استعادة العلمانية إلى التحررية

مازن كم الماز

يعود الفضل للكثير من المفكرين الاشتراكيين , من بينهم ماركس , في التشديد على العلاقة الأساسية بين الفكر و القوى الطبقية و الاجتماعية التي يعبر عنها , من هذه النقطة يمكن أن ننتقل لنقول أنه في السنوات , و العقود , الأخيرة لم تعد العلمانية ذات طبيعة تحررية بالمطلق و كفت منذ وقت طويل عن أن تلعب دورا تحريريا للإنسان في شرقنا , على العكس تماما فقد كانت قد أصبحت فكرا سلطويا يدافع و يبرر ديكتاتورية أنظمة توليتارية من سوريا و العراق إلى مصر و تونس، و مع استخدامها كغطاء فكري لجرائم أنظمة توليتارية أو حتى فاشية كان من المنطقي أن تجد القوى الاجتماعية المعادية لهذه الديكتاتوريات في ضد العلمانية الفكري تعبيرا عن رفضها و مقاومتها للقمع و الاضطهاد الذي تتعرض له , لكن ضد العلمانية السلطوية هذا لا يمكن هو أيضا أن يحمل أي طبيعة تحررية أو تحريرية للإنسان , و خاصة لتلك الطبقات الاجتماعية التي اعتبرته مدخلا لمقاومتها للاضطهاد الذي تتعرض له و بالتالي لحريتها , ليست الأصولية الإسلامية إلا خطابا سلطويا تقليديا , كان لقرون خطابا رسميا لأنظمة مغرقة في عدائها للإنسان خاصة للإنسان في أسفل تلك المجتمعات و متطرفة في انتهاكها لحريته و حياته و حقوقه , هناك قاعدة بسيطة جدا , لا يمكن استخدام السيف إلا للقتل و لا يمكن في كل مرة يرفع فيها إلا استخدامه للقتل فقط , كان هذا بالضبط ما فعلته تلك الخطابات الأصولية على مدى قرون ( ليس في الشرق وحده فقط ) و لا تلغي خصومتها اليوم لعلمانية ديكتاتوريات فاسدة و همجية مثل أنظمة الأسد و بن علي و مبارك حقيقة أنها هي نفسها نتاج لديكتاتوريات تاريخية مشابهة و أنها الآلية الأهم في إعادة إنتاج هذه الديكتاتوريات في نفس الوقت , من الأكيد أيضا أن القوى السلفية و الإخوان في مناوراتهما الأخيرة في ميدان التحرير بالأمس إلى جانب القوى الاجتماعية السائدة : البرجوازية , و إلى جانب العسكر الحاكمين اليوم في مصر و الذين يمثلون امتدادا مباشرا لنظام مبارك و يحاولون بكل الوسائل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذلك النظام , قد كرروا مساوماتهم السياسية التقليدية مع الأنظمة القائمة ( بما فيها نظام مبارك نفسه من قبل ) منذ نشوء الإخوان في أواخر العشرينيات و في علاقة الحركة السلفية الوثيقة بديكتاتوريات فاسدة و دورها في خدمة تلك الأنظمة من الأنظمة القراقوشية القروسطية إلى امتداداتها البترودولارية المعاصرة في الخليج , لكن هذا ليس إلا الوجه الأول من العملة , الوجه الآخر يتعلق بالحداثة نفسها , فخلافا لمحاولة تقديم هذه الحداثة ككتلة صماء , كحركة وحيدة , كما يقول معظم الحداثيين العرب , فالحداثة في الحقيقة و منذ لحظة ظهورها ضمت قوى و تيارات مختلفة إن لم تكن متناقضة , في كتاب الإمبراطورية الذي قدم فيه الفيلسوف الإيطالي الماركسي أحد دعاة الحركة العمالية workerism في الستينيات و من ثم الداعين إلى التسيير الذاتي أنطونيو نيغري و الاقتصادي الأمريكي مايكل هاردت تحليلا للرأسمالية المعاصرة المعولمة و لصعودها , يقول نيغري و هاردت أن التيار الاول في الحداثة كان يهدف إلى اكتشاف و إطلاق العنان للكمون الإنساني , في مرحلة لاحقة ظهر تيار آخر عمل بكل قوة على لجم التيار الأول و تمكن من انتزاع السيطرة فيما بعد على المجتمع و من تقييد التيار الأول , لكن التوتر بقي قائما بين التيارين و هذا التوتر هو أساس أزمة المجتمعات الرأسمالية المعاصرة اليوم أيضا , هذا الاقتباس ضروري لنقول أن الحداثة البرجوازية و من ثم الاشتراكية لم تكن تيارا واحدا , بل مجموعة تيارات متناقضة و متنافسة أو متنازعة فيم بينها ( يكفي هنا أن نذكر لنبين التناقض بين تيارات الحداثة أن بداياتها ضمت كوبرنيكوس و جوردانو برونو و غاليلو إلى جانب كالفن و لوثر آباء “العقلانية” البروتستانتية التي اعتبرها ماكس فيبر ضرورية لظهور و تطور البرجوازية , مارتن هذا تساءل مرة كيف يمكن لكوبرنيكوس أن يضع عقله فوق الروح القدس ؟ ) , المؤسف أن الحداثيون العرب تعرفوا منذ بداية عصر ما يسمى بالنهضة العربية على التيار الثاني في الحداثة و حلموا بنقله و غرسه في التربة الشرقية بصورة أنظمة و دول على النمط البورقيبي الأتاتوركي أو الستاليني التوليتاري ( الناصري – البعثي ) بالضرورة , كان هناك تيار آخر علماني , تحرري , لكنه بقي هامشيا , أقرب للصعلكة الفكرية و الحياتية منه إلى تيار شعبي , ضد هذا الشكل السلطوي القمعي , الذي بدأ في أوروبا نفسها بمحاولة السيطرة على الآفاق الهائلة أمام الحرية و الكمون و العدالة و المساواة الإنسانية , و الذي تطور لدينا إلى شكل سلطوي بغيض و مقزز من القهر و القمع , في مواجهته بالذات تنهض الجماهير اليوم , لكن بدلا من هذه العلمانية الفوقية النخبوية و القمعية اقترحت قوى اجتماعية و سياسية و فكرية منافسة خطابها الفوقي القمعي التوليتاري هو الآخر و بالتالي ديكتاتوريتها الخاصة بها , كانت هذه هي قوى الإسلام السياسي , مثل الفاشية فإن الإسلام السياسي يتميز بأنه ثوري و تقليدي في نفس الوقت , أو ثوري و رجعي في نفس الوقت , و حتى معادي للرأسمالية ببلاغته الخطابية بينما هو في الواقع يمثل مخرجا لأزمة الرأسمالية القائمة , و مثل الفاشية فإن الإسلام السياسي يقوم على فكرة شعبوية مطلقة , بسيطة و حتى ساذجة ببساطتها , لكنه في نفس الوقت بقوم على مؤسسات نخبوية مطلقة تشكل المركز الحقيقي , التجسيد “الواقعي” لتلك الفكرة الشعبوية , التي رغم شعبويتها فإنها لا تعني أبدا أن تمارس مباشرة من قبل الناس العاديين , و هي أيضا تمارس ضد الهراطقة فقط بشكل عرضي و مؤقت لكنها تمارس بشكل مستمر و دائم و يومي ضد الناس العاديين الموالين لتلك النخبة أساسا , في كتابه الفاشية , و مناهضة الفاشية للشيوعي اليساري غيلز دوف , يقول الأخير أن الفاشية ليست فقط محاولة من البرجوازية لإنقاذ نظامها , إنها أيضا نتيجة لفشل مزدوج , هزيمة الثوريين على يد الاشتراكيين الديمقراطيين و الليبراليين و من ثم فشل الأخيرين في إدارة و تنظيم أمور رأس المال بشكل فعال , و يشير دوف أيضا إلى خاصية مهمة لمناهضة الفاشية , هي أنها تقدم نفسها كقوة راديكالية فقط بسبب مناهضتها للفاشية في نفس الوقت الذي تؤدي فيه مناهضة الفاشية إلى خلق مواقف مشوشة من رأس المال و الدولة و تؤدي إلى المساومة معهما و التخلي عن السياسات الثورية , كانت أطروحة الجبهة الوطنية المعادية للفاشية تقوم على المساومة مع رأس المال و الدولة القمعية بحجة أولوية معاداة الفاشية , لكن الكاتب يؤكد أن إغماض العين عن حقيقة أن الفاشية هي اتجاه مؤقت داخل رأس المال و الدولة نحو الشمولية – التوليتارية , يعني في الحقيقة مناهضة النتيجة ( الفاشية ) دون السبب ( هيمنة رأس المال و الدولة ) , يذكر دوف أنه إذا كانت الإيديولوجيا السائدة يومها ( السبعينيات ) تطلق على الجنرالات التشيليين و اليونانيين صفة الفاشية فإن هؤلاء ليسوا في الحقيقة سوى تنويعات مختلفة للدولة البرجوازية , و يشير إلى أن القراءة السائدة التي وضعها المنتصرون ( بريطانيا و أمريكا الإمبرياليتان و روسيا الستالينية ) بعد الحرب العالمية الثانية للفاشية استخدمتها لتبرير كل شيء وصولا لاستخدام القنبلة النووية و لمعسكرات الاعتقال الجماعي أو العمل العبودي في معسكرات الكولاك الستالينية , اليوم أيضا تستخدم الأصولية كمبرر لما يفعله طغاة عتاة كعلي عبد الله صالح , القذافي , بشار الأسد , يسمي البعض ممن يصفق لشبيحة بشار الأسد أنفسهم علمانيون , إذا كانوا يملكون ما يكفي من الوقاحة لفعل هذا , إذا كانوا يستطيعون النوم على مناظر الجثث و صراخ الضحايا , على مشاهد القتل الفاجر الذي يمارسه الأسد فهذا حقهم , لكن هذا بالتحديد ما نحاول اليوم أن نواجهه لكي تصبح العلمانية بالفعل شعارا لتحرر الإنسان , لكي نعيد الاعتبار للتيار الأول العلماني الحداثي الذي كان قد حارب لعقود و قرون ضد القيود التي فرضت على الإنسان , على حريته , على جسده و على عقله و روحه أيضا , قبل أن يقع تحت هيمنة تيار السلطة , تيار البرجوازية , تيار النخبة الاجتماعية و الفكرية و السياسية السائدة , تذكروا أن موسوليني كان قبل الحرب العالمية الأولى قائدا بارزا في الحزب الاشتراكي الإيطالي الماركسي , و عضوا في تحرير جريدته المركزية أفانتي أو رئيسا لتحريرها , بانتقاله نحو الفاشية كان كل ما فعله هو أنه تحول من إيمانه بأن نخبة طليعة البروليتاريا هي المخولة بتخليص الإيطاليين إلى الإيمان بنخبة فاشية , كان عليها أن تعيد أمجاد إيطاليا من جديد , إننا كعقلانيين لا نعتقد أن الأصولية الإسلامية هي نتاج للسماء , إنها نتاج لأزمة الطبقات المسيطرة و لأزمة الدولة القائمة , صحيح أنها تتألف اساسا من الطبقات الوسطى و الفقيرة حتى لكن قيادتها تنتمي أو ترتبط بالطبقة المالكة بقوة ( في مصر على الأقل , و في سوريا فإن علاقة الإخوان بالبرجوازية المدينية معروفة خاصة في فترة صعود اليسار السوري في الخمسينيات ) , إنني أعتقد أن مواجهة الأصولية الإسلامية دون مواجهة البرجوازية و الدولة التي تنتجها هو أيضا هراء , الأصولية الإسلامية ليست حركة معلقة في الهواء , إنها نتاج لتطور البرجوازية و رأس المال و الدولة القائمة بالفعل , و مواجهة الأصولية دون مواجهة أسبابها العميقة في الدولة الاستبدادية و في هيمنة راس المال على الاقتصاد هو هراء , هراء جديد , فقط لتذكير علمانيي النظام السوري فإن إيران نفسها حليفة نظام الأسد , و نتاجها اللبناني أي حزب الله , ليست إلا نتيجة لعلمنة قمعية معادية للإنسان على طريقة نظام الأسد كان بطلها في إيران نظام الشاه الفاسد , لقد ظهرت ديكتاتورية الملالي في طهران كرد فعل على ديكتاتورية ذات غطاء و وجه علماني كنظام الأسد تماما , و ديكتاتورية الملالي تلك في طهران ليست إلا شكلا همجيا من الأفكار التي يزعم علمانيو نظام الأسد مواجهتها في الشارع السوري الثائر تحت شعار الحرية أساسا , طبعا هذه التناقضات الجدية و المريعة بين الفكر و الممارسة عادية جدا بالنسبة لأتباع الديكتاتوريات , يكفي أن نذكر أن علمانيي النظام ليسوا إلا جزء من جبهة أكبر تضمهم إلى جانب البوطي الذي عبر في مناسبات عدة عن احتقاره لحرية الفكر و التعبير التي يحتقرها علمانيو النظام المدعون كاحتقارهم للإنسان نفسه و آخرون كل مهمتهم هو تبرير قمع و نهب الشعب السوري من طغمة آل الأسد , أما فيما يتعلق بمصر فإنني أقر تماما بأن الرفاق الفاعلين على الأرض هم الأقدر على إيجاد السبل و التكتيكات الضرورية لمواجهة الوضع و القوى الإسلامية التي تنتقل بسرعة إلى مصاف الثورة المضادة بفعالية , لكني أعتقد أنه على القوى اليسارية أن تمارس دعاية هجومية تقوم على شعار مركزي هو الحرية بين قواعد الأصوليين بالتحديد و ضد مناورات قياداتهم إلى جانب المجلس العسكري و ضد الثورة , في تعليق سابق للرفيق إلهامي الميرغني على نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية قال أن الملايين التي صوتت ضد التعديلات هي التي ستشكل المجال الذي على القوى و الأحزاب اليسارية أن تبحث بينها على أنصار و أعضاء لها , أنا شخصيا ضد هذه الفكرة , مع تحفظي الشديد بأنه قد يكون رأي الرفيق إلهامي هو الأقرب للصحة من حيث قربه من الوضع على الأرض , لكني أظن أن الملايين التي صوتت اعتمادا على فتاوى الإخوان و السلفيين هي التي تشكل المجال الضروري الذي يجب على اليسار و قوى شباب الثورة أن يعملوا بينه و بقوة , أنا مع التركيز على مركزية شعارات الحرية , حرية الجميع , و ما تعنيه من رفض و إلغاء لكل القيود على التفكير , و التعبير , أنا مع التركيز الشديد على شعار العدالة و المساواة , الذي لا يمكن فصله في الواقع عن شعار الحرية , الحرية لا تكون إلا بين المتساوين الأنداد و لا معنى لها في مجتمع منقسم بين سادة و عبيد , بين من يملك و من لا يملك , بين من يحكم و من عليه أن يطيع و أزعم أن هذه هي الشعارات التي يمكنها أن تكون أساس مشروع بديل لاستكمال الثورة , تذكروا أن كل القوى الثورية حقا تكون غالبا بعد الثورة أو في الطريق إليها تحررية ايا تكن نواياها أو حقيقة خطابها , كان لينين بين فبراير و أكتوبر 1917 الأكثر تحررية في اليسار الروسي يومها ( إلى جانب اللاسلطويين طبعا ) , شعار كل السلطة للسوفييتات لم يكن إلا شعارا تحرريا بامتياز و لو أنه في الممارسة مسخ إلى كل السلطة للحزب ثم على كل السلطة للزعيم , أيضا كتابه الذي كتبه في ذلك الوقت أي الدولة و الثورة يعتبر تحرريا أكثر منه ماركسيا أرثوذوكسيا , رغم أنه سيدوس عليه بقدميه بعد أشهر فقط لصالح ديكتاتورية الحزب الواحد و أخيرا لصالح ديكتاتورية البيروقراطية الحزبية – الدولتية , أخيرا تلقيت بسعادة بالغة بيان عدد من القوى السياسية المدنية و المجموعات الثورية ردا على عدم التزام القوى الإسلامية بجمعة الوحدة الوطنية , لا يجب السماح لا للإخوان و لا لمحمد حسان و لا لغيرهم بالطبع بأن يفرضوا رأيهم على الشارع أو أن يخيفوه و يهددوه , إن التهديد بالسلفيين و بشعاراتهم هو إلى جانب البلطجية الذين شاركوا في اعتداء العباسية على المحتجين ليست إلا أسلحة يستخدمها المجلس العسكري ضد الثورة , إن الإصرار على استمرار الاعتصام ضروري جدا , فالخضوع للمجلس العسكري و بلطجيته و للقوى التي دفعها ضد الثورة سيعني فقط نهاية لزخم الثورة في الشارع و بالتالي سقوط الثورة الفعلي , يجب أخيرا ملاحظة أن هذا الحشد من السلفيين لا يعني كثيرا في حد ذاته , فقد ارتكبت القيادات السلفية و الإخوانية خطأ جسيما عندما اصطفت علنا ضد الثورة و ضد مطالبها التي لم يتحقق منها أي شيء , إنها تسمح لذلك بتثوير جديد للجماهير هذه المرة على حسابها هي بالذات و لصالح استكمال الثورة , يحاول الكثيرون اليوم أن يجعلوا من العلمانية قوة تحرير , شعارا لتحرير للإنسان من كل القيود التي تكبله , لا خطابا لتمجيد الطغاة و القتلة , هذه هي العلمانية التي ستكون أحد شعارات تحرير الإنسان , أحد شعارات الشرق الجديد , لا شرق الطغاة , بل شرق الجماهير الحرة

بوينافيتورا دوروتي 1896 – 1936

ترجمة: مازن كم الماز

اختزال قصة حياة واحد من أكثر الشخصيات أسطورية في عدة مئات من الكلمات ليست بالمهمة السهلة . يمكن القول دون مبالغة أن بوينافيتورا دوروتي أصبح يرمز في شخصه للنضال الجريء للعمال و الفلاحين في هذا البلد ( إسبانيا ) , و أصبح رمزا بشكل خاص للاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية .
ولد دوروتي في عائلة عامل سكك حديد في 14 يونيو حزيران 1896 في ليون , و هي مدينة في مركز إسبانيا . عندما بلغ 14 عاما ترك المدرسة ليصبح ميكانيكيا تحت التمرين في محطة السكك الحديدية . مثل والده , انضم إلى الاتحاد النقابي الاشتراكي UGT . شارك بنشاط في إضراب أغسطس آب 1917 عندما خالفت الحكومة اتفاقا بين النقابة و أصحاب العمل .
سرعان ما تحول هذا إلى إضراب عام في كل المنطقة . جلبت الحكومة الجيش و تم سحق المضربين خلال 3 أيام . تصرفت القوات بوحشية مفرطة , فقتلت 70 عاملا و جرحت 500 . و اعتقلت 2000 من العمال المضربين .
تمكن دوروتي من الهروب إلى فرنسا حيث اتصل مع لاسلطويين ( أناركيين , تحرريين ) منفيين , و انتهى به الأمر إلى الانضمام إلى الاتحاد النقابي اللاسلطوي ( التحرري – الأناركي ) CNT الكونفيدرالية الوطنية للشغل عند عودته في يناير كانون الثاني 1919 . انخرط في النضال ضد أصحاب العمل الديكتاتوريين في مناجم أستوريا و اعتقل لأول مرة في مارس آذار 1919 , لكنه هرب و قضى العقد و نصف التاليين في النشاط في صفوف الكونفيدرالية الوطنية للشغل و الحركة اللاسلطوية .

في هذه السنوات نراه منخرطا في عدة إضرابات أحيانا و في المنفى أحيانا أخرى . لقد “صدرت” الحكومة الإسبانية الثورة بشكل غير متعمد , عندما انضم دوروتي و صديقه المقرب فرانشيسكو آسكاسو إلى النضال من أجل الحرية حيثما حلوا , في كل من أوروبا و أمريكا اللاتينية .
سقطت الملكية الإسبانية في 1931 و انتقل دوروتي بعدها إلى برشلونة بصحبة رفيقته الفرنسية إيميلين , و هي حامل بابنتهما كوليتي . انضم هناك إلى الفيدرالية اللاسلطوية الإيبيرية و هي منظمة لاسلطوية , و شكل مع مناضلين آخرين مجموعة “نوسوتروس” . كان هؤلاء أعضاء في الكونفيدرالية الوطنية للشغل ذا اتجاه راديكالي لم يكن لديهم أية أوهام فيما يتعلق بالجمهورية التي أعلنت للتو , معتبرين أن الوقت كان ناضجا للتقدم نحو ثورة اجتماعية .
مع الانتصار الانتخابي للجبهة الشعبية الإصلاحية – الليبرالية في فبراير شباط 1936 , كان اليمين و اليسار في طريق الاصطدام ببعضهما , و قد بدأ هذا الصدام بسرعة كبيرة مع تمرد فرانكو العسكري في 19 يوليو تموز 1936 . واجهت الكونفيدرالية الوطنية للشغل و الفيدرالية اللاسلطوية الإيبيرية الجيش بشجاعة , و قامت بتنظيم و تحريك الجماهير – كانت هذه هي الثورة الإسبانية .
محققين الانتصار في أكثر مناطق إسبانيا رغم تفوق الفاشيين في الأسلحة و الموارد . كانت مشاركة اللاسلطويين حاسمة في مقاومة الفاشيين في كل البلاد و في كتالونيا هزم اللاسلطويون المتمردين لوحدهم , كان دوروتي أحد أكثر المقاتلين جرأة في هذه المعركة . و في هذه اللحظة بالذات فقد فرانشيسكو آسكاسو حياته .
في 24 يوليو تموز 1936 و من برشلونة , حيث بدأ هدف اللاسلطويين في سلطة العمال و الديمقراطية المباشرة و الحرية يصبح حقيقة , غادر دوروتي مع رتل مسلح باتجاه ساراغوسا , التي كان الفاشيون يحتلونها . تقدمت هذه الميليشيا العمالية عبر المعارك القاسية , هذه الميليشيا التي لم يكن فيها ضباط أو مظاهر البهرجة العسكرية الأخرى , و أنقذت جبهة آراغون أمام قوات نظامية أفضل تسليحا .
على التوازي مع هذا دعمت القوات اللاسلطوية تحولا اجتماعيا كان يعني إقامة تعاونيات زراعية في آراغون , مزعجة الأحزاب السلطوية الشيوعية و الاشتراكية , التي كانت تعتبر أنه لا يمكن كسب الحرب بينما هناك ثورة كهذه . بحرب أو من دونها لم يكن هؤلاء الحكام المستقبليين يحبون أبدا ديمقراطية العمال الحقيقية .
بعد تحرير آراغون قابل بيير فان باسن من جريدة تورنتو ستار دوروتي , الذي أخبره , “بالنسبة لنا , إنها قصية سحق الفاشية مرة واحدة و إلى الأبد . نعم , و هذا على الرغم من الحكومة . لأنه لا توجد حكومة في العالم مستعدة لأن تحارب الفاشية حتى الموت” .
عندما رأت البرجوازية السلطة تفلت من يدها لجأت إلى الفاشية لتدافع عنها . كانت الحكومة الليبرالية في إسبانيا قادرة على نزع القوة من يد العناصر الفاشية منذ وقت طويل . لكن عوضا عن ذلك قامت بمساومتها و مغازلتها . حتى في تلك اللحظة كان هناك في الحكومة من يدعو للتساهل مع المتمردين .
هنا ضحك دوروتي , “أتعرف , لا يمكن أن تقول أبدا أن الحكومة الحالية سوف لن تحتاج لهذه القوى المتمردة لسحق الحركة العمالية …
“إننا نعرف ما نريد . بالنسبة لنا لا وجود لاتحاد سوفيتي في مكان ما في هذا العالم , الذي يجب من أجل سلامه و هدوئه أن تتم التضحية بعمال ألمانيا و الصين من قبل ستالين للبرابرة الفاشيين . إننا نريد الثورة هنا في إسبانيا , الآن , و ليس ربما بعد الحرب الأوروبية القادمة .
“إننا نقلق هتلر و موسوليني بثورتنا أكثر بكثير من كل الجيش الأحمر الروسي . إننا نضرب المثال للطبقة العاملة الألمانية و الإيطالية كيف تتعامل مع الفاشية” .
هنا تدخل فان باسن , قائلا أنه حتى لو انتصرتم “فستكونون واقفين على كوم من الخرائب” , أجاب دوروتي “لقد عشنا دوما في الأكواخ الفقيرة ( الخرائب ) و في ثقوب الجدران . سنعرف كيف نجد سكنا لبعض الوقت . لأنه عليك ألا تنسى , نحن أيضا نعرف كيف نبني . إننا نحن العمال الذي بنينا كل هذه القصور و المدن , هنا في إسبانيا و في أمريكا و في كل مكان .
“نحن , العمال , يمكننا أن نبني مدنا أخرى تحل محل القائمة , و مدنا أفضل ! لسنا خائفين من الخرائب , سنرث الأرض , لا يوجد أدنى شك في ذلك . قد تقوم البرجوازية بتفجير و تخريب عالمها قبل أن تغادر مسرح التاريخ . لكننا سنبني عالما جديدا , هنا , في قلوبنا . إن هذا العالم ينمو في هذه اللحظة بالتحديد” .
لقد جسد دوروتي مشاعر و أهداف العمال المسلحين , بكونه “قائدا” من نوع غريب كان امتيازه الوحيد هو أن يقاتل في الخط الأول و الذي كانت رتبته هو احترام رفاقه له . انتهت حياته الشجاعة في نوفمبر تشرين الثاني من نفس العام . في 15 منه وصل دوروتي مع قوة من 1800 رجل لتعزيز الدفاع عن مدريد , حيث توجهوا فورا إلى أكثر قطاعات الجبهة شراسة في القتال و في 19 منه أصابته رصاصة . و مات دوروتي في فجر العشرين من نوفمبر , و دفن بعد يومين في مقبرة مونتجويش في برشلونة , رافق نعشه نصف مليون إنسان , حملوا العلام الحمراء و السوداء للاسلطوية ( التحررية ) . كان ذلك أكبر موكب جنازة شهدته المدينة على الإطلاق .
هنا رجل قاتل من أجل مثاله اللاسلطوي و النقابي , رجل لم يسع إلى أية امتيازات خاصة لنفسه , رجل عمل بقدر ما قرأ أو فكر , رجل أحب , و حلم و كان مصمما على أن يترك العالم مكانا أفضل مما كان عندما جاء إليه .
نقلا عن http://libcom.org/history/durruti-buenaventura-1896-1936

فصلان من كتاب الثورة الفرنسية العظمى لبيتر كروبوتكين

الثورة الفرنسية العظمى
بيتر كروبوتكين
1909
ترجمة مازن كم الماز


مقدمة المترجم
هذان فصلان من كتاب بيتر كروبتكين عن تاريخ الثورة الفرنسية البرجوازية العظمى , يتمتع تحليل كروبوتكين بأهمية خاصة في أيامنا , إنه بقراءته للماضي , للتاريخ , لتاريخ ثورة سابقة , يساعد في قراءة الحاضر , حاضر ثوراتنا , و مستقبلها , و ضمنا مستقبل شعوبنا و ثوراتها و مستقبل البشرية أيضا ….

الفصل الأول
التياران الرئيسيان في الثورة
كان هناك تياران رئيسيان أعدا و قاما بالثورة الفرنسية العظمى . أحدهما و هو تيار الأفكار ( التيار الفكري ) الذي تركز حول إعادة التنظيم السياسية للدولة , جاء من الطبقات الوسطى , أما ( التيار ) الآخر , و هو تيار الأفعال , جاء من الناس ( الشعب People ) , من كل من الفلاحين و عمال المدن , الذين أرادوا أن يحصلوا على تحسينات فورية و محددة في أوضاعهم الاقتصادية . و عندما التقى هذان التياران و انضما معا كان ذلك سعيا وراء تحقيق هدف مشترك . عندما كان هذا الهدف مشتركا بينهما لبعض الوقت , و عندما ساعد أحدهما الآخر لبعض الوقت , كانت النتيجة هي الثورة .
قام فلاسفة القرن ال 18 منذ وقت طويل بتفنيد أسس مجتمعات القانون – و النظام في تلك الفترة , حيث كانت السلطة السياسية و القسم الأعظم من الثروة بيد الأرستقراطية و الكهنوت , بينما لم يكن جمهور الناس إلا حيوانات للحمل ( أو للنقل ) بالنسبة للطبقات الحاكمة . بإعلان سيادة العقل , و بالتبشير بالثقة في الطبيعة الإنسانية – التي جرى إفسادها كما قالوا من خلال المؤسسات التي اختزلت الإنسان إلى عبد , لكن مع التأكيد بأن سيستعيد كل مزاياه عندما يتنزع حريته – فقد فتح هؤلاء الفلاسفة مشاهد جديدة أمام البشرية . بإعلان المساواة بين البشر , من دون أي تمييز بسبب الولادة , و بمطالبة كل مواطن , سواء أكان ملكا أم فلاحا , بالانصياع للقانون , و افترضوا أنه لا بد من التعبير عن إرادة الشعب من قبل ممثليه , و أخيرا , بالمطالبة بحرية التعاقد بين بشر أحرار , و بإلغاء الضرائب و الخدمات الإقطاعية – بطرح كل هذه الأقوال , و ربطها معا مع نظام و أسلوب مميزين للفكر الفرنسي , فقد حضر الفلاسفة دون شك , على الأقل في عقول الناس , لسقوط النظام القديم .
لكن هذا وحده لن يكون كافيا ليؤدي إلى اندلاع الثورة . فما زال أمامها مرحلة الانتقال من النظرية إلى الفعل , من فكرة مثال ما أعلى إلى وضعه في التطبيق . و النقطة الأكثر أهمية في دراسة تاريخ تلك المرحلة هي أن نوضح الظروف التي جعلت من الممكن للشعب الفرنسي في لحظة معينة أن يتمكن من تحقيق ( تطبيق ) هذا المثال الأعلى – أي محاولة نقله من النظرية إلى الفعل ( التطبيق ) .
من جهة أخرى , قبل 1789 بوقت طويل , كانت فرنسا قد دخلت بالفعل في مرحلة ثورية . كان وصول لويس 16 إلى العرش في 1774 البداية لسلسلة كاملة من اضطرابات الجوع . استمرت هذه الاضطرابات حتى 1783 و بعدها جاءت مرحلة من الهدوء النسبي . لكن بعد 1786 و خاصة بعد 1788 انفجرت تمردات الفلاحين من جديد بقوة متجددة . كانت المجاعة هي السبب الرئيسي للاضطرابات الأولى , و بقي نقص الخبز دائما أحد الأسباب الرئيسية للانتفاضات . لكن رفض الفلاحين دفع الضرائب الإقطاعية كان هو الذي دفعهم إلى الثورة . أخذت الانتفاضات تتزايد في العدد حتى عام 1789 , في تلك السنة أصبحت هذه الانتفاضات عامة ( شاملة ) في الشرق و الشمال الشرقي و الجنوب الشرقي من فرنسا . بهذه الطريقة بدأ تقسيم الجسم الاجتماعي . لكن Jacquerie ( يمكن ترجمتها بالعامية أو الانتفاضة الفلاحية , أطلقت على انتفاضة الفلاحين الفرنسيين في شمال فرنسا عام 1358 التي قمعها النبلاء الفرنسيون بقسوة , عرفت الثورة بهذا الاسم لأن النبلاء اعتادوا على نعت فلاحيهم ب”جاك” , و من ثم أصبحت ترمز للثورات الفلاحية في أوروبا في أواخر العصور الوسطى عموما – المترجم ) ليست ثورة , حتى عندما تأخذ اشكالا رهيبة كما جرى في انتفاضة الفلاحين الروس في 1773 تحت راية بوغاتشوف . الثورة هي بالتأكيد أكثر من سلسلة من الانتفاضات في المدينة و الريف . إنها أكثر من مجرد صراع بين الأحزاب , مهما كان عنيفا , أكثر من مجرد حرب شوارع , و أكثر من مجرد تغيير في الحكومة , كما جرى في فرنسا عام 1830 و 1848 . الثورة هي إطاحة سريعة , في غضون عدة سنوات , بالمؤسسات التي احتاجت إلى قرون لكي تتغلغل في تربة المجتمع , و تبدو ثابتة بحيث أنه حتى أكثر المصلحين حماسة لن يجرؤ على مهاجمتها في كتاباته . إنها سقوط , انهيار و في وقت قصير , لكل ما كان يشكل حتى ذلك الوقت جوهر الحياة الاجتماعية , الدينية , السياسية و الاقتصادية في شعب ما . إنها تعني الإطاحة بالأفكار المكتسبة و المفاهيم المقبولة فيما يتعلق بكل من المؤسسات و العلاقات المعقدة للجماعة الإنسانية .
إنها باختصار ولادة أفكار جديدة تماما فيما يتعلق بالصلات المتفرعة في المواطنة – أفكار ستصبح في الرقيب العاجل حقائق , و تبدأ بعدها بالانتشار بين الشعوب المجاورة , هازة العالم بأسره و محددة للعصر القادم شعاره , مشاكله , علمه , و اتجاهات تطوره الاقتصادي و السياسي و الأخلاقي .
لنصل إلى نتيجة بهذه الأهمية , و لحركة يمكن اعتبارها جزءا من ثورة , كما جرى في انكلترا بين 1648 و 1688 و في فرنسا بين 1789 و 1793 , لا يكفي أن تظهر حركة فكرية مهما كانت هامة , بين الطبقات المثقفة , لا يكفي أن تحدث اضطرابات مهما كانت كبيرة أو عديدة في قلب الشعب . الفعل الثوري الذي يأتي من الشعب يجب عليه أن يتزامن مع حركة فكرية ثورية تأتي من الطبقات المثقفة . يجب أن يكون هناك اتحادا بين الاثنين .
لهذا وقعت الثورة الفرنسية , مثل الثورة الانكليزية من القرن الذي سبقها , في لحظة كانت فيها الطبقات الوسطى التي تشربت بعمق مصادر الفلسفة الراهنة لتصبح واعية بحقوقها , و لتضع مخططا جديدا للتنظيم السياسي . قوية في معرفتها و متحمسة لأداء مهمتها , شعرت هذه الطبقات بأنها قادرة على الاستيلاء على الحكومة بانتزاعها من أرستقراطية القصر التي كانت , بعجزها و طيشها و فجورها تدفع المملكة نحو الخراب . لكن الطبقات الوسطى و المتعلمة لم يكن بمقدورها أن تفعل أي شيء لوحدها لو لم يتحرك جمهور الفلاحين , نتيجة سلسلة طويلة من الظروف , و ابتداءا بسلسلة من الانتفاضات المتواصلة التي استمرت 4 سنوات , التي وفرت الفرصة للطبقات الوسطى الساخطة لمحاربة كل من الملك و البلاط , و لإزعاج المؤسسات القديمة و تغيير الدستور السياسي للمملكة .
ما يزال تاريخ هذه الحركة المزدوجة بحاجة لأن يكتب . لقد قيل تاريخ الثورة الفرنسية العظمى و أعيد مرات عديدة , من وجهة نظر أحزاب مختلفة , لكن حتى الآن حصر المؤرخون أنفسهم في التاريخ السياسي , تاريخ انتصار الطبقات الوسطى على حزب البلاط و المدافعين عن مؤسسات الملكية القديمة .
لذلك نعرف الكثير مثلا عن المبادئ التي هيمنت على الثورة و التي ترجمت إلى عمل قانوني . لقد أسعدتنا الأفكار العظيمة التي قدمتها الثورة إلى العالم , أفكار حاولت البلدان المتمدنة أن تضعها موضع التطبيق طوال القرن 19 . لقد درس التاريخ البرلماني للثورة , حروبها , سياستها و دبلوماسيتها , درس و حدد بالتفصيل . لكن التاريخ الشعبي للثورة ما يزال بحاجة لأن يقال . الدور الذي لعبه الشعب في الريف و المدن في الثورة لم يدرس أبدا و لم يرو بكليته . من بين التيارين الرئيسيين اللذين صنعا الثورة , فإن نعرف عن التيار الفكري , أما التيار الآخر , تيار الفعل الشعبي , فإنه لم يرسم بعد .
إنها مهمتنا , نحن ورثة أولئك الذين سماهم معاصروهم ب”اللاسلطويين” ( الأناركيين ) , دراسة التيار الشعبي و محاولة إعادة بناء صفاتها الرئيسية على الأقل .
نقلا عن http://dwardmac.pitzer.edu/anarchist_archives/kropotkin/frenchrev/i.html

الفصل الأخير
الخاتمة

عندما يرى المرء الجمعية الوطنية الفظيعة و القوية تحطم نفسها في 1794 – 1795 و الجمهورية القوية و الفخورة تختفي . بينما تسقط فرنسا بعد نظام المديرين ذا المعنويات المنهارة ( المحبطة ) (حكومة المديرين 1795 – 1799 , حيث تمثلت السلطة في 5 مدراء , ترافق لك أيضا باستبدال حق التصويت العام بالتصويت المحدود وفقا لملكية الشخص , واجهت حكومة المديرين كلا من الملكيين و اليعاقبة بالقوة , فيم بعد سيقوم جنرال الجيش بونابرت الذي نظم حملة القمع هذه بانقلاب في 18 برومير و هو أحد أشهر التقويم الجمهوري الموافق 9 ديسمبر كانون الأول 1799 ليقيم ديكتاتوريته الخاصة , أولا كقنصل ثم كإمبراطور – المترجم ) تحت النير العسكري لبونابرت , يجد المرء نفسه مدفوعا للتساؤل : “ما هو الجيد في الثورة إذا كان الشعب سيقع ثانية تحت نير الطغيان ؟” . تكرر هذا السؤال في سياق القرن 19 باستمرار و قد استخدمه الجبناء و المحافظون كحجة ضد الثورات عموما .
الصفحات السابقة تعطينا الجواب . أولئك الذين يرون في الثورات تغييرا في الحكومة فقط , أولئك الجاهلون بعملها الاقتصادي و التثقيفي , هؤلاء فقط يمكنهم طرح هذا السؤال .
فرنسا التي نراها في الأيام الأخيرة من القرن 18 في لحظة الانقلاب داخل القصر في 18 برومير , ليست هي فرنسا التي وجدت قبل 1789 . هل كان من الممكن لفرنسا القديمة , الفقيرة بشكل بائس و التي يعاني ثلث سكانها سنويا من الحاجة ( الجوع ) , أن تتحمل الحروب النابليونية , التي جاءت بعد وقت قصير من حروب الجمهورية بين 1792 و 1799 , بينما كانت أوروبا كلها تهاجمها ؟
الواقع هو أن فرنسا جديدة قد تشكلت منذ 1792 – 1793 . صحيح أن الندرة ( النقص – الشح ) استمر بالوجود في كثير من الأقسام , و يمكن الشعور بكل الرعب الناجم عن ذلك خاصة بعد انقلاب ترميدور ( ترميدور تعبير عن الردة الرجعية و الإرهاب الأبيض الذي وقع بعد إعدام روبسبير في يوليو تموز 1794 – المترجم ) , عندما ألغي الحد الأعلى لأسعار كل المواد الغذائية . كانت هناك بعض الأقسام التي لم تنتج ما يكفي من القمح لإطعام نفسها , و مع استمرار الحرب , و تخصيص كل وسائل النقل لصالح إمداداتها , كان هناك شح في هذه الأقسام أيضا . لكن كل شيء كان يثبت أن فرنسا كانت تنتج عندها من ضروريات الحياة من كل نوع أكثر بكثير مما كانت تنتجه في عام 1789 .
لم تشهد فرنسا أبدا مثل هذه الزراعة النشيطة . يخبرنا ميكيليت أنه في عام 1792 كان الفلاحون يحرثون الأراضي التي أخذوها من ملاك الأرض , و من الأديرة و الكنائس , و كان ينخز ( يحث ) ثوره و هو يصرخ : “ليسقط الألمان ! ليسقط النمساويون ! ” . لم يجر أبدا مثل هذا التنظيف للأرض من قبل – حتى الكتاب الملكيون يعترفون بذلك – كما في سنوات الثورة . أول محصول جيد في عام 1794 حمل النجدة لثلثي فرنسا – على الأقل في القرى , لأنه طوال ذلك الوقت كانت المدن مهددة بنقص الطعام . ليس أنها كانت شحيحة في فرنسا كلها , أو أن بلديات ( مجالس بلدية ) ذوي السراويل الطويلة Sans-culottes ( تعبير أطلق على الثوار ذوي الأفكار الراديكالية من الطبقات الدنيا – بروليتاريا المدن خاصة – و الذين شكلوا أساس الجيش الثوري الفرنسي في الأعوام الأولى للثورة و قد استمر نفوذهم في الثورة بين عامي 1792 و 1795 , كانوا يدافعون عن الديمقراطية الشعبية و المساواة الاقتصادية و الاجتماعية و المحافظة على أسعار معقولة للغذاء في متناول الجميع و رفضوا اقتصاد السوق الحر و دعموا اليسار “المتطرف” كمجموعة الغاضبين , تعرضوا للقمع الشديد في فترة الردة الرجعية في ترميدور – المترجم ) , تجاهلت أن تقوم بالإجراءات اللازمة لإطعام أولئك الذين لم يجدوا عملا , لكن من حقيقة أن كل حيوانات النقل التي كانت تستخدم في قد كرست لحمل الطعام و الذخيرة إلى جيوش الجمهورية ال 14 . في تلك الأيام لم تكن هناك سكك حديدية , و كل الطرق ما عدا تلك الرئيسية كانت في الحالة التي عليها اليوم في روسيا – مزرية جدا .
كانت فرنسا جديدة تولد أثناء تلك السنوات الأربعة من عمر الثورة . لأول مرة منذ قرون أكل الفلاح حتى الشبع , و رفع ظهره و تجرأ على الكلام . اقرأ التقارير التفصيلية فيما يتعلق بعودة لويس 16 إلى باريس , عندما أعيد مسجونا من فارني في يونيو حزيران 1791 من قبل الفلاحين , تقول تلك التقارير : “هل هذا ممكن بالفعل , مثل هذا الاهتمام بالشأن العام , لمثل هذا الحماس لهذا الشأن العام , و لمثل هذا الاستقلال في الحكم و العمل أن يكون ممكنا قبل 1789 ؟” . لقد ولد شعب جديد في هذه الأثناء , تماما كما نرى اليوم شعبا جديدا يولد إلى الحياة في روسيا و تركيا .
بفضل هذه الولادة الجديدة كانت فرنسا قادرة على الاستمرار في حروبها في ظل جمهورية نابليون و أن تحمل مبادئ الثورة العظمى إلى سويسرا , إيطاليا , إسبانيا , بلجيكا , هولندا , ألمانيا و حتى حدود روسيا . و عندما بعد هذه الحروب , بعد أن نتابع الجيوش الفرنسية إلى مناطق بعيدة مثل مصر و موسكو , عندما نتوقع أن نجد فرنسا في عام 1815 و قد أصبحت ترزح في بؤس مخيف و قد أصبحت أراضيها بورا , نجد عوضا عن ذلك أنه حتى في المناطق الشرقية و في جورا , أن الريف ( البلد ) مزدهر أكثر بكثير مما كان عليه عندما قام بيتشيون , مشيرا إلى لويس 16 , عند الضفاف الفاخرة للمارن , عندما سأله فيم إذا كان هناك في أي مكان في العالم مملكة أجمل من تلك التي لم يكن الملك راغبا بالحفاظ عليها .
هكذا كانت الطاقة الداخلية ( الموجودة في الذات ) التي خلقتها الثورة في القرى , بحيث أن فرنسا في عدة سنوات أصبحت بلد الفلاحين الأثرياء ( المرتاحين ) و سرعان ما اكتشف أعداؤها أنه على الرغم من كل الدم الذي قدمته و الخسائر التي تعرضت لها , فإن فرنسا فيما يتعلق بإنتاجيتها , كانت أغنى بلد في أوروبا . لكن ثروتها لم تأت من الأنديز أو من تجارتها الخارجية : لقد جاءت من تربتها نفسها , من حبها لهذه التربة , من مهارتها و صناعتها . كانت أغنى بلد , بسبب تقسيم ثروتها و و ما زالت الأغنى بسبب الإمكانيات التي فتحتها الثورة أمامها فيما يتعلق بالمستقبل .
هكذا كان تأثير الثورة . و إذا رأى المراقب العادي في فرنسا النابليونية حب المجد فقط , فإن المؤرخ يدرك أنه حتى عندما شنت فرنسا الحرب في تلك الفترة فإنها قد فعلت ذلك لكي تضمن الحفاظ على ثمار ( نتائج ) الثورة – لكي تحافظ على الأرض التي أخذتها من الإقطاعيين , و القساوسة و الأغنياء , و على الحريات التي انتزعتها من الاستبداد و البلاط . لو أن فرنسا كانت راغبة في تلك السنوات بأن تنزف حتى الموت فهذا كان لكي تمنع الألمان و الانكلز و الروس من فرض لويس ال 18 عليها , هذا لأنها لم ترغب في عودة النبلاء المهاجرين الذي كان سيعني أن النبلاء الموالين للملكية سيستردون الأرض التي رويت بالفعل بعرق الفلاحين , و سيلغون الحريات التي عمدت بدماء الوطنيين . و قد قاتلت فرنسا جيدا بالفعل طوال 23 سنة , و عندما أجبرت في النهاية على الخضوع لآل بوربون , كانت هي التي فرضت شروطها عليهم . استعاد البوروبون السلطة لكن الأرض بقيت بيد من استولوا عليها من أيدي الإقطاعيين , بحيث أنه حتى في أثناء الإرهاب الأبيض لآل بوربون لم يتجرؤوا أبدا على لمس هذه الأرض . لم يكن من الممكن إعادة النظام القديم ثانية .
كان هذا ما جرى كسبه من صنع ثورة كهذه .
هناك أشياء أخرى يجب الإشارة إليها . ففي تاريخ كل الشعوب يأتي وقت عندما يتحتم أن يجري تغيير جذري في كل الحياة الوطنية . كان الطغيان الملكي و الإقطاعية يموتان في عام 1789 , و كان من المستحيل إبقاءهما على قيد الحياة , كان عليهما أن يذهبا .
لكن بعد ذلك , فتح أمام فرنسا طريقان : الإصلاح أو الثورة .
في أوقات كهذه هناك دائما لحظة ما يزال الإصلاح فيها ممكنا , لكن إذا لم يتم استثمار تلك اللحظة , و إذا استمرت المقاومة الصلبة ( العنيدة ) معارضة متطلبات الحياة الجديدة , حتى اللحظة التي يبدأ فيها الدم يسيل في الشوارع , كما سال في 14 يوليو تموز 1789 ( يوم الاستيلاء على الباستيل – المترجم ) , عندها يجب أن تحدث الثورة . و ما أن تبدأ الثورة , حتى يصبح ضروريا أن تتطور لتصل إلى أبعد نتائجها – أي كما يمكن القول إلى أقصى نقطة يمكن أن تبلغها – و ذلك بشكل مؤقت فقط , في ظرف محدد معطى من الوعي الجماعي في تلك اللحظة .
إذا مثلنا التقدم البطيء لفترة التطور بخط يرسم على الورق , سنرى هذا الخط يرتفع تدريجيا و إن ببطء . بعدها تقع الثورة و يقوم عندها هذا الخط بقفزة مفاجئة للأعلى . في انكلترا سيكون الخط صاعدا حتى الجمهورية البوريتانية لكرومويل , في فرنسا سيرتفع حتى جمهورية أصحاب السراويل الطويلة لعام 1793 . لكن عند هذا الارتفاع لا يمكن المحافظة على التقدم , كل القوى المعادية ستجتمع معا ضده , و ستبدأ الجمهورية بالتراجع . خطنا سيبدأ بالانحدار بعد أن يكون قد وصل أقصى ارتفاعه , مع الردة الرجعية . بالنسبة للحياة السياسية في فرنسا فقد انحدر هذا الخط جدا بالفعل , لكنه يبدا بالصعود تدريجيا بعد ذلك , و عندما سيتم التوصل إلى السلم في عام 1815 في فرنسا , و في 1688 في انكلترا – سنجد أن كلا البلدين قد بلغا مستوى أعلى بكثير مما كانا عليه قبل ثورتيهما .
بعد ذلك , يستأنف التطور : يبدأ خطنا بالارتفاع ببطء و لكن إلى جانب أنه يبدأ من مستوى مرتفع جدا , فإن صعود الخط سيكون أسرع في كل حالة تقريبا مما كان عليه قبل فترة الاضطراب .
هذا هو قانون التقدم الإنساني , و أيضا قانون التقدم الفردي . يؤكد التاريخ الأقرب لفرنسا هذا القانون بإظهار كم هو ضروري أن نمر عبر الكومونة لنصل إلى الجمهورية الثالثة .
لا يقتصر عمل ( إنجاز ) الثورة الفرنسية فقط على ما حققته و ما بقي من هذا في فرنسا . بل سنجده أيضا في المبادئ التي أورثتها للقرن التالي – في الاتجاه الذي وجهت المستقبل نحوه .
إن الإصلاح هو دائما مساومة مع ( تنازل تجاه ) الماضي , لكن التقدم الذي يتحقق من خلال الثورة هو دائما وعد بتقدم مستقبلي . لو أن الثورة الفرنسية العظمى كانت تلخيصا لتطور استمر قرنا من الزمان , فإنها كانت بدورها برنامج التطور الذي كان يتعين إنجازه في سياق القرن 19 .
إن هذا هو قانون في تاريخ العالم أن تمر فترة 100 أو 130 عاما , تقريبا , تفصل بين ثورتين عظيمتين , تأخذ طابعها من الثورة التي بدأت هذه المرحلة بها . تسعى الشعوب لكي تحقق في مؤسساتها الإرث الذي ورثته من الثورة الأخيرة . كل الأشياء الجديدة التي لم يمكن وضعها بعد في الممارسة ( في التطبيق ) , كل الأفكار العظيمة التي جرى تداولها أثناء الاضطراب الأخير , و التي استطاعت الثورة أو لم تستطع أن تعرف كيف تطبقها , كل محاولات إعادة البناء الاجتماعية , التي ولدت أثناء الثورة , ستشكل مادة التطور أثناء الفترة التي ستتلو الثورة , مع إضافة تلك الأفكار الجديدة التي سيخلقها هذا التطور , عندما يحاول أن يضع في الممارسة البرنامج الذي حددته الثورة الأخيرة . عندها , ستقع هناك ثورة جديدة في شعب آخر , و هذا الشعب بدوره سيحدد المشاكل التي يجب حلها في القرن التالي . هكذا هو اتجاه التاريخ .
انتصاران عظيمان ميزا القرن الذي مر منذ 1789 – 1793 . كلاهما يدينان بأصلهما إلى الثورة الفرنسية , التي واصلت عمل الثورة الانكليزية فيم ضخمته و عززته بكل التقدم الذي صنعته منذ أن قامت الطبقات الوسطى الانكليزية بقطع رأس ملكها و نقل سلطته إلى البرلمان . هذان الانتصارين الكبيرين هما : إلغاء القنانة و إلغاء الملكية المطلقة , انتزع الفرد من خلالهما حرياته الشخصية , التي لم يكن القن يحلم بها في ظل الإقطاعي و لا التابع الخاضع للملك المطلق , بينما أدت في نفس الوقت إلى تطور الطبقات الوسطى و النظام الرأسمالي .
يمثل هذين الإنجازين العمل المبدئي للقرن 19 , الذي بدأ في فرنسا في عام 1789 و انتشر ببطء في كل أوروبا على امتداد القرن .
تحرير العبيد , الذي بدأه الفلاحون الفرنسيون في 1789 استمر في إسبانيا , إيطاليا , سويسرا , ألمانيا و النمسا من قبل جيوش ذوي السراويل الطويلة . لسوء الحظ بالكاد وصل هذا العمل إلى بولندا و لم يتمكن من الوصول إلى روسيا على الإطلاق .
إلغاء القنانة في أوروبا كان سيكتمل في النصف الأول من القرن 19 لو أن البرجوازية الفرنسية التي وصلت إلى السلطة في عام 1794 على أجساد و جثث اللاسلطويين ( كرس كروبوتكين فصلا من كتابه عن تاريخ الثورة الفرنسية العظمى عن اللاسلطويين فيها – المترجم ) , . Cordeliers( أعضاء جمعية سياسية فرنسية راديكالية – المترجم ) , اليعاقبة ( نسبة للنادي اليعقوبي 1789 – 1794 , ثوريون برجوازيون فرنسيون كانوا من دعاة جمهورية شديدة المركزية و عملوا على تحقيق أهدافهم غالبا بأساليب تآمرية , يعتبرون أسلاف الراديكاليين السلطويين فيما بعد – المترجم ) , لم تكبح الاندفاع الثوري , و تعيد الملكية و تسلم فرنسا إلى المشعوذ الإمبريالي نابليون الأول . هذا الذي كان في السابق من ذوي السراويل الطويلة ذات يوم , و الذي أصبح الآن جنرالا على ذوي السراويل الطويلة هؤلاء , بدأ بونابرت هذا بسرعة بدعم الأرستقراطية , لكن الدفعة كانت قد حدثت بالفعل , و كانت مؤسسة القنانة قد تلقت ضربة مميتة بالفعل . حيث ألغيت في إسبانيا و إيطاليا على الرغم من الانتصار المؤقت للرجعية . و تعرضت لضغط قوي في ألمانيا بعد عام 1811 و اختفت من هذا البلد تماما في عام 1848 . في 1861 أجبرت روسيا على تحرير أقنانها , و وضعت الحرب الأولى لعام 1878 نهاية للقنانة في شبه جزيرة البلقان .
اكتملت الآن الحلقة . لم يعد حق أصحاب الأراضي ( الإقطاعيين ) على شخص الفلاح موجودا في أوروبا , حتى في تلك البلدان التي جرى فيها التعويض عن المستحقات الإقطاعية .
هذه الحقيقة لا يقدرها المؤرخون بشكل كاف . كونهم منشغلين بالمسائل السياسية , فإنهم لم يفهموا أهمية إلغاء القنانة , التي كانت الميزة الضرورية للقرن 19 . المنافسة بين الشعوب ( الأمم ) و الحروب التي نتجت عنها , سياسات القوى العظمى التي تحتل الكثير جدا من اهتمام المؤرخ , جميعها نشأت من حقيقة واحدة عظمى – و هي إلغاء القنانة و تطور نظام العمل المأجور الذي حل مكانها .
الفلاح الفرنسي ( الذي حرر نفسه ) في ثورته قبل 120 عاما ضد الإقطاعي الذي كان يفرض عليه أن يضرب الاشجار كيلا يزعج نقيق الضفادع نوم سيده , قد حرر أيضا فلاحي أوروبا كلها . في 4 أعوام فقط أولا بإحراقه الوثائق التي تسجل خضوعه , ثم بإحراقه القلاع و بإعدامه ملاك الأرض ( الإقطاعيين ) الذين رفضوا الاعتراف بحقوقه كإنسان , كان الفلاح الفرنسي يؤثر في أوروبا كلها التي أصبحت جميعها اليوم حرة من مهانة ( ذل ) القنانة .
من جهة أخرى احتاج إلغاء السلطة المطلقة لأكثر قليلا من مائة عام ليعم أوروبا كلها . هوجمت لأول مرة في انكلترا في عام 1648 , و هزمت في فرنسا في عام 1789 لم تعد السلطة الملكية التي تقوم على الحق الإلهي آمنة في روسيا نفسها , فهناك أيضا هي في نزاعها الأخير . حتى دول البلقان الصغيرة و تركيا لديها الآن جمعيات تمثيلية , و روسيا تدخل نفس الدورة أيضا .
في هذا الصدد حققت ثورة 1789 – 1793 أيضا عملها . احتلت المساواة أمام القانون و الحكومة التمثيلية الآن مكانهما في كل تشريعات أوروبا . نظريا على الأقل لا يميز القانون بين البشر و لكل شخص الحق في المشاركة في الحكومة . لقد اختفى الملك – السيد المطلق على أتباعه , و الإقطاعي – السيد على أرضه و فلاحيه , بحق الولادة . إن الطبقات الوسطى تحكم أوروبا اليوم .
لكن في نفس الوقت ورثتنا الثورة العظمى بعض المبادئ الأخرى ذات أهمية أكبر بشكل لا يقارن , هي مبادئ الشيوعية . رأينا كيف أن الأفكار الشيوعية بقيت طوال الثورة العظمى تتقدم نحو المقدمة , و كيف أنه بعد سقوط الجيرونديين ( خصوم اليعاقبة و أنصار الحلول الأقل راديكالية و ثورية , هم من شجعوا بونابرت على تنفيذ انقلاب عسكري ضد الجمهورية و سهلوا نجاحه – المترجم ) جرت محاولات عديدة و أحيانا محاولات عظيمة في هذا الاتجاه . تنحدر الفوريية ( نسبة للاشتراكي الفرنسي شارل فورييه 1772 – 1837 , اشتراكي “طوباوي” فرنسي – المترجم ) بشكل مباشر من لانغي من جهة و من شاليير ( جوزيف شاليير 1747 – 1793 , يعقوبيا يساريا , أعدم عام 1793 – المترجم ) من جهة أخرى . كان بابوف ( فرانسو نويل – بابوف , 1760 – 1797 , منظر و سياسي و محرض فرنسي شيوعي , عارض اتجاهات حكومة المديرين و الردة الرجعية التي سبقتها , أعدم لدوره في مؤامرة EQUALS , الداعين إلى المساواة , وصف غودوين بارمبي أفكار بابوف بالشيوعية لأول مرة , يعتبر بابوف من أوائل الشيوعيين السلطويين – المترجم ) وريثا مباشرا للأفكار الذي أثرت في الجماهير بحماسة في عام 1793 , هو و بوناروتي ( فيليب بروناروتي 1761 – 1837 , اشتراكي إيطالي “طوباوي” , كلفه الثوريون الفرنسيون بتنظيم الثوريين الإيطاليين في فرنسا , اعتقل لمشاركته في مؤامرة الداعين إلى المساواة و نفي من فرنسا ليعود إليها بعد ثورة 1830 , أثر في بلانكي الاشتراكي السلطوي الفرنسي المعروف – المترجم ) و سيلفيان ماريشال ( 1750 – 1803 , شيوعي “طوباوي” , ملحد و مدافع عنيد عن الفقراء , لم يشارك في الصراع بين اليعاقبة و الجيرودنديين , شارك في مؤامرة الداعين إلى المساواة – المترجم ) قاموا فقط بتنظيمها ( منهجتها ) قليلا أو صاغوها في شكل أدبي فقط . لكن الجمعيات السرية التي نظمها بابوف و بوناروتي كانت هي أصل الجميعات الشيوعية المادية السرية التي نظم من خلالها بلانكي و باربيس مؤامراتهما ضد الملكية البرجوازية للويس فيليب . فيما بعد في عام 1866 ظهرت جمعية العمال العالمية الأممية كنتيجة مباشرة عن هذه الجميعات . إن “الاشتراكية” كما نعرفها اليوم , لقد أخذ هذا اللفظ يروج لتفادي كلمة “الشيوعية” التي أصبحت خطيرة لأن الجمعيات الشيوعية السرية الأولى هي جمعيات فعل و قد قمعتها البرجوازية التي كانت يومها في السلطة بقوة .
هناك لذلك صلة مباشرة بين مجموعة الغاضبين لعام 1793 ( مجموعة راديكالية على يسار اليعاقبة , آمنوا بالحرية للجميع في مواجهة الحريات الدستورية , دعمهم ذوي السراويل الطويلة – بروليتاريا المدن , بينما حاربوا ديكتاتورية روبسبير , سحقوا في فترة الردة الرجعية و الإرهاب الأبيض , فيما بعد أطلقت مجموعة من طلاب جامعة نانتير في فرنسا هذا الاسم عليها في عام 1968 – المترجم ) و مؤامرة بابوف عام 1795 و جمعية العمال العالمية الأممية بين عامي 1866 – 1878 .
هناك أيضا تتال مباشرة لأفكار أخرى . حتى الآن لم تضف الاشتراكية المعاصرة أي شيء على الإطلاق للأفكار التي انتشرت بين الفرنسيين ما بين عامي 1789 و 1794 , و التي حاولت أن تضعها موضع التطبيق في السنة الثانية من حكم الجمهورية . لقد نظمت ( منهجت ) الاشتراكية المعاصرة فقط هذه الأفكار و وجدت حججا في صالحها , إما بأن تحول ضد اقتصاديي الطبقة الوسطى بعضا من تعريفاتهم هم أنفسهم , أو بتعميم حقائق معينة لوحظت في سياق تطور الرأسمالية الصناعية في القرن 19 .
لكني أسمح لنفسي بالقول أيضا أنه مهما قد تكون غامضة و مهما كان محدودا الدعم الذي حصلت عليه من الحجج التي كانت ترتدي لباسا علميا و مهما كان محدودا استخدامها للغة العلمية العامية الكاذبة لاقتصاديي الطبقة الوسطى , فإن الشيوعية الشعبية للسنتين الأوليتين من الجمهورية كانت أكثر وضوحا , و ذهبت أعمق في تحليلها مما فعلت الاشتراكية المعاصرة .
و قبل أي شيء , كانت الشيوعية توجد في استهلاك ضرورات الحياة – و ليست في الإنتاج فقط , كان جمعنة ( جعله كومونيا ) و تأميم ما يعرفه الاقتصاديون بالاستهلاك – التي ركز جمهوريو 1793 اهتمامهم عليها , عندما حاولوا إقامة مخازن الحبوب و المؤن في كل كومونة , و عندما مضوا قدما في البحث الهائل لإيجاد القيمة الحقيقة للأشياء ذات الضرورة الأولوية و الثانوية و تثبيت تلك القيمة , و عندما ألهموا روبسبير ( 1758 – 1794 , برجوازي يساري سلطوي , قاد فترة الإرهاب المعادي للرجعية التي انتهت بإعدامه – المترجم ) ليعلن أن الغذاء الوفير فقط يجب أن يصبح موادا للتجارة , و أما هو ضروري فهو ملك للجميع .
بينما ولدت من الضرورات الضاغطة لتلك السنوات الصعبة , فإن شيوعية 1793 , مع تأكيدها على حق الجميع في البقاء ( المعيشة ) و في الأرض لينتجوا منها , و رفضها لحق أي شخص في أن يملك من الأرض أكثر مما يمكنه و أسرته أن يزرعها – أي ليس أكثر من مزرعة تبلغ مساحتها 120 هكتار – و محاولتها جمعنة كل التجارة و الصناعة – هذه الشيوعية ذهبت بشكل أكثر استقامة إلى قلب الأشياء من برامج الحد الأدنى في وقتنا , أو حتى من كل المقدمات القصوى لهذه البرامج * .
في كل الأحوال , ما نتعلمه اليوم من دراسة الثورة العظمى هو أنها كانت مصدر و منشأ كل المفاهيم الشيوعية , اللاسلطوية و الاشتراكية الحالية . لقد فهمنا على نحو سيء فقط أمنا المشتركة , و لكننا وجدناها اليوم ثانية وسط أصحاب السراويل الطويلة , و نرى أنه علينا أن نتعلم من دراستها .
لقد تطورت الإنسانية عبر مراحل متتالية و كانت علامة هذه المراحل لمئات عدة من السنين هي الثورات الكبرى . بعد هولندا جاءت انكلترا و ثورتها بين 1648 – 1657 , و بعدها كان الدور على فرنسا . كل ثورة كبرى كان فيها , إلى جانب سابقاتها , شيء خاص بها و أصلي . لقد ألغت كلا من انكلترا و فرنسا الملكية المطلقة . لكن عندما قامت انكلترا بذلك كانت مهتمة أساسا بالحقوق الفردية للفرد خاصة فيما يتعلق بأمور الدين , إضافة إلى الحقوق المحلية لكل أبرشية و تجمع . فيما يتعلق بفرنسا فقد ركزت اهتمامها على مسألة الأرض , و على الإطاحة النهائية بالنظام الإقطاعي و ضربت أيضا الثروات الكبيرة , و قدمت للعالم فكرة تأميم الأرض و تأميم التجارة و الصناعات الرئيسية .

( * ) أي من الشعوب سيأخذ على عاتقه المهمة المرعبة لكن المجيدة للثورة العظمى القادمة ؟ قد يعتقد المرء أن الدور سيكون على روسيا . لكن إذا كان عليها أن تدفع ثورتها أبعد من حدود القوة الإمبريالية , فعليها أن تقارب مسألة الأرض بروح ثورية – كم ستذهب بعيدا في ذلك ؟ هل ستعرف كيف تتجنب الخطأ الذي وقعت بها الجمعيات الفرنسية , و هل ستجمعن الأرض و تعطيها لأولئك الذين يريدون زراعتها بأيديهم ؟ نحن لا نعرف : إن أي جواب على هذا السؤال ينتمي إلى مجال التنبؤ فقط .
( * ) هناك شيء واحد أكيد , هو أنه أيا تكن الشعوب التي ستدخل في مسار الثورة في يومنا هذا , فإنها ستكون وريثة لكل ما فعله أسلافنا في فرنسا . إن الدم الذي أراقوه أريق في سبيل الإنسانية – و المعاناة التي تحملوها كانت ولادة لكل الجنس البشري بأسره , لقد أصبحت نضالاتهم , الأفكار التي قدموها للعالم , و الصدمة التي سببتها هذه الأفكار كلها أصبحت جزءا من إرث البشرية بأسرها . جميعها حملت ثمارا و ما تزال تحمل , ثمارا أحلى , و مع تقدمنا نحو الآفاق العريضة التي فتحتها أمامنا, حيث تضيء هذه الكلمات مثل مشعل يدل على الطريق : الحرية , المساواة و الإخاء .
نقلا عن http://dwardmac.pitzer.edu/anarchist_archives/kropotkin/frenchrev/conclusion.html

الاشتراكية التحررية كراسة تعريفية / مقدمة

سامح سعید عبود

الموجة الثورية التى تجتاح العالم الآن، والتى بدأت شرارة اشتعالها فى تونس ومرت بمصر وليبيا واليمن وسوريا لتصل إلى أسبانيا وإيطاليا، واليونان، تذكرنا بموجتى الثورتين العالميتين فى 1848 و 1968، و يبدوا أنه من المحتمل أن تصل الموجة الثورية لبلدان أخرى، فى ضوء الأزمة الرأسمالية المتصاعدة، والتى أدت لتلك الثورات.

كان من أسوء نتائج انهيار نموذجى اشتراكية الدولة بجناحيها الثورى فى شرق أوروبا، و الإصلاحى فى غرب أوروبا، أن الوحش الرأسمالى تحرر من قيوده التى كبلته بها الحركتين الشيوعية و الاشتراكية الديمقراطية، كاشفا عن وجهه القبيح بعد أن زالت عنه مساحيق دولة الرفاهية كما تجسدت فى غرب أوروبا، وبريق اشتركية الدولة كما تجسد فى شرق أوروبا، و سرعان ما أفرز اجتياح الرأسمالية منفلتة العيار للعالم عن، تدهور البيئة، وتفشى تجارة كل من المخدرات والجنس و البشر والسلاح، وعودة العمل الجبرى والسخرة على نطاق واسع، وانتشار كافة أشكال الجريمة المنظمة و العنف، و تصاعد الصراعات الثقافية والدينية والعرقية، واستفحال التفكك الاجتماعى، وتدنى مستويات المعيشة ونوعية الحياة، وتوالت الأزمات الاقتصادية على العالم قاذفة بالملايين للإفلاس و البطالة والفقر والبؤس والتهميش، بعد أن تحول الاقتصاد العالمى فى معظمه لاقتصاد المضاربات الرأسمالى، الذى حول العالم لصالة قمار كبرى، محولا أعدادا متزايدة من البشر إلى مضاربين، كما شهد العالم الإفلاس الواضح للنموذج الديمقراطى الرأسمالى السائد فى التعبير عن مصالح الطبقات العاملة فى حدها الأدنى بانحسار القوة التنظيمية لتلك الطبقات من أحزاب ونقابات وتعاونيات.

و حتى تكتمل الصورة فأننا نقر أنه من المحتمل أيضا أن تنكسر تلك الموجة الثورية، طالما لم يتمكن الثوريين من تطويرها لتكنس الرأسمالية ودولها التى اندلعت الثورة بسبب أزماتها، لتصعد كافة أشكال الديكتاتورية الرأسمالية التى سوف تشعل العالم بالحروب الأهلية و الإقليمية والعالمية وغيرها، وذلك من أجل الدفاع المستميت عن مصالح عصابات اللصوص والسفاحين والبلطجية الذين يحكمون العالم، ويمتصون عرق ودماء غالبية السكان، ويستعبدونهم من أجل مصالحهم الأنانية.

ولأننا ندرك أنه طالما انحسرت الثورة فى النطاق المحلى للبلاد العربية حتى الآن، فإن أفقها الأفضل احتمالا لن يتجاوز إقامة أنظمة ديمقراطية رأسمالية أقل فسادا وأكثر مراعاة لحقوق الإنسان، إلا أن هذا لا ينفى احتمالات أخرى أسوءها هو صعود الديكتاتوريات المختلفة لسدة الحكم، ما لم تندلع الثورة فى العالم متجاوزة هذا الأفق المحدود من أجل تجاوز الرأسمالية نفسها، وهو ما يمكن أن يرفع من حدود الثورات العربية بتأثير الثورة الاجتماعية فى العالم، لينفتح الطريق لدينا هنا للتحرر الاجتماعى من الرأسمالية والدولة، ونحن فى ظل كل تلك الاحتمالات، لا يمكنا إلا النضال من أجل ما نؤمن به لتحقيق الحد الأقصى المتاح والممكن منه، جنبا إلى جنب الإعلان عنه وتبشيرنا المستمر به، إلا أننا فى كل لحظة من النضال نطرح ما هو ممكن ومتاح فى ضوء رؤيتنا للواقع مقتربين من تحقيق أهدافنا النهائية لا مبتعدين عنها.

جذور الاستغلال والقهر

السلطة القمعية التى يمارسها البشر فى مواجهة بشر آخرين لها أسباب واقعية، و ما القهر و الاستغلال سوى نتائج مرة لهذه الأسباب، وأنت لا يمكن أن تقضى على النتائج مع استمرار وجود الأسباب، وهى أسباب لا علاقة لها بإرادة و وعى كلا من المتسلطين والمتسلط عليهم، القاهرين والمقهورين.

السلطة القمعية ليست سلوك يمكن وصفه بالحسن أو القبيح، ترجع لأخلاق من يمارسها، ربما تتدخل الأخلاق فحسب فى مدى سوء أو حسن استخدام السلطة القمعية، فيمكن أن يكون هناك حاكم جيد أو صاحب عمل لطيف أو مدير طيب، إلا أن هذا لا يعنى أن أى منهم لا يمارس القهر والاستغلال على من يخضعون له، مثلهم مثل الحاكم السىء، وصاحب العمل الشرس، والمدير الشرير .

ترجع السلطة القمعية بصرف النظر عن حسن ممارستها من الطيب واللطيف والجيد أو سوء ممارستها من الشرير والشرس والسىء، لسيطرته على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، و هى مصادر السلطة المادية، واحتكارها لنفسه، وحرمان الخاضع لها من السيطرة على تلك المصادر، والمسألة ليست معقدة، و إنما يمكن أن يفهمها ويلاحظها كل إنسان.

فمن يملك وسائل الإنتاج يتحكم فى المحروم منها، برغم المساواة القانونية بين المالك الحاكم، والمحروم المحكوم، فمن يملك الطعام قادر على إجبار الجائع على تنفيذ ما يريده هو لا ما يريد الجائع، و الذى لابد وأن يقبل شروط مالك الطعام حتى يعطيه ما يملأ معدته، ويستطيع الجائع أن يخدع نفسه بأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، و هذا صحيح، ولكن بشرط توافر الخبز أولا، فحتى يستطيع الإنسان ممارسة أى نشاط آخر غير الأكل، عليه أولا أن يملأ معدته بالطعام، و إلا لن يكون باستطاعته الحياة ليمارس أى نشاط.

من يملك وسائل العنف سواء كانت تلك الوسائل قوة عضلية أو سلاح قادر على إجبار الأضعف عضليا أو الأضعف تسليحا أو الأعزل من السلاح على تنفيذ ما يريده، وليس على الضعيف أو الأعزل إلا أن يستجيب لإرادة الأقوى لو أراد لنفسه الحياة والسلامة، وينطبق هذا على من يملك سلطة اتخاذ القرار بحكم منصبه كالرئيس والحاكم والظابط والمدير، القادر على اجبار المحكومين و المرؤوسين والجنود والعمال على تنفيذ ما يريده هو بصرف النظر عن إرادتهم و رغباتهم .

من يملك وسائل المعرفة على نحو أكبر أو يحتكرها لنفسه دون الآخرين، قادر على السيطرة على من لا يملك منها إلا القليل أو من لا يملكها على الإطلاق، فشخص يعرف الطريق لابد و أن يقود من لا يعرفه للسير فيه، وما دمت لا تعرف إلى أين تتجه فما عليك سوى الاستجابة لنصيحة من يعرف.

هذه هى الأسباب الواقعية للاستبداد والاستغلال، و لا يمكن أن تقام أى علاقات اجتماعية سواء أكانت علاقات عمل أم علاقات أسرية أم علاقة صداقة تخلو من الاستبداد والاستغلال، إلا إذا تساوى الداخلين فى تلك العلاقة فى سيطرتهم على كل مصادر السلطة المادية الثلاثة على نحو متساو، فطالما سيطر أحد أطراف العلاقة منفردا على أى من هذه المصادر فأنه لا مفر من استبداده بالآخرين واستغلالهم، من الذين لا يسيطرون عليها مثله، وهى عملية منفصلة عن نية وأخلاق من يمارسها، ورغم أن هذه بديهيات لا تحتاج للبرهنة عليها، إلا أننا مضطرين لتوضيحها دائما، لأن القوى السياسية التسلطية المختلفة، تدعى دائما، بامكانية تحقيق الحرية الفردية والأخاء والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية دون القضاء على انقسام المجتمع بين من يسيطرون على مصادر السلطة المادية، وبين من لا يسيطرون عليها.

نشأ كل من الاستغلال والقهر عبر التاريخ البشرى إذن من انفصال السلطة القمعية عن إرادة البشر الخاضعين لها، و التى يمارسها الإنسان المتسلط على الإنسان المتسلط عليه، تلك السلطة الناتجة عن سيطرة المتسلطين على مصادر السلطة المادية دون المتسلط عليهم، ذلك لأن كل سلطة هى مفسدة، و كل سلطة مطلقة هى فساد مطلق، فالسلطة الفاسدة بطبيعتها، و فى حد ذاتها، تمنح الفرصة للإنسان المتسلط لأن يمارس استغلاله للإنسان المتسلط عليه وقهره أيضا.

ومن هنا فالقضاء على الاستغلال والقهر، لا يمكن أن يتحقق إلا فى إلغاء أسبابه الواقعية، و هو السلطة القمعية المنفصلة عن إرادة البشر وحريتهم، وذلك لا يتأتى إلا بالسيطرة الجماعية الكاملة على مصادرها المادية الثلاثة أى وسائل كل من الإنتاج والعنف والمعرفة، فلن يتم إنهاء العلاقات الاستغلالية والقمعية بين البشر، بالوعظ أو بالقمع، و لا بأوهام المستبد العادل، و انتظار تحلى البشر بالحكمة وحسن الخلق، والحكمة تقتضى أن عليك أن تقضى على الجرثومة المسببة للمرض بدلا من مجرد تخفيف الأعراض الناتجة عنها، و الجرثومة هى سيطرة الرأسماليين والبيروقراطيين على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، سواء عبر ملكية الأفراد الخاصة أو ملكية الدولة العامة، والجرثومة هى فى استمرار الناس فى الإنقسام بين من يملكون ومن لا يملكون، من يأمرون وبين من عليهم إطاعة الأوامر.

الصراع الاجتماعى

إذا كنت من الذين لا يملكون إلا قوة عملهم اليدوية أو الذهنية، و من المضطرين لبيعها مقابل أجر لإنتاج السلع والخدمات ، وفى نفس الوقت لا تملك سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بعملك، ذلك لأنك محروم من السيطرة على أى مصدر من مصادر السلطة المادية، وهى وسائل كل من الإنتاج والعنف و المعرفة، و إنك بسبب ذلك الحرمان، مضطر لإطاعة أوامر من يسيطرون على تلك الوسائل، فأنت إذن بروليتارى من البروليتاريين الذين يشكلون جماعة واحدة فى العالم هى البروليتاريا العالمية، و هم عبيد الاضطرار للعمل المأجور سواء لدى رأسالمال أو الدولة، بالاضطرار للخضوع لهما، و الذين توحدهم مصالح و أهداف و ظروف مشتركة بصرف النظر عن اختلافاتهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية واللغوية والثقافية و الجنسية، و بصرف النظر عن مستوى تعليمهم ومعيشتهم، وطبيعة عملهم و محل إقامتهم و أوطانهم، وأصولهم الاجتماعية.

البروليتاريون يشكلون الغالبية العظمى من السكان فى المجتمعات الرأسمالية، و فى كل العالم المعاصر، و الطريق الوحيد لانتزاع حقوقهم، و حرياتهم، وتحقيق مصالحهم، و أهدافهم المشتركة، هو وحدتهم الصلبة، و نضالهم المشترك فى كل مكان، بدءا من محل عملهم، وحتى العالم بأسره، وعدم سماحهم بتفتيت هذه الوحدة لأى سبب وتحت أى دعوة فى مواجهة كل هؤلاء الذين يسيطرون على مصادر السلطة المادية سواء الرأسماليين أو البيروقراطيين أو المثقفين المعبرين عن مصالح هؤلاء، و الذين يستغلون البروليتاريين ويضطهدونهم و يقهرونهم و يضللونهم، ويفرقوا بينهم بشتى السبل ليتسلطوا عليهم، ويشكلون بدورهم طبقة أخرى هى البرجوازية العالمية.

المصالح الأولية للبروليتاريا فى ظل المجتمع الرأسمالى، تتلخص فى كفالة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وزيادة ما يمكن أن يحصلوا عليه من إجمالى الناتج المحلى من خلال زيادة حصة عائد العمل “الأجور” بالنسبة لعوائد التملك “الربح والريع والفائدة” ، وهذا مشروط بتوافر درجة عالية من الديمقراطية السياسية والحقوق و الحريات الإنسانية وخاصة النقابية منها التى تتيح للبروليتاريا أدوات المساومة الجماعية مع الدولة و رأسالمال، بما يعنى الإمكانية المستمرة لتحسين ظروف حياتهم وعملهم.

أما المصالح النهائية للبروليتاريا فتعنى تحررها من عبودية العمل المأجور سواء للرأسمال أو للدولة، وخضوعها لأى منهم، وذلك لا يمكن أن يتم إلا بسيطرتها الجماعية على كافة وسائل الإنتاج و والعنف والمعرفة، وإدارتها لشتى شئون المجتمع لصالحها، بواسطة المجالس العمالية والنقابات العمالية والتعاونيات العمالية فى مواقع العمل والمناطق السكنية، و اتحادات تلك المجالس والنقابات والتعاونيات طوعيا من أسفل لأعلى. فإذ كنت بروليتارى وفق التعريف السابق فهذا البيان يتوجه إليك، و إلى كل زملاءك البروليتاريين، ونحن نطمح أن يكون هذا البيان أداة من أدوات كثيرة مطلوبة لتوحيد كل البروليتاريين الناطقين بالعربية، كعملية جزئية من عملية أشمل هى توحيد البروليتاريا العالمية باعتباره الطريق الوحيد لتحررها.

نحن نعرف بالطبع أن هذا الطريق وخصوصا فى منطقتنا بالغ الصعوبة، وأنه يحتاج لخطوات كثيرة لعل أولها أن يتحد البروليتاريون فى منظمات عمالية ديمقراطية ومستقلة عن كل من الدولة ورأسالمال، و ذلك لتنظم نضالهم من أجل مصالحهم وأهدافهم المشتركة، سواء الأولية منها أو النهائية، بداية فى كل وحدة إنتاج وخدمات ثم فى كل حى و مدينة وقرية و إقليم ودولة، وهكذا وصولا للوحدة العالمية للبروليتاريا العالمية، و لأن هذه المنظمات غائبة فى معظم بلدان المنطقة، و من ثم فالمطلوب عملية شاقة تحتاج لنضال دؤوب ومركز وطويل على كل بروليتارى واعى بوضعه الطبقى أن يشارك فيها ما وسعه الجهد.

إننا ننطلق فى رؤيتنا وممارستنا من أن الصراع الاجتماعى الجوهرى الذى لا يجوز أن يسبقه أو أن يحل محله أى صراع اجتماعى أو سياسى آخر هو الصراع بين الطبقتين الاجتماعيتين الرئيسيتين فىى العصر الحديث (البروليتاريا والبرجوازية).

البروليتاريون، هم المحرومين من السيطرة على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وانتاج المعرفة، والذين لا يملكون سوى قوة عملهم، والمضطرون لبيعها مقابل أجر، و لا يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياتهم وعملهم.

البرجوازيون، على النقيض من البروليتاريا، يسيطرون على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وإنتاج المعرفة، ويملكون سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف عملهم وحياتهم، وينقسمون إلى الرأسماليين وهم ملاك وسائل الإنتاج والثروة الذين يشترون قوة العمل المأجور و البيروقراطيين وهو كبار الإداريين والموظفين والساسة والمثقفين المعبرين عن مصالح هؤلاء وأفكارهم، الذين يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياة البروليتاريا وعملها .

سبب الصراع بين الطبقتين هو أن البروليتاريون هم عبيد العصور الحديثة، والبرجوازيون هم سادتها، وأن من مصلحة البروليتاريا أن تتحرر من تلك العبودية للبرجوازيين، ومن ثم فسوف يبقى الصراع بين الطبقتين طالما بقيت تلك العبودية.

تتواجد بين الطبقتين طبقة وسطى من المهنيين والحرفيين والمزارعين والفنيين المستقلين الأحرار الذين لا يعملون لدى أحد، ولا يستأجرون عمل الآخرين، ويطلق عليهم البرجوازيون الصغار الذين يمكنهم التحالف مع البروليتاريا أو البرجوازية حسبما تقتضى مصالحهم، ومن مصلحة البروليتاريا فى إطار صراعها مع البرجوازية أن تدفعهم للتحالف معها، فهم أيضا شركاءها فى الخضوع للبرجوازية التى تستغلهم.

البروليتارى فى تعبير آخر هو المحروم من السلطة نظرا لحرمانه من السيطرة على مصادرها المادية، أى وسائل الإنتاج والعنف المادى أو المعنوى والمعرفة، و البروليتاريون ومعهم البرجوازيون الصغار من المهنيين والحرفيين والمزارعين والفنيين المستقلين الأحرار هم خالقوا كل القيم المادية والمعنوية، وكل الثروات، وهم المحرومون منها فى نفس الوقت، فهم يخلقون بأنفسهم القيود التى تكبلهم بها البرجوازية، لأنهم لا يسيطرون علي الثروات التى يصنعوها بأنفسهم، ومن البديهى أن البروليتاريون لن يتحرروا من عبوديتهم للبرجوازيون سوى بسيطرتهم الجماعية على مصادر السلطة المادية.

الرأسمالية تقوم على استعمال العمل المأجور لإنتاج السلع وتقديم الخدمات، وتستولى لنفسها على الجزء الأعظم من الثروات التى تنتجها قوة العمل البشرى، وأى تجاوز للرأسمالية يعنى إلغاء و تجريم نظام العمل المأجور، كما سبق وألغت وجرمت البشرية العمل الجبرى والمجانى والعبودى بالقضاء على العبودية والإقطاع، وأى مشروع للتغيير الاجتماعى يحافظ على نظام العمل المأجور هو مشروع رأسمالى، وأى يسار لا يهدف إلى إلغاء نظام العمل المأجور و لايدينه هو يسار برجوازى و زائف، وعمليا لا يمكن إلغاء نظام العمل المأجور إلا فى النظام الاشتراكى التحررى.

النظام الاشتراكى التحررى

النظام الاشتراكى التحررى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر والمساواة فيما بينهم، يتأسس على الملكية التعاونية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما فى رأسمالية الدولة، ولا الملكيةالخاصة كما فى رأسمالية الأفراد، و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب صفاته الجسدية والعقلية و مكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة.

أن هذا الإنسان الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها و لا اختيار، سواء الصفات الوراثية أو الأوضاع الاجتماعية، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى تعاونية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط، ومن ثم تتعدد التعاونيات التى يمكن أن ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته، ولهذا فلابد أن يكون باب العضوية مفتوح لكل من يطلب عضوية تلك التعاونيات بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي .

يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى إذن بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من تعاونيات، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع التعاونيات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية وإئتمانية وتأمينية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية،كما يمكن للتعاونية الواحدة أن تجمع بين العديد من الأنشطة المتكاملة، لتشمل كل أوجه النشاط البشرى المختلفة، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته، وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، و تتحدد جميعها وفق إرادته الحرة.

يقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك التعاونيات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم، بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها، ومن ثم تتعدد التعاونيات بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية واحتياجاتها.

لأنه لن يمكن للبروليتاريا عمليا كى تتحرر إلا مصادرة ثروات مضطهديهم ومستغليهم من البرجوازيين، وإدارتها ذاتيا لصالح العاملين فيها وفق قواعد التعاون عبر المجالس العمالية والنقابات العمالية، فإن البرجوازيين الصغار سوف يستمرون فى الوجود بملكياتهم الصغيرة والقزمية بشرط منعهم من استخدام العمل المأجور، ولهم أن ينضموا للتعاونيات أو يعملوا على نحو مستقل، و فى حالة انضمامهم للتعاونيات فسوف يتم الإبقاء على حصصهم فى تلك التعاونيات كملكية خاصة لهم فى ظل شروط ومبادىء التعاونيات، كما أن مبدأ التوزيع كل حسب عمله الاشتراكى سوف يتحول إلى كل حسب احتياجه الشيوعى بحل مشكلة الندرة الاقتصادية، وتحقيق الوفرة الإنتاجية التى سوف تقضى على الأساس الموضوعى للملكية الخاصة.

وفيما يتعلق بتنظيم شئون التعاونية فهو كالتالى :-

لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المادية المختلفة حسب الحالة، فيكون للتعاونية حق الانتفاع بكل مصادر السلطة المادية التى تمكنها من ممارسة نشاطها، من عقارات وآلات وأموال وغير ذلك، والتى لا يجوز تجزئتها على أى نحو، أو تفتتها لملكيات خاصة للأفراد، أما أعضاءها فيملكون حق الانتفاع بها على نحو متساو، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات خاصة لاستعمالهم الشخصي، بالإضافة إلى ملكيتهم لحصصهم الخاصة التى اشتركوا بها فى التعاونية عند التحاقهم بها إن وجدت، والتى تتيح لهم حرية الانفصال عن التعاونيات، والانضمام إليها.

تلتزم التعاونية بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية، و تساعد التعاونية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها كعضو بحصة فى التعاونية و بالعمل فيها. على أن يكون لكل عضو فى التعاونية التحررية صوت واحد بصرف النظر عن حصته فى رأسالمال. و لكل عضو أن ينسحب من التعاونية فى أى وقت، على أن يأخذ حصته التى اشترك بها فقط من رأسمال التعاونية.

التعاونيات لا تهدف بنشاطها للربح، و إنما تهدف أساسا لاستيفاء الحاجات الاستعمالية لأعضاءها، بانتاجها وتوفيرها أو بتبادل فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها مع فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها التعاونيات الأخرى، و من ثم يوزع صافى العائد الناتج عن نشاط التعاونية فى حالة تحقيقه على شكل نسب محدودة يتفق عليها أعضاء التعاونية فى جمعياتهم العمومية توزع على الترتيب التالى : نسبة محدودة للأعضاء حسب مساهماتهم الاقتصادية، نسبة محدودة لتكوين الاحتياطى المالى للتعاونية، وهو غير قابل للتجزئة على أى نحو، نسبة محدودة للخدمات التى تقدمها التعاونية لأعضاء التعاونية وللمجتمع المحلى، نسبة محدودة لمكافأة المفوضين بالإدارة عن أعمالهم الإدارية التى أدوها، و يوزع الباقى من عائد التعاونية الناتج عن نشاطها الإنتاجى للسلع والخدمات على الأعضاء المنتجين، وفق ما أداه العضو من جهد فى الإنتاج. و يوزع الباقى من عائد التعاونية الناتج عن نشاطها الإستهلاكي للسلع والخدمات على الأعضاء المستهلكين، وفق ما استهلكه العضو من سلع وخدمات.

تتأسس إدارة التعاونية على الديمقراطية المباشرة، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط التعاونية و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط التعاونية، يحق لكل أعضاء التعاونية مناقشته، و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى التعاونية تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين، ويحق لأعضاء التعاونية مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية و إدارية يتخذها أعضاء التعاونية ديمقراطيا، وقرارات فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم، كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من التعاونية على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم .

تحدد سياسة التعاونية و قراراتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية، وذلك بالأغلبية المطلقة لأصوات الأعضاء. و تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية. و كل أعضاء التعاونية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء. و على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.

الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد، وبناء على ذلك فلكل تعاونية أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم، أو قبلوها مع انضمامهم للتعاونية، وأن تفصل فى كل الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء، وتعاقب على كل المخالفات التى قد يرتكبوها، وتحفظ أمن التعاونية وأعضاءها، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.

من هذه التعاونيات الأولية التى تشكل خلايا المجتمع الاشتراكى التحررى، تتشكل اتحادات تعاونية، فيما بين التعاونيات، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا، تهم قطاعات أوسع من البشر، وتلبى احتياجاتهم المشتركة، الأمر الذى يمكن أن يتم عبر الاتحاد بين التعاونيات، فتنشأ اتحادات تعاونية تسعى لتحقيق أقصى درجة ممكنة للإكتفاء الذاتى من الاحتياجات المختلفة للأعضاء، حفاظا على حرية أعضاء التعاونيات، واستقلالية التعاونيات التى ينتقص من حريتها واستقلاليتها، مركزية المجتمع، وإدارته المركزية، فضلا عن أن ترتيبه بشكل هرمى، يجعل من سلطات قمته قيدا على حريات قواعده، ولمؤسساته العليا سلطة تقيد مؤسساته الدنيا.

تقوم الاتحادات التعاونية المختلفة بإدارة المشاريع الكبيرة، و الأنشطة الضخمة، والمرافق العملاقة، وتؤدى المهام التى لا تستطيع القيام بها التعاونيات منفردة، فالاتحادات التعاونية هى تعاونية أكبر حجما لا تقوم بين أفراد بل بين تعاونيات أصغر حجما، و تقوم على نفس الأسس التى تقوم عليها التعاونيات، و التى تنضم للاتحاد التعاونى، لتلبى المطالب المشتركة لتلك التعاونيات وأعضاءها، كما ينضم الأفراد للتعاونيات لتلبية مطالبهم المشتركة.

يقوم الاتحاد التعاونى بحل التناقضات والمنازعات والخلافات بين التعاونيات المنضمة له لتحقيق المصالح و الاحتياجات المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه وأعضاءها، على أساس مبدأ التعاون بين التعاونيات، والتبادل التعاونى للسلع والخدمات. وهذا المبدأ يحل مشكلة التفاوتات التىى يمكن أن تحدث بين تعاونيات غنية وتعاونيات فقيرة بحكم طبيعة نشاط كل منهما أو حجم أعمالها، ويحل المشاكل التى يمكن أن تحدث بناء على تضارب المصالح بين التعاونيات، ويمنع الإضرار بالمصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة للاتحاد التعاونى.

الاتحادات التعاونية تقوم على الانضمام الطوعى للتعاونيات، عبر مفوضين منتخبين من تلك التعاونيات، و يحق لأعضاء التعاونيات المنضمة للإتحاد التعاونى مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومقتضيات تفويضهم .

مثلما يحدد أعضاء التعاونيات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى، تحدد التعاونيات المنضمة للاتحادات التعاونية القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى، وأن تعاقب الاتحادات التعاونية المخالفين لتلك القواعد، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين التعاونيات المختلفة، وتحفظ أمن الاتحاد التعاونى وأعضاءه، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.

إذا كانت عضوية الأفراد فى التعاونيات وعضوية التعاونيات فى الاتحادات التعاونية طوعية، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من التعاونيات، وللتعاونيات من الاتحادات، وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين التعاونيات المختلفة، و التعاونيات للاتحادات التعاونية حرية مكفولة للجميع.

أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية، وليست سياسية، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .

من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة، والمتفق عليها من الأفراد و التعاونيات والاتحادات التعاونية.

نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات والاتحادات التعاونية يمكنها أن تمارس كل الأنشطة السيادية والإنتاجية والخدمية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة، و يمارسها الرأسماليون، على السواء، بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق و المؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات وبين المنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط، لا فى حجم الأعمال، ولا فى عدد العاملين بها، و لا فى طبيعة ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات، فكما توجد شركات ومشاريع رأسمالية أو حكومية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يمكن أيضا أن تتكون تعاونيات واتحادات تعاونية تحل محلها جميعا.

يمكن للتعاونيات واتحاداتها أن تقوم بإنتاج كل السلع، وتقديم كافة الخدمات، وأداء كافة المهام السيادية للدولة، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات، بعيدا عن مؤسسات الدولة و منشئات رأسالمال.

عندما نشأت الرأسمالية من قلب الإقطاع وسادت العالم بعد ذلك، لم تكن نتيجة فكرة فى عقل المفكرين، ولم تنشأ لأن حزبا ما ناضل من أجل تحقيقها،أو أن ثورة ما قامت لتطبيقها، فقد نشأت الرأسمالية عندما تطورت الورش الحرفية إلى مصانع، بسبب التطور التكنولوجى، و استئجار أصحاب الورش العمال على نطاق واسع مما قلب العالم الإقطاعى رأسا على عقب، والاشتراكية التحررية لا تقدم نموذج هندسى سابق التخطيط، وإنما تستند رؤيتها للتغيير الاجتماعى على التعاونيات باعتبارها نموذج قائم فعليا فى الواقع كنظام هامشى، يمكن له النمو ليصبح النظام السائد بعد زوال الرأسمالية والدولة الحديثة المرتبطة بها، وتدخلنا النضالى من أجل تحقيق هذا التطور التقدمى فى تاريخ البشرية، هو إزالة التشوهات الرأسمالية والبيروقراطية منها، والنضال من أجل أن تكون التعاونيات التحررية النظام السائد، ومن ثم لا يمكن وصف رؤيتنا بالخيالية كما يزعم خصومنا، فنحن لسنا هواة هندسة اجتماعية لتناقض الهندسة الاجتماعية أساسا مع احترامنا للحرية الفردية والكرامة الإنسانية.

الاشتراكية التحررية مشروع أممى، ومعادي لكل الحركات والمشاريع السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى، فالاشتراكية التحررية مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم، ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد، وملكيتهم الجماعية المشتركة، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس تمييزى بغيض .

من هنا فأننا نناضل بكافة السبل من أجل تحول القطاعين العام و الحكومى المملوكين للدولة والقطاع الخاص الرأسمالى إلى بديل التعاونيات واتحاداتها، بطريقتين هما المبادرة الجماهيرية لتأسيس التعاونيات و النضال الجماهيرى الضاغط على الدولة والرأسماليين لتحويل كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية والتأمينية والإئتمانية، سواء الحكومية أو العامة أو الرأسمالية إلى تعاونيات.

تشجيع ومساعدة ودعم العمال المستقلين والمهمشين والمتعطلين عن العمل و الحرفيين والمهنيين والمزارعين المستقلين على تكوين التعاونيات التى تشبع احتياجاتهم المختلفة، باعتبارها وسيلة لتحررهم الذاتى من سيطرة واستغلال كل من الرأسماليين و بيروقراطية الدولة، و إزالة المعوقات التى تحول دون ذلك.

أهداف الاشتراكية التحررية ومبادئها.

أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، و يزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية، إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية، و من الأوهام والأساطير والمؤسسات السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها..وهو ما يعبر عنه برنامجنا النضالي المرحلي

جذور تاريخية للتيار الاشتراكى التحررى

اللاحكمي هى الترجمة العربية الأدق للتعبير عن تيار سياسى واجتماعى و فلسفى، تعددت أسماءه و رموزه الفكرية، و تجسيداته سواء فى حركات ثورية أو فى ثورات حدثت عبر التاريخ، وتتنوع بداخله المدارس برغم ما يجمعه من إطار عام، عرف فى اللغة العربية بالفوضوي التى هى ترجمة غير دقيقة لكلمة ((Anarchy)) والتى تعنى فى الإنجليزية (لا حكم ) ، وأصلها فى اللغة اليونانية، فى حين أن الفوضوي اشتقاق نسب عربى من فوضى، وترجمتها فى الإنجليزية ((chaos))، ومن ثم فهى ترجمة فضلا عن عدم دقتها فهى خبيثة حيث تهدف لتنفير من يسمعها، وقد عرف هذا التيار فى العربية أيضا أيضا باللاسلطوى، و التحررى، وأحيانا كما تنطق بالإنجليزية دون تعريب الأناركى.

يرجع هذا التيار لجذور فكرية قديمة إلى ما قبل العصور الحديثة، تعلى من قيمة الحرية الإنسانية، وترفض السلطة القمعية وتنقدها، وتعتبر الدولة كمؤسسة فى حد ذاتها مصدر كل شر، ومصدر القهر الواقع على الإنسان، وسبب استغلاله وإفساده وتشويهه، وتبشر بعالم يخلو من هذا القهر، وذاك الاستغلال، وبإمكانية أن يحيا البشر أحرارا دون هذه المؤسسة القمعية المتعالية عليهم، و المتسلطة عليهم، أيا ما كان نظامها، ويرى البعض الآخر أن هذا التيار هو الامتداد الأكثر جذرية لفكر عصر التنوير الذى سبق الثورة الفرنسية، بشعـاراتها الثـلاث ( الحرية، و الإخاء، والمساواة )، كما يرى البعض أن هناك جذورا أناركية فى كل الثقافات عبر التاريخ فى الصين واليونان والعالم الإسلامى.

تنقسم جذور هذا التيار فى العصر الحديث لعدة منابع بدأت فى القرنين الثامن و التاسع عشر، الاناركية الفردية ويمثلها المفكر الإنجليزى جودوين والمفكر الألمانى شترينر، وهى تقوم على الحرية المطلقة للفرد إزاء أى سلطة أو جماعة، ومن هذا المنبع تتواجد تيارات الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية وهى تيارات هامشية لا تمثل التيار الرئيسى فى الاناركية.. و الاناركية التعاونية أو التبادلية ويمثلها المفكر الفرنسى برودون، و الاناركية الجماعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي باكونين، و الاناركية الشيوعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي كروبوتكين، و كل من الأناركيات التعاونية والجماعية والشيوعية تنشد مجتمع تتعاظم فيه الحرية الفردية، و تنتفى فيه السلطة القمعية، فى إطار جماعى منظم تعاونيا، باعتبار الإنسان فى النهاية حيوان اجتماعى؛ وتختلف فى تفاصيل حول الملكية الخاصة بنفيها أو تحديدها، وأسلوب تحقيق الاحتياجات البشرية إذا ما كانت حسب الحاجة أم الجهد المبذول فى العمل.. و الاناركية المسيحية ويمثلها الروائى الروسى الشهير تولوستوى الذى استلهم من المسيحية رؤى أناركية. كما ظهر مؤخرا من تأثر بأفكار هذا التيار من المفكريين الإسلاميين والبوذيين على قلتهم النادرة، فظهرت الاناركية الإسلامية و الاناركية البوذية، ويوجد تيار الاناركية البدائية وهو تيار هامشى مثله مثل تيارات هامشية أخرى تقترب من البوهيمية والعدمية والفردية المتطرفة.

بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت الاناركيات التعاونية والجماعية و الشيوعية و الاشتراكية كتيار قوى فى العديد من البلدان الأوربية و الأمريكية، شاركت فى الأممية الأول(جمعية العمال الدولية)، وتصارعت فكريا وتنظيميا مع الماركسية متهمة اشتراكيتها بالسلطوية، وخرج ممثلوا هذا التيار الاناركى ليشكلوا أممية أخرى، وشارك الأناركيون الجماعيون والاشتراكيون و الشيوعيون فى العديد من الحركات الثورية فى روسيا و أسبانيا وفرنسا وإيطاليا، و حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وخلال ذلك ظهرت فى داخل هذا التيار الاناركية النقابية فى فرنسا، والتى بلغت أوجها فى أوائل القرن العشرين، وظهر اتجاه ماركسي لا سلطوي فى مواجهة التفسير اللينينى السلطوى للماركسية، ويمثله كل من روزا لوكسمبورج و بانيكوك، والمعروف الآن بشيوعية المجالس، وهم الأقرب للماركسية الأصيلة، والأقرب للأناركية الشيوعية، من كل التيارات الماركسية الأخرى، و يشكلان معا تيار الاشتراكية التحررية.

ما أن انتصفت ثلاثينات القرن العشرين حتى انتهت كل هذه التيارات لفترة كمون طويلة، حتى اعتقد البعض أنها انتهت تماما، وأصبحت مجرد جزء من التاريخ، ومجرد تراث من الأفكار .

مع منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأ جهد نظرى لإحياء الأناركية الشيوعية، حيث ظهرت كتابات جديدة لمفكرين جدد تعتمد على نقد الكتابات والممارسات السابقة، وتحاول استشفاف رؤى جديدة تلتزم بالإطار العام الأناركى والتحررى، وفى منتصف الستينات، ومع ظهور اليسار الجديد، خرج هذا التيار من كمونه، واخذ ينتشر مجددا فى العديد من بلدان غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع سقوط الدول التى تدعى بالاشتراكية فى أواخر الثمانينات، و سقوط اللينينية أحزابا وأفكارا مثلما سقطت الاشتراكيات الديمقراطية والإصلاحية والقومية، و زاد التشكك فى أهمية دور الدولة،وتأكد خطورة تضخم جهازها البيروقراطى، واستمرار نقد كل من النظرية والممارسة السلطويتين، ونقد الأيديولوجيات التسلطية و الإصلاحية والقومية، أخذ هذا التيار يكسب مواقع متزايدة فى أوروبا واستراليا والأمريكيتين وشرق آسيا، وبعض بلدان الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، وفى السنوات الأخيرة شارك أعضاء هذا الاتجاه فى الكثير من الأحداث، و بفضل ثورة الاتصالات الأخيرة أخذ ينتظم عالميا، ويزداد تأثيره وضوحا، وعرف مفكرين جدد أشهرهم عالم اللغويات الشهير ناعوم شومسكى، و سام دوجلوف ودانيال جرين وأنطونيو نيجرى وغيرهم …ويدخل تحت هذا التيار مدارس عديدة تتفق فى الإطار العام، وتختلف فيما بينها فى التفاصيل العملية،لا النظرية، فهناك شيوعية المجالس، و الاستقلالية، والمواقفية، و الاناركية النقابية، والبرنامجية، و التسيير الذاتى، و التعاونية.الخ، وكل هؤلاء يشكلون الجناح اليسارى فى الاناركية ، وهم التيار الرئيسى فيها، مع وجود من يمكن اعتبارهم الجناح اليمينى المتمثل فى الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية. فالاناركية ليست مذهبا جامدا، ولا تعرف النصوص المقدسة، ورموزها من المفكرين مجرد مجتهدين لا أنبياء، ولا قداسة لهم، ولا لنصوصهم ، ومن ثم يقبل هذا التيار النقد والتطوير داخل إطار مبادئه العامة.

لماذا نحن اشتراكيون تحرريون؟

التحررية دون الاشتراكية تؤدى إلى الاستغلال والقهر، والاشتراكية دون التحررية تؤدى إلى الاستغلال والقهر أيضا، ومن هنا ترى الحركة الاشتراكية التحررية أن الانفصال بين هدف تحرير الأفراد، و بين هدف المساواة فى الحقوق فيما بينهم، يعنى فى النهاية استمرار كل من استعبادهم واستغلالهم بأشكال مختلفة، إلا أنه يحدث مرة باسم الحرية الفردية كما فى الرأسمالية الفردية، ومرة أخرى باسم المساواة كما فى اشتراكية الدولة، ومن ثم نرى أنه من البديهى أننا لو منحنا الحرية للأفراد على إطلاقها مثلما هى للحيوانات فى الغابة، لتحولوا لوحوش وفرائس، يفترس ويستغل ويقهر الأقوياء فيهم الضعفاء، ولو ساوينا بينهم دون اعتبار لإرادتهم الفردية لقمعنا حريتهم.

انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية لغرب يدعى التحررية، وشرق يدعى الاشتراكية، والحقيقة أن ما كان فى الغرب لم يكن أبدا إلا حرية الرأسماليين فى استغلال العمال وقهرهم، وأن ما كان فى الشرق لم يكن أبدا اشتراكية بل كان قهر البروليتاريا واستغلالها من قبل الدولة لصالح كبار رجالها و إدارتها الذين يطلق عليهم البيروقراطيين.

فما هى تلك الحرية فى ظل التحررية الرأسمالية؟، سنجد أننا لو أخذنا أحد مبادئها مثلا، وليكن أن جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وأن جميع المواطنين لهم الحق على قدم المساواة فى اللجوء للقضاء، فلنرى إذن ماذا يحدث واقعيا لو نشب نزاع بين مواطنين غير متساوين فى قدراتهم الواقعية، مالية كانت أو أدبية، رغم مساواتهم القانونية، بالطبع لهم الحق فى اللجوء للقضاء، إلا أن الطرف الأقوى هو الأقدر على أن يستأجر أكفأ المحامين، وأن يرشو القضاء لو استطاع أن يؤثر عليه بما له من قدرات أو نفوذ، وربما عجز الطرف الأضعف عن الدفاع عن نفسه، وعن تكليف محامى كفء لشرح دعواه، و إقناع القضاء بها، فالقانون دائما كان مجرد سيف يصنعه الأقوياء ليسلطوه على الضعفاء فحسب.

من ناحية أخرى، من هم الذين يشرعون القوانين، ويصدرون القرارات واللوائح، ويتابعون تنفيذها، والحكم بها ؟، أليسوا هم أعضاء البرلمان والوزراء والرؤساء والحكام، وفى هذا الخصوص تعطى التحررية الرأسمالية جميع المواطنين حق الترشيح لتلك المناصب العامة على قدم المساواة لكل المواطنين، ولكن كل من الرأسمالى والبيروقراطى والمرشح المعبر عن مصالح الرأسماليين والبيروقراطيين هو وحده القادر على الاستمتاع بهذا الحق عمليا، فى حين تحرم منه البروليتاريا والمرشحين المعبرين عن مصالحها، فالرأسماليون والبيروقراطيون فقط هم القادرين على تمويل حملاتهم الانتخابية، بما يملكوه من أموال ونفوذ، و هم القادرين على شراء ولاء المرشحين المستعدين للتعبير عن مصالحهم بتمويل حملاتهم الانتخابية، وتسخير الإعلام لتسويقهم بين الناخبين، وهم لكل هذه الأسباب لهم الفرصة الأكبر فى النجاح فى الانتخابات لتلك الوظائف العامة.

وما هى اشتراكية الدولة؟، ألم تكن حكم المواطنين بأجهزة الأمن، وترويضهم بأجهزة الإعلام، التى ساعدت البيروقراطيين فى استغلال البروليتاريا، والاستمتاع بالامتيازات المختلفة على حسابها، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى ألا تنتج البروليتاريا إلا ما يريده البيروقراطيون، وبالكيفية التى يريدونها، بعيدا عن ما يحقق الرفاهية للبروليتاريا، وبعيدا عن سيطرتهم على ظروف عملهم وحياتهم، كما كانت تبشر بذلك الاشتراكية فى أصولها، وما هو الفرق الحقيقى بين بروليتارى يعمل لدى الدولة دون أى حقوق نقابية، وبين بروليتارى يعمل لدى الرأسمالى، فى كلتا الحالتين نراه لسد حاجته للطعام، يتنازل عن حريته ووقته وجهده، مرة للرأسمالى، ومرة لبيروقراطى الدولة، ألم تكن اشتراكية الدولة تلك تعنى إهدار الموارد، فى سباق التسلح و غزو الفضاء فى حين كان منتجى الثروة من البروليتاريين لا تتوفر لهم الكثير من سبل الحياة الكريمة ؟، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى استعباد ملايين البروليتاريين فى معسكرات للعمل؟، فالاشتراكية لا يمكن أن تعنى شيئا مهما للبروليتارى، لو لم تكن هى الحق المطلق للبروليتاريين باعتبارهم منتجى الثروة فى التحكم فى ظروف حياتهم وعملهم، و الاستمتاع بما ينتجوه من ثروات، ولو لم تكن تحريرهم من نظام العمل المأجور، ولكن ما حدث أن اشتراكية الدولة لم تقدم ما وعدت البروليتاريا به، بل قدمت نموذجا كئيبا للحياة، ولم تترك لهم فرصة الإبداع والمبادرة والحرية، فما كان أسهل أن يخسروا ما روضتهم به الدولة من مكتسبات قليلة بالمقارنة بما كان يتمتع به البروليتاريين فى الغرب الرأسمالى.

لم يكن ما حدث هنا أو هناك، أو ما تطورت إليه الأمور فى كلا المعسكرين مفاجأة للاشتراكيين التحرريين بل كان جزء من انتقاداتهم التقليدية لكلا النظامين، وتنبؤاتهم الفكرية بسقوطهما، فالحرية الفردية لأفراد غير متساوين واقعيا تعنى خضوع الأطراف الضعيفة لإرادة الأطراف القوية، ومن ثم إتاحة الفرصة للأقوياء لاستغلال الضعفاء وقهرهم، والمساواة بين أفراد غير أحرار يعنى قدرة من سلبوهم تلك الحرية فى أن يستغلونهم فضلا عن قهرهم، وأن يتمتعوا بامتيازات لا يتمتع بها عبيدهم.

أوهام وأساطير سلطوية نرفضها

أن الاشتراكية التحررية ترتكز على الدحض الكامل لمجموعة من الأساطير السائدة بقوة بين الناس،وهى تعيق تقبلهم للأناركية، ومن البديهى أنها و رغم كونها قناعات الغالبية، إلا أنها ليست بالضرورة قناعات صحيحة، ومن ثم يمكن لنا رفضها ببساطة، والتشبث بما نراه صحيحا، لأنه دائما ما كان التطور الاجتماعى نتيجة أفكار طلائع ورواد كانوا دائما يشكلون قلة اجتماعيا قبل أن تسود رؤيتهم بين الغالبية.

ضرورة الدولة

يدعى السلطويون أن السلطة القمعية التى تعتبر الدولة أهم مؤسساتها، ضرورة اجتماعية مطلقة لضمان سير المجتمع وتماسكه وحمايته من أعدائه الخارجين عن قوانينه، وقواعده، وأعدائه، من الطامعين فى السيطرة عليه وغزوه، وحماية غالبية المواطنين الصالحين والطيبين من القلة الضالة والمنحرفة والخارجة عن السيطرة والقانون، وأن المشكلة ليست فى السلطة القمعية فى حد ذاتها، ولكن فيمن يمارسها، وكيف يمارسها. أما نحن فنرى أن السلطة تفسد من يمارسها، ولو خلصت نيته، وحسنت أخلاقه، و أنه من الخيالية أن نركن لوهم أن تحكمنا الملائكة البشرية التى لم يخبرنا التاريخ أنها حكمتنا من قبل، فحتى لو حكمتنا فسوف تتحول لشياطين بمجرد إحساسها بدفء مقاعد السلطة، فالسلطة تقمع وتشوه من تمارس عليهم مثلما تشوه وتفسد من يمارسوها .

هذا لا يعنى إنكار أن البشر فى أمس الحاجة دائما لتنظيم يضمن تعاونهم، وينظم نشاطهم الجماعى لتلبية احتياجاتهم المشتركة دون أن يقمعهم ودون أن يتعالي عليهم، وهو أمر مختلف تماما عن السلطة القمعية التى تتعالى عليهم، و التى تقهرهم رغما عن إرادتهم، ومن خارجهم، فهناك فرق بين سلطة إدارية تمارس للتنظيم، كسلطة رجل المرور فى الشارع، وسلطة قبطان السفينة فى أعالى البحار، وسلطة الطيار فى طائرته، وبين السلطة السياسية القهرية والمتعالية والمنفصلة عن إرادة وحرية البشر التى ترفضها الحركة الاشتراكية التحررية، وهذا الرفض لا يعنى أن الاشتراكية التحررية ضد تنظيم المجتمع عبر هيئاته التفويضية المنتخبة، و الاشتراكية التحررية بالضرورة مع وجود قوة رادعة، و قامعة للاعتداءات المخلة بأمن الناس وحريتهم وحقوقهم.

الديمقراطية التمثيلية النيابية

يزعم السلطويون الديمقراطيون أن الديمقراطية التمثيلية النيابية هى أقرب شكل ممكن لممارسة السلطة يضمن الحرية للبشر، وما هى فى الحقيقة سوى مجرد إعطاء الأغلبية الحق فى أن تذهب بشكل دورى لتختار من بين السياسيين الرأسماليين والبيروقراطيين الذين يمثلون النخبة الحاكمة من سيمارس عليهم السلطة، وباسمهم، فى تمثيلية لا تنطلى إلا على السذج، فمن يملكون أى من مصادر السلطة، هم وحدهم القادرين واقعيا على الفوز فى الترشيح للمجالس التمثيلية الذى يكتفى المحرومون منها واقعيا بمجرد حقهم القانونى والشكلى فى الترشيح، فليس لهم سوى اختيار أى من هؤلاء المرشحين سيمثلهم لعدة سنوات، معتمدين فى اختيارهم على مدى تأثرهم بالدعاية الانتخابية التى تملك وسائلها النخب الحاكمة والمالكة التى يمثلها هؤلاء المرشحين.

فى حين نؤكد نحن على شكلية ديمقراطية الصندوق الانتخابى، ومن ثم نرفضها، فالممارسة السياسية عبر الصناديق الانتخابية مهزلة سخيفة، وخدعة كبرى تمارس باسم الحرية، ولا يمكن أن تأتى بمن يعبرون عن المصالح النهائية للبروليتاريا، لأن النخب السياسية البرجوازية سواء فى الحكم أو فى المعارضة تحتكر وحدها دون البروليتاريا الناخبة كل وسائل التأثير على عقول تلك البروليتاريا، والمحجوب عنها المعرفة، والمعلومات الضرورية، مما يجعلها عاجزة عن اتخاذ القرار الصحيح، فضلا عن انها خاضعة أساسا لعملية تشكيل العقل و توجيهه إلى ما تريده هذه النخب من أراء، و التى تتنافس فيما بينها فى لعبة كراسى موسيقية، لتبادل مقاعد الحكم و المعارضة، فبطاقة الاقتراع بين أيدى شعب أهمل تثقيفه عمدا، وتنتشر بين أفرادة كافة أنواع الأميات الأبجدية والثقافية والمعلوماتية، وتتسلط عليه أدوات غسل العقل وتعليبه، و صناعة الوعى وتشكيله، ليست سوى حيلة ماكرة لإنتاج وتجديد إنتاج نخب حاكمة ترتدى أقنعة التمثيل الشعبى الكاذب، و مهمتها الجوهرية هى أن تحافظ على مصالح ملاك الثروة و وسائل العنف والمعرفة.

يؤكد ما نذهب إليه ضعف الحركات السياسية والنقابية العمالية، وأن المشاركة الجماهيرية فى النقابات و الأحزاب السياسية خصوصا، والعملية البرلمانية عموما قد تدهورت بمعدلات مذهلة، لتتحكم فى العملية السياسية كلها جماعات الضغط للقضية الواحدة كالبيئةـ و الأقليات من جانب الناخبين، والمال والعصبيات القبلية والطائفية، وأن العملية الانتخابية والممارسة البرلمانية من أولها لآخرها هى مجرد سيرك للثرثرة و التضليل، فنجاح الحملات الانتخابية للمرشحين تعتمد على وسائل الترويج الإعلانى بأكثر مما تعتمد على البرامج الانتخابية، وذلك لجذب أصوات جماعات الضغط، والناخبين عادة لا يجدون فروقا واضحة بين البرامج تستدعى الاهتمام بالاختيار بين المرشحين، ومن ثم يعتمد النجاح فى الانتخابات على الجوانب الشخصية للمرشح، وإمكانيه جذبه لأصوات الناخبين، الذين قد ينجذبون لما له من جاذبية شخصية لا اقتناعا بالبرنامج الانتخابى الذى يقدمه.

ديكتاتورية البروليتاريا

يدعى السلطويون الاشتراكيون أننا يجب أن نمر بمرحلة انتقالية مؤقتة نحو المجتمع الشيوعى، تسمى ديكتاتورية البروليتاريا تقوم فيها الدولة الاشتراكية، باحتكار كل السلطات ومصادرها باسم البروليتاريا التى تقع فى العبودية لمن يملكون السلطة الفعلية من الساسة والبيروقراطيين والعسكريين، والدولة الاشتراكية هنا مؤسسة كلية القدرة والجبروت تسحق كل الخاضعين لسلطانها الشامل بأسوأ مما تفعله الدولة الرأسمالية، وهى تستند على تمثيل البروليتاريا، لتبرر السلطة الواقعية لأفراد ونخب سياسية، يسيطرون فعليا على مصادر السلطة الواقعية دون من تدعى تمثيلهم، ومن ثم تنفرد تلك النخب بممارستها، فمن يحوز على السلطة ومصادرها لا يتنازل عنها، بل لابد وأن يدافع عن ما يحوزه بكل الوسائل الممكنة مهما بلغت شراستها، ومهما كانت أفكاره ونواياه المعلنة، فأنه مضطر لخيانتها لمقتضيات الحفاظ على موقعه فى السلطة، هذا ما أثبتته وقائع التاريخ فى الدول التى كانت تدعى بالاشتراكية، وما يبرهن عليه المنطق، فالبشر الأعلى ليسوا بملائكة حتى يتنازلوا عن امتيازاتهم ونفوذهم بمحض إرادتهم دون أى ضغط عليهم من من هم أسفلهم من البشر .

الاشتراكية الإصلاحية

يعتقد السلطويون الإصلاحيون بواقعية الإصلاح عبر كل من البرلمان والنضال النقابى فى ظل الديمقراطية البرلمانية وهذا لأنه مع ثمانينات القرن التاسع عشر دخلت الرأسمالية مرحلتها الاحتكارية، التى تميزت بتكون هامش ربح إضافى سمى بالربح الاحتكارى الناتج عن الأوضاع الاحتكارية للمؤسسات الرأسمالية، وما تلى ذلك من الارتباط المباشر بين تلك المؤسسات الرأسمالية والدولة، و هذا ساعد مع تصاعد النضال العمالى من أجل تحسين ظروف العمل والحياة، فضلا عن الحصول على الحقوق السياسية للبروليتاريا فى بعض البلدان، على نشأة وتطور الإصلاحية بملامحها المعروفة، فقررت الطبقات الرأسمالية، و بما توفر لديها من فوائض مالية من الربح الاحتكارى، و عن اضطرار، أن تستجيب لبعض المطالب العمالية النقابية والسياسية التى لا تمس الجوهر الرأسمالى، وهو ما قلم أظافر الطبقة العاملة فى النهاية وروضها تدريجيا، الأمر الذى دشنه فكريا مفكروا الإصلاحية والاشتراكية الديمقراطية، فالطريق الإصلاحى الواقعى الذى رسموه لخوض الصراع الطبقى تحول لدي من أتوا بعدهم لتعاون طبقى، ثم تدهور مؤخرا موقف الإصلاحية ليصبح الدفاع عن الرأسمالية باسم الليبرالية ذات البعد الاجتماعى والأخلاقى فيما بعد، ونلاحظ أنهم فى كل تلك الأحوال سعوا للفوز بأغلبية مقاعد البرلمانات، والوصول للسلطة عبر صناديق الاقتراع من أجل الإصلاح التدريجى للرأسمالية، مبشرين بامكانية تحولها إلى الاشتراكية، وتورطوا من أجل ذلك فى الممارسات السياسية اللاأخلاقية، هكذا بدأوا بالفعل، حتى انتهى بهم الحال ليكونوا مجرد أداة لحل أزمات الرأسمالية، وتجميلها، بتسكين آثار الصراع الطبقى وتهدئتها، وكان ما أضاف للإصلاحية قوة دفع كبيرة طوال القرن العشرين، هو زيادة التدخل الحكومى فى الاقتصاد لتنشيط الطلب العام على السلع والخدمات، وذلك بزيادة الانفاق الحكومى العام، بواسطة زيادة الضرائب، وذلك للقضاء على الكساد والبطالة وتوسيع سوق الاستهلاك.

أضيف إلى هذا عامل سياسى آخر هو ظهور الكتلة المسماة بالاشتراكية، وما شكلته من نموذج بديل ألهم بشعاراته البروليتاريا بالثورة طوال القرن العشرين، مما اضطرت معه الرأسمالية المتقدمة لتقديم المزيد من التنازلات للطبقات العاملة و الوسطى فيما عرف بدولة الرعاية الاجتماعية، ساعد فى ذلك قوة نفوذ النقابات والأحزاب الإصلاحية فى البلاد الرأسمالية المتقدمة التى حققت فيه الطبقات العاملة والوسطى مستويات مرتفعة من المعيشة، كما شهد العالم بأسره عهدا من الرواج والتشغيل شبه الكامل للعمالة بعد الحرب العالمية الثانية، وزيادة التدخل الحكومى بدرجات متفاوتة فى الإنتاج لصالح رفع مستوى معيشة الطبقات الشعبية، و قد وصف البعض ذلك العهد بربع القرن المجيد الذى بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية، و انتهى بدخول الرأسمالية مع أوائل السبعينات مرحلة جديدة عرفت بالكوكبية ذات ملامح مختلفة تماما عن المرحلة السابقة، مما أدى لأفول الإصلاحية البرلمانية والنقابية، التى تدهورت لتتحول إلى مجرد ليبرالية رأسمالية ذات حس اجتماعى، يسميها مفكروها بالطريق الثالث الذى هو مسخ لا معنى له بالنسبة للإصلاحية القديمة التى كانت الأكثر نجاحا فى تحقيق أهدافها، والأكثر منطقا فى مبرراتها النظرية.

والعامل الأهم الذى أدى لأفول الإصلاحية هو ما أصطلح عليه بديكتاتورية أسواق المال العالمية، فقد أدى تدويل الإنتاج السلعى إلى ضرورة تخلى الدولة عن تدخلها المباشر فى الإنتاج، الذى ميز المرحلة الاحتكارية، ومع حرية انتقال رؤوس الأموال عبر العالم أصبح على الحكومات أن تسترضى المستثمرين بتحقيق أفضل مناخ ممكن لهم، وذلك بتحرير حركتهم وتدليلهم مقابل تقييد دور الحكومات، وتقليص حقوق العمال واضطهادهم، وذلك بتخفيض الضرائب وزيادة الإعفاءات من التزامات الرأسماليين قبل الحكومات، وبيع القطاع الحكومى فيما عرف بالخصخصة، وضمان عدم التدخل الحكومى فى النشاط الرأسمالى إلا لصالح تشجيع الاستثمار، وتعظيم أرباحه على حساب رفاهية العمال، ومن ثم تقليص الإنفاق العام على عكس ما تفترضه السياسة الإصلاحية، حتى أصبح التنافس بين حكومات العالم الآن ينحصر فى توفير أفضل مناخ للاستثمار لجذب رؤوس الأموال، وذلك بالضغط على الطبقات العمالية و الوسطى . فأكثر الإصلاحيين النقابين و البرلمانيين جذرية الآن لن يستطيع أن يفعل أى شىء للطبقات العاملة إلا تقديم الوعود التى سوف تتحطم على صخرة استرضاء رؤوس الأموال المقيمة بالبلاد لكيلا تهرب للخارج حيث المناخ الاستثمارى أكثر ربحية، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية بإغراءها بالقدوم للداخل، وذلك بتوفير أفضل الفرص لها للاستثمار، فهروب رأسالمال يعنى تفاقم مشكلة البطالة، وضيق سوق العمل والاستهلاك على السواء، ولذلك لا مفر من طاعة الحكومة للرأسماليين وتدليلهم، وقد صعدت ديكتاتورية أسواق المال فى وقت شهدت فيه الرأسمالية ظاهرة الركود التضخمى، وهو ما يعنى أن الحلول الإصلاحية القديمة للأزمات الاقتصادية الدورية لم تعد تصلح، فحل أزمة الركود يعنى زيادة الإنفاق العام مما سيزيد من معدل التضخم، وحل مشكلة التضخم يعنى اتخاذ سياسات تقشقية تزيد من معدل الركود . ما أضعف النقابية والإصلاحية أيضا الارتفاع المطرد فى معدلات البطالة فمع اتساع جيش العمال المتعطلين يصعب على جيش العمال المشتغلين الضغط على أصحاب العمل، بل و قد يضطرون لقبول شروط أسوء للعمل للحفاظ على ما يحوزونه من فرص العمل التى تتضائل باستمرار واضطراد، ويتشوق للحصول عليها المتعطلون بشروط أكثر سوءا.

تدهور الإصلاحية كان نتيجة منطقية أخرى أيضا للسقوط المدوى للاشتراكية التسلطية البيروقراطية، مما أعفى الرأسمالية من الخوف القديم من البديل الملهم بالثورة العمالية، وخصوصا أن هذا السقوط ألحق الضرر على المدى القصير بالحركات السياسية الثورية، فما الذى يضمن للناس أن الثورة لن تسلب منهم كما حدث من قبل، ومن يضمن أنها لن تتدهور لهذا النموذج الكئيب الذى تكشف لهم سواء قبل وبعد السقوط، ومن ثم و إزاء التهميش الواسع للسكان، وفقدان الثقة بالثورة، يغرق المهمشون والخائفون من التهميش على السواء انفسهم فى شتى أنواع المخدرات والأوهام والخيالات. لكل هذه العوامل التى لا علاقة لها بالرومانسية والخيالية نقول أن الإصلاحية باتت أكثر خيالية من الطريق الثورى، برغم كل ما يتراص فى هذا الطريق من صعوبات وعراقيل.

دولة الرعاية الاجتماعية

يفترض السلطويون الرأسماليون أن العدالة الاجتماعية يمكن أن تتحقق عبر رعاية الدولة والرأسماليين للبروليتاريا ، والحقيقة أنه لا تحرير حقيقى للفرد دون أن يضمن أقصى ما يمكن من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية متساويا فى ذلك مع كل المواطنين. و أن كفالة هذه الحقوق شرط جوهرى لتحقيق الحرية الحقيقية، فبدونها تصبح كل الحريات والحقوق السياسية و المدنية مجرد لعبة لا تستمتع بها إلا الطبقات الرأسمالية والبيروقراطية القادرة ماديا وسلطويا.

و نحن نرى لتحقيق تلك الحقوق والحريات واقعيا وعمليا، وحتى لا تظل مجرد شعارات فارغة، نرى أنه لا يمكن أن نستند على تدخل الأجهزة الحكومية لتوفير تلك الحقوق والحريات على نحو ما تذهب إليه اتجاهات سياسية أخرى، و التى تسعى لدعم دور الدولة الأبوى تجاه المواطنين الذين يتحولون لرعايا احسان الدولة، بزيادة الإنفاق العام الحكومى على الاستثمار، ودعم الأسعار، و توفير تلك الحقوق المجانية للمواطنين، فعلى العكس نحن نرى ضرورة لتقليص الجهاز البيروقراطى للدولة لأقصى حد ممكن لا تضخيمه، و ذلك على عكس ما تستدعى كل سياسات تدخل الدولة مباشرة فى المجالات غير السيادية فى الإنتاج والخدمات، و ذلك كشرط جوهرى لتمتع المواطنين بالحرية فى مواجهة جهاز الدولة، و استقلالهم عن السلطات العامة، حيث أن تصفية دولة الرعاية الاجتماعية شرط جوهرى للحرية الحقيقية للناس، وضمان أساسى لمساواتهم الفعلية.

أن تدخل الأجهزة الحكومية المباشر فى المجالات غير السيادية أى الإنتاج والخدمات والتأمين والائتمان، ومن ضمنها كفالة هذه الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، يعنى تضخم الجهاز البيروقراطى للدولة، و ترهله وفساده، و الذى لا ينتج عنه فى النهاية، وكما شهدت التجربة عالميا ومحليا سوى إهدار الموارد على جيوش الموظفين المعرقلين للأداء والتطور، و سوء الخدمة المقدمة للجماهير فى ظل ضعف الموارد العامة، التى تنفق على أجور الموظفين لا احتياجات المواطنين، المجبرين على تلقى خدمة رديئة بحجة مجانيتها، فضلا عن البقرطة المتزايدة لجهاز الدولة، التى تؤدى لتعطيل مصالح المواطنين وإذلالهم من أجل الحصول على الخدمات الرديئة التى تقدمها الدولة، و أخيرا فإن هذه السياسات تعنى تقوية جهاز الدولة و بيروقراطيتها فى مواجهة الجماهير الذين يصبحون فى حالة إذعان دائم لهذا الجهاز الذى تزداد قدراته على التحكم فيهم بزيادة كل ما يمكن أن يمنحه لهم، و بزيادة كل ما يمكن أن يمنعه عنهم، مما يفرخ مناخ الفساد و المحسوبية و الاستبداد، و إهمال مصالح الجماهير.

الدور الاجتماعى للرأسماليين

أننا لا يمكن أن نستند على ما يسمى بالدور الاجتماعى للرأسمال الذى يعنى تصدق الرأسماليين على العمال من أموال سبق وقد نهبوها من العمال، فصانعوا الثروة الفعليين من العمال الفقراء لا يليق بهم، و لايتفق مع كرامتهم انتظار الصدقات والإحسان من الآخرين، و لا يتفق مع حرية الإنسان وكرامته مهما بلغ به الفقر والعجز عموما أن يتم الإنفاق عليه من قبل الناس، أو أن يعيش ويلبى احتياجاته على حساب الآخرين، و لأن من يملك الثروة يتحكم فى من لا يملكها، فإن هذا الدور الاجتماعى الخيرى للرأسماليين لا يعنى سوى تبعية المنفق عليهم من الفقراء فى أعمال الخير لمن أنفقوا عليهم من الأغنياء، وهو تكبيل لحريتهم وشراء لولائهم من قبل المحسنين، واهدار و إهانة لكرامتهم الإنسانية، فضلا عن أن تلك الطريقة تساعد على خلق مجتمع من المتسولين الأذلاء لا من المنتجين المتمتعين بالحرية و الكرامة الإنسانية.

الأناركية الرأسمالية

الأناركية الرأسمالية هى إطلاق الحرية للرأسماليين فى استغلال البروليتاريا ، وقهرها دون حمايتها بالحد الأدنى من الحقوق التى تمنحها الدولة البرجوازية لمواطنيها، وترك الجميع نهبا لقواعد السوق العمياء ، فيتم استعباد الغالبية من البروليتاريا فى مواجهة الحرية المطلقة لسادتهم الرأسماليين فى استغلالهم وقهرهم، ومن ثم فهى تنكر كل سلطة إلا سلطة الرأسماليين علي عمالهم

الأناركية الرأسمالية أيضا تؤمن بمؤسسات الأمن الخاصة في ظل غياب الأمن الحكومي الممول من خلال الضرائب، بمعنى أن الأمن الشخصي يعتمد على شركات أمن خاصة أو مجموعة خاصة مسلحة، شبيهة إلى حد كبير بالمليشيات، وعلى العكس من الأناركية الاشتراكية المبنية على المبادئ الاجتماعية والمفاهيم الأخلاقية، والحقوق والحريات الإنسانية ، فإن الأناركية الرأسمالية معترفة بحق الدفاع عن النفس بالقوة ، أو بقانون الغابة …ومما لاشك فيه إن الكلمتين أناركية و رأسمالية ،عكس بعضهما، متناقضتان لا تجتمعان فى أى مكان وزمان… ومن هنا فأكبر عدو للأناركيه الاشتراكية هو المؤسسة الرأسمالية المبنية على الاستغلال والمصالح الشخصية، و استعباد البروليتاريا، شأنها فى ذلك شأن البيروقراطية والدولة سواء بسواء.

ممارستنا النضالية

هناك مفهومان للثورة فى إطار هدف القضاء النهائى على القهر و الاستغلال، الثورة السياسية والتى تعنى استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية، بواسطة حزب يدعى تمثيلها، لتمارس قهرها المؤقت على البورجوازية من أجل القضاء على الاستغلال، فينتهى القهر بالتبعية بانتهاء مبرراته، والثورة الاجتماعية، والتى تعنى القضاء على أدوات القهر السياسية و الاجتماعية الممثلة فى الدولة فينتهى الاستغلال بالتبعية حيث تفقد البورجوازية من يحميها فى مواجهة البروليتاريا.

الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل البروليتاريا المنظمة من خلال حزب سياسى، يتجاهل إمكانية أن يتحول هذا الحزب لمحتكر للسلطة دون الغالبية مما يؤول لاستمرار القهر و الاستغلال باسم البروليتاريا ، و هو ما حدث فعليا مع تحقق هذا النموذج عمليا فى روسيا 1917.

الثانى يتحدث عن إمكانية زوال الدولة و سقوطها من خلال الثورة العفوية للبروليتاريا، دون أن يوضح لنا ما الذى سيمنع من إعادة خلق الدولة مجددا على نحو أكثر تسلطا، و ذلك بواسطة الجماهير نفسها التى ثارت لتوها علي الدولة حتى حطمتها، وذلك كملاذ لها من حالة الفوضى وغياب الأمن والنظام الذى سيخلقها غيابها المفاجى قبل أن ينتظم المجتمع من جديد على الأسس التحررية كما حدث فعلا فى أسبانيا 1936.

النموذج السلطوى الأول يراهن على الثقة فى الحزب السياسى كمؤسسة و كأفراد، باعتباره ممثلا للبروليتاريا و وكيلا عنها، و وصيا عليها، ومعبرا عنها، و مجسدا لمصالحها، و بحكم إدعائه غير المبرر، و لا المبرهن عليه، سوى أن أعضائه يتبنون و يناضلون فحسب من أجل تحقق هذه الفكرة، فهم يدعون أنهم القطاع الأكثر تقدما فى البروليتاريا بحكم هذه العضوية، ومن ثم فإن لهم الحق المطلق فى التعبير والوكالة والتمثيل والوصاية والسلطة، وهذا افتراض زائف و ساذج لا يدرك مدى تعقد الظواهر الإنسانية والاجتماعية، و تشابك دوافعها و تقلباتها .

النموذج اللاسلطوى الثانى يراهن على لحظة نادرة تاريخيا، وهى لحظة الاحتجاج العفوى و التلقائى للجماهير المقهورة و المحرومة ضد السلطة، مضيقا أكثر من فرص نجاح مراهنته، و ذلك بتوقعه أن تستطيع البروليتاريا فى أحد هذه اللحظات النادرة أصلا أن تحطم تماما كل أدوات القهر لتبدأ فى بناء مجتمعها اللاسلطوى من أسفل لأعلى، وهذا فرض خيالى تماما.

أما ما نطرحه نحن فهو أن هناك دائما إمكانية للتحرر الذاتى لقطاعات يمكن أن تزداد تدريجيا من البروليتاريا من داخل أحشاء و من هامش النظام الرأسمالى القائم، عبر كل من النضال الجماهيرى ضد النظام القائم، من ناحية، وبإقامة نماذج لمجتمع المستقبل من هامش وداخل المجتمع الحالى من ناحية أخرى، مستندين فى ذلك إلى أنه فى كل المجتمعات الرأسمالية، و بدرجات ومستويات متفاوتة بالطبع، و وفق الظروف السائدة فى كل مجتمع، و بمعزل عن كل من الدولة و رأسالمال، و بعيدا عن المخططات الخيالية و النظرية، نلاحظ ممارسة البشر فعلا العديد من أنشطتهم وفق القواعد الاشتراكية التحررية دون حتى معرفتهم بأنها اشتراكية تحررية، و ذلك من خلال العديد من المنظمات الاجتماعية أبرزها التعاونيات، وشتى الأشكال من النشاط الإنسانى الجماعى المنظم بشكل مستقل عن كل من الدولة و رأسالمال، التى تقوم بين أفراد متساويين ومتعاونين على نحو طوعى بهدف التكافل والتعاون والتضامن فيما بينهم، و قد يكون لبعضها الطابع غير المعلن و الرسمى و المقنن كالتعاونيات، و قد يكون بعضها غير رسمى، و لا مقنن كما فى الكثير من الممارسات اليومية التى يشارك فيها الناس دون أن يدركوا أنها ممارسات اشتراكية تحررية تلبى الكثير من احتياجاتهم، إلا أن هذه الممارسات محكومة فى النهاية بالإطار السلطوى للمجتمع، ومن ثم تعوزها العديد من التطورات و التغيرات، لتتحول فى النهاية لتيار اجتماعى قوى، قادر فى النهاية أن يكنس كل من الدولة و رأسالمال من عن كاهله، وهذا هو ما يسعى إليه الاشتراكيون التحرريون، من خلال وسيلتين:

أولهما نشر الأفكار الاشتراكية التحررية، والكشف عن كيف تستغنى البروليتاريا عن كل من الدولة و رأسالمال، و كيف تتخلص من تأثيرات الساسة السلطويين، لتتأهل عمليا لهذا الاستغناء، لكى تكون قادرة على أن تدير أنشطتها المختلفة وفق القواعد الاشتراكية التحررية .

وثانيهما النضال من أجل تطوير مثل هذه الأنشطة والمنظمات التعاونية والتكافلية، وهى عملية تستدعى استقلال هذه الأنشطة والمنظمات و الممارسات فعليا عن كل من الدولة و رأسالمال و الساسة السلطويين، و من أجل أن تتوسع هذه الأنشطة لتشمل كل ما هو ممكن من الأنشطة البشرية، و فق شروط و ظروف كل مجتمع على حدة .

و ثالثهما من أجل تحقيق كل أهدافنا سواء المرحلية أو النهائية، فإننا نمارس النضال الجماهيرى مع الجماهير وليس بمعزل عنها و لا نيابة عنها، وذلك بالمشاركة الفعالة سواء بالتحريض أو الدعاية أو التنظيم فى كافة أشكال النضال الجماهيري من أجل تحقيق أى مطالب اقتصادية أو سياسية أو ثقافية تخص تلك الجماهير من المناضلين بشرط أن تتفق هذه المطالب وأهدافنا ومبادئنا، بدءا من أبسط أشكال هذا النضال كعرائض الاحتجاج البسيطة مرورا ب كافة أشكال الاعتصام والتظاهر والإضراب، ،والاستيلاء على المنشئات و إدارتها ذاتيا، وصولا إلى الإضراب العام، والعصيان المدنى العام، و الانتفاضة الثورية، حسبما تسمح به نوعية المطالب، و حسبما تسمح به الظروف الواقعية المحيطة بالنضال الجماهيرى.

ونحن نرى أنه طالما اقتصرت العملية الديمقراطية على مجرد صناديق الانتخاب، فإن المشاركة فيها أو مقاطعتها لابد وأن تحسب وفق ما قد تحققه من فوائد لقضية تحرر البروليتاريا، وحسب ما تجنبه من خسائر من مقاطعتها، لقضايا النضال الجماهيرى، مع استمرار النضال الجماهيرى إلى أن تتحول ديمقراطية التمثيل النيابى إلى ديمقراطية مشاركة حقيقية،ولأننا نعلم فى النهاية حدود الممارسة البرلمانية، فنحن نفضل أن يكون تغيير القوانين والتشريعات واللوائح، والتأثير فى القرارات الحكومية والإدارية عبر المشاركة الفعالة فى أعمال النضال الجماهيرى المختلفة، لفرض تحقيق برنامجنا الإصلاحى المرحلى لا عبر ديمقراطية البرلمان، و نسعى فى ضوء ذلك لفرض تحقيق برنامجنا الثورى النهائى عبر الانتفاضة الثورية والعصيان المدنى العام، وكافة أشكال الضغط الجماهيرى على السلطة بما فيها إزالتها، ومن أجل ذلك نشارك فى أنشطة المنظمات النقابية، واللجان الشعبية، والجمعيات التعاونية، والروابط الأهلية، من أجل تغيير القوانين والتشريعات واللوائح والقرارات.. وممارسة الرقابة الشعبية على السلطات العامة، والضغط عليها عبر أعمال النضال الجماهيرى المختلفة، وفضحها عبر الإعلام المستقل، و كشف حقيقتها عبر الأعمال الثقافية والفنية وغيرها… وذلك لأننا مقتنعون أن الاستغلال والقهر مثلما يتم بالعنف المسلح، فإنه يتم أيضا عبر الهيمنة الفكرية للبرجوازية التى تسيطر على وسائل الإعلام والثقافة والتعليم، مما يجعلها أكثر قدرة على حكم عبيدها الذين يكونون بتلك الوسائل أكثر امتثالا لوضع الخضوع.

مبادئنا النضالية

أننا فى إطار نضالنا الجماهيرى نرى الإلتزام بعدة مبادىء هى

وجوب تناسب أي طريقة نضال مع الظروف الواقعية، فلا جدوى من استعمال الوسائل الكبيرة لتحقيق مطالب صغيرة، وأنه إذا تبين لنا عدم كفاية وسيلة الضغط المتبعة، فإنه يلزم التدرج في الانتقال من نضالات بسيطة إلى نضالات أكثر جذرية، مع الحرص على الإبقاء دوما على الضغط على الخصم، والانطلاق تصاعديا لأن انطلاقة قوية متبوعة بتراجع تدل على ضعف سيعرف الخصم كيف يستغله.

التزام الحذر من الجذريين المزيفين، والتأكد من معرفة مدى صدق الداعين إلى التجذر فى أشكال النضال ومطالبه، بغض النظر عما إن كانوا على صواب أو على خطأ في تلك اللحظة، فمن يدفعون نحو صراع حاد غير ملائم، فهم إما أنهم يحاولون إبراز الصلابة للالتحام بالمناضلين لنيل ثقتهم، وخنق النضال لاحقا، أو أنهم يدركون ان الفشل مضمون، ويريدون استثمار النضال لمصالحهم الخاصة، وإن كانوا عملاء للخصم الموجه ضده النضال، فإنهم يفجرون صراعا حادا مفضيا إلى فشل سيكون له أثر بالغ عندما يكون هناك هجوم مضاد متوقع من ذلك الخصم.

الالتزام بتحليل موازين القوى بين المناضلين و خصومهم، قبل الانخراط فى أى عملية نضالية، و من ذلك تحليل مستوى استياء الرأي العام أو الوضع المالي والاقتصادي للمؤسسات التي يريد المناضلون التحرك ضدها.

اتقاء القمع دائما بحماية هوية المناضلين ومهامهم واجتماعاتهم، و إجبار الخصم الموجه ضده النضال على توقيع إتفاق عدم قمع بعد إنهاء النزاع. واتخاذ القرارات في آخر لحظة لتفادي وصول معلومات إلى الخصم، واختيار لجنة نضال أوسع من المنظمات الشعبية المعنية بتنظيم النضال. وتسيير لجنة تنظيم النضال من طرف الجمع العام للمشاركين فى النضال.

تطبيق الديمقراطية المباشرة فى اتخاذ القرارات من قبل المشاركين فى النضال لتفادي سيطرة أقلية على المعركة النضالية لغايات غير التي قررها الجمع العام للمشاركين فى النضال.

عدم قبول تفويض أو إرسال مندوبين للتفاوض باسم المشاركين فى النضال حيث يكفى الإعلام بالمطالب الجماهيرية عبر وسائل الإعلام المختلفة، و ترك الخصم ليعلن قبوله أو رفضه للمطالب عبر نفس الوسائل، وأن يتم اتخاذ قرارات توقف أو استمرار النضال أو تصعيده، وفقا لتوازنات القوى بين الطرفين المتصارعين، و وفقا لما تم تحقيقه فعلا من المطالب. فلا جدوى من إرسال ممثلين للتفاوض بالنيابة عن المناضلين، فقد يركز هؤلاء المفاوضين بالنيابة على فتات من المكاسب دون المطالب الأساسية بكثير أو يقتصرون على الدفاع عن أفكارهم هم بدلا من أفكار غالبية المناضلين، كما يمكن شراءهم من قبل الخصم أو قمعهم، بعد أن تم عزلهم عن جموع المناضلين التى تحميهم من اغواءات السلطة وقمعها.

السعي إلى خفض الآثار المالية للنزاع على المناضلين إلى أدناها، فعلى هذا النحو يمكن للمناضلين، أن يشنوا نضالا جديدا اذا حاول الخصم شن هجوما مضادا.

استعمال الشرعية قدر الإمكان، وبالتالي تفادي مشاكل القمع المحتمل، لكن يجب ملاحظة إن الشرعية لا تتلاءم غالبا مع مصالح المناضلين، فقد يضطر المناضلون، لتحقيق أهدافهم، إلى التصرف خارج الشرعية، ومن ثم يجب تحليل المزايا والمضاعفات من جراء الإلتزام بالشرعية أو الخروج عليها.

يمكن ممارسة العنف أو اللاعنف أو أن يكونا معا، فيمكن أن يكون نزاع سلمي مع اندفاعات عنيفة والعكس بالعكس. تارة يكون نزاع غير عنيف وحازم فعلا، وتارة العكس. إن مسيرة جماهيرية جيدة وهادئة قد تكون فعالة، لكن مظاهرة عنيفة قد تكون لها نفس الفعالية. إنها مسألة سياق واختيار من قبل الناس الذين يخوضون النضال. لكن يجب الحذر من العنف، وممن يحثون عليه( هل هم المناضلون أو الخصوم؟)، مصالح البروليتاريين الحقيقية تدفعهم أن يكونوا أنصار عالم بلا عنف وبلا سلاح، لكن فى نفس الوقت إن مقاومة الجماهير الشرسة و النشيطة تكتسب الشرعية أمام عنف الرأسمالية والبيروقراطية، و المتمثل فى الاستغلال، القمع، الفصل من العمل، الحروب، السجون، الخ.

يجب أيضا أن نفكر في نمط التنظيم الملائم للنضال. و أن نتسائل هل تدافع الحركة النقابية الراهنة فعلا عن مصالح البروليتاريا ؟ أو أي مصالح اخرى؟ هل تلائم النضال؟، هل تدافع عنه؟ ألا تعتمد أنماط تشاور و وساطة في خدمة البرجوازية؟ هي يجب تجذيرها؟ ما فعالية الحماية القانونية لمسئولى النقابات؟ هل حماية النقابيين جيدة؟

في الواقع يتعرض المناضلون لأعمال من القمع والاضطهاد سواء شاركوا في أعمال نضالية قانونية، أو غير قانونية، سواء أكانوا منتخبين أو لا، محميين أو لا محميين. وبالتالي فان اشكال الحماية لا تفيد في شيء… و الأسوأ ان محاولة الاحتماء بالوسائل القانونية تفضي بأنصار تلك الممارسات الى احترام القانون المفيد لأرباب العمل والبيروقراطيين، و إلى عدم المشاركة في النضالات التي تتخطى الإطار القانوني، وبالتالي الدفاع عن الشرعية، والتحول من جراء ذلك إلى معادين للثورة.. أما اعتماد الخطاب المزدوج، الشرعي في الواجهة، واللاشرعي في الواقع، فهو غير ممكن غالبا لان المنتخبين النقابيين أو السياسيين، مضطرين، بوعي أو بدونه، إلى الدفاع عن الإطار القانوني، وبالتالي تعزيزه، والسكوت عن انتقاداتهم بغية الحصول على الحمايات القانونية التي تقتضيها وظيفتهم، لا سيما انه يصعب لاحقا رفض الإطار القانوني بفعل ما يمنحه من مزايا للفرد، و البرجوازية ستدوس، اذا استشعرت خطر النضال، كل القوانين إذا ما تعارضت مع مصالحها.

قواعدنا التنظيمية

الاشتراكيون التحرريون يختلفون عن الاشتراكيين السلطويين فى كثير من القضايا، و بشكل خاص فى البناء التنظيمى لمنظماتهم، و هم يرفضون مفاهيمهم، حول كل من الحزب الطليعى، المركزية الديمقراطية، ديكتاتورية البروليتاريا، و الاشتراكيون التحرريون لديهم بدائل لكل هذه المفاهيم، ولكن المشكلة هى أن معظم المنتمين لليسار بما فيهم بعض الاشتراكيون التحرريون يجهلون بشكل كامل البدائل الملموسة لتلك المفاهيم الاشتراكية التسلطية.

البديل الاشتراكي التحررى للحزب الطليعى هو الجماعة الدعائية .

الجماعة الدعائية الاشتراكية التحررية تتكون كاتحاد بين أفراد متقاربين فى عملهم ورؤاهم، و على أساس توافق إرادات و رغبات الأعضاء فى التعاون فيما بينهم، وإلحاح الظروف الاجتماعية التى تفرض عليهم النضال سويا.

الاتحاد بين جماعات الدعاية الاشتراكية التحررية يقام بواسطة ممثلين عن الجماعات الدعائية، فضلا عن أن الجماعة الدعائية نفسها عند نموها لحد كبير يعوق ممارسة أعضاءها الديمقراطية المباشرة، تنقسم إلى جماعات دعائية فرعية.

الالتزام بمبدأ ضمان الحقوق و الامتيازات والمسئوليات التصويتية الكاملة لكل عضو .

الجماعات الدعائية واتحاداتها تضع كل من السياسات، و خطط الأعمال المستقبلية، و تؤدى وظائفها وفق المبادىء الاشتراكية التحررية.

تنتظم الجماعات الدعائية فى التجمعات البشرية المختلفة أو فى أماكن العمل، و هى فى النهاية جماعات واتحادات ديمقراطية تخلو من أى رموز للسلطة القمعية مثل الزعماء والقادة و وخلافه، وممثلى الجماعات الدعائية فى الاتحادات الاشتراكية التحررية، يقومون فقط بأعمال تنسيقية، ومن ثم لابد وأن يرجعوا دائما للتشاور مع جماعاتهم التى أوفدتهم لتمثيلهم فى الاتحاد.

العمليات التنسيقية بين هذه الجماعات واتحاداتها ضرورة ملحة، و تشكيلها لا يمكن أن يكون فى طريق غير متطابق مع مبادىء الاشتراكية التحررية، وبالاستفادة من ثورة الاتصالات الحديثة يمكن أن يتم الحوار والتنسيق واتخاذ القرار بين أعداد كبيرة من ممثلى جماعات الدعاية من جانب، وبين جماعاتهم من جانب آخر دون احتياج للبناء الهرمى للتنظيم.

ما يعارضه الاشتراكيون التحرريون تحديدا هو التراتبية فى التنظيم، أى بناءه على نحو هرمى، وما يرفضونه هو سلطة القيادة البيروقراطية المعرقلة للعمل، و التى تكبح الدافع الخلاق للكتل المنخرطة فى العمل، وتطبق بقرارتها البيروقراطية على رقابهم، حيث يكون الأعضاء العاديين فى مثل هذه الجماعات التراتبية والهرمية مجرد خدم وعبيد وجنود تابعين للقيادة المركزية للحزب الهرمى.

أن الاشتراكيون التحرريون يرفضون القيادة المركزية المتحكمة فى تابعيها، وفى نفس الوقت فهم يقرون أن هناك بعض الناس يكونون أكثر خبرة أو أفصح أو أكثر مهارة ووعيا من آخرين، وهؤلاء الأشخاص لابد وأنهم سوف يلعبون أدوار القيادة فى العمل داخل الجماعات أو على نطاق أوسع فى الاتحادات، لكن هؤلاء الأشخاص ليسوا رموز مقدسة للسلطة، ويمكن ببساطة أن ينحوا عن مسئولياتهم حسب إرادة عضوية الجماعات واتحاداتها، كما يؤكد الاشتراكيون التحرريون على أهمية تداول المسئوليات بين الأعضاء بشكل متواتر لإكساب الآخرين المهارات المختلفة عبر ممارسة المسئوليات، فخبرة هؤلاء الأشخاص الذين يكونون عادة نشطاء محنكين أو مؤهلين على نحو أفضل من الغالبية فى لحظة ما تجعلهم يستطيعون المساعدة على تشكيل وقيادة و تطور الحركة، و المساعدة على بلورة الإمكانية من أجل التغيير الثورى فى الحركة الشعبية . ما لا يستطيع أن يفعله هؤلاء هو تولى السلطة فوق مبادرة هذه الحركات الشعبية نفسها.

الاشتراكيون التحرريون يرفضون الأوضاع التراتبية، و هى تمتع أى شخص بسلطة رسمية أكثر من الآخرين، وهى الأوضاع المشابه للأحزاب الاشتراكية الطليعية.

أن المجموعات الدعائية الاشتراكية التحررية واتحاداتها لن تسمح بإدامة قيادتها من خلال الديكتاتورية بعد الثورة، فبدلا من ذلك فأن الجماعات الدعائية واتحاداتها سوف تحل نفسها فور انتصار الثورة، وعضويتها السابقة عندئذ سوف تكون مهيئة للذوبان فى عمليات اتخاذ القرارات فى تجمعات المجتمع الجديد، ومن ثم سوف يكون هؤلاء المناضلون بعد الثورة بلا قيادات بل مجرد أفراد أكثر وعيا يعملون كمرشدين و كمنظمين لحركة الجماهير فى عملية بناء المجتمع الجديد.

البديل عن المركزية الديمقراطية هى الديمقراطية المباشرة

بينما تصل المجموعات الاشتراكية التحررية لقراراتها عبر مناقشة حرة مستفيضة بين أعضاءها، نجد أن الاشتراكيين السلطويين ينتظمون خلال ما يسمى بالمركزية الديمقراطية، (وهى تعنى خضوع المستوى الأدنى للمستوى الأعلى فى الهرم التنظيمى، و خضوع كل أفراد الحزب وجماعاته وهيئاته لإرادة لجنته المركزية، مع ضمان الحق فى إبداء الرأى لكل الأعضاء التى تكون فى تلك الحالة حرية النباح لا حرية اتخاذ القرار، وفى أفضل أحوال المركزية الديمقراطية يسمح بالحق فى التكتل للجماعات المختلفة داخل التنظيم، وفى أسوءها يمنع الحق فى التكتل مما يصيب تلك التنظيمات بداء الانشقاق المزمن، ومن ثم التشظى، الذى لازم تاريخ تلك المنظمات عبر تاريخها(

المركزية الديمقراطية تقدم كشكل من ديمقراطية الحزب الداخلية، لكنها فى الحقيقة محض تراتبية استبدادية، حيث كل عضو فى الحزب وأخيرا فى المجتمع بعد نجاح الحزب فى الوصول للسلطة يكون خاضعا للعضو الأعلى حتى نصل للجنة المركزية للحزب كلية القدرة والجبروت، ثم رئيسها صاحب الحق الوحيد فى التفكير وإصدار الأوامر، و هذا إجراء غير ديمقراطى بشكل كامل، وهو يضع القيادة فوق مستوى النقد حتى لو لم تكن فوق مستوى اللوم، أنها طريقة تفسد و تفلس العمليات الداخلية للمنظمة السياسية، أنك لا تملك صوتا فى الحزب، ويجب أن تخاف من قول أى تعليقات ناقدة للقيادة أو حول القادة حتى لا تتناولك الشكوك والاتهامات.

أما فى التنظيم الاشتراكى التحررى فالقرارات تتخذ من قبل كل الأعضاء ،والذين لا يملك أحد منهم سلطات فوق ما يملكه عضو آخر .

الأقلية المخالفة تحترم، و مساهمة كل فرد فى العمل تكون طوعية فلا أحد يجبر على ما لا يريد.

كل عضو له الحق فى الموافقة أو عدم الموافقة على أى سياسة أو فعل، وأفكار كل عضو تعطى نفس الوزن والاعتبار، و لا قرار يمكن أن يتخذ حتى يكون لكل عضو فرد أو مجموعة منضمة يمكن أن تتأثر بهذا القرار، الفرصة ليعبر عن رأيه فى الموضوع محل القرار .

الأعضاء الأفراد فى مجموعات الدعاية والجماعات الدعائية المنضمة للاتحاد تحتفظ بحقها فى رفض دعم أنشطة جماعية أو اتحادية معينة .

القرارات التى تخص الاتحاد ككل يجب أن تتخذ بواسطة أغلبية أعضاءه لا بواسطة أغلبية ممثلى الجماعات الدعائية المنضمة للاتحاد.

فى معظم القضايا لا يكون هناك احتياج حقيقى لاجتماعات رسمية بين ممثلي الجماعات الدعائية لاتخاذ القرارت التى تخص الاتحاد، لأن ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعة الدعائية أو الاتحاد، ولكن لأن هناك أوقات يجب أن يتخذ فيها قرار عاجل، وأحيانا بسرعة جدا. وهذا يكون أمر نادر لكن أحيانا لا يمكن تفاديه، فإن القرار المتخذ فى هذه الحالة يمكن أن يتخذ بواسطة حلقة أصغر تقوم بأعمال السكرتارية من العضوية العامة المكونة من مئات أو آلاف من الأعضاء فى الجماعات الدعائية والاتحادات المكونة منها.

عند عودة الأحوال لطبيعتها العادية يتم تبادل المعلومات والحقائق بين الأعضاء و الجماعات من أجل اتخاذ قرار يعيد تناول القرار الأصلى الذى تم اتخاذه فى ظرف الطوارىء، وخلال هذا النقاش يتم بذل جهد لتوضيح أي اختلافات أساسية بين الأعضاء حول القرار المتخذ، و اكتشاف الطرق البديلة للفعل الذى تم اتخاذ القرار بشأنه.

لابد للوصول عبر النقاش لتوافق متبادل على القرارات بين وجهات النظر المتعارضة، بينما لو كان هناك مأزق أو عدم وجود إمكانية للوصول للتوافق المتبادل مع القرار، فيأخذ القرار طريقه للعرض على التصويت، وحينئذ يقبل أو يرفض أو يلغى بأغلبية الثلثين. و هذا على العكس كليا من ممارسة الأحزاب الاشتراكية السلطوية حيث اللجنة المركزية من جانب واحد تعد السياسات والقرارات لكل المنظمة على نحو تحكمى وتسلطى.

كل المجموعات الدعائية هى اتحادات حرة مشكلة وفق احتياج عام، و أعضاءها ليسوا ثوريين مروضين بالخوف من السلطة وطاعة القيادة وعبادتها، بينما يتسع نطاق مجموعات العمل، و عندما تصبح منظمات ضخمة يصعب معها ممارسة الديمقراطية المباشرة ، فأنه يمكنها حينئذ أن تنقسم لمجموعتين أو أكثر تتمتع بالاستقلال الذاتي بلا قيادة مركزية مع استمرارها متحدة فى اتحاد واحد واسع، و هذا يجعلها قادرة على الاتساع بلا حدود بينما تحتفظ بشكلها التحررى المتميز بكل من الإدارة الذاتية و اللامركزية.

المجموعات الاشتراكية التحررية لا تنتظم بشكل ضرورى على نحو محكم، فنظرية التنظيم التحررية مرنة، والبنية التنظيمية يمكن أن لا توجد عمليا فى ظرف ما أو توجد على نحو محكم جدا فى ظرف آخر، وهذا يعتمد على نمط المنظمة المطلوب فى ظل الظروف الاجتماعية التى تواجهها الحركة الاشتراكية التحررية، على سبيل المثال المنظمة يمكن أن تكون محكمة وسرية خلال العمليات العسكرية أو خلال القمع السياسى المشدد، ولكنها تعمل بشكل علنى وغير محكم فى المجتمعات التى تتمتع بدرجة واسعة من الحريات، وفى ظروف أخرى فقد تفضل علنية النشاط وسرية التنظيم.

التعاونيات واتحاداتها بديل عن ديكتاتورية البروليتاريا

الاشتراكيون التحرريون يرفضون مفهوم دولة ديكتاتورية البروليتاريا، كونها قهر غير مقيد، ويرفضون ما يسمى ب”الدولة العمالية” مفضلين بناء التعاونيات واتحاداتها، والقادرة على الدفاع عن نفسها ذاتيا فى مواجهة أعداء الثورة كونها مسلحة ذاتيا دون احتياج لمركزية الدولة وشموليتها للدفاع عنها، وهذا يصعب مهمة قوى الثورة المضادة حيث تتكاثر أمامها التعاونيات واتحاداتها المطلوب محاربتها، فى حين أنها فى حالة الدولة المركزية يسهل عليها أن تحارب كيان له مركز تنبع منه كل القرارات، و بهزيمته تنهزم كل التعاونيات واتحاداتها بالضرورة، وهى نفس الفكرة التى تكسب القوة للتنظيم الاشتراكى التحررى اللاهرمى ، بالمقارنة بالتنظيم التسلطى المركزى الهرمى.

الاشتراكيون التحرريون لا يشبهون أعضاء الأحزاب الاشتراكية التسلطية، والذين يعيشون يوميا على نحو مشابه بوجه عام لنمط الحياة البرجوازى، ومن هنا فالاشتراكيون التحرريون يحاولون العيش وفق أنماط الحياة والبنية التنظيمية التى تحاول أن تجسد المجتمع الاشتراكى التحررى للمستقبل، و ذلك من خلال الترتيبات الحياتية التعاونية للأعضاء، وتكوينهم فيما بينهم الجماعات المتقاربة المتعايشة سويا، و مجموعات الألفة، و إقامة التعاونيات التحررية، وغيرها.

ولأن الاشتراكيون التسلطيون لا يبنوا تنظيمات من هذا النوع أى ( أنوية المجتمع الجديد) مفضلين الانغماس فى عالم البورجوازية بالكامل، فأنهم لا يستطيعوا رؤية العالم إلا عبر المصطلحات السياسية البورجوازية فقط. وإذا كان الاشتراكيون التسلطيون لا يجدوا أى غضاضة فى العمل كرأسماليين أو بيروقراطيين أحيانا، وبالتالى لا يستنكروا الازدواجية بين اشتراكيتهم المزعومة، وبين استخدام واستغلال العمل المأجور، فإن هذا ما يستنكفه ويدينه بشدة الاشتراكيون التحرريون الذين يحاولون التحرر الذاتى لأنفسهم وللآخرين من نمط الحياة البرجوازية من داخل وهامش المجتمع البرجوازى الحالى.

الاشتراكيون التسلطيون يريدون الاستحواز على سلطة الدولة، لكى يحلوا ديكتاتورياتهم فوق الشعب والعمال بدلا من إزالة سلطة الدولة واستبدالها بالمجتمع التعاونى الحر. ولكى يحلوا هم محل الطبقة الحاكمة، أما الاشتراكيون التحرريون فيرفضون فكرة الاستيلاء على السلطة بأى وسيلة،ولا يهدفون الوصول لها بأى طريقة، ويرفضون كل أشكال اشتراكية الدولة كأسوأ انحراف وطغيان حدث باسم التحرر مما أضر بقضية التحرر نفسها، و يجزمون أنهم يستطيعون صناعة ما هو أفضل من اشتراكية الدولة وهو التعاونيات واتحاداتها.

نحو ديمقراطية المشاركة المباشرة

أننا نناضل من أجل تقليص سلطات الدولة المركزية والقمعية واختصاصتها إلى أقصى حد ممكن عبر ما يلى:

تقليص دور الدولة فى حدود مهامها السيادية التقليدية، وهى التمثيل الخارجى والدفاع والعدل والأمن الداخلى والمالية العامة، أى أننا نناضل من أجل دولة حارسة متقلصة المهام، على عكس ما تناضل من أجله حركات اشتراكية أخرى تناضل من أجل دولة تدخلية متضخمة المهام.

ومن هنا فنحن نناضل من أجل توسيع سلطات واختصاصات المحليات المختلفة التشريعية والتنفيذية والقضائية التى تضمن عدم تركز السلطات العامة للدولة من تشريع وتنفيذ وقضاء فى يد قلة من الأشخاص فى مركز الدولة، ولتصبح ممارسة السلطات العامة فى يد عدد أوسع الناس. و الرقابة الشعبية الدائمة من قبل سلطات الإدارة المحلية على أعمال الحكومة المركزية.

ومن أجل أن تكون كل السلطات العامة سواء كأفراد أو كهيئات أو كوظائف، منفصلة ومستقلة تماما عن كل ما يفرق بين المواطنين مثل الدين أو الطائفة أو القومية أو العنصر أو الثقافة أو اللون أو الجنس أو العرق أو النوع أو اللغة الأم أو الأصل الاجتماعى.

أننا نناضل من أجل ديمقراطية المشاركة وقواعدها هى

حق الاستفتاء الشعبى على القوانين و القرارات .

حق الاقتراح الشعبى بمشاريع لقوانين أو لقرارات و الذى تقدمه نسبة معينة من مجموع المواطنين و فى هذه الحالة يعرض الاقتراح على الاستفتاء الشعبى.

حق التحقيق الشعبى مع أعضاء المجالس النيابية والمسئولين التنفيذيين المنتخبين عبر لجان شعبية مستقلة.

حق تكليف الناخبين لنوابهم فى المجالس النيابية ومحاسبتهم ومراقبتهم و حق إقالتهم قبل انتهاء مدة عضويتهم بالمجالس النيابية.

حق محاسبة و مراقبة المسئولين التنفيذيين و إقالتهم قبل انتهاء فترة توليهم المسئولية التنفيذية.

وجوب موافقة غالبية المواطنين على ما يتلقاه المسئولين التنفيذيين و أعضاء المجالس النيابية والقضاة من أجور نقدية وعينية و امتيازات مختلفة مقابل تفرغهم لأداء أعمالهم.

علنية كل المحاكمات، واعتماد نظام المحلفين فى المحاكم، الذين يتم اختيارهم من بين قوائم من المواطنين ليراقبوا أداء القضاء ويساعدوهم فى اتخاذ القرار.

أن يكون الشعب هو صاحب الحق الوحيد فى اختيار من ينوبون عنه فى ممارسة كل وظائف السلطات العامة بانتخابهم انتخابا حرا مباشرا. فهو من يمنحهم شرعية ممارسة السيادة بالنيابة عنه وهو من يسلبهم هذه الشرعية.

الفصل الكامل بين السلطات العامة (التشريعية والتنفيذية والقضائية)

الإشراف الكامل على مباشرة كل حقوق السيادة الشعبية من قبل هيئة شعبية مستقلة تماما فى تكوينها و تمويلها و نشاطها عن الأجهزة التنفيذية و الإدارية، و مكونة من ممثلى منظمات حقوق الإنسان، و ممثلى منظمات المجتمع المدنى المختلفة، و ممثلى الأحزاب السياسية، و الشخصيات المدنية العامة و المتطوعين . بحيث تتم كل وقائع العملية الانتخابية بدءا من فتح باب الترشيح وحتى إعلان نتيجة الانتخابات تحت إشرافها الكامل وبالاستقلال الكامل عن السلطة التنفيذية وموظفيها لمنع تأثير النفوذ الإدارى على الناخبين.

توحيد ميزانية الحملة الانتخابية لكل المرشحين، و ضمان شفافية موارد تلك الحملات ومصروفاتها و ضبط طرق إنفاقها و توجيهها تحت إشراف الهيئة الشعبية المستقلة للممارسة السياسية بهدف شرح البرنامج الانتخابى لكل مرشح على قدم المساواة مع باقى المرشحين لضمان عدم تأثير المال و محترفى الانتخابات ووسائل الإعلام على اختيارات الناخبين وفرص المرشحين فى النجاح.

الحياد السياسى التام للمؤسسة العسكرية.

قصر الأمن السياسى الداخلى فى حدود مكافحة الجاسوسية والإرهاب.

خضوع مؤسسات الجيش و الشرطة ككل المؤسسات العامة للمراقبة الشعبية فضلا على المراقبة والمحاسبة القضائية والبرلمانية.

انهاء كل مظاهر العسكرة فى مؤسسة الشرطة بما فيها الرتب والتقاليد العسكرية،والتأكيد على مدنيتها وديمقراطية إدارتها.

منع استخدام المجندين فى الجيش فى أعمال الشرطة. كما يحظر على الجيش أداء أى عمل من أعمال الشرطة.

إلغاء أى امتيازات لكل من رجال الجيش والشرطة تميزهم عن باقى المواطنين إلا ما تفرضه ممارستهم لوظائفهم

الحقوق والحريات الإنسانية

حق الفرد في أن يعترف بشخصيته القانونية. و حقه فى الأمان على شخصه وحياته وحريته الشخصية وحرمة حياته الخاصة، و حرية الفرد فى السفر من و إلى أى بلد، و التنقل والإقامة فى أى ناحية من أنحاء البلاد، وحقه فى الهجرة منها والتوطن فى أى بلد يشاء، والعودة إلى بلاده الأصلية متى يشاء. و لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد. و لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. وأن لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكار حقه في تغييرها.

حق الفرد فى الحماية من التعذيب و الإيذاء البدنى ويشمل ذلك حمايته من العقوبات الجسدية التى تلحق الألم بالجسد أو تشوهه، وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبات القاسية أو الوحشية أو المهينة و الحاطة بالكرامة البشرية.

حق الفرد فى الحماية من القبض عليه أو حجزه أو نفيه تعسفاً. والحماية من التدخل التعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته و حمايته من التعرض لحملات على شرفه وسمعته.

حماية الفرد من كل من العمل الجبرى و العمل المجانى وأعمال السخرة المختلفة، وهذا يستلزم بالضرورة إلغاء علاقة الإذعان فى كافة عقود العمل، مما يعنى تحديد جميع حقوق العاملين بأجر بما فيها الأجور النقدية والعينية و كافة شروط وظروف العمل على أساس المساومة الجماعية بين العاملين بأجر و ممثليهم النقابيين وبين الجهات التى يعملون لحسابها فى كافة القطاعات الحكومية وغير الحكومية. فضلا عن ضمان الحق فى الإضراب عن العمل و تحرير ممارسته من أى قيود تعيقه باعتباره السلاح الأساسى فى يد العاملين بأجر فى إطار المساومة الجماعية لتحسين شروط عملهم وحياتهم.

مساواة كل الناس أمام القانون وحقهم في التمتع بحماية قانونية متكافئة دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز وضد أي تحريض على تمييز كهذا. و لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه له. كما أن لكل إنسان الحق فى مقاضاة رجال السلطة والإدارة، و لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون.

حرية الرأى والتعبير والفكر والوجدان والدين والمعتقد بلا قيد أو شرط، وتشمل هذه الحقوق ، حرية تغيير الفرد لديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة. و حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية. وضمان حق كل مواطن فى استخدام وسائل الإعلام والثقافة المختلفة فى ممارسة حقه فى التعبير عن آرائه ومعتقداته بالكتابة والحديث والتعبير الفنى على قدم المساواة مع كل المواطنين.و ضمان الحرية الكاملة للبحث العلمى و النشاط الإبداعي .

قيام وتنظيم علاقات الزواج وإنهائها وكل ما يترتب عليها من آثار على أساس التعاقد الحر للأطراف المقبلة عليه دون وصاية أو تدخل من طرف آخر طالما بلغ الطرفين سن الزواج. فلا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج عن رضى كاملا لا إكراه فيه. و للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين. مع ضمان المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات فى العلاقة الزوجية فى إبرامها و فى أثناء قيامها و فى حالة إنهاءها وكل ما يترتب علي كل هذا من آثار .و إنهاء الوصاية والولاية والقيامة والحضانة الأبوية على أبناء و بنات الأسرة بمجرد بلوغهم سن الرشد .

لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. كما لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما. و يحق لكل المواطنين تنظيم أنفسهم فى شتى الجماعات المدنية التى تلبى احتياجاتهم المشتركة، وتنظم انشطتهم المدنية المختلفة، وتدافع عن حقوقهم المشتركة، و حقهم فى الانضمام إلى ما يختاروا منها طوعا، من أجل تعزيز و حماية مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية والعقائدية وممارسة أنشطتهم المدنية المختلفة. والمقصود بالجماعات المدنية كل التجمعات المستقلة عن هيئات السلطة العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية والمؤسسات الإنتاجية والخدمية، و من ثم تشمل الجماعات المدنية كل من الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والنقابات المهنية والأندية الاجتماعية والرياضية والثقافية والغرف التجارية والصناعية والجماعات الثقافية والجماعات الدينية والعقائدية.

تحرير كل الجماعات المدنية من الارتباط بالأجهزة التشريعية والتنفيذية والإدارية، وذلك بإسقاط كافة القوانين و القيود التى تعيق حرية تكوينها وعملها، و بإسقاط حق الأجهزة التشريعية والتنفيذية والإدارية تماما فى وضع القواعد والقوانين المنظمة لتلك الجماعات المدنية، و ليصبح حقا مطلقا لأعضائها، حيث تكفل الأحكام العامة للقانون الحد الأدنى اللازم لمراقبة أداء الجماعات المدنية سواء من خلال جمعيات عمومية تملك صلاحيات فعالة فى محاسبة مجالس إداراتها المنتخبة، أو من خلال الرقابة القضائية التى تتيح الفرصة لأعضاء الجماعات المدنية أو لكل ذى مصلحة فى الطعن على القرارات المتخذة من جانب الجماعة المدنية إذا ما تعارضت مع القانون أو إذا ما خرجت مجالس إدارتها عن قواعد الشفافية المحاسبية .

حق الجماعات المدنية المختلفة فى تشكيل اتحادات وطنية أو تعاهدات و حق هذه الأخيرة بتكوين منظمات دولية أو الانضمام إليها. و حقها فى التدخل أمام القضاء الجنائى بالادعاء مدنيا عن جريمة وقعت على أعضاءها على أساس المساس بالمصلحة الجماعية التى تمثلها. وإطلاق حرية تكوينها بلا قيد أو شرط فيما عدا القائمة منها على أساس عسكرى أو عنصرى . و حقها فى أن تعتبر قائمة قانونا بمجرد إخطار الجهة الإدارية بتشكيلها . كما تشمل حقوق الجماعات المدنية حق كل طائفة أو جماعة دينية أو عقائدية أو ثقافية أو قومية قائمة على أساس من عقيدة مشتركة أو ثقافة مشتركة بين أفرادها فى أن تنظم أعضاءها فى شكل جماعة مدنية ينضم لها طوعيا المنتمين لتلك العقيدة أو الثقافة أو القومية .

مد مظلة التأمين الاجتماعي الشامل لكل المواطنين منذ ميلادهم و حتى وفاتهم، ضد كل من العجز و الإعاقة و المرض و التقاعد و الحوادث و الكوارث البيئية والطبيعية و البطالة ومخاطر العمل وحوادثه و الفصل التعسفى من العمل و الإفلاس و اليتم والفقر والجوع والتشرد وتدهور مستوى المعيشة والجهل. ومن أجل ضمان احتياجات كل من الأمومة والطفولة و الشيخوخة، وضمان حقوق مستوى المعيشة اللائق و المأوى اللائق، والتعليم والعلاج و الثقافة والمعلومات على نحو مجانى كامل للمؤمن عليهم، وذلك عبر تعاونيات التأمين الاجتماعي التحررية التى تهدف لضمان حق كل عضو فى تعاونيات التأمين الاجتماعي الشامل، هو والمشمولين برعايته والملزم بالإنفاق عليهم، وضمان حريتها و استقلاليتها، وحماية أموالها من المخاطر، و قيامها على المبادرة الجماعية للمواطنين، بالاستقلال عن الأجهزة الحكومية، دون انتظار ما قد تمنحه لهم الحكومات المختلفة من مكاسب يسهل على حكومات أخرى أن تنتزعها منهم عندما تتغير الظروف و الأحوال، ودون انتظار احسانات الآخرين وصدقاتهم… وهذا يتطلب تشجيع المواطنين على الانضمام إليها

*حقوق العمل تتضمن ضمان الأجور المتساوية عن الأعمال المتساوية و عن نفس الإنتاجية فى كل القطاعات دون التمييز من أى نوع بين العاملين و العاملات ،حيث لا ينبغى أن تخرج مقاييس تحديد الأجر عن معايير الإنتاجية الفعلية والكفاءة دون أى تمييز بين العاملين على أساس الجنس أو أى أسس أخرى .كما يجب توفير فرص متساوية لكل فرد بالنسبة لترقيته فى عمله إلى مستوى أعلى مناسب دون خضوع فى ذلك لأى اعتبار سوى اعتبارات الترقية والكفاءة.فلكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة. و لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل. و لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية. ولكل شخص الحق في أن ينشأ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته. ولكل شخص الحق في الراحة، أو في أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.

حقوق مستوى المعيشة تتضمن حق كل فرد فى مستوى معيشى لائق لنفسه وللمشمولين برعايته، بما فى ذلك الغذاء الصحى والملبس الملائم والمسكن الصحى وملحقاته من خدمات ومرافق أساسية و حق كل فرد فى تيسير وسائل النقل والمواصلات له وللمشمولين برعايته. وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

حقوق الصحة تتضمن تأمين البيئة الصحية و الخدمات الطبية والعناية الطبية اللازمة فى حالة المرض لكل المواطنين بأعلى مستوى من الخدمة العلاجية بصرف النظر عن قدراتهم المادية ، مما يعنى توحيد نظام الخدمة الصحية بالنسبة لكل المواطنين.

*حقوق الأطفال والنساء والمسنين فى المساعدة و الرعاية الخاصتين و الحماية الشاملة والمساعدة الفعالة لجميع الأطفال و الأشخاص الصغار دون أى تمييز لأسباب أبوية أو غيرها والنساء و المسنين. من الاستغلال الاقتصادى و الاجتماعى والتفكك الأسرى وسوء العناية وانتهاك حقوقهم . والمعاملة القاسية أو الحاطة بكرامتهم و المدمرة لشخصيتهم ، و حماية الأطفال وصغار السن من أى انتهاك لحقوقهم الإنسانية فى التربية الصحية و التعليم المناسب واللعب و تنمية شخصيتهم المتكاملة بدنيا ونفسيا وعقليا.والتكفل برعاية الأطفال والنساء والمسنين الذين حرمتهم الأقدار من الرعاية السليمة فى أسرهم الطبيعية ، من أجل القضاء التام على ظواهر التشرد وعمالة الأطفال وأطفال الشوارع وضحايا التفكك الأسرى وسوء العناية . و الحق فى أن ينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أم بطريقة غير شرعية.

حقوق التعليم وتعنى ضمان حق كل فرد فى التعليم دون أى معوقات سوى الكفاءة الشخصية والاستعداد العقلى للفرد مما يعنى إزالة كل المعوقات الأخرى التى تحول بين الفرد وتمتعه بهذا الحق.و ضمان إلزامية التعليم العام ما قبل الجامعى لجميع من هم فى سن التعليم، مع ضمان المساواة الكاملة بين الطلاب فى نفس مستوى التعليم الذى يتلقوه بصرف النظر عن القدرات المالية لذويهم من خلال نظام التأمين التعليمى الشامل.و ضمان نفس الحق للمتعثرين فى استكمال تعليمهم حتى سن 18 عاما و لذوى الظروف الخاصة التى تعوقهم ظروفهم الجسدية أو العقلية عن الاستمرار فى المدارس العامة بتلقى القدر من التعليم الذى يتناسب و تلك الظروف أو ذاك التعثر و يساعدهم على الاعتماد على أنفسهم فى المستقبل .و ضمان جعل التعليم العالى الجامعى ميسورا للجميع بشرط الكفاءة وحدها بكل الوسائل المناسبة .

ضمان حق كل فرد فى المشاركة فى الحياة الثقافية والتمتع بمنافع التقدم العلمى وتطبيقاته. وتسهيل إطلاع كل مواطن على الإنتاج الثقافى والعلمى والفنى عبر العالم. و ضمان حق كل مواطن فى استخدام وسائل الإعلام والثقافة المختلفة فى ممارسة حقه فى التعبير عن آرائه ومعتقداته بالكتابة والحديث والتعبير الفنى على قدم المساواة مع كل المواطنين. و حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني.

عن تأسيس الحركة الاشتراكية التحررية فى مصر

تأسست الحركةالاشتراكية التحررية فى مصر يوم 23 مايو2011 بالقاهرة، و فى هذا السياق أصدرت الحركة بيانا موجزا تعلن فيه عن وجودها، ويطمح المؤسسون أن ينضم إليهم كل المعادون للرأسمالية سواء أكانت رأسمالية أفراد أم رأسمالية دولة، وكل المعادون للبيروقراطية والمركزية وقمع حريات الأفراد والانتقاص من حقوقهم الإنسانية،وتطمح الحركة أن ينضم إليها كل أنصار الإدارة الذاتية لمنشئات العمل ومواقع السكن، وكل أنصار تعميم الاقتصاد التعاونى التحررى، والللامركزية الإدارية، وتوسيع سلطات واختصاصات المحليات، وأنصار ديمقراطية المشاركة شبه المباشرة.

الحركة تنتظم فى مجموعات عمل يختارون سكرتارية تنسق فيما بينهم، وتتحد تلك المجموعات وتنسق فيما بينها بواسطة اتحادات مختلفة تتشكل من مندوبين منتخبين عن تلك المجموعات يختارون سكرتارية تنسق فيما بينهم، عبر استخدام وسائل الاتصال الحديثة،لتجاوز البناء الهرمى فى التنظيم.

ولأن الحركة تفتقد إلى أى مصادر لتمويل نشاطها من أى نوع غير اشتراكات وتبرعات أعضاءها، وعملهم التطوعى، ولأنهم لا يملكون سوى أجورهم المحدودة، وليس من بينهم أى أثرياء، و حيث أنهم لا يرغبون فى تلقى أى تمويل من أى جهة خارج الحركة يحد من حريتهم فى العمل، واتخاذ القرار، فإن الحركة سوف تمارس معظم نشاطها الدعائى فى ظل هذه الظروف عبر الأنترنت باعتباره أرخص الوسائل المتاحة، بشكل أساسى، وسوف تصدر بعض المطبوعات الورقية كلما تيسر لها ذلك، و الحركة لنفس تلك الأسباب تفتقد القدرة الآن على امتلاك أو تأجير مقر لها، ولذلك فسوف يقتصر عملها على نشاط أعضاءها داخل التنظيىمات الشعبية المختلفة كالنقابات العمالية والمهنية واللجان الشعبية والتعاونيات، والجمعيات الأهلية والأندية، وسوف ينخرط أعضاءها فى كل الحركات والفعاليات الاحتجاجية الشعبية، والتنسيق والتواصل فيما بين أفرادها ومجموعاتها عبر الأنترنت.

فلنسعى من أجل تشكيل جماعات دعاية، ومنها تشكيل اتحادات عبر ممثلين عن تلك الجماعات وفق الأسس السابق ذكرها.

أن أعضاء الحركة هم كل من يوافقون على بيان الاشتراكية التحررية، ويدعمونها ماليا، ويشاركون فى نشاطها، ومنضمون إلى أحد مجموعاتها.

كل من يؤمن بأهمية العمل الجماعى المنظم، ويرغب فى الانضمام أن يعلن عن رغبته برسالة موضحا فيها بياناته الخاصة وطرق الاتصال به إلى البريد الإلكترونى للحركة

Lsm.egypt@gmail.com

http://fasail.blogspot.com/

ڕیفۆرمی ڕامیاریی بە واتای گۆڕانی كۆمه‌ڵایه‌تی و باشترکردنی کۆمه‌ڵگه‌ نییه

زاهیر باهیرله‌نده‌ن

08/07/11

له‌ كاتێكدا، كه‌ سیسته‌می باڵاده‌ستی سه‌رده‌م له‌وپه‌ڕی به‌هێزی و ‌تواناداریدایه‌، به‌و ‌ڕاده‌یه‌ی كه به‌خۆترنجاندنه‌ هەمووو كون و كه‌له‌به‌رێكییه‌وه‌‌ ‌لەتەك هەمووو ساته‌كانی ژیانماندا ده‌ژێت؛ له‌ناو ماڵماندا، له‌سه‌ر كارماندا، له‌ قوتابخانه‌كاندا، له‌ خه‌سته‌خانه‌كاندا، له ‌هەمووو شوێنێكدا له‌ ڕووشاندنی كه‌رامه‌ت و نرخ و به‌های مرۆڤ و مرۆڤایه‌تیدا شوێنده‌ستی خۆی دیاریكردوه‌. له‌كاتێكدا كه‌ ئه‌م سیسته‌مه‌ ئاماده‌یه‌ بۆ مانه‌وه‌ی خۆی و هه‌یمه‌نه‌كردن هەمووو شتێك هه‌ر له‌ جه‌نگ و شه‌ڕهه‌ڵگیرساندن و وێرانكردنی ژینگه‌ و ڕاگوێزان و بێكاركردنی خه‌ڵكه‌وه‌‌ بیگره‌ تاکو ‌به‌كارهێنان و به‌گه‌ڕخستنی پیر و گه‌نج و منداڵ و ئافره‌تان و كه‌مئه‌ندامان، خولقاندنی كێشه‌ی بێكاری و بێماڵی و لانه‌وازه‌بوون و .. هتد، بکات، كه‌ هه‌ر هەمووو ئه‌مانه‌ش بۆ كه‌ڵه‌كه‌بوونی پاره‌ی زیاتر و سوود و قازانجی زیاتر. له ‌كاتێكدا كه ‌ئه‌م سیسته‌مه،‌‌ ئه‌وه‌ی كه‌ له‌ هاوشانییه‌وه‌ نه‌ڕوات و خزمه‌تكاریی نه‌كات و به‌رژه‌وندییه‌كانی ئه‌و نه‌پارێزێت، ئه‌وا‌ بێڕه‌حمانه‌ ده‌‌یپروێنێ. هه‌ر بۆیه‌ لێدانی ئه‌و هەمووو ده‌هۆڵانه‌ی وه‌كو: مافی مرۆڤ و سه‌ربه‌ستی و دادوه‌ری كۆمه‌ڵایه‌تی و به‌یه‌كه‌وه‌ هه‌ڵكردن و به‌یه‌كه‌وه‌ ژیانی هەمووو تاكه‌كانی ناو کۆمه‌ڵگه‌ وێڕای جودایی هه‌مه‌جۆره‌یان، به‌ها و نرخی تاك و خێزان، دژ‌ایه‌تی ڕایسیزم و ڕه‌گه‌زپه‌رستی و ڕه‌خساندنی هه‌ل و ستایش و سه‌ناكردنی هاووڵاتیانی و به‌رگریكردن له‌ نیشتمانو ‌زۆری تریش له‌م قسه‌ و گوتاره‌ ورەییانه‌ تا ده‌گاتە باس و خواسی دیمۆكراتی و سیسته‌می هه‌ڵبژارندن و په‌ڕله‌مانتاری به‌دناو. ‌هه‌ر هەمووو ئه‌مانه‌ش له‌لای ئه‌م سیسته‌مه‌ ڕێزدارن و به‌هادارن، كه ‌له ‌هاوشانییه‌وه‌ بڕۆن و پارێزگاری ڕێڕه‌و و به‌رژه‌وه‌ندییه‌كانی ئه‌و بكه‌ن، هه‌ركاتێكیش به‌موو لایاندا، ئیدی به‌ بڕیاری یاسایه‌ك كه‌ سنو‌وری یاسا شكێنراوه‌، هەمووو ئه‌وانه‌ی كه‌ له‌ سه‌ره‌وه‌ ناوم هێنان [كورد وته‌نی] ده‌بنه‌ مه‌ره‌كه‌بی سه‌ر كاغه‌ز و لەبەرچاو ناگیردرێن، بگره‌ دژایه‌تیان ده‌كرێت.

ئه‌وانه‌ی سه‌ره‌وه‌ گه‌ر به‌ كورتیش بیت، ئیشاره‌تێكی بچوكمان ده‌داتێ، كه‌ گۆڕانكاری ڕیشه‌یی له‌ ناو کۆمه‌ڵگه‌دا به‌گۆرانكاری ‌هه‌ر چه‌شنێك له‌ چه‌شنی سیسته‌می ڕامیاری یا به‌ گۆڕانی ده‌سه‌ڵات ناكرێت.

هەمووان ئه‌وه‌ ده‌بینین، ‌كه ئه‌م سیسته‌مه‌ بۆ هێڵانه‌وه‌ی خۆی و هه‌یمه‌نه‌كه‌ی هه‌میشه‌ دووشتی پێویسته‌ : یه‌كه‌م : ده‌هۆڵی میدیا به‌ هەمووو چه‌شنه‌كانییه‌وه‌، میدیایه‌ك ده‌نگ و ڕه‌نگ و تام و چێژ و به‌هاو ئامانجی ئەوەیە، کە ئه‌م سیسته‌مه‌ بگه‌یه‌نێته‌ گوێچكه‌مان و گۆشمان بكات پێی و له ‌هەموو قوژبنێكی ژیانماندا‌ جێی خۆی كردبێته‌وه. دووهه‌میشیان كاركردنی خودی سیسته‌مه‌كه‌یە ‌له‌سه‌ر ئه‌و پایه‌ و بنچینانه‌ی كه‌ باوه‌ڕی پێیان هه‌یه‌ و باشترین خزمه‌تی ده‌كەن. واته‌ خۆدروستكردن و ژیانه‌وه‌ی و تازه‌بوونه‌وه‌ی لەتەك خۆگونجاندنی له ‌كات و شوێنی جیاجیادا. ئه‌م دوو هۆكاره‌ش ده‌یگه‌یێنێته‌ مه‌به‌ستی سه‌ره‌كی و باشترین ڕێگه‌یه‌ك، باشترین تاكتیك و ستراتیجییەتێك كه‌ ‌له‌وێوه‌وه‌ نه‌ك هه‌ر ‌بتوانێت فه‌رمانڕه‌وایی بكات و پارێزگاری له مافی‌ خاوه‌ندارێتی تایبه‌تی و په‌یوه‌ندی به‌رهه‌مهێنانی كۆمه‌ڵایه‌تی سه‌رده‌م بكات، به‌ڵكو تاكه‌كۆمه‌ڵایه‌تییەكانیش بخه‌سێنێت یا لانی كه‌م گێژ و وڕیان بكات ، ئه‌وەیش سیسته‌می هه‌ڵبژاردن و په‌ڕله‌مانتارییه‌، كه‌ سه‌رمایه‌داری نه‌ك هه‌ر داهێنانی له ‌خودی چه‌شنی فه‌رمانڕه‌واییدا كردووه‌، به‌ڵكو له‌ خودی هه‌ڵبژاردن و‌ گه‌مه‌ی په‌ڕله‌مانتاریشدا ئەوەی کردووە.

زۆر ده‌مێكه‌ زۆربه‌ی خه‌ڵكانی خۆراوا گه‌یه‌نراونه‌ته‌ ئه‌و بڕوایەی تاكه‌ ڕێگه‌یه‌ك كه‌ بۆ پێشه‌وه‌چوونی كۆمه‌لگە و به‌دیهێنانی ئه‌وه‌ی كه‌ ده‌یانه‌وێت، هه‌بێت، سیسته‌می هه‌ڵبژاردن و گه‌مه‌ی په‌ڕله‌مانبازییه‌. وا ئێستا ئه‌م ڕێڕه‌وه‌ش هه‌ر له‌ كۆتایی ساڵه‌كانی چه‌رخی ڕابوردووه‌وه‌، باڵی به‌سه‌ر بلۆكی ئه‌وروپای خۆرهه‌ڵات و خۆرهه‌ڵات و به‌شه‌كانی تریشدا كێشاوه‌ و نزیكه‌ی سه‌رجه‌می خه‌ڵكه‌كه‌ی به‌خۆیه‌وه‌ سەرقاڵ كردووه‌، ئه‌وانیش بە حەمد و سەنا بۆ خودا گه‌یشتونه‌ته‌ قه‌ناعه‌تی ده‌ستهه‌لگرتن و تێپەڕاندنی ڕێگه‌ و تاكتیكه‌كانی پێشووی وه‌كو كو‌ده‌تا و خه‌باتی چه‌كداری و به‌رپاكردنی شۆڕشبۆ گه‌یشتن به‌ ئامانجه‌كانی پارت و ڕێكخراوه‌كانیان، كه‌ گوایه‌ ئه‌وانه‌ش ئامانجی جه‌ماوه‌ره‌‌ن و ئه‌مان نوێنه‌رایه‌تی ده‌كه‌ن.

لێره‌دا سه‌مه‌ره‌كه‌ ئه‌وه‌یه‌، كه‌ خه‌ڵكانی خۆراوا له‌‌ كاروباری هه‌ڵبژاردن و هه‌بوونی په‌ڕله‌مان و ناو به‌ناو ئاڵوگۆڕپێكردنیان، كه‌ زیاتر له‌ سه‌ده‌یه‌كه‌ پێیه‌وه‌ سه‌رقاڵن و هەموو جاریش ده‌زانن، كه‌ گۆڕانكارییه‌كان زۆر كه‌م ڕووده‌ده‌ن و به‌ده‌گمه‌نیش خواسته‌كانیان دێنه‌دی، كه‌چی هه‌ر به‌رده‌وامن.

له‌ملاشه‌وه،‌ له‌ ده‌ره‌وه‌ی خۆراواش به‌شێكی خه‌ڵكه‌كه‌ی، ئه‌م ئه‌زموونانه‌ی خۆراوا به‌چاوی خۆیان ده‌بینن و كه‌چی هێشتا ده‌كه‌و‌نه ژێر كاریگه‌ری ئه‌و ڕوداوانه‌وه‌ و تازه‌ به‌تازه‌ هه‌نگاوی لاساییكردنه‌وه‌ له‌م بواره‌دا ده‌نرێت، هه‌نگاوێك كه‌ ساڵه‌هایه‌كی دوورودرێژه‌، شکستی هێناوه‌. بێگومان تێگه‌یشتنی هۆی قبوڵكردنی خه‌ڵكانی خۆرهه‌ڵات به‌ كوردودستانی خۆشمانه‌وه له‌ پرسی هه‌ڵبژاردن و سیسته‌می په‌ڕله‌مان،‌ زۆر گران نییه‌ و ده‌توانرێت له‌ هه‌ندێك هۆدا كۆیان بكه‌ینه‌وه‌، كه‌ گرنگترینیان: نوچدان و نوشستهێنانی هەموو ڕێگه‌كانی پێشووتر و زاڵییەتی و كاریگه‌رێتی میدیای سه‌رده‌م له‌سه‌ر خه‌ڵكی، شه‌پۆلی بازاڕی ئازاد و سەرمایەی ئازاد و ڕه‌وكردن و هێڕشی به‌رده‌وامیان بۆ سه‌ر وڵاتانی خۆرهه‌ڵات و هه‌بوونی قه‌یرانی ڕامیاریی و ئابووریی و كۆمه‌لایه‌تیی و هه‌بوونی ئه‌زموونێكی دورودرێژی كوشتنوبڕین و خوێنڕشتن، كه‌ هیچی به‌هیچ نه‌كرد، لەتەك گه‌لێك هۆی تردا، هەموو ئه‌مانه‌ سوكنایییان به‌ دڵی خه‌ڵكی خۆرهه‌ڵاتیش داوه‌ و ڕازیکردنیان بەوەی تاكه‌ ڕێگه‌یه‌ك كه‌ به‌ ئاوات و ئامانجیان دەگه‌یێنێت، هه‌ڵبژاردن و سیسته‌می په‌ڕله‌مانتارییه‌.

ئه‌مڕۆ له‌ كوردستاندا كه‌ بزووتنه‌وه‌یه‌كی به‌هێزی وه‌كو گۆڕان و ئیسلامی هه‌یه‌ و خه‌ڵكانی ڕۆشنبیر و خوێنه‌واریشی له‌ خۆیه‌وه‌ گلاندوه‌‌، ئه‌ركی سه‌ره‌كی سه‌رشانیان [خۆیان وته‌نی] ڕیفۆرمی كۆمه‌ڵایه‌تییه‌ و چاكسازیكردنه‌ له‌ کۆمه‌ڵگه‌ و له‌ ژیانی تاكه‌كانی ناو کۆمه‌ڵگه‌دا، وه‌كو له‌ سه‌رجه‌می شوێنه‌كانی دیکەشدا هه‌مان سه‌رلێشێواوی دروست كراوه‌ و نایانه‌وێت، كه‌ ئه‌و ڕاستییانە بۆ خه‌ڵكی ڕوون ببنه‌وه‌‌، كه‌ ریفۆرمی ڕامیاریی، ڕیفۆرمی كۆمه‌ڵایه‌تی نییه‌ و گۆڕینی په‌ڕله‌مانتاره‌كان و پارته‌كان له‌ ده‌سه‌ڵاتدا، گۆڕانكاری گه‌وره‌ی كۆمه‌ڵایه‌تی ناگه‌یه‌نێت. ئه‌وه‌شی كه‌ جێگەی داخه‌، به‌شێكی زۆری هه‌ڵسوڕاوانی ئه‌م بزووتنه‌وه‌یه‌ کەسانێكن، كه‌ ساڵه‌هایه‌كی دورودرێژ له‌ خۆراوا و ئه‌مه‌ریكا و كه‌نه‌‌دا و ئۆسترالیادا ژیاون و ده‌ژین، نه‌ك هه‌ر به‌چاوی خۆیان هه‌ڵبژاردنه‌ دیمۆكراتییه‌كان و ده‌ستاوده‌ستپێكردنی ده‌سه‌ڵاتیان بینیو ه‌و له‌ژێر سایه‌ی ئه‌و ده‌سه‌ڵاتانه‌دا ژیانیان بەسه‌ر بردۆته‌ ، به‌ڵكو من دلنیام هه‌ندێكیشیان به‌شداریشیان له پرۆسێسی ‌ده‌نگدانیشدا كردووه‌.

ئه‌و كەسانه‌ سور ده‌زانن، كه‌ گۆڕانكاری بنه‌ڕه‌تی نه ‌له‌ سیسته‌مه‌كه‌دا ( سیسته‌می سه‌رده‌م) نه‌ له‌ناو خودی کۆمه‌ڵگه‌كه‌شدا ده‌بێت. له‌ هه‌مان كاتیشدا ئه‌وه‌ش ده‌زانن، كه‌ له‌ سیسته‌می هه‌ڵبژاردن و دیمۆكراتی سه‌رده‌مدا ته‌نها هه‌ڵبژاردنی ئه‌وانه‌ ده‌كرێت، كه‌ ده‌سه‌ڵاتیان نییه‌ و جێبه‌جێكه‌رن، ته‌نها ده‌نگ بۆ سه‌پاندنی ڕامیارییه‌كان، پلانه‌كان ( پۆله‌سی) و .. هتد‌ ده‌ده‌ن، ئه‌وان پارێزگاری مانه‌وه‌ و به‌رده‌وامبوونی سیسته‌مه‌كه‌ باشتر ده‌كه‌ن. له‌م سیسته‌مه‌دا، سیسته‌می هه‌ڵبژارداندا ، ئه‌وانه‌ی كه‌ ده‌سه‌ڵات و پاوه‌ریان هه‌یه‌، ئه‌وانەن كه‌ له‌ ڕاستیدا فه‌رمانڕه‌وایی ده‌كه‌ن، هه‌ڵنابژێرێن و وەكو خۆیان له‌ شوێنی خۆیان ده‌مێننه‌وه‌‌، له‌ كاتێكدا ده‌موچاوه‌كان و پارته‌كان له‌ ده‌سه‌ڵاتدا به‌ به‌رده‌وامی ده‌گۆڕێن.

ئه‌م سیسته‌مه‌ ( وه‌كو له‌ سه‌ره‌وە باسم كرد) زۆر له‌وه‌ به‌هێز تره‌ و گۆڕانكاریه‌كانیش، گه‌ر له ڕاستیدا، بمانه‌وێت بیانكه‌ین، لە سه‌رتاپای کۆمه‌ڵگه‌دا له‌ دامێنییه‌وه‌، كه‌ شانه‌ی خێزانه‌، له‌ سه‌ری سه‌ره‌وەشدا به‌ ده‌وڵه‌ت و ده‌سه‌ڵات كۆتایی دێت، ده‌گرێته‌وه، ئه‌ركێكی زۆر له‌وه‌ گرانتره‌، كه‌ له‌ دوو توێی گۆڕینی په‌ڕله‌مانتاردا و ده‌ستی ده‌ستیپێكردنی ده‌سه‌ڵاتدا، به‌رجه‌سته‌ ببێت. ئەستەمه‌‌ و ئاوەز قبوڵی ناكات، کە زۆردار و ده‌سه‌ڵاتدار نه‌ك هه‌ر ڕێگه ‌بده‌ن، ڕێگه‌چاره‌یه‌ك بگیردرێته‌ به‌ر، كه‌ به‌ری خۆیانی پێ بگیردرێت و ده‌سه‌ڵاتیان لێ بسه‌نردرێته‌وه‌، به‌ڵكو سنووری ده‌سه‌ڵاتیان ته‌سك بكاته‌وه‌ و گۆڕانكارییه‌كی گرنگیش له‌ سیسته‌مه‌كه‌یاندا بكات.

ڕاسته‌ له‌ وڵاته‌ دواكه‌وتووه‌كانی وەكو لای خۆمان، خه‌بات بۆ هه‌ڵبژاردن و گه‌مه‌ی په‌ڕله‌مانبازی كراوه‌ و خه‌ڵكێكی زۆریش بۆ گه‌یشتن پێی گیانیان له‌ده‌ست داوه‌، به‌ڵام له‌ وڵاتانی خۆراوا و ئه‌مه‌ریكا و كه‌نه‌دا و ئوسترالیا و ژاپۆن و شوێنه‌كانی دیکەش، ئه‌مه‌ وه‌كو خه‌ڵاتدان یان عه‌تاكردن ته‌ماشای كراوه‌ و ده‌كرێت، بۆیه‌ به‌ ملێوێنه‌ها پاوه‌ند و یۆرۆ و دۆلار و یەن و دراوه‌كانی تری بۆ ته‌رخان ده‌كرێت ، تاكو به‌ڕێكوپێكی بڕوات. هه‌ر ئه‌وه‌شه‌ كه‌ ده‌یانه‌وێت هه‌مان پرۆسێس له‌ وڵاتانی وه‌كو ئێمەو مانا و باقییه‌كه‌ی دیکەی جیهاندا بچه‌سپێت، بۆ هەناردنە ده‌ره‌وه‌ی ئه‌م شێوه‌ ده‌سه‌ڵاته‌ جه‌نگی گه‌وره‌ی بۆ به‌رپا ده‌كه‌ن و خوێنی تێدا ده‌ڕێژن، تاكو خه‌ڵكی به‌وه‌ گێل بكه‌ن، كه‌ ئه‌مه‌ باشترین، مۆدێرینترین ڕێگه‌یه‌ بۆ کۆمه‌ڵگه‌ی مه‌ده‌نییا دروستكردنی كۆمه‌ڵگه‌ی مه‌ده‌نی، چونكه‌ ده‌زانن ئه‌مه‌ باشترین ڕێگه‌یه‌كه‌، كه‌ پارێزگاری له‌ سیسته‌می سه‌رده‌م ده‌كات و به‌رده‌وام بوونی مسۆگه‌ر ده‌كات و خودی سیسته‌مه‌كه‌ به‌هیچ شێوه‌یه‌ك له‌ق‌ ناكات.

له‌به‌ر ڕۆشنایی ئه‌وانه‌ی سه‌ره‌وه‌، من پێموایه‌ ڕاسته‌ ناتوانرێت، ڕێگه‌ به‌ ناڕه‌زایی خه‌ڵكی بگیردرێت، ئه‌وه‌تا له‌ هه‌ندێك وڵاتان، كه‌ ئێستا ده‌یبینی و پێشتریش بینیمانن، خه‌ڵكی ده‌یه‌وێت گۆڕانكاری بكات . بۆ ئه‌مه‌ش ده‌چێته‌ سه‌ر شه‌قامه‌كان و چنگاوشی پۆلیس و ده‌سگە سیخوڕییه‌كانی ده‌وڵه‌ت ده‌بێته‌وه‌، مانده‌گرێت و خۆنیشاندان ده‌كات، به‌ڵام سه‌رئه‌نجامه‌كان یا به‌گۆڕانكارییه‌كی بچووك له‌ناو کۆمه‌ڵگه‌دا یا‌ گۆڕنكارییه‌كی لاوه‌كی له‌ ناو خودی سیسته‌می ده‌سه‌ڵاتدا به‌رپاده‌بێت، به‌ڵام گۆڕانكاری ڕیشه‌یی ڕوونادات، هۆكه‌شی ته‌نها ئه‌وه‌یه‌: كه‌سه‌رجه‌می گۆڕانخواز و گۆڕانویسته‌كان ده‌یانه‌وه‌ێت گۆڕان و گۆڕانكاری له‌ ناوه‌وه‌ و له‌ خودی سیته‌مه‌كه‌ خۆیدا بكه‌ن، نه‌ك له‌ ده‌ره‌وی سیسته‌مه‌كه، یا گۆڕانی ریشه‌یی له‌ کۆمه‌ڵگه‌كه‌دا بكه‌ن‌.

ئه‌مه‌ی كه ‌وتم كوردستانیش ده‌گرێته‌وه‌، ئاشكرایه‌ بزووتنه‌وه‌ی گۆڕان و سه‌رجه‌می بزوتنه‌وه‌كه‌ له‌و هه‌وڵه‌ی كه‌ دایان تێکشكان و ئه‌زموونێكی ناخۆشیشیان له‌ ژیانی خه‌ڵكان و گه‌نجانی دڵگه‌رم و گۆڕانخوازدا تۆمار كرد. من پێشتر له‌ وتارێكمدا (به‌ سیاسیكردنی كێشه‌ كۆمەڵایەتییەكان سه‌رچاوه‌ی تێشكانمانه‌)*به‌ درێژی له‌وه‌ دوام و به‌داخه‌وه‌م كه‌ بڵێم ئه‌و چاوه‌ڕوانییه‌ له‌لای من یه‌قین بوو، هه‌ر له‌وێشدا هۆكانی تێشكانه‌كه‌یم به‌رچاو خست، بۆیه‌ من لێره‌دا نامه‌وێت باس له‌وه‌ بكه‌مه‌وه‌ به‌ڵكو زیاتر ده‌‌مه‌وێت باس له‌و وانانه ‌بكه‌م، ئێستا كاتی ئه‌وه‌یه‌ كه هه‌ر هەمووومان ئەزموونی لێ وه‌رگرین و له‌ ڕودانه‌وه‌ی كارێكی ئاوا خۆمان بپارێزیین، خه‌باتێكی ئاوا كه‌ کارەساتێكی گه‌وره‌ به‌سه‌ر گه‌نجان و میلله‌ته‌كه‌شماندا ده‌هێنێت ، به‌ گرتنه‌وه‌به‌ری هه‌مان تاكتیكی پێشووتر و هێنانه‌وه‌ی گه‌نجان و خه‌ڵكانی دیکەش بۆ سه‌ر شه‌قامه‌كان و بیانكه‌ینه‌ قوربانی ده‌ستی ده‌سه‌ڵاتی فاشیت له‌ پێناوی داخوازییە ڕامیارییەکاندا ، كه‌ له‌ كاتێكدا هۆكان و سه‌رئه‌نجامه‌كانی تێشكانه‌كه‌مانمان لێك نه‌دابنه‌وه‌ و شی نه‌كردبنه‌وه، كارێكی دروست نییه‌‌. چونكه‌ ئه‌مە نه‌ك هه‌ر خه‌ڵكانێكی زۆری دیکە به‌ گورگان خواردوو ده‌کەین، به‌ڵكو ئه‌زموونه‌ تێکشکاوه‌كه‌ی پێشووشمان، كه‌ هێشتا خوێنی گه‌نجه‌كانمان وشك نه‌بووەته‌وه‌، دووباره‌ ده‌كه‌ینه‌وه‌ و كاریگه‌ریه‌كی خراپتر له‌سه‌ر ناڕه‌زاییگه‌ران داده‌نێین. دواتریش ده‌یبینین كه‌ ڕامیارییه‌كان ده‌چنه‌وه‌ سه‌ر مێز و خوانی گفتوگۆ و وه‌كو چۆن ئێستا ده‌یبینین وه‌كو ئه‌وه‌ی نه‌ بایان دیبێت و نه‌ بۆران.

من به‌ش به‌حاڵی خۆم، ئه‌م وانانه‌م نه‌ك هه‌ر له‌ ڕوداوەكانی كوردستان، به‌ڵكو سه‌رجه‌می ڕوداوه‌كانی ئه‌م دوایه‌ی وڵاتانی عه‌ربیش، وه‌رگرتوون:

یه‌كه‌م: من كێشه‌كه‌ به‌ كێشه‌ی خه‌ڵك واته‌ جه‌ماوه‌ ده‌زانم، بۆیه‌ به‌بۆچوونی من بانگه‌وازكردن له‌لایه‌ن گروپ و پارته‌ ڕامیارییه‌كانه‌وه‌ تاكو خه‌ڵكی بڕژێنه‌ سه‌ر شه‌قامه‌كان، كارێكی ڕاست نییه‌، چونكه‌ ‌كردنی ئه‌مه، خۆ به‌ باوك زانینه‌ و بۆ كۆنترۆڵ و بۆ ئیحتیواكردنی ناڕه‌زاییه‌گه‌رانه‌. كه ‌ئه‌مه‌ش كرا، ناڕه‌زاییه‌كان شێوه‌ خۆبه‌خۆییه‌كه‌ی خۆیان له‌ ده‌ست ده‌دەن و لەتەك كرۆكی دیمۆكراتیانه‌ی ڕیزه‌كانی خۆی، كه‌ ئه‌و كاته‌ پارت و گروپه‌كان سنوور و پلانیان بۆ داده‌نێن و ده‌بنه‌ نوێنه‌ر و ‌ ده‌مڕاستی ئه‌وان، ئیدی خۆیان چییان پێخۆش بێت و چی له‌ به‌رژه‌وندیان بێت، ئه‌وه‌ ده‌كه‌ن (…) به‌ كڵاوی ناڕه‌زاییگه‌ران و خۆنیشانده‌رانیش ناپێون.

دووهه‌م: كێشه‌كان نابێت بكرێنه‌ كێشه‌ی ڕامیاری و خه‌ڵكانی ڕامیاری له‌سه‌ر حسابی جه‌ماوه‌ر ببنه‌ خاوه‌نی پله‌و‌ پایه و پاره‌‌. من له‌ وتاری پێشوترمدا ( به‌ سیاسیكردنی كێشه‌ كۆمەڵایەتییەكان سه‌رچاوه‌ی تێشكانمانه‌)*به‌درێژی له‌سه‌ر‌ ئه‌مه‌ دواوم، بۆیه‌ نامه‌وێت سه‌ری خوێنه‌ری پێوه‌ بیئێشێنم.

سێهه‌م: هەموو هه‌نگاوێك و ڕێوشوێنێكی تازه‌، دەبێت له‌لایه‌ن‌ هەموو ناڕه‌زاییگه‌ران و خۆنیشاده‌رانه‌وه‌ مشتومڕی له‌سه‌ر بكرێت و بڕیاڕی له‌سه‌ر بدرێت ، كه‌ ئه‌مه‌ش كرا، ئیدی سه‌رجه‌می به‌شداربووان له‌ سه‌رئه‌نجامه‌كه‌ی به‌ باش یا بە خراپ، به‌رپرسارن.

چوارهه‌م: وەلاخستنی هەموو ڕێگه‌ كۆنه‌كان؛ هه‌ر له‌ خۆنیشاندانه‌وه‌ تا ده‌گاته‌ كێشمانكێش و چنگاوەشبوون له‌تەك ده‌سگە پۆلیسی و سیخوڕییه‌كانی ده‌سه‌ڵات و لێ نه‌كه‌وتنه‌وه‌ی شه‌ڕ و ئاژاوه‌ و خوێنڕشتن. به‌ڵكو ته‌به‌نیكردنی ڕێگەی تازه‌ و سه‌رده‌مییانه‌، كه‌ له‌ هەموو به‌یه‌كادانێكەوە دووره‌، وه‌كو هەستان بە كاری ڕاسته‌وخۆ (Direct Action )، مانگرتن و دانیشتن (Sit-In ) لە چوارێیانەکاندا و داگیركردنی كارگه‌كان و نووسینگەكان و شوێنه‌ خزمه‌تگوزارییه‌كان به‌ شێوازی ئاشتییانه‌ و به‌ گرتنه‌به‌ری دایه‌لۆگ و مشتومڕ و لێدوان له تەك كه‌سانی ناو خودی بزوتنه‌وه‌كه‌ و ئه‌وانه‌شی كه‌ دژایه‌تی بزوتنه‌وه‌كه‌ ده‌كه‌ن. بڕیاری بەکۆمەڵ له‌سه‌ر هەموو هه‌نگاوێكیان بدەن و به‌ هه‌ره‌وه‌زی له‌ جێبه‌جێكردنیاندا .كار بکەن.

ئه‌م ڕێگانه كاریگه‌رن نه‌ك كۆكردنه‌وه‌ی خه‌ڵك له‌ گۆڕه‌پانی سه‌رادا و خه‌ساندنیان به‌ خوێندنه‌وه‌ی هۆنراوە و شانا‌مه‌ و زیکر و ته‌هلیله‌كردن و مه‌وعیزە دان یا ئیعاز دان به‌خه‌ڵكی، كه‌ بچنه‌ سه‌ر جادە و بیانخەنە بەردەمی گورگە هارەکانی دەسەڵات.

له‌ هه‌مان كاتیشدا نابێت ئه‌وه‌نده‌ ساویلكه‌ و خۆشباوه‌ڕ و گه‌شبینیش بین، به‌وه‌ی كه‌ كردمان، ئیدی وا بزانیین ته‌واو و ده‌سه‌ڵات مل بە سه‌رجه‌می داخوازیه‌كانمان ده‌دات. ئه‌مه‌ شتێكه‌ كه‌ باوه‌ڕی پێناكرێت، خۆ ئەگه‌ر توانراش و هەموو داخوازییه‌كان جێبه‌جێ كران، ئه‌وا موعجیزه‌ دەبێت، چونكه‌ پیاوانی ده‌سه‌ڵات و كه‌سانی ده‌سه‌ڵاتخواز كۆڵناده‌ن و هه‌میشه‌ له‌ هه‌وڵی ئه‌وه‌دان، كه ‌ده‌سه‌ڵاتیان بگێڕنه‌وه‌، بۆیه‌ ئه‌وه‌ی كه‌ گرنگه‌ لێره‌دا خه‌ڵكی خۆی له‌سه‌ر ئاستی گه‌ڕه‌كه‌كان، فەرمانگەکان، كارگه‌كان، له‌سه‌ر كێڵگه‌ و له‌ قوتابخانه‌کان، لە زانكۆ و خه‌سته‌خانه‌ و له‌ ناو بازاڕ و شوێنه‌ خزمه‌تگوزاریه‌كان و هتد خۆیان ڕێك بخه‌ن و ڕێکخرا و گروپی کاری لۆکاڵیی جیاجیا دروست بكه‌ن، كه‌ داخوازییه‌كانی ئه‌و شوێنانه‌ی كه‌ تیایاندا دروست بوون، تیایاندا ڕه‌نگ بداته‌وه‌، به‌رده‌وام له‌ مشتومڕدا بن و په‌یوه‌ندی لەتەك سه‌رجه‌می لیژنه‌ و کۆمیتەكانی تردا دروست بكه‌ن، هه‌وڵی سه‌ره‌كیان ئەوە بێت به‌ کۆمەڵ بڕیاره‌كان بده‌ن و به‌ هه‌ره‌وه‌زیش به‌ئه‌نجامیان بگەیێنن. پێویستە ئه‌وه‌ش ‌بڵێم، كه‌ ئه‌و ڕێکخراو و گروپە کارییە لۆکاڵییانە نابێت له‌لایه‌ن‌ هیچ كه‌س و هیچ گروپ و پارتێكه‌وه‌ كۆنترۆڵ بكرێن، نه ‌كه‌س سه‌كرده‌یان بێت و نه ‌كه‌س بنكرده‌. من له‌ نووسینێكی ترمدا به‌درێژی له‌مه‌ دواوم، بۆیه‌ نامه‌و‌ێت لێرەدا زیاتر له‌سه‌ری بڕۆم، به‌ڵكو هه‌ر په‌نجه‌ی بۆ ڕاده‌كێشم.

به‌ بۆچوونی من، ئه‌مه‌ تاكه‌ ڕێگه‌یه‌كه،‌ كه ‌ده‌توانین سه‌رفرازی ته‌واوی لێوه‌ به‌ده‌ستبهێنین، بێئه‌وه‌ی په‌نا بۆ به‌یه‌كدادان و خوێنڕشتن به‌رین، ئێمه‌ له‌م ڕێگه‌یه‌‌وه‌ ده‌توانین بنكه‌نی سیسته‌مه‌كه‌ بكه‌ین و هەموو ده‌سه‌ڵاته‌كان و بڕیاره‌كانیش بگێڕینه‌وه‌ ده‌ستی خۆمان، بێئه‌وه‌ی‌ په‌نا بۆ ڕامیارییه‌كان و پارتییه‌كانیان به‌رین، له‌م ڕێگه‌یه‌وه‌ ده‌توانین کۆمه‌ڵگه‌یه‌ك دروست بكه‌ین، كه‌ مرۆڤ به‌های ته‌واوی خۆی تێدا بەدەسەت بهنێته‌وه‌، کۆمه‌ڵگه‌یه‌ك دوور‌ له‌ چه‌وسانده‌نه‌وه‌ی نه‌ته‌وه‌یی و ڕەگەزیی و مه‌زهه‌بی و چینایه‌تی و نادادوه‌ری كۆمه‌ڵایه‌تی. کۆمه‌ڵگه‌یه‌ك كه‌ له‌ ڕایسسیزم و خه‌در و جوداكاری خاڵی بێت، ئیدی ئه‌و‌ هه‌ڵاواردنه‌ له‌سه‌ر بناخەی ته‌مه‌ن، جێنده‌، كارامەیی و كه‌مئه‌ندامی بێت یا هه‌ر شتێكی تر‌.‌ ‌

* بۆ خوێندنەوەی ئەو وتارەی لە سەرەوەدا ئاماژەم پێکردووە (به‌ سیاسیكردنی كێشه‌ كۆمەڵایەتییەكان سه‌رچاوه‌ی تێشكانمانه‌ )، سەردانی ئەم لینکە بکەن:

http://romaan.kurdblogger.com/134358

إعادة التأكيد على الاشتراكية

 موريس برينتون* 1960
ترجمة مازن كم الماز

نلخص هنا أفكارا محددة قد تشكل أساسا لإعادة تجميع الاشتراكيين الثوريين .
و لا أي من المنظمات التقليدية للطبقة العاملة تعبر عن مصالح الطبقة ( العاملة ) . لقد ترافق انحطاطها و بقرطتها بانحطاط كبير في النظرية الاشتراكية , في أفكار النضال و التنظيم و حتى في الأفكار الرئيسية التي تتعلق بطبيعة الاشتراكية . يجب التوصل لاتفاق عما هي الاشتراكية , إذا كان على الممارسة الثورية أن تساعد الطبقة العاملة بصدق و ألا تؤدي إلى المزيد من التشوش و تراجع المعنويات . النقاط التالية هي أساسية جدا برأينا :
1 – “الحركة البروليتارية هي حركة مستقلة واعية بنفسها ( تقوم على وعيها الذاتي بنفسها ) للغالبية العظمى , بمصالح هذه الغالبية العظمى” . بعض التيارات “الثورية” تكتفي بالكلام فقط عن هذه الفكرة . لا أحد يأخذها بجدية , أو حتى يبدو أنه يفهم مدلولها أو معناها . يعني “الوعي الذاتي” أن الطبقة نفسها يجب أن تفهم الأهمية الكاملة لأفعالها . “المستقلة” تعني أن الطبقة نفسها يجب أن تقرر أهداف و أساليب نضالها بنفسها .
2 – “انعتاق الطبقة العاملة هو مهمة العمال أنفسهم” . لا يمكن للطبقة العاملة أن تفوض مهمتها التاريخية هذه لأي شخص آخر . لا يوجد “منقذون من الأعلى ( قادمون من الأعلى )” . هذه الطبقة لن تصل إلى السلطة , سلطتها , إذا فوضت نضالها الثوري لآخرين . الوعي الاشتراكي الجماهيري و المشاركة الجماهيرية ضروريان . يجب على المنظمة الثورية أن تساعد في تطورهما و يجب أن تعري ( تكشف ) دون رحمة كل الأوهام التي تقول بأن هذه المشكلة يمكن أن تحل بأية طريقة أخرى .
أكثر من ذلك لن تحتفظ الطبقة العاملة بالسلطة ما لم تكن مستعدة بشكل واعي و دائم للتحرك بنفسها نحو هذه الغاية . كل المحاولات السابقة التي قامت بها الطبقة العاملة بتفويض السلطة لمجموعات معينة , أملا بأن هذه المجموعات ستمارس السلطة “نيابة عنها” أدت إلى تشكل البيروقراطيات و نزع الملكية الاقتصادية و نزع السلطة السياسية من الطبقة العاملة . الاشتراكية , على خلاف كل الأشكال السابقة من التنظيم الاجتماعي , تتطلب مشاركة مستمرة ( لا تنقطع ) , واعية و دائمة للغالبية العظمى .
3 – الجانب الأساسي من كل المجتمعات الطبقية هو أن مجموعة ( فئة ) اجتماعية محددة تتولى موقعا مهيمنا في علاقات الإنتاج . من موقعها هذا فإنها أولا “ترتب ظروف الإنتاج” ( أي تنظم و تدير الإنتاج ) و ثانيا تحدد توزيع كامل الناتج الاجتماعي . ليست الملكية الفردية لوسائل الإنتاج إلا واحدة من طرق عدة ممكنة يمكن من خلالها لطبقة حاكمة أن تشرعن ( تقونن , تمنح الشرعية ) لهيمنتها .
تسعى كل طبقة حاكمة لتأبيد وضعها المتميز ( امتيازاتها ) من خلال سيطرتها على أدوات الإكراه , أي ماكينة الدولة . لا توجد طبقة حاكمة في التاريخ سلمت موقعها المسيطر في الاقتصاد و سيطرتها على الدولة من دون صراع شرس .
4 – التناقض الأساسي في المجتمع المعاصر هو انقسامه بين أولئك الذين يملكون , يقررون و يوجهون , و الغالبية التي , لأنها محرومة من وسائل الإنتاج , عليها أن تكدح و يفرض عليها أن تمتثل ( تخضع ) لقرارات لم يتخذوها هم . هذا التناقض هو أساس الاغتراب , أساس الصراع الطبقي و أساس الأزمات العميقة الحالية التي تؤثر على كل من المجتمعات البرجوازية و البيروقراطية .
أهداف الصراع الطبقي هو ضمان إلغاء كل الانقسامات التناقضية ( العدائية ) داخل المجتمع و كل التقييدات التي تفرضها هذه التناقضات على حياة البشر من خلال وصول الطبقة العاملة للسلطة ثوريا .
5 – من خلال النضال اليومي في مجتمع رأسمالي , تطور الطبقة العاملة وعيا له بالضرورة محتوى اشتراكي . الصراع الطبقي ليس فقط صراعا على القيمة الزائدة ( كما يريدنا الماركسيون “الفظين” ( فظ أو فج ) أن نصدق ) . إنه أيضا صراع من أجل ظروف مختلفة تماما للبقاء . يجري هذا الصراع عند نقطة الإنتاج , حيث يتحدى كلا من البرجوازية و الامتيازات البيروقراطية للإدارة .
في المعمل و المصنع يوازن العمال رغباتهم و مطامحهم بالقرارات البيروقراطية للسادة , و يحاولون تأكيد أشكالهم الخاصة من التنظيم ضد تلك التي تفرض عليهم من أعلى . ها الجانب من الصراع الطبقي يحمل الدلالات الأكثر ثورية . لأن من يدير الإنتاج يدير في نهاية المطاف المجتمع نفسه . يجب على المنظمة الثورية أن تشدد في دعايتها و تحريضها على هذا الجانب الخاص من نضال الطبقة العاملة و أن تؤكد على مضمونه الاشتراكي الأساسي .
6 – حاولت الطبقة العاملة مرارا أن تحل المسألة الأساسية لوضعها كطبقة مستغلة . غير صحيح أن العمال قادرين فقط على بلوغ “وعي نقابي” فقط ( هذه الفكرة هي فكرة لينينية , مستمدة من اشتراكيي الأممية الثانية , و هي مبرر وجود الحزب اللينيني كما كانت مبرر وجود الحزب الاشتراكي الديمقراطي من قبله , ما دام العمال غير قادرين على بلوغ أكثر من وعي نقابي و أن الفكر هو مهمة المثقفين أو حتى المثقفين البرجوازيين تحديدا فإن الوعي الطبقي سينقل للعمال عن طريق هؤلاء المثقفين البرجوازيين , صيغت هذه الأفكار خاصة في كتاب لينين ما العمل ؟ – المترجم ) . كومونة باريس 1871 , ثورات 1905 و 1917 , الثورة الإسبانية لعام 1936 – 1938 , مجالس العمال المجريين في عام 1956 , جميعها أثبتت أن الطبقة العاملة قادرة على الوصول إلى أعلى مستويات الوعي الثوري , و أن تتحدى أساس كل الأنظمة الاستغلالية .
7 – بين الموجات الثورية العظمى , حاولت الطبقة العاملة أن تخلق منظمات سياسية و نقابية لتحارب من أجل مصالحها الآنية و البعيدة على حد سواء . انحطت كل هذه المنظمات و هي تعبر اليوم عن مصالح طبقية اجتماعية غير بروليتارية . لهذا الانحطاط أساس موضوعي , في البنية المتغيرة للمجتمع الرأسمالي , و أساس ذاتي في فرض الأساليب الرأسمالية للتفكير و التنظيم على صفوف الحركة العمالية . لذلك تعكس هاتان الحقيقتان استمرار الراسمالية .
نضال الطبقة العاملة في سبيل انعتاقها الاجتماعي ليس مجرد نضال يومي بسيط ضد الاستغلال الرأسمالي . إنه يجري أيضا داخل الطبقة العاملة نفسها , ضد إعادة الخلق المستمرة للأفكار البرجوازية و الأوهام الإصلاحية . نضال المنظمة الثورية ضد كل أشكال الغموض الإيديولوجي – و ضد أولئك الذين ينشرونه – هو ضروري و حتمي معا .
8 – تعني الاشتراكية إدارة عمالية , على مستوى المعمل و المجتمع ككل . إذا لم تحتفظ الطبقة العاملة بالسلطة الاقتصادية بحزم في أيديها , فإن سلطتها السياسية لن تكون آمنة في أفضل الأحوال . طالما احتفظت الطبقة العاملة بالسلطة الاقتصادية فلا يمكن أن تنحط سلطتها السياسية . لجان المعامل و مجالس العمال هي أشكال محتملة يمكن للطبقة العاملة من خلالها أن تمارس حكمها .
“التأميم” و “التخطيط” يمكن فقط أن يكونا ذا مضمون اشتراكي إذا ترافقا مع إدارة العمال للإنتاج و مع السلطة السياسية للطبقة العاملة . بحد ذاتهما لا يمكن لهما أن يحلا أي شيء . إذا لم يدير العمال بأنفسهم المجتمع , فإن “التأميم” و “التخطيط” يمكن أن يصبحا أدوات لا ترحم للاستغلال .
9 – تحتاج الطبقة إلى منظمة ثورية , ليس كقيادة تنصب نفسها بنفسها بل كأداة للنضال . يجب على المنظمة أن تساعد العمال في نزاعهم , تساعدهم من خلال تأكيدها على تعميم خبرات الطبقة العاملة , و أن توفر إطارا لربط الأجهزة المستقلة ذاتيا لنضال الطبقة العاملة و تشدد باستمرار على الأفكار و الاحتمالات الثورية للعمل الجماهيري المستقل .
يجب على بنية هذه المنظمة أن تعكس أعلى إنجازات نضال الطبقة العاملة ( مثل مجالس العمال ) عوضا عن أن تقلد الأشكال الراسمالية للتنظيم . يجب أن تتنبأ بالمستقبل الاشتراكي للمجتمع عوضا عن أن تعكس ماضيه الرأسمالي . هذا يعني في الممارسة :
أن الأجهزة المحلية يجب أن تمتلك أقصى استقلالية , فيما يتعلق بنشاطاتها , و ذلك بما يتناسب مع الهدف العام و نظرة المنظمة
أن يتم اللجوء إلى الديمقراطية المباشرة ( أي القرارات الجماعية لكل المهتمين ) كلما كان ذلك ممكنا
و أن الأجهزة المركزية التي تمتلك سلطة اتخاذ القرارات فيما يتعلق بالآخرين يجب أن تتشكل من مندوبين , منتخبين من أولئك الذين يمثلونهم و قابلين للاستدعاء من قبلهم في أي وقت
نقلا عن http://www.marxists.org/archive/brinton/index.htm

• موريس برينتون , من أعضاء منظمة التضامن البريطانية , أحد اهم المجموعات الشيوعية التحررية في الستينيات و السبعينيات , و التي لعبت دورا هاما في نقد الرأسمالية الغربية و رأسمالية الدولة الستالينية على حد سواء و تقديم بديل تحرري عن الأنظمة الاجتماعية الاستغلالية في غرب و شرق أوروبا و العالم يومها . هذاالمقال هو أول بيان للمنظمة يعبر عن أفكارها الرئيسية . سبق أن نشر موقع الحوار المتمدن أيضا ترجمة لنص آخر بعنوان كما نراها من عام 1967 هو عرض أكثر تقدما لأفكار هذه المجموعة الشيوعية التحررية البريطانية .

اللاسلطويون ( الأناركيون ) في المقاومة الهنغارية 1944 – 1945

1944– 1945 : اللاسلطويون ( الأناركيون ) في المقاومة الهنغارية

ترجمة مازن كم الماز

قاتل اللاسلطويون ( الأناركيون ) في الحرب العالمية الثانية في هنغاريا في المقاومة ضد النازيين و فيما بعد ضد المحتلين الروس حتى تعرضهم للقمع من قبل الشيوعيين .
بعد تدمير الحركة اللاسلطوية ( الأناركية ) الهنغارية من قبل النظام الفاشي للأدميرال هروثي , بدأت المجموعات اللاسلطوية ( الأناركية ) بالظهور من جديد حول مناضل ( محارب ) تحرري يدعى توروكوي , الذي كان يبلغ 80 عاما في عام 1945 . كان أول عمل تحرري ضد القوات الألمانية المحتلة قامت به مجموعة من الطلبة اللاسلطويين ( الأناركيين ) . ألقي القبض على أحد هؤلاء , الذي كان يلقب بالمسيح ( ! ) – و هو شاعر يبلغ عمره 15 عاما من مدينة صغيرة في الشمال . التقى هذا الرفيق في السجن بأنطون م . من المجموعة الهنغارية اليوغسلافية اللاسلطوية باسكا ( الجنوب ) التي كانت تضم 100 عضو , و التي كانت إحدى أقوى مجموعات المقاومة .

في أكتوبر تشرين الأول 1944 جرى تحرير الرفيق المعروف بالمسيح مع اللاسلطوي ( الأناركي ) الروسي ألكسي كورساكين بعد انقلاب سزالازي على هورثي .
سرعان ما أقاموا الاتصال بتوروكوي و الرفيق ب . م . – هو طالب كان قد أسس مجموعة أناركية يدعمها الشيوعيين . و بدؤوا بمضايقة العسكريين النازيين و الفاشيين , مرتدين الحزام الأحمر الأسطوري الخاص بكورساكين . و رفضوا أن يوحدوا أعمالهم مع الشيوعيين الذين وشوا بهم إلى الألمان , الذين اعتقلوا بعدها 67 مناضل بما في ذلك الرفيق ب . م . . بعدها انقسمت مجموعته و ذهب ثلثاها إلى الشيوعيين .
مجموعة كورساكين – التي كانت ترتدي الأحزمة الحمراء – هاجمت و دمرت وحدتين من الأسطول النهري الهنغاري في مركز بودابست . بعد ذلك بليلة فجرت مجموعة الرفيق المسمى بالمسيح ( الجبهة التحررية ) مستودعا للذخيرة . بينما تعرضت مجموعة ثالثة للإعدام بعد مهاجمتها مقر قيادة الحزب النازي . استمرت الحركة بهجماتها حتى معركة بودابست , التي كلفت حياة 200 ألف شخص . قررت الحركة بعدها أن تحافظ على قواها لأجل الصراع السياسي الذي سيجري بعد طرد الفاشيين .
في يوليو تموز 1945 أعادت الحركة تجميع نفسها . أرادت مجموعة ب . م . أن تعقد تحالفا عماليا مع الشيوعيين ضد الطبقة الحاكمة . أما مجموعة توروكوي فقد أرادت أن تجعل الحركة قانونية , أما مجموعات المسيح و كورساكين فقد أرادت مواصلة النضال المسلح ضد الدولة و القوات الروسية . حصل رأي توركوي على الأغلبية ثانية . أنشأت دار طباعة و بدأ توزيع مواد الدعاية . كانت الحركة تتألف من 500 مناضل و كان تأثيرها يتسع .
قام الشيوعيون بعدها بحظر الحركة . مات توروكوي بعد اعتقاله . فتح 4 من الطلاب الأناركيين النار على القوات الروسية و قتلوا في تبادل المعركة التي تلت ذلك . في معامل جزيرة كسبيل قاد الأناركيون الإضراب الوحيد بعد التحرر من الفاشيين . أعدم بنتيجته 30 عامل بما فيهم 24 أناركي . جرت تصفية الحركة التحررية . هرب ب . م . إلى إيطاليا , و المسيح و كورساكين إلى فرنسا .
ستندلع المقاومة الواسعة للديكتاتورية الشيوعية ثانية في الانتفاضة المجرية لعام 1956 .

نقلا عن http://libcom.org/history/1944-1945-anarchists-in-the-hungarian-resistance

Çend sernicêkî rexnegrane leser pertûkî “gorran û wergoran” / 9

Hejên

*24î sêptemberî 2010

Beşî nohem (kotayî)

Serencam

Serencam koy ew têrrwanînaney serewe (wergorran)êkî berceste û raşkaw beser bzavî komunîzmî klasîkîy dadehênê û le akar û nêwerokda hizrêkî nwêy komunîstî lê weberhemdehênê, ew hizreş xobexo bzavêkî ramyarîy û rêkixraweyî bedwada dê ke leser bnema binçîneyye felsefîy û hizrîyekanî cîhanbînîy markisîzm dademezrê L 47

Dwacar wellamî ew pirsyarem wergirtewe, ke leber narroşnî pêşnyarkirdnî xudî “hizrî nwêy komunsîtî” le babetekanda be dûcorî cyawaz le serencamda seretatkêman letekda dekat, ke hendêk car wek bzûtneweyekî bekirdewey amade qse dekat û hendêk car wek bzavêkî lebarî ledaykbûn û pêgirtinda xoy nîşan dedat, bellam bem seretayyey serencameke, derdekewêt, ke mebest le “hizrî nwêy komunîstî” komellêk serxetin, ke xudî nûser deyanxate rû. Ke birryare wergorran beser bzavî komunîzmî klasîkîy da bhênin. Bellam çon, le katêkda ke xudî em “hizre nwêyey komunîzm” xoy leser bnema binçîneyye felsefîy û hizrîyekanî cîhanbînîy markisîzm dademezrênêtewe, ke be norey xoyan hokarî şkistixwardinî bzavekanî ta îsta bûn? Le weha barêkda çon detwanêt peyamî wergoran û bedestihênanî serencamî dîkeman pêbdat?

Ew wergorrane tazeye hêndeserapagîre tenanet bo teşenekirdnî hizre nwêye berhemhatuwekeşî – ke lenêw yekêtîyekî napartîy geşedeka û derrsikê – şêwey rêkixrawbûnî partîy degorrê û leser binçîney (destebendîy komellayetîy) û be şêwey komuneeyî rêkixrawî deka, ew rêkixrawbûneş le yekgirtnêkî çînayetîyaney gişt ew komunîstanepêkdê kerastewxo leencamî mlimlanêy xudî nakokîyekanî nêwan kar û sermaye komunîzmyan wek hzir û ramyarîy bo gorrînî sîstem û geyiştin beqonaxî ayindey mrovayetîy – keçewsanewey mrov lelayen mrovewey têda bnebirr debê – hellbjarduwe L47

Lêreda dîsanewe ellternatîvî rêkixrawî partîy, rêkixrawî tenya komunîstekane, ke nûser be “destebendîy komellayetîy” nêwyan debat. Pirsyar: aya nakomunîstekan le kwêy ew destebendîye komellayetîyeda cêgîr debin ya dewestin?

Herweha wek peregrafekanî dîke şorş û erkî gorrînî komellge be rêkixrawey komunîste hzirniwêyekan debestêtewe. Pirsyar: aya rollî çîn û twêje bindeste nakomunîstekan û rêkixrawe xebatkarekanyan lew peywendeda çî debêt?

Herwa betundîyş pê leser ewedadegrê ke pêwîste komunîstekan – leher nawçew wllat û serzemînêkî jyanda hen – bepêy têrrwanîn û berjewendîyeçînayetîyekanî çînî krêkaran û tewawî çewsawan pêwîstîybûnî yekêtîyekî komunîstî bo ew şwênanebselmênin.. Bo yekdengîy û hawkarîy û hawxebatîyş bebayexpêdanêkî zor û bekirdewele nêwan gişt yekêtîyekan (yekêtî giştîy komunîstî cîhanîy) dabmezrênin bo berrêwebirdin û serkirdayetîykirdnî xebatî komunîstî leser astî têkrray cîhan. L 48

Ey xudî yekêtîye krêkarî û cemawerîyekan rollyan çî debêt? Aya cyawazî em berrêwebirdin û serkirdayetîkirdney komunîste hzir nwêyekan, letek serkrayetîyek ke dû sede komunîste hzir nanwêyekan pagendeyan bo kird û bezorî polîs û pajney asnînî leşkir beser krêkaranda sepandinyan, çîye? Aya serkrayetî komunîstekan watay binkrayetî nakomunîstekan nageyênît? Aya krêkarî binkirdayetî (cêbecêgerî fermanî serkirdan) detwanêt le sayey hebûnî serkirdayetî komunîstekanda azad bêt? Aya dekrêt pasawî ew serkirdayetîye bzanîn û rege sruştîyekanî le hizrî azayixwazî û komellgey soşyalîstîda, ke biryare kes serwerî kes nebêt, peyda bkeyn?

Hizrî nwêy komunîstî wek wergorranêkî mezn dahênanêkî mêjûkridî babetîyew le mindalldanî nakokîye çînayetîyekan û kêşmekêşmî xosaxkirdnewî bzavêkî rasteqîney komunîstî ledaykbuwew xoşî bedrêjepêderî heman bzav dezanê, welî leencamî ladan û xoxerîkkirdnî ew bzave bekomellêk kêşey labela û rotînîy nêw komellgey sermayedarîy lelayek û neguncan û hebûnî komellêk nakokîy xoy legell hizrî komunîstî rasteqînew berjewendîye çînayetîyekanî çînî krêkaran zehmetkêşan lelayekîdî kebbûnekosp leberdem geşekirdnî sruştîyaney xoy.. Serencam beşêweyekî naasîy ruwew helldêr bowe, a her lew serubendaneda hizrî nwêy komunîstî wek hêllêkî giştîy û cwayezî ew bzaveleherdû rûy ramyarîy û rêkixraweyî û begerranewe bo binçînew pêkhate serekîy û resenekanî markisîzm û bereçawkirdnî barudoxî berdewam legorranday komellgey mrovayetîy le dîd û boçûnêkî tazew bexwêndneweyekî hûrid û zansitîyaney çemk û karkirde komunîstyekan hatoteser gorrepaneke û xoy be rengdanewey ew wergorrane serapagîrîye dezanê ke her êsta serleberî cîhanî tenîwetewe. L48

Dwacarîş, ke “hizrî nwêy komunîstî” xoy be wergorranêkî mezn pênase dekat, keçî xêra xêra pabendî be markisîzm wek aydyolocyayek dûpat dekatewe. Eme xobexo retkirdnewey wergorrane. Herçende nêwî aydyolocya be aşkra nabînîn, bellam katêk bnemay serekî hizrêkî taze markisîzm bêt, îdî çon detwanêt, paye bnerretîyekanî komunîzmî markisîstî ret bkatewe, ke dewllet û dîktatorî û part û destebjêr û rêkxistinî hîrarşî û raberî komunîstekane?

Ta em sate, ke min em dêrane denûsim, hîç deste û grupêkî komunsît- markisîst nanasm, ke ew bnemayaney markisîszim ret bkenewe, bêcge le komunîste sovyetîstekan, ke her le seretay şorrşî oktoberda hawşanî enarkîstekan rexney radîkallyan le bolşevîzm girt û [ ewan nek enarkîstekan], lênînzim û îzmekanî prro bolşevîkyan becorîk le ladan le markisîzm nasandyan û partyan retkirdewe.

Dwa wşe, hîwadarm nûser be gyanêkî azadîxwazane û soşyalîstanewe em serincanem lê werbigrêt û eme bbête seretay giftugo û rexnegirtnêkî radîkall û bitwanîn be gişt layekmanewe besteleke aydolocîyekanî nêw bzûtnewey soşyalîstî bişkênîn û be rexne lexogirtin û leyektirgirtin, narroşnîyekanî yekdî roşn bkeynewe û lawanî soşyalîst le lasayîkirdnewe û derixkirdnî deqekan wergêrrîn û hzir û aydya soşyalîstîyekan bgêrrînewe nawcergey bzûtnewe komellayetîyekan û le brî mamostayî û wanewtnewe, pirsyar le xoman bkeyn û le derûnî bzûtnewe komellayetîyekanda û le hellsengandinî ezmûnekanda û le derbirînî her takêkî penadestî soşyalîstmanda le dûy welamekan bgerrêyîn û pêmanwanebêt, pirsyarekan wellamî yekcarekîyan wergirtuwetewe, bellku be çawî rexnewe û be rexnegrîyekî wêrrangeranewe, wellame dogmakan têkbişkênîn û le korr û komell û grupe karîy û komellayetîye lokallîyekanmanda serlenwê byanxeynewe rû û pêkewe le berencamî kar û xebatî rojaneda, le dûy wellamekanyan bgerêyn. Herwa hîwadarm twanîbêtim, çend pirsyarêk lay xwênerî bederbest becêbhêllm û ew pirdem drust kirdbêt, ke letekimda bkewête giftugo û rexne û sernicî xoy arastey narroşnîyekanî naw em serincaney mnîş bkat.

* em babete le 24î sêptemberî 2010 da nûsrawe û le êstada (12/06/2011) paknûs û bo bllawkirdnewe amade krawe. Şayanî base, pêştir letek nûserda (priswirra)mi kirduwe, her çende babetekanî naw pertûkeke pêştir wek zincîre babetêk bllawkrawnetewe, nûser pêy baş bû paş bllawbûnewey pertûkeke, mnîş dest be bllawkirdnewey serincekanim bkem. Bedaxewe leber hawkatbûnî bllawbûnewey pertûkeke û serhelldanî zincîre raperrînekanî bakûrî efrîka û xorhelatî nawîn, nemperjaye ser blawkirdnewey û erk û serqallî lepêştir hatne pêş û pêwîstirbûnî xoyan beserimda sepand.

Xwêneranî hêja, ew beşaney hêllyan bejêrda kêşrawe, le pertûkî “gorran û wergoran” wergîrawn û bo asankarî û cyakirdneweyan, min hêllm bejêrda kêşawn. Bo xwêndnewey pertûkeke, serdanî em bestere bken:http://emrro.com/goranuwergoran.htm

چەند سەرنجێکی ڕەخنەگرانە لەسەر پەرتووکی “گۆڕان و وەرگۆران” / 9

هەژێن

*24ی سێپتەمبەری 2010

بەشی نۆهەم (کۆتایی)

سەرەنجام

سه‌ره‌نجام كۆی ئه‌و تێڕوانینانه‌ی سه‌ره‌وه‌ (وه‌رگۆڕان)ێكی به‌رجه‌سته ‌و راشكاو به‌سه‌ر بزاڤی کۆمونیزمی كلاسیكیی داده‌هێنێ و له ‌ئاكار و نێوه‌رۆكدا هزرێكی نوێی کۆمونیستی لێ وه‌به‌رهه‌مده‌هێنێ، ئه‌و هزره‌ش خۆبه‌خۆ بزاڤێكی رامیاریی و رێكخراوه‌یی به‌دوادا دێ كه ‌له‌سه‌ر بنه‌ما بنچینه‌ییه‌ فه‌لسه‌فیی و هزرییه‌كانی جیهانبینیی ماركسیزم داده‌مه‌زرێ ل.47

دواجار وەڵامی ئەو پرسیارەم وەرگرتەوە، کە لەبەر ناڕۆشنی پێشنیارکردنی خودی “هزری نوێی کۆمونسیتی” لە بابەتەکاندا بە دووجۆری جیاواز لە سەرەنجامدا سەرەتاتکێمان لەتەکدا دەکات، کە هەندێك جار وەك بزووتنەوەیەکی بەکردەوەی ئامادە قسە دەکات و هەندێك جار وەك بزاڤێکی لەباری لەدایکبوون و پێگرتندا خۆی نیشان دەدات، بەڵام بەم سەرەتاییەی سەرەنجامەکە، دەردەکەوێت، کە مەبەست لە “هزری نوێی کۆمونیستی” کۆمەڵێك سەرخەتن، کە خودی نووسەر دەیانخاتە ڕوو. کە بڕیارە وەرگۆڕان به‌سه‌ر بزاڤی کۆمونیزمی كلاسیكیی دا بهێنن. بەڵام چۆن، لە کاتێکدا کە خودی ئەم “هزرە نوێیەی کۆمونیزم” خۆی له‌سه‌ر بنه‌ما بنچینه‌ییه‌ فه‌لسه‌فیی و هزرییه‌كانی جیهانبینیی ماركسیزم دادەمەزرێنێتەوە، کە بە نۆرەی خۆیان هۆکاری شکستخواردنی بزاڤەکانی تا ئیستا بوون؟ لە وەها بارێکدا چۆن دەتوانێت پەیامی وەرگۆران و بەدەستهێنانی سەرەنجامی دیکەمان پێبدات؟

ئه‌و وه‌رگۆڕانه ‌تازه‌یه‌ هێنده‌سه‌راپاگیره ‌ته‌نانه‌ت بۆ ته‌شه‌نه‌كردنی هزره ‌نوێیه به‌رهه‌مهاتووه‌كه‌شی – كه ‌له‌نێو یه‌كێتییه‌كی ناپارتیی گه‌شه‌ده‌كا و ده‌ڕسكێ – شێوه‌ی‌ رێكخراوبوونی ‌پارتیی ده‌گۆڕێ و له‌سه‌ر بنچینه‌ی (ده‌سته‌به‌ندیی كۆمه‌ڵایه‌تیی) و به ‌شێوه‌ی کۆمونەه‌یی رێكخراوی ده‌كا، ئه‌و رێكخراوبوونه‌ش له ‌یه‌كگرتنێكی چینایه‌تییانه‌ی گشت ئه‌و کۆمونیستانه‌پێكدێ كه‌راسته‌وخۆ له‌ئه‌نجامی ململانێی خودی ناكۆكییه‌كانی نێوان كار و سه‌رمایه ‌کۆمونیزمیان وه‌ك هزر و رامیاریی بۆ گۆڕینی سیسته‌م و گه‌یشتن به‌قۆناغی ئاینده‌ی مرۆڤایه‌تیی – كه‌چه‌وسانه‌وه‌ی مرۆڤ له‌لایه‌ن مرۆڤه‌وه‌ی تێدا بنه‌بڕ ده‌بێ – هه‌ڵبژاردووه‌ ل.47

لێرەدا دیسانەوە ئەڵتەرناتیڤی ڕێکخراوی پارتیی، ڕێکخراوی تەنیا کۆمونیستەکانە، کە نووسەر بە “دەستەبەندیی کۆمەڵایەتیی” نێویان دەبات. پرسیار: ئایا ناکۆمونیستەکان لە کوێی ئەو دەستەبەندییە کۆمەڵایەتییەدا جێگیر دەبن یا دەوەستن؟

هەروەها وەك پەرەگرافەکانی دیکە شۆرش و ئەرکی گۆڕینی کۆمەڵگە بە ڕێکخراوەی کۆمونیستە هزرنوێیەکان دەبەستێتەوە. پرسیار: ئایا ڕۆڵی چین و توێژە بندەستە ناکۆمونیستەکان و ڕێکخراوە خەباتکارەکانیان لەو پەیوەندەدا چی دەبێت؟

هه‌روا به‌توندییش پێ له‌سه‌ر ئه‌وه‌داده‌گرێ كه‌ پێویسته‌ کۆمونیسته‌كان – له‌هه‌ر ناوچه‌و وڵات و سه‌رزه‌مینێكی ژیاندا هه‌ن – به‌پێی تێڕوانین و به‌رژه‌وه‌ندییه‌چینایه‌تییه‌كانی چینی كرێكاران و ته‌واوی چه‌وساوان پێویستییبوونی یه‌كێتییه‌كی کۆمونیستی بۆ ئه‌و شوێنانه‌بسه‌لمێنن.. بۆ یه‌كده‌نگیی و هاوكاریی و هاوخه‌باتییش به‌بایه‌خپێدانێكی زۆر و به‌كرده‌وه‌له ‌نێوان گشت یه‌كێتییه‌كان (یه‌كێتی گشتیی کۆمونیستی جیهانیی) دابمه‌زرێنن بۆ به‌ڕێوه‌بردن و سه‌ركردایه‌تییكردنی خه‌باتی کۆمونیستی له‌سه‌ر ئاستی تێكڕای جیهان. ل.48

ئەی خودی یەکێتییە کرێکاری و جەماوەرییەکان ڕۆڵیان چی دەبێت؟ ئایا جیاوازی ئەم بەڕێوەبردن و سەرکردایەتیکردنەی کۆمونیستە هزر نوێیەکان، لەتەك سەرکرایەتییەك کە دوو سەدە کۆمونیستە هزر نانوێیەکان پاگەندەیان بۆ کرد و بەزۆری پۆلیس و پاژنەی ئاسنینی لەشکر بەسەر کرێکاراندا سەپاندنیان، چییە؟ ئایا سەرکرایەتی کۆمونیستەکان واتای بنکرایەتی ناکۆمونیستەکان ناگەیێنیت؟ ئایا کرێکاری بنکردایەتی (جێبەجێگەری فەرمانی سەرکردان) دەتوانێت لە سایەی هەبوونی سەرکردایەتی کۆمونیستەکاندا ئازاد بێت؟ ئایا دەکرێت پاساوی ئەو سەرکردایەتییە بزانین و ڕەگە سروشتییەکانی لە هزری ئازایخوازی و کۆمەڵگەی سۆشیالیستیدا، کە بریارە کەس سەروەری کەس نەبێت، پەیدا بکەین؟

هزری نوێی کۆمونیستی وه‌ك وه‌رگۆڕانێكی مه‌زن داهێنانێكی مێژووكردی بابه‌تییه‌و له ‌منداڵدانی ناكۆكییه ‌چینایه‌تییه‌كان و كێشمه‌كێشمی خۆساغكردنه‌وی بزاڤێكی راسته‌قینه‌ی کۆمونیستی له‌دایكبووه‌و خۆشی به‌درێژه‌پێده‌ری هه‌مان بزاڤ ده‌زانێ، وه‌لی له‌ئه‌نجامی لادان و خۆخه‌ریككردنی ئه‌و بزاڤه ‌به‌كۆمه‌ڵێك كێشه‌ی لابه‌لا و رۆتینیی نێو كۆمه‌ڵگه‌ی سه‌رمایه‌داریی له‌لایه‌ك و نه‌گونجان و هه‌بوونی كۆمه‌ڵێك ناكۆكیی خۆی له‌گه‌ڵ هزری کۆمونیستی راسته‌قینه‌و به‌رژه‌وه‌ندییه چینایه‌تییه‌كانی چینی كرێكاران زه‌حمه‌تكێشان له‌لایه‌كیدی كه‌ببوونه‌كۆسپ له‌به‌رده‌م گه‌شه‌كردنی سروشتییانه‌ی خۆی.. سه‌ره‌نجام به‌شێوه‌یه‌كی نائاسیی رووه‌و هه‌ڵدێر بۆوه‌، ئا هه‌ر له‌و سه‌روبه‌ندانه‌دا هزری نوێی کۆمونیستی وه‌ك هێڵێكی گشتیی و جوایه‌زی ئه‌و بزاڤه‌له‌هه‌ردوو رووی رامیاریی و رێكخراوه‌یی و به‌گه‌ڕانه‌وه‌ بۆ بنچینه‌و پێكهاته‌ سه‌ره‌كیی و ڕەسەنه‌كانی ماركسیزم و به‌ره‌چاوكردنی بارودۆخی به‌رده‌وام له‌گۆڕاندای كۆمه‌ڵگه‌ی مرۆڤایه‌تیی له ‌دید و بۆچوونێكی تازه‌و به‌خوێندنه‌وه‌یه‌كی هوورد و زانستییانه‌ی چه‌مك و كاركرده ‌کۆمونیستیه‌كان هاتۆته‌سه‌ر گۆڕه‌پانه‌كه ‌و خۆی به ‌ره‌نگدانه‌وه‌ی ئه‌و وه‌رگۆڕانه ‌سه‌راپاگیرییه ‌ده‌زانێ كه ‌هه‌ر ئێستا سه‌رله‌به‌ری جیهانی ته‌نیوه‌ته‌وه‌. ل48

دواجاریش، کە “هزری نوێی کۆمونیستی” خۆی بە وەرگۆڕانێکی مەزن پێناسە دەکات، کەچی خێرا خێرا پابەندی بە مارکسیزم وەك ئایدیۆلۆجیایەك دووپات دەکاتەوە. ئەمە خۆبەخۆ ڕەتکردنەوەی وەرگۆڕانە. هەرچەندە نێوی ئایدیۆلۆجیا بە ئاشکرا نابینین، بەڵام کاتێك بنەمای سەرەکی هزرێكی تازە مارکسیزم بێت، ئیدی چۆن دەتوانێت، پایە بنەڕەتییەکانی کۆمونیزمی مارکسیستی ڕەت بکاتەوە، کە دەوڵەت و دیکتاتۆری و پارت و دەستەبژێر و ڕێکخستنی هیرارشی و ڕابەری کۆمونیستەکانە؟

تا ئەم ساتە، کە من ئەم دێرانە دەنووسم، هیچ دەستە و گروپێکی کۆمونسیت- مارکسیست ناناسم، کە ئەو بنەمایانەی مارکسیسزم ڕەت بکەنەوە، بێجگە لە کۆمونیستە سۆڤیەتیستەکان، کە هەر لە سەرەتای شۆڕشی ئۆکتۆبەردا هاوشانی ئەنارکیستەکان ڕەخنەی ڕادیکاڵیان لە بۆلشەڤیزم گرت و [ ئەوان نەك ئەنارکیستەکان]، لێنینزم و ئیزمەکانی پڕۆ بۆلشەڤیکیان بەجۆریك لە لادان لە مارکسیزم ناساندیان و پارتیان ڕەتکردەوە.

دوا وشە، هیوادارم نووسەر بە گیانێکی ئازادیخوازانە و سۆشیالیستانەوە ئەم سەرنجانەم لێ وەربگرێت و ئەمە ببێتە سەرەتای گفتوگۆ و ڕەخنەگرتنێکی ڕادیکاڵ و بتوانین بە گشت لایەکمانەوە بەستەلەکە ئایدۆلۆجییەکانی نێو بزووتنەوەی سۆشیالیستی بشکێنین و بە ڕەخنە لەخۆگرتن و لەیەکترگرتن، ناڕۆشنییەکانی یەکدی ڕۆشن بکەینەوە و لاوانی سۆشیالیست لە لاساییکردنەوە و دەرخکردنی دەقەکان وەرگێڕین و هزر و ئایدیا سۆشیالیستییەکان بگێڕینەوە ناوجەرگەی بزووتنەوە کۆمەڵایەتییەکان و لە بری مامۆستایی و وانەوتنەوە، پرسیار لە خۆمان بکەین و لە دەروونی بزووتنەوە کۆمەڵایەتییەکاندا و لە هەڵسەنگاندنی ئەزموونەکاندا و لە دەربرینی هەر تاکێکی پەنادەستی سۆشیالیستماندا لە دووی وەلامەکان بگەڕێیین و پێمانوانەبێت، پرسیارەکان وەڵامی یەکجارەکییان وەرگرتووەتەوە، بەڵکو بە چاوی ڕەخنەوە و بە ڕەخنەگرییەکی وێڕانگەرانەوە، وەڵامە دۆگماکان تێکبشکێنین و لە کۆڕ و کۆمەڵ و گروپە کاریی و کۆمەڵایەتییە لۆکاڵییەکانماندا سەرلەنوێ بیانخەینەوە ڕوو و پێکەوە لە بەرەنجامی کار و خەباتی ڕۆژانەدا، لە دووی وەڵامەکانیان بگەرێین. هەروا هیوادارم توانیبێتم، چەند پرسیارێك لای خوێنەری بەدەربەست بەجێبهێڵم و ئەو پردەم دروست کردبێت، کە لەتەکمدا بکەوێتە گفتوگۆ و ڕەخنە و سەرنجی خۆی ئاراستەی ناڕۆشنییەکانی ناو ئەم سەرنجانەی منیش بکات.

* ئەم بابەتە لە 24ی سێپتەمبەری 2010 دا نووسراوە و لە ئێستادا (12/06/2011) پاکنووس و بۆ بڵاوکردنەوە ئامادە کراوە. شایانی باسە، پێشتر لەتەك نووسەردا (پرس‌وڕا)م کردووە، هەر چەندە بابەتەکانی ناو پەرتووکەکە پێشتر وەك زنجیرە بابەتێك بڵاوکراونەتەوە، نووسەر پێی باش بوو پاش بڵاوبوونەوەی پەرتووکەکە، منیش دەست بە بڵاوکردنەوەی سەرنجەکانم بکەم. بەداخەوە لەبەر هاوکاتبوونی بڵاوبوونەوەی پەرتووکەکە و سەرهەڵدانی زنجیرە ڕاپەڕینەکانی باکووری ئەفریکا و خۆرهەلاتی ناوین، نەمپەرژایە سەر بلاوکردنەوەی و ئەرك و سەرقاڵی لەپێشتر هاتنە پێش و پێویستربوونی خۆیان بەسەرمدا سەپاند.

خوێنەرانی هێژا، ئەو بەشانەی هێڵیان بەژێردا کێشراوە، لە پەرتووکی “گۆڕان و وەرگۆران” وەرگیراون و بۆ ئاسانکاری و جیاکردنەوەیان، من هێڵم بەژێردا کێشاون. بۆ خوێندنەوەی پەرتووکەکە، سەردانی ئەم بەستەرە بکەن: http://emrro.com/goranuwergoran.htm

استعراض لكتاب كروبوتكين -الاستيلاء على الخبز-

بقلم غاري هايتر
ترجمة مازن كم الماز


كان الناشط و المفكر اللاسلطوي ( الأناركي ) النقابي ج . ماكسيموف ( 1893 – 1950 ) يشك في حقيقة أن عددا قليلا فقط من مناضلي الحركة التحررية تجشم عناء قراءة كلاسيكيات اللاسلطوية ( الأناركية ) , و بالنتيجة وجدوا أنفسهم غير قادرين على مجاراة خصومهم السياسيين . ليس لدينا اليوم أي عذر كيلا نقوم بدراسة أعمال واضعي الإرث التحرري . أعمال بيتر كروبوتكين مثلا متوفرة في ترجمات انكليزية و في المتناول . تشمل هذه الأعمال كتب “المساعدة المتبادلة” , “الحقول , المصانع و أماكن العمل” , “الثورة الفرنسية العظمى” و أحد أكثر كتبه قراءة “الاستيلاء على الخبز” . هذا الكتاب هو الذي أريد أن أعرض له هنا.
ظهر كتاب “الاستيلاء على الخبز” لأول مرة في باريس عام 1892 , رغم أن كروبوتكين كان قد شرح نظرياته قبل عقد على صفحات الجريدة اللاسلطوية “الثورة” . شهد عام 1906 أول ظهور له في لندن باللغة الانكليزية . يشبه هذا الكتاب في أشياء كثيرة كتابه الآخر “الحقول , المصانع و أماكن العمل” ( 1912 ) , الذي هو أيضا مجموعة لمقالات كتبت بين عامي 1888 و 1890 . زود كلا الكتابين بعدد كبير من الإحصائيات المعاصرة التي استخدمت لدعم الآراء التي عرضها كروبوتكين . قد يقفز القارئ المعاصر على هذه الحقيقة , لأنه مهتم أكثر بالأفكار المذكورة نفسها .
ما الذي كان كروبوتكين يريد تأسيسه مع كتابه “الاستيلاء على الخبز” ؟ يبدو أنه كان يريد أن يثبت أن الإنسانية تسير بشكل حتمي نحو الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) , و أن هذا التطور يستند إلى العلم . على امتداد 17 فصلا شدد كروبوتكين على النقاط التالية “:

1 – أن الوضع السياسي و الاقتصادي الحالي غير عادل و يخدم فقط في إثراء قلة على حساب الأكثرية
2 – و أن الإنسانية تتحرك في اتجاه الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية )
3 – و أنه لكي نغير جذر ( أصل ) و فروع النظام ( القائم ) نحتاج لثورة على أساس شيوعي لاسلطوي تكون الكومونة الحرة وحدتها الإدارية
4 – و أن الشغيلة يمتلكون قدرات أخلاقية و تنظيمية هائلة غير مستغلة
5 – أن الشيوعية هي النظام الاقتصادي الوحيد العادل لأن أي إبقاء على نظام العمل المأجور يستند إلى تقييم اعتباطي لقيمة العمل , هو بالضرورة غير عادل
6 – أنه لكي تبقى الثورة يجب أن تسعى الكومونات الحرة لتحقيق أعلى درجة ممكنة من الاكتفاء الذاتي
استند كروبتكين على أمثلة تاريخية ليشرح المناسبات التي لم يتمكن فيها العمال من دفع الأوضاع الثورية إلى نهاياتها المنطقية و دفعوا حياتهم ثمنا لذلك , كما كان الحال في فرنسا في أعوام 1789 , 1848 و 1871 . يحتوي الكتاب على بعض الأمثلة عن فهم حقيقي لمكانيزمات الثورة , و قد ولد الكثير منها في الثورة الروسية لعام 1917 بعد صدور أول طبعة انكليزية للكتاب ب 11 سنة . مثلا في الفصل الذي بعنوان “الغذاء” يصف كروبوتكين مخاطر الثورة “الجماعية” ( الجماعية Collective هو الوصف الذي كان يطلق على أنصار ميخائيل باكونين و الذي دعا إلى استخدام معيار وقت العمل المبذول في إنتاج سلعة ما لتحديد مكافأة العامل على إنتاجه في المجتمع الاشتراكي محافظا بذلك على جوهر نظام العمل المأجور , الأمر الذي رفضه كروبوتكين و عارضه بالشعار الشيوعي : من كل حسب جهده و لكل حسب حاجته – المترجم ) ( اقرأ اشتراكية الدولة أو الماركسية بدلا من الجماعية ) التي ستحتفظ بنظام العمل المأجور . حيث يرى أن الجوع و البطالة هي نتيجة محتملة لإعادة تنظيم الاقتصاد . كتب كروبوتكين :
“لن يكون الناس صبورين أكثر , و إذا لم يصل الخبز فإنهم سينهبون المخابز . عندها إذا لم يكن الناس أقوياء بما فيه الكفاية ليخرجوا جميعا ستطلق عليهم النار , و ذلك بحجة إعطاء الجماعية فرصة جيدة للتجربة . لإنهاء هذا يجب المحافظة على “التظام” بأي ثمن – النظام , الانضباط , الطاعة !” .
بعد ذلك :
“غير مكتف بقتل “اللصوص” , سيبحث حزب “النظام” عن “رؤوساء العصابات” . سينصب المحاكم من جديد و سيعيد تعيين رجال المقصلة ( منفذي الإعدام ) من جديد . سيرسل أكثر الثوريين حماسة إلى المقصلة . سيتكرر عام 1793 ثانية” .
أخيرا :
“إذا أعيد فرض “النظام” , فإننا نقول , أن الاشتراكيين الديمقراطيين ( اقرأ البلاشفة ) سيشنقون اللاسلطويين ( الأناركيين ) , و أن الفابيين ( نسبة للجمعية الفابية , و هي منظمة اشتراكية ديمقراطية بريطانية إصلاحية – المترجم ) ( اقرأ حزب العمال ) سيشنق الاشتراكيين الديمقراطيين .. و ستصل الثورة هكذا إلى نهايتها” .
من الواضح أن كروبوتكين تنبأ بهذا استنادا إلى معرفته الكبيرة بالثورات المختلفة في فرنسا منذ عام 1789 , و أن هذه السيناريوهات يمكن أيضا تطبيقها على ثورتي روسيا فقي عام 1917 , و ألمانيا 1918 و إسبانيا 1936 – 1937 .
في مكان آخر في نفس الفصل يتحدث كروبوتكين عن مواضيع عملية تطرحها الاضطرابات الثورية , يجري غالبا تجاهلها من قبل العناصر الأكثر مثالية في الحركة التحررية حتى اليوم .
“الخبز , إنه الخبز هو ما تحتاجه الثورة” .
إن ضمان الإمداد بالبضائع الأساسية ضروري في أي ثورة ناجحة . ربما لن تكون مشكلة الغذاء اليوم هامة في بريطانيا كما كانت بالأمس , لكن لاحظ كيف تنفذ البضائع بسرعة عندما تكون هناك إشاعة عن نقص في مادة معينة . بالفعل تنبأ كروبوتكين هنا مرة أخرى بقضية مركزية في الثورة الروسية لعام 1917 , التي كان شعارها “السلام , الخبز و الأرض” . اقترح كروبوتكين أيضا أنه :
“.. فيم إذا كانت الثورة ستبدي نفس الخصائص في كل مكان فإن هذا أمر مشكوك فيه” .
و ” .. ستأخذ الثورة طبيعة مختلفة في كل من الأمم الأوروبية المختلفة , النقطة التي ستبلغها جمعنة الثروة لن تكون نفسها في كل مكان” .
و أخيرا , “جنبا إلى جنب مع الكومونات الثورية فإن أماكن كهذه ( المناطق الزراعية ) ستبقى في مزاج مترقب و ستواصل الحياة في نظام صناعي” ( هو نفس ما حدث في إسبانيا عام 1936 ! ) .
عن دور اللاسلطويين أنفسهم كتب كروبوتكين القليل فقط . فقد كان مهتما أكثر بالإشارة إلى الخصائص التحررية التي كانت توجد بالفعل في العامل العادي , عندما ستأتي مثل هذه الظروف إلى المقدمة , و هو نفس الموضوع الذي ركز عليه في كتابه “المساعدة المتبادلة” ( الطبعة الانكليزية 1902 ) . كما لم ينشغل بأي شكل خاص من التنظيم يجب أن يستخدمه الثوريون قبل أو حتى بعد المرحلة الثورية . كان يقول باستمرار أنه :
” .. ببقائه بين الناس , سيعمل الثوري المخلص جنبا إلى جنب مع الجماهير ..” .
إن كروبوتكين مبهم جدا فيما يتعلق بهذه القضية , بهذا فهو نقيض باكونين الذي أولى أهمية كبرى للأشكال التنظيمية التي على الثوريين أن يتبنوها . لكن يجب أن ندرك أن المقالات التي تشكل كتاب “الاستيلاء على الخبز” كانت قد كتبت في الثمانينيات من القرن التاسع عشر , فترة كان فيها اللاسلطويون في فرنسا , حيث كان كروبوتكين يعيش في ذلك الوقت , يمرون بمرحلة من إعادة التنظيم و إعادة تقييم التكتيكات التي ظهرت بعد قمع كومونة باريس عام 1871 حيث قتل عشرات آلاف العمال الثوريين , و هم خلاصة الطبقة العاملة يومها . حيث كان اللاسلطويون يعملون في مجموعات صغيرة من أفراد متشابهين في التفكير مكرسة للإطاحة برأس المال و الدولة . و كانوا يقاومون الأشكال التنظيمية , كالأحزاب السياسية , التي قد تهدد بتدمير الزخم الثوري للناس عندما يحين الوقت ( أي وقت الثورة ) . كان دور اللاسلطويين محصورا بإلهام الجماهير و , “.. تقوية أفكارهم الثورية ” .
في خطاب ألقاه في المؤتمر اللاسلطوي ( الأناركي ) العالمي عام 1881 في لندن , كان هناك القليل من الشك في أن موقف كروبوتكين من المنظمة اللاسلطوية ( الأناركية ) كان يقع تحت تأثير دراساته التاريخية عن الثورة الفرنسية , حيث اعتبرت الفعالية الذاتية للعمال و الفلاحين الفرنسيين كافية بحد ذاتها . فكرة العفوية هذه إلى جانب فكرة حتمية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) أضعفت التأثير التنظيمي للأفكار التحررية في فرنسا حتى تسعينيات القرن 19 عندما عادت من جديد إلى الحركة العمالية .
كلا , إن “الاستيلاء على الخبز” ليس كتابا عن المنظمة الثورية , إنه بالأصح كتاب عن الاقتصاد و التاريخ الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) , إنه العمل الأكثر بناءا ( إيجابية ) في الإرث التحرري . كان كروبوتكين بحلول عام 1880 قد تخلى عن الفكرة الباكونينية عن المكافأة على العمل في المجتمع ما بعد الثورة . بينما كان باكونين و التيار الفيدرالي في الأممية الأولى قد اقترحا فترة من الانتقال الاقتصادي بين الرأسمالية و الشيوعية التحررية . اعتقد كروبوتكين أنه من الضروري القفز من هذه إلى الأخرى , منذ اليوم الأول للثورة . و أن الإبقاء على نظام العمل المأجور بأي درجة و بأي شكل كان , مثل شيكات العمل أو كوبونات الوقت الذي يستغرقه العمل , سيؤدي فقط إلى استغلال و ظلم جديد . أشار كروبوتكين إلى أنه :
“بعد الثورة “الجماعية” , عوضا عن القول , “بنسان” من الصابون , سنقول , “خمسة دقائق من الصابون” .
إذا قامت الثورة على الاعتقاد بأن كل الأشياء هي ميراث مشترك للبشرية و يجب بالتالي أن تكون مشتركة بين الجميع , لماذا يجب الاستمرار بالعمل , بما هو منطقيا نظام اعتباطي للمكافأة , الأمر الذي لا يعني أن كل الأشياء مشتركة بين الجميع ؟ إن الجماعيين يريدون إصلاح نظام العمل المأجور عوضا عن أن يقوموا بتدميره .
هذه الحجة قوية لكنها تفترض الكثير . إنها تفترض أن العمال , المحرضين على الثورة و المنتصرين فيها , هم من طبيعة أخلاقية مرتفعة جدا . من دون شك أن الكثيرين هم كذلك و أن الكثيرين ممن ليسوا كذلك سيتغيرون ما أن تقع الثورة . الثورات تغير الأفراد . يصبح الجبناء أبطالا , و الكسالى مجتهدين , غير المنظمين يصبحون هم المنظمون . لكن كم سيستمر هذا ؟ قد تؤدي صعوبات الإنتاج و تأثيرات النزاع الأهلي إلى توزيع منتجات معينة بطريقة الحصص ( التقنين ) لفترة من الزمن , الأمر الذي قد يؤدي إلى كنز هذه البضائع و بالتالي إلى المزيد من شحها . إن التضامن و التضحية بالنفس هي بالفعل جانب من الطبيعة الإنسانية , لكن الانانية و الفردانية هي الجانب الآخر . يفترض سيناريو كروبوتكين درجة غير واقعية من الفائض في كل سلعة ليصبح تحقيق الانتقال إلى الشيوعية اللاسلطوية فورا اقتراحا قابلا للتطبيق .
موقف كروبوتكين المتناقض من الأشكال قبل الثورة من التنظيم , و خاصة موقفه المتشكك تجاه اللاسلطوية النقابية كان , كما أعتقد , ضعفا كبيرا في نظريته . فالنقابات الثورية هي مدارس يمارس داخلها الأعضاء المساعدة و التعاون المتبادلين , و يطورون و يثقفون أنفسهم استعدادا لمجتمع ما بعد الثورة . الأخلاق الثورية يجب أن يعاد تعلمها و ممارستها باستمرار و أن تعزز بينما ما نزال نحيا في ظل الرأسمالية . أعضاء الكونفيدرالية الوطنية للشغل ( نقابة لاسلطوية إسبانية , كانت ذات جماهيرية هائلة في العشرينيات و الثلاثينيات من القرن العشرين و لعبت دورا هاما في الثورة الإسبانية و محاولة بناء الحياة , و الاقتصاد و الإدارة في المناطق المحررة من إسبانيا أثناء الثورة على أسس شيوعية تحررية – المترجم ) مثلا بعد سنوات النضال كانوا قد تتلمذوا جيدا على ما تحتاجه الثورة و كان تماسكهم الأخلاقي هو الذي أبقى التعاونيات الزراعية و الصناعية تستمر لفترة طويلة في ظروف معادية بشدة . أصبح كروبوتكين في نهاية حياته داعما ( مؤيدا ) أكثر للموقف اللاسلطوي النقابي , لكنه كان دائما حذرا ضد ما اعتبره تيارات إصلاحية أو بيروقراطية .
هذا يصل بنا إلى المفهوم الذي عكسه كروبوتكين عن اللاسلطوية ( الأناركية ) في كتابه “الاستيلاء على الخبز” و أعماله الأخرى . لا يبدو أنه كان يرى اللاسلطوية ( الأناركية ) كإيديولوجيا سياسية توازي الماركسية مثلا , بل كان يراها كتيار حاضر بشكل دائم داخل المجموعات الإنسانية . تكون اللاسلطوية عندها صنفا ( نوعا , تعريفا ) انثربولوجيا أكثر منه سياسيا بالنسبة لكروبوتكين . في كتابه “المساعدة المتبادلة” بحث في القبائل الأوروبية القديمة , في دول المدن القروسطية ( من القرون الوسطى ) , و في النقابات الحرفية ( أو المهنية في مدن القرون الوسطى و أول العصور الحديثة ) و حتى في عالم الحيوان , عن أمثلة عن التضامن و التضحية بالنفس و المساعدة المتبادلة – أي كل جوانب الفكر اللاسلطوي ( الأناركي ) . في كتابه “الاستيلاء على الخبز” فعل نفس الشيء . سلط الضوء على أحداث من الثورة الفرنسية حيث ظهرت اتحادات العمال لزراعة الأرض معا . و نظر إلى جوانب الاستخدام الكوموني للأرض من قبل الفلاحين الروس و السويسريين إضافة إلى طواقم السفن الانكليزية الذين كانوا يساعدون طوعا البحارة الآخرين الذين يواجهون الخطر . هذه هي الأهمية الحقيقية لكروبوتكين – في مجال التاريخ و الأخلاق . صحيح أن بعض استنتاجاته التاريخية يمكن انتقادها : مثلا لم تكن المدن القروسطية ديمقراطية و مسالمة كما أرادنا أن نعتقد . لكنه أضاء جانبا من التاريخ الإنساني الذي كان قد جرى تجاهله تماما . كان أكاديميو القرن 19 تحت التأثير الهائل للأفكار الداروينية الجديدة التي سعت لتبرير كل من الرأسمالية و الإمبريالية . كان كروبوتكين أحد أوائل الذين حاولوا نقض فكرة “البقاء للأصلح” . النقطة الأساسية في هذا النقض كانت أن البشرية قد حققت معظم تقدمها تحت ظروف التعاون الذي يمتد على طول و عرض كتاب “الاستيلاء على الخبز” .
يحتوي الكتاب كثيرا مما يهم التحرريون اليوم . حيث قارب فيه كروبوتكين مسائل “التعليم الكلي” , الإنتاج الزراعي في المدن , التجارة العالمية , لامركزة الصناعة و أشياء أخرى كثيرة هامة اليوم أيضا . نكرر أنه أحد أعظم الأعمال اللاسلطوية البناءة و واحد من القلة المتاحة باللغة الانكليزية . لا بد من قراءته و دراسته من كل لاسلطوي – نقابي جاد . لكروبوتكين نقاط ضعفه – فقد عجز عن ربط الهدف الشيوعي اللاسلطوي بالقوة التنظيمية للنقابات الثورية , كما فعل التحرريون الإسبان دائما و كما كان التحرريون الفرنسيون في طور فعل ذلك في تسعينيات القرن 19 . لو أنه فعل ذلك لربما كان ماكسيموف و رفاقه الروس في وضع أفضل ليؤثروا في أحداث ثورتي عام 1917 ( هذا في الواقع هو أحد انتقادات الاسلطويين النقابيين أو السينديكاليين الرئيسية للشيوعيين اللاسلطويين , الذين يتهمونهم بالمقابل بأنهم يفتقدون بسبب نقابيتهم للقدرة على الانخراط في معارك فكرية سياسية كبرى كالثورات مثلا – المترجم ).

نقلا عن http://libcom.org/library/a-review-of-kropotkins-the-conquest-of-bread