أي نوع من الديمقراطية يحتاجها العالم العربي ؟

خوسيه أنطونيو غوتيريز

ترجمة: مازن کم الماز

قلت في مقالة سابقة أن الأحداث التي تهز العالم العربي اليوم تشبه تلك التي هزت العالم في عام 1989 ( 1). ليس فقط أنه يمكن إيجاد تشابه بينها في عمق و مدى الاستياء على رقعة جغرافية ضخمة , بل أيضا لأن هذه العاصفة من الغضب الشعبي تطرح تساؤلا فيما يتعلق بتركيبة ( بنية ) جغرافية محددة كان يعتقد حتى اليوم أنها صلبة كالفولاذ . في حالتنا هذه , كانت هذه الديكتاتوريات قديمة العهد قد شكلت و دعمت و تعززت وفق المصالح الجيو – إستراتيجية للولايات المتحدة ( و شريكها الأصغر , الاتحاد الأوروبي ) في منطقة ذات أهمية استثنائية فيما يتعلق بالنفط خاصة . في عام 1989 كانت النتائج السياسية للمظاهرات عميقة و طويلة الأمد – لم يعن سقوط الأنظمة “الاشتراكية الفعلية” فقط سقوط بعض الديكتاتوريات البيروقراطية الكريهة , بل و بسبب الضعف النسبي لليسار التحرري و الثوري الحقيقي , مثل سقوطا لمجموعة من القيم و الآفاق السياسية ؟؟ التي ربطت على نحو غير صحيح مع الكتلة السوفيتية , و الصعود الجامح لليبرالية الجديدة كنظام لا ريب فيه في المجال الاقتصادي , السياسي , القيمي و الإيديولوجي .كانت هذه نهاية التاريخ بحسب بعض المحامين الشرسين “للنظام العالمي الجديد” . لكن التاريخ بقي يكتب , كما جرى بشكل دراماتيكي في سياتل 1999 من قبل الحركة المناهضة للعولمة . و عندما كانت هناك حاجة للمزيد من الاحتجاجات كانت هناك موجة النضالات المباشرة بين عامي 2000 و 2005 في أمريكا الجنوبية التي تحدت أسس هذا النموذج , حيث لعبت الشعوب , الطبقات المضطهدة و المستغلة , الأدوار الرئيسية في هذا التاريخ .الأحداث في العالم العربي التي حبست أنفاسنا في الشهرين الماضيين هزت النظام العالمي الجديد في واحدة من أقوى حلقاته – تلك الديكتاتوريات التي حافظ عليها “العالم الحر” لعقود لتؤمن التدفق المتواصل للنفط و ليحتفظ بموطأ قدم عسكري في منطقة ذات أهمية اقتصادية و جيو – إستراتيجية هائلة لصالح الإمبراطورية . هذه الانتفاضات تجري في قلب الرأسمالية العالمية , حيث يبقي تدفق النفط استمرار التجارة و الصناعة الدوليتين . إنها تجري في دول جميعها من الحلفاء المقربين لواشنطن , من هنا يأتي المحتوى المعادي للإمبريالية لهذه الاحتجاجات ( حتى الديكتاتور الليبي , القذافي , كان قد أصبح شريكا مقربا للولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي في مرحلة “الحرب على الإرهاب” ) . و جميعها بلدان قد تآكلت بفعل تناقضات داخلية مؤثرة , حيث تواجد الجوع إلى جانب نمو الاقتصاد الكبير ( الماكرو ) و تزايد ثراء الأسر الحاكمة . لكن هناك شيئا آخر – إنها في نفس الوقت تتحدى و تهز الأسس السياسية للنظام . أولئك الذين ينادون “بالديمقراطية” قد استفزهم الجدال السياسي الشديد على المستوى الدولي عن المضمون السياسي لهذا التعبير المطاط ( الفضفاض ) كما في تعبير “الديمقراطية” . قبل كل شيء لأن “الديمقراطية” التي يتحدث عنها الليبراليون أصحاب البذلات و أربطة العنق في دهاليز السلطة ليست نفس الديمقراطية التي في أذهان الناس المتظاهرين في الشوارع .

مفهومان متناقضان عن الديمقراطية

إن صورة اضطلاع العامة ( الجمهور ) بدور قيادي في السياسة هي أسوأ كابوس للطبقة الحاكمة التي تعني “الديمقراطية” بالنسبة لها الحفاظ على البنية القانونية و الاقتصادية التي تدعم امتيازاتها الحصرية . لذلك ليس من قبيل المصادفة أن الإعلام الرأسمالي كان يبث الدعوات إلى “الاستقرار” و “النظام” , إلى جانب الدعم الرسمي للحاجة إلى الديمقراطية في البلدان العربية ( “متناسيا” دعمه التقليدي للأتوقراطيات ( أو الأنظمة الاستبدادية ) المحلية ) . مثلا في El Mercurio ( 11 فبراير شباط ) كتب ديفيد غالاكر ملاحظة نمطية : “لا يمكنك أن تحكم أي بلد من الشارع , على الرغم من كل الأوهام التي تقول عكس ذلك و التي يحملها بعض مثقفي الديمقراطية المباشرة المتطرفة التشاركية” . آراء كهذه جرى التعبير عنها بالجملة في الإعلام الرسمي .
من المثير للاهتمام هنا ذكر ممارسة الحكم من الشارع , حيث أنها تظهر الحدود الضيقة للديمقراطية البرجوازية الشكلية . دعونا نوضح بعض المفاهيم ( الأفكار ) التي استخدمها غالاكر : عندما تحدث عن الشارع , فإن ما فعله هو مساواته بالشعب . عندما قال أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون شكلا تشاركيا “متطرفا” , فإنه قصد أن الطبقة العاملة ( “المتطرفة” في معارضة الطبقة التي يمثلها ) يجب أن تستبعد من اللعبة الديمقراطية . لنفس هذا السبب علينا أن نستبعد الفقراء و العمال وفقا لفكرته عن الديمقراطية من أي مشاركة مباشرة في إدارة شؤونهم , إنهم يحاولون لذلك أن يتخذوا مظهر “الجدية” و “الاحترام” لكي يخفوا المصالح الطبقية لهذه الرؤية .
في مقال له عن الانتفاضات العربية , يضع الكاتب الأوروغواياني راؤول زيبيتش اليد على الجرح :
“يظهر النظام بشكل جيد أنه يمكنه أن يعيش فقط من خلال سلطة دولة ما , حتى أكثرها “راديكالية” أو “عداءا للمؤسسة أو للنظام” , لكنه لا يتحمل وجود الناس في الشوارع . يمكننا أن نقول أن الناس في الشوارع هم المفتاح في أعمال تراكم رأس المال , لذلك كانت من بين أولى “الإجراءات” التي اتخذها الجيش ( المصري ) بعد أن انسحب مبارك إلى سكنه التقاعدي هو مطالبة الناس بترك الشوارع و العودة إلى العمل” . ( 2 )
الشارع هو المكان الأفضل حيث يجري التعبير عن السلطة من الأسفل . إنه مكان رمزي حيث يخوض فيه الناس معركتهم حتى الموت مع من هم في الأعلى . هناك حيث يختبرون الأساليب البديلة لمعالجة “الشؤون العامة” . في كل مرة اندفع فيها الناس إلى منصة التاريخ من خلال احتجاجاتهم فإنهم دائما – من خلال ممارسة الديمقراطية المباشرة – أوجدوا مؤسساتهم الخاصة بهم خارج المؤسسات الرسمية , الدولة , و في معارضتها . هذه هي الحال منذ الثورة الفرنسية , عندما شكلت البروليتاريا في عام 1792 أول كومونة لها في باريس و أقام الشعب ( أو الناس People ) أجهزة للديمقراطية المباشرة الوليدة , فقط ليشاهدوا كيف جرى الاستيلاء عليها فيما بعد , و سحب الاعتراف منها و أخيرا سحقها على أيدي البرجوازية اليعقوبية في نضالها ضد النظام القديم .
للديمقراطية حدود دائما و البرجوازية تعرف هذا – المشكلة في من سيضع هذه الحدود . في اليونان الكلاسيكية , حيث ولد المفهوم ( مفهوم الديمقراطية ) كانت الحقوق الديمقراطية امتيازا فقط “للمواطنين” , أقلية من السكان الذين عاشوا من عمل الأكثرية المستعبدة . في الديمقراطيات الغربية , و لفترة طويلة , حرمت المستعمرات ( المستوطنات ) التي أطعمت المدن من الديمقراطية أو حرم منها العمال المحليون الذين كانوا دون ملكية أو تعليم . في إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كما تقول الفكرة السائدة يستبعد الفلسطينيون تماما من نعم الديمقراطية . في الولايات المتحدة نفسها , الدولة الأكثر “ديمقراطية” في العالم ( كما تقول ) و على الرغم من انتخاب رئيس أسود البشرة مؤخرا , فإن واحدا من كل أربعة رجال أمريكيين من أصل أفريقي يقاسي في السجون الأمريكية المنتشرة , و الكثير منهم ينتظر الإعدام . الآخرون يعيشون في معظم الحالات في غيتوهات , بينما يعمل نظام الحزبين كالسحر لصالح النخبة العسكرية الصناعية . دعونا نأخذ أي ديمقراطية غربية على سبيل المثال , ما تسمى بالديمقراطيات “التمثيلية” , قم باستطلاع بسيط عن الطبقة الاجتماعية و جنس غالبية البرلمانيين , النتيجة ستكون ساحقة , أنهم ذكور من الطبقة الرأسمالية . يشكل الرأسماليون أقلية صغيرة جدا من المجتمع , لكن معظم البرلمانيين منهم . ستلاحظ أيضا أن المجموعات الأثنية أو القومية المضطهدة غير ممثلة أيضا . تجري حماية الماكينة الانتخابية و المؤسساتية بألف خدعة لمنع تمثيل حقيقي للشعب ( أو الناس People ) .
على العكس من ذلك فإن مفهوم الديمقراطية التشاركية أو المباشرة هو القطب المناقض لمفهوم الديمقراطية التمثيلية كما تدافع عنها الطبقة الرأسمالية و متملقيها . يجري تحديد حدودها من قبل الجماهير ( الناس , الشعب People ) الثائرة ( و المنظمة ) , التي تكتسب خلال الصراع وعيا جديدا بقدراتها و بوجودها . الديمقراطية المباشرة في الثورة الفرنسية بين عامي 1792 و 1793 فرضت حدودا على المضاربين , و قوت لبعض الوقت الصراع ضدهم . كل الخبرات السابقة لسلطة الشعب و للديمقراطية المباشرة التي حدثت على مدار التاريخ استبعدت فكرة الاستغلال الاقتصادي . المشاركة المباشرة لكل عضو في المجتمع , الممارسة الجماعية للسلطة , أغرقت الأقلية الرأسمالية في بحر مصالح الناس ( الشعب ) التي جرى التعبير عنها بكل حرية و بشكل مباشر . ليس من قبيل المصادفة لذلك أن تتجاهل الديمقراطية المباشرة التمييز بين السياسي و الاقتصادي ( هذا هو أسوأ رعب للرأسماليين ) و تتجه نحو جمعنة الملكية . الشارع هو مكان رمزي هام . لكنه غير كافي بحد ذاته . تدريجيا ينتهي الناس دوما بإدراك أن “الديمقراطية” , ديمقراطيتهم المباشرة التي ظهرت في إطار النضال , تشتمل أيضا على جمعنة الأعمال , المناجم , الأرض , المعامل و المكاتب .
عندما يتولى الناس مسؤولية شؤونهم , فإننا نرى بوضوح أنه لا يمكن أن توجد مساواة سياسية دون مساواة اقتصادية .

الديمقراطية المباشرة في اللجان الشعبية

في مصر , كما في كل مكان من العالم العربي , ظهرت اللجان الشعبية التي أظهرت القدرة السياسية للطبقات العاملة . إن غالاكر مخطئ عندما يقول أنه لا يمكن حكم بلد ما من الشارع . في الواقع كان “الشارع” في مصر و تونس و لعدة أسابيع المكان الوحيد للحكم .
هناك الكثير من شهود العيان على كيف مورست الديمقراطية المباشرة من خلال اللجان الشعبية في مصر و تونس و ليبيا , نعرف عنها بفضل المراسلات الجيدة لبعض المراسلين العالميين . دعوني أقتبس إحداها من “كومونة ميدان التحرير في القاهرة” التي أعتبر أنها نموذجا جيدا عن شهادات العيان هذه :
“انطلق المصريون من كل الفئات الاجتماعية بشكل طوعي لتنظيف الشوارع , و توجيه المرور في وقت الظهيرة , منسقين تنظيم الدوريات في الأحياء مع وقوع الحوادث الأولى للنهب و منظمين حتى لجان الدفاع الذاتي في أثناء مواجهات الثاني من فبراير شباط مع البلطجية , منظمين نقاط للتفتيش و مواقع للمراقبة , و مستشفيات مؤقتة لمعالجة الجرحى ( .. ) لم يتردد الناس في أن يتشاركوا أو يعطوا القليل الذي يملكونه من طعام أو شراب .
متغلبين على إرث طويل من العداء و الشك المتبادل على أساس الفوارق الطائفية , كانت هناك مصر واحدة لكل شخص في ميدان التحرير : للرجال و النساء , الصغار و الكبار , المسلمين و المسيحيين . حوار حي و مفعم بالقوة – حر و زاخر بالمعاني , ملأ فجأة كل الزوايا الأربعة لميدان التحرير , ناقلا عن طريق مكبرات الصوت كل طيف الآراء و الأفكار السياسية الحاضرة . أي تبني عام لأية مقترحات جرى بشكل ديمقراطي من خلال تصويت الأغلبية المباشر ( .. )
في لحظة ما صوت سكان ميدان التحرير فيما إذا كان يجب أن ينتخبوا ممثلين عنهم ليتخذوا القرارات المصيرية نيابة عن حركة الاحتجاجات , لقد صوتوا بشكل ساحق و حازم بلا على هذا الاقتراح” ( 3 ) .

هذه الشهادة تتطابق مع غيرها من الشهادات التي نشرت عن هذه اللجان , التي تذكر بانتشار المؤسسات الديمقراطية المباشرة في الأرجنتين بعد أزمة ديسمبر كانون الأول 2001 و الانتفاضة الشعبية التي صاحبتها . حتى صحيفة “الإيكونوميست” المحافظة قالت ( 5 – 11 مارس آذار 2011 ) دون أن تذكر صراحة اللجان الشعبية في ليبيا , بل مشيرة فقط إلى حالة التنظيم في “المناطق المحررة” أن :
“في المناطق التي تحت أيدي الثوار , لم يكن الخوف من الانزلاق إلى الفوضى حقيقيا . فرغم نقص أفراد الشرطة , لم تزداد الجرائم . لم تبلغ الطالبات اللواتي حضرن الاحتفالات عن وقوع أي تحرش . لأسبوعين تقريبا , كان أصحاب المطاعم يقدمون الشاي و السندويشات مجانا . ليظهروا إحساسهم الجديد بالتآخي عرض أصحاب الأعمال أن يقوموا بكنس الشوارع” ( 4 ) .
من المؤكد أن الديمقراطية المباشرة التي انتصرت في الشارع ليست علاجا شافيا لكل الأمراض , لوحدها , أو لحل جميع المشاكل التي تواجه الشعوب العربية بطريقة سحرية . لا البطالة و لا انعدام المساواة المتزايدة , و لا أسعار الطعام المرتفعة أصلا و التي ارتفعت أكثر . تظهر المواجهات بين المسيحيين و المسلمين في مصر هذا الأسبوع أن التفرقة الطائفية لم يتم التغلب عليها نهائيا . لكن الديمقراطية المباشرة تخلق فضاءات ( مجالات ) عامة يمكن أن تصبح فيها المطالب الشعبية إعصارا مدمرا , و قيادة جماعية تسعى إلى دفع المساواة و الجمعنة .

الثورة في العالم العربي – ليس فقط وضع نهاية للديكتاتوريات

بينما تستحضر الولايات المتحدة و دماها في المنطقة شبح القاعدة لكي تخلق عدم الثقة بين الناس في الغرب تجاه إخوتهم و أخواتهم العرب , فإن الانتفاضة في البلدان العربية استطاعت أن تبلغ مستويات غير متوقعة من القدرة على البقاء , ذاهبة أبعد بكثير من المطالب المحدودة لتغيير حكومة ما . كتب الصحفي مايكل جانسن في “Irish Times” ( 4 مارس آذار 2011 ) مقدما نظرة سريعة على التغييرات الهائلة داخل المجتمع المصري التي جرت في ظل الحكومة الانتقالية و كيف أن رياح التغيير لم تترك أي شخص في حالة المتفرج

“شكل طلاب المدارس الثانوية حركة تدعو لإعادة النظر في النظام التعليمي المصري . تطالب المنظمات النسوية بحقوق متساوية و تمثيل كامل في الحكومة و المجتمع المدني . يطالب الصحفيون بإنهاء التقييدات على الإعلام و إبعاد المحررين و أعضاء المجالس الذين دعموا الخط الحكومي في ظل نظام مبارك” .
“دعا الشيوخ , المبشرون , و طلاب أقدم مؤسسة مصرية أي جامعة الأزهر إلى تحريرها من ألف عام من سيطرة الحكومة . أصحاب العمائم الثوريون يصرون على أن يجري انتخاب شيخ الأزهر , الذي هو مدير جامعتها و أكبر رجل دين سني في العالم , و بقية المراكز المهمة و لفترات محددة عوضا عن أن يعينوا مدى الحياة …
الأساتذة , العاملون في الخدمة المدنية , أساتذة الجامعات , المحامون , القضاة و العمال في المصانع العامة و تلك التي تمت خصخصتها يعبرون عن غضبهم نحو المسؤولين , و المدراء غير الأكفاء و ضد الفساد المنتشر . عشرات الآلاف من العمال في صناعة النسيج , شركات الاتصالات , معامل الحديد و الفولاذ , و المشافي , و الجامعات و الصناعات العسكرية , و قناة السويس , شرعوا بالإضراب , في البداية دعما للحركة الديمقراطية و بعد ذلك للمطالبة بأجور أعلى و ظروف عمل أفضل . و يدعو العمال إلى حل اتحاد النقابات المصري الحكومي . و في يوم الأربعاء أسست عدة نقابات اتحادا ( نقابيا ) مستقلا” ( 5 ) .
مثل صندوق بندورا فتحت الثورة العربية الباب أمام كل تلك المطالب و الشكاوى التي قمعت لعقود , إن لم يكن لقرون . لقد خلقت الجماهير حركة تاريخية فريدة , رافعة تاريخية لتشكيل المستقبل . و قد أثبت الشعب أنه لاعب قوي , رغم شبابه و انعدام خبرته النسبي . أولئك الذين يصوغون الديمقراطية العربية المباشرة اليوم يحضرون لتحقيق قفزة نوعية في ثورتهم , لكي يحولوها إلى ثورة اجتماعية رائعة على المدى المتوسط .
لهذا فإن كلا من الطبقات الحاكمة المحلية و عملاء النظام السابق , إلى جانب أسيادهم الإمبرياليين يضعون احتواء الديمقراطية المباشرة كأول مهمة أمامهم من خلال عملية “الانتقال” أو “المأسسة” و “الإصلاحات الديمقراطية” التي ستغير المضمون التشاركي لهذه الانتفاضات , دافعة إياها نحو “ديمقراطية تمثيلية” آمنة و عديمة الخطر . هذا هو سبب وجود كل تلك الحكومات الانتقالية المدني منها أو العسكري – أن تكون وجها مقبولا للثورة المضادة .

التحدي القادم , نشر و تجذير الثورة

تعرف الولايات المتحدة أن ما يدور الصراع عليه اليوم هو حديقتها الخلفية . رئيس هيئة الأركان المشتركة مايك موان , اعترف أنه قد جرت تغييرات سريعة في المنطقة و أنهم لا يحاولون فقط ملاحقة الأحداث بل و أن يؤثروا في مجرى الأمور ليدفعوها في الاتجاه الذي يريدونه وفقا لمصالحهم الخاصة ( 6 ) . و هم سيتلقون المساعدة في هذا الخصوص من الحكومات “الانتقالية” و الديكتاتوريات التي ما زالت ممسكة بزمام السلطة , عارضين إصلاحات شكلية فقط . لكن ما تزال أمامهم مهمة عسيرة و شاقة , لأن الجماهير العربية لا تبدي أدنى إعجاب أو حماسة “لطريقة الحياة الأمريكية” . أكثر من ذلك فإن الاستياء من الأمريكان , كداعمين أساسيين لأنظمة الاستبداد المحلية , ضروري لفهم الاحتجاجات العربية . إن عقودا من المشاركة مع إسرائيل و من التعاون مع السياسات الطائشة للإمبريالية الأمريكية في المنطقة ساعدت بلا شك في تآكل شرعية هذه الأنظمة ( 7 ) . هذا ما عنيناه بالمحتوى المعادي للإمبريالية الذي لا يمكن إنكاره لكل هذه الاحتجاجات , و هو شيء لاحظه حتى الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح نفسه مؤخرا في بادرة من الديماغوجية و النفاق المريع , في مؤتمر في العاصمة صنعاء عندما قال أن كل هذه الأحداث هي من عمل تل أبيب لخلق عدم الاستقرار في العالم العربي , و أن كل شيء “يجري التحكم به من قبل البيت الأبيض” ( 8 ) . لقد قال هذا لأنه يعلم الاستياء العميق في المنطقة من حليفه الأمريكي و كان يحاول أن يستغله بشكل سخيف – بينما يضع في نفس الوقت 300 مليون دولار في جيبه يستلمها من البيت الأبيض نظير مشاركته في “الحرب على الإرهاب” . لم يتأثر أي إنسان في العالم العربي بهذه الديماغوجية الخرقاء , حتى لو بدت الأمور خارج العالم العربي مختلفة بعض الشيء , و كان لها بعض الأثر على بعض أقسام اليسار , خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الأحداث في ليبيا ( 9 ) .
لم تنته الثورات بعد في البلدان العربية , و لا حتى في تونس أو مصر . حتى ربما أنها هي أقل في هذين البلدين . الثورة , هذا الاستيقاظ العظيم للشعوب العربية , قد بدأت للتو , كما يظهر في الاحتجاجات التي أجبرت في الأسابيع الأخيرة فقط اثنين من رؤوساء الحكومات المعينين حديثا – التونسي محمد الغنوشي ( مع 5 من أعضاء حكومته ) , و أحمد شفيق في مصر , على الاستقالة . تستمر الاحتجاجات الشعبية لتسعى إلى استبعاد كل عناصر النظام القديم و إلى تفكيك جهازه الأمني و تطبيق قائمة طويلة جدا من المطالب الشعبية .
كما تذكرنا تجربة الأرجنتين , فإن مراحل الأزمة المفتوحة هذه مائعة نسبيا , و التغييرات السياسية شائعة في هذه الأوقات , و إذا لم يتمكن بديل الشعب من الانتصار فإن بديل الطرف الأقوى سرعان ما ينتصر و يستعيد الأرض التي فقدها . ما لا يمكن استمراره هو أزمة سياسية طويلة الأمد . و هنا يجب أن نذكر كلمات رفيقنا السوري مازن كم الماز الذي قال أن “اللجان الشعبية يجب أن تصبح أساسا لحياة جديدة , و ليس فقط إجراءا مؤقتا” ( 10 ) .
هذه اللجان هي الأساس لديمقراطية جديدة للشعب , ديمقراطية مباشرة و تشاركية , تقوم على التجمعات ( الاتحادات الشعبية ) التي تبنيها النساء و الرجال يوما بعد يوم في خضم الثورات العربية .
لكن التحديات ليست سهلة بأي حال من الأحوال . كيف يمكن أن نحول هذه الخبرات أو التجارب مع الوقت بحيث تصبح شيئا أكثر من مرحلة عابرة في النضال , نواة لمجتمع جديد ؟ كيف يمكننا أن نضمن أن هذه الاقتراحات غير المنسقة و المحلية ( الفئوية ) يمكن أن تنضج في مشروع اجتماعي بديل ؟ لدى الشعوب العربية القدرة على أن تعمق و تجذر الحركة ( تجعلها أكثر جذرية أو راديكالية ) , إضافة إلى أن تتقدم وراء الأزمة الحالية . إنهم واعون لأن الإصلاحات الشكلية لهذه “الحكومات الانتقالية” التي يعرفونها , هي في النهاية مجرد طريقة لاحتواء الجماهير . فقط الوقت سيظهر كيف يمكن حل الأزمات , لكن ما هو واضح أنه كيفما سار الوضع , فلن تكون الأمور هي نفسها بالنسبة للشعوب العربية أو لبقية العالم .

الهوامش

1 – http://www.anarkismo.net/article/18678
2 – //alainet.org/active/44376
3 – http://www.socialistproject.ca/bullet/467.php#continue
4 – http://www.economist.com/node/18290470?story_id=18290470
5 – http://www.irishtimes.com/newspaper/world/2011/0303/1224291282961.html
6 – //engilsh.peopledaily.com.cn/90001/90780/91343/7308634.html
7 – تهريج ( أو السلوك المتهور ) الديكتاتور الليبي الذي كان حتى وقت قريب أفضل أصدقاء الغرب و نموذجا يحتذى عن العلاقات به بحسب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غونداليزا رايس قد حوله إلى أشبه بمهرج موالي للأمريكان بعيون شعبه . أكثر من ذلك ففي البلاد التي كانت الولايات المتحدة مهتمة بنقل الاحتجاجات إليها مثل سوريا و ليبيا و إيران , كانت الاحتجاجات ضعيفة جدا أو غير موجودة . هذا يثبت أننا نتحدث عن ديناميات مختلفة ( اتضح أن هذا الحكم كان متسرعا , كما أثبتت التطورات اللاحقة التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية في يوم نشر المقال نفسه رغم أنه لا يغير من حقيقة أن الغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا عملت في سوريا كما في كل مكان آخر على منع تحقيق انتصار كامل حقيقي للجماهير الثائرة , تاركة إياها بالفعل تحت رحمة القمع الوحشي لنظام الأسد و باحثة عن نخبة حاكمة جديدة موثوقة يمكن نقل السلطة إليها عندما تقترب بشائر انتصار الثورة – المترجم ) .
Note by the translator : the later events in Syria showed that the writer s view isn t correct . US and other imperialist powers supported verbally the Syrian revolution , but in fact , they left the Syrian masses vulnerable to the brutal oprression of the regime . And as everywhere , they called in Syria also for calm and disciplinary transition , trying to create a new trustworthy ruling elite that can replace Al Asaad regime , rather than a real and full victory of the revolting masses .
8 – The economist , 5 – 11 مارس آذار 2011 , الصفحة 45
9 – أشير إلى مقالة ممتازة لرولاند أستاريتا , الذي يلخص بعض النقاشات في اليسار الأمريكي اللاتيني ( الجنوبي ) بهذا الصدد . حتى لو لم تتفق مع كل ما ورد فيه , فإنه مقال حاد و عميق , و إني أعتقد أنه , على الأقل في روحه , صحيح على الأغلب . //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/07/la-inquierda-y-libia و الردود على منتقديه //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/10/criticos-nacionales-y-libia
10 – http://www.anarkismo.net/article/18923

نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/19017

كلمة المترجم – نشرت هذه المقالة في موقع anarkismo.net الأناركي الأممي في 15 مارس آذار من العام الماضي لكن التحليل الأساسي فيه ما زال يحتفظ بقيمته و أهميته , إضافة إلى أن خبرة العام التالي لكتابته يمكن أن تشرح الكثير من المواقف و التنبؤات التي احتوى عليها , الملاحظة الأهم تتعلق بالموقف من الثورة السورية و الذي كان نتيجة لتأثير اليسار الستاليني و التقليدي على الرفاق في الحركة الأناركية العالمية و الذي سرعان ما تغير بعد اتصالات جرت بينهم و بين أناركيين عرب و سوريين . الاستنتاج الأهم للمقال سيحتفظ بحيويته طالما لم تحسم الثورات العربية شكل الحكم التالي , خاصة شكل الديمقراطية التي يجري البحث و النضال لتشكيلها , فإن البديل الذي يدعو إليه التحرريون العرب واضح : ديمقراطية شعبية مباشرة و تشاركية , مازن كم الماز

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=wall


تعريف بالاشتراكية التحررية / 6

سامع سعید عبود

جذور تاريخية للتيار الاشتراكى التحررى

اللاحكمي هى الترجمة العربية الأدق للتعبير عن تيار سياسى واجتماعى و فلسفى، تعددت أسماءه و رموزه الفكرية، و تجسيداته سواء فى حركات ثورية أو فى ثورات حدثت عبر التاريخ، وتتنوع بداخله المدارس برغم ما يجمعه من إطار عام، عرف فى اللغة العربية بالفوضوي التى هى ترجمة غير دقيقة لكلمة ((Anarchy)) والتى تعنى فى الإنجليزية (لا حكم ) ، وأصلها فى اللغة اليونانية، فى حين أن الفوضوي اشتقاق نسب عربى من فوضى، وترجمتها فى الإنجليزية ((chaos))، ومن ثم فهى ترجمة فضلا عن عدم دقتها فهى خبيثة حيث تهدف لتنفير من يسمعها، وقد عرف هذا التيار فى العربية أيضا أيضا باللاسلطوى، و التحررى، وأحيانا كما تنطق بالإنجليزية دون تعريب الأناركى

يرجع هذا التيار لجذور فكرية قديمة إلى ما قبل العصور الحديثة، تعلى من قيمة الحرية الإنسانية، وترفض السلطة القمعية وتنقدها، وتعتبر الدولة كمؤسسة فى حد ذاتها مصدر كل شر، ومصدر القهر الواقع على الإنسان، وسبب استغلاله وإفساده وتشويهه، وتبشر بعالم يخلو من هذا القهر، وذاك الاستغلال، وبإمكانية أن يحيا البشر أحرارا دون هذه المؤسسة القمعية المتعالية عليهم، و المتسلطة عليهم، أيا ما كان نظامها، ويرى البعض الآخر أن هذا التيار هو الامتداد الأكثر جذرية لفكر عصر التنوير الذى سبق الثورة الفرنسية، بشعـاراتها الثـلاث ( الحرية، و الإخاء، والمساواة )، كما يرى البعض أن هناك جذورا أناركية فى كل الثقافات عبر التاريخ فى الصين واليونان والعالم الإسلامى.

تنقسم جذور هذا التيار فى العصر الحديث لعدة منابع بدأت فى القرنين الثامن و التاسع عشر، الاناركية الفردية ويمثلها المفكر الإنجليزى جودوين والمفكر الألمانى شترينر، وهى تقوم على الحرية المطلقة للفرد إزاء أى سلطة أو جماعة، ومن هذا المنبع تتواجد تيارات الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية وهى تيارات هامشية لا تمثل التيار الرئيسى فى الاناركية.. و الاناركية التعاونية أو التبادلية ويمثلها المفكر الفرنسى برودون، و الاناركية الجماعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي باكونين، و الاناركية الشيوعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي كروبوتكين، و كل من الأناركيات التعاونية والجماعية والشيوعية تنشد مجتمع تتعاظم فيه الحرية الفردية، و تنتفى فيه السلطة القمعية، فى إطار جماعى منظم تعاونيا، باعتبار الإنسان فى النهاية حيوان اجتماعى؛ وتختلف فى تفاصيل حول الملكية الخاصة بنفيها أو تحديدها، وأسلوب تحقيق الاحتياجات البشرية إذا ما كانت حسب الحاجة أم الجهد المبذول فى العمل.. و الاناركية المسيحية ويمثلها الروائى الروسى الشهير تولوستوى الذى استلهم من المسيحية رؤى أناركية. كما ظهر مؤخرا من تأثر بأفكار هذا التيار من المفكريين الإسلاميين والبوذيين على قلتهم النادرة، فظهرت الاناركية الإسلامية و الاناركية البوذية، ويوجد تيار الاناركية البدائية وهو تيار هامشى مثله مثل تيارات هامشية أخرى تقترب من البوهيمية والعدمية والفردية المتطرفة. بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت الاناركيات التعاونية والجماعية و الشيوعية و الاشتراكية كتيار قوى فى العديد من البلدان الأوربية و الأمريكية، شاركت فى الأممية الأول(جمعية العمال الدولية)، وتصارعت فكريا وتنظيميا مع الماركسية متهمة اشتراكيتها بالسلطوية، وخرج ممثلوا هذا التيار الاناركى ليشكلوا أممية أخرى، وشارك الأناركيون الجماعيون والاشتراكيون و الشيوعيون فى العديد من الحركات الثورية فى روسيا و أسبانيا وفرنسا وإيطاليا، و حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وخلال ذلك ظهرت فى داخل هذا التيار الاناركية النقابية فى فرنسا، والتى بلغت أوجها فى أوائل القرن العشرين، وظهر اتجاه ماركسي لا سلطوي فى مواجهة التفسير اللينينى السلطوى للماركسية، ويمثله كل من روزا لوكسمبورج و بانيكوك، والمعروف الآن بشيوعية المجالس، وهم الأقرب للماركسية الأصيلة، والأقرب للأناركية الشيوعية، من كل التيارات الماركسية الأخرى، و يشكلان معا تيار الاشتراكية التحررية.

ما أن انتصفت ثلاثينات القرن العشرين حتى انتهت كل هذه التيارات لفترة كمون طويلة، حتى اعتقد البعض أنها انتهت تماما، وأصبحت مجرد جزء من التاريخ، ومجرد تراث من الأفكار .

مع منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأ جهد نظرى لإحياء الأناركية الشيوعية، حيث ظهرت كتابات جديدة لمفكرين جدد تعتمد على نقد الكتابات والممارسات السابقة، وتحاول استشفاف رؤى جديدة تلتزم بالإطار العام الأناركى والتحررى، وفى منتصف الستينات، ومع ظهور اليسار الجديد، خرج هذا التيار من كمونه، واخذ ينتشر مجددا فى العديد من بلدان غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع سقوط الدول التى تدعى بالاشتراكية فى أواخر الثمانينات، و سقوط اللينينية أحزابا وأفكارا مثلما سقطت الاشتراكيات الديمقراطية والإصلاحية والقومية، و زاد التشكك فى أهمية دور الدولة،وتأكد خطورة تضخم جهازها البيروقراطى، واستمرار نقد كل من النظرية والممارسة السلطويتين، ونقد الأيديولوجيات التسلطية و الإصلاحية والقومية، أخذ هذا التيار يكسب مواقع متزايدة فى أوروبا واستراليا والأمريكيتين وشرق آسيا، وبعض بلدان الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، وفى السنوات الأخيرة شارك أعضاء هذا الاتجاه فى الكثير من الأحداث، و بفضل ثورة الاتصالات الأخيرة أخذ ينتظم عالميا، ويزداد تأثيره وضوحا، وعرف مفكرين جدد أشهرهم عالم اللغويات الشهير ناعوم شومسكى، و سام دوجلوف ودانيال جرين وأنطونيو نيجرى وغيرهم …ويدخل تحت هذا التيار مدارس عديدة تتفق فى الإطار العام، وتختلف فيما بينها فى التفاصيل العملية،لا النظرية، فهناك شيوعية المجالس، و الاستقلالية، والمواقفية، و الاناركية النقابية، والبرنامجية، و التسيير الذاتى، و التعاونية.الخ، وكل هؤلاء يشكلون الجناح اليسارى فى الاناركية ، وهم التيار الرئيسى فيها، مع وجود من يمكن اعتبارهم الجناح اليمينى المتمثل فى الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية. فالاناركية ليست مذهبا جامدا، ولا تعرف النصوص المقدسة، ورموزها من المفكرين مجرد مجتهدين لا أنبياء، ولا قداسة لهم، ولا لنصوصهم ، ومن ثم يقبل هذا التيار النقد والتطوير داخل إطار مبادئه العامة.

http://fasail.blogspot.com

تعريف بالاشتراكية التحررية / 5

سامح سعید عبود

أهداف الاشتراكية التحررية ومبادئها.

أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، و يزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية، إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية، و من الأوهام والأساطير والمؤسسات السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها..وهو ما يعبر عنه برنامجنا النضالي المرحلي.

https://www.facebook.com/SamehSAbod

مجموعة أناركية ( لا سلطوية ) لا طليعة لينينية / 4

واين برايس
ترجمة: مازن کم الماز

أسطورة الثورة البلشفية

يعتقد على نطاق واسع أن الثورة الروسية قد أثبتت الحاجة لحزب طليعي مركزي مبني من الأعلى إلى الأسفل على النمط البلشفي . من دون حزب كهذا قيل أنه لم يكن من الممكن أن تحدث ثورة اشتراكية . نحتاج لذلك إلى بناء ذلك النوع من الأحزاب اليوم . إن هذه الحجة هي حجة ميثيولوجية ( أسطورية ) غالبا .
لقد بنى لينين عندما كان في المنفى في أوروبا جهازا بيروقراطيا من كوادر محترفين , لكنهم لم يتمكنوا أبدا من السيطرة على الكوادر الفعليين للحركة الماركسية في الإمبراطورية الروسية . تأثرت الحركة الاشتراكية بالقمع القيصري إضافة إلى الفئوية الداخلية , التي يعتبر الانشقاق بين البلاشفة و المناشفة أكثرها شهرة فقط . لخص موراي بوكشين هذا : “كان الحزب البلشفي .. منظمة غير شرعية في معظم السنوات السابقة على الثورة . و قد حطم الحزب و أعيد بناءه باستمرار , مما أدى هذا إلى أنه حتى تولى السلطة لم يتصلب ( يتشكل ) أبدا في الواقع إلى ماكينة بيروقراطية هرمية مركزية بالكامل . أكثر من ذلك , فقد مزقته الانشقاقات .. حتى الحرب الأهلية” .

قدم هال درابر نقاطا ( أفكارا ) مشابهة : “أخذت الأشكال الأولى من الحزب الجماهيري في روسيا شكل حلقات عمالية محلية و ليس شكل فصائل , و بقيت تلك الحلقات فضفاضة و شكلت فيما بينها اتحادات إقليمية فضفاضة … كانت منظمات الأعضاء في روسيا هي مجموعات الحزب المحلية و الإقليمية التي قد تكون نتيجة تعاطفها جزءا من البلاشفة أو المناشفة أو أنها قد تغير دعمها من طرف لآخر من وقت لآخر , الخ . في كل مرة يعقد فيها مؤتمر أو كونفرنس ( مجلس ) للحزب كان على كل مجموعة حزبية أن تقرر فيم إذا كانت ستحضر هذا المؤتمر أم ذاك أم كليهما … قد يقرر أعضاء الحزب الأفراد في روسيا أو المجموعات الحزبية توزيع جريدة لينين أو لسان حال المناشفة أو ألا يوزعوا أيا منها – كثيرون كانوا يفضلون لسان حال “غير فئوي أو تكتلي” كما فعل تروتسكي في فيينا أو أنهم قد يستخدمون في عملهم منشورات البلاشفة تلك التي يحبونها إلى جانب منشورات المناشفة و الآخرين , أي أن هذه كانت تشكل أساسا أو قاعدة حرة” .

دور البلاشفة في الإطاحة الفعلية بالحكومة المؤقتة الرأسمالية درسه عن قرب الكسندر رابينوفيتش . من خلال دراسته للمذكرات المبكرة للناشطين البلاشفة و قراءة الصحف البلشفية لتلك الأيام , استنتج أن “.. الوحدة المتراصة ( الصارمة ) تقريبا و “الانضباط الحديدي” للحزب البلشفي في عام 1917 كان إلى حد كبير مجرد أسطورة ..” . لم تكن لجنة الحزب المركزية قادرة على السيطرة على الكثير من المنظمات الإقليمية و المحلية و لم تحاول حتى أن تفعل ذلك عادة . حتى في الأماكن المركزية لمدينتي بتروغراد و موسكو الرئيستين , كانت هناك أجهزة بلشفية مستقلة نسبيا نشرت صحفها الخاصة و وضعت سياساتها المباشرة بنفسها . في اللجنة المركزية كان هناك مناضلون ذوي إرادة قوية دافعوا عن آرائهم , متجاهلين في بعض الأحيان الانضباط الحزبي . في ذلك الوقت فتح الحزب أبوابه لعشرات الآلاف من الأعضاء العمال الجدد , الذين هزوا هذه الأوضاع بشكل مؤثر ( معتبر ) . عندما عاد لينين إلى روسيا اعتمد على هؤلاء الأعضاء الكوادر الجدد لينقض السياسات المحافظة للبلاشفة القدامى . استنتج رابينوفيتش أن هذه الانقسامات “اللامركزية و غير المنضبطة” سببت بعض المصاعب , لكنها كانت عموما مفيدة بشكل حيوي . “.. مرونة منظمات البلاشفة , و انفتاحها و تجاوبها النسبي .. كانت مصدرا هاما لقوة الحزب و قدرته على الوصول إلى السلطة” .

جرى خلق حزب مركزي متراص فقط بعد الثورة , أثناء الحرب الأهلية ضد الحراس البيض المعادين للثورة . عندما انتهت الحرب الأهلية عام 1921 قاموا بسحق الثورة في قلعة كرونشتادت البحرية , و هزموا المعارضة الداخلية في الحزب – اللذين طالبا كلاهما بالمزيد من الديمقراطية للطبقة العاملة . أقنع لينين البلاشفة ( الذين غيروا اسمهم الآن إلى الحزب الشيوعي ) بمنع كل التكتلات الداخلية و كل اجتماعاتها ( و وافق تروتسكي على ذلك ) . “أخذ البلاشفة بمركزة حزبهم لدرجة أنهم أصبحوا معزولين عن الطبقة العاملة” . ( بوكشين ) . أصبح الحزب أكثر بيروقراطية حتى و مقموعا داخليا بانتصار ستالين عام 1924 و ما بعد ذلك .

صنع الحزب البلشفي الثورة الروسية عندما كان هذا الحزب أشبه ما يمكن بفيدرالية أناركية ! الحزب المركزي المتراص لم يكن حزب الثورة بل حزب الثورة المضادة . الأحزاب الللينينية السلطوية التي صنعت الثورات الصينية , الفيتنامية , اليوغسلافية و الكورية الشمالية , تشكلت على نمط حزب الاتحاد السوفيتي الستاليني . أراد ماو و الآخرون حزبا يخلق نظام رأسمالية دولة توليتاري ( شمولي ) مشابه .

هناك جانب أسطوري آخر من الصورة الشائعة عن الثورة الروسية و الحزب البلشفي . و هي فكرة أن البلاشفة كانوا هم من أسقط الحكومة المؤقتة لوحدهم . هذا غير صحيح . الاستيلاء الأساسي على السلطة قامت به جبهة موحدة من الحزب البلشفي , الحزب الاشتراكي الثوري اليساري , و الأناركيين . لعب البلاشفة دورا قائدا بسبب ضعف المجموعتين الأخريين لكن لم يكن بمقدورهم فعل ذلك بمفردهم . كان الاشتراكيون الثوريون اليساريون ورثة تيار الشعبيين الفلاحي الروسي , و كان لديهم برنامج اشتراكي تحرري . على عكس البلاشفة , كانوا يتمتعون بدعم بين الفلاحين . كانت نقطة ضعفهم هي ارتباطهم بالجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الثوري الذي انفصلوا عنه فقط في عام 1917 . كان الأناركيون نشيطين في المدن الرئيسية و الكثير من الصناعات . لعب النقابيون ( السينديكاليون ) الأناركيون دورا هاما في بناء مجالس المصانع . لسوء الحظ كان الأناركيون منقسمين إلى عدة تيارات و تفوقت عليهم الأحزاب السياسية تنظيميا . ( يبدو أن النقابيين الأناركيين كانوا أحسن تنظيما من الأناركيين الشيوعيين من ناحية تمكنهم من نشر جرائدهم الخاصة و جعل آرائهم معروفة على مستوى الشعب ) .

اتفق الاشتراكيون الثوريون اليساريون و الأناركيون مع البلاشفة على الحاجة للإطاحة بالحكومة المؤقتة البرجوازية و استبدالها بالسوفييتات . و تعاونوا جميعا في إطار اللجنة العسكرية التي قادها تروتسكي التي أطاحت بالحكومة المؤقتة . شكل بعدها الاشتراكيون الثوريون اليساريون حكومة مشتركة مع البلاشفة في السوفييتات . شارك الأناركيون في السوفييتات و دعموا عموما سياسات الاشتراكيين الثوريين اليساريين . كانت نهاية هذه الجبهة المشتركة عبارة عن خطوة هائلة نحو ديكتاتورية الحزب الواحد من قبل الشيوعيين . ( كيف تطور هذا شيء أكثر تعقيدا من التطرق إليه هنا ) . في عام 1921 إلى جانب منع كل الاجتماعات الداخلية التكتلية داخل الحزب الشيوعي , طالب لينين و تروتسكي أيضا بالمنع ( التجريم القانوني ) النهائي لكل الأحزاب لأخرى , مهما كانت درجة استعدادها لدعم الاشتراكية . لقد خلقت الديكتاتورية الصارمة المركزية للحزب الواحد , و لو أنها مرت بعدة مراحل أخرى قليلة قبل أن يثبتها ستالين نهائيا . لكن لم تكن هذه هي الطريقة التي صنعت بها الثورة .

النتيجة

أيا تكن إنجازاتها , فقد فشلت الأناركية مرارا في خلق مجتمع حر تعاوني . الثورات التي أثر فيها الأناركيون هزمت , أو “نجحت” بأن استولى عليها statists الدولتيون ( أنصار فكرة الدولة المركزية – المترجم ) . هناك اليوم صعود جديد للأناركية على صعيد العالم . ينظر قسم كبير من الناشطين إلى اتجاه النضال الطبقي المؤيد لفكرة التنظيم داخل الأناركية التاريخية , كما عبر عنها مالاتيستا , و البرنامجيين ( البلاتفورميين ) , الفيدرالية الأناركية الإيبيرية ( المنظمة الأناركية الأساسية في الثورة الإسبانية 1936 – 1939 إلى جانب و ضمن الكونفيدرالية الوطنية للعمال CNT – المترجم ) و especifistas . بعضنا يؤيد أيضا التيار المؤيد لفكرة التنظيم في الماركسية الداعية للاستقلال الذاتي autonomist Marxism . إننا ندعو إلى فيدراليات ديمقراطية منظمة حول برنامج ثورة أممية تقوم بها الطبقة العاملة و كل المضطهدين . يدين الأناركيون المعادون للتنظيم هذا على أنه خلق لأحزاب على النمط اللينيني . أيا تكن دوافعهم , ففي الممارسة يتخلى أعداء التنظيم عن تنظيم أناركي فعال ضد الرأسمالية و الدولة . بينما يبني اللينينيون في نفس الوقت أحزابا تعيد خلق الانقسام المركزي في الرأسمالية الدولتية بين القائد و من يقودهم . إنهم ينشرون صورة مزيفة سلطوية لكيفية تحقق الثورة الروسية . لكننا ما نزال نعتقد بأن انعتاق الطبقة العاملة و المضطهدين هو مهمة العمال و المضطهدين أنفسهم . إننا نعتقد بأن تشكيل فيدراليات أناركية ثورية هو جزء من التنظيم الذاتي لأولئك الذين تضطهدهم و تستغلهم الرأسمالية . يبقى التنظيم الذاتي هو الأساس في تحرر البشرية .

بعض المصطلحات و الأشخاص المذكورين في المقال
Especifismo : اتجاه قوي في الحركة الأناركية في أمريكا الجنوبية نتيجة خبرة الحركات الأناركية هناك , ظهرت في ستينيات القرن العشرين داعيى لإقامة منظمات أناركية تقوم على وحدة الفكر و الممارسة و المشاركة الفعالة في بناء حركات اجتماعية شعبية و مستقلة و هي تعتبر نوعا جديدا من البلاتفورمية في الحركة الأناركية .
autonomist Marxism الماركسية الداعية للاستقلال الذاتي : نظرية لحركات في أقصى اليسار الإيطالي و الأوروبي ظهرت أولا في إيطاليا في ستينيات القرن العشرين من خلال تطور الشيوعية العمالية Operaismo , من أهم منظريها أنطونيو نيغري , باولو فيرنو , تأثرت بالأناركية , ما بعد الماركسية و ما بعد البنيوية .
موراي بوكشين ( 1921 – 2006 ) اشتراكي تحرري أمريكي و من رواد الحركة البيئية الإيكولوجية .
هال درابر ( 1914 – 1990 ) ناشط و مؤلف اشتراكي , اصبح تروتسكيا في الثلاثينيات , في 1971 انفصل عن الاشتراكيين الأممين و لم تفرغ للعمل النظري كاشتراكي مستقل .

نقلا عن http://theanarchistlibrary.org/print/Wayne_Price__Anarchist_Organisation_not_Leninist_Vanguardism.html

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=wall

تعريف بالاشتراكية التحررية / 4

سامع سعید عبود

النظام الاشتراكى التحررى

النظام الاشتراكى التحررى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر والمساواة فيما بينهم، يتأسس على الملكية الاجتماعية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما فى رأسمالية الدولة، ولا الملكية الخاصة كما فى رأسمالية الأفراد، و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب صفاته الجسدية والعقلية و مكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة

أن هذا الإنسان الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها و لا اختيار، سواء الصفات الوراثية أو الأوضاع الاجتماعية، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى تعاونية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط، ومن ثم تتعدد التعاونيات التى يمكن أن ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته، ولهذا فلابد أن يكون باب العضوية مفتوح لكل من يطلب عضوية تلك التعاونيات بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي .

يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى إذن بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من التعاونيات ، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع التعاونيات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية وإئتمانية وتأمينية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية،كما يمكن للتعاونية الواحدة أن تجمع بين العديد من الأنشطة المتكاملة، لتشمل كل أوجه النشاط البشرى المختلفة، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته، وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، و تتحدد جميعها وفق إرادته الحرة.

يقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك التعاونيات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم، بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها، ومن ثم تتعدد التعاونيات بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية واحتياجاتها.

لأنه لن يمكن للبروليتاريا عمليا كى تتحرر إلا أن تصادر ثروات مضطهديها ومستغليها من البرجوازيين، وإدارتها ذاتيا لصالح البروليتاريا وفق قواعد التعاون عبر التعاونيات ، فإن البرجوازيين الصغار سوف يستمرون فى الوجود بملكياتهم الصغيرة والقزمية بشرط منعهم من استخدام العمل المأجور، ولهم أن ينضموا للتعاونيات أو يعملوا على نحو مستقل، و فى حالة انضمامهم للتعاونيات فسوف تندمج ملكيتهم فى ملكية التعاونية، وسوف يكون مبدأ التوزيع كل حسب احتياجه مقابل أن يعمل كل عضو وفق قدراته. فى إطار تقسيم العمل المتفق عليه.

وفيما يتعلق بتنظيم شئون التعاونيات فهو كالتالى :-

لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المادية المختلفة حسب الحالة، فيكون للتعاونية حق الانتفاع بكل مصادر السلطة المادية التى تمكنها من ممارسة نشاطها، من عقارات وآلات وأموال وغير ذلك، والتى لا يجوز تجزئتها على أى نحو، أو تفتتها لملكيات خاصة للأفراد، أما أعضاءها فيملكون حق الانتفاع بها على نحو متساو، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات خاصة لاستعمالهم الشخصي.

تلتزم التعاونيات بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية، و تساعد التعاونية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها. على أن يكون لكل عضو فى التعاونية صوت واحد. و لكل عضو أن ينسحب من التعاونية.

التعاونية لا تهدف بنشاطها للربح، و إنما تهدف أساسا لاستيفاء الحاجات الاستعمالية لأعضاءها، بانتاجها وتوفيرها أو بتبادل فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها مع فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها التعاونيات الأخرى.

تتأسس إدارة التعاونية على الديمقراطية المباشرة والتوافقية، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط التعاونية و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط التعاونية ، يحق لكل أعضاء التعاونية مناقشته، و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى التعاونية تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين، ويحق لأعضاء التعاونية مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية و إدارية يتخذها أعضاء التعاونية ديمقراطيا وتوافقيا، وقرارات فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم، كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من التعاونية على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم

تحدد سياسة التعاونية و قراراتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية،. و تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية. و كل أعضاء التعاونية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء. و على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.

الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد، وبناء على ذلك فلكل تعاونية أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم، أو قبلوها مع انضمامهم للتعاونية، وأن تفصل فى كل الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء، وتعاقب على كل المخالفات التى قد يرتكبوها، وتحفظ أمن التعاونية وأعضاءها، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.

من هذه التعاونيات التى تشكل خلايا المجتمع الاشتراكى التحررى، تتشكل اتحادات ، فيما بين التعاونيات، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا، تهم قطاعات أوسع من البشر، وتلبى احتياجاتهم المشتركة، الأمر الذى يمكن أن يتم عبر الاتحاد بين التعاونيات، فتنشأ اتحادات تسعى لتحقيق أقصى درجة ممكنة للإكتفاء الذاتى من الاحتياجات المختلفة للأعضاء، حفاظا على حرية أعضاء التعاونيات، واستقلالية التعاونيات التى ينتقص من حريتها واستقلاليتها، مركزية المجتمع، وإدارته المركزية، فضلا عن أن ترتيبه بشكل هرمى، يجعل من سلطات قمته قيدا على حريات قواعده، ولمؤسساته العليا سلطة تقيد مؤسساته الدنيا.

تقوم الاتحادات المختلفة بإدارة المشاريع الكبيرة، و الأنشطة الضخمة، والمرافق العملاقة، وتؤدى المهام التى لا تستطيع القيام بها التعاونيات منفردة، فالاتحادات هى تعاونية أكبر حجما لا تقوم بين أفراد بل بين تعاونيات أصغر حجما، و تقوم على نفس الأسس التى تقوم عليها التعاونيات ، و التى تنضم للاتحاد، لتلبى المطالب المشتركة لتلك التعاونيات وأعضاءها، كما ينضم الأفراد للتعاونيات لتلبية مطالبهم المشتركة.

يقوم الاتحاد بحل التناقضات والمنازعات والخلافات بين التعاونيات المنضمة له لتحقيق المصالح و الاحتياجات المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه وأعضاءها، على أساس مبدأ التعاون ، والتبادل التعاونى للسلع والخدمات. وهذا المبدأ يحل مشكلة التفاوتات التى يمكن أن تحدث بين تعاونيات غنية و تعاونيات فقيرة بحكم طبيعة نشاط كل منهما أو حجم أعمالها، ويحل المشاكل التى يمكن أن تحدث بناء على تضارب المصالح بين التعاونيات، ويمنع الإضرار بالمصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة للاتحاد.

الاتحادات تقوم على الانضمام الطوعى للتعاونيات، عبر مفوضين منتخبين من تلك التعاونيات، و يحق لأعضاء التعاونيات المنضمة للإتحاد مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومقتضيات تفويضهم .

مثلما يحدد أعضاء التعاونيات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى، تحدد التعاونيات المنضمة للاتحادات القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى، وأن تعاقب الاتحادات المخالفين لتلك القواعد، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين التعاونيات المختلفة، وتحفظ أمن الاتحاد وأعضاءه، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.

إذا كانت عضوية الأفراد فى التعاونيات وعضوية التعاونيات فى الاتحادات طوعية، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من التعاونيات ، وللتعاوتيات من الاتحادات، وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين التعاونيات المختلفة، و التعاونيات للاتحادات حرية مكفولة للجميع.

أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية، وليست سياسية، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .

من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة، والمتفق عليها من الأفراد و التعاونيات والاتحادات.

نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات والاتحادات التعاونيات يمكنها أن تمارس كل الأنشطة السيادية والإنتاجية والخدمية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة، و يمارسها الرأسماليون، على السواء، بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق و المؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات وبين المنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط، لا فى حجم الأعمال، ولا فى عدد العاملين بها، و لا فى طبيعة ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات، فكما توجد شركات ومشاريع رأسمالية أو حكومية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يمكن أيضا أن تتكون التعاونيات واتحادات تحل محلها جميعا.

يمكن للتعاونيات واتحاداتها أن تقوم بإنتاج كل السلع، وتقديم كافة الخدمات، وأداء كافة المهام السيادية للدولة، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات ، بعيدا عن مؤسسات الدولة و منشئات رأسالمال.

عندما نشأت الرأسمالية من قلب الإقطاع وسادت العالم بعد ذلك، لم تكن نتيجة فكرة فى عقل المفكرين، ولم تنشأ لأن حزبا ما ناضل من أجل تحقيقها،أو أن ثورة ما قامت لتطبيقها، فقد نشأت الرأسمالية عندما تطورت الورش الحرفية إلى مصانع، بسبب التطور التكنولوجى، و استئجار أصحاب الورش العمال على نطاق واسع مما قلب العالم الإقطاعى رأسا على عقب، والاشتراكية التحررية لا تقدم نموذج هندسى سابق التخطيط، وإنما تستند رؤيتها للتغيير الاجتماعى على التعاونيات باعتبارها نموذج قائم فعليا فى الواقع كنظام هامشى، يمكن له النمو ليصبح النظام السائد بعد زوال الرأسمالية والدولة الحديثة المرتبطة بها، وتدخلنا النضالى من أجل تحقيق هذا التطور التقدمى فى تاريخ البشرية، هو إزالة التشوهات الرأسمالية والبيروقراطية منها، والنضال من أجل أن تكون التعاونيات التحررية النظام السائد، ومن ثم لا يمكن وصف رؤيتنا بالخيالية كما يزعم خصومنا، فنحن لسنا هواة هندسة اجتماعية لتناقض الهندسة الاجتماعية أساسا مع احترامنا للحرية الفردية والكرامة الإنسانية.

الاشتراكية التحررية مشروع أممى، ومعادي لكل الحركات والمشاريع السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى، فالاشتراكية التحررية مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم، ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد، وملكيتهم الجماعية المشتركة، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس تمييزى بغيض .

من هنا فأننا نناضل بكافة السبل من أجل تحول القطاعين العام و الحكومى المملوكين للدولة والقطاع الخاص الرأسمالى إلى بديل التعاونيات واتحاداتها، بطريقتين هما المبادرة الجماهيرية لتأسيس التعاونيات و النضال الجماهيرى الضاغط على الدولة والرأسماليين لتحويل كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية والتأمينية والإئتمانية، سواء الحكومية أو العامة أو الرأسمالية إلى تعاونيات.

تشجيع ومساعدة ودعم العمال المستقلين والمهمشين والمتعطلين عن العمل و الحرفيين والمهنيين والمزارعين المستقلين على تكوين التعاونيات التى تشبع احتياجاتهم المختلفة، باعتبارها وسيلة لتحررهم الذاتى من سيطرة واستغلال كل من الرأسماليين و بيروقراطية الدولة، و إزالة المعوقات التى تحول دون ذلك.

http://fasail.bogspot.com

‌مانگرتنی گشتی لە پورتوگال

دەنگوباسەکانی ئابووری ئەوروپا و ئەو زانیارییانەی کە لە سندوقی دراوی نێیودەوڵەتی و بانکی ناوەندی ئەوروپا و بانکی جیهانییەوە دزە دەکەن، ئەوە نیشان دەدەن، کە ئابووری ئەوروپی بەگشتی و دراوی یورۆ بەتایبەتی بەردەوام لە پاشەکشەکردندایە، بەڵام تەنها گیروگرفتەکە لەڕووی کات و شوێنەوەیە، کە جاروبار خامۆش و بێیدەنگ دەبێیت و دیسانەوە هەر زوو سەرهەڵدەداتەوە.

لە ئێستادا نۆرەی پورتوگالە، کە باری ئابووری زۆر خراپە، بۆیە یەکێیتی ئەوروپی دەیەوێت بە بڕی ٧٩ ملیارد یورۆ قەرز، لەو قەیرانەی کە تێییکەوتووە دەریبێینێیت. بێگومان بۆ ئەمەش یەکێیتی ئەوروپا و دەسگە دراوییەکان بۆ دەستگرۆییکردنی پورتوگال بەندومەرجی خۆیان هەیە، کە هەندێك لەوانە زیادکردنی باج و کەمکردنەوەی خەرجییەکانە لە هەموو بوارەکاندا و دەرکردنی کرێیکاران و فەرمانبەران و گەلێیکی دیکەی لەمانە.

‌لەبەرامبەر ئەم هێڕشەدا یەکێیك لە سەندیکا سەرەکییەکانی ئەو وڵاتە، کە نوێینەرایەتی زۆربەی هەرە زۆری کرێیکارانی هەموو بەشەکانی هاتوچۆ بە هاتووچۆی ئاوییشەوە دەکات، مانگرتنی گشتی ڕاگەیاند و لەلایەن گەلێیك لە سەندیکا بچووکەکانیشەوە پشتگیری لێکراوە. شایانی باسە ئەوەش بڵێیین، کە ئەمە نە یەکەم مانگرتنی گشتییە و نە دواهەمینیشە، هەربۆیە سەندیکاکە ڕایگەیاند، مانگرتنی دیکەشی بەدوادا دێیت.

مجموعة أناركية ( لا سلطوية ) لا طليعة لينينية / 3

واين برايس

ترجمة: مازن کم الماز

الحزب اللينيني

كما هو معروف جيدا , فإن مفهوم الحزب هو مفهوم أساسي في اللينينية . و قد عبر عنه في صيغ مختلفة . الوثيقة الرئيسية للتروتسكية ( و هي تفريعة من اللينينية ) هي “البرنامج الانتقالي” لتروتسكي لعام 1938 . الجملة الأولى فيه – و فكرته الأساسية – هي أن “الوضع السياسي العالمي ككل يتميز بأزمة تاريخية في قيادة البروليتاريا” . أي أن المشكلة الأساسية ليست في محافظة جمهور الشغيلة , لأنهم من وقت لآخر نهض العمال و المضطهدون في هذا العصر ضد الرأسمالية . المشكلة هي أن الاشتراكيين الديمقراطيين , الليبراليين , الستالينيين , و القوميين هم القادة المحترمون و المتجذرين . قادت هذه النخب العمال إلى شكل ما من الاضطهاد القديم نفسه . ما نحتاجه إذن هو بناء قيادة جديدة , حزب يلتزم بالبرنامج الثوري في أقواله و أفعاله , يمكنه أن يكسب دعم غالبية العمال و المضطهدين .

فضيلة أو ميزة هذه الفكرة هي أنها تخبر الأقلية الثورية ألا تلوم العمال على فشل الثورة . هذا لا ينكر أن الوعي غير الثوري لأغلب العمال ليس مشكلة . لكن لا معنى للشكوى من “تأخر أو تخلف” الغالبية , أكثر مما في النظرة الرومانتيكية للعمال . سيدفع انحطاط الرأسمالية بشكل متكرر الطبقة العاملة لكي تثور . مهمة الأقلية الثورية أن تطور نظريتها الخاصة , تحليلها , استراتيجيتها , تكتيكاتها و ممارستها الفعلية .
السيء في هذه الفكرة عن القيادة هو أنها تؤدي إلى رؤية القيادة كشيء كلي الأهمية ( شديد الأهمية ) . تصبح المهمة استبدال القادة السيئين بقادة جيدين , الأحزاب السيئة بحزب جيد , حزب ذا أفكار صحيحة . عوضا عن التركيز على استنهاض الجماهير , و تشجيع استقلاليتها و اعتمادها على ذاتها , فإنها تؤدي إلى أن كل ما نحتاج إليه هو أن نضع القيادة الصحيحة في السلطة . في أسوأ الأحوال , يصبح الحزب بديلا عن الطبقة العاملة .
يفهم اللينينيون حزبهم كمنظمة مركزية – في ظل “الديمقراطية المركزية” . يستندون في هذا على رؤيتهم للاشتراكية , التي يفهمونها كاقتصاد مركزي تديره دولة مركزية . إن حزبا مركزيا ضروري لتحقيق هذا , و ما أن يتم إنجازه , فإنه ضروري أيضا لإدارة اقتصاد مركزي دولتي . في النظرية “سيختفي” كل من الدولة و الحزب ( يوما ما ) , لكن الاقتصاد سيبقى مركزيا – و سيكون على مستوى دولي لا أقل . هذه الفكرة ليست إلا كابوسا بيروقراطيا .
“المركزية” ليست مجرد تنسيق , توحيد , أو تعاون . المركزية ( “ديمقراطية” أم أي شيء آخر ) تعني أن كل شيء سيدار من مركز ما . أن هناك أقلية مسؤولة . كما شرحها بول غودمان “إنها شركة مركزية .. سلطة من الأعلى إلى الأسفل . تجمع المعلومات من الأسفل على الأرض و تعدلها لتصبح مفيدة أو قابلة للاستعمال من أولئك الذين في الأعلى , تتخذ القرارات في القيادات , و تنقل السياسة و جدول الأعمال و الإجراءات المطلوبة العامة إلى الأسفل عبر سلسلة قيادة .. اخترع هذا النظام لتوفير الانضباط في الجيوش , للاحتفاظ بالسجلات , و لجمع الضرائب , و القيام بالوظائف البيروقراطية , و .. لأجل الإنتاج الكلي أو الشامل” . هذا هو النموذج الأساسي للمجتمع الرأسمالي , و ما يفعله الحزب اللينيني هو أنه يحافظ عليه . هذه هي الدولة الرأسمالية في شكلها الجنينية , و علاقة رأس المال / العمل في الممارسة .
لنكن واضحين , للفيدرالية الأناركية أيضا درجة من “المركزية” , أي , أجهزة محددة و أفراد محددين يخصصون بمهام محددة من قبل كل أعضاء الفيدرالية . لكن هذه المجموعات المركزية منتخبة و يمكن استبدالها في أي وقت , مع تدوير المهام بين الأعضاء . بالتعريف توازن الفيدرالية بين المركزية و الامركزية , بالقدر المطلوب بدقة من المركزية – بين الأناركيين , مع أعظم ما يمكن من اللامركزية .
بين اللينينيين , فإن الحزب المركزي مبرر فلسفيا .حيث يفترض أن الحزب يعرف الحقيقة , إنه يعرف “الاشتراكية العلمية” . يعتبر الحزب تجسيدا للوعي البروليتاري . الوعي البروليتاري ليس بمعنى ما تؤمن به البروليتاريا فعليا بل ما عليها أن تؤمن به , ما يجب عليها ان تؤمن به , و الذي يعرفه الحزب فقط بالتأكيد . لذلك لا يوجد أي شيء يمكن للحزب أن يتعلمه من أي شخص خارج الحزب . و يفترض أن قيادة الحزب هي الأكثر معرفة بهذه الحقيقة . لذلك يجب أن يكون الحزب مركزيا , مع قيادة مركزية مستقرة . إنها تتحمل “عبء الرجل البارز” ( في استخدام لعبارة عبء الرجل الأبيض للشاعر الانكليزي كيبلينغ التي استخدمت لتبرير الاستعمار الأوروبي الأبيض – المترجم ) . الحزب – أو قيادته العليا – هي “الطليعة” .
لا أريد هنا المراوغة فيما يتعلق بتعريف الكلمات , فما ما يهم هي الأفكار . كان هناك أناركيون أيضا استخدموا كلمة “طليعة” ليصفوا أنفسهم . استخدموا هذا التعبير ليبينوا أنهم كانوا في مقدمة التفكير السياسي , أنهم كانوا الثوريين الأكثر تطرفا , يسار اليسار . استخدموا تعبير “طليعة” كما استخدم الفنانون الكلمة الفرنسية avant-garde ( طليعة ) , أولئك الموجودين على الجبهة الأمامية لأفكار جديدة . لكن كلمة “الطليعة” لم تعد تعني فقط مجموعة لها أفكارها الخاصة , أي الأقلية الثورية . لقد أصبحت تعني أولئك الذين يعتقدون أنهم يملكون كل الأجوبة و يملكون بالتالي الحق في حكم الآخرين . هذا هو ما يرفضه الأناركيون .
مثلا يقول كراس التيار البلشفي الأممي أن البلاشفة كانوا على حق في الإبقاء على ديكتاتورية الحزب الواحد في المراحل الأولى من تاريخ الاتحاد السوفيتي ( عندما كان لينين و تروتسكي في السلطة ) . يقولون أن هذا كان صحيحا رغم أن غالبية العمال ( عدا عن معظم الفلاحين ) لم يعودوا يدعمونهم . لو أنهم سمحوا بتصويت حر للسوفييتات , لكان العمال و الفلاحون صوتوا ضدهم , منتخبين الاشتراكيين الثوريين اليساريين ( الشعبيين ) , المناشفة ( الاشتراكيين الإصلاحيين ) و الأناركيين . إنهم يزعمون أن هذا كان سيؤدي للعودة إلى الرأسمالية و لسمح بالتالي بصعود فاشية بدائية . سواء كان هذا صحيحا أم لا , فإن التروتسكيون يبررون حكم ديكتاتورية حزب أقلية , لأن هذا الحزب يعرف ما هو الأفضل للشعب . لكن هذه المقاربة لم تؤد إلى الاشتراكية , بل إلى الستالينية , او الثورة المضادة من خلال الحزب . كانت الستالينية توليتارية وحشية بقدر ما كانت النازية . بحسب كراس التيار البلشفي الأممي لم يعد الحزب البلشفي حزبا ثوريا بحلول عام 1924 , ليس بعد ثورة 1917 بوقت طويل . لذلك فإني أستنتج أنه كان من الأفضل للبلاشفة أن يتمسكوا بالديمقراطية الثورية للسوفييتات الأصلية , حتى لو جاء التصويت ضد بقائهم في السلطة . لم يكن ليحدث أسوأ مما حدث .

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=wall

مجموعة أناركية ( لا سلطوية ) لا طليعة لينينية / 2

تعريف بالاشتراكية التحررية / 3

سامح سعید عبود

الصراع الاجتماعى

إذا كنت من الذين لا يملكون إلا قوة عملهم اليدوية أو الذهنية، و من المضطرين لبيعها مقابل أجر لإنتاج السلع والخدمات ، وفى نفس الوقت لا تملك سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بعملك، ذلك لأنك محروم من السيطرة على أى مصدر من مصادر السلطة المادية، وهى وسائل كل من الإنتاج والعنف و المعرفة، و إنك بسبب ذلك الحرمان، مضطر لإطاعة أوامر من يسيطرون على تلك الوسائل، فأنت إذن بروليتارى من البروليتاريين الذين يشكلون جماعة واحدة فى العالم هى البروليتاريا العالمية، و هم عبيد الاضطرار للعمل المأجور سواء لدى رأسالمال أو الدولة، بالاضطرار للخضوع لهما، و الذين توحدهم مصالح و أهداف و ظروف مشتركة بصرف النظر عن اختلافاتهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية واللغوية والثقافية و الجنسية، و بصرف النظر عن مستوى تعليمهم ومعيشتهم، وطبيعة عملهم و محل إقامتهم و أوطانهم، وأصولهم الاجتماعية

البروليتاريون يشكلون الغالبية العظمى من السكان فى المجتمعات الرأسمالية، و فى كل العالم المعاصر، و الطريق الوحيد لانتزاع حقوقهم، و حرياتهم، وتحقيق مصالحهم، و أهدافهم المشتركة، هو وحدتهم الصلبة، و نضالهم المشترك فى كل مكان، بدءا من محل عملهم، وحتى العالم بأسره، وعدم سماحهم بتفتيت هذه الوحدة لأى سبب وتحت أى دعوة فى مواجهة كل هؤلاء الذين يسيطرون على مصادر السلطة المادية سواء الرأسماليين أو البيروقراطيين أو المثقفين المعبرين عن مصالح هؤلاء، و الذين يستغلون البروليتاريين ويضطهدونهم و يقهرونهم و يضللونهم، ويفرقوا بينهم بشتى السبل ليتسلطوا عليهم، ويشكلون بدورهم طبقة أخرى هى البرجوازية العالمية.

المصالح الأولية للبروليتاريا فى ظل المجتمع الرأسمالى، تتلخص فى كفالة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وزيادة ما يمكن أن يحصلوا عليه من إجمالى الناتج المحلى من خلال زيادة حصة عائد العمل “الأجور” بالنسبة لعوائد التملك “الربح والريع والفائدة” ، وهذا مشروط بتوافر درجة عالية من الديمقراطية السياسية والحقوق و الحريات الإنسانية وخاصة النقابية منها التى تتيح للبروليتاريا أدوات المساومة الجماعية مع الدولة و رأسالمال، بما يعنى الإمكانية المستمرة لتحسين ظروف حياتهم وعملهم.

أما المصالح النهائية للبروليتاريا فتعنى تحررها من عبودية العمل المأجور سواء للرأسمال أو للدولة، وخضوعها لأى منهم، وذلك لا يمكن أن يتم إلا بسيطرتها الجماعية على كافة وسائل الإنتاج و والعنف والمعرفة، وإدارتها لشتى شئون المجتمع لصالحها، بواسطة المجالس العمالية والنقابات العمالية والتعاونيات العمالية فى مواقع العمل والمناطق السكنية، و اتحادات تلك المجالس والنقابات والتعاونيات طوعيا من أسفل لأعلى. فإذ كنت بروليتارى وفق التعريف السابق فهذا البيان يتوجه إليك، و إلى كل زملاءك البروليتاريين، ونحن نطمح أن يكون هذا البيان أداة من أدوات كثيرة مطلوبة لتوحيد كل البروليتاريين الناطقين بالعربية، كعملية جزئية من عملية أشمل هى توحيد البروليتاريا العالمية باعتباره الطريق الوحيد لتحررها.

نحن نعرف بالطبع أن هذا الطريق وخصوصا فى منطقتنا بالغ الصعوبة، وأنه يحتاج لخطوات كثيرة لعل أولها أن يتحد البروليتاريون فى منظمات عمالية ديمقراطية ومستقلة عن كل من الدولة ورأسالمال، و ذلك لتنظم نضالهم من أجل مصالحهم وأهدافهم المشتركة، سواء الأولية منها أو النهائية، بداية فى كل وحدة إنتاج وخدمات ثم فى كل حى و مدينة وقرية و إقليم ودولة، وهكذا وصولا للوحدة العالمية للبروليتاريا العالمية، و لأن هذه المنظمات غائبة فى معظم بلدان المنطقة، و من ثم فالمطلوب عملية شاقة تحتاج لنضال دؤوب ومركز وطويل على كل بروليتارى واعى بوضعه الطبقى أن يشارك فيها ما وسعه الجهد.

إننا ننطلق فى رؤيتنا وممارستنا من أن الصراع الاجتماعى الجوهرى الذى لا يجوز أن يسبقه أو أن يحل محله أى صراع اجتماعى أو سياسى آخر هو الصراع بين الطبقتين الاجتماعيتين الرئيسيتين فىى العصر الحديث (البروليتاريا والبرجوازية).

البروليتاريون، هم المحرومين من السيطرة على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وانتاج المعرفة، والذين لا يملكون سوى قوة عملهم، والمضطرون لبيعها مقابل أجر، و لا يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياتهم وعملهم.

البرجوازيون، على النقيض من البروليتاريا، يسيطرون على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وإنتاج المعرفة، ويملكون سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف عملهم وحياتهم، وينقسمون إلى الرأسماليين وهم ملاك وسائل الإنتاج والثروة الذين يشترون قوة العمل المأجور و البيروقراطيين وهو كبار الإداريين والموظفين والساسة والمثقفين المعبرين عن مصالح هؤلاء وأفكارهم، الذين يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياة البروليتاريا وعملها .

سبب الصراع بين الطبقتين هو أن البروليتاريون هم عبيد العصور الحديثة، والبرجوازيون هم سادتها، وأن من مصلحة البروليتاريا أن تتحرر من تلك العبودية للبرجوازيين، ومن ثم فسوف يبقى الصراع بين الطبقتين طالما بقيت تلك العبودية.

تتواجد بين الطبقتين طبقة وسطى من المهنيين والحرفيين والمزارعين والفنيين المستقلين الأحرار الذين لا يعملون لدى أحد، ولا يستأجرون عمل الآخرين، ويطلق عليهم البرجوازيون الصغار الذين يمكنهم التحالف مع البروليتاريا أو البرجوازية حسبما تقتضى مصالحهم، ومن مصلحة البروليتاريا فى إطار صراعها مع البرجوازية أن تدفعهم للتحالف معها، فهم أيضا شركاءها فى الخضوع للبرجوازية التى تستغلهم.

البروليتارى فى تعبير آخر هو المحروم من السلطة نظرا لحرمانه من السيطرة على مصادرها المادية، أى وسائل الإنتاج والعنف المادى أو المعنوى والمعرفة، و البروليتاريون ومعهم البرجوازيون الصغار من المهنيين والحرفيين والمزارعين والفنيين المستقلين الأحرار هم خالقوا كل القيم المادية والمعنوية، وكل الثروات، وهم المحرومون منها فى نفس الوقت، فهم يخلقون بأنفسهم القيود التى تكبلهم بها البرجوازية، لأنهم لا يسيطرون علي الثروات التى يصنعوها بأنفسهم، ومن البديهى أن البروليتاريون لن يتحرروا من عبوديتهم للبرجوازيون سوى بسيطرتهم الجماعية على مصادر السلطة المادية.

الرأسمالية تقوم على استعمال العمل المأجور لإنتاج السلع وتقديم الخدمات، وتستولى لنفسها على الجزء الأعظم من الثروات التى تنتجها قوة العمل البشرى، وأى تجاوز للرأسمالية يعنى إلغاء و تجريم نظام العمل المأجور، كما سبق وألغت وجرمت البشرية العمل الجبرى والمجانى والعبودى بالقضاء على العبودية والإقطاع، وأى مشروع للتغيير الاجتماعى يحافظ على نظام العمل المأجور هو مشروع رأسمالى، وأى يسار لا يهدف إلى إلغاء نظام العمل المأجور و لايدينه هو يسار برجوازى و زائف، وعمليا لا يمكن إلغاء نظام العمل المأجور إلا فى النظام الاشتراكى التحررى.

http://fasail.blogspot.com

مجموعة أناركية ( لا سلطوية ) لا طليعة لينينية / 2

واين برايس

المنظمة الأناركية السياسية الثورية

يبدو أن كثير من الأناركيين يعتقدون أن يوما ما سيأتي عندما سيرى معظم الناس لا جدوى المجتمع السلطوي . أنهم جميعا , كشخص واحد , و في نفس اللحظة , سيفتحون عيونهم على اغترابهم , سينهضون , و يستعيدون مجتمعهم . تسمى هذه الرؤية أحيانا “العفوية” . لسوء الحظ لا تسير الأمور بهذه الطريقة . عموما , بعد انتظار طويل , يصبح الناس أكثر راديكالية بشكل غير متجانس . في الأوقات المحافظة , يصبح الناس ثوريين بالواحد و الاثنين . عندما تصبح الأمور أكثر راديكالية , يصبحون كذلك بالمجموعات و الزمر . ثم عندما تتحرك الأمور إلى فترة من الراديكالية , تصبح طبقات ( بأكملها ) ثورية . أخيرا في فترات الثورة تنهض شعوب بأكملها . لكن كثيرا أو أغلب الأشخاص الذين أصبحوا راديكاليين حديثا لم يفكروا بعد في أهدافهم أو استراتيجياتهم . إنهم يكونون مفعمين بالطاقة لكن مشوشين و غير واثقين حتى يقوموا بترتيب أفكارهم من خلال التجربة . من السهل في تلك الأوقات على الإصلاحيين أن يضللوهم و يقودوهم إلى الطرق القديمة , أو على المجموعات السلطوية أن تقيم حكاما جدد . لقد ظهر هذا كله من كل التاريخ الكئيب لثورات ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا و “العالم الثالث” . أكثرها قربا رأينا النتائج البائسة للثورة الإيرانية التي وضعت آيات الله في السلطة , أو حالة الأرجنتين , حيث أنتجت الثورات الجماهيرية فقط نظاما رأسماليا أكثر يسارية بدرجة محدودة جدا فقط ( لكن النضالات لم تنته بعد في الأرجنتين و بقية أمريكا اللاتينية ) .

عندما تصبح مجموعات و فئات من الشغيلة راديكالية , تتوفر لهم الفرصة لينظموا أنفسهم لينشروا أفكارهم بشكل فعال بين بقية السكان ( الذين لم يصبحوا راديكاليين بعد ) . هذا لا يتناقض مع التنظيم الذاتي لكل المضطهدين . إنه جزء عضوي من هذا التنظيم الذاتي .
ستتنظم الكثير من المجموعات حسب القواعد السلطوية ( إما الإصلاحية أو في سبيل قيادة ثورية جديدة ) . هذا سيحدث حتما بما أن السلطوية هي كل ما نعرفه . لكن هناك فرصة بأن يقوم البعض بتنظيم أنفسهم في اتجاهات تحررية مساواتية تعاونية – أي أنهم سيصبحون أناركيين أو لا سلطويين . هذا مهم جدا إذا كان علينا ألا نكرر التاريخ الكارثي لهزيمة الثورات العمالية .
ستساعد المنظمة السياسية اللاسلطويين في أن يتحدثوا مع بعضهم البعض , أن يعلموا بعضهم البعض , يطوروا نظريتهم , و تكتيكاتهم و استراتيجيتهم , تحليلهم لما يجري و ما يمكن فعله , و رؤيتهم لما يمكن لمجتمع اشتراكي أن يبدو عليه . يمكنهم مناقشة ما تعلموه من الآخرين و ما يمكن أن يقدموه لتعليم الآخرين . كونهم جزء من منظمة يمكن أن يساعدهم بمقاومة التأثير المحافظ و المحبط لبقية المجتمع عليهم . شيء يشبه ما قصده الأناركي بول غولدمان عندما قال “يكفي إيجاد و تشكيل فرقة , مائتين , من المتشابهين في أفكارهم , لنعرف أننا عقلاء رغم أن غالبية المدينة من المجانين” .
المسألة هنا هي العلاقة بين الأقلية التي توصلت إلى استنتاجات ثورية و الغالبية غير الثورية في معظم الأوقات – ما عدا في الأوقات الثورية . ( حقيقة أن الغالبية قد أصبحت ثورية هي بالتعريف ما يجعل فترة ما ثورية ! ) . الأناركيون العفويون و المعادون للتنظيم لا يروا أن هذه مسألة تستحق , إنهم ينكرون أنها موجودة . بالنسبة إليهم حتى الحديث عن أقلية ثورية يعني أنك سلطوي . إنهم يعيشون في حالة إنكار . من الممكن مواجهة أخطار السلطوية فقط إذا اعترفنا أنها يمكن أن تنشأ من الانقسام بين أقلية ثورية و بين الأغلبية . الأناركية التي تؤيد فكرة التنظيم هي طريقة للتعامل مع هذا الانقسام , للتغلب عليه من خلال سياسات عملية , إنها طريقة متمايزة ( مختلفة ) عن اللينينية .
سيكون للفيدرالية الأناركية الثورية مهمتين مرتبطتين ببعضهما , داخل المنظمات الشعبية الأكبر . الأولى هي النضال ضد كل المنظمات السلطوية التي ستظهر حتما : الستالينية , الاشتراكية الديمقراطية , الليبرالية , الفاشية , الخ . كل هؤلاء سيحاولون إضعاف ثقة العمال بأنفسهم , و إضعاف المبادرة الشعبية . سنناضل ضد هذه المجموعات , سنحاربها و سنشجع العمال , النساء , الأقليات العرقية و القومية , الخ , على أن يثقوا بأنفسهم , و أن يستولوا على السلطة لأنفسهم , و أن يعتمدوا على أنفسهم و ليس على أي مخلص من أعلى .
المهمة الأخرى المرتبطة مع الأولى هي إقامة تحالفات مع أي أفراد أو مجموعات يمكننا التحالف معهم – مع أي شخص يسير في اتجاهنا . لا أحد يملك كل الأجوبة . مثلا في مجتمع هائل كأمريكا الشمالية , من المستبعد أن نجد منظمة واحدة ( “طليعة” ) تجمع أفضل المناضلين و أفضل الأفكار . يجب على الأناركيين الثوريين أن يكونوا مستعدين ليشكلوا جبهات متحدة مع أية مجموعة تتطور في الاتجاه اللاسلطوي .
كثير من هذه القضايا طرحت في المؤتمر الأناركي العالمي ( الأممي ) عام 1907 في أمستردام . الذي حضره قرابة 80 أناركي من كل أوروبا , من شمال و جنوب أمريكا , و أمكنة أخرى , بما في ذلك معظم الشخصيات المعروفة في ذلك الوقت , مثل إيما غولدمان . من بين المواضيع التي نوقشت فيه , حث بيير موناتي , و هو أناركي نقابي فرنسي , الأناركيين على التوجه إلى النقابات للمساعدة في تنظيمها و بنائها . قال أنه هذه هي الطريقة لكي يكسر الأناركيون عزلتهم في دائرة ضيقة , و مشاركتهم في تمردات عديمة الجدوى ( و بالنسبة لقلة منهم ) في الإرهاب . أعلن أنها الطريق بالنسبة للأناركيين ليقيموا الصلات مع العمال و ليشاركوا في حياتهم و في نضالاتهم .
ممن تحدث ضده كان الأناركي الشيوعي الإيطالي إيريكو مالاتيستا . ( هذه الأوصاف خادعة بما أن الأناركيين النقابيين يوافقون على أن هدفهم هو الأناركية الشيوعية , بينما يوافق الأناركيون الشيوعيون على أن النقابات مفيدة ) . وافق ملاتيستا على أنه من المهم بالنسبة للأناركيين أن يشاركوا في النقابات . لكنه اعترض على الفكرة الضمنية بأنه على الأناركيين أن يحلوا أنفسهم في النقابات . حذر أن هذا خطير لأنه على النقابات بسبب طبيعتها الخاصة أن تجتذب العمال الذين لديهم اختلاف كبير في مستوى وعيهم , محافظين و اشتراكيين دولتيين إضافة إلى الأناركيين . في نفس الوقت فإن مهمة النقابات هي التفاوض على ظروف عمل أفضل و على أجور أفضل تحت الرأسمالية طالما لا يوجد هناك وضع ثوري . أي أنه على النقابات أن تتكيف مع كل من الوعي الأكثر محافظة لغالبية أعضائها و مع الضرورات العملية للسوق الرأسمالية . لذلك استنتج مالاتيستا و آخرون أن العمال الأناركيين يحتاجون أيضا أن ينظموا أنفسهم في منظمات أناركية خاصة , ليناضلوا في سبيل الأفكار الأناركية . أن عليهم أن يعملوا داخل و خارج النقابات , و أن يتعاملوا ليس فقط مع مسائل النقابة بل مع كل نضال ضد الاضطهاد في أية طبقة .
( بشكل دقيق يعرف كثير من اليساريين اليوم بالتفصيل نقاش لينين مع “الاقتصاديين” – و هم ماركسيون أرادوا التركيز فقط على تنظيم النقابات – كما لخص في كتاب لينين ما العمل ؟ لكنهم لا يعرفون أي شيء عن النقاش بين مالاتيستا و مونتاي الذي تناول نفس القضية . لذلك يلاحظ تروتسكيو التيار البلشفي الأممي و المفاجأة واضحة عليهم , ” … لدي البلاتفورميين سجل من المشاركة في النضالات لتوسيع و تطوير الحقوق الديمقراطية .. هذا يظهر تفهما متطور نسبيا لآلية عمل الدولة الرأسمالية , و هو متطابق مع فهم لينين ( في ما العمل ) …” ) .
كان مونتاي محقا في أهمية انضمام الأناركيين إلى النقابات . بهذه المقاربة سيكسر الأناركيون عزلتهم و يكسبوا نفوذا كبيرا بين العمال و غيرهم . لكن مالاتيستا كان أيضا على صواب . النقابة الفرنسية التي كانت ذات يوم على قدر عالي من الكفاحية CGT أصبحت أكثر فأكثر محافظة . كل ما احتفظ به قادة النقابة من أناركيتهم الأصلية هي الرغبة بالإبقاء على النقابة مستقلة عن الأحزاب السياسية . عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى قدمت هذه النقابات الفرنسية دعمها للحرب و للحكومة . انتقل مونتاي عندها إلى معارضة بيروقراطية النقابات و موقفها الداعم للإمبريالية .
كان الأناركيون النقابيون الإسبان مدركين لما حدث في فرنسا و رأوا في النقابات الإسبانية CNT اتجاهات مشابهة . لكن على عكس النقابيين الأناركيين الفرنسيين , نظم الأناركيون الإسبان أنفسهم في فيدرالية أناركية خاصة , FAI , داخل ال CNT . لذلك كانوا قادرين على مواجهة الميل البيروقراطي النقابي ( و فيما بعد الشيوعيين ) . أيا تكن أخطائها النهائية فإن الفيدرالية الأناركية الإيبيرية FAI تبقى مثالا مهما بالنسبة للأناركيين المؤيدين لفكرة التنظيم .

تعريف بالاشتراكية التحررية / 2

سامح سعید عبود

جذور الاستغلال والقهر

السلطة القمعية التى يمارسها البشر فى مواجهة بشر آخرين لها أسباب واقعية، و ما القهر و الاستغلال سوى نتائج مرة لهذه الأسباب، وأنت لا يمكن أن تقضى على النتائج مع استمرار وجود الأسباب، وهى أسباب لا علاقة لها بإرادة و وعى كلا من المتسلطين والمتسلط عليهم، القاهرين والمقهورين.

السلطة القمعية ليست سلوك يمكن وصفه بالحسن أو القبيح، ترجع لأخلاق من يمارسها، ربما تتدخل الأخلاق فحسب فى مدى سوء أو حسن استخدام السلطة القمعية، فيمكن أن يكون هناك حاكم جيد أو صاحب عمل لطيف أو مدير طيب، إلا أن هذا لا يعنى أن أى منهم لا يمارس القهر والاستغلال على من يخضعون له، مثلهم مثل الحاكم السىء، وصاحب العمل الشرس، والمدير الشرير

ترجع السلطة القمعية بصرف النظر عن حسن ممارستها من الطيب واللطيف والجيد أو سوء ممارستها من الشرير والشرس والسىء، لسيطرته على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، و هى مصادر السلطة المادية، واحتكارها لنفسه، وحرمان الخاضع لها من السيطرة على تلك المصادر، والمسألة ليست معقدة، و إنما يمكن أن يفهمها ويلاحظها كل إنسان.

فمن يملك وسائل الإنتاج يتحكم فى المحروم منها، برغم المساواة القانونية بين المالك الحاكم، والمحروم المحكوم، فمن يملك الطعام قادر على إجبار الجائع على تنفيذ ما يريده هو لا ما يريد الجائع، و الذى لابد وأن يقبل شروط مالك الطعام حتى يعطيه ما يملأ معدته، ويستطيع الجائع أن يخدع نفسه بأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، و هذا صحيح، ولكن بشرط توافر الخبز أولا، فحتى يستطيع الإنسان ممارسة أى نشاط آخر غير الأكل، عليه أولا أن يملأ معدته بالطعام، و إلا لن يكون باستطاعته الحياة ليمارس أى نشاط.

من يملك وسائل العنف سواء كانت تلك الوسائل قوة عضلية أو سلاح قادر على إجبار الأضعف عضليا أو الأضعف تسليحا أو الأعزل من السلاح على تنفيذ ما يريده، وليس على الضعيف أو الأعزل إلا أن يستجيب لإرادة الأقوى لو أراد لنفسه الحياة والسلامة، وينطبق هذا على من يملك سلطة اتخاذ القرار بحكم منصبه كالرئيس والحاكم والظابط والمدير، القادر على اجبار المحكومين و المرؤوسين والجنود والعمال على تنفيذ ما يريده هو بصرف النظر عن إرادتهم و رغباتهم .

من يملك وسائل المعرفة على نحو أكبر أو يحتكرها لنفسه دون الآخرين، قادر على السيطرة على من لا يملك منها إلا القليل أو من لا يملكها على الإطلاق، فشخص يعرف الطريق لابد و أن يقود من لا يعرفه للسير فيه، وما دمت لا تعرف إلى أين تتجه فما عليك سوى الاستجابة لنصيحة من يعرف.

هذه هى الأسباب الواقعية للاستبداد والاستغلال، و لا يمكن أن تقام أى علاقات اجتماعية سواء أكانت علاقات عمل أم علاقات أسرية أم علاقة صداقة تخلو من الاستبداد والاستغلال، إلا إذا تساوى الداخلين فى تلك العلاقة فى سيطرتهم على كل مصادر السلطة المادية الثلاثة على نحو متساو، فطالما سيطر أحد أطراف العلاقة منفردا على أى من هذه المصادر فأنه لا مفر من استبداده بالآخرين واستغلالهم، من الذين لا يسيطرون عليها مثله، وهى عملية منفصلة عن نية وأخلاق من يمارسها، ورغم أن هذه بديهيات لا تحتاج للبرهنة عليها، إلا أننا مضطرين لتوضيحها دائما، لأن القوى السياسية التسلطية المختلفة، تدعى دائما، بامكانية تحقيق الحرية الفردية والأخاء والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية دون القضاء على انقسام المجتمع بين من يسيطرون على مصادر السلطة المادية، وبين من لا يسيطرون عليها.

نشأ كل من الاستغلال والقهر عبر التاريخ البشرى إذن من انفصال السلطة القمعية عن إرادة البشر الخاضعين لها، و التى يمارسها الإنسان المتسلط على الإنسان المتسلط عليه، تلك السلطة الناتجة عن سيطرة المتسلطين على مصادر السلطة المادية دون المتسلط عليهم، ذلك لأن كل سلطة هى مفسدة، و كل سلطة مطلقة هى فساد مطلق، فالسلطة الفاسدة بطبيعتها، و فى حد ذاتها، تمنح الفرصة للإنسان المتسلط لأن يمارس استغلاله للإنسان المتسلط عليه وقهره أيضا.

ومن هنا فالقضاء على الاستغلال والقهر، لا يمكن أن يتحقق إلا فى إلغاء أسبابه الواقعية، و هو السلطة القمعية المنفصلة عن إرادة البشر وحريتهم، وذلك لا يتأتى إلا بالسيطرة الجماعية الكاملة على مصادرها المادية الثلاثة أى وسائل كل من الإنتاج والعنف والمعرفة، فلن يتم إنهاء العلاقات الاستغلالية والقمعية بين البشر، بالوعظ أو بالقمع، و لا بأوهام المستبد العادل، و انتظار تحلى البشر بالحكمة وحسن الخلق، والحكمة تقتضى أن عليك أن تقضى على الجرثومة المسببة للمرض بدلا من مجرد تخفيف الأعراض الناتجة عنها، و الجرثومة هى سيطرة الرأسماليين والبيروقراطيين على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، سواء عبر ملكية الأفراد الخاصة أو ملكية الدولة العامة، والجرثومة هى فى استمرار الناس فى الإنقسام بين من يملكون ومن لا يملكون، من يأمرون وبين من عليهم إطاعة الأوامر.

http://fasail.blogspot.com