال في صناعة النسيج , شركات الاتصالات , معامل الحديد و الفولاذ , و المشافي , و الجامعات و الصناعات العسكرية , و قناة السويس , شرعوا بالإضراب , في البداية دعما للحركة الديمقراطية و بعد ذلك للمطالبة بأجور أعلى و ظروف عمل أفضل . و يدعو العمال إلى حل اتحاد النقابات المصري الحكومي . و في يوم الأربعاء أسست عدة نقابات اتحادا ( نقابيا ) مستقلا” ( 5 ) .
مثل صندوق بندورا فتحت الثورة العربية الباب أمام كل تلك المطالب و الشكاوى التي قمعت لعقود , إن لم يكن لقرون . لقد خلقت الجماهير حركة تاريخية فريدة , رافعة تاريخية لتشكيل المستقبل . و قد أثبت الشعب أنه لاعب قوي , رغم شبابه و انعدام خبرته النسبي . أولئك الذين يصوغون الديمقراطية العربية المباشرة اليوم يحضرون لتحقيق قفزة نوعية في ثورتهم , لكي يحولوها إلى ثورة اجتماعية رائعة على المدى المتوسط .
لهذا فإن كلا من الطبقات الحاكمة المحلية و عملاء النظام السابق , إلى جانب أسيادهم الإمبرياليين يضعون احتواء الديمقراطية المباشرة كأول مهمة أمامهم من خلال عملية “الانتقال” أو “المأسسة” و “الإصلاحات الديمقراطية” التي ستغير المضمون التشاركي لهذه الانتفاضات , دافعة إياها نحو “ديمقراطية تمثيلية” آمنة و عديمة الخطر . هذا هو سبب وجود كل تلك الحكومات الانتقالية المدني منها أو العسكري – أن تكون وجها مقبولا للثورة المضادة .
التحدي القادم , نشر و تجذير الثورة
تعرف الولايات المتحدة أن ما يدور الصراع عليه اليوم هو حديقتها الخلفية . رئيس هيئة الأركان المشتركة مايك موان , اعترف أنه قد جرت تغييرات سريعة في المنطقة و أنهم لا يحاولون فقط ملاحقة الأحداث بل و أن يؤثروا في مجرى الأمور ليدفعوها في الاتجاه الذي يريدونه وفقا لمصالحهم الخاصة ( 6 ) . و هم سيتلقون المساعدة في هذا الخصوص من الحكومات “الانتقالية” و الديكتاتوريات التي ما زالت ممسكة بزمام السلطة , عارضين إصلاحات شكلية فقط . لكن ما تزال أمامهم مهمة عسيرة و شاقة , لأن الجماهير العربية لا تبدي أدنى إعجاب أو حماسة “لطريقة الحياة الأمريكية” . أكثر من ذلك فإن الاستياء من الأمريكان , كداعمين أساسيين لأنظمة الاستبداد المحلية , ضروري لفهم الاحتجاجات العربية . إن عقودا من المشاركة مع إسرائيل و من التعاون مع السياسات الطائشة للإمبريالية الأمريكية في المنطقة ساعدت بلا شك في تآكل شرعية هذه الأنظمة ( 7 ) . هذا ما عنيناه بالمحتوى المعادي للإمبريالية الذي لا يمكن إنكاره لكل هذه الاحتجاجات , و هو شيء لاحظه حتى الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح نفسه مؤخرا في بادرة من الديماغوجية و النفاق المريع , في مؤتمر في العاصمة صنعاء عندما قال أن كل هذه الأحداث هي من عمل تل أبيب لخلق عدم الاستقرار في العالم العربي , و أن كل شيء “يجري التحكم به من قبل البيت الأبيض” ( 8 ) . لقد قال هذا لأنه يعلم الاستياء العميق في المنطقة من حليفه الأمريكي و كان يحاول أن يستغله بشكل سخيف – بينما يضع في نفس الوقت 300 مليون دولار في جيبه يستلمها من البيت الأبيض نظير مشاركته في “الحرب على الإرهاب” . لم يتأثر أي إنسان في العالم العربي بهذه الديماغوجية الخرقاء , حتى لو بدت الأمور خارج العالم العربي مختلفة بعض الشيء , و كان لها بعض الأثر على بعض أقسام اليسار , خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الأحداث في ليبيا ( 9 ) .
لم تنته الثورات بعد في البلدان العربية , و لا حتى في تونس أو مصر . حتى ربما أنها هي أقل في هذين البلدين . الثورة , هذا الاستيقاظ العظيم للشعوب العربية , قد بدأت للتو , كما يظهر في الاحتجاجات التي أجبرت في الأسابيع الأخيرة فقط اثنين من رؤوساء الحكومات المعينين حديثا – التونسي محمد الغنوشي ( مع 5 من أعضاء حكومته ) , و أحمد شفيق في مصر , على الاستقالة . تستمر الاحتجاجات الشعبية لتسعى إلى استبعاد كل عناصر النظام القديم و إلى تفكيك جهازه الأمني و تطبيق قائمة طويلة جدا من المطالب الشعبية .
كما تذكرنا تجربة الأرجنتين , فإن مراحل الأزمة المفتوحة هذه مائعة نسبيا , و التغييرات السياسية شائعة في هذه الأوقات , و إذا لم يتمكن بديل الشعب من الانتصار فإن بديل الطرف الأقوى سرعان ما ينتصر و يستعيد الأرض التي فقدها . ما لا يمكن استمراره هو أزمة سياسية طويلة الأمد . و هنا يجب أن نذكر كلمات رفيقنا السوري مازن كم الماز الذي قال أن “اللجان الشعبية يجب أن تصبح أساسا لحياة جديدة , و ليس فقط إجراءا مؤقتا” ( 10 ) .
هذه اللجان هي الأساس لديمقراطية جديدة للشعب , ديمقراطية مباشرة و تشاركية , تقوم على التجمعات ( الاتحادات الشعبية ) التي تبنيها النساء و الرجال يوما بعد يوم في خضم الثورات العربية .
لكن التحديات ليست سهلة بأي حال من الأحوال . كيف يمكن أن نحول هذه الخبرات أو التجارب مع الوقت بحيث تصبح شيئا أكثر من مرحلة عابرة في النضال , نواة لمجتمع جديد ؟ كيف يمكننا أن نضمن أن هذه الاقتراحات غير المنسقة و المحلية ( الفئوية ) يمكن أن تنضج في مشروع اجتماعي بديل ؟ لدى الشعوب العربية القدرة على أن تعمق و تجذر الحركة ( تجعلها أكثر جذرية أو راديكالية ) , إضافة إلى أن تتقدم وراء الأزمة الحالية . إنهم واعون لأن الإصلاحات الشكلية لهذه “الحكومات الانتقالية” التي يعرفونها , هي في النهاية مجرد طريقة لاحتواء الجماهير . فقط الوقت سيظهر كيف يمكن حل الأزمات , لكن ما هو واضح أنه كيفما سار الوضع , فلن تكون الأمور هي نفسها بالنسبة للشعوب العربية أو لبقية العالم .
الهوامش
1 – http://www.anarkismo.net/article/18678
2 – //alainet.org/active/44376
3 – http://www.socialistproject.ca/bullet/467.php#continue
4 – http://www.economist.com/node/18290470?story_id=18290470
5 – http://www.irishtimes.com/newspaper/world/2011/0303/1224291282961.html
6 – //engilsh.peopledaily.com.cn/90001/90780/91343/7308634.html
7 – تهريج ( أو السلوك المتهور ) الديكتاتور الليبي الذي كان حتى وقت قريب أفضل أصدقاء الغرب و نموذجا يحتذى عن العلاقات به بحسب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غونداليزا رايس قد حوله إلى أشبه بمهرج موالي للأمريكان بعيون شعبه . أكثر من ذلك ففي البلاد التي كانت الولايات المتحدة مهتمة بنقل الاحتجاجات إليها مثل سوريا و ليبيا و إيران , كانت الاحتجاجات ضعيفة جدا أو غير موجودة . هذا يثبت أننا نتحدث عن ديناميات مختلفة ( اتضح أن هذا الحكم كان متسرعا , كما أثبتت التطورات اللاحقة التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية في يوم نشر المقال نفسه رغم أنه لا يغير من حقيقة أن الغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا عملت في سوريا كما في كل مكان آخر على منع تحقيق انتصار كامل حقيقي للجماهير الثائرة , تاركة إياها بالفعل تحت رحمة القمع الوحشي لنظام الأسد و باحثة عن نخبة حاكمة جديدة موثوقة يمكن نقل السلطة إليها عندما تقترب بشائر انتصار الثورة – المترجم ) .
Note by the translator : the later events in Syria showed that the writer s view isn t correct . US and other imperialist powers supported verbally the Syrian revolution , but in fact , they left the Syrian masses vulnerable to the brutal oprression of the regime . And as everywhere , they called in Syria also for calm and disciplinary transition , trying to create a new trustworthy ruling elite that can replace Al Asaad regime , rather than a real and full victory of the revolting masses .
8 – The economist , 5 – 11 مارس آذار 2011 , الصفحة 45
9 – أشير إلى مقالة ممتازة لرولاند أستاريتا , الذي يلخص بعض النقاشات في اليسار الأمريكي اللاتيني ( الجنوبي ) بهذا الصدد . حتى لو لم تتفق مع كل ما ورد فيه , فإنه مقال حاد و عميق , و إني أعتقد أنه , على الأقل في روحه , صحيح على الأغلب . //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/07/la-inquierda-y-libia و الردود على منتقديه //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/10/criticos-nacionales-y-libia
10 – http://www.anarkismo.net/article/18923
كلمة المترجم – نشرت هذه المقالة في موقع anarkismo.net الأناركي الأممي في 15 مارس آذار من العام الماضي لكن التحليل الأساسي فيه ما زال يحتفظ بقيمته و أهميته , إضافة إلى أن خبرة العام التالي لكتابته يمكن أن تشرح الكثير من المواقف و التنبؤات التي احتوى عليها , الملاحظة الأهم تتعلق بالموقف من الثورة السورية و الذي كان نتيجة لتأثير اليسار الستاليني و التقليدي على الرفاق في الحركة الأناركية العالمية و الذي سرعان ما تغير بعد اتصالات جرت بينهم و بين أناركيين عرب و سوريين . الاستنتاج الأهم للمقال سيحتفظ بحيويته طالما لم تحسم الثورات العربية شكل الحكم التالي , خاصة شكل الديمقراطية التي يجري البحث و النضال لتشكيلها , فإن البديل الذي يدعو إليه التحرريون العرب واضح : ديمقراطية شعبية مباشرة و تشاركية , مازن كم الماز
اللاحكمي هى الترجمة العربية الأدق للتعبير عن تيار سياسى واجتماعى و فلسفى، تعددت أسماءه و رموزه الفكرية، و تجسيداته سواء فى حركات ثورية أو فى ثورات حدثت عبر التاريخ، وتتنوع بداخله المدارس برغم ما يجمعه من إطار عام، عرف فى اللغة العربية بالفوضوي التى هى ترجمة غير دقيقة لكلمة ((Anarchy)) والتى تعنى فى الإنجليزية (لا حكم ) ، وأصلها فى اللغة اليونانية، فى حين أن الفوضوي اشتقاق نسب عربى من فوضى، وترجمتها فى الإنجليزية ((chaos))، ومن ثم فهى ترجمة فضلا عن عدم دقتها فهى خبيثة حيث تهدف لتنفير من يسمعها، وقد عرف هذا التيار فى العربية أيضا أيضا باللاسلطوى، و التحررى، وأحيانا كما تنطق بالإنجليزية دون تعريب الأناركى
يرجع هذا التيار لجذور فكرية قديمة إلى ما قبل العصور الحديثة، تعلى من قيمة الحرية الإنسانية، وترفض السلطة القمعية وتنقدها، وتعتبر الدولة كمؤسسة فى حد ذاتها مصدر كل شر، ومصدر القهر الواقع على الإنسان، وسبب استغلاله وإفساده وتشويهه، وتبشر بعالم يخلو من هذا القهر، وذاك الاستغلال، وبإمكانية أن يحيا البشر أحرارا دون هذه المؤسسة القمعية المتعالية عليهم، و المتسلطة عليهم، أيا ما كان نظامها، ويرى البعض الآخر أن هذا التيار هو الامتداد الأكثر جذرية لفكر عصر التنوير الذى سبق الثورة الفرنسية، بشعـاراتها الثـلاث ( الحرية، و الإخاء، والمساواة )، كما يرى البعض أن هناك جذورا أناركية فى كل الثقافات عبر التاريخ فى الصين واليونان والعالم الإسلامى.
تنقسم جذور هذا التيار فى العصر الحديث لعدة منابع بدأت فى القرنين الثامن و التاسع عشر، الاناركية الفردية ويمثلها المفكر الإنجليزى جودوين والمفكر الألمانى شترينر، وهى تقوم على الحرية المطلقة للفرد إزاء أى سلطة أو جماعة، ومن هذا المنبع تتواجد تيارات الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية وهى تيارات هامشية لا تمثل التيار الرئيسى فى الاناركية.. و الاناركية التعاونية أو التبادلية ويمثلها المفكر الفرنسى برودون، و الاناركية الجماعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي باكونين، و الاناركية الشيوعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي كروبوتكين، و كل من الأناركيات التعاونية والجماعية والشيوعية تنشد مجتمع تتعاظم فيه الحرية الفردية، و تنتفى فيه السلطة القمعية، فى إطار جماعى منظم تعاونيا، باعتبار الإنسان فى النهاية حيوان اجتماعى؛ وتختلف فى تفاصيل حول الملكية الخاصة بنفيها أو تحديدها، وأسلوب تحقيق الاحتياجات البشرية إذا ما كانت حسب الحاجة أم الجهد المبذول فى العمل.. و الاناركية المسيحية ويمثلها الروائى الروسى الشهير تولوستوى الذى استلهم من المسيحية رؤى أناركية. كما ظهر مؤخرا من تأثر بأفكار هذا التيار من المفكريين الإسلاميين والبوذيين على قلتهم النادرة، فظهرت الاناركية الإسلامية و الاناركية البوذية، ويوجد تيار الاناركية البدائية وهو تيار هامشى مثله مثل تيارات هامشية أخرى تقترب من البوهيمية والعدمية والفردية المتطرفة. بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت الاناركيات التعاونية والجماعية و الشيوعية و الاشتراكية كتيار قوى فى العديد من البلدان الأوربية و الأمريكية، شاركت فى الأممية الأول(جمعية العمال الدولية)، وتصارعت فكريا وتنظيميا مع الماركسية متهمة اشتراكيتها بالسلطوية، وخرج ممثلوا هذا التيار الاناركى ليشكلوا أممية أخرى، وشارك الأناركيون الجماعيون والاشتراكيون و الشيوعيون فى العديد من الحركات الثورية فى روسيا و أسبانيا وفرنسا وإيطاليا، و حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وخلال ذلك ظهرت فى داخل هذا التيار الاناركية النقابية فى فرنسا، والتى بلغت أوجها فى أوائل القرن العشرين، وظهر اتجاه ماركسي لا سلطوي فى مواجهة التفسير اللينينى السلطوى للماركسية، ويمثله كل من روزا لوكسمبورج و بانيكوك، والمعروف الآن بشيوعية المجالس، وهم الأقرب للماركسية الأصيلة، والأقرب للأناركية الشيوعية، من كل التيارات الماركسية الأخرى، و يشكلان معا تيار الاشتراكية التحررية.
ما أن انتصفت ثلاثينات القرن العشرين حتى انتهت كل هذه التيارات لفترة كمون طويلة، حتى اعتقد البعض أنها انتهت تماما، وأصبحت مجرد جزء من التاريخ، ومجرد تراث من الأفكار .
مع منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأ جهد نظرى لإحياء الأناركية الشيوعية، حيث ظهرت كتابات جديدة لمفكرين جدد تعتمد على نقد الكتابات والممارسات السابقة، وتحاول استشفاف رؤى جديدة تلتزم بالإطار العام الأناركى والتحررى، وفى منتصف الستينات، ومع ظهور اليسار الجديد، خرج هذا التيار من كمونه، واخذ ينتشر مجددا فى العديد من بلدان غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع سقوط الدول التى تدعى بالاشتراكية فى أواخر الثمانينات، و سقوط اللينينية أحزابا وأفكارا مثلما سقطت الاشتراكيات الديمقراطية والإصلاحية والقومية، و زاد التشكك فى أهمية دور الدولة،وتأكد خطورة تضخم جهازها البيروقراطى، واستمرار نقد كل من النظرية والممارسة السلطويتين، ونقد الأيديولوجيات التسلطية و الإصلاحية والقومية، أخذ هذا التيار يكسب مواقع متزايدة فى أوروبا واستراليا والأمريكيتين وشرق آسيا، وبعض بلدان الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، وفى السنوات الأخيرة شارك أعضاء هذا الاتجاه فى الكثير من الأحداث، و بفضل ثورة الاتصالات الأخيرة أخذ ينتظم عالميا، ويزداد تأثيره وضوحا، وعرف مفكرين جدد أشهرهم عالم اللغويات الشهير ناعوم شومسكى، و سام دوجلوف ودانيال جرين وأنطونيو نيجرى وغيرهم …ويدخل تحت هذا التيار مدارس عديدة تتفق فى الإطار العام، وتختلف فيما بينها فى التفاصيل العملية،لا النظرية، فهناك شيوعية المجالس، و الاستقلالية، والمواقفية، و الاناركية النقابية، والبرنامجية، و التسيير الذاتى، و التعاونية.الخ، وكل هؤلاء يشكلون الجناح اليسارى فى الاناركية ، وهم التيار الرئيسى فيها، مع وجود من يمكن اعتبارهم الجناح اليمينى المتمثل فى الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية. فالاناركية ليست مذهبا جامدا، ولا تعرف النصوص المقدسة، ورموزها من المفكرين مجرد مجتهدين لا أنبياء، ولا قداسة لهم، ولا لنصوصهم ، ومن ثم يقبل هذا التيار النقد والتطوير داخل إطار مبادئه العامة.
أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، و يزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية، إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية، و من الأوهام والأساطير والمؤسسات السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها..وهو ما يعبر عنه برنامجنا النضالي المرحلي.
يعتقد على نطاق واسع أن الثورة الروسية قد أثبتت الحاجة لحزب طليعي مركزي مبني من الأعلى إلى الأسفل على النمط البلشفي . من دون حزب كهذا قيل أنه لم يكن من الممكن أن تحدث ثورة اشتراكية . نحتاج لذلك إلى بناء ذلك النوع من الأحزاب اليوم . إن هذه الحجة هي حجة ميثيولوجية ( أسطورية ) غالبا .
لقد بنى لينين عندما كان في المنفى في أوروبا جهازا بيروقراطيا من كوادر محترفين , لكنهم لم يتمكنوا أبدا من السيطرة على الكوادر الفعليين للحركة الماركسية في الإمبراطورية الروسية . تأثرت الحركة الاشتراكية بالقمع القيصري إضافة إلى الفئوية الداخلية , التي يعتبر الانشقاق بين البلاشفة و المناشفة أكثرها شهرة فقط . لخص موراي بوكشين هذا : “كان الحزب البلشفي .. منظمة غير شرعية في معظم السنوات السابقة على الثورة . و قد حطم الحزب و أعيد بناءه باستمرار , مما أدى هذا إلى أنه حتى تولى السلطة لم يتصلب ( يتشكل ) أبدا في الواقع إلى ماكينة بيروقراطية هرمية مركزية بالكامل . أكثر من ذلك , فقد مزقته الانشقاقات .. حتى الحرب الأهلية” .
قدم هال درابر نقاطا ( أفكارا ) مشابهة : “أخذت الأشكال الأولى من الحزب الجماهيري في روسيا شكل حلقات عمالية محلية و ليس شكل فصائل , و بقيت تلك الحلقات فضفاضة و شكلت فيما بينها اتحادات إقليمية فضفاضة … كانت منظمات الأعضاء في روسيا هي مجموعات الحزب المحلية و الإقليمية التي قد تكون نتيجة تعاطفها جزءا من البلاشفة أو المناشفة أو أنها قد تغير دعمها من طرف لآخر من وقت لآخر , الخ . في كل مرة يعقد فيها مؤتمر أو كونفرنس ( مجلس ) للحزب كان على كل مجموعة حزبية أن تقرر فيم إذا كانت ستحضر هذا المؤتمر أم ذاك أم كليهما … قد يقرر أعضاء الحزب الأفراد في روسيا أو المجموعات الحزبية توزيع جريدة لينين أو لسان حال المناشفة أو ألا يوزعوا أيا منها – كثيرون كانوا يفضلون لسان حال “غير فئوي أو تكتلي” كما فعل تروتسكي في فيينا أو أنهم قد يستخدمون في عملهم منشورات البلاشفة تلك التي يحبونها إلى جانب منشورات المناشفة و الآخرين , أي أن هذه كانت تشكل أساسا أو قاعدة حرة” .
دور البلاشفة في الإطاحة الفعلية بالحكومة المؤقتة الرأسمالية درسه عن قرب الكسندر رابينوفيتش . من خلال دراسته للمذكرات المبكرة للناشطين البلاشفة و قراءة الصحف البلشفية لتلك الأيام , استنتج أن “.. الوحدة المتراصة ( الصارمة ) تقريبا و “الانضباط الحديدي” للحزب البلشفي في عام 1917 كان إلى حد كبير مجرد أسطورة ..” . لم تكن لجنة الحزب المركزية قادرة على السيطرة على الكثير من المنظمات الإقليمية و المحلية و لم تحاول حتى أن تفعل ذلك عادة . حتى في الأماكن المركزية لمدينتي بتروغراد و موسكو الرئيستين , كانت هناك أجهزة بلشفية مستقلة نسبيا نشرت صحفها الخاصة و وضعت سياساتها المباشرة بنفسها . في اللجنة المركزية كان هناك مناضلون ذوي إرادة قوية دافعوا عن آرائهم , متجاهلين في بعض الأحيان الانضباط الحزبي . في ذلك الوقت فتح الحزب أبوابه لعشرات الآلاف من الأعضاء العمال الجدد , الذين هزوا هذه الأوضاع بشكل مؤثر ( معتبر ) . عندما عاد لينين إلى روسيا اعتمد على هؤلاء الأعضاء الكوادر الجدد لينقض السياسات المحافظة للبلاشفة القدامى . استنتج رابينوفيتش أن هذه الانقسامات “اللامركزية و غير المنضبطة” سببت بعض المصاعب , لكنها كانت عموما مفيدة بشكل حيوي . “.. مرونة منظمات البلاشفة , و انفتاحها و تجاوبها النسبي .. كانت مصدرا هاما لقوة الحزب و قدرته على الوصول إلى السلطة” .
جرى خلق حزب مركزي متراص فقط بعد الثورة , أثناء الحرب الأهلية ضد الحراس البيض المعادين للثورة . عندما انتهت الحرب الأهلية عام 1921 قاموا بسحق الثورة في قلعة كرونشتادت البحرية , و هزموا المعارضة الداخلية في الحزب – اللذين طالبا كلاهما بالمزيد من الديمقراطية للطبقة العاملة . أقنع لينين البلاشفة ( الذين غيروا اسمهم الآن إلى الحزب الشيوعي ) بمنع كل التكتلات الداخلية و كل اجتماعاتها ( و وافق تروتسكي على ذلك ) . “أخذ البلاشفة بمركزة حزبهم لدرجة أنهم أصبحوا معزولين عن الطبقة العاملة” . ( بوكشين ) . أصبح الحزب أكثر بيروقراطية حتى و مقموعا داخليا بانتصار ستالين عام 1924 و ما بعد ذلك .
صنع الحزب البلشفي الثورة الروسية عندما كان هذا الحزب أشبه ما يمكن بفيدرالية أناركية ! الحزب المركزي المتراص لم يكن حزب الثورة بل حزب الثورة المضادة . الأحزاب الللينينية السلطوية التي صنعت الثورات الصينية , الفيتنامية , اليوغسلافية و الكورية الشمالية , تشكلت على نمط حزب الاتحاد السوفيتي الستاليني . أراد ماو و الآخرون حزبا يخلق نظام رأسمالية دولة توليتاري ( شمولي ) مشابه .
هناك جانب أسطوري آخر من الصورة الشائعة عن الثورة الروسية و الحزب البلشفي . و هي فكرة أن البلاشفة كانوا هم من أسقط الحكومة المؤقتة لوحدهم . هذا غير صحيح . الاستيلاء الأساسي على السلطة قامت به جبهة موحدة من الحزب البلشفي , الحزب الاشتراكي الثوري اليساري , و الأناركيين . لعب البلاشفة دورا قائدا بسبب ضعف المجموعتين الأخريين لكن لم يكن بمقدورهم فعل ذلك بمفردهم . كان الاشتراكيون الثوريون اليساريون ورثة تيار الشعبيين الفلاحي الروسي , و كان لديهم برنامج اشتراكي تحرري . على عكس البلاشفة , كانوا يتمتعون بدعم بين الفلاحين . كانت نقطة ضعفهم هي ارتباطهم بالجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الثوري الذي انفصلوا عنه فقط في عام 1917 . كان الأناركيون نشيطين في المدن الرئيسية و الكثير من الصناعات . لعب النقابيون ( السينديكاليون ) الأناركيون دورا هاما في بناء مجالس المصانع . لسوء الحظ كان الأناركيون منقسمين إلى عدة تيارات و تفوقت عليهم الأحزاب السياسية تنظيميا . ( يبدو أن النقابيين الأناركيين كانوا أحسن تنظيما من الأناركيين الشيوعيين من ناحية تمكنهم من نشر جرائدهم الخاصة و جعل آرائهم معروفة على مستوى الشعب ) .
اتفق الاشتراكيون الثوريون اليساريون و الأناركيون مع البلاشفة على الحاجة للإطاحة بالحكومة المؤقتة البرجوازية و استبدالها بالسوفييتات . و تعاونوا جميعا في إطار اللجنة العسكرية التي قادها تروتسكي التي أطاحت بالحكومة المؤقتة . شكل بعدها الاشتراكيون الثوريون اليساريون حكومة مشتركة مع البلاشفة في السوفييتات . شارك الأناركيون في السوفييتات و دعموا عموما سياسات الاشتراكيين الثوريين اليساريين . كانت نهاية هذه الجبهة المشتركة عبارة عن خطوة هائلة نحو ديكتاتورية الحزب الواحد من قبل الشيوعيين . ( كيف تطور هذا شيء أكثر تعقيدا من التطرق إليه هنا ) . في عام 1921 إلى جانب منع كل الاجتماعات الداخلية التكتلية داخل الحزب الشيوعي , طالب لينين و تروتسكي أيضا بالمنع ( التجريم القانوني ) النهائي لكل الأحزاب لأخرى , مهما كانت درجة استعدادها لدعم الاشتراكية . لقد خلقت الديكتاتورية الصارمة المركزية للحزب الواحد , و لو أنها مرت بعدة مراحل أخرى قليلة قبل أن يثبتها ستالين نهائيا . لكن لم تكن هذه هي الطريقة التي صنعت بها الثورة .
النتيجة
أيا تكن إنجازاتها , فقد فشلت الأناركية مرارا في خلق مجتمع حر تعاوني . الثورات التي أثر فيها الأناركيون هزمت , أو “نجحت” بأن استولى عليها statists الدولتيون ( أنصار فكرة الدولة المركزية – المترجم ) . هناك اليوم صعود جديد للأناركية على صعيد العالم . ينظر قسم كبير من الناشطين إلى اتجاه النضال الطبقي المؤيد لفكرة التنظيم داخل الأناركية التاريخية , كما عبر عنها مالاتيستا , و البرنامجيين ( البلاتفورميين ) , الفيدرالية الأناركية الإيبيرية ( المنظمة الأناركية الأساسية في الثورة الإسبانية 1936 – 1939 إلى جانب و ضمن الكونفيدرالية الوطنية للعمال CNT – المترجم ) و especifistas . بعضنا يؤيد أيضا التيار المؤيد لفكرة التنظيم في الماركسية الداعية للاستقلال الذاتي autonomist Marxism . إننا ندعو إلى فيدراليات ديمقراطية منظمة حول برنامج ثورة أممية تقوم بها الطبقة العاملة و كل المضطهدين . يدين الأناركيون المعادون للتنظيم هذا على أنه خلق لأحزاب على النمط اللينيني . أيا تكن دوافعهم , ففي الممارسة يتخلى أعداء التنظيم عن تنظيم أناركي فعال ضد الرأسمالية و الدولة . بينما يبني اللينينيون في نفس الوقت أحزابا تعيد خلق الانقسام المركزي في الرأسمالية الدولتية بين القائد و من يقودهم . إنهم ينشرون صورة مزيفة سلطوية لكيفية تحقق الثورة الروسية . لكننا ما نزال نعتقد بأن انعتاق الطبقة العاملة و المضطهدين هو مهمة العمال و المضطهدين أنفسهم . إننا نعتقد بأن تشكيل فيدراليات أناركية ثورية هو جزء من التنظيم الذاتي لأولئك الذين تضطهدهم و تستغلهم الرأسمالية . يبقى التنظيم الذاتي هو الأساس في تحرر البشرية .
بعض المصطلحات و الأشخاص المذكورين في المقال
Especifismo : اتجاه قوي في الحركة الأناركية في أمريكا الجنوبية نتيجة خبرة الحركات الأناركية هناك , ظهرت في ستينيات القرن العشرين داعيى لإقامة منظمات أناركية تقوم على وحدة الفكر و الممارسة و المشاركة الفعالة في بناء حركات اجتماعية شعبية و مستقلة و هي تعتبر نوعا جديدا من البلاتفورمية في الحركة الأناركية .
autonomist Marxism الماركسية الداعية للاستقلال الذاتي : نظرية لحركات في أقصى اليسار الإيطالي و الأوروبي ظهرت أولا في إيطاليا في ستينيات القرن العشرين من خلال تطور الشيوعية العمالية Operaismo , من أهم منظريها أنطونيو نيغري , باولو فيرنو , تأثرت بالأناركية , ما بعد الماركسية و ما بعد البنيوية .
موراي بوكشين ( 1921 – 2006 ) اشتراكي تحرري أمريكي و من رواد الحركة البيئية الإيكولوجية .
هال درابر ( 1914 – 1990 ) ناشط و مؤلف اشتراكي , اصبح تروتسكيا في الثلاثينيات , في 1971 انفصل عن الاشتراكيين الأممين و لم تفرغ للعمل النظري كاشتراكي مستقل .
پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.