الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 35

الادارة الذاتية في الزراعة

بالرغم من ذلك، في المجالس الذي أعطوه أهمية قصوى، الحقل الاقتصادي، أبدى الأناركيون الاسبان أنفسهم أكثر صلابة وأقل خطورة.  الادارة الذاتية الصناعية والزراعية كانت بشكل كبير ذاتية الحركة. لكن مع نمو قوة الدولة ومع ازدياد سلطوية لحرب شيئا فشيئا، نشأت التناقضات بشكل مرتفع بين الجمهورية البرجوازية في الحرب وتجربة الشيوعية أو بالأحرى الاشتراكية التحررية. في النهاية، كانت الادارة الذاتية هي التي انكفأت، وذبحت على مذبح “معاداة الفاشية”. وفقا بايراتس، الدراسة المنهجية لهذه التجربة في الادارة الذاتية لم تحصل حتى الآن، إنه سوف يكون صعبا، حيث أن الادارة الذاتية تمثل تنوعات كثيرة في أماكن مختلفة وأوقات مختلفة. هذه المسألة تستحق انتباها أكثر، لأنه قليل جدا ما يعرف عنها. حتى ضمن صفوف الجمهوريين إما تم تخطيها أو وضعت تحت التقييم. الحرب الأهلية غمرتها وحتى اليوم تغطيها في ذاكرة الإنسان. مثلا، لا يوجد مرجع لها في فيلم “للموت في مدريد”، وما زالت من المرجح التراث الأكثر إبداعا في الأناركية الاسبانية.

ثورة 19 تموز 1936، كانت عملا دفاعيا براقا من الناس ضد البيان رقم واحد لفرانكو. ملاك الأرض والصناعة مباشرة تركوا أملاكهم ولجؤوا خارج البلاد. العمال والفلاجون سيطروا على الملكية المتروكة، عمال الزراعة قرروا متابعة زراعة التربة بنفسهم. اجتمعوا في “جماعيات” بشكل عفوي. في كتالونيا المؤتمر الاقليمي للفلاحين دعي للانعقاد من قبل الكونفدرالية الوطنية للعمل في 5 أيلول ووافق على جمعنة الأرض تحت الادارة والسيطرة النقابية. ممتلكات كبيرة وكلكية الفاشيين تم جمعنتها، بينما ملاك الأرض الصغار كان لهم الخيار بين الملكية الجماعية والملكية الفردية. استنساب قانوني صدر لاحقا: في 7 تشرين الأول، الحكومة المركزية الجمهورية صادرت بدون تعويضات ملكية “الأشخاص المؤيدين للانقلاب الفاشي”. هذا التدبير لم يكن كاملا من ناحية قانونية، بما أنه فقط نسب جزء صغير جدا من الاستيلاءات التي كانت الناس قد فعلتها بعفوية؛ الفلاحين قاموا بالمصادرة بدون تمييز بين هؤلاء الذين لهم دور في الانقلاب العسكري وهؤلاء الذين ليس لهم.

في الأرياف المتخلفة حيث المزارد التقنية ضرورية للزراعة على مدى واسع غائبة، الفلاح الفقير منجذب أكثر للملكية الخاصة، التي لم يتمتع بها بعد، ثم بالزراعية الجماعية. في اسبانيا، التعليم التحرري والتقليد الجماعي عوض عن التخلف التقني، قاوم النزعات الفردية للفلاحين، وحولهم مبارة نحو الاشتراكية. الخيار الثاني للفلاحين الفقراء، في المناطق التي هم أفضل حالا فيها، ككتالونيا، ارتبط بالفردانية. أغلبية ساحقة (90 %) من عمال الأرض اختاروا الانضمام للجماعيات منذ البداية. الخيار خلق تحالفا وثيقا بين الفلاحين وعمال المدينة، الأخيرين كانوا داعمين لجمعنة وسائل الانتاج متأثرين بشدة بطبيعة عملهم. يبدو أن الوعي الاجتماعي كان أعلى في الريف من المدن.

الجماعيات الزراعية نصبت ذاتها في ادارة ثنائية، زراعية وجغرافية. الأدوار كانت متمايزة، لكن في أغلب الحالات كانت النقابات تفرضها أو تسيطر عليها. الجمعية العامة للعمال الفلاحين في كل قرية تنتخب لجة ادارية تكون مسؤولة عن الادارة الاقتصادية. بصرف النظر عن أمين السر، كل الأعضاء تابعوا عملهم الاعتيادي. العمل كان الزاميا لكل الأشخاص الأصحاء بين ثمانية عشر وستين. الفلاحين انقسموا في مجموعات من عشر أو أكثر، كل يقودها مندوب، وكل عينت مساحة للزرع، أو عملية للانجاز، المناسب لعمل أعضائها وطبيعة العمل المخصص، الكومونة دوريا تدعو المندوبين من كل المجموعات في كل ليلة. فيما يتعلق بالادارة المحلية، الكومونة تدعو كل القاطنين لجمعية عامة لتلقي التقارير عن النشاطات المعمودة. كل شيء وضع في ملك عام باستنثناء التلبيس، المفروشات، المدخرات الشخصية، الحيوانات الأليفة الصغيرة، الحدائق، والطيور الداجنة المحفوظة للاستعمال الشخصي. الحرفيين، الحلاقين، صناعي الأحذية، الخ جمعوا في جماعيات؛ العنم المملوك للمجتمع قسم إلى قطعان من مئات، ووضع في مسؤولية الرعاة، ووزعوا بمنهجية في مراعي الجبال.

فيما يتعلق بتوزيع المنتجات، تم تجريب أنظمة مختلفة، بعضها قام على الجماعية والأخرى كانت تقريبا شيوعية، وبعضها أنتج شكلا من خلال ربط الاثنين. عموما، الدفع قام على حاجات العائلة. كل مسؤول عن العائلة كان يتلقى أجرا يوميا من عدد من البيزتات المعينة التي يمكنه تبادلها فقط مقابل بضائع من المتاجر الكوميونية (التشاركية)، التي وضعت غالبا في الكنيسة أو مبانيها. أي باق لا يستهلك كان يوضع في حساب ائتمان للبيزتات لصالح الفرد. إنه من الممكن وضع كمية محددة من مصروف الجيب من هذا الباقي. الايجار، الكهرباء، العناية الصحية، المستحضرات الصيدلية، مساعدة المسنين الخ، كانت كلها مجانية. التعليم كان أيضا مجانيا وكان يعطى في مدارس وضعت في دير الرهبان السابقة، كان الزاكيا لكل الأطفال تحت أربعة عشر عاما، الذين كان ممنوع أن يقوموا بأي عمل يدوي.

العضوية في الجماعية استمرت في أن تكون تطوعية، كما تطلب الاهتمام الرئيسي للأناركي للحرية. لم يمارس أي ضغط على المزارعين الصغار. اختيارهم أن يكونوا خارج المجتمع، جعلهم لا يتلقون خدماته ومنافعه بما أنهم طالبوا أن يكونوا مكتفين بذاتهم. مع ذلك، أمكنهم الاختيار كما يريدون في العمل الكوميوني وأمكنهم أن يأتو بانتاجهم للمتاجر الكوميونية. كان معترف بهم من الجمعيات العامة وتمتعوا ببعض المنافع الجماعية. هم منعوا فقط من الاستيلاء على أرض غير تلك التي يزرعونها، وخضوا لقيد واحد فقط: أن وجودهم أو ملكيتهم يجب أن لا تفسد النظام الاشتراكي. في بغض الأماكن المساحات المجمعنة لأعيد تكوينها في وحدات أكبر عبر التبادل التطوعي للأراضي مع الفلاحين الأفراد. في أغلب القرى، الفردانيين، سواء فلاحين أو تجار، انخفض عددهم مع مرور الوقت. شعروا بالانعزال وفضلوا الانضمام للجماعيات.

يظهر أن الوحدات التي طبقت المبدأ الجماعي للأجور اليومية كانت أكثر صلابة مقارنة مع البعض الذين حاولوا تأسيس الشيوعية الكاملة بسرعة أكبر، بدون الأخذ بالحسبان للأنانية العميقة المتجذرة في الطبيعة البشرية، خصوصا بين النساء. في بعض القرى حيث منعت العملات وساعد السكان أنفسهم من المساهمة المشتركة، الانتاج والاستهلاك ضمن حدود ضيقة من الجماعيات، السلبيات لهذا الشلل المكتفي ذاتيا جعلهم يلبدون، ويعودون وعادت الفردانية إلى الواجهة، مسببة انقسام المجتمع بين العديد من المزراعين الصغار السابقين الين انضموا ولكنهم لم طريقة تفكير شيوعية حقا. الكومونات كانت متحدة في اتحادات مقاطعية، وفوقها كان هناك اتحادات اقليمية. نزريا كل الأراضي العائدة لاتحاد المقاطعة عوملت موحدة واحدة بدون حدود متوسطة. التضامن بين القرى دفع إلى أقصى حدود، والدعم المتساوي جعل من الممكن تقديم المساعدة للجماعيات الأفقر. الأدوات، المواد الأولية، وفائض العمل كلها كانت متوفرة للمجتمعات المحتاجة.

توسع الجمعنة القروية كان مختلفا بين المقاطعات المختلفة. كما قلنا سابقا، كتالونيا كانت مساحة للمزارع الصغيرة والمتوسطة، والفلاحين امتلكوا تقليدا فردانيا قويا، لذا لم يكن هناك أمثر من بضعة جماعيات. في آراغون، من ناحية أخرى، أكثر من ثلاثة أرباع الأرض قد جمعنت. المبادرة الخلاقة للعمال الزراعيين في هذا الاقليم اثيرت من قبل الوحدة العسكرية التحررية، فوج دوروتي، في كرورها نحو الجبهة الشمالية لمقاتلة قوات فرانكو، وبالتالي تأسيس السلطة الثورية خلق في القاعدة، الأمر الذي كان فريدا من نوعه في اسبانيا الجمهورية. حوالي 450 جماعية قد نشأت، مع حوالي نصف مليون عضو. في اقليم ليفانتي (5 مقاطعات، والعاصمة فالنسيا)، الأغنى في اسبانيا، حوالي 900 جماعية قد نشأت، مغطية حوالي 45 % من المساحة الجغرافية، 50 % من انتاج الحمضيات، و70 % من تجارة الحمضيات. في كاستيا، نشأت حوالي 300 جماعية، مع حوالي 100 ألف عضو. الجمعنة أخذت مكانها في استريمدورا وجزء من أندوليسيا، بينما بضعة محاولات مبكرة كبحت بسرعة في أستورياس.

يجب تذكر أن الاشتراكة القاعدية لم تكن من عمل الأناركيين النقابيين وحدهم، كما يظن العديد من الناس. وفقا لغاستون ليفال، داعمي الادارة الذاتية كانوا “تحرريين دون أن يعرفوا هذا”. في استريمدورا و أندوليسيا، الديمقراطي الاجتماعي، الكاثوليكي، وفي أستورياس حتى الشيوعي، الفلاحين أخذوا المبادرة في الجمعنة. في المناطق الجنوبية لم يكن هناك سيطرة للأناركيين، حيث البليات سيطرت على أملاك ضخمة تحت شعار سلطوي، العمال المياومون لسوء الحظ لم يشعروا بهذا التحوا الثوري: أجورهم وظروفهم لم تتغير؛ لم يكن هناك ادارة ذاتية.

الادارة الذاتية الزراعية كانت نجاحا لا جدل فيه إلا حيث خربت من أعدائها أو أوقفتها الحرب. لم يكن صعبا تحطيم رقم قياسي في الملكية الخاصة الواسعة، لأنه كان بائسا. حوالي 10 آلاف مالك للأرض كانوا يمتلكون حوالي نصف شبه الجزيرة الاسبانية. لقد كان ملائما لهم أن يتركوا جزءا كبيرا من أرضهم تبور من السماح بتطوير طبقة المزارعين المستقلين، أو اعطاء عمالهم أجورا كريمة؛ القيام بأي من هاذين سوف يوهن سلطتهم الاقطاعية القروسطية.  هكذا كان وجودهم قد أعقم التطور الكامل للثروة الطبيعية للأرض الاسبانية.

بعد الثورة الأرض كانت قد جمعت في وحدات منطقية، زرعت على مقياس واسع ووفقا لخطة عامة وتوجيهات المهندسين الزراعيين. دراسة التقنيين الزراعيين جلبت انتاج بين 30 و50 بالمئة زيادة عن ما سبق. المساحات المزروعة ازدادت، الطاقة الجيوانية، البشرية، والميكانيكية استخدمت بطريقة عقلانية، وطرق العمل أصبحت مثالية. المحاصيل تنوعت، توسع الري، وبدأ إعادة التشجير، وبدأ غرس الأشجار. زرائب الخنازير قد بنيت، بنيت المدارس التقنية الريفية، وركبت المزارع، استيلاد الماشية الانتقائي تطور، والصناعات الزراعية الاضافية وضعت قيد التطبيق. الزراعة المجمعنة أظهرت ذاتها متفوقة من جهة على الملكية الغائبة الواسعة، التي تركت جزءا من الأرض مغروسا؛ ومن ناحية أخرى على المزارع الصغيرة المزروعة بطرق بدائية مع بذور سيئة وبدون أسمدة.

المحاولة الأولى في التخطيط الزراعي التي حصلت، ارتكزت على الاحصاءات الانتاجية والاستهلاكية المنتجة من الجماعيات، والمجمعة عبر لجان المقاطعة المختصة وثم عبر لجان اقليمية تتحكم بكمية ونوعية الانتاج في مناطقها. التجارة خارج الاقليم كان تحصل عبر لجنة اقليمية تجمع البضائع حتى تبيعها وتستبدلها بالبضائع التي يحتاجها الاقليم ككل. الأناركية النقابية الريفية أظهرت قدرتها التنظيمية وقدرتها على التنسق لأقصى حدود في ليفانتي. تصدير الحمضيات تطلب تقنيات اعلانية

ذات منهجية حديثة؛ كانوا بارعين في تشغيلها رغم أنف بعض الجدالات المنتجين الأغنياء.

التطور الثقافي كان يتم شيئا فشيئا مع الازدهار الاقتصادي؛ بدأت حملة للقضاء على الأمية بين الراشدين؛ الاتحادات المقاطعية وضعت برنامجا للمحاضرات، الأفلام، والاجراءات المسرحية في كل القرى. هذه النجاحات لم تكن فقط بسبب قوة المنظمات النقابية، بل بدرجة كبيرة، أيضا لذكاء ومبادرة الناس. رغم أن معظمهم كان أميا، الفلاحين أظهروا وعيا اشتراكيا، حسا عمليا جيدا، وروح التضامن والتضحية التي نالت اعجاب المراقبين الخارجين. فينير بروكواي، من حزب العمال البريطاني المستقل، الآن لورد بروكواي، زار جماعية سيغوربي وكتب: “روح الفلاحين، حمساتهم، وطريقة مساهمتهم في المجهود المشترك، والفخر الذي يعملون به، كله مثير للاعجاب”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 34

الأناركيون في الحكومة

هذا الاستخفاف بالحكومة، كان قد انقلب بسرعة والأناركيون الاسبان أصبحوا حكوميين. قليلا بعد ثورة 19 تموز في برشلونة، مقابلة حصلت بين الناشط الأناركي غارسيا أوليفر ورئيس الحكومة الكتالونية، شركات البرجوازية الليبرالية. كان مستعدا للاستقالة لكنه بقي في منصبه. الكونفدرالية الوطنية للعمل والفيدرالية الأناركية الأيبيرية رفضا ممارسة “دكتاتورية” أناركية، وأعلنوا استعدادهم للتعاون مع مجموعات يسارية أخرى. في منتصف أيلول، للكونفدرالية الوطنية للعمل استدعيت من قبل رئيس الوزراء الحكومة المركزية، لارجو كابيليرو، لتشكيل مجلس من خمسة عشر عضوا للدفاع حيث سيكون لها خمسة أعضاء. كان هذا قبولا بالمشاركة في مجلس الوزراء ولكن بمسمى آخر.

الأناركيين انتهوا بقبول المشاركة في حكومتين: الأولة في كتالونيا وثم في مدريد. الأناركي الايطالي، كاميلو بيرنيري، كان في برشلونة، وفي 14 نيسان 1937، كتب رسالة مفتوحة لرفيقه الوزير فيدريكا مونتنسي، منتقدا الأناركين في مشاركتهم في الحكومة كرهينة ومظهر “للسياسيين الذين يغازلون العدو (الطبقي)”. إنه صحيح أن الدولة التي وافق الأناركيون الاسبان المشاركة فيها بقيت كدولة برجوازية حيث الشخصيات الرسمية والسياسية فيها لا يملكون الا ولاء صغير للجمهورية. ما كان سبب هذا التغيير الجوهري؟

الحكومة الاسبانية أخذت مكانا كنتيجى للهجمة البروليتارية المضادة ضد الانقلاب العسكري الثوري المضاد. منذ بداية الثورة أخذت خاصية الدفاع الذاتي، خاصية عسكية، بسبب الضرورة لمعارضة العقيد فرانكو والميليشيا المعادية للفاشية. مواجهين خطرا مشتركا، الأناركيون ظنوا أنه لا خيار أمامهم إلا الانضمام إلى باقي القوى النقابية، وحتى الأحزاب السياسية، التي كانت مستعدى للوقوف ضد انقلاب قرانكو. مع ارتفاع دعم القوى الفاشسة لفرانكو، النضال المعادي للفاشية تحول إلى حرب حقيقية، حرب كلية من النوع الكلاسيكي. التحرريون يمكن أن يأخذوا دورهم فيها عبر التخلي شيئا فشيئا عن مبادئهم، سياسيا وعسكريا. لقد فكروا، خطأ، أن نصر الثورة يمكن أن يضمن فقط عبر الفوز بالحرب أولا، وكما أقر سانتيلان، لقد “ضحوا بكل شيء” لصالح الحرب. بيرنيري جادل سدى ضد أولوية الحرب، وشدد أن هزيمة فرانكو يمكن أن تضمن فقط عبر الحرب الثورية. لوضح مكابح على الثورة، في الواقع، اضعاف الجيش القوي للجمهورية: المشاركة النشطة للجماهير. كأكثر سمية جدية في المسألة كانت أن اسبانيا الجمهورية، حوصرت من قبل الديمقراطيات الغربية وفي خطر عصيب من تقدم القوى الفاشية، احتاجت مساعدة الجيش الروسي للنجاة. قدمت هذه المساعدات بشرطين: الأول الحزب الشيوعي يجب أن أن يستفيج منها كثيرا قدر الامكان، والأناركيون بشكل صغير قدر الامكان؛ الثاني أن ستالين بأي ثمن اراد منع انتصار الثورة الاجتماعية في اسبانيا، ليس فقط لأنها أصبحت تحررية، بل لأنها صادرت الاستثمارات الرأسمالية العائدة لبريطانيا التي تجرأت أن تكون حليفة للاتحاد السوفييتي في “الحلف الديمقراطي” ضد هتلر. الشيوعيين الاسبان ذهبوا بعيدا في انكار وجود الثورة: الحكومة الشرعية كانت ببساطة تحاول هزيمة التمرد العسكري. في أيار 1937 كان هناك صراع دموي في برشلونة والعمال نزع سلاحهم من قبل القوات بأوامر من ستالين. باسم العمل الموحد ضد الفاشيين، الأناركيين حظروا على العمال الثأر. الاصرار الحزين مع ما وضعوا أنفسهم به في خطأ الجبهة الشعبية، حتى الهزيمة النهائية للجمهورية، لا يمكن الحديث عنه في هذا الكتاب الصغير.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 33

ثورة “لاسياسية”

الثورة الاسبانية كانت، جيدة التحضير نسبيا، سواء في فكر المفكين التحرريين أو في وعي الناس. لم يكن مفاجئا أن اليمين الاسباني اعتبر أن النصر الانتخابي للجبهة الشعبية في شباط 1936 كبداية للثورة.

في الحقيقة، الجماهير عاجلا ما حطمت الاطار الضيق لنجاحهم في صندوق الاقتراع. أهملوا قواعد اللعبة البرلمانية ولم ينتظروا الحكومة حتى تتشكل لتحرير السجناء. المزارعين توقفوا عن دفع الأجرة لملاك الأرض، العمال الزراعيون اليوميون سيطروا على الأرض وبدؤوا بزراعتها، القرويون تخلصوا من مجالسهم البلدية وبادروا بادارة أنفسهم، عمال السكة الحديدة مضوا في اضراب لفرض مطلب في تاميم السكك الحديد. عمال البناء لمدريد دعوا لسيطرة العمال، كخطوة أولى نحو الجمعنة.

ضباط الجيش، تحت قيادة العقيد فرانكو، استجابو لتأثيرات ثورة في محاولة للانقلاب. لكنهم نجحوا فقط في تسريع تقدم الثورة التي بدأت في الحقيقة. خصوصا في مدريد، برشلونة، فالنسيا خصوصا، تقريبا في كل مدينة كبرى عدا اشبيلية، الناس بدؤوا بالهجوم، حاصروا الثكنات، ركبوا المتاريس في الشوارع واحتلوا المواقع الاستراتيجية. العمال هبول من كل مكان استجابة لنداء اتحاداتهم النقابية. هاجموا حصون قوات فرانكو، بدون المبالاة لحياتهم، بأيد وصدور عارية. نجحوا في أخذ البنادق من العدو وحثوا الجنود على الانضمام لصفوفهم.

بفضل هذا الغضب الشعبي الانقلاب العسكري حصر في مربعات خلال أربع وعشرين ساعة؛ ثم بدأت الثورة الاجتماعية بشكل عفوي إلى حد بعيد. تطورت على نحو غير متوازن طعا في الاقاليم والمدن المختلفة، لكن مع الاندفاع الأعظم في كتالونيا وخصوصا برشلونة. عندما السلطات الناشئة شفيت من ذهولها، وجدت أنها ببساطة لم تعد موجودة. الدولة، الشرطة، الجيش، الادارة، كلها بدأت بفقدان سبب وجودها. الحرس المدني  سيق أو حل والعمال المنتصرين حافظوا على النظام. المهمة الأكثر الحاحا كانت توفير المؤن الغذائية: لجان وزعت المواد الغذائية من المتاريس التي تحولت إلى مطاعم متنقلة، وثم فتحت مطاعم كوميونية (تشاركية). الادارة المحلية نظمت من قبل لجان الأحياء، ولجان الحرب رأت ضرورة نقل العمال إلى الجبهة. المركز النقابي أصبح دار البلدية الحقيقي. هذا لم يعد “دفاعا عن الجمهورية” ضد الفاشية، كانت الثورة، ثورة، ليس كما الثورة الروسية، لم يكن عليها خلق كل هيكليات السلطة من البداية: انتخابات السوفييتات كانت غير مهمة في وجود منظمات أناركية نقابية مع لجانها المختلفة في القاعدة. في كتالونيا الكونفرالية الوطنية للعمل وأقليتها الواعية، الفيدرالية الأناركية الأيبيرية، كانت أقوى من السلطات، التي أصبحت مجرد خيالات.

خصوصا في برشلونة، لم يكن هناك ما يمنع لجان العمال من السيطرة على السلطة بحكم القانون التي كانت تمارس في الواقع. لكن لم يفعلوا هذا، لعقود، الأناركية الاسبانية حذرت الناس من دجل “السياسة” وأكدت على أولوية “الاقتصاد”. لقد سعت دائما لابعاد الناس عن الثوة الديمقراطية البرجوازية من أجل قيادتهم للثورة الاجتماعية عبر العمل المباشر. على شفا الثورة، الأناركيون أكدوا شيئا كهذا: دعوا السياسيين يعلوا ما يريدون؛ إننا، “اللاسياسيين”، سوف نضع أيدينا على الاقتصاد. في 3 أيلول 1936، نشرة المعلومات التابعة للكونفدرالية الوطنية للعمل والفيدرالية الأناركية الأيبيرية نشرت مقالا بعنوان “عبثية الحكومة”، مقترحة أن مصادرة الملكية الاقتصادية التي كانت تحصل سوف تقود في الواع إلى “تصفية الدولة البرجوازية، التي سف تموت اختناقا”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

ئەوەی چالاكییە ڕاستەوخۆییەكان بەڕۆژێك بەدەستی دەهێنن ، پەڕلەمان و سیاسییەكان لە خولێكی تەواوی پەڕلەماندا ناتوانن ئەنجامی بدەن

زاهیر باهیر

لەندەن/ ٢٣/٠٢/١٢

لە ئەمڕۆی بریتانیادا سەرجەمی خزمەتگوزارییەكان، هەموو بیمەكان، مافی كاركردن، ماف و ئازادییەكانی خەڵكی بە هەموو چەشنەكانییەوە، گەر لەكۆتاییدا نەبن، ئەوە لە ژێر هەڕەشەیەكی بەردەوام و سەرومڕدان. ئەمە جگە لەوەی كە نرخی هەموو پێداویستییەكانی ژیان ، زۆر بەرزە و بەردەوامیش لەبەرزبوونەوەدایە. لەگەڵ هەموو ئەمانەشدا دەوڵەتیش هەموو ڕۆژێك بە پلانێكی تازەوە بۆ بارگرانكردنی زیاتری ژیانی خەڵكە هەژارەكە دێتەوە مەیدان.

مانگێك لەمەوپێش ڕۆژنامەی گاردیانی ئێرە (بریتانیا) بە وتارێكی درێژ پەردەی لەڕووی سیاسەتێكی تری ڕەشی دەوڵەت هەڵماڵی. ڕۆژنامەكە ئەوەی خستەڕوو كە چۆن دەوڵەت بڕیاری داوە ئەو گەنجانەی كە دەرچووی زانكۆكان و پەیمانگاكانن و كاریان دەست ناكەوێت، بۆ ئەوەی كە بیمەی بێكاریان پێ بدرئیت تا ئەو كاتەی كە كاریان دەستدەكەوێت دەبێت بچن لەگەڵ یەكێك لە كۆمپانییەكاندا یا سوپەرماركێتەكاندا بۆ ماوەی ٦ مانگ بە پارەی بێكاری كار بكەن كە هەفتەی لە ٣٠ كاتژمێر كەمتر نەبێت ، هەروەها هەر كەسێكیش واز لە كارەكەی بهێنێت ئەوە بۆ ماوەی دوو هەفتە بیمەی بێكارییەكەی دەبڕدرێت . ئەمەش لەژێر ناوی جێگرتنەوەی كار یا تەدریبكردن و ڕاهێنان بۆ دۆزینەوەی كار. هەرچیش ئەوانەی كە لە دەرەوەی دەرچوانی زانكۆكانن و هەر بێكار بوون یاخود ئێستا بێكارن، ئەمانیش بۆ ئەوەی كە كار بدۆزنەوە دەبێت بۆ ماوەی ٤ هەفتە هەمان شت بكەن.

بۆ ئەم مەبەستەش شالیاری بێكاران و بیمەكان لەگەڵ گەلێك لە كۆمپانیاكان و سوپەرماركێتەكاندا كەوتنە وتووێژ و ڕێكەوتنەوە. لەوانە Tesco, Asda, Oxfam, The Arcadia Group, Pizza Hut, BHS, TK Maxx, Matalans electronics, Argos, Sainsbury, Waterstones و گەلێكی تر.

ئەمەیە دادپەروەرێتی، ئەمەیە ژیان لەناو كۆمەڵگەی مەدەنی و لەژێر سایەی دەوڵەتی مەدەنیدا، ئەمەیە بارودۆخی كاركردن كە پاش ١٦ و زیاتر لە ١٦ ساڵ خوێندن هەفتەی ٣٠ كاتژمێر بە پارەی بیمەی بێكاری كار بكە ، گەر ئەمە كۆیلایەتییەكی سەردەمیانە نەبێت لە كۆمەڵگەی ژێر سایەی دەوڵەتی مەدەنیدا، ئەی دەبێت چی بێت؟ ئائەمەیە دووڕویەتی و بازرگانێتی و سیاسەتكردن ، كە لە كاتێكدا لە كۆی ١٧ شالیارەكەی دەوڵەت زیاتر لە ١٢ شالیاریان ملیۆنێرن كە خۆیان لە هیچیان كەم نییە و كەچی بە گەنجەكان و دەرچووانی زانكۆكانیش ژیانی نانەسكی ڕەوادەبینن .

ئەم سیاسەتە ناڕەوایە لەكاتێكدا دەگیرێتە بەر كە بریتانیا لە بارودۆخێكی یەكجار سەختدایە و گرتنەبەری ئەم سیاسەتە نەك یارمەتی بوژاندنەوەی ئابووری ئەم وڵاتە نادات بەڵكو ئەوەندەی تر بارە ئابووریەكە خراپتر دەكات چونكە ئەم سیاسەتە یەكەم یارمەتی كۆمپانیا گەورەكان و سوپەرماركێتەكان دەدات كە سوود و سەرمایەی زیاتر پەیدا بكەن ، كە لەحاڵی حازردا گەلێكیان پێكەوەناوە بەبێ ئەوەی باجی تەواوی لێ بدەن. دووهەم ئەو ٢٤ هەزار گەنجەی كە بڕیاڕ بوو لەو شوێنانەدا كار بكەن هێشتا دەوڵەت لە بوجەی پارەی بێكاری یارمەتییان دەدات، ئەمەش یانی كەمبوونەوەی بوجە و نەدانی باج لەلایەن ئەو گەنجانەوە. سێهەم دەركەوتنی ناكۆكی لە نێوان قسە و كردارەكانی دەوڵەت و سیاسییەكانییدا كە لە لایەكەوە دەڵێن هەوڵدەدەن كە باری ئابووری باش بكەن و ڕێژەی بێكاری بێننە خوارەوە و لەلایەكی تریشەوە یارمەتی كۆمپانییە گەورەكان دەدەن بە ناردنی گەنجان تاكو بە نانەسكی كاریان بۆ بكەن، بێگومان گەر كۆمپانیایەك بە بەلاش كرێكاری دەستكەوێت و هەمان كاری كرێكارێكی بۆب كات ئیتر بۆچی كرێ بدات بە كرێكارێك تاکو هەمان كاری بۆ بكات.

كاتێك كە گروپە لۆكاڵییەكان و سەندیکا و گروپەكانی تری وەكو Anti Cut , The UK Uncut ‌بەمەیانزانی گەورەترین كەمپەینی بۆكرا ئەویش بەهەستان بە چالاكی ڕاستەوخۆ دژی هەندێك لەو كۆمپانیا و سوپەرماركێتانە. ڕۆژی شەمەی ڕابودوو، ١٨/٠٢/١٢ هەندێك لەو كۆمپانیا و سوپەرماركێتانە لەلایەن خەڵكییەوە داگیركران و دەستیبانبەسەردا گیرا ، ئەمە بووە هۆی ئەوەی كە لە ماوەی تەنها دوو ڕۆژدا زیاتر لە ١٢ كۆمپانیا و سوپەرماركێت لەو كۆنتراكتەی كە لەگەڵ دەوڵەتدا بۆ ئەو مەسەلەیە هەیانبوو پاشگەز ببنەوە و دووانیشیان وەكو تێسكۆ و سەینسبێری كە تەواوی ئەو گەنجانەی كە لەگەڵ ئەواندا بە پارەی بیمەی بێكاری كار دەكەن گەر خۆیان بییانەوێت ئەوە دەتوانن لەوێ بمێننەوە وەكو كرێكارێكی ئاسایی پارەیان دەدرێتێ و هەموو مافێكیشیان وەكو ئەوان دەبێت.

كەمپەینی دژی ئەم پلانە هەر بەردەوامە و بەردەوامیش دەبێت تاكو هەم دەوڵەت و هەم ئەو كۆمپانیانەشی كە تا ئێستاش هەر بەو كۆنتراكتەوە پەیوەستن پەشیمان دەبنەوەوە و كۆتایی بەو كۆنتراكتە دەهێنن. وا بڕیارە كە كەمپەینی داهاتوو لە ڕۆژی دووی مانگی ئازاردا بێت.‌

ئەمەی كە لە سەرەوە باسم كرد ئەوە دەسەلمێنێت كە چالاكی ڕاستەوخۆ ڕۆڵێكی گەورە دەبینێت و دەتوانێت لە ماوەیەكی كورتدا گەلێك دەسکەوت و ئامانج بەدەست بهێنێت كە ژاوە ژاو و چەلەحانێی ناو پەڕلەمان هیچ وەخت ناتوانێت ئەوانە بەدەست بهێنێت.

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 32

النظرية

الأناركيون الاسبان نشروا ائما أعمال الأقلية والأغلبية في الأممية الأناركية باللغة الاسبانية. لقد حافظوا على التقاليد الاشتراكية من الاغفال، وربما الدمار المطلق ، الثورية والحرة. أوغاستين سوتشي كان أناركيا نقابيا وضع نفسه في خدمة الأناركية الاسبانية. وفقا له، “مشكلة الثورة الاجتماعية كانت قد نوقشت دائما وبشمل منتظم في اتحاداتهم واجتماعات مجموعتهم، في أوراقهم، كتيباتهم، وكتبهم”.

إعلان الجمهورية الاسبانية ، في 1931، أدى إلى انفجار كتابات “توقعية”: بايراتز عدد خمسين عنوانا، مشددا أنه يوجد أكثر بكثير، وأكد أن هذا “الهاجس بالبناء الثوري” قاد إلى تكاثر الكتابات التي أسهمت بشكل كبير في تحضير الشعب للطريق الثوري. كتيب جايمس غاليوم في العام 1876، أفكار عن التنظيم الاجتماعي، كان معروفا لدى الأناركيين الاسبان لأنه اقتبس بشكل كبير في كتب بيير بينسارد، النقابات العمالية والثورة الاجتماعية، الذي ظهر في باريس في 1930. غاستون ليفال هاجر للأرجنتين وفي 1931 نشر إعادة البناء الاجتماعي في اسبانيا، ما أعطى الهاما مباشرا للعمل المهم لدييغو آباد دي سانتيلان.

في 1932، طبيب البلاد اسحق بونتي نشر رسما مثاليا وبسيطا عن الشيوعية التحررية؛ أفكاره كانت اتخذت من مؤمر زاراغوسا للكونفدرالية الوطنية للعمل في أيار 1936. بونتي نفسه اصبح الروح المتنقلة للجنة الانتفاضة في آراغون في 1933.

برنامج زراغوسا العام 1936 عرف عملية الديمقراطية القروية المباشرة مع بعض الدقة. المجلس الكوميوني كان انتخب عبر جمعية عاملة من السكان وشكل ممثلين للجان تقنية مختلفة. الجمعية العامة تجتمع عندما تدعو حاجة الكومونة لهذا، بناء على طلب أعضاء المجلس الكوميوني أو بطلب مباشرة من السكان. المواقع المسؤولة المختلفة لن تملك لا خاصية تنفيذية أو بيروقراطية. أصحاب المسؤولية (باستنثاء بضع التتقنيين والاحصائيين) سوف يقومون بواجباتهم كمنتجين، ككل شخص آخر، يجتمعون في نهاية اليوم لمناقشة المسائل بالتفصيل التي لا تتطلب قرارات من الجمعية العامة.

العمال النشطين كانوا يتلقون بطاقة المنتجين التي تسجل كمية العمل المنجز، مقيما بالوحدات اليومية، التي يمكن أن تتبادل مقابل البضائع. الأعضاء الغير نشطين من السكان سوف يتلقون ببساطة بطاقة مستهلكين. لا يوجد معيار محدد: استقلالية لكومونات يجب أن تحترم. إذا لاءمتهم الفكرة، يمكن أن يشكلوا نظاما مختلفا داخليا للبضائع، الشرط الوحيد كان أن لا تؤثر على اهتمامات باقي الكومونات. الحق في الاستقلالية الكميونية لا يتجنب واجب التضامن الجماعي ضمن اتحادات مناطقية واقليمية للكومونات.

 واحد من الاهتمامات الأساسية للأعضاء في مؤتمر سرقسطة كان تثقيف الفكر. طوال حياتهم كل الأشخاص كانوا أكيدين من على دخزل العلوم، الفن، والبحث من كل الأنواع، بشرط أن تبقى هذه النشاطات متلائمة مع انتاج الموارد المادية. المجتمع لم يعد منقسما في عمال يدويين ومفكرين: كانوا سيكونون واحدهم الآخر وفي ذات الوقت. ممارسة هذه النشاطات المتوازية سوف يضمن التوازن الصحي في الطبيعة البشرية.  عندما ينتهي العمل اليومي للفرد، يصبح الفرد السيد المطلق لوقته. الكونفدرالية الوطنية للعمل تنبأت أن الحاجات الروحية سوف تبدأ بأن تكون معبرة بشكل أكثر بكثير طالما أن المجتمع المحرر يضمن حاجاته المادية.

النقابية الأناركية الاسبانية اهتمت لوقت طويل في حماية استقلالية ما سمته “مجموعات الألفة”. كان هناك الكثير من المختصين في الطبيعية والنباتية بين أعضائها، خصوصا الفلاحين الفقراء من الجنوب. كلاهما بطرق الحياة هذه اعتبرت ملائمة لتحول الكائن البشري للتحضير للمجتمع التحرري. في مؤتمر سرقسطة الأعضاء لم ينسوا تحديد قدر مجموعات الطبيعيين والعريين، “الغير متلائمين مع التصنيع”. هذه المجموعات لن تكون قادرة على تأمين كل احتياجاتها، لذا المؤتمر تطلع أن مندوبيهم للاجتماعات لكونفدرالية الكومونات سوف يكونون قادين على المفاوضة حول اتفاقات اقتصادية خاصة مع باقي الكومونات الصناعية والزراعية. هل هذا يجعلنا نبتسم؟ في أوج الحول الاجتماعي، الدموي، الواسع، الكونفدرالية لم تفكر انها حماقة أن تجمع النزعات المختلفة اللامحدودة للكائنات البشرية الفردية.

فيما يتعلق بالحريمة والعقاب مؤتمر سرقسطة اتبع تعليمات باكونين، محددة أن الظلم الاجتماعي هو السبب الرئيسي للجريمة، ولذلك، عندما يتم ازالة هذا الجرائم لن ترتكب إلا قليلا. المرتمر أكد أن الانسان ليس شريرا بطبيعته. عيوب الفرد، في المجال الأخلاقي كما في دوره كمنتج، كانت لتستكشف من الجمعيات الشعبية التي سوف تبذل كل محاولة لإيجاد حل عادل في كل قضية على حدى.

الشيوعية التحررية كانت معارضة للاقرار بالحاجة لأي قواعد جزائية غير العلاج وإعادة التعليم. إذا، منتيجة لبعض الظروف المرضية، الفرد كان ليدمر الألفة التي تسود بين أمثاله فإنه سوف يتعامل معه بطرق غير متوازية، في نفس الوقت فإن حسه الاجتماعي والأخلاقي سوف يثار. إذا العاطفة الجنسية تجاوزت الحدود تفرض باحترام حرية الآخرين، مؤتمر سرقسطة أوصى ب”تغيير الجو”، معتقدا أنه جيد للأمراض الجسدية كما العاطفية. الاتحاد النقابي تبنى حقا أن مثل هذه التصرفات المتطرفة سوف تستمر بالظهور في بيئة من الحرية الجنسية.

عندما تبنى مؤتمر الكونفدرالية الوطنية للعمل برنامج سرقسطة في أيار 1936، لا يمكن لأحد أن يتوقع أن الوقت لتطبيقه سوف يأتي فقط بعد شهرين. في الممارسة جمعنة الأرض والصناعة التي تبعت النصر الثوري في 19 تموز يختلف عن هذا البرنامج المثالي. بينما كلمة “كومونة” وردت في كل سطر، المصطلح استخدم للوحدات الانتاجية الاشتراكية التي جمعنت. هذا لم يكن ببساطة تغيرا بالمصطلحات: خالقي الادارة الذاتية الاسبانية بحثت عن موارد أخرى لإلهامهم.

شهرين قبل مؤتمر سرقسطة دييغو دي سانتيلان أصدر كتاب، التنظيم الاقتصادي للثورة. هذا الاختصار للهيكلية الاقتصادية رسم الهاما مختلفا نوعا ما عن برنامج سرقسطة.

مختلفا عن العديد من معاصريه، سانتيلان لم يكن تلميذا عاقرا وقاسيا للأناركيين العظام للقرن التاسع عشر. أسف أن الأدب الأناركي للخمسة والعشرين أو ثلاثين سنة سابقا يجب أن ينتبهوا قليلا للمشاكل الحسية للاقتصاج الجديد، ولم يفتح وجهات نظر أصلية عن المستقبل. من ناحية أخرى، الأناركية أنتجت غرازة بالأعمال، بكل لغة، ذاهبة مرارا وتكرارا عن مفهوم مجرد كليا للحرية. سانتيلان قارن هذا هذا الجسد العسير الهضم للعمل مع تقارير مقدمة للمؤتمرات الدولية والوطنية للأممية الأولى، ولاحقا بدت له الأكثر براعة للمقارنة. ظن أنهم أظهروا فهما أفضل قليل للمشاكل الاقتصادية مما ظهر في الفترات اللاحقة.

سانتيلان لم يكن رجعيا، بل الإنسان الحقيقي لوقته. كان واعيا أن “التطور الهائل للصناعة الحديثة قد خلق سلسلة من المشاكل الجديدة، التي كانت مستحيلة التنبأ في وقت مبكر”. لا يوجد سؤال في العودة للعربة الرومانية أو للأشكال البدائية للانتاج الحرفي. التعصب الاقتصادي، طريقة ضيقة بالتفكير، الوطن الصغير عزيز على قلوب الاسبان القرويين الحانين إلى للعصر الذهبي، “الكومونة الحرة” الصغيرة والمتعلقة بالقرون الوسطى لكروبوتكين كل هذا يجب أن ينفي لمتحف التراث القديم. إنها ذرات منتهية التاريخ للمفاهيم الكوميونية. لا يمكن لل”كومونات الحرة” أن تتواجد من وجهة نظر اقتصادية: “هدفنا هو الكومونة التي تتشارك، تتحد، وتندمج في اقتصاد كلي للبلاد، وللبلدان الأخرى في حالة الثورة”. الأرض، المصانع، المناجم، وسائل النقل هي منتج عمل الكل ويجب أن تكون في خدمة الكل. في هذه الأيام الاقتصاد ليس محليا، وليس وطنيا، إنه عالمي. الميزة الخاصة بالحياة المعاصرة هي التلاحم لكل القوى الانتاجية والتوزيعية. “الاقتصاد الاشتراكي، الموجه والمخطط، هو ضرورة حتمية وتتوافق مع نزعة التطور في العالم الاقتصادي الحديث”.

سانتيلان أدرك دور التنسيق والتخطيط كشيء يخرج عن مجلس اتحادي اقتصادي، وهذا المجلس لا يكون سلطة سياسية، بل ببساطة هيئة تنسيق، منظم اقتصادي واداري. توجيهاتها سوف تاتي من الأسفل، من مجالس الصناعة المتحدة في مجالس نقتبية لمختلف أفرع الصناعة، وفي مجالس اقتصادية محلية. المجلس الاتحادي  في النهاية سوف يكون له قيدين من السلطة، الأول يرتكز على المحلية والثاني على العمل. هذه المنظمات في القاعدة سوف توفر احصائياتها حتى تكون مدركة للحالة الاقتصادية الحالية في اللحظة المعطية. بهذه الطريقة يمكن تحديد عيوب التخصص، وتحديد الأقسام التي الصناعات أو المحاصيل الجديدة سوف تتطلبها فورا. “رجال الشركة لن يكونوا ضرورة عندما ترتكز السلطة العليا على الاحصاءات والأعداد”. في مثل هكذا نظام حالة الاكراه ليس لها دور، إنها عقيمة، وحتى مستحيلة. المجلس الاتحادي يرة أن اشاعة المعايير الجديدة، نمو التكافل بين المناطق وتشكيل التضامن الوطني. تثير بحثا في قواعد جديدة للعمل، العمليات التصنيعية الجديدة، تقنيات زراعية جديدة. إنها توزع العمل من اقليم لآخر، ومن فرع اقتصادي لآخر.

لا يوجد شك أن سانتيلان تعلم مقدارا كبيرا من الثورة الروسية. من ناحية، علمته أن يكون واعيا لخطر انبعاث الدولة والأدوات البيروقراطية؛ لكن، من ناحية أخرى، علمته أن الثورة المنتصرة لا يمكن أن تتخطى المرور بأشكال اقتصادية وسطية، حيث يبقى ما سماه ماركس ولينين “قانون البرجوازية”. لفترة، لا يمكن السؤال عن إسقاط الأنظمة البنكية والمالية دفعة واحدة. هذه المؤسسات يجب أن تتحول وتستخدم كوسائل مؤقتة للتبادل للابقاء على حركة الحياة الاجتماعية وتحضير الطريق لأشكال اقتصادية جديدة.

سانتيلان لعب دورا مهما في الثورة الاسبانية: أصبح، بالدور، عضوا في اللجنة المركزية للميليشيا المعادية للفاشية (في نهاية تموز 1936)، عضوا في المجلس الاقتصادي الكتالوني (11 آب)، ووزيرا للاقتصاد في حكومة كتالونيا (منتصف كانون الأول).

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 31

التقليد الأناركي في اسبانيا

الأناركيون الاسبان تعلموا من درس الثورة الروسية مبكرا جدا، وهذا لعب دورا في الهامهم للتحضير لثورة مختلفة الشكل. انحدار الشيوعية السلطوية زاد من اصرارهم على تحقيق نصر للشيوعية بالشكل التحرري. كانوا خائبي الأمل جدا من الوهم السوفييتي، بكلمات دييغوا آباد دي سانتيلان، رأة في الأناركية “الأمل الأخير للتجديد خلال هذه المرحلة الكئيبة”.

أسس الثورة التحررية كانت تتركز جيدا في وعي الجماهير الشعبية وفي تفكير المنظرين التحرريين. وفقا لجوزيه بيراتس، الأناركية النقابية كانت، “بسبب نفسيتها، حساسيتها، تفاعلتها، الأكثر شيء اسبانية في اسبانيا”. كانت منتجا ثنائيا للتطور المركب. لقد لاءمت كل من الحالة المتخلفة للبلد الضعيف التطولار، حيث أن الظروف المعيشية الريفية بقيت قديمة، وكذلك نمو البروليتاريا الحديثة ولدت من التصنيع في مناطق معينة. الميزة الفريدة للأناركية الاسبانية أنها كانت مزيجا بين الماضي والمستقبل. التعايش بين هاتين النزعتين كان أكثر من مثالي.

في 1918، الكونفدرالية الوطنية للعمل كانت تملك أكثر من مليون عضو نقابي. في المجالس الصناعي كانت قوية في كتالونيا، وأقل طبعا في مدريد وفالنسيا: لكنها امتلكت جذورا في الريف، بين الفلاحين الفقراء الذي صانوا تقليد الكوميونتية القروية، الملونة بالوطنية المحلية والروح التعاونية. في 1898 الكاتب خواكين كوستا شرح بقاء هذه الجماعية الزراعية. العديد من القرى امتلكت ملكية مشتركة التي خصصت صالح من لا يملكون الأرض، أو التي استخدموها معا مع باقي القرى لرعي الماشية أو أغراض الكوميونتية أخرى. في اقليم ملكية الأرض الواسعة النطاق، في الجنوب، عمال الزراعة اليوميين فضلوا الجمعنة على تقسيم الأرض.

علاوة على ذلك، عدة عقود من الدعاية الأناركية في الريف، على شكل كتيبات شعبية صغيرة، حضرت أسس الجماعية الزراعية. الكونفدرالية الوطنية للعمل كانت قوية خصوصا بين الفلاحين في الجنوب (أندوليسيا)، والشرق (مساحة من الليفانت حول فالنسيا)، وفي الشمال الشرقي (آراغون، حول سرقسطة).

القاعدة الثنائية، الصناعية والريفية، حولت الشيوعية التحررية للأناركية النقابية الاسبانية في اتجاهات مختلفة بعض الشيء، واحدة الكوميونتية والأخر نقابي. الكوميونتية فسرت بروح أكثر ريفية وأكثر محلية، قد يقول الواحد تقريبا: أكثر جنوبية، وواحدة من حصونها الأساسية  في أندوليسيا. النقابية، من ناحية أخرى، كانت مدنية ووموحدة في روح أكثر شمالية، وكان مركزها الرئيسي هو كتالونيا. المنظرين التحرريين كانوا ممظقين ومقسيمن حول هذا الموضوع.

البعض أسلموا قلوبهم لكروبوتكين ووتمثيله الواسع المعرفة لكن البسيط لكومونات العصور الوسطى التي دمجوها مع التقليد الاسباني للمجتمع الفلاحي البدائي. كان شعارهم االمفضل “الكومونة الحرة”. التجارب العملية المختلفة في الشيوعية التحررية أخذت مكانا خلال الانتفاضات الفلاحية التي سبقت تأسيس الجمهورية في 1931. عبر الاتفاق الحر التبادلي بعض المجموعات من الملاك الفلاحين الصغار قرروا العمل معا، تقسيم الأرباح في أجزاء متساوية، وتأمين استهلاكهم الخاص عبر “الأخذ من المساهمة المشتركة”. لقد طردوا الادارات البلدية واستبدلوها باللجان المنتخبة، بإيمان بسيط أنه يمكن أن يحرروا أنفسهم من المجتمع المحيط، الضرائب، والخدمة العسكرية.

باكونين كان المؤسس للحركة العمالية الجماعية، النقابية، والدولية الاسبانية. هؤلاء الأناركيون كانوا أكثر واقعية، أكثر اهتماما بالحاضر من العصر الذهبي، نزعوا لاتباعه ولمناصره ريكاردوا ميلا. كانوا مهتمين بالاتحاد الاقتصادي وآمنوا أن مرحلة انتقالية طويلة سوف تكون ضرورية خلالها سوف يكون أعقل إعطاء العامل وفقا لساعات عمله وليس لحاجاته. لقد تصوروا هيكلية اقتصادية للمستقبل كربط للمجموعات النقابية المحلية واتحادات الفروع الصناعية.

لوقت طويل الاتحادات المحلية كان المسيطرة على الكونفدرالية. هذه المجموعات، القريبة للعمال، المتحررة من كل الأنانية الشركاتية، خدمت على أنها البيت الروحي والفيزيائي للبروليتاريا. التدريب في هذه الاتحادات المحلية دمج أفكار النقابة والكومونة في فكر الأعضاء المناضلين في القاعدة.

المناقشة النظرية التي عارض تالنقابيون فيها الأناركيون في مؤتمكر الأممية الأناركية في 1907 تجددت في الممارسة لتقسيم الأناركيون النقابيون الاسبان. النضال من أجل المطالب اليومية ضمن الكونفدرالية الوطنية للعمل أنتج نزعة اصلاحية ولمواجهة هذا نشأت الفيدرالية الأناركية الأيبيرية في 1927 التي باشرت الدفاع عن الاستقامة المذاهب الأناركية. في 1931 “بيان الثلاثي” وضع من قبل النزعة النقابية مستهجنة “دكتاتورية” الأقليات ضمن الحركة النقابية، وأعلنت استقلالية النقابية وودعت للانكاء على ذاتها. بغض الاتحادات النقابية تركت الكونفدرالية الوطنية للعمل والعنصر الاصلاحي تمادى ضمن هذا المركز النقابي حتى بعد الخرق الذي كان قد شفي في أوج ثورة تموز 1936.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 30

الأناركية في الثورة الاسبانية

الوهم السوفييتي

تلكؤ الوقت بين الوعي الذاتي والواقع الموضوعي هو ثابت في التاريخ. الأناركيون الروس وهؤلاء الذين شهدوا التمثيلية الروسية وضعوا درسا مبكرا في 1920 والذين لم يعرف، يقر به، ويتشارك إلا بعد عدة سنوات. الثورة العمالية الأولى في انتصارها على سدس العالم امتكلت هيبة وتألقا حتى أن الحركة العمالية بقيت فترة طويلة منومة مغناطيسيا في إجلال نموذج. “المجالس” في هيئة السوفييتات الروسية نمت في كل مكان، ليس فقط في ايطاليا، كما رأينا، بل في المانيا، النمسا، والمجر. في المانيا نظام المجالس كان عنصرا أسياسيا في برنامج عصبة سبارتاكوس لروزا لكسمبورغ وكارل يبكنخت.

في 1919 الرئيس الجمهورية البافارية، كورت إيسنر، أغتيل في ميونيخ. الجمهورية السوفييتية أعلنت عندها تحت قيادة الكاتب التحرري غوستاف لاندور، الذي اغتيل بدوره من الثورة المضادة. صديقع ورفيقه في النضال، الشاعر الأناركي إيريش موهسام، ألف “نشيد المجالس”، الذي دعا العمال للنضال ليس بتشكيل كتائب منظمة بل مجالس على النموذج الروسي والمجري، ومن أجل القضاء على قرون من عبودية العالم القديم.

في ربيع 1920 مجموعة معارضة ألمانية دعمت شيوعية المجالس غادرت الحزب الشيوعي لتشكل حزب العمال الشيوعي الألماني. فكرة المجالس الهمت مجموعة مشابهة في هولندا قادها هيرمان غورتر وأنطون بانيكوك. خلال حياته الجدلية مع لينين، الأول لم يكن خائفا على الرد، بنمط تخرري نقي، على القائد المعصوم للثورة الروسية: “إننا ما زلنا نسعى لقادة حقيقيون لن يهدفوا للسيطرة على الجماهير ولن يغدروا بهم. طالما لا نكلكهم إننا نريد لكل شيء أن ينجز من الأسفل للأعلى وبدكتاتورية الجماهير على أنفسهم. إذا امتلكت مرشد جبال وقادني نحو الجرف، فإنني أفضل فعل هذا بدونه”. بانيكوك ادعى أن المجالس لم تكن شكلا من الحكم الذاتي التي سوف تستبدل أشكال الحكومة للعالم القديم، كما غرامشي فهو لم يرى فرقا بين الأخيرة و”دكتاتورية البلاشفة”.

في أماكن عديدة، خصوصا في بافاريا، المانيا، وهولندا، الأناركيون بعبوا دورا ايجابيا في التطوير النظري والعملي لنظام المجالس.

نفس الشيء، في اسبانيا الاناركيون النقابيون انبهروا بثورة تشرين الأول. مؤتمر مدريد للكونفدرالية الوطنية للعمل (10 – 20 كانون الأول 1919)، تبنى بيانا أعلن أن “المحلمة البطولية للشعب الروسي كهربت البروليتاريا العالمية”. مرحبة، “دون تحفظ، كجميل تقدم نفسها للرجل الذي تحب”، المؤتمر صوت مؤقتا للانضمام إلى الأمنية الشيوعية بسبب خاصيتها الثورية، موضحا الأمل أن مؤتمر العمال العالمي سوف يسمى لتحديد المبادئ التي يمكن أن تنبى أممية عمالية حقيقية عليها. أصوات هائبة قليلة للمخالفين سمعت أن الثورة الروسية كانت ثورة “سياسية” زلم تتبنى الهدف التحرري. المؤتمر لم يأخذ علما وقرر إرسال مندوب للمؤتمر الثاني للأممية الثالثة الذي افتتح في موسكو في 15 تموز 1920.

حينئذ، رابط الحب كان بالفعل في الطريق للانكسار. المندوب يمثل النقابية الأناركية الاسبانية كانت تضغط لأخذ دور في مركز النقابة الثورية الأممية، لكنه انحرف عندجما قدم مصا نوه فيه ب”الاستيلاء على السلطة السياسية”، “دكتاتورية البروليتاريا”، واقترح علاقات عضوية بين النقابات والأحزاب الشيوعية التي موهت بدقة علاقات خضوع للأول على الأخير. في الاجتماعات القادمة للأممية الشيوعية المنظمات النقابية للأمم المختلفة سوف تمثل عبر مندوبين نت الأحزاب الشيوعية للبلدان المعنية؛ والأممية النقابية الحمراء المقترحة سوف يسيطر عليها بالكامل من الأممية الشيوعية وأقسامها الوطنية. آنجل بيستانا، المتحدث الاسباني، وضع المفهوم التحرري للثورة التحررية وأعلن: “الثورة ليسا، ولن تكون، عمل حزب. أكثر ما يمكن أن يفعله حزب ما هو اثارة الانقلاب. لكن الانقلاب ليس ثورة”. وخلص: “أنتم تخبرونا أن الثورة لا يمكن أن تأخذ مكانا بدون حزب شيوعي وأنه بدون الاستيلاء على السلطة السياسية التحرر هو غير ممكن، وأنه بدون دكتاتورية لا يمكن تدمير البرجوازية، وكل هذه التأكيدات ليست ضرورية أبدا”.

في ضوء ما أعلنه مندوب الكونفدرالية الوطنية للعمل، قام الشيوعيين بتعديلات على القرار دون المس ب”دكتاتورية البروليتاريا”. الزعيم النقابي الروسي لوزوفسكي مع ذلك نشر النص في نهاية المطاف في نسخته الأساسية دون التعديلات التي أدخلها بيستانا، ولكنه حمل توقيعه. من على المنصة، هاجم تروتسكي المندوب الاسباني لحوالي الساعة وعندما طلب بيستانا وقتا كافيا للرد على هجومه أعلن الرئيس قفل باب المناقشة.

أمضى بيستانا في موسكو عدة أشهر، وغادر روسيا في 6 أيلول 1920، مصابا بخيبة أمل عميقة بسبب كل ما شاهده خلال تلك الفترة. في زيارة لاحقة إلى برلين، وصف بيستانا لرودولف روكر بأنه “إنسان نجا من الغرق”. وقال أنه لا يملك القدرة على اخبار رفاقه الاسبان بالحقيقة، حيث بدا له أنه “قتل” قد يدمر الأمل الكبير الذي أثارته الثورة الروسية في نفوسهم. بمجرد أن عبر الحدود الاسبانية القي به في السجن، واعفي من الواجب المؤلم في أن يكون أول المتحدثين عن الحقيقة.

في صيف 1921 شارك وفد من الكونفدرالية الوطنية للعمل بطريقة مختلفة في المؤتمر التأسيسي للأممية النقابية الحمراء، كان من بين المندوبين التلامذة الصغار للبشفية الروسية، منهم مورين خواكين ونين اندريس، زكان هناك الأناركي الفرنسي غاستون ليفال، الذي كان رأس الوفد. تولى المخطارة باتهمامها أنها “تلعب دور البرجوزاية” و”مساعدة الثورة المضادة” فضلا عن السكوت في إخبار الجماهير أن ما أفشل روسيا ليس الثورة، بل الدولة، ولم “تريهم أنه في ظهر الثورة المفعمة بالحياة، الدولة التي شلتتها وقتبتها”، كانت أسوأ من الصمت. استخدم هذه الكلمات، في التحررية في تشرين الثاني 1921. ظن أن “أي تحالف أمين وصادق” مع البلاشفة أصبح مستحيلا و، في عودته إلى اسبانيا، أوصى الكونفدرالية الوطنية للعمل أن تنسحب من الأممية الثالثة وتحالفها النقابي الزائف.

مع بداية هذا، قرر بيستانا نشر أول تقاريره، ومن ثم، تبعه بالثاني الذي أبدى الحقيقة الكاملة حول البلشفية:

مباجئ الحزب الشيوعي كانت متعارضة تماما لتلك التي أكدت وصرح بها خلال الساعات الأولى للثورة. المبادئ، الأساليب، والأهداف النهائية للحزب الشيوعي هي تماما تتعارض مع مبادئ الثورة الشيوعية … حالما حصل الحزب الشيوعي على تلسلطة المطلقة، الزن أن أي شخص لا يفكر كشيوعي (وفقا لتعريفه الخاص* لا يملك الحق بالتفكير على الاطلاق … الحزب الشيوعي أنكر على البروليتاريا الروسية كل الحقو ق المقدسة التي منحتها الثورة.

 بيستانا، طرح اشتباها عن فعالية الأممية الشيوعية: توسع بسيط للحزب الشيوعي الروسي، لا يمكنها أن تمثل الثورة بعيون البروليتاريا العالمية.

المؤتمر الوطني للكونفدرالية الوطنية للعمل المنعقد في سرقسطة في حزيران 1922 تلقى هذا التقرير وقرر الانسحاب من الجبهة النقابية، الأممية النقابية الحمراء. كما قرر أيضا ارسال مندوبين إلى مؤتمر أناركي نقابي أممي منعقد في برلين في كانون الأول، الذي أنتج “جمعية العمال الدولية”. لم تكن هذه أممية حقيقية، بما أنه بعيدا عن المجموعة الاسبانية، لقيت دعم عدد صغير جدا من البلدان.

منذ ذلك الوقت لهذا الخرق، موسكو حملا بغضا عميقا للأناركية الاسبانية. خواكين مورين وأندرس نين طردا من الكونفدرالية الوطنية للعمل وغادراها لتأسيس الحزب الشيوعي الاسباني. في أيار 1924 نشر مورين كتيبا أعلن فيه حربا حتى الموت على رفاقه السابقين: “التصفية الكاملة للأناركية هي مهمو صعبة في بلاد حيث الحركة العمالية دؤبت على مر خمسين عاما على الدعاية الأناركية. لكننا سوف نحصل عليهم”. تهديد تم تنفيذه لاحقا.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 29

الأناركية في مجالس الصناعة الايطالية

تبع الأناركيون الأيطاليين نموذج الأحداث في روسيا، وذهبوا مع الفلاحين لسطة المجالس في الفترة المباشرة التي تبعت الحرب العالمية. الثورة الروسية وصلت بتعاطف كبير العمال الايطاليين، خصوصا من طليعتهم، عمال المعجن في الجزء الشمالي من البلاد. في 20 شباط 1919، الاتحاد الايطالي لعمال المعدن حقق اتفاقية لانتخابات “اللجان الداخلية” في المصانع. حاولوا فيما بعد تحويل هذه هيئات التمثيل العمالي هذه إلى مجالس صناعية مع دور اداري، عبر الدعوة لسلسلة من الاضرابات والاحتلالات للمصانع.

آخر هذه كان في أواخر آب 1920، بدأت في وقف العمال من قبل ارباب العمل. عمال المعدن كلهم قرروا متابعة الانتاج بأنفسهم. حاولوا الاقناع والقيد بالتناوب، لكنهم فشلوا في كسب التعاون مع المهندسين والمشرفين. ادارى المصانع استمرت عبر لجان عمالية ادارية وتقنية. الادارة الذاتيةذ ذهبت في طريق طويل: في المرحلة المبرة الامداد كان يحصل من البنوك لكن عندما سحب نظام الادارة الذاتية صادر من ماله الخاص لدفع اجور العمال. كان المطلوب انضباط ذاتي صارم جدا، منع استخدام المشروبات الكحولية، والدوريات المسلحة نظمت للدفاع الذاتي. تضامن شديد جدا نشأ بين المصانع المدارة ذاتيا. الخام والفجم وضعوا في التصرف المشترك، وتقاسموا بشكل متساو.

الجناح الاصلاحي للاتحادات النقابية فضل التسوية مع أرباب العمل. بعد أسابيع من الاحتلال الاداري، كان على العمال ترك المصانع في مقابل وعد لتوسيع سيطرة العمال، وعد لم يتم الابقاء عليه. الجناح اليساري الثوري، المكون من الأناركيين والاشتراكيين اليساريين، نبه للخيانة، ولكن عبثا.

الجناح اليساري هذا كان له نظرية، متحدثين باسمه، ونشرة. “النظام الجديد” الأسبوعية ظهرت أولا في تورين في 1 أيار 1919. كان تحرر من قبل الاشتراكي التحرري، انطونيو غرامشي، يعاونه دكتور الفلسفة في جامعة تورين بالأفكار الأناركية، ويكتب تحت اسم مستعار هو كارلو بيتري، وكذلك مركز تورين للتحرريين. في المصانع، مجموعة “النظام الجديد” كانت مدعومة من عدد من الناس، خصوصا الناشطين الأناركيين النقابيين للنقابات المعدنية، بييترو فيريرو ومورزيو غارينو. بيان النظام الجديد وقع من قبل الاشتراكيين والتحرريين معا، موافقين على احترام مجلس المصنع كهيئة تتلاءم مع الادارة الشيوعية المستقبلية لكل من المصامع الفردية والمجتمع ككل.

النظام الجديد أرادت استبدال الاتحادية النقابية التقليدية بهيكلية من مجالس المصنع. لم تكن عدائية للاتحادات النقابية، التي اعتبرتها كـ”عمود فقري قوي لجسد البروليتاريا العظيم”. لكن، في أسلوب مالاتيستا في 1907، كان نقديا لانحطاط الحركة النقابية الاصلاحية والبيرقراطية، التي أصبحت جزءا مكملا للمجتمع الرأسمالي؛ استنكر عدم قدرة الاتحادات النقابية على العمل كأداة للثورة البروليتارية.

 من ناحية أخرى، النظام الجديد نسبت كل ميزة لمجالس المصانع. اعتبرتهم كوسائل لتوحيد  الطبقة العاملة، الهيئة الوحيدة التي يمكن أن تنمي للعمال بعيدا عن الاهتمامات الخاصة للنقابات المختلفة وتربط “المنظم” مع “الغير منظم”. لقد أعطت المجالس تصريحا لانتاج سيكولوجيا المنتجين، تحضيرهم للادارة الذاتية العمالية. بفضلهم الاستيلاء على المصنع أصبح توقعا ثابتا للعمال المتواضعين، ضمن ما يصلون. المجالس عدت التصور المسبق للمجتمع الاشتراكي.

الأناركيون الايطاليون كانوا أكثر واقعية واقل اطنابا في أفكارهم من انطونيو غرامشي، وأحيانا اطلقوا تعليقات تهكمية على الاسراف “السحري” في المواعظ في صالح مجالس المصنع. طبعا كانوا يعون لأهليتها، لكنهم توقفوا عن المبالغة. غرامشي أعلن أن اصلاحية الاتحادات النقابية، ليست بدون سبب، لكن الأناركيون النقابيون أشاروا أنه في مرحلة غير ثورية، مجالس المصنع، أيضا، قد ينحرف في هيئات تعاون طبقي. هؤلاء الأكثر قلقا من النقابية أيضا ذهبوا إلى أنه من الجائر أن “النظام الجديد” هاجمت عشوائيا ليس فقط النقابية الاصلاحية بل النقابية الثورية في مراكزهم، الاتحاد النقابي الايطالي.

أخيرا، والأهم، الأناركيون كانوا قلقين نوعا ما حول تأويلات متناقضة وغامضة التي “النظام الجديد” وضعتها النموذج الجديد لمجالس المصنع، السوفييتات. بدون ريب غرامشي غالبا استخدم مصطلح “التحررية” في كتاباته، واشتبك بالسلطوي العريق أنجيلو تاسكا، الذي اقترح مفهوما غير ديمقراطي عن “دكتاتورية البروليتاريا” التي سوف تخفض مجالس المصنع إلى أدوات مجردة للحزب الشيوعي، وحتى هاجم غرامشي متهما اياه بالبرودونية. غرامشي لم يعلم بما فيه الكفاية عن الأحداث في روسيا للتمييز بين السوفييتات الحرو في الأشهر الأولى من الثورة والسوفييتات الدجنة للدولة البلشفية. هذا قاده لاستخدام صيغة غامضة. رأى أن مجلس المصنع ب”نموذج للدولة البروليتارية”، التي توقعها أن تندمج في النظام العالمي: الأممية الشيوعية. لقد ظن أنه يمكنه استرضاء البلشفية بذبول الدولة والتأويل الديمقراطي ل”دكتاتورية البروليتاريا”.

الأناركيون الايطاليين بدؤوا بالترحيب بالسفيتات الروسية مع حماسة ضعيفة التمييز. في 1 حزيران 1919، كاملو بيرنيري، أحدهم، نشر مقالا بعنوان “الديمقراطية الآلية” مرحبا بالنظام البلشفي ك”أكثر تجربة عملية للديمقراطية الصحيحة على مقياس كبير حتى الآن”، و”النقيض لاشتراكية الدولة المركزية”.

لكن، بعد سنة، في مؤتمر الاتحاد الأناركي الايطالي، موريزنو غارينو تحدث على الاختلاف البعيد: السوفييتات التي زضعها البلاشفة في روسيا كانت مختلفة كليا عن الادارة العمالية الذاتية التي يريدها الأناركيون. لقد شكلوا “أسس الدولة الجديدة، المركزية والسلطوية حتما”.

الأناركيون الايطاليون وأصدقاء غرامشي كانوا لاحقا من أتباع طرقات مختلفة. الأخيرين في البداية أكدوا أن الحزب الاشتراكي، مثل الاتحادات النقابية، كان منظمة مندمجة في النظام البرجوازي وأنه، لذلك لم يكن من المهم أو من المرغوب دعمه. لاحقا خلقوا “استثناء” للمجموعات الشيوعية ضمن الحزب الاشتراكي. بعد الانشقاق في ليفورنو في 21 كانون الثاني 1921، هذه المجموعات شكلت الحزب الشيوعي الايطالي، مندمجة في الأممية الشيوعية.

التحرريون الايطاليون، بدورهم، تخلوا عن بعض أوهامهم وانتبهوا أكثر للرسالة التنبؤية لمالاتيستا لهم في بداية صيف 1919. هذه حذرتهم من “الحكومة الجديدة التي عينت نفسها (في روسيا) على الثورة بهدف لجمها والخضوع لأغراض حزب محدد … أو على الأصح قادة الحزب”. الثوري القديم أكد بشكل تنبؤي أنها كانت دكتاتورية، بقراراتها، عقوبتها الجزائية، أدواتها التنفيذية، وفوق كل هذا، قواتها المسلحة التي استخدمت في الدفاع عن الثورة ضد التدخل الخارجي، لكن غدا سوف تستخدم في فرض ارادة الطغاة على العمال، التحقق من مسار الثورة، لتعزيز الاهتمامات الناشئة حديثا، والدفاع عن الطبقة المتميزة الجديدة ضد الجماهير. لينين، تروتسكي، ورفاقهم هم قطعا ثوريين مخلصين، لكنهم يحضرون الكادر الحكومي الذي سوف يؤهل خلفائهم للاستفادة من الثورة وقتلها. إنهم سوف يكونون ضحية قواعدهم.

عامين لاحقا، الاتحاد الأناركي الايطالي يجتمع في مؤتمر في أنكونا في 2 – 4 تشرين الثاني 1921، ويرفض اعتبار الحكومة الروسية ممثلة للثورة، ولكنه يعلنها “عدو رئيسي للثورة”، “المضطهد والمستغل للبروليتاريا التي تدعي أنها تمارس السلطة باسمها”. والكاتب التحرري لويجي فاباري في نفس العام استنتج أن “دراسة نقدية للثورة الروسية هي ضرورة هائلة … لأن الثوريون الغربيون يمكن أن يوجهوا أعمالهم في طريقة ما لتجنب الأخطار التي ظهرت في ضوء التجربة الروسية”.

مع الاجتماع العام للعمال أو المجلس العام لفرع معين من الصناعة (تكون من 4 ممثلين عن لجان الادارة، 8 من الاتحادات النقابيين، و4 تقنيين عينوا من قبل منظمة رقابية). هذا المجلس العام خطط للعمل وحدد تقسيم الأرباح، وقراراته كانت الزامية. في هذه المشاريع التي بقيت كملكية خاصة لجان عمالية منتخبة سيطرت على عملية الانتاج وظروف العمل في “تعاون وثيق مع أرباب العمل”. نظام الأجور بقي سليما في المصانع المؤممة. مكل عامل كان يتلقى أجرا ثابتا. الأرباح لم يقسموا على مستوى المصنع والأجور زادت قليلا جدا بعد التأميم، في الحقيفة أقل من القسم الذي بقي خاصا.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 28

الأناركية تعيش وتموت

لم يلعب الأناركيون أي دور مباشر في انتفاضة كرونشتادت، لكن النظام استغلها لسحقها ووضع نهاية للأيديولوجية التي استمرت في محاربته. في 8 شباط قبل بضعة أسابيع، المسن كروبوتكين توفي على التراب الروسي، وشيع جثمانه في موكب مهيب، الذي تبعه موكب كبير من حوالي 100 الف شخص. فوق روؤس الحشد، بين الرايات الحمر، يمكن كان مشاهدة الشعارات السوداء للمجموعات الأناركية خكت في حروف من نار: “حيث توجد السلطة لا توجد الحرية”. وفقا لكتاب سيرة كروبوتكين، كانت هذه “آخر مظاهرة ضخمة ضد الاستبداد البلشفي، والعديدين كانوا جزءا منها للمطالبة بالحرية ثم للاشادة بالأناركي العظيم”.

مئات الأناركيون اعتقلوا بعد كرونشتادت، وفقط بعد بضعة أشهر، التحرري فاني بارون وثمانية رفاق أعدموا في أقبية سجن التشيكا في موسكو. الأناركية المناضلة تلقت ضربة قاتلة. لكن خارج روسيا، الأناركيون الذين عاشوا خلال الثورة الروسية باشرةا بأعمال ضخمة من النقد والمراجعة النظرية التي جددت الفكر التحرري وجعلته أكثر تماسكا. في بداية أيلول 1920، مؤتمر المنظمات الأناركة في أوكرانيا، نابات، رفض بشدة مصطلح “دكتاتورية البروليتاريا”، حيث رأى أنها سوف تقود بالنهاية إلى دكتاتورية فوق الجماهير تكسر الطبقة العاملة المتحصنة بالحزب، عبر المسئولين وبعضة قادة. فقط قبل وفاته كروبوتكين كتب “رسالة إلى عمال الغرب” حيث أعلن بحزن صعود “البيروقراطية المرعبة”: “يبدو لي أن هذه المحاولة لبناء الجمهورية الشيوعية على أسس الدولة المركزية جدا، تحت القانون الحديدي لدكتاتورية الحزب الواحد، انتهت إلى اخفاق رهيب. روسيا علمتنا أن لا نفرض الشوعية.

نداء محزن من النقابيين الأناركيين للبروليتاريا العالمية صدر في 14كانون الأول 1921، في الجيدة الفرنسية “التحررية”: “الرفاق، ضعوا حدا لسيطرة برجوازيتكم كما فعلنا هنا. لكن لا تكرروا الأخطاء؛ لا تدعوا شيوعية الدولة تشكل نفسها في بلدانكم!” في 1920 الأناركي الألماني، رودولف روكر، الذي عاش وتوفي في الولايات المتحدة، كتب “افلاس شيوعية الدولة”، الذي ظهر في 1921. كان هذا أول تحليل يصنع عن انحدار الثورة الروسية. في رؤيته “دكتاتورية البروليتاريا” الشهيرة لم تكن تعبيرا عن ارادة طبقة واحدة، بل دكتاتورية الحزب الذي يدعي الحديث باسم الطبقة ويبقى في السلطة بقوة حربته. “في ظل دكتاتورية البروليتاريا في روسيا الطبقة الجديدة تطورت، البيروقراطية، التي تضطهد الجماهير العريضة كما كان يفعل النظام القديم”. بشكل منظم طوعية كل العوامل في الحياة الاجتماعية لحكومة كلية القوة لها الأولوية في كل شيء، الواحد “لا يمكن أن يفشل في إنهاء هرمية المسئولين التي أثبتت هلاكها إلى التطور في الثورة الروسية”. “لم يفعل البلاشفة فقط أن استعاروا أدوات الدولة من المجتمع السابق، لكنهم أعطوها سلطة شاملة لا تملكها أي حكومة أخرى لنفسها”.

في حزيران 1922 مجموعة من الأناركيين الروس نفيوا إلى المانيا نشروا كتابا صغيرا تحت اسم ا. غوريليك، أ. كوموف، وفولين،  “اضطهاد الأناركية في روسيا السوفييتية”. فولين كتب الترجمة الفرنسية التي ظهرت في 1923. احتوت على لائحة مرتبة أبجديا لشهداء الأناركية الفرنسية. في 1921 – 1922، الكسندر بيركمان، وفي 1922 – 1923، ايا غولدمان نشروا سلسلة من الكتيبات عن الأحداث المأساوية التي شهدوها في روسيا.

بدوره، بيتر أرشينوف ونيستور ماخنو، الماخنويين الفارين لجؤوا للغرب، ناشرين دليلهم.

عملين كلاسيكيين عظيمين عن الثورة الروسية، المقصلة في العمل: عشرين عاما من الارهاب في روسيا بقلم ج.ب. ماكسيموف والثورة المجهولة بقلم فولين، الذي أتى لاحقا، خلال الحرب العالمية الثانية، وكتبا مع نضوج الفكر ما جعله محتملا بعد سنين.

بالنسبة لماكسيموف، الذي ظهرت أهمته في أميركا، الدروس من الماضي جعلته يتوقع بشدة مستقبلا أفضل. الطبقة الحاكمة الجديدة في الاتحاد السوفييتي لا يمكن ولن تبقى دائمة، وسوف يتبعها الاشتراكية التحررية. الظروف المدركة سوف تؤدي في هذا التظر للأمام: “هل من الممكن … أن العمال سوف يرغبون في عودة الرأسماليين إلى شركاتهم؟ أبدا! لذا سف يثورون خصوصا ضد استغلال الدولة وبيرقراطييتها”. ما يرغب به العمال هو استبدال الادارة السلطوية للانتاج بمجالسهم الصناعية الخاصة، وتوحيد هذه المجالس في اتحاد وطني واسع. ما يرغبون به هو الادارة الذاتية العمالية. بنفس الطريقة، الفلاحين فهموا أنه لا يوجد سؤال في العودة للاقتصاد الفردي. الزراعة الجماعية هي الحل الوحيد، بالتعاون بين الجماعيات الريفية ومجالس العمال واتحادات العمال، باختصار، سوف يتطور برناج ثورة تشرين الأول في حرية كاملة.

أكد فولين بشدة أن أي تجربة على النمط الروسي قد تقود فقط إلى “رأسمالية الدولة القائمة على الاستغلال الكريه للجماهير”، “الشكل الأسوأ للرأسمالية والذي لا يمكنه انجاز أي شيء في تطور البشرية نحو المجتمع الاشتراكي”. لا يمكنها انجاز أي شيء غير تعزيز “دكتاتورية الحزب الواحد التي سوف تقود حتما لكبت الحريات من الكلام، الصحافة، التنظيم والعمل، وحتى النزعات الثورية، استثناء وحيد للحزب في السلطة”، و”للاستعلام الاجتماعي” الذي سوف يخنق ” انفاس الثورة”. فولين ذهب للتأكيد أن ستالين “لم يأتي من القمر “. ستالين والستالينية بوجهة نظره، النتائج المنطقية للنظام السلطوي الذي نشأ بين 1918 و1921. “هذا درس يجب أن يتعلمه العالم من التجربة البلشفية الحاسمة والمروعة: درس سوف يعطي الدعم القوي للطرح التحرري والذي أحداثه سوف تجعل أكثر وضوحا لفهم كل هؤلاء الذين يعانون، يكتئبون، يفكرون، ويناضلون”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 27

كرونشتادت

في شباط-آذار 1921، عمال وملاحي بيروغراد في حصن كرونشتادت دفععوا للثوران، الطموح الذي الهمهم كان مشابها للفلاحين الثوريين الماخنويين.

الشروط المادية للعمال المدنيين أصبحت لا تطاق بسبب النقص في الغذاء، الوقود، والنقل، وأي تعبير عن السخط كان يتم سحقه بنظام أكثر شمولية وأكثر دكتاتورية. في النهاية بدأت اضرابات شباط في بيتروغراد، موسكو، وعدد من المراكز الصناعية الكبيرة. العمال طالبوا بالخبز والحرية؛ ساروا من مصنع لآخر؛ مغلقينها؛ جاذبين عمالا معارضين جدد في مظاهراتهم. السلطات ردت باطلاق النار، وعمال بتروغراد بدورهم دعوا للقاء احتجاج شارك فيه حوالي 10 آلاف عامل. كرونشتادت كانت قاعدة بحرية جزرية عيدة حوالي 84 ميلا عن بيروغراد في خليج فنلندا الذي كان يتجمد خلال الشتاء. كان يسكنه الملاحون وعدة آلاف من العمال في الترسانة البحرية. كان ملاحو كرونشتادت في طلية الأحداث الثورية بين 1905 و1917. كما وضع تروتسكي، كانوا يملكون “فخر وانتصار الثورة الروسية”. المدنيين القاطنين في كرونشتادت شكلوا كومونة حرة، مستقلة نسبيا عن السلطات. في وسط الحصن حي عام ضخم أصبح يعمل أنه منتدى شعبي يضم حوالي 30 ألف شخص.

في 1921 الملاحون بدون ريب لم يملكوا نفس البنية الثورية ونفس المجموع كما في 1917؛ هم كانوا من الفلاحين أكثر ممن سبقوهم؛ لكن رواح النضال بقيت وكنتيجة لعملهم السابق كان السباقين لأخذ دور نشط في لقاءات العمال في بيروغراد. عندما عمال الرأسمالية السابقة خرجوا في اضراب ارسلوا موفدين تراجعوا بقوة الأوامر.  خلال اجتماعين جماهيريين عقدا في المربع الرئيسي انخرطوا وكأنهم يحملون مطالب المتظاهرين. ستين ألف ملاح، عامل، وجندي ذهبوا للاجتماع الثاني في 1 آذار، كما فعل رأس الدولة، كالينين، رئيس اللجنة التنفيذية المركزية. بغض النظر عن وجوده مرروا قرارا يطالب العمال، الجنود الحمر، وملاحي بيتروغراد، كرونشتادت، ومقاطعة بيتروغراد أن يجتمعوا خلال الأيام العشر القادمة في مؤتمر مستقل عن الأحزب السياسية. دعوا إلى إنهاء “الضباط السياسيين”، داعين أنه لا يجب أن يكون لأي حزب سياسي أي امتيازات، وكذلك الكتائب الشيوعية في الجيش و “الحرس الشيوعي” في المصانع يجب أن يحلوا.

لقد كان احتكار السلطة من الحزب الحاكم هو ما يهاجمونه. ثوار كرونشتادت تجرأ على تسمية هذا الاحتكار “اغتصاب”. دعوا الملاحون الغاضبين يتحدثون عن أنفسهم، ونحن نتصفح صفحات الجريدة الرسمية لهذه الكومونة الجديدة، ازفستيا من كرونشتادت. وفقا لها، منذ استلامه السلطة والحزب الشيوعي له هم واحد: الحفاظ عليها بكافة الوسائل. لقد خسر التواصل مع الجماهير، وأثبت عدم قدرته على اخارج البلاد من حالة الانهيار العام. لقد أصبح بيروقراطيا وخصر ثقة العمال. السوفييتات، خسرت كل سلطتها الحقيقية، لقد تطفل، هيمن عليها، واحتكرها، الاتحادات النقابية أصبحت وسيلة بيد الدولة. الشرطة الكلية الوجود أدوات ثقيلة على الناس، تفرض قوانينها عبر اطلاق النار واستخدام الارهاب. الحياة الاقتصادية لم تعد الاشتراكية الموعودة، القائمة على العمل الحر بل رأسمالية الدولة القاسية. العمال كانوا ببساطة متقاضي أجر تحت هذه الائتمان الوطني، مستغلين كما السابق. الأشخاص الغير محترمين من كرونشتادت ذهبوا بعيدا في شرح الشكوك حول عصمة القادة الأعلى للثورة. لقد هجوا تروتسكي، وحتى لينين، بدون توقير. مطالبهم المباشرة كانت إعادة كل الحريات والانتخابات الحرة لكافة هيئات الديمقراطية السوفييتية، لكن إلى ما بعد هذا كانوا يريدون هدفا بعيدا أكثر مع محتوى أناكي واضح: “ثورة ثالثة”.

الثوار تعمدوا العمل ضمن هيكلية الثورة وباشروا في مشاهدة انجازات الثورة الاجتماعية. لقد صرحوا أنهم لا يملكون أي شيء مشترك مع هؤلاء الذين يريدون “العودة إلى سوط القيصرية”، ولكنهم لا يخفون غرضهم من تجريد “الشيوعيين” من السلطة، هذا لم يكن بهدف “إعادة العمال والفلاحين للعبودية”. علاوة على هذا، لم يقعوا امكانية التعاون مع النظام، آملين “القدرة على إيجاد لغة مشتركة”. أخيرا، حرية التعبير التي طالبوا بها لم تكن لأي شخص، بل فقط للمؤمنين المخلصين بالثورة: الأناركيين و”الاشتراكيين اليساريين” (من أجل استثناء الديمقراطيين الاجتماعيين أو المناشفة).

وقاحة كرونشتادت كانت أكثر بكثير مما قد يحتمل لينين أو تروتكسي. القادة البلاشفة ربطوا الثورة نهئيا بالحزب الشيوعي، وأي شيء ضد هذه الخرافة يجب، بنظرهم، أن يصور أنه “ثورة مضادة”. لقد رؤوا أن المعتقد الماركسي اللينيني في خطر. كرونشتادت أخافتهم كثيرا، حيث أنهم كانوا يحكمون باسم البروليتاريا، وثم سلطتهم كانت محل جدل من حركة التي يعرفون أنها عمالية أصيلة. لينين حمل الفكرة الأكثر بساطة أن اعادة القيصرية كانت البديل الوحيد عن دكتاتورية حزبه. رجال السياسة من الحكومة الروسي في 1921 تجادلوا بتفس الطريقة، ولاحقا في خريف 1956: كرونشتادت كانت بشير بودابست.

تروتسكي، الرجل ذو “القبضة الحديدية”، باشر في أن يكون مسؤولا شخصيا عن الكبت. “ما دمتم مصرين، سوف يطلق عليكم النار من اخفاء كما الحجل”، أعلن “للمتمردين”. الملاحون عوملوا على أنهم “الحرس الأبيض”، المشاركين في تدخل القوى الغربية، و”بورصة باريس”. لقد أجبروا على الخضوع بقوة السلاح. لقد كان سدى أن الأناركيين إيما غولدمان وألكسندر بيركمان، الذين وجدوا مأوى في وطن العمال بعد أن نفيوا من الولايات المتحدة، أرسلوا رسالة حزية إلى زينوفيف، مصرين أن استخدام القوة سوف يكون يحدث “ضررا كبيرا على الثورة الاجتماعية” ومناشدين “الرفاق البلاشفة” حل الخلاف عبر المفاوضات الأخوية. عمال بيروغراد لم يستطيعوا أن يعاونوا كرونشتادت لأنه تم ترهيبهم، وخضعوا للقانون العسكري.

شكلت القوى الاستطلاعية منظمة بهناية من فرقة مختارة بعناية، للعديد من الجنود الحمر كانوا مرغمين على اطلاق النار على أخوتهم الطبقيين. هذه القوة وضعت تحت أمر ضابط قيصري سابق، المارشال المستقبلي توكاتشيفسكي.قصف الحصن بدأ في 7 آذار. تحت عنوان “دعوا العالم يعرف!” القاطنين المحاصرين أطلقوا نداؤهم الأخر: “ربما دماء الأبرياء يظهر سعي الشيوعيين، المجنون، الثمل والجياش للسلطة. تعيش سلطة السوفييتات!” القوة المهاجمة انتقلت لخليج فنلندا المتجمد في 18 آذار وثمعت “الثورة” بطقوس من القتل.

الأناركيون لم يلعبوا دورا في هذه المسألة. لكن، اللجنة الثورية لكرونشتادت دعت تحرريين اثنين للانضمام لها: يارتشوك (مؤسس سوفييت كرونشتادت ل 1917) وفولين؛ عبثا حيث أنهم اعتقلوا بعد فترة من البلاشفة. إيدا مت، مؤرخ انتفاضة كرونشتادت (في كومونة كرونشتادت) علق أن “النفوذ الأناركي كان محمولا فقط لحد أن الأناركية نفسها روجت للديمقراطية العمالية”. الأناركيون لم يلعبوا دورا في الأحداث، لكنهم ربطوا أنفسهم بها. كتب فولين لاحقا: “كرونشتادت كانت أول محاولة مستقلة بالكامل للناس لتحرير أنفسهم، بدون “رعاة سياسيين”، “بدون قادة”، أو “معلمين”. الكسندر بيركمان أضاف: “كرونشتادت طيرت عاليا أسطورة الدولة العمالية؛ أثبتت أن دكتاتورية الحزب الشيوعي والثورة أنهما متعارضان”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com