الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 1

دانييل غيران

مقدمة

مؤخرا كان هناك تجديد للاهتمام بالأناركية. كرست كتب، كتيبات، وأدبيات لهذا الغرض. هناك تردد في ما إذا كان هذا المسعى الأدبي مؤثرا جدا. من الصعب جدا تتبع الخطوط العامة للأناركية. فمن النادر أن وضع مفكروها البارعين أفكارهم في أعمال منظمة. وإذا ما حاولوا فعل هذا، فعلوها فقط في كراريس صغيرة تهدف للدعاية والترويج للأناركية، لذا لا يمكن إلا ملاحظة أجزاء قليلة من أفكارهم. علاوة على هذا، هناك عدة حركات أناركية والعديد من الاختلافات في أفكار التحرريين العظماء.

رفض السلطة والتأكيد على أولوية الحكم الفردي يجعل من الطبيعي أن لا تكون معتقدا جامدا. يقول برودون في رسالة له إلى ماركس، “دعونا لا نكون زعماء الدين الجديد حتى لو كان هذا الدين دين المنطق والعقل”. وهذا يترتب أيضا على وجهة نظر عدد من التحرريين ما يجعلها أكثر اختلافا، وأكثر فهما من هؤلاء الاشتراكيين السلطويين الذين أقاموا كنائس منافسة لفرض معتقداتهم على المؤمنين.

قبل إرساله للمقصلة، كتب المتمرد إيميل هنري رسالة إلى حاكم السجن بينما كان ينتظر تنفيذ الاعدام، يقول فيها: “إحذر من أن تظن أن الأناركية هي عقيدة، مذهب فوق السؤال والمناقشة، إنها تبجل مفكريها كما يبجل القرآن من قبل المسلمين المؤمنين”. لا، إن الحرية المطلقة التي نطلبها باستمرار تطور تفكيرنا بشكل ثابت وترفعه نحو آفاق جديدة (وفقا لطريقة تفكير الأفراد المختلفين)، مخرجة إباه من الاطار الضيق للتعليم والتصنيف. إننا لسنا مؤمنين!، لقد استمر هذا الثائر برفض “الايمان الأعمى” لماركسيين الفرنسيين في تلك الفترة: “الذين يعتقدون أن غيسد قال أن الواحد يجب أن يعتقد به، لقد أصبح لديهم كتاب مقدس، وسوف يكون تدنيسا له أن يستجوب أجد بنوده”.

بالرغم من التنوع والغنى في الفكر الأناركي، بالرغم من التناقضات والنزعات الفكرية التي تركز غالبا على قضايا خاطئة، فإن الأناركية هي مجموعة متجانسة من الأفكار. للوهلة الأولى يبدو أن هناك اختلافات واسعة بين الأناركية الأنانية (شتيرنر) والأناركية الاجتماعية. لكن إذا قمنا بنظرة أعمق على الموضوع، نجد أن مناضلي الحرية المطلقة ومناضلي التنظيم الاجتماعي ليسوا متباعدين عن بعضهم البعض. فالأناركي الاجتماعي هو أيضا مناضل أناني والأناركي الأناني هو أيضا مناضل اجتماعي الذي يخاف الاعلان عن نفسه.

الوحدة النسبية للأناركية الاتجتماعية تنشأ من الحقيقة وبأنها تطورت خلال مرحلة واحدة من قبل إثنين، الأول هو الفرنسي جوزيف بيير برودون، والثاني هو المنفي الروسي ميخائيل باكونين. والأخير قام بتطوير البرودونية كثيرا ونحو النهاية.لقد طور هذا النوع نحو الجماعية.

ورثته رفضوا هذا التعبير وأعلنوا أنهم شيوعيين (شيوعيين تحرريين). أحدهم، هو المنفي الروسي الآخر، بيتر كروبوتكين، الذي وجهها نحو الخيالية والتفاؤلية بشكل كبير ولكنه كان ذو نظرة “علمية” ضعيفة. الايطالي إيريكو مالاتيستا، من ناحية أخرى توجه نحو النشاط الجريء والطفيلي في بعض الأحيان ولكنه أغنى التفكير الأتاركي بعنده ومجادلاته الانفعالية في أغلب الأحيان. وقد أنجبت تجربة الثورة الروسية الأناركي الأكثر من رائع فولين.

النضالات الأناركية في نهاية القرن التاسع عشر كانت مثيرة وقصصية ودموية. ولكنها كانت نضالات ناشئة عن الطاقات والشجاعة الفردية، الأمر الذي ينال الاحترام، وقد استحوذت على اهتمام الرأي العام لنضالها ضد الظلم الاجتماعي؛ لكن يبدو هنا أن هذا انحرافا مؤقتا وعقيما في تاريخ الأناركية. تبدو نهايتها التاريخية. لقد قلل واهمل هذا الخاصائص الاساسية لمفهوم إعادة التنظيم الاجتماعي. وعندما ندرس هذا المفهوم نجده بناء وليس هدام، كما يدعي معارضوه. هذه السمة البناءة للأناركية سوف تقدم للقارئ في هذه الدراسة. على أي قاعدة؟ لأن الموضوع المدروس يتعلق بالحياة، ويشكل أحد أكثر المشاكل حدة من أي وقت مضى. وقد أظهر المفكرين التحرريين حاجات أوضاعنا الراهنة إلى حد بعيد.

هذا الكتاب الصغير، لا يهدف إلى نسخ التواريخ ونشر تاريخ الأناركية. مؤلفوا هذا كانوا علماء، غير مهتمين بالأسماء، مسحورين بالتشابهات السطحية، لقد اكتشفوا عددا من رواد الأناركية.  قدموا قيمة متساوية لكل مفكر وزميله، وأعطوا بالتفاصيل الأحداث المتعلقة بسيرته بدلا من الدراسة المعمقة لأفكاره. تاركين مجلدات تملئ القارئ بالتشتت، والتنافر، ويبقى سؤاله ما هي الأناركية؟ حاولت هنا بطريقة مختلفة. إنني أرى أن حياة مفكري الفكر التحرري معروفة. رغم أن الاضاءة على بعضهم أقل من بعض الكتاب الآخرين. العديد من هؤلاء المفكرين كانوا أناركيين في حياتهم ونشاطهم ولكن كان هناك جوانب في حياتهم لم تكن أناركية.

مثلا، برودون كان محافظا في التفكير، كان مهمتما بقضاشا الدين وكان فيها بعيدا عن التحررية. ورغم أنه كان معاد للكهنوتية، لكنه قبل بعدد من الكهنوت الكاثوليكي، وفقا لتفسيراته الخاصة، قال بأن التدريب والتوجيه الأخلاقي للناس يمكن أن يستنبط من الرموز المسيحية، وفي النهاية كان جاهزا لسرد الصلاة. لا يشار إلى هذا غالبا وإلى تحيته للحرب، وهجائه للنساء، وتمييزه العنصري احتراما لذكراه.

زميله باكونين، لم يكن لنشاطه في الشباب أي ارتباط بالأناركية. فقد اعتنق الفكر الأناركي في 1864 بعد فشل الانقلاب البولندي الذي كان جزءا منه. كتاباته السابقة ليست جزءا من الأدب الأناركي اليوم. أما كروبوتكين، فقد كان عالما، ويحتفل بأعماله اليوم في الاتحاد السوفييتي كإحدى أبرز الشخصيات في دراسة الجغرافية الوطنية، ولم يكن له تعارف على الأناركية إلا خلال الحرب العالمية الأولى.

بدلا من التسلسل التاريخي والزمني بالكتب العادية في هذا الكتاب: سيقدم للقارئ تباعا المواضيع البناءة الرئيسية للأناركية، وليس للشخصيات. حذفت متعمدا العناصر الغير متفق عليها في الأناركية، مثل نقد الرأسمالية، الالحاد، ضد العسكرية، الحب الحر، الخ. ولم أستخدم أي إدلاء غير مدعم بالدليل، واستعنت بالاقتباسات قدر الامكان. ما يعطي وصولا للقارئ إلى أفكار المفكرين الحية والدافئة كما كتبوها أصلا.

كذلك، في الزوايا المختلفة، أوضحت المراحل العظيمة التي اختبرت في أحداث الثورة الروسية، ايطاليا، والثورة الاسبانية. ويعالج الفصل الأخير بلا شك أكثر الأفكار الاصيلة للأناركية: الادارة الذاتية العمالية كما طورت في عصرنا الحديث في الجزائر، ويوغوسلافيا، وربما قريبا في الاتحاد السوفييتي.

في هذا الكتاب الصغير، سيرى القارئ مفهومين للاشتراكية يتغيران حينا ويرتبطان حينا آخر، واحدة سلطوية، وأخرى تحررية. في نهاية هذا التحليل القارئ سوف يسأل نفسه عن المستقبل.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/

الثورة المجهولة / 12

الفصل الخامس
الهدنة
1905 – 1917
———————
لم تضف الإثنا عشر عاما , الفاصلة بين الثورة الحقيقية عن محاولتها الأولى , بين الإنتفاضة و الانفجار , أقول لم تضف شيئا بارزا من وجهة النظر الثورية . بل على العكس , ازدهرت الرجعية على طول الخط . لكن هذا لم يمنع بعض الإضرابات الكبرى و لا تمردا في أطول البلطيق في (كرونشتادت) Kronstadt . و قد قمع هذا التمرد الأخير بوحشية .
و كان مصير الدوما هو الحدث الأبرز في هذه الفترة .
بدأت جلسات الـ (دوما) في مايو 1906 في (سانت بطرسبورج) وسط حماس شعبي كبير صاحب دورتها الأولى . و على الرغم من كل مكائد الحكومة , خرجت هذه الـ (دوما) ضد الحكومة .و قد سيطر الحزب الدستوري الديموقراطي على غالبية المقاعد بسبب من كثرة عدده و تميّز نوابه . و قد أختير (س. مورومتسيف)  S. Muromtsev الأستاذ بجامعة موسكو و أحد أكثر أعضاء الحزب تميزا , رئيسا للجمعية . كما شكل الجناح اليساري – الحزب الإشتراكي الديموقراطي و حزب الإشتراكيين الثوريين – كتلة ذات أهمية . و قد تابع جميع السكان مداولات مجلس الـ (دوما) باهتمام و شغف . تحولت كل الآمال صوب مجلس الـ (دوما) . و توقع الناس إصلاحات هامة و فعالة و عادلة .
لكن , منذ الإتصال الأول المباشر , و العداء بين الحكومة و البرلمان في تنامي , صامتا في البداية ثم علنيا فيما بعد . و قد عاملت الحكومة الـ (دوما) بتعالي , و ازدراء مكشوف . و قليلا ما تحمّلت الـ (دوما) . و قد رفضت قبول مجلس الـ (دوما) حتى بإعتباره هيئة استشارية بحتة . و من جهة أخرى حاولت الـ (دوما) فرض نفسها دوما ككيان تشريعي دستوري . و قد بقيت العلاقة بين الجانبين في توتر متزايد .
و اتخذ الناس جانب الـ (دوما) بشكل واضح , ليصبح موقف الحكومة غير مواتي , مثيرا للسخرية , بل و حتى خطيرا . و مع ذلك لم يكن هناك ما يثير الخوف من ثورة وشيكة . و قد علمت الحكومة هذا الأمر . علاوة على ان بإمكانها التعويل على الشرطة و الجيش . و هكذا اتخذت الحكومة إجراءات حاسمة . و كلّف (ستولي بين ) بالوزارة و قد اتخذ من مشروع “نداء إلى الشعب” الذي أعده الـ (دوما) و كان يرتكز في الأساس على إصلاحات زراعية ذريعة .
فذات صباح فوجيء النواب بأبواب الـ (دوما) مغلقة و تحت حراسة القوات النظامية . و بالجيش و الشرطة يطوفون في الشوارع . لقد حل مجلس الـ (دوما) المعروف بالـ (دوما) الأولى . و صدر مرسوم رسمي يشرح للشعب سبب هذا الحل . . كان هذا في صيف 1906 .
و عدا عن سلسلة طويلة من الإغتيالات و عدد قليل من التمردات المنعزلة , و كان أهمها ما جرى في (سفيابورج) Sveaborg و (كرونشتادت) Kronstadt – و قد حدث الأول في أكتوبر 1905 و استمر الثاني لفترة قصيرة قبل قمعه  – , أقول ظلت البلاد هادئة .
أما النواب أنفسهم فلم يجرؤ أيا منهم على المقاومة بشكل فعال . و هذه حقيقة يمكن تفسيرها بسهولة . ذلك أن المقاومة كانت تعني العودة إلى العمل الثوري . غير أنه في كل مكان كان الإحساس العام , في الوقت الحالي , أن الثورة بلا حول و لا قوة . و علاوة على ذلك , إن لم يكن هذا هو الوضع السائد على الأرض و لولا أن خبت جذوة الثورة , لما جرؤت الحكومة على حل الـ (دوما) بهذه الطريقة الوقحة . لقد شعرت الحكومة بنفسها في مركز قوة , و لم تكن مخطئة في شعورها هذا في ذلك الوقت . و كانت البورجوازية أضعف من أن تحلم بثورة مواتية لمصالحها . أما بالنسبة لجماهير العمال و أحزابهم , فلم يستشعروا في أنفسهم الاستعداد للثورة في هذا الوقت .
و هكذا خضع النواب لقرار الحل . لكن المرسوم لم يلغ الـ (دوما) , و إنما فقط دعا لإنتخابات جديدة في المستقبل القريب , على أساس من تعديل بعض القواعد . و قد قنع “ممثلو الشعب ” بإعداد مذكرة احتجاج ضد هذا العمل التعسفي . و لوضع هذه المذكرة في جو كامل من الحرية اضطر النواب السابقين – و غالبيتهم من الحزب الدستوري الديموقراطي – لعقد اجتماعهم في فنلندا , من أجل التمتع بالحماية التي يكفلها استقلال هذا الجزء من الإمبراطورية الروسية تشريعيا , في مدينة (فيبورج) Vyborg , و التي اطلق اسمها على المذكرة . . (نداء فيبورج) . ثم عادوا بعدها إلى ديارهم في هدوء .
و على الرغم من سلمية “ثورتهم” هذه فقد حوكموا و أدينوا في فترة لاحقة من قبل محكمة خاصة . و عوقبوا بعقوبات مخففة , و إن كانوا قد فقدوا الحق في إعادة الترشح لإنتخابات الـ (دوما) .
على أن نائبا واحدا فقط , فلاح صغير من مقاطعة (ستافروبول) Stavropol, و المحسوب على حزب العمال . ( أونيبكو) Onipko لم يقبل بالتوقف . و كان أن أشعل إنتفاضة (كرونشتادت) و قد اعتقل في مسرح الأحداث بعد إصابته بطلق ناري . و لم ينقذه إلا بعض التدخلات من ناحية و مخاوف الحكومة من ناحية أخرى . غير أنه قد حوكم في نهاية المطاف و أرسل  إلى المنفى في سيبيريا . و قد نجح في الهرب و وجد ملجا خارج البلاد . و عاد إلى روسيا عام 1917 . أما ما حدث له بعد ذلك فغير معروف . و العهدة على بعض المصادر الموثوقة , أنه قد واصل النضال بوصفه عضوا يمينيا في الحزب الإشتراكي الثوري و أنه قد انقلب على البلاشفة الذين قتلوه رميا بالرصاص .
و بمجرد أن تم حلّ الـ (دوما) الأولى , عدّلت الحكومة القانون الإنتخابي . و لجأت بلا ضمير لى تدابير و مناورات وقائية أخرى , ثم دعت إلى الـ (دوما) الثانية . المجلس الذي كان أكثر إعتدالا و تواضعا بكثير من نظيره الأول . على أن هذه الــ (دوما) ظلت “ثورية جدا” بالنسبة للحكومة . و الحق أنه برغم كل المكائد و الدسائس ظل هناك جناح يساري في المجلس . و قد حلّت هذه الـ (دوما) بدورها . ليتم تعديل القانون الإنتخابي بشكل ملحوظ هذه المرة . أما الشعب فقد فقد كل اهتمام في أنشطة – أو بالأحرى خمول – الـ (دوما) , عدا عن بعض لحظات نادرة من الأحداث غير الإعتيادية أو الحوارات المثيرة التي تجذب الإنتباه لفترة وجيزة من الوقت .
و قاد حل الـ (دوما) الثانية إلى (دوما) ثالثة و أخيرا (دوما) رابعة . و كانت هذه الأخيرة أداة طيعة في يد الحكومة الرجعية , التي طال أمد وجودها العقيم حتى ثورة 1917 .
أما من جهة الإصلاحات أو إصدار قوانين مفيدة , فلم تنجز الـ (دوما) شيئا على الإطلاق في هذا الصدد . لكن وجودها لم يكن عديم الفائدة تماما . فالخطب النقدية من بعض النواب المعارضين , و وضع القيصرية في مواجهة مباشرة مع مشاكل الساعة الملتهبة , و عجز البرلمان عن التعامل مع هذه المشاكل طالما بقى النظام الإستبدادي قائما , كل هذه الحقائق استمرت في تنوير الجماهير العريضة من السكان حول الطبيعة الحقيقية للنظام , و عن دور البورجوازية , و عن المهام التي يتعين إنجازها , و عن برامج الأحزاب السياسية . و بالنسبة للشعب الروسي , كانت هذه الفترة على قصرها , درسا تجريبيا طويلا مجديا , و كانت هذه هي الطريقة الوحيدة في ظل غياب غيرها من وسائل التثقيف السياسي و الإجتماعي .
كانت هناك عمليتان متوازيتان تجريان في ذات الوقت : الأولى عملية متسارعة من الإنهيار النهائي – أو التفسخ النهائي لو أردنا استخدام لفظ أفضل – للنظام الإستبدادي . و الثانية النمو السريع في وعي الجماهير . و كانت علامات تدهور لحكم القيصري واضحة للعيان خارج روسيا . كان نمط الحياة الذي اعتمده البلاط الإمبراطوري هو نفس النمط الذي اعتمدته كافه الأنظمة الملكية قبيل سقوطها . كان (نيقولا) الثاني غير كفء و غير مكترث , و كان وزراءه و موظفينه فاسدين بقماءة , و التصوف المبتذل الذي اعتمده الملك و عائلته – و كان الراهب (راسبوتين) حلقة أساسية فيه – لم تكن هذه العناصر خافية على أحد في الخارج .
أما ما لم يكن معروفا , فكان التبدل العميق الذي حدث في نفسية الجماهير . فروح الرجل من العامة في 1912 مثلا لم يعد بينها و بين النظرة البدائية لرجال ما قبل 1905 أي شيء مشترك . و كانت طبقات واسعة من السكان تصبح على نحو متزايد ضد النظام القيصري بشكل مباشر . و كانت وحشية الرجعية , و التي منعت أي شكل تنظيمي للعمال و كل دعاية سياسية أو إجتماعية , هي ما منع الجماهير من تشكيل أفكارها في شكلها النهائي .
و لم يكن غياب الأحداث الثورية الكبرى دليل على أن العملية الثورية نفسها قد توفت . بل الحق أنها استمرت , تحت السطح , بقوة لم تنتقص قط , في أفكار الناس و مشاعرهم .
و قد بقيت جميع المشاكل الحيوية قائمة , أثناء ذلك , حتى وصلت البلاد إلى طريق مسدود . و أصبحت الثورة العنيفة الحاسمة أمرا لا مفر منه . و لم ينقصها سوى السلاح و دفعة صغيرة إلى الأمام .
كانت هذه هي الصورة العامة عندما اندلعت الحرب في العام 1914 . و كانت الحرب هي من أعطت الناس السلاح الضروري و الدفعة اللازمة .
المصدر

الثورة المجهولة / 11

الفصل الرابع
هزيمة الثورة
تقييم الإنتفاضة
———————
بنهاية عام 1905 قررت البرجوازية الفرنسية تقديم القرض و خوّل الإقتصاديون بمهمة منحه . و قد أنقذ “نقل الدماء” النظام القيصري الذي كان في طور الإحتضار .
بالإضافة إلى هذا , تمكنت الحكومة من إنهاء الحرب بمعاهدة سلام , لم تكن مهينة للغاية .
و من هذا الوقت فصاعدا , ستبدأ الرجعية من حيث انتهت الثورة , و بينما تتعلق آمال الناس في مستقبل جميل , ستحارب الثورة و يتم حصارها .
على أن الثورة على أية حال كانت قد ماتت من تلقاء نفسها . إذ كان إضراب أكتوبر غاية جهدها و ذروتها القصوى . و كان كل ما تحتاجه في الوقت الراهن هو التوقف لإلتقاط الأنفاس . و علاوة على ذلك كان بإمكانها التعويل على الإنتعاش في وقت لاحق , ربما تحت تأثير الجناح اليساري في الـ (دوما) .
في غضون ذلك , كانت الحريات التي استعادها الناس و التي وعدهم بها القيصر في بيانه بعد فوات الأوان , قد قمعت من جديد . و من جديد حظرت الحكومة الصحافة الثورية و أعادت تأسيس الرقابة و شرعت في الإعتقالات الجماعية و تصفية جميع التنظيمات العمالية أو الثورية التي استطاعت الوصول إليها . فحظرت الـ (سوفيات) و اعتقلت (نوصار) و (تروتسكي) و أرسلت الجنود لتطهير الناطق التي شهدت أحداث الإنتفاضة الكبرى و أوقعت عقوبات نموذجية . و كان تعزيز الجيش و الشرطة عملا يتم طيلة الوقت .
لكن شيئا واحدا لم تجرؤ الحكومة على المساس به . . مجلس الـ (دوما) الذي كان على وشك الإجتماع .
و مع ذلك , فقد كان لدى الثورة هجومين أخيرين , ضد عناد الرجعية .
كان الأول : ثورة جديدة في أسطول البحر الأسود , تحت قيادة الـ (ليفتنانت) (شميت) Schmidt . و قد قمع المحرضون و أعدم (شميت) رميا بالرصاص .
و الثاني : كانت انتفاضة عمال موسكو المسلحة , في ديسمبر 1905 . و التي استمرت ضد القوات الحكومية لعدة أيام .و التي اضطرت الحكومة لوضع حد لها بتوجيه قوات من (سانت بطرسبورغ) و استخدام وحدات المدفعية .
و بينما كان التمرد المسلح على أشده , بذلت الجهود من أجل إثارة إضراب عام جديد في كافة أنحاء البلاد . الإضراب الذي لو قدّر له أن ينجح لقدّر النصر للتمرد المسلح . . لكن الدافع هذه المرة , على الرغم من أن التنظيم كان مماثلا لإضراب أكتوبر , كان مفقودا . لم يكن الإضراب عاما هذه المرة و استمرت الخدمة البريدية في العمل , فضلا عن السكك الحديدية . و ظلت الحكومة قادرة على نقل قواتها أنّى شاءت . و لم يكن هناك شك في أن الثورة تلفظ أنفاسها .
و هكذا , ما إن انتهى عام 1905 حتى كانت العاصفة قد هدأت بدون أن تزيل العوائق . لكنها كانت قد اضطلعت بالفعل بمهمة أساسية لا مفر منها . مهمة إعداد الأرض و تمهيدها . و تركت علامات لا تمحى في حياة البلاد و عقلية السكان . و بإمكاننا الآن فحص “الحساب الختامي” للإنتفاضة . ما نجده في جانب المكاسب هو , عمليا بلا شك , مجلس الـ (دوما) . لقد اضطرت الحكومة من أجل الـ (دوما) لوضع قانون إنتخابي , كان شاملا بما فيه الكفاية لمنع خيبات الأمل من أن تكون سريعة أو مريرة . إن الحكومة لم تشعر بالأمان بعد , و ما زال يتوجب عليها أن تلتقط أنفاسها و تحصل على هدنة .
و كانت توقعات الجماهير في مجلس الـ (دوما) كبيرة . و قد تقررت الإنتخابات في ربيع 1906 . و دعي إليها بنشاط محموم في طول البلاد و عرضها . و شاركت فيها كافة الأحزاب السياسية .
و كان الوضع الذي خلقته الدولة البوليسية هذه , متناقضا بما فيه الكفاية . فبينما نشرت الأحزاب اليسارية دعايتها بصورة علنية و قانونية – حيث لا تستطيع الحكومة التدخل إلا عن طريق تنظيمات جديدة أو وضع فخاخ ماكرة – , امتلأت السجون بأعضاء من نفس الأحزاب , تم اعتقالهم في وقت تصفية الحركة . و بقيت الصحافة و حرية التعبير مكممة . و استمر حظر التنظيمات العمالية .
هذا التناقض الظاهري يمكن تفسيره بسهولة . و سيمكننا هذا التفسير من فهم توقعات الحكومة من أداء مجلس الـ (دوما) .
و على الرغم من حقيقة أن الحكومة قد اضطرت إلى منح رعاياها قدرا معينا من الحرية بسبب الإنتخابات , إلا أنها لم ترى في الـ (دوما) مؤسسة حقيقية ضد الحكم المطلق . و كانت وجهة نظر الحكومة أن الـ (دوما) ليس أكثر من جهاز ثانوي مساعد , ذو مهام استشارية بحتة , ملائم لمساعدة الحكومة في بعض مهامها . و على الرغم من اضطرارها للتسامح مع بعض مظاهر الإثارة الإنتخابية من قبل الأحزاب اليسارية , فإن الحكومة قد قررت منذ وقت مبكر أنها ستسمح بكمية محدودة منها و أنها سترد على أية محاولة لإتخاذ مواقف متحدية , من قبل الأحزاب أو الناخبين أو مجلس الـ (دوما) ذاته . فمن وجهة نظر الحكومة ليس لمجلس الـ (دوما) أية علاقة بالثورة . و لذلك كانت الحكومة منطقية تماما في إبقاء الثوار في السجون .
و كان تكوين و شرعية الأحزاب السياسية ذات وجهات النظر المختلفة واقعا آخرا ملموسا جديدا بالكلية على الحياة الروسية
فحتى أحداث 1905 , كان في روسيا حزبان سياسيان فقط , و كانا كلاهما سريا و ثوريا أكثر منه سياسيا . نعني بهما الحزب الإشتراكي الديموقراطي و الحزب الإشتراكي الثوري .
و كانت الحريات القليلة التي منحها مانفستو السابع عشر من أكتوبر بهدف الحملة الإنتخابية , و الحملة الإنتخابية ذاتها , قد اعطت فجأة حصانة كاملة للأحزاب القانونية و شبه القانونية .
و قد أنشأ مؤيدوا الملكية العريقون , إتحاد الشعب الروسي .  و هو حزب رجعي متطرف ذو توجه برمجي , و كان برنامج هذا الحزب يدعو لإزالة كل ” الإنعامات التي وعدت تحت ضغط الإنتفاضات المجرمة” , بما في ذلك الـ (دوما) , و القضاء التام على آخر آثار أحداث 1905 .
أما العناصر الرجعية بصورة أقل : غالبية كبار الموظفين , و كبار أصحاب المصانع , و المصرفيين , و النبلاء , و رجال الأعمال , و ملاك الأراضي الزراعية فقد تجمعوا في الحزب “الأكتوبري” – اتحاد 17 أكتوبر – الذي ذكرناه سابقا .
و كانت تفاهة الثقل السياسي لهذين الحزبين دائما مصدر للتندر .
أما غالبية الأغنياء و الطبقة الوسطى , فضلا عن المثقفين “المتميزين” فقد أنشأوا لأنفسهم حزب الوسط الكبير , الذي مال جناحه اليميني إلى “الأكتوبريين” و ذهب جناحه اليساري إلى حد التعبير عن الميول الجمهورية . أما برنامج الغالبية العظمى في هذا الحزب فكانت الدعوة إلى نظام دستوري يضع حدا للحكم المطلق , عن طريق الإحتفاظ بالملك في منصبه مع وضع حد لسلطاته . و قد أطلق على هذا الحزب اسم “الحزب الدستوري الديموقراطي” و إختصارا حزب (كا-ديت) . و كان يطلق عليه أيضا “حزب حرية الشعب” . و قد كان قادته في الغالب من بين المشاهير في المدينة و المحامين و الأطباء و ذوي التوجة الليبرالي و الأكاديميين . و كان في وضع مؤثر جدا , مع تمويله كبير و نشاط و حيوية أعضاءه في إنشاءه .
و في أقصى اليسار كان هناك “الحزب الإشتراكي الديموقراطي” و الذي كان وضعه المعلن قانونيا تماما , على الرغم من برنامجه الجمهوري الصريح و تكتيكاته الثورية . و أخيرا “الحزب الثوري الإشتراكي” و الذي لم تختلف برنامجه و لا تكتيكاته كثيرا عن الحزب الإشتراكي الديموقراطي فيما عدا تعاطيه مع المشكلة الزراعية . و يبدو أنه من أجل حرية الحركة وقت إنتخابات الـ (دوما) , قاد الحزب الإشتراكي الديموقراطي حملته تحت اسم “حزب العمال” . و الذي أصبح لاحقا حزب مستقل . و من نافلة القول أن مشاركة كلا الحزبين قد مثلت أساسا جماهير العمال و الفلاحين و طبقة واسعة من العمال المتعلمين .
عند هذه النقطة يجب علينا أن نزودكم ببعض التفاصيل حول برامج و أيديولوجيات هذه الأحزاب .
فبإستثناء المسألة السياسية , كانت النقطة المحورية في برامج كافة الأحزاب قطعا هي المشكلة الزراعية . المشكلة التي تطلبت حلا عاما فعالا و عاجلا . و الحقيقة , أن عدد الفلاحين قد تزايد بسرعة كبيرة بحيث أصبحت مساحات الأراضي الممنوحة للفلاحين المحررين في العام 1861 غير كافية , و قد انخفضت هذه المساحات , نتيجة التقسيم المستمر خلال ربع قرن حتى صارت بؤر للمجاعة . و على حد قول أحد الفلاحين “إننا لم نعد نجد مكانا لنربي فيه الدجاج” . و قد انتظر سكان الريف بفارغ الصبر حلا فعالا عادلا لمشكلتهم . و كانت الأحزاب جميعها مدركة لأهمية هذه الكتلة السكانية .
و قد طرحت ثلاث حلول في ذلك الوقت :
1 – اقترح الحزب الدستوري الديموقراطي توسيع مساحات الراضي بتحويل بعض أراضي أصحاب الأراضي الخاصة و الأراضي الحكومية إلى الفلاحين . على أن يسدد الفلاحون ثمن هذه الأرض تدريجيا بمساعدة الدولة و بشروط يضعها ممثلو الدولة و بتقييمات عادلة .
2 – اقترح الحزب الإشتراكي الديموقراطي نقلا خالصا و بسيطا للأراضي التي يحتاجها الفلاحون بدون أي سدادات . على أن تشكل هذه الأراضي أساسا للمال العام و الذي يمكن توزيعه وفقا للإحتياجات – تأميم أو مصادرة الأراضي – .
3 – أقترح الحزب الإشتراكي الثوري أكثر الحلول جذرية . النقل المباشر و الكامل لكل الأراضي التي في أيدي ملاك القطاع  و الخاص . و الإسقاط التام لملكية الأراضي الزراعية – سواء المملوكة للأفراد أو للدولة –  . و وضع كافة   الأراضي  تحت تصرف تعاونيات الفلاحين  peasant collectives – إشتراكية الأرض –
و كان على الـ (دوما) أن يتعامل مع هذه المشكلة المعقدة الملحة , قبل أي شيء آخر .
و هنا نود أن نشرح بإختصار أيديولوجيات الحزبين اليساريين في هذه المرحلة – من الديموقراطيين الإشتراكيين و اللإشتراكيين الثوريين – .
بحلول عام 1900 ظهر تباين كبير في وجهات النظر في قلب احزب الإشتراكي الديموقراطي الروسي . إذ تشبث بعض أعضاؤه بـ “برنامج الحد الأدنى” , متمسكين بفكرة أن الثورة الروسية القادمة ستكون ثورة بورجوازية , ذات نتائج متواضعة نسبيا . لم يعتقد هؤلاء الإشتراكيون بإمكانية التجاوز من الملكية الإقطاعية إلى النظام الإشتراكي بقفزة واحدة . و اعتقدوا أنه لابد من جمهورية بورجوازية ديموقراطية , لتمهد الطريق لنمو رأسمالي سريع يكون من شأنه وضع الأساس للإشتراكية المستقبلية . كانت هذه فكرتهم الأساسية . إستحالة الثورة الإشتراكية في روسيا في الوقت الراهن .
على أن كثيرا من أعضاء الحزب كان لهم رأي مخالف , فمن وجهة نظرهم , أن الثورة القادمة من المحتمل جدا أن تكون “ثورة إشتراكية” , مع كل عواقبها المنطقية . هؤلاء الإشتراكيون أسقطوا “برنامج الحد الأدنى” و أعدوا أنفسهم لإستيلاء الحزب على السلطة , و النضال الفوري و الحاسم ضد الرأسمالية .
كان قادة التيار الأول الأساسيون : (بليخانوف) Plekhanov و (مارتوف) Martov و آخرين . بينما كان (لينين) Lenin المؤسس الأكبر للتيار الثاني .
و قد حدث الإنقسام النهائي بين المعسكرين سنة 1903 , في مؤتمر لندن . و كان الإشتراكيون الديموقراطيون ذوي الميول اللينينية أغلبية – كلمة أغلبية بالروسية (بولشينستفو) Bolshinstvo و الواحد منهم (بولشيفيكي) bolsheviki , بينما الأقلية = (منشيفيكي) men-sheviki . و هكذا أكتسب التياران اسماهما اللذان سيظلان مصاحبين لهما . فأكتسب التيار الأول اسم (البلشفية) = الأغلبية , و سمي الثاني بـ (المنشفية) = الأقلية .
و قد أطلق الـ (بلاشفة) على أنفسهم بعد انتصارهم في 1917 على أنفسهم اسم “الحزب الشيوعي” بينما احتفظ الـ (مناشفة) باسم “الحزب الإشتراكي الديموقراطي” . و قد اعتبر “الحزب الشيوعي” , عندما تولى السلطة , الـ (مناشفة) ثورة مضادة , قبل أن يبيدهم .
من جهة أخرى , انقسم الحزب الإشتراكي الثوري هو الآخر إلى حزبين منفصلين : الحزب الإشتراكي الثوري “اليميني” و الذي أصرّ , على غرار الـ (مناشفة) , على الحاجة إلى مرحلة الجمهورية البورجوازية الديموقراطية . و الحزب الإشتراكي الثوري “اليساري” الذي زعم , على غرار الـ (بلاشفة) , أن الثورة يجب أن تُدفع إلى حدّها الأقصى , و هو الإلغاء الفوري للنظام الرأسمالي و إقامة الإشتراكية – نوع من الجمهوريات الإشتراكية – .
و قد محا الـ (بلاشفة) , بعد استيلائهم على السلطة سنة 1917 , الجناح اليميني من الحزب الإشتراكي الثوري , بإعتباره ثورة مضادة . بينما تعاونوا مع الجناح اليميني من الحزب الإشتراكي الثوري في البداية . لكن عندما نشأت الخلافات الرئيسية بين الحزبين فيما بعد , انهار التحالف السابق , و أخيرا تم حظرهم قبل إبادتهم .
على أن تأثير هذين الحزبين – البلاشفة و الجناح اليساري في الحزب الإشتراكي الثوري – كان ضئيلا في زمن إنتفاضة 1905 .
و لإكمال عرضنا للتيارات الفكرية المتنوعة التي تزامنت مع هذه الثورة , لابد و أن نشير إلى أن الحزب الإشتراكي الثوري قد فرّخ تيارا ثالثا , فصل نفسه عن الحزب , و دعا أثناء الثورة , ليس للقضاء على الدولة البورجوازية و حسب , بل على الدولة بصورة عامة – كمؤسسة سياسية – . و قد عرف هذا التيار الفكري في روسيا باسم الـ (برنامج الحد الأقصى)  Maximalism , لأن أنصار هذا التيار بعد رفضهم لبرنامج الحد الأدنى , انشقوا على الجناح اليساري للحزب الإشتراكي الثوري , منادين بضرورة النضال الفوري من أجل تنفيذ كامل لبرنامج الحد الأقصى . الذي هو : إشتراكية كاملة مبنية بالكامل على أساس غير سياسي .
و لهذا السبب لم ينشيء أنصار برنامج الحد الأقصى حزبا سياسيا . بل كوّنوا “إتحاد الإشتراكيين الثوريين الأقصويين” و قد نشر هذا الإتحاد بعض الكتيبات لتبيان وجهة نظرهم . و نشر بضعة دوريات , لكنها لم تستمر طويلا , و كان تأثيرها لا يكاد يذكر . و كان نشاط الإتحاد في المقام الأول كان الأنشطة الإرهابية . و شارك في كافة النضالات الثورية . و الحق أم كثيرا من أعضاءه قد ماتوا كأبطالا حقيقيين .
و من مجمل أفكارهم , كان “الأقصويون” قريبين جدا من الفكر الأناركي . فهم لم يتبعوا الماركسيين بشكل أعمى في نفي فائدة الأحزاب السياسية . و انتقدوا الدولة و السلطوية السياسية . لكنهم برغم ذلك لم يجرؤوا على التخلي عن السلطة السياسية بشكل فوري و شكل كامل . و لم يروا أنه من الممكن الإنتقال المباشر للمجتمع اللاسلطوي الكامل – ففرقوا هكذا بين الإشتراكية الكاملة و الأناركية – . و قد وضعوا لضمان الإنتقال فرضية “جمهورية العمال” تخفّض فيها عناصر الدولة و السلطة إلى الحد الأدنى الذي , وفقا للأقصويين , سيضمن إنقراضها السريع . هذا الإحتفاظ المؤقت بالدولة و السلطة هو ما يفرق بين برنامج الحد الأقصى و الأناركية .
و كغيرها من التيارات الايديولوجية التي لا تتوافق مع الـ (بلشفية) , تم سحق الأقصوية Maximalism بعد ثورة 1917 .
أما بالنسبة للأناركية و المفاهيم النقابية – كما سنبين لاحقا بالتفصيل – فقد كانت غير معروفة تقريبا في روسيا في هذا الوقت .
و الإعتقاد الغالب خارج روسيا , أنه بما أن (باكونين) Bakunin و (كروبوتكين) Kropotkin – الآباء المؤسسين للأناركية – روس . فلابد و أن روسيا كانت , و لفترة طويلة بلد الأفكار و الحركات الأناركية . و هذا سوء فهم خطير . فكل من (باكونين) Bakunin (1814 – 1876) و (كروبوتكين) Kropotkin (1842 – 1921)  لم يصبحا أناركيين إلا خارج روسيا . كما أن أيا منهما لم يشتهر في روسيا كأناركي . و قد ظلت أعمالهما مجهولة في روسيا حتى ثورة 1917 . و قد كتبت أصلا بلغة أجنبية – غير روسية – . و هذه الأعمال لم يترجم منها سوى مقتطفات قليلة و لم تنشر في روسيا سوى بكميات قليلة و بصورة سرية و تحت خطر بالغ . كما إن توزيع هذه الأعمال داخل روسيا كان أمر شبه مستحيل . و أخيرا فإن التثقيف الإجتماعي و الإشتراكي و الثوري في روسيا لم يكن بدري أي شيء عن الأناركية , و ربما مع استثناءات قليلة جدا , لم يكن أحد مهتم بالأفكار الأناركية .
و كانت الـ (سينديكالية / الحركة النقابية) Syndicalism غير معروفة بالجملة , بإستثناء قلة قليلة من المثقفين , بسبب من عدم وجود أي حركة عمالية في روسيا قبل ثورة 1917 . بل و يمكننا القول بأن الشكل التنظيمي الروسي للعمال : الـ (سوفيات) و الذي اتخذ على عجل في 1905 , ثم اعيد احياؤه مرة أخرى في 1917 كان على وجه التحديد بسبب غياب المفاهيم و الحركات النقابية . و ليس هناك من شك أنه لو كان هناك جهاز نقابي , فإنه سيقود الحركة العمالية .
و قد ذكرنا وجود بعض الجماعات الأناركية الصغيرة في (سانت بطرسبورج) و (موسكو) , و في الغرب و الجنوب . و كان هذا كل شيء . و قد شارك الأناركيست في موسكو في احداث 1905 , و استقطبوا الإنتباه خلال التمرد النسلح في ديسمبر من العام نفسه .
و قد سحق البلاشفة الحركة الأناركية , بعد 1917 , كما سحقوا كافة الحركات الأخرى التي لو تتفق مع أيدلوجياتهم . لكن سحق الحركة الأناركية لم يتم بسهولة , و كان الصراع بين البلشفية و الأناركية , خلال ثورة 1917 , صراعا صعبا مريرا , و هو صراع غير معروف تماما خارج روسيا , و قد استمر نحو ثلاث سنوات , و لعبت فيه “حركة ماخنو” الدور الأكبر – و هذا ما سنذكره بالتفصيل في الجزء الأخير من هذا الكتاب –
و الآن دعونا ننتقل إلى العواقب المعنوية و الآثار النفسية لأحداث 1905 . لأن أهميتها بالنسبة للمستقبل كانت أكبر من مجرد الإنجازات الفورية الملموسة .
باديء ذي بدء , و كما أشرنا مسبقا . تلاشت أسطورة القيصر , و قد أصبحت شريحة واسعة من الجماهير على بينة من الطبيعة الحقيقية للنظام و من الضرورة الملحة لإنهاؤه . لقد فقدت القيصرية و الحكم المطلق سلطانها معنويا .
و لم يكن هذا كل شيء . فقد انضمت الجماهير الشعبية أخيرا للقوى التي طالما عارضت النظام : الدوائر الثقافية الطليعية , و الأجنحة اليسارية للأحزاب السياسية و الثوريين بشكل عام . و اتصلت الجماهير بالدوائر الطليعية إتصالا وثيقا واسع النطاق . و من الآن فصاعدا سيتصاعد هذا الاتصال و يتعمق و يشتد . و ستصل “المفارقة الروسية” إلى نهايتها .
و هكذا فإن لدينا إنجازين كبيرين قد تم تحقيقهما . من ناحية , كان هناك عنصر مادي يمكن للثورة العرجاء أن تستند عليه : الـ (دوما) . و من الناحية الأخرى فإن العقبة المعنوية التي كانت المانع في طريق كل ثورة واسعة النطاق قد انهارت . لقد فهمت الجماهير أخيرا العلة و انضمت أخيرا إلى أولئك الذين كانوا في الصفوف الأمامية في صراع التحرير .
و أعدت الأرض للثورة المقبلة الحاسمة . كان هذا هو جانب “المكسب” من انتفاضة 1905 .
و ياللأسف !! كانت الخسائر جسيمة بقدر المكاسب .
فحركة 1905 لم تكن قادرة للأسف على إنشاء تنظيم للطبقة العمالية , لا تنظيم نقابي و لا حتى إتحاد تجارة . و لم تنل جماهير الطبقة العاملة حق التنظيم . و بقيت بلا اتصال و لا تنظيم .
و كان النتيجة النفسية لهذه الحالة من التخبط أن صارت الجماهير الكادحة – بلا وعي منها – , في الثورة القادمة . جائزة الأحزاب السياسية و منافساتهم المهلكة و صراعتهم البغيضة على السلطة . الصراع الذي لا مكسب للعمال من ورائه إلا خسارة كل شيء .
و هكذا , فقد كان لغياب الحركة العمالية و التنظيمات العمالية الحقيقية , عشية الثورة , أن فتح الباب على مصراعيه لغلبة , أو بالأحرى , لسيطرة حزب سياسي أو آخر , على حساب العمل الحقيقي و السبب الحقيقي للعمال .
و سيرى القاريء لاحقا , كيف أن عبء هذه الخسائر سيكون قاتلا بالنسبة لثورة 1917 : التي ستنسحق في نهاية المطاف تحت رزء هذه الخسائر .
و أخيرا أود أن أذكر شيئا عن مصير (نوصار- خروستاليف) , الرئيس الأول لأول (سوفيات) لعمال (سانت بطرسبورج) .
اعتقل (نوصار) أثناء “تصفية” الحركة , بحلول نهاية 1905 , و حوكم و ادين و نفي إلى سيبيريا . ثم هرب لاجئا إلى الخارج . لكن مثله مثل (جابون) لم يستطع التأقلم مع الحياة الجديدة , و أكثر من ذلك أنه لم يستطع الحصول على عمل منتظم . لكنه , بكل تأكيد , لم يعش حياة الفجور , و لا ارتكب أي فعل من أفعال الخيانة . لكنه كان يضيع حياته خارج الوطن في فوضى و فقر و تعاسة .
استمر هذا حتى ثورة 1917 , التي ما إن اندلعت حتى اسرع – مع كثييرين غيره – عائدا إلى البلاد ليشارك في النضال الثوري . لكنه لم يلعب أي دور هام .

و نحن لا نعرف حقا ما حدث له بعد ذلك . لكن وفقا لمصادر نعتبرها فوق الشبهات , أنه قد تحول في النهاية ضد الـ ((بلاشفة) و أنهم بدورهم قد قتلوه رميا بالرصاص .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 10

الفصل الثالث
الحرب الكارثية
إنتصار الإضراب الثوري
———————
لم تهدأ الموجات التي أثارتها أحداث ناير 1905 على الفور . في هذا الوقت كانت البلاد بأكملها تهتزّ .
فمن ربيع 1905 و صاعدا , و النظام القيصري في حالة من الضعف على نحو متزايد . و كان السبب الرئيسي هو هزيمة روسيا القيصرية المريرة في حربها ضد اليابان .
بدأت هذه الحرب في فبراير 1904 , و صاحبها قدر غير عادي من الغطرسة . و كان الهدف الأساسي منها إثارة مشاعر الإنتماء القومية و الوطنية و المَلَكِية . و انتهت إلى هزيمة يائسة . إذ هزم الجيش و الأسطول معا .
و ألقى الرأي العام باللوم علنا على السلطات و على تفسّخ النظام في هذه الهزيمة . و لم تكن  فقط جماهير العمال من يتميز غضبا , بل اشتعلت الشرائح الأخرى بروح الثورة كذلك . و كان تأثير الهزائم , التي توالت في تتابع سريع , ساحقا . فلم يعد الناس قادرين على إحتواء مشاعرهم . و انتشر الغضب الذي لا يعرف حدودا . و أصبح التحريض على نطاق وسع . بينما بقيت الحكومة , إدراكا منها لهزيمتها . في صمت .
و للإستفادة من الوضع الحالي , بدأت دوائر الليبراليين و الثوريين حملة عنيفة موسعة ضد النظام . و بدون إذن , بدأ الشعب يمارس حرية التعبير و حرية الصحافة , و كان فتحا حقيقيا للحرية السياسية . فظهرت الجرائد من كافة الإتجاهات , حتى الثورية منها , و بيعت بحرية . بدون رقابة أو سيطرة عليها . و انتقدت الحكومة و النظام بأكمله بشدة .
و حتى أجبن الليبراليين وجدوا مجالا للعمل , فتأسست الإتحادات المهنية : “اتحاد الإتحادات” و يمكن توصيفه كلجنة مركزية لتوجية كل نشاط الاتحادات . و “اتحاد التحرير” السري – تنظيم سياسي – . و تعجلوا في إنشاء حزب سياسي رسمي يدعي بـ “الحزب الدستوري الديموقراطي” . و تحملت الحكومة كل هذا مكرهة , كما تحملت من قبل إضراب يناير و إجتماعات الـ (سوفيات) .
و تتابعت الإغتيالات السياسية بمعدل متسارع .
و اندلعت المظاهرات العنيفة و الانتفاضات الخطيرة في مدن مختلفة . و في بعض الأماكن أقام الناس المتاريس .
و في مختلف المقاطعات , تمرّد الفلاحون , مطلقين بالفعل “انتفاضات” (ثورة الفلاحين) فحرقوا القلاع و استولوا على الأراضي و طاردوا , بل و حتى قاموا بإغتيال , ملاك الأراضي . و تم تشكيل اتحاد للفلاحين ذي برنامج اشتراكي . لقد أصبح أعداء النظام كثر جدا , جريئين جدا , و فوق كل شيء , كانوا على حق .
لكن هزيمة الحكومة العسكرية , و “معنوياتها” المنحدرة ليست بتفسير لكل شيء . فالشيء الوحيد الذي يفسرونه هو احتياج الحكومة إلى أهم أداة لمقاومة الحركة : المال . و قد جرت المفاوضات خارج البلاد , و تحديدا في فرنسا , بغرض تأمين قرض , و استمرت إلى مالا نهاية بسبب عدم الثقة في النظام القيصري .
و خلال صيف 1905 حدثت اضطرابات خطيرة في الجيش و البحرية . و تعد ثورة الأمير (بوتمكين) Potemkin و ملحمة سفينته الحربية , التي تعد واحدة من القطع الرئيسية للقوات البحرية في البحر الأسود , أوضح حلقة في سلسلة هذه الأحداث . آخر أسوار النظام المنهار – القوات المسلحة – بدأت في الإنهيار . .
هذه المرة , بدأت البلاد تتحول أكثر فأكثر . و بحزم . ضد النظام القيصري .
و في أغسطس 1905 , و تحت ضغوط مختلفة , قرر الإمبراطور في النهاية الإعتراف – بعد فوات الوان , و غني عن القول نفاقا – ببعض “الحريات” . و وعد بعقد جمعية وطنية ممثلة “دوما” Duma , مع تقييد شديد للحقوق و على أساس من إجراءات انتخابية ضيقة للغاية . و تم تكليف (بوليجين) Bulygin , وزير الداخلية بالإستعدادات اللازمة إجراء هذه الإنتخابات . لكن هذه الخطوة الخجول , المتأخرة واضحة النفاق , لم ترض أحدا . و استمرت الإضطرابات و التمردات , أما هذه الـ “دوما”, التي أطلق عليها اسم (دوما بوليجين) فلم تعقد قط . و اضطر (بوليجين) لتقديم أستقالته – بنهاية أغسطس – ليخلفه (ويت) Witte , الذي نجح في إقناع (نيقولا) الثاني بقبول المزيد من التنازلات ذات المعنى .
في هذه الثناء , شجع خمول الحكومة و عجزها القوى المعارضة و الثورة . و من بداية أكتوبر بدأ الناس يتحدثون عن إضراب عام يشمل كامل البلاد تمهيدا للثورة النهائية .
و قد وقع الإضراب , الذي شمل البلاد كلها , و كان ضربة هائلة و فريدة من نوعها في التاريخ الحديث , في منتصف أكتوبر . و إذ كان متوقعا منذ فترة , و معدا له على مهل , فقد كان أقل عفوية من إضراب يناير . و قد تولت الـ (سوفيات) و “اتحاد الإتحادات” و – بصورة أساسية – العديد من لجان الإضراب التنظيم . و تم تعليق العمل في المصانع و الساحات و الورش و المخازن و البنوك و المكاتب الإدارية و السكك الحديدية و جميع وسائل المواصلات الأخرى و مكاتب البريد و محطات التلغراف . توقف كل شيء تماما , كل شيء على الإطلاق . و بالجملة علّقت الحياة في البلاد .
و فقدت الحكومة توازنها و استسلمت . و في 17 أكتوبر 1905 أصدر القيصر بيانه المشهور بـ (مانفستو السابع عشر من أكتوبر) , و الذي أعلن فيه رسميا قراره بمنح “رعاياه الأعزاء المخلصين” جميع الحريات السياسية , و الدعوة – في أقرب وقت ممكن – إلى مجلس تمثيلي (دوما الدولة) . – و المصطلح (دوما) مستعار من قرون الدولة الروسية الأولى حين كان “مجلس الدولة” أو غرفة النبلاء الـ (بويار) تعرف باسم (دوما-بويارس-كايا) Dumaboyarskaya , و هو مؤسسة كانت تدعى لمساعدة القيصر في أداء مهامه . و في فترة لاحقة خلال القرنين 16 و 17 , كان يطلق على الجمعيات الممثلة للطبقات اسم (زيمسكايا دوما) Zemskaya Duma , و هي جمعيات مشابهة للـ Etats Generaux في النظام الملكي الفرنسي القديم . و أخيرا , في الفترة التي نحن بصددها , كانت هناك مجالس المدن (جورودسكايا دوما) Gorodskaya Duma , جورود تعني مدينة , و تبعا للمانفستو كانت هذه المجالس تختص بمساعدة الحكومة .
بالإختصار , كان المانفستو وعد غامض بنظام دستوري غامض . و قد أخذته بعض الدوائر على محمل الجد . و ظهر حزب “الأكتوبريين) على الفور تقريبا . و أعلن أنه سيقبل و يطبق و يدافع عن الإصلاحات المعلن عنها في المانفستو .
و في الواقع , كان لهذا العمل من حكومة القيصر هدفان , و لم يكن الدستور منهما :
1 – إحداث تأثير فعال في الخارج , و الإيحاء بأن الثورة قد انتهت و أن الحكومة قد استعادت السيطرة على الوضع . و التأثير على الرأي العام , و بالتحديد على رأي الأوساط المالية الفرنسية , و ذلك لإحياء المفاوضات على الإقراض .
2 – خداع الجماهير و تهدئتها و قطع الطريق على الثورة .
و قد تحقق هذان الهدفان بالفعل . فانتهى الإضراب و كسرت الهمة الثورية و كان التأثير الذي تركه المانفستو في الخارج مواتيا . إذ تم اعتبار حكومة القيصر , و رغم كل شيء , ماتزال قوية بما يكفي لقمع الثورة . و منحت القرض الذي طلبته بالفعل .

هنا يجب أن نوضح أن هذه الخدعة لم تنطل على الأحزاب الثورية . إذ اعتبروا المانفستو مناورة سياسية ساذجة و بدأوا على الفور في شرح الأمر لجماهير العمال . و لم يكن العمال أقل ريبة . و قد بدا أن العمال قد أنهوا الإضراب كما لو كانوا قد حصلوا على مبتغاهم , أو كما لو كانوا قد وثقوا في حصولهم عليه . لكن الحقيقة أن انتهاء الإضراب كان علامة على افتقاد الثورة لقوة الدفع و تعذر ذهابها أبعد من ذلك . فلم تكن هناك أي علامة رضا حقيقي . و لم يبادر الشعب لإستخدام “حقوقه الجديدة” , التي أدرك بشكل حدسي طابعها الإحتيالي . و هو ما تم تبينه بسرعة . إذ فرّقت الشرطة المظاهرات السلمية التي خرجت في العديد من المدن للإحتفال بـ “النصر” و بـ “النظام الجديد” الذي وعد به القيصر . ثم تلا ذلك مذابح اليهود . بينما خلّدت الجدران مانفستو القيصر .

http://anarchist-document.blogspot.com/

الثورة المجهولة / 9

الفصل الثاني
مولد الـ (سوفيات)
———————
نصل الآن إلى واحد من أهم جوانب الثورة الروسية . أصل الـ (سوفيات) و نشاطها الأول .
و هي واحدة أخرى من التناقضات , و أحد أقل جوانب الثورة فهما و أكثرها تشويها .
في كل ما كتب حتى اليوم عن أصل الـ (سوفيات) – و لا أتحدث فقط عن الدراسات الأجنبية بل و عن الوثائق الروسية كذلك , هناك فجوة لا يمكن للقاريء المدقق ألأ يلاحظها , أن لا أحد حتى الآن يمكنه تحديد متى ة لا أين و لا كيف نشأت أول الـ (سوفيات) العمالية .
حتى اليوم يجمع الكل , كتاب و مؤرخين , بورجوازيين و إشتراكيين – مناشفة و بلاشفة و غيرهم – على تأريخ أول الـ (سوفيات) العمالية بنهاية 1905 . في حدود وقت إضراب أكتوبر الكبير , و بيان القيصرية المؤرخ في 17 أكتوبر و الأحداث التي تلت ذلك . و من خلال الصفحات التالية سوف يفهم القاريء سبب الفجوة المذكورة .
بعض الكتاب – و بالتحديد (ب ميليوكوف) P. Miliukov في مذكراته الغامضة – يلمح إلى سلف ما سيكون فيما بعد (سوفيات) منذ أوائل 1905 . لكنهم يفشلون في إعطاء تفاصيل دقيقة . و عندما يحاولون إعطاء التفاصيل تجدهم مخطئين . فمثلا  , يعتقد (ميليوكوف) أنه قد وجد أصل الـ (سوفيات ) في لجنة (تشيدلوفسكي) Chidlovsky Commission , و هذه كانت مؤسسة نصف حكومية – نصف ليبرالية حاولت – بلا جدوى – حل بعض المشاكل الإجتماعية عشية يناير 1905 بالتعاون مع الوفود الرسمية التي تمثل العمال . و وفقا لـ (ميليوكوف) فإن أحد موفضي هذه اللجنة من المثقفين و يدعى (نوصار) Nossar , قد شكل مع موفضين آخرين الـ (سوفيات) على هامش أعمال اللجنة . أول الـ (سوفيات)العمالية . و أن (نوصار) قد صار الروح المحركة و كذلك رئيس هذا الـ (سوفيات) . و هذه قصة مبهمة و الأهم أنها غير دقيقة . فعندما ظهر (نوصار) في لجنة (تشيدلوفسكي) كما سنعرض كان عضوا – و رئيسا كذلك – لأول الـ (سوفيات) العمالية و التي تشكلت قبل وجود هذه اللجنة التي لا تربطها بها أية علاقة . و هو نفس الخطأ الذي وقع فيه كتّاب آخرون .
و يقدم الإشتراكيون الديموقراطيون أنفسهم أحيانا على أنهم المحرضون الحقيقيون على تشكيل الـ (سوفيات) الأول .
و تبذل البلاشفة غاية وسعها لسرقة هذا الشرف منهم .
لكنهم كلهم مخطئون , جاهلون بالحقيقة . و الحقيقة غاية في البساطة . بأنه لا طرف واحد و لا حزب واحد و لا منظمة واحدة دائمة و لا حتى قائد واحد كان مسئولا عن ولادة فكرة الـ (سوفيات) الأول . لقد نشأ الـ (سوفيات) عفويا , نتيجة لإتفاق جماعي , في سياق حشد صغير عارض , و خاص تماما . (3).
و المواد الت سيجدها القاريء هنا لم تنشر من قبل و هي تشكل واحدة من الفصول المفقودة للثورة المجهولة . و قد حان الوقت لإستعادة الحقيقة التاريخية . و ما يجعل الأمر أكثر إلحاحا هو واقع أن هذه الحقيقة موحية للغاية . .
و أننا استميح القاريء عذرا لأنني سأضطر للحديث عن نفسي . لأنني قد شاركت في إنشاء أول (سوفيات) ) لمفوضي العمال على الرغم مني , في (سانت بطرسبورج) , في يناير – فبراير من العام 1905 و ليس في نهايته . و قد أكون اليوم الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يروي و يؤرخ هذه الحادثة التاريخية , ما لم يكن أحد العمال الذين شاركوا في العمل ما يزال على قيد الحياة و قادرا على رواية القصة .
لقد أردت أن أروي هذه الحقائق في مناسبات عديدة من قبل . إذ كلما طالعت الصحف – الروسية و الأجنبية على حد سواء – كنت دائما أجد هذه الفجوة . لا أحد من الكتّاب كان قادرا على الإخبار بأين و لا متى و لا كيف نشات أولى الـ (سوفيات) العمالية في روسيا . و غاية علمهم أن الـ (سوفيات) قد نشأت في (سانت بطرسبورج) في العام 1905 , و أن رئيسها الأول كان كاتب عدل من (سانت بطرسبورج) يدعى (نوصار) , و يعرف أكثر باسمه الآخر (خروستاليف) Khrustalev . لكن أين و كيف نشأت فكرة هذه الـ (سوفيات) ؟ و لماذا تم إطلاقها ؟ و ما هي الظروف التي تم تبني هذه الفكرة فيها و وضعها موضع التنفيذ . و كيف و لماذا صار(نوصار) رئيسا لها ؟ و من أين جاء و ما هي انتماءاته الحزبية ؟ و من كان الناس في أول (سوفيات) ؟ و ماذا كانت وظيفته ؟ كل هذه الأسئلة ذات الأهمية التاريخية بقيت بلا إجابة . .
هنا ينبغي أن نؤكد أن هذه الفجوة مفهومة . فإنشاء أول (سوفيات) كان حدثا خاصا منعزلا . و قد حدث في جو حميمي للغاية , بعيدا عن متناول كل دعاية و خارج أي حملة أو عمل بعيد المدى .
و يستطيع القاريء التحقق مما أقول بشكل غير مباشر . ففي الكتابات التي تعالج هذا الجانب من الثورة الروسية  , سيجد القاريء اسم (نوصار – خروستاليف) يذكر عرضا . لكنه سيجد أيضا شيئا محيرا . إذ لم يذكر أحدد على افطلاق كيف و لا متى ظهر هذا الرجل على الساحة و لا لماذا و لا ماذا كانت ظروف التي صار فيها رئيسا لأول (سوفيات) . و الكتاب الإشتراكيون ينزعجون بصورة جلية من الحديث عن (نوصار) . و يبدو أنهم لا يريدون الإشارة إليه أو ذكر اسمه . لكنهم من ناحية أخرى غير قادرين على الصمت إزاء الحقيقة التاريخية – التي يفضلونها – فيتمتمون بعبارات مبهمة غير دقيقة و لا مفهومة عن (نوصار) و دوره ثم ينتقلون مسرعين إلى أنشطة الـ (سوفيات) في نهاية 1905 عندما أصبح (ليون تروتسكي) Leon Trotsky رئيسا لـ (سوفيات) (سانت بطرسبورج) .
هذا التحفظ , و هذا الانزعاج , و هذا التعجل يمكن فهمه . فباديء ذي بدء فلا المؤرخون و لا الإشتراكيون – بما فيهم (تروتسكي) و لا الأحزاب السياسية عامة يعلمون أي شيء حول الأصل الحقيقي للـ (سوفيات) و من المزعج لهم حقا الاعتراف بهذا . ثانيا : حتى لو عرف الإشتراكيون الحقائق و أرادوا أخذها في الإعتبار , سيكون عليهم الإعتراف بأنه لا يد لهم في هذا الأمر كله و أنهم فقط استفادوا منه بعد ذلك بكثير . و هذا هو السبب – سواء أعرفوا الحقيقة أم جهلوها – في محاولتهم إخفاءها بكافة الطرق , و رسم صورة إيجابية لأنفسهم .
أما ما منعني من رواية هذه الوقائع حتى الآن (4) هو الشعور بالإنزعاج الناجم عن الحاجة إلى الحديث عن الذات . و من ناحية أخرى لم تتح لي الفرصة للكتابة عن الـ (سوفيات) للصحافة العامة , و التي علاوة على ذلك , لا أكتب لها . و بمرور الوقت لم أكن قد قررت إنهاء صمتي عن أصل الـ (سوفيات) لأحارب الأخطاء و الأساطير , لكشف الحقيقة .
لكن , ذات مرة منذ عدة سنوات . أزعجتني التلميحات الجوفاء و الكاذيب في بعض المقالات و المجلات . فزرت (م ميلجونوف) M. Melgunov , و هو ناشر لمجلة تاريخية روسية تصدر في باريس , و عرضت عليه , بغرض التوثيق البحت , عرضا مفصلا لميلاد أول الـ (السوفيات) العمالية . غير أن عرضي لم يؤد إلى شيء . فأولا : رفض الناشر قبول بداهة موقفي بألا يتم تعديل النص . و ثانيا : لأنني علمت بأن مجلته أبعد ما تكون عن الحيادية في التعامل مع التاريخ .
غير أني أود أن أذكر استثناءا واحدا , فقد ذكرت هذه الحقائق في دراسة موجزة عن الثورة الروسية , نشرها (سباستيان فاوريه) Sebastien Faure   في موسوعته Encyclopedic Anarchiste , تحت عنوان الثورة . و قد نشر (فاوريه) فيما بعد كتابا بعنوان La veritable Revolution sociale ضمنه بعض الدراسات المنشورة في الموسوعة بما فيها مقالي . و لكن لأن الجمهور في الغالب لا يقرأ الأدب التحرري بقيت هذه الحقائق مطمورة حتى الآن .
و لأنني مضطر للحديث عن الـ (سوفيات) فسأروي الحقائق كما تكشّفت لي , و ليجد المؤرخون و الصحافة و أي مهتمون آخرون الحقيقة ها هنا .
في العام 1904 كنت منخرطا في أعمال تثقيفية و تعليمية بين عمال (سانت بطرسبورج) و قد قمت بتنفيذ مشروعي بصورة منفردة متبعا منهجي الخاص . و لم أكن انتمي لأي حزب سياسي , برغم من إدراكي لثوريتي . كنت لا أزال في الثانية و العشرين من العمر و قد غادرت الجامعة للتو .
بحلول نهاية 1904 كنت معلما لنحو مائة من العمال .
و من بين طلبتي , كانت هناك إمرأة شابة , و كانت تنتمي و زوجها إلى “قطاعات” (جابون) . . حتى ذلك الوقت لم أكن قد سمعت شيئا ذا بال عن (جابون) و لا عن قطاعاته . و ذات ليلة أخذني طلبتي إلى أحد “القطاعات” في الجوار آملين في إثارة إهتمامي بهذا العمل و مؤسسه . في هذه الليلة كان (جابون) بنفسه حاضرا الإجتماع . و في ذلك الوقت لم يكن دور (جابون) الحقيقي قد تحدد بعد . و لم يكن لدى العمال التقدميين ثقة كاملة في مشروعه – لأنه كان حكوميا و انبثق من الحكومة – لكن كان لهم اغراضهم الخاصة في ذلك المشروع . و يبدو أن سلوك الكاهن الغامض كان يدعم هذه الأغراض . و قد آمنوا أن (جابون) , و تحت غطاء واقي من الشرعية , كان يحضّر في الواقع لحركة ثورية واسعة . و لعل هذا السبب هو ما جعل كثير من العمال يرفضون في وقت لاحق التصديق بأن (جابون) كان عميلا للشرطة . و بمجرد أن انكشف هذا الدور , أقدم بعض العمال , الذين كانوا أضدقاءا مقربين لـ (جابون) على الإنتحار .
في نهاية ديسمبر قابلت (جابون( .
و قد فتنتني شخصيته . فمن ناحيته بدا , أو اراد أن يبدو مهتما بعملي التعليمي .
و اتفقنا على أن نتقابل ثانية لنحظى بحديث مطوّل و لهذا الغرض أعطاني (جابون) بطاقة زيارة و عنوانه  .
بعد ذلك بأيام قليلة , بدأ إضراب مصنع (بوتيلوف) Putilov الشهير . و بعد ذلك بقليل , و بالتحديد في مساء السادس من يناير 1905 جاءني طلبتي و قد ملأتهم الحماسة ليخبروني أن الأحداث قد اتخذت منحنيا بالغ الخطورة . إذ حرّض (جابون) على حركة واسعة بين جماهير العمال في العاصمة , و أنه يزور جميع القطاعات خاطبا في الحشود , داعيا للتجمع يوم الأحد التاسع من يناير قبالة القصر الشتوي لتقديم “العريضة” للقيصر . “العريضة” التي كان قد كتبها , و التي سيقرأها و يعلق عليها في “القطاع” القريب في الليلة التالية . . السابع من يناير . و قد بدت لي هذه الأنباء مستبعدة للغاية . على أنني قد قررت الحضور في “القطاع” في الليلة التالية لأقيّم الوضع بنفسي .
في اليوم التالي ذهبت إلى “القطاع” . و كان هناك تجمعا كبيرا حاشدا قد ملأ الغرف و الشارع على الرغم من البرد الشديد . كان الناس جديون و قد التزموا الصمت . و بالإضافة إلى العمال , كان هناك أشخاص من مختلف المشارب , مثقفون و طلبة و جنود و عملاء شرطة و عدد قليل من تجار الحي , و كان هناك الكثير من النساء . و لم تكن هناك حراسة أو خدمة أمن من أي نوع .
ذهبت إلى القاعة , و كان الناس في انتظار قدوم الأب (جابون) في أية لحظة . و لم يمض طويل زمن حتى حضر . و شق طريقه سريعا نحو المنصة عبر كتلة متزاحمة من البشر , كلهم وقوف و يضغطون بقوة ضد بعضهم البعض . و ربما كان في القاعة أكثر من ألف شخص .
كان الصمت مؤثرا . و فجأة و بدون أن يخلع معطفه المصنوع من الفرو الذي أكتفى بحل أزراره و حسب ليجعل his cassock و صليبه الفضي مرئيا , خلع قلنسوته بلفته مصممة فظة تاركا شعره الطويل ينسدل , قرأ (جابون) “العريضة” للحشد الضخم الذي انصت , من الكلمات الأولى , باهتمام و رهبة .
و على الرغم من أن صوته كان أجشا إلى أبعد حد – و قد استهلكه استخدامه بلا توقف لعدة أيام – كان خطابه بطيئا وقورا و في ذات الوقت دافئا , باعثا على الثقة  , يسري إلى قلوب جميع الناس الذين استجابوا باهتياج لمرافعته و دعاواه . .
كان التأثير الذي تركه لا ينسى . أن يشعر الإنسان بأن شيئا هائلا و مصيريا سيحدث . أتذكر كيف ارتعدت بمشاعر غير عادية طوال الخطبة بأكملها .
و بمجرد أن انتهي , نزل عن المنصة و غادر مسرعا محاطا بثلة من أتباعه المخلصين , داعيا الحشد الذي ما يزال في الخارج إلى الإستماع إلى “العريضة” التي سيقرأها مرة أخرى أحد معاونيه .
و إذ فرّقتي عنه الحشود الكثيفة من البشر , و إذ بدا على عجلة من أمره و قد استهلكه ما بذله من الجهد فوق العادي , و إذ أحاط به أصدقاءه , لم أحاول أن أصل إليه . علاوة على ذلك , كان هذا بلا طائل . لكنني فهمت أن ما أخبرني به طلبتي كان صحيحا . حركة جماهيرية هائلة , حركة بأهمية استثنائية , و قد تم إطلاقها .
و عندما ذهبت إلى القطاع في اليوم التالي , الثامن من يناير , كنت أريد أن أرى ما الذي يحدث . كنت أريد في الأساس الإلتحام بالجماهير و أن أشارك في الحدث . و قد كان العديد من طلبتي بصحبتي .
أما ما وجدته في “القطاع” فقد أوحى إليّ بما يتوجب عليّ فعله .
فباديء ذي بدء رأيت الحشود تتجمع في الشارع . و قد أخبرونا بان أحد أعضاء “القطاع” في الداخل يقرأ “العريضة” . فانتظرت .
بعد بضعة دقائق انفتح الباب بخفة و غادر نحو ألف شخص القاعة . و دخلها ألف غيرهم . و كنت مع هؤلاء الأخيرين .
و حالما انغلق الباب بدأ أحد “الجابونيست – و كان جالسا على المنصة – في قراءة “العريضة” .
لكنه ياللأسف !! كان بغيضا , بصوته الضعيف الرتيب بلا روح , بلا تفسير أو استخلاص , يتمتم الرجل بالنص أمام الحشد الحريص اليقظ . و قد انتهى من محاضرته المملة في عشر دقائق ثم يتم تفريغ القاعة لتستقبل ألف شخص آخرين  .
و بعد تشاور وجيز مع أصدقائي , أجمعنا أمرنا و هرعنا إلى المنصة . حتى ذلك اليوم لم أكن قد تحدثت أمام جماهير مطلقا . لكنني لم أتردد . كان من الضروري للغاية تغيير طريقة إعلام و تثقيف الناس .
ذهبت إلى العمال الذي كان على وشك تأدية واجبه مرة أخرى . فأخبرته : “لابد و أنك متعب . دعني أحل محلك . . . ” فنظر إلى في دهشة و ارتباك . إذ كانت المرة الأولى التي يراني فيها . فأكملت :” لا تخف . . أنا صديق (جابون) . . و هذا هو الدليل .” و أريته بطاقة (جابون) و أيد أصدقائي عرضي . .
و أخيرا استسلم الرجل فنهض و أعطاني “العريضة” و غادر المنصة . و هكذا بدات في القراءة على الفور مع الإستمرار في تفسير الوثيقة , و التأكيد على المقاطع الأساسية , الاحتجاجات و المطالب , و أنا على يقين بأن القيصر سيرفض .
قرأت العريضة عدة مرات , حتى وقت متأخر من الليل . و نمت ليلتها في “القطاع” مع بعض العمال على مناضد وضعت جنبا إلى جنب . و في الصباح التالي – يوم التاسع من يناير الشهير – كان علي أن أقرأ “العريضة” مرة أو مرتين . ثم خرجنا إلى الشارع . و كان هناك حشد ضخم ينتظرنا هناك مستعد للتحرك مع أول إشارة . و في تمام التاسعة صباحا اصطففت و أصدقائي , ذراع في ذراع , في ثلاثة صفوف و دعونا الجماهير أن تتبعنا و انطلقنا نحو القصر .
لكننا لم نصل إلى الميدان أو القصر .فقد كان علينا أن نعبر بوابة (نيفا) Neva عبر حائط من الجنود على مشارف ما يسمى جسر (ترو-يسكي) Troisky و بعد قليل من التحذيرات غير الفعالة بدأ الجنود في إطلاق النار . و كانت الزخات الثانية قاتلة . فتوقف الحشد و تفرق تاركا نحو ثلاثين قتيلا و ضعف هذا العدد as many من الجرحى . و يجب هنا أن أذكر أن الكثير من الجنود قد أطلقوا النار في الهواء , فتحطم عدد من نوافذ الطوابق العلوية في المنازل المواجهة للقوات بفعل الرصاصات .
مرت بضعة أيام و الإضراب الشامل باق على حاله في (سانت بطرسبورج)
و يجب أن نؤكد أن هذا الإضراب الهائل قد نفّذ بشكل عفوي . لم يطلقه أي حزب سياسي و لا أي جهاز إتحادي – إذ لم يكن في ذلك الوقت أي اتحادات في روسيا – و لم تكن هناك لجنة للإضراب . فجماهير العمال غادرت المصانع و الورش بمبادرة ذاتية و دافع حر . و لم تستطع الأحزاب السياسية ركوب الموجة للإستيلاء على الحركة , على عادتها , إذ تم تجاوز هذه الأحزاب تماما .
و مع ذلك واجه العمال سريعا السؤال التالي : ماذا نفعل الآن ؟
دق العوز أبواب المضربين , و كان يجب التصدي له بدون تاخير . و من ناحية أخرى تساءل العمال كيف يجب و كيف يمكن الإستمرار في النضال . و كانت الـ “قطاعات” و قد حرمت من قياداتها مشلولة عاجزة تماما . و لم تعط الأحزاب السياسية أية علامة على وجودها على قيد الحياة . و كانت هناك حاجة ملحة لوجود جهاز لتنسيق و قيادة الأحداث .
لست أدري كيف تم حل هذه المشكلة في الجزاءلأجزاء الأخرى من العاصمة , ربما استطاعت بعض “القطاعات” تقديم مساعدات مادية للمضربين في مناطقها , أما بالنسبة للحي الذي كنت أقطنه فقد اتخذت الأحداث منحى آخر و كما سيرى القاريء ستؤدي هذه الأحداث فيما بعد إلى عمل عام .
كان اجتماع من نحو أربعين من عمال الجوار يعقد في منزلي كل يوم . و قد تركتنا الشرطة لحالنا في ذلك الوقت . و قد حافظت الشرطة بعد الأحداث الأخيرة على حياد غامض . و قد استفدنا من هذا الحياد . و بحثنا عن سبل للتحرك . و كنا على وشك اتخاذ بعض القرارات . و قد قررنا , طلبتي و أنا , إنهاء مجموعتنا الدراسية و الإنضمام للأحزاب السياسية بشكل منفرد لنتحوّل إلى ناشطين . و قد اعتبر كل واحد منا الأحداث الجارية بداية الثورة .
 و ذات مساء , بعد حوالي ثمانية أيام من التاسع من يناير , دق أحدهم على باب غرفتي . و كنت وحدي . و كان شابا طويلا و قد تحدّث إليّ بطريقة متعاطفة منفتحة : ” أنت كذا و كذا ؟ ” و عندما أومأت ايجابا أكمل : ” لقد بحثت عنك طويلا . و قد عثرت على عنوانك أخيرا بالأمس . أنا (جورج نوصار) George Nossar ,  كاتب عدل . و سأشرح السبب من زيارتي . لقدد استمعت إليك في الثامن من يناير تقرا “العريضة” . و أرى أنه لديك الكثير من الأصدقاء , و الكثير من العلاقات مع الدوائر العمالية . و يبدو أنك لا تنتمي إلى أي حزب سياسي.”
“هذا صحيح.”
“حسنا , و أنا أيضا لا أنتمي إلى أي حزب , لكنني ثوري صورة شخصية و أتعاطف مع الحركة العمالية , لكن ليس لدي أية معارف بين العمال . و من جهة أخرى لدى اتصالات واسعة مع الأوساط البورجوازية نت الليبراليين الذين يعارضون النظام . لذلك فإن لدي فكرة معينة . أعلم أن الآلف من العمال يعانون بشكل رهيب , مع زوجاتهم و أطفالهم بسبب الإضراب و أنا أعرف بعض رجال الأعمال الأغنياء الذين يرغبون في مساعدة هؤلاء البائسين . و بإختصار , بإمكاني جمع مبالغ كبيرة نسبيا لصالح المضربين , لكن المشكلة هي كيفية توزيع هذه الأموال بشكل منظم و عادي و مفيد . و قد فكّرت فيك أنت , إذا كان بإمكانك أنت و بعض العمال الذين تعرفهم تحمّل مسئولية استلام المبالغ التي استطيع احضارها و توزيعها على المضربين و على أسر ضحايا التاسع من يناير ؟ “
قبلت على الفور . و كان من بين أدقائي عامل بإمكانه استخدام عربة رئيسه , و بالتالي يمكنه استخدامها لزيارة العمال لتوزيع الإغاثة .
و في الليلة التالية اجتمعت مع أصدقائي .  و كان (نوصار) حاضرا . و قد أحضر معه بالفعل بضعة آلاف من الروبلات . و بدأنا عملنا على الفور .
بعد حين , أنشغلت أيامنا بالكامل بهذه المهمة . في المساء كنت استلم الأموال اللازمة من (نوصار) , و أعدّ جدول أعمالي و زياراتي . و في الصباح التالي , والأموال على المضربين .  بمساعدة أصدقائي , كنا نوزع . و هكذا تعرّف (نوصار) على العمال الذين جاءوا لزيارتي .
لكن الإضراب كان ينكسر . في كل يوم كان هناك المزيد من العمال يعودون إلى العمل . و في وقت ما كانت الأموال تنفد .
و هنا برز إلى السطح نفس السؤال من جديد : ماذا نفعل ؟ كيف نستمر بالعمل . و ما الشكل الذي يمكن أن تتخذه الأحداث الآن ؟
كان إحتمال الإنفصال على خير دون محاولة مواصلة النشاط المشترك تبدو مؤلمة و بلا معنى . و لم يعد قرار الإنضمام إلى الأحزاب كلُ على حدة مرضيا لنا . كنا نريد شيئا آخر .
و كان (نوصار) يشارك بإنتظام في مناقشاتنا .
و ذات مساء , و كان هناك العديد من العمال في منزلي كاعادة , و كان (نوصار) هناك أيضا , طوّرنا فكلاة تشكيل منظمة دائمة للعمال : شيء من قبيل لجنة أو مجلس , يكون من شأنها تتبع تسلسل الأحداث , و تكون بمثابة حلقة الوصل بين كل العمال , تبلغهم عن الوضع و مستجداته , و يمكن أن تكون , إذا لزم الأمر , نقطة تجمع العمال الثوريين .
لست أتذكر على وجه التحديد ميف جاءت هذه الفكرة إلينا , لكني اعتقد أنها كانت فكرة العمال و إقتراحهم .
و الكلمة (سوفيات) , و التي تعني بالروسية “مجلس” , قد أطلقت لأول مرة على هذا المعنى المحدد .
و بالإختصار , مثّل المجلس الأول شيء ما كجمعية إجتماعية دائمة للعمال . و اعتمدت الفكرة , ز من هنا و هناك تقررت كيفية تنظيم الـ (سوفيات) و كيف يؤدي وظيفته .
و نما المشروع بسرعة .
و اتخذ القرار بإخبار العمال في كل المصانع الكبرى عن هذا التنظيم الجديد , و للمضي قدما , و لا يزال الأمر غير رسمي , في اتخاب أعضاء مكاتب التنظيم و الذي أطلق عليه لأول مرة “مجلس (سوفيات) مندوبي العمال” .
و هنا برز سؤال آخر : من سيوجه العمل في الـ (سوفيات) ؟ من سيرأسه و يرشده ؟
و قد عرض عليّ العمال هذا المنصب دون تردد .
و مأخوذا بثقة العمال التي عبروا عنها بعرضهم , لم التفت إلى هذا العرض قط . و أخبرت أصدقائي : ” أنتم عمال , و تريدون إنشاء منظمة تتعامل مع مصالحكم كعمال . فتعلموا إذن من البداية أن تتعاملوا مع مشاكلكم بأنفسكم , و لا تضعوا مصيركم في يد شخص ليس منكم , و لا تقيموا سادة جدد على أنفسكم , و إلا سينتهي الأمر بالسيطرة عليكم و خيانتكم . و أنا على اقتناع بأنه في كا ما له علاقة بنضالاتكم و تحرريركم , فإنه لا أحد غيركم سيكون قادرا على الوصول إلى نتائج حقيقية . كما أن أحدا لن يفعل شيئا لكم , بدلا عنكم . يجب أن تجدوا رئيسكم و أمينكم و أعضاء إدارة لجانكم من بينكم . و إذا احتجتم لأية معلومات أو توضيحات بشأن بعض المسائل المحددة , و بإختصار , إذا كنتم بحاجة لأية نصيحة فكرية أو أخلاقية من المفترض أنها تحتاج لقدر ما من التعليم فبإمكانكم الرجوع إلى المثقفين و المتعلمين الذين من المؤكد سيكونون سعداء , لا لقيادتكم كسادة لكم و لكن لإعطائكم ما تحتاجون من مساعدة بدون التدخل في منظمتكم . و هم ملزومون بمساعدتكم لأنه ليس بخطأكم أن حرمتم من التعليم الأساسي . و هؤلاء الأصدقاء المثقفين بإمكانهم حتى حضور إجتماعاتكم , و لكن كمستشارين فقط .
و قد أضفت اعتراض آخر : ” كيف يمكن أن أكون عضوا في تنظيمكم , و أنا لست عامل أصلا ؟ بأي طريقة يمكنني هذا ؟
و كانت الإجابة : ” هذا أسهل شيء . سنحصل على بطاقة عامل من أجلك .” و أشارك في التنظيم باسم آخر ! ! و قد اعترضت بقوة على هذا الإجراء , و اعتبرته ليس فقط مما لا يليق بي و لا بالعمال , و لكن أيضا إجراء خطر وخيم العواقب , : ” في الحركة العمالية يجب أن يتم كل شيء بصراحة , و صدق , و إخلاص .”
لكن برغم من اقتراحاتي , لم يشعر أصدقائي في أنفسهم القوة الكافية للقيام بالأمر بدون “دليل” . و هكذا قدّموا (تروتسكي) Trotsky , مفوض البلشفية في المستقبل . فدخل الـ (سوفيات) و عيّن في منصب الأمين . . و فيما بعد , عندما تم اعتقال (نوصار – خروستاليف) Khrustalev-Nossar , صار (تروتسكي) رئيسا للـ (سوفيات) .
و قد تابع العمال في العديد من المدن المثال الذي ضربه عمال العاصمة في يناير 1905 . فتشكلت الـ (سوفيات) العمالية هنا و هناك . برغم طبيعتها المؤقتة في ذلك الوقت . إذ كانت سرعان ما تتعرض لقمع السلطات المحلية .
لكن من جهة أخرى , استمر (سوفيات) (سانت بطرسبورج) في عمله طويلا . لأن الحكومة المركزية , بعد أحداث التاسع من يناير و بعد الهزائم الكبرى التي منيت بها في حربها ضد اليابان , لم تجرؤ على المساس به . و أكتفت باعتقال (نوصار) .
علاوة على ذلك فإن إضراب يناير قد انكسر بسبب افتقاده القوة الدافعة . و إذ غابت أي حركات أكثر اتساعا , فقد انحط نشاط الـ (سوفيات) الأول إلى مهام تافهة .
و قد قمع (سوفيات) (سانت بطرسبورج) أخيرا , بحلول نهاية 1905 . و وقفت الحكومة القيصرية على أقدامها مرة أخرى , و قامت بتصفية آخر بقايا الحركة الثورية , و اعتقلت (تروتسكي) و المئات من الثوريين , و دمّرت كل التنظيمات السياسية اليسارية .
لكن (سوفيات) (سانت بطرسبورج) , التي صارت (بتروجراد) , عاود الظهور مرة أخرى في وقت حاسم من ثورة فبراير – مارس 1917 , عندما تشكّلت الـ (سوفيات) في كل المدن و المناطق الرئيسية من البلاد . .

الثورة المجهولة / 8

القسم الثاني – الإنتفاضة الكبرى
( 1905 – 1906 )
———————
الفصل الأول
ملحمة الـ (غابونيست)
الإضراب العام الأول
———————
أما (زوباتوف) Zubatov من موسكو , فقد انكشف أمره سريعا . فلم يتمكن من إنجاز الكثير . لكن الأمور في (سانت بطرسبورج) سارت بأفضل ما يتمناه النظام . . كان الأب (غابون) Gapon ماكرا شديد المكر , و عمل في الظل , و عرف يكسب ثقة و ود المجموعات العمالية . و كان موهوبا بحق في التحريض و التنظيم و قد نجح بفضل موهبته هذه في إنشاء ما يسمى بـ “القطاعات العمالية” و التي قادها بنفسه . و في نهاية 1904 كان هناك أحد عشر قطاعا من هذه “القطاعات” , تقع في مناطق عدة من العاصمة و تضم في عضويتها عدة آلاف من العمال .
و كان العمال ينضمون طوعا لهذه “القطاعات” و كانوا يجتمعون مساءا لمناقشة مشاكلهم و الإستماع إلى المحاضرات و إلقاء نظرة على الصحف. و إن لم يتمكن النشطاء السياسيين من الأحزاب السياسية من النفاذ إلى هذه الإجتماعات بسهولة , إذ كان العمال الجابونيست يحرسون مداخل هذه الإجتماعات بحرص بالغ . و حتى من كان يستطيع التسلل داخل كان سرعان ما يكتشف أمره و يطرد على الفور .
و قد أخذ عمال (سانت بطرسبورج) “قطاعاتهم” على محمل الجد , و إذ وضعوا في (غابون) كامل ثقتهم , فقد أفضوا إليه بمشاكلهم و تطلعاتهم . و كان على إطلاع بمناقشاتهم كيفية تحسين أوضاعهم و أساليب الكفاح المختلفة ضد أرباب العمل . و لأنه كان نفسه ابنا لأحد الفلاحين الفقراء و قد أمضى حياته بين العمال , كان (غابون) يفهم جيدا سيكولوجية العمال الذين وثقوا فيه . و كان بارعا جدا في التظاهر بالموافقة و التعاطف مع الحركة العمالية . و هو ما كان مهمته الرسمية , على الأقل في البداية .
و كان الإقتراح الذي أرادت الحكومة أن تفرضه على العمال في “قطاعاتهم” ما يلي : ” يا عمال !! يمكنكم تحسين أوضاعكم من خلال تكريس أنفسكم لهذه المهمة ضمن الحدود القانونية و في إطار قطاعاتكم . تحقيق النجاح لا يحتاج للانخراط في السياسة . اهتموا بمصالحكم الشخصية الملموسة الحاضرة لتعيشوا حياة سعيدة . أما الأحزاب و الصراعات السياسية و كل البرامج التي يعدكم بها “الرعاة الأشرار” الإشتراكيين منهم و الثوريين , فلن تقودكم إلى شيء يستحق . اهتموا بمصالحكم الإقتصادية الحاضرة , هذا هو المسموح , و هذه هي الطريقة الوحيدة لتحسين وضعك . كما أن الحكومة تهتم لأمرك و تريد مساعدتك . ” . . كانت هذه أطروحة (غابون) و أعوانه الذين جندهم من بين العمال أنفسهم . و التي جرى التبشير بها في “القطاعات”.
أما العمال فلم يكونوا ليضيعوا وقتا قبل أن يردوا على هذه الدعوة . فتحضروا للعمل . و وضعوا و صاغوا مطالبهم بالإتفاق مع (غابون) الذي كان وضعه دقيقا للغاية . . إذ كان عليه أن يشارك بفعالية . و لو فشل في القيام بذلك فسيثير على الفور سخط العمال و ستنمو شكوكا أخطر حوله و سيتهمونه وقتها حتما بخيانتهم و دعم أرباب العمل . و سيفقد شعبيته حتما . الأمر الذي إذا حدث فسيعرض عمله كله للخطر . من أجل ذلك كان عليه أن يلعب لعبة مزدوجة . و كان عليه أن يحتفظ بعلاقات ودية مع العمال بأي ثمن . على أمل الإحتفاظ بتحكمه في الحركة و تلاعبه بالجماهير لتحديد و توجيه عملها . من أجل ذلك تصرف كما لو كان مؤيدا لقضية العمال تأييدا تاما .
لكن ما حدث كان عكس ما خُطٍّط له . إذ سرعان ما تجاوزت الحركة خطوطها الحمراء و اكتسبت بسرعة غير متوقعة مدى و قوة و زخما و خالفت كل الحسابات و قلبت كل التوقعات و سرعان ما أصبحت طوفانا حقيقيا جرف (غابون) في طريقه .
و في ديسمبر 1904 , قرر عمال مصنع (بوتيلوف) Putilov أحد أكبر المصانع في (سانت بطرسبورج) و كان الكثير منهم من أصدقاء (غابون) و أتباعه , البدء في العمل . و بالإتفاق مع (غابون) أعدوا قائمة من المطالب الإقتصادية المعتدلة جدا و قدموها للإدارة . و لم تحل نهاية الشهر حتى كان قد بلغهم أن الإدارة “لا تعتقد أنه من الممكن النظر في هذه المطالب” و أن الحكومة كانت عاجزة تماما عن فعل أي شيء حيال مطالبهم . ثم أقدمت إدارة المصنع على طرد بعض العمال الذين كانوا يعتبرون قادة هذه الحركة فطالب العمل بعودة زملائهم المطرودين إلى العمل . و قوبل طلبهم أيضا بالرفض .
كان غضب العمال هائلا . . فأولا لم تؤد جهودهم الشاقة إلى شيء . و ثانيا و هو الأهم أنهم كانوا على يقين بأن جهودهم ستكلل بالنجاح . و كان (غابون) نفسه قد شجعهم و ملأهم بالأمل . لكن ها هي الخطوة الأولى على الطريق القانوني لم تجلب لهم سوى الفشل المرير . كانوا يشعرون بأنهم قد خدعوا و أنهم ملتزمون أخلاقيا بالتدخل لصالح زملائهم المطرودين .
بطبيعة الحال تحولت أعين العمال إلى (غابون) . و لإنقاذ مكانته و دوره كان (غابون) أكثر سخطا من أي شخص آخر . و حث العمال على التوجه إلى المصنع و الرد بقوة . و لم يتردد العمال . شاعرين بأنهم في مأمن إذ كانت مطالبهم المعتدلة إقتصادية بحتة , و بأنهم تحت حماية (غابون) و “القطاعات” . و قرروا بعد عدة إجتماعات صاخبة أن يدعموا قضيتهم بالإضراب . و لم تتدخل الحكومة , ثقةً منها في (غابون) . . و هكذا اندلع اضراب مصانع (بوليتوف) , أول إضراب كبير في روسيا , في ديسمبر 1904 .
و لم تتوقف الحركة عند هذا الحد إذ تحرك العمال في كل “القطاعات” للدفاع عن حركة العمال في (بوليتوف) . و قد وقر في نفوسهم أن فشل عمال (بوليتوف) هو فشلهم جميعا . و كان من الطبيعي أن يتبنى (غابون) وجهة نظر العمال . و كان يزورالقطاعات في المساء . و يلقى الخطب في كل مكان لصالح المضربين في (بوليتوف) داعيا بقية العمال لدعم المضربين بإجراءات حاسمة .
مرت بضعة أيام . و قد أثار التحريض عمال العاصمة بصورة غير عادية . فجأة صارت المصانع خاوية على عروشها تلقائيا . بدون إعداد أو تخطيط . بدون إشارة أو علامة . بدون قيادة . . و هكذا تحول إضراب (بوليتوف) إلى إضراب عام بين كل عمال (سانت بطرسبورج) تقريبا .
كانت عاصفة . و هرع المضربون بشكل جماعي إلى “القطاعات” , متجاهلين جميع الإجراءات و القواعد , داعين إلى اتخاذ إجراءات فورية مؤثرة .
و بإختصار . كان الشعور الهام أن الإضراب وحده غير كاف . و أنه لابد من فعل شيء ما . شيء مؤثر و حاسم .
ثم خرجت فكرة جيدة . لا أحد يعلم كيف و لا أين و لا من الذي اقترح فكرة إعداد “عريضة” للقيصر باسم الفلاحين و العمال و كل مستاء في روسيا تدعمها مظاهرة ضخمة أمام قصر القيصر الشتوي تطالب القيصر بأن يستمع إلى مآسي شعبه . و تسليم “العريضة” له عن طريق وفد يرأسه “غابون” . و على الرغم من سذاجة الفكرة و تناقضها إلا أنها انتشرت بين عمال (سانت بطرسبورج) كالنار في الهشيم . وحدتهم و ألهمتهم و ألهبتهم بالحماس . . و أعطت لحركتهم معنى و هدفا محددا .
و التحمت “القطاعات” بالجاهير حيث قررت تنظيم الحدث . و طولب (غابون) بصياغة “العريضة” فاستجاب . . و هكذا أصبح تحت ضغط الظروف زعيما لحركة تاريخية كبرى للجماهير .
و كانت “العريضة” جاهزة خلال الأيام الأولى من يناير 1905 . واضحة و بسيطة و تنضح بالإخلاص و الثقة . و قد وضحت معاناة الشعب مع قدر كبير من الإخلاص , إذ سئل القيصر أن يلتفت إلى هذه المعاناة و أن يوافق على اصلاحات فعالة و أن يشرف على تنفيذها .
و كان غريبا – لكننا لا نشك أبدا – أن “عريضة” (غابون) قد ألهمت الجماهير حقا .
و كانت الخطوة التالية أن تعتمد “القطاعات” هذه “العريضة” و تقوم بإبلاغها للجماهير , و تنظم المسيرة باتجاه القصر الشتوي .
في هذه الأثناء دخل لاعب جديد في اللعبة . فالثوريون المنتمون لأحزاب سياسية , و الذين ظلوا حتى ذلك الوقت بعيدين عن الحركة و عن “الغابونية” قرروا لقاء “غابون” و كان هدفهم الرئيس التأثير عليه من أجل إعطاء موقفه و “عريضته” و حدثه نمطا أقل إنقيادا و أكثر كرامة و أكثر صلابة . . و باختصار أكثر ثورية . و قد قادته دوائر العمال التقدمية أيضا إلى هذا الإتجاه . و إذ أعطوه الأمان , أقام “غابون” علاقات مع الثوريين الإشتراكيين , و بالإتفاق معهم قام بتغيير “عريضته” الأصلية و وسّعها إلى حد كبير , مقللا تفانيها الموالي للقيصر .
في شكلها النهائي , كانت “العريضة” أعظم مفارقة تاريخية وجدت على الإطلاق . كانت موجهة إلى القيصر بإخلاص , تسأله أن يأذن بـ , بل و يقوم بما ليس أقل من ثورة جذرية , تؤدي في تحليلها النهائي للقضاء على سلطاته . و الواقع أنه قد تم إدراج الحد الأدنى من برامج الأحزاب الثورية في هذه الوثيقة . و كان من بين المطالب العاجلة : الحرية الكاملة للصحافة , و حرية التعبير و الفكر , و الحرية المطلقة لجميع المنظمات و الجمعيات , و حق العمال في الانضمام إلى النقابات و الحق في الإضراب , و بعض الإصلاحات الزراعية المبنية على مصادرة أملاك كبار ملاك الأراضي الزراعية لصالح الكوميونات الفلاحية (مير) , و أخيرا الدعوة الفورية لإنتخاب جمعية تأسيسية على أساس قانون إنتخابي ديموقرطي . . و على الإطلاق . . كانت دعوة صريحة للإنتحار .
و فيما يلي نعرض النص الكامل و النهائي للوثيقة :
 سيدي !!!
نحن عمال (سانت بطرسبورج) و زوجاتنا و أطفالنا و آباءنا و عجائزنا الذين بلا مورد , جئنا إليك أنت أيها القيصر نسأل العدل و الأمان .
لقد انحدر بنا الحال حتى صرنا متسولين . نحن المظلومون . المسحوقون تحت وطأة العمل الشاق . الغارقون في اللعنات . نحن من لا نعد من البشر نعامل معاملة العبيد الذين يجب أن يعانوا مصيرهم المحزن في صمت . و قد عانينا في صبر . و الآن ندفع إلى أعمق أعماق الهاوية . حيث لا شيء غير الجهل و الاستبداد . لقد خنقنا الإستبداد و خنقتنا المعاملة غير الآدمية .
لم يعد بإمكاننا تحمل المزيد . أيها القيصر!! . لقد حانت اللحظة الرهيبة التي يصير الموت فيها أهون من الإستمرار في معاناة لا تطاق . لهذا السبب توقفنا عن العمل . و لهذا السبب أخبرنا أصحاب العمل بأننا لن نعود إليه إلا إذا أجيبت مطالبنا العادلة .
لقد طلبنا أقل القليل . أنه بدون هذا الحد الأدنى لن تكون حياتنا حياة . بل جحيم . و عذاب مقيم .
كان ما طالبنا به رؤساءنا أن يأخذوا في الإعتبار احتياجاتنا بالإتفاق معنا . . و قد رفضوا . . لقد حرمنا من حقنا الأصيل في مناقشة احتياجاتنا بحجة أن القانون لا يعترف بهذا الحق .
رفض مطلبنا تحديد ساعات العمل بثمان ساعات يوميا بحجة عدم مشروعيته .
و طالبنا بالمشاركة في تحديد أجورنا , و المشاركة في التحكيم في حالة حدوث خلاف بين العمال والإدارة الداخلية للمصنع , طالبنا بحد أدنى للأجور روبل واحد يوميا لغير المهرة من العمال رجالا أو نساء , و بالغاء أوقات العمل الإضافية , و طالبنا بأمن و سلامة أماكن العمل حتى لا يموت عامل من المطر أو الريح أو الجليد . . و طالبنا برعاية المرضى . و ألا تصحب الأوامر المعطاة لنا بالشتائم .
و قد رفضت هذه المطالب كلها باعتبارها مخالفة للقانون . و صنفت صياغة المطالب بوصفها جريمة . و اعتبرت رغبتنا في تحسين أوضاعنا من قبل أرباب العمل وقاحة منا تجاههم .
أيها القيصر !! أيتفق هذا مع ما أوصى به الرب حين أعطاك علينا السلطة ؟ هل تستحق هذه الحياة تحت ظل هذه القوانين أن تعاش ؟ ألن يكون من الأفضل لنا , نحن عمال روسيا , أن نموت تاركين الرأسماليين و البيروقراطيين يعيشون وحدهم و يستمتعون بحياتهم ؟
سيدي !! هذا هو المستقبل الذي ينتظرنا . و هذا هو السبب الذي نجتمع من أجله اليوم أمام قصرك . أنت أملنا الأخير . ساعد شعبك ليخرج من فخ الخارجين على القانون , الفخ الذي لا شيء فيه غير البؤس و الجهل . و امنح شعبك فرصة , وسيلة لتحقيق خلاصهم الحقيقي . خلاصهم من ظلم البيروقراطيين الذي لا يطاق . لهدم الجدار الذي يفصل شعبك عنك . . و ادعهم ليحكموا هذا البلد معك .
لقد أرسلك الرب إلينا هاهنا لتقود الناس إلى سعادتهم . لكن موظفيك قد أخذوا منا سعادتنا شيئا فشيئا , و لم يقدموا لنا شيئا سوى الألم و الإذلال .
ابحث مطالبنا باهتمام و دون غضب . فقد صغناها للخير لا للشر . من أجل خيرنا و خيرك يا سيدي . ليس عن وقاحة منا , بل عن وعي بالحاجة العامة لوضع حد للوضع غير المحتمل الذي نعيشه اليوم .
إن روسيا كبيرة جدا . و مطالبها أكبر من أن تحققها حكومة تتألف من البيروقراطيين و حسب . لقد صارت مشاركة الشعب في الحكومة ضرورة لازمة لأن كل إنسان أدرى بما يحتاج .
لذا لا ترفض أن تساعد شعبك . ادع ممثلو جميع الطبقات في البلاد إلى التجمع دون تأخير . و اسمح للرأسماليين بالتمثيل . و اسمح للعمال بالتمثيل . و اسمح للموظفين و الكهنة و الأطباء و الأساتذة أن يختاروا مندوبيهم . و اسمح لكل فئة بالحرية في اختيار من تشاء . و تحقيقا لهذه الغاية , اسمح بانتخاب جمعية تأسيسية في ظل نظام للإقتراع العام .
هذا هو مطلبنا الرئيسي و عليه يتوقف كل شيء آخر . و هذا هو البلسم الشافي لجراحنا المفتوحة . المطلب الذي إن لم يتحقق فستظل جراحنا مفتوحة تنزف حتى الموت .
ليس هناك حل واحد . علاج واحد كاف شاف لكل مشكلات مجتمعنا . نحتاج علاجات متعددة . و سنذكرها لك بالتفصيل الآن . مخلصين نتحدث إليك سيدي . فأنت لنا أب .
و لا غنى عن التدابير التالية :
تتكون المجموعة الأولى من تدابير لمكافحة غياب الحقوق الأصيلة و ضد الجهل الذي يدمغ الشعب الروسي . و قد فصلنا هذه التدابير كما يلي :
            1 – الحرية و السلامة الشخصية . و حرية التعبير و الصحافة . و حرية تكوين الجمعيات . و حرية الفكر في الشئون الدينية . و الفصل بين الكنيسة و الدولة .
            2 – دعم الدولة و تعميمها للتعليم الإلزامي .
            3 – تحمل الوزراء المسئولية أمام الأمة . و ضمانات لشرعية الإجراءات الإدارية .
            4 – المساواة بين جميع الأفراد أمام القانون , بلا استثناء .
            5 – الإفراج الفوري عن جميع المسجونين بسبب معتقداتهم .
و تتألف المجموعة الثانية من تدابير لمكافحة الفقر
            1 – إلغاء جميع الضرائب غير المباشرة . و فرض ضرائب تصاعدية مباشرة على الدخل
            2 – إلغاء رسوم شراء الأراضي . و خفض فائدة الإئتمان . و تحويل ملكية الأراضي تدريجيا إلى الشعب
و تتالف المجموعة الثالثة من تدابير مكافحة سحق العمال من قبل رأس المال
            1 – الحماية القانونية للعمال .
            2 – حرية العمال في إنشاء نقابات لغرض التعاون و تنظيم المشكلات المهنية .
            3 – تحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا . و تقييد ساعات العمل الإضافي .
            4 – حرية العمال في النضال ضد رأس المال .
            5 – مشاركة ممثلي الطبقة العاملة في إعداد مشروع قانون بشأن التأمين الحكومي على العمال
            6 – الحد الأدنى للأجور .
هذه يا سيدي هي مطالبنا الرئيسية . فآمر للوفاء بها !! و أقسم لنا على تحقيقها !! و لسوف تجعل من روسيا بلدا سعيدا مجيدا . و لسوف ننفش اسمك في قلوبنا و قلوب أطفالنا و أطفال أطفالنا إلى الأبد .
لكن إن لم تعطنا وعدك . إن لم تقبل “عريضتنا” إليك . فقد قررنا أن نموت هنا . في هذه الساحة . أمام قصرك . إذ ليس لدينا من مكان نذهب إليه . أو أي سبب نحيا من أجله . و لم يعد أمامنا إلا أحد سبيلين . واحد يقود إلى السعادة و الحرية . و الآخر يقود إلى القبر . . حدد أنت أيها القيصر المسار !! و سنتابعه حتى لو قاد إلى الموت .
إذا كان على حياتنا أن تصير قربانا للخلاص من معاناة روسيا , فإننا سنصعد إلى المحرقة بكل ابتهاج
 و الجدير بالذكر أنه برغم كل العناصر المتناقضة التي احتوتها “العريضة” , فإن الحدث الذي كان يجري إعداده على قدم و ساق لم يكن بالنسبة للمراقب العليم بأكثر من نتيجة طبيعية تجميعية لعناصر اللعبة بأكثر منها نتيجة منطقية لضغط عوامل حقيقية مجتمعة .
فمن ناحية , لم تكن فكرة التظاهرة الجماعية أمام القيصر أكثر من مجرد مظهر من مظاهر إيمان الشعب الساذج في نية القيصر الحسنة , و التي سبق و أن وصفناها بـ “أسطورة القيصر” التي تمارس على الشعب , و قد عاد العمال الروس الذين لم تنقطع صلتهم قط بالريف لحظيا إلى تقاليد الفلاحين القديمة بعودتهم إلى “الأب الصغير” للحصول على المساعدة و الحماية . و مستفيدين من الوضع غير العادي الذي عرض لهم و قد أثارهم الفورة العفوية التي لا يمكن مقاومتها , حاول العمال التركيز على النقطة الحساسة للحصول على حل ملموس و نهائي . و بينما توقعوا , من أعماق قلوبهم , نجاحا جزئيا على الأقل , فقد أرادوا و قبل أي شيء أن يعرفوا موقعهم الذين يقفون فيه .
و من ناحية أخرى فإن تأثير الأحزاب الثورية – و التي لم تستطع فعل شيء أكثر من الوقوف جانبا عاجزة عن عن وقف الحركة ناهيك عن استبدالها بحركة أكثر ثورية – كان مع ذلك قويا بما يكفي لممارسة بعض الضغوط على جابون و إلزامه بـ “تثوير” حركته .
و بالإختصار كانت الحركة عملا غير شرعي , لكنه نتاج طبيعي للقوى الفاعلة .
أما دوائر المثقفين و الليبراليين فلم تفعل أكثر من المراقبة السلبية للأحداث أثناء وقوعها .
على إن سلوك و سيكولوجية (جابون) نفسه يمكن تفسيرها بالرغم من تناقضها الواضح . فهو ليس أكثر من مهرج , عميل مدفوع من الشرطة و قد اجتاحته الحركة الشعبية بموجاتها الهائلة و دفعته إلى الأمام بشكل لا يقاوم . و قد حملته الحركة معها في نهاية المطاف . ووضعته الأحداث رغما عنه على رأس الحشود التي ألّهته . و لا ريب أن روحه المغامرة الرومانتيكية هي ما جعلته يتغذى على هذا الوهم . و إذ كان واعيا بالأهمية التاريخية للأحداث فمن المحتمل أنه قد رسم لنفسه صورة مبالغ فيها . كان ير البلاد بأجمعها تتفجّر بالثورة , و العرش في خطر . و يرى نفسه . . (جابون) . . القائد الأعلى للحركة و معبود الشعب المرفوع إلى ذروة المجد . و مفتونا بحلمه هذا , و على ما يبدو تبريرا لواقعه , فقد قدّم نفسه في النهاية جسدا و روحا للحركة التي بدأها . و توقف دوره تماما كعميل للشرطة فلم يعد يفكّر فيه حتى في تلك الأيام العصيبة . و قد بهرته بروق العاصفة و استوعبه تماما دوره الجديد الذي و لابد قد بدا له كمهمة إلهية . لعل هذه كانت نظرة (جابون) في أوائل يناير 1905 . و لعله من المعقول أن نفترض أنه في هذه اللحظة و بهذا المعنى , كان مخلصا . على الأقل هذا هو افنطباع الشخصي لكاتب هذه السطور , الذي التقى (جابون) قبل الأحداث بأيام قليلة .
بل إن العامل الأغرب على الإطلاق , صمت الحكومة و الغياب الكامل لأي تدخل من جانب الشرطة خلال أيام الإعداد المحموم , يمكن أيضا تفسيره بسهولة . لم تستطع الشرطة قراءة أفكار (جابون) الجديد . لقد وثقوا فيه حتى النهاية و فسروا موقفه بكونه خطوة ماهرة من قبله ليس إلا . و عندما أصبحت الشرطة أخيرا على بينة من التغيير و الخطر الداهم , لم يعد بإستطاعتها أن توقف أو تسيطر علىالأحداث التي اندلعت بالفعل . أما الحكومة فعلى الرغم من دهشتها المبدئية , إلا أنها قررت أخيرا أن تنتظر فرصة للقضاء على الحركة بضربة واحدة . و حيث أنها لم تتلق أي أوامر , فإن الشرطة لن تتحرك . و ينبغي أن نضيف إلى هذا كله حقيقة غامضة و غير مفهومة شجعت الجماهير و رفعت آمالهم . . إذ كان تعليق الناس ” إن الحكومة لا تجرؤ على معارضة الحركة و لسوف ترضخ ” .
تم تعيين صباح الأحد 9 يناير – على حسب التقويم القديم – للقيام بالمسيرة باتجاه القصر الشتوي . و قد خصصت الأيام الأخيرة أساسا لقراءة “العريضة” علنا في “القطاعات” . و قد تكرر نفس التسلسل في كل مكان تقريبا . و على مدار اليوم , كان (جابون) بنفسه أو أحد أصدقاءه يقرأ “العريضة” و يعلق عليها لجماهير العمال الذين يتناوبون شغل أماكن الإجتماعات . و كان بمجرد أن يمتليء المكان , تغلق الأبواب و تتلى “العريضة” ثم يوقع الحاضرين بأسمائهم على ورقة منفصلة ثم يغادرون المكان . ليدخل حشد آخر من الناس المنتظرين دورم بصبر في الشارع ليتكرر الأمر و يستمر في كل القطاعات حتى بعد منتصف الليل .
و كان ما أعطى هذه الاستعدادات النهائية شكلها الدرامي , نداء الخطيب في الحشد المهيب , و حلف اليمين على الإستجابة للنداء . . يقول الخطيب : ” أيها الرفاق , من عمال و فلاحين و غيرهم !!” ” أيها الإخوة في البؤس !! كونوا مخلصين للقضية و للتظاهرة جميعكم . و تعالوا إلى الساحة أمام القصر الشتوي صباح الأحد . سيكون فشلك في القيام بذلك خيانة لقضيتنا . . تعالوا في هدوء و سلام و استمتعوا بوقتكم حتى تحين الساعة المحددة للإضراب . لقد حذّر الأب (جابون) القيصر . و أكّد له بصورة شخصية أنه سيكون في أمان بينكم . فإن سمحتم لأنفسكم بفعل في غير موضعه فإن الأب (جابون) سيسأل عن هذا . لقد استمعتم إلى “العريضة” . مطالبنا العادلة . و لن نستطيع مواصلة حياتنا البائسة هذه . لهذا السبب نحن ذاهبون إلى القيصر بأذرع مفتوحة و قلوبنا مليئة بالحب و الأمل . و كل ما عليه فعله هو استقبالنا و الإستماع إلى مطالبنا . و سيسلمه (جابون) “العريضة” بنفسه . . دعونا نأمل أيها الرفاق . دعونا نأمل أيها الإخوة بأن القيصر سيلتقي بنا و أنه سيستمع إلينا و أنه سيتخذ خطوات لتلبية مطالبنا العادلة . . لكن أيها الإخوة إذا – بدلا من أن يلتقينا القيصر – تحوّل علينا بالبنادق و السيوف . إذن يا إخوتي فليرحمه الرب !! و إذن فلن يعود لنا قيصر !! و إذن لتكن علي اللعنة إلى الأبد هو و سلالته جميعا !! . . أقسم و نقسم جميعا أيها الرفاق . . أيها الإخوة . . أيها المواطنون العاديون أننا لن ننسى خيانته . . و نقسم أننا سنحاول تدمير الخائن بكل وسيلة ممكنة . . . . . ” , و هنا يقف الحضور جميعا رافعين أيديهم مجيبين  : “نقسم !!”.
و عندما كان (جابون) يقرأ “العريضة” بنفسه – و قد قرأها مرة واحدة على الأقل في كل قطاع – كان يضيف :” أنا الكاهن (جورج جابون) , و من خلال إرادة الرب , أحلّكم في هذه القضية من اليمين الذي أقسمتموه للقيصر . و أبارك مقدما كل من يحنث به . لأننا في هذه القضية لم يعد لدينا قيصر !!! ” و إذ يشحب من الإنفعال , كان يكرر عبارته هذه مرتين أو ثلاثة للجمهور الصامت المرتجف .
“أقسموا على أن تتبعوني !! أقسموا برؤوس أعز الناس عليكم . أولادكم !!” ” نعم!! أيها الأب , نعم !! نقسم على رؤوس أطفالنا!!” كانت هذه هي الإستجابة دائما .
و في مساء الثامن من يناير , كان كل شيء جاهز للمسيرة . و علمت بعض دوائر المثقفين بالقرار الذي عزمت عليه الحكومة . لن يصل الحشد إلى القصر تحت أي ظرف . و إذا ما أصرت الحشود أطلقوا الرصاص بلا رحمة !! و على عجلة أرسل وفد إلى السلطات في محاولة لمنع سفك الدماء , لكن بلا جدوى . كانت الأوامر قد وصلت بالفعل , و كانت العاصمة قد صارت في قبضة قوات مسلحة حتى الأسنان .
أما الباقي فمعروف . في صباح الأحد التاسع من يناير , بدأت حشود هائلة من العمال – غالبا مع عائلاتهم – فضلا عن عناصر أخرى في التحرك باتجاه القصر الشتوي . عشرات الآلاف من البشر , رجالا و نساءا و أطفالا بدأوا في الخروج من كل أنحاء العاصمة و ضواحيها متحركين نحو المكان المعين للإجتماع .
و في كل مكان ذهبوا إليه كانت هناك قوات بمتاريسها و شرطة تطلق النار بلا انقطاع على هذا البحر البشري . لكن ضغط الجماهير المحتشدة – الضغط الذي كان في تزايد مستمر – هو ما مكّن هذه الحشود من الاستمرار في التقدم نحو القصر على أي حال , و بلا توقف . حتى امتلأت الشوارع المحيطة به . ألوف من البشر فرقتهم الطلقات لكنهم تحركوا بعناد نحو هدفهم , متخذين الشوارع الجانبية و الطرق الإلتفافية , مدفوعين بزخم الحدث  , بالفضول , بالغضب , بالحاجة إلى الصراخ استياءا و خوفا . . كثيرون استمروا , على الرغم من كل شيء , محتفظين بشرارة الأمل , مؤمنين بانهم إن نجحوا في الوصول إلى الميدان المقابل لقصر القيصر , فسيأتي لهم القيصر و سيتقبّلهم و سيصلح كل شيء , بينما اعتقد آخرون أن القيصر , و بإملاء الأمر الواقع , لن يعاند و سيجبر على التسليم . بينما بقى آخرون , الأكثر سذاجة , متصورين أن القيصر لم يكن على علم بما كان يحدث و أنه ر يعرف شيئا عن المجزرة . و أن الشرطة , التي أخفت عنه الحقيقة منذ البداية , تحاول الآن منع الناس من القدوم و الإتصال بـ :الأب الصغير” . و لذلك فإن عليهم الوصول إلى القيصر مهما كلّف الأمر . . و علاوة على ذلك أنهم كانوا قد أقسموا على الوصول إلى هناك . . و أخيرا فإن (جابون) كان هناك , و ربما كان قد نجح في الوصول إلى القيصر .
على أية حال اخترقت الموجات البشرية الطريق من كل ناحية و غزت أخيرا المحيط المباشر للقصر الشتوي و دخلت الميدان نفسه . و لم تجد الحكومة حلا أفضل من إطلاق النار , لتكتسح الحشود اليائسة غير المسلحة بموجات من النيران .
كان المشهد مرعبا . مشهد أغرب من الخيال  . شيء فريد في التاريخ . المدافع الآلية تضرب بدون تصويب , صراخ و نيران , ألم و غضب , و هذا الحشد الهائل , غير القادر لا على التقدم و لا على التراجع بسبب حجمه الذي يمنعه من الحركة , يتلقى ما عرف لاحقا بـ “حمام الدم” . و مدفوعة إلى الوراء قليلا مع كل جولة , كما لو كان بفعل عاصفة قوية من الرياح , و على الرغم من أنها قد ديست و اختنقت و سحقت جزئيا , تشكلت الحشود مرة أخرى , على جثث الموتى , و على القتلى و الجرحى , تدفعها الحشود الجديدة التي وصلت و التي استمرت بالوصول من خلفها . و استمر اطلاق النار يحصد أرواحا جديدة من هذه الكتلة الحية . و استمر هذا لمدة طويلة حتى صارت الشوارع الجانبية خاوية . و تمكن الحشد من الهروب .
هلك المئات من الرجال و النساء و الطفال في هذا اليوم في العاصمة . و قد اضطرت السلطات لاسكار الجنود لإسكات ضمائرهم و إزالة كل وازع لديهم . و في غمرة الجنون تسلى الجنود في إحدى الحدائق القريبة من القصر باسقاط الأطفال الذين تسلقوا الأشجار من أجل “رؤية أفضل” رميا بالرصاص .
و عندما حل المساء كان لنظام قد تم استعادته . و لم يعرف قط عدد الضحايا و لا حتى بالأرقام التقريبية . لكن ما هو معلوم حق العلم أنه و طوال الليل , كانت قطارات نقل طويلة تملأ بالجثث لنقلها خارج المدينة . و أن جثث هؤلاء المساكين قد دفنت عشوائيا في الحقول و الغابات .
و مما هو معلوم كذلك , أن القيصر لم يكن حتى في العاصمة في ذلك اليوم . فبعد أن أطلق يد السلطات العسكرية , لجأ إلى واحد من مقراته الصيفية , في (تسارسكوي سيلو) Tsarskoye Seloبالقرب من (سانت بطرسبورج) .
أما (جابون) , محاطا بحملة الأيقونات و صور قيصر , فقد قاد مظاهرة ضخمة تجاه القصر عن طريق بوابة (نارفا) Narva . و كما حدث في كل مكان آخر فقد قامت القوات المتمركزة على مداخ البوابة بتفريق الحشد . و نجا (جابون) نفسه بالكاد . إذ حالما أطلقت أول رصاصة , انبطح أرضا على بطنه و لم يحرك ساكنا . و للحظات فكّر الناس في أنه قد قتل أو أصيب . لكن اصدقاءه سرعان ما حملوه بعيدا إلى بر الأمان . حيث قص شعره و ارتدي كمدني .
ثم إنه قد استطاع الهرب خارج البلاد في وقت لاحق , بعيدا عن أي ملاحقة . و قبل أن يغادر روسيا أطلق نداءه القصير التالي للعمال :
“أنا , القس . ألعن كل هؤلاء . الضباط و الجنود , الذين قتلوا في هذه الساعة إخوانهم الأبرياء و النساء و الأطفال . ألعن كل ظالم للشعب . و أبارك كل الجنود الذين قدّموا المساعدة للشعب في نضاله من أجل الحرية . و أحلّهم من قسمهم بالولاء للقيصر – القيصر الخائن الذي سالت دماء الشعب بأوامره .”
بالإضافة لهذا فقد أعد بيانا آخر قال فيه :
” أيها الرفاق العمال !! . لم هناك قيصر !! . اليوم تدفقت سيول من الدماء بينه و بين الشعب الروسي . لقد آن أوان ليتعهد العمال الروس النضال من أجل تحرير الشعب منه . لكم بركاتي في هذا النضال . غدا أكون وسطكم  و اليوم أعمل من أجل الوقفة .”
و قد وزّع هذا البيان بأعداد كبيرة في أنحاء البلاد .
و قد يكون هذا أفضل مكان لبضع كلمات تعرض المصير الذي آل له (جابون) . .
استقر الكاهن السابق الذي أنقذه أصدقاءه خارج البلاد . و قد أحاطه بعض الثوريون الإشتراكيون برعايته . و سيعتمد في حياته من الآن فصاعدا على نفسه . و قد أعطي كل ما هو يتطلبه قطع علاقته بالماضي , و استكمال تعليمه و صياغة موقفه الأيديولوجي . و بالإختصار ليصبح حقا رجل المعركة .
لكن (جابون) لم يأبه لكل هذا . لأن الشرارة المقدسة التي اشتعلت يوما ما في روحه المظلمة لم تكن في دخيلة نفسه أكثر من نار الطموح و المجد الشخصي . فسرعان ما انطفأت . و بدلا من أن يكرّس نفسه من أجل التعليم الذاتي و الإعداد لنشاطات جادة , كان (جابون) سعيدا بالخمول , و الخمول أبو الضجر . و لم يعن العمل الصبور البطيء شيئا له . إذ كان يحلم بتكرار فوري مجيد لمغامرته العابرة . لكن الأحداث في روسيا استقرت . و الثورة العظيمة لم تأت . و تزايد ضجره . و اخيرا تحول إلى الفجور في محاولة للنسيان . فصار يقضي معظم أوقاته في الملاهي الليلية نصف المظلمة بصحبة المومسات . و كان يبكي بكاءا مرا أوهامه المحطمة . و قد عذّبه الوضع في بلاده . و أراد العودة إلى روسيا بأي ثمن .
و قد ملأته فكرة الكتابة لحكومته , و استغفارها للحصول على إذن للعودة من أجل تقديم خدماته مرة أخرى . فكتب إلى الشرطة السرية . و استأنف علاقاته بها .
و قد تلقى رؤساؤه السابقين عرضه بصورة إيجابية إلى حد ما . لكن قبل الموافقة على طلبه سئل دليلا ماديا على توبته و حسن نيته .  و إذ كانوا واعين بمعرفته الشخصية بأعضاء مؤثرين في الحزب الإشتراكي الثوري , فقد طالبوه بتقديم معلومات دقيقة عنهم من شأنها مساعدتهم في إنزال الضربة الحاسمة بهذا الحزب . و قد قبل (جابون) هذا العرض .
في غضون ذلك . تنامى إلى سمع أحد الأعضاء المؤثرين في الحزب – المهندس (روتمبرج)Rutemberg , أحد أصدقاء (جابون) المقربين – عن علاقات (جابون) الجديدة مع الشرطة . فأوصل الأمر إلى اللجنة المركزية في الحزب , التي أوكلته – كما روى (روتمبرج) عن ذلك في مذكراته – مهمة القيام بكل ما في وسعه لكشف (جابون) .
و كان على (روتمبرج) أن يلعب دورا , و قد أداه بنجاح حاز معه على ثقة (جابون) , الذي افترض أن المهندس قد خان حزبه طوعا مقابل مبلغ ضخم من المال . و كان هذا بالضبط ما اقترحه (جابون) عليه . و قد فعل (روتمبرج) كما لو كان قد قبل فعلا . و اتفقوا على أن يبلغ الشرطة , عن طريق (جابون) بعض أسرار الحزب المهمة جدا .
و تساوموا على السعر , المساومة التي تظاهر بها (روتمبرج) و أمضاها عمدا , بينما قام بها (جابون) بموافقة الشرطة , لتنتهي أخيرا في روسيا عندما صار كا من (جابون) و (روتمبرج) قادرين على العودة .
 و شهدت (سانت بطرسبورج) آخر فصول المسرحية, ففور وصوله , اتصل (روتمبرج) ببعض العمال الين كانوا أصدقاءً أوفياء لـ (جابون) محذرا . و قد رفضوا التصديق بأنه خائن . فعرض عليهم (روتمبرج) أن يقدّم دليلا غير قابل للجدل . و تم الإتفاق مع عمال (جابون) على الاختباء لحضور الاجتماع الأخير بين (جابون) و (روتمبرج) . و هو الإجتماع الذي سيقبض فيه (روتمبرج) ثمن خيانته ليتم تسوية هذا الأمر مرة و إلى الأبد .
و قد عقد الاجتماع في فيلا مهجورة على مقربة من العاصمة . و اختبأ العمال في غرفة بجوار الغرفة التي ستتم فيها المقابلة . و كان عليهم البقاء في هذه الغرفة و يحرصوا على ألا يراهم أحد , ليقتنعوا بالدور الذي لعبه (جابون) و يتمكنوا من فضحه للعامة .
لكن العمال لم يتمالكوا أنفسهم . فبمجرد أن أقتنعوا بخيانة (جابون) , حتى اقتحموا الغرفة التي كان الرجلان يتفاوضان فيها . و ألقوا بأنفسهم على (جابون) و أمسكوا به , و بالرغم من توسلاته – التي كانت مثيرة للشفقة إذ جثا على ركبتيه و توسل للمغفرة باسم ماضيه – إلا أنهم قتلوه بوحشية . حيث وضعوا الحبل حول عنق و شنقوه في السقف . و تركوه على هذه الحالة حتى عثر على جثته مصادفة في وقت لاحق .
و هكذا انتهت ملحمة (جابون) الشخصية .
و قد حاول (جابون) في مذكراته – التي كانت صادقة إلى حد كبير – برعونة أن يبرر بطريقته الخاصة علاقاته مع الشرطة قبل 9 يناير 1905 . لكنه لا يبدو في هذه النقطة صادقا جدا . .
أما بالنسبة للحركة , فقد تابعت طريقها .
كان لأحداث التاسع من يناير تداعيات هائلة في كافة أرجاء البلاد . ففي أعمق زوايا الرض جهلا , علم الناس في ذهول سخط أنه بدلا من أن يستمع لى الناس القادمين إلى القصر سلميا ليخبروا القيصر مآسيهم , أعطى الحاكم أوامره ببرود بإطلاق النار . و لمدة طويلة , كان الفلاحين يرسلون مندوبين من قراهم سرا إلى (سانت بطرسبورج) لتحسس الحقيقة .
و سرعان ما عرف الجميع الحقيقة . و هنا فقط تلاشت “أسطورة القيصر” . و في مفارقة تاريخية أخرى , كان بعض الثوريين قد أغتالوا القيصر سنة 1881 ليقتلوا الأسطورة . لكنها نجت . ليقتلها القيصر بنفسه بعد أربعة و عشرين سنة .
و في (سانت بطرسبورج) تسببت أحداث التاسع من يناير في توسيع الإضراب . الذي تحول إلى إضراب عام كامل . و في العاشر من يناير لم يكن هناك مصنع و لا حوض سفن واحد يعمل . و توغلت حركة تمرد صامتة في كل مكان . أول إضراب ثوري كبير لعمال روسيا – إضراب عمال (سانت بطرسبورج) – قد صار أمرا واقعا . .
و صار هناك استنتاج هام يمكن استخلاصه من كل ما سبق :
قبل أن يبدأ الناس في فهم طبيعة القيصرية الحقيقية , و مجمل الوضع , و مهام النضال الحقيقية , فإنهم يحتاجون العيش خلال تجربة تاريخية ملموسة , واسعة النطاق . النتيجة التي لم تؤد إليها لا الدعاية و لا تضحيات المتحمسين .

الثورة المجهولة / 7

الفصل الخامس
القرن العشرين
التنمية المتسارعة . الدفع الثوري . النتائج
(1900 – 1905 م )
———————
مع بداية القرن العشرين , أصبحت الأحداث و الخصائص التي ذكرناها للتو أكثر وضوحا .
فمن ناحية قرر النظام الإستبدادي الحفاظ على نفسه من خلال جميع الوسائل الممكنة  بدلا من الإستجابة لتطلعات الجماهير . ليس فقط بقمع جميع الحركات الثورية و لكن جميع أشكال التعبير المعارضة أيضا . و في خلال هذه الفترة حولت حكومة (نيقولا الثاني) الإستياء الشعبي المتزايد عنها عن طريق حملات دعاية مضادة للسامية واسعة النطاق , يليها تحريض بل و حتى تنظيم لمذابح ضد اليهود .
و من ناحية أخرى تواصلت التنمية افقتصادية في البلاد بوتيرة متسارعة . ففي فترة السنوات الخمس ما بين 1900 إلى 1905 قفزت الصناعة و التكنولوجيا قفزات واسعة . و كان معدل إنتاج النفط في (باكو) و إنتاج الفحم في (دونيتز) و إنتاج المعادن قد قارب معدلاته في الدول الصناعية الأخرى . و جرى التوسع في الطرق و وسائل النقل . . السكك الحديدية و الشاحنات و النقل النهري و البحري عبر المحيطات . . و تحديثها . و وظفت مؤسسات المقاولات الآلاف بل و حتى عشرات الآلاف من العمال في المدن الكبرى و ضواحيها . و ظهرت مناطق صناعية بأكملها أو جرى توسيعها . و على سبيل المثال أن نحصر مصانع (بوتيلوف) الكبرى و أحواض بناء السفن الواسعة في (نيفسكي) و مصانع البلطيق الكبيرة فضلا عن مصانع (بطرسبورج) . و قد عمل في الضواحي الصناعية في العاصمة عشرات الآلاف من العمال . في (كولبينو) و (تشو خوفو) و (سيستروريتش) . و المنطقة الصناعية في (إيفانوفو- فوز – نيسينك) بالقرب من (موسكو) و مصانع عديدة مهمة في جنوب روسيا , في (خاركوف) و (إيكاترينوسلاف) و أماكن أخرى . و لم يكن هذا التطور السريع معروفا خارج روسيا لغير المعنيين . . و رغم ذلك , أو بسببه , لا يزال الكثيرون يعتقدون أنه في الفترة السابقة لصعود البلشفية لم يكن هناك أي صناعة تقريبا في روسيا و أن الصناعة كان انجاز الحكومة البلشفية بالكامل . لكن الحق أن التطور كان كبيرا , ليس من وجهة النظر الصناعية المحضة و حسب , بل و من وجهة النظر الإجتماعية أيضا . فقد أدى التصنيع إلى نمو سريع للبروليتاريا . و وفقا لإحصائيات تلك الفترة , بلغ عدد العمال في روسيا الملايين الثلاثة بحلول 1905 .
و في ذات الوقت تقدمت البلاد تقدما سريعا في الشئون الثقافية . و تقدم تعليم الكبار بسرعة أيضا . و قد وصل عدد الجامعات و مدارس التعليم العالي في سنة 1905 إلى حوالي الثلاثين , و اعتمد معظمها على معونة الدولة , باستثناء عدد قليل منها دعمتها أموال البلديات . و تبعا لتقليد قديم من ناحية و نتيجة لإصلاحات (ألكسندر الثاني) من ناحية أخرى كان نظام الجامعات الأساسي ليبراليا جدا و سمح بقدر كبير من الإستقلال الداخلي . و قد حاول كل من (ألكسندر الثالث) و (نيقولا الثاني) تقليص هذا الاستقلال , لكن أثارت كل محاولة من هذا النوع الكثير من الاضطرابات مما حدا بالحكومة في نهاية الأمر بالكف عن هذه المشاريع .
و كان اختيار أساتذة الجامعات و المدارس العليا من بين خريجي الجامعات يتم وفقا لإجراءات محددة .
و في كل المدن تقريبا , حتى غير المهمة منها , كان التعليم الثانوي متاحا . كم أتيح التعليم الإعدادي للأولاد و البنات . و قد أسست المدارس الثانوية الدولة أو الأفراد أو المجالس البلدية . و في جميع الحالات اعتمدت برامج التدريس التي وضعتها الدولة , و كان التدريس فيها جميعا متماثلا . و كان تدريس الدين إلزاميا .
و كان اختيار أعضاء هيئة التدريس في المدارس الثانوية يتم من المجتمع الجامعي فيما عدا استثناءات قليلة . و كان برنامج الدراسة يشمل ثماني سنوات إلزامية تنتهي بالحصول على الدبلومة المؤهلة للدراسة الجامعية . و كان بإستطاعة الطلبة الحصول على سنة تحضيرية إضافية قبل الجامعة .
و زاد عدد المدارس الإبتدائية في المدن و الريف في سرعة . و جرى تأسيسها من قبل الدولة أو المجالس البلدية . و كانت جميعها تحت رقابة و سيطرة الحكومة . و كان التعليم الإبتدائي مجاني لكنه لم يكن إلزامي . و قد فرضت الدولة بطبيعة الحال التعليم المسيحي في المدارس الإبتدائية . و توجب على المدرسين , رجالا و نساء , في المدارس الإبتدائية الحصول على دبلومة من أربعة سنوات من المدارس الثانوية .
و لاقت الدورات المسائية للكبار و بعض الجامعات الشعبية المنظمة تنظيما جيدا اقبالا كبيرا في كل المدن الكبرى . و قد كرست البلديات و بالأخص بعض الأفراد أنفسهم في حماس لهذه المؤسسات .
و كان أبناء العمال و الفلاحين ندرة في المدارس الثانوية و الجامعات بصورة واضحة . إذ كانت تكلفة هذا التعليم مرتفعة جدا . خلافا للأسطورة الذائعة بأن ارتياد هذه المدارس كان ممنوعا على أبناء العمال و الفلاحين . و قد كانت غالبية الطلبة من أسر المثقفين من أصحاب المهن الحرة و الموظفين و رجال الدين و من الأسر البرجوازية .
و حقيقة أن الأوساط الفكرية قد اعتنقت عقيدة أقل ما توصف به أنها متحررة هو ما مكّن دعاية الأفكار التقدمية من أن تجد لنفسها مكانا بجانب المناهج الدراسية في العديد من المدارس البلدية و الأهلية . برغم رقابة الشرطة .
و كان المحاضرين في الجامعات الشعبية و المعلمين في المدارس الإبتدائية في أغلب الأحيان من الأوساط الثورية . و قد تسامح المدراء , و كانوا غالبا ذوي ميول ليبرالية معهم . و أجادوا كيفية “ترتيب الأمور” مما صعّب الأمر على السلطات أن تعارض هذه الدعاية .
و بالإضافة إلى التعليم المدرسي و المحاورات , اتخذ التعليم مكانه عبر الكتابة و النشر . إذ ظهرت كمية هائلة من المنشورات و الكتيبات الشعبية . و كان يتوفر على تأليفها عادة أكاديميون , أو كانت تتألف من مقتطفات لكبار الكتّاب . و تناولت هذه الكتيبات جميع العلوم , و حللت المشاكل السياسية و الإجتماعية بروح تقدمية للغاية . و كانت الرقابة الرسمية عاجزة في مواجهة هذه الفيضانات المتزايدة . و ابتدع المؤلفين و الناشرين وسائل عديدة لخداع السلطات اليقظة .
فإذا أضفنا إلى ذلك كله نشر الأدب الثوري السري و الكتابات الإشتراكية بين أوساط المثقفين و الطبقة العاملة , فسيتكون لدينا فكرة جيدة عن الحركة الواسعة من التعليم و الإعداد الذي ميّز الفترة بين 1900 و 1905 .
لقد سمحنا لأنفسنا أن نقدم بعض التفاصيل الضرورية لفهم الطابع التدريجي للحركات الثورية التي أعقبت . و ينبغي أن نؤكد أن هذه الحركة من التطلعات السياسية و الإجتماعية قد اكتملت من خلال تطور أخلاقي ملحوظ .
حرر الشباب أنفسهم إذن من جميع الأحكام المسبقة . في الدين و الوطنية و الجنس . و في بعض النواحي كانت الدوائر الطليعية الروسية و لفترة طويلة أكثر تقدما من مثيلاتها في الدول الغربية . و كانت المساواة بين البشر المساواة بين الدول , بين الأعراق , بين الجنسين إضافة إلى الزواج الحر union libre و إنكار الأديان , من الثوابت الموروثة في هذه الدوائر منذ أيام العدميين . و قد أنجز الكتاب الروس بلينسكي Belinski , و (هيرزن)Herzen , و (تشيميشيفسكي)Chernyshevsky , و (دوبرولوبوف)Dobrolubov  , و (بيساريف) Pissarev , و (ميخائيلوفيسكي) Mikhailovsky , مهمة هائلة في جميع هذه الميادين . . لقد تعلمت عدة أجيال من المثقفين معنى التحرر الكامل . على الرغم من التعليم الإلزامي ذو المحتوى المعاكس الذي فرضه النظام القيصري .
و في نهاية المطاف صارت هذه الروح التحررية تقليدا مقدسا و حقا ثابتا للشباب الروسي . و بينما كانوا يخضعون لما يمليه التعليم الرسمي , إلا أنهم سرعان ما كانوا ينبذونه بمجرد حصولهم على الدبلومة .
“لا تذهبوا إلى الجامعة !!” هكذا صاح مطران أبرشيتنا في حفل توزيع شهادات الدبلومة علينا نحن الطلبة المتخرجين من المدرسة الثانوية . “لا تذهبوا إلى الجامعة !! لأنها وكر مثيري الشغب . كان هذا المطران الطيب يعرف ما كان يحدث . فمع إستثناءات قليلة للغاية فإن جميع من ذهب إلى الجامعة قد صار من الثوار . و كانت كلمة طالب تساوي كلمة متمرد .
فيما بعد , و بعد أن يكبر هؤلاء الذين كانوا ذات مرة متمردين , كثيرا ما كانوا ينسون دوفعهم الأولى تحت ضغوط الحياة . لكن شيئا ما ظل هناك . عقيدة الحرية , روح المعارضة , شرارة حية تحت الرماد على استعداد أن تنشب حريقا ضخما في أول فرصة مناسبة .
و رغم ذلك ظلت الحالة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للطبقة العاملة دون تغيير . و كان العمال يتعرضون لإستغلال متزايد من الدولة و البرجوازية , مجردين من كل وسيلة للدفاع , محرومين من كل حق في التجمع و التوحد , من أن يسمع صوتهم أو أن تحدد مطالبهم , من التنظيم و من النضال و من الإضراب . . كان العمال ماديا و معنويا غير راضين .
و في الريف , كان الفقر و عدم الرضا بين الجماهير الفلاحية في تزايد . كان الفلاحين و هم حوالي 175 مليونا من النفوس مهملين . حيث اعتبرتهم الدولة “حيوانات بشرية” . و كان العقاب البدني حقيقة واقعة حتى 1904 برغم حظره قانونا منذ 1863 . و كان الفلاحين يفتقرون إلى الثقافة العامة و التعليم الإبتدائي و كانت أدواتهم بدائية و غير كافية . و مع غياب نظام الإئتمان و جميع أشكال الحماية أو المعونة . و في ظل الضرائب المرتفعة جدا و المعاملة القاسية المتعسفة و الإزدراء من قبل السلطات و الطبقات المتميزة و استمرار تجزئة أراضيهم نتيجة تقسيم الأرض بين أفراد الأسرة الجدد . و المنافسة المستمرة بين الـ (كولاك) الفلاحين الأغنياء و طبقة النبلاء الإقطاعيين . . كانت تلك كلها أسبابا منوعة لبؤسهم . . حتى الكوميونات الزراعية . . الـ (ميرات)(1) الروسية الشهيرة . . لم تعد قادرة على دعــــــم أعضاءها . و علاوة على ذلك , فإن حكومات كل من (ألكسندر الثالث) و خليفته (نيقولا الثاني) قد بذلت كل ما وسعها لتحويل الـ (مير) إلى هيئة إدارية بسيطة تحت مراقبة و حراسة الدولة . و كان الغرض الأساسي من هذه الهيئة الإدارية هو إجبار الفلاحين على دفع الضرائب و الرسوم .
كان و لابد , و الوضع على هذا الحال , أن تلقى الدعاية الإشتراكية و النشاط الثوري بعض النجاح . فانتشرت الماركسية سرا لك بقوة , و وجدت العديد من الأتباع المخلصين و بخاصة في أوساط الطلبة و بين بعض العمال . و قد كان تأثير حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي الذي تأسس 1898 محسوسا في كثير من المدن و المناطق على الرغم من كونه غير قانوني – و الحق أن كل الحزاب كانت كذلك – .
و مع تحول التشدد الحكومي ضد النشطاء إلى الوحشية , كان هناك عدد لا يحصى من المحاكمات السياسية و تدابير القمع الإداري و العنف الجسدي من جهة الشرطة . و امتلأت السجون و أماكن الأشغال الشاقة و معسكرات النفي . و مع ذلك , و رغم قدرة الحكومة على الحد من نشاط الحزب و نفوذه إلى الحد الأدنى إلا أنها لم تنجح في خنقه كما نجحت في خنق الجماعات السياسية الأولى .
بعد عام 1900 , و على الرغم من كل الجهود التي بذلتها السلطات , نمت الحركة الثورية إلى حد كبير . و اصبحت الإضطرابات الطلابية و العمالية حدثا يوميا . و أغلقت الجامعات مرارا بسبب الاضطرابات السياسية . و كانت استجابات الطلاب المدعومين من العمال هي التظاهر في الأماكن العامة . و قد أصبحت ساحة كاتدرائية (كازان) في (سانت بطرسبورج) البقعة الكلاسيكية لهذه المظاهرات الشعبية حيث يتجمع الطلبة و العمال يغنون الأغاني الثورية و يحملون الأعلام الحمراء . ثم ترسل الحكومة مفارز من الشرطة و الـ (قوزاق) لـ “تطهير” الساحة و الشوارع المجاورة بالسيوف و السياط (ناجايكاس) .
لقد بدأت الثورة تستفتح الشوارع . .
و مع ذلك , و من أجل إعطاء القاريء فكرة دقيقة عن الوضع العام فسنتحفظ تحفظا آخر . فالصورة التي رسمناها للتو دقيقة حقا , لكن لو نظرنا فقط إلى هذه الصورة دون إجراء تصحيحات كبرى من الإشارة إلى مجمل السكان في البلاد فإننا نخاطر بالمبالغة . و سوف ينتهي بنا الأمر إلى استنتاج تقييمات عامة خاطئة لن تؤدي إلا لفهم خاطيء للأحداث اللاحقة .
فلا يجب أن ننسى أنه من كتلة هائلة من السكان تتألف من نحو 180 مليون نفس لم تتأثر بالحركة الفكرية التي وصفاها إلا طبقة صغيرة جدا في الواقع تتالف من بضعة آلاف من المثقفين و بخاصة الطلبة و نخبة من الطبقة العاملة في المدن الكبرى . أما بقية السكان من جماهير فلاحية لا تحصى و غالبية الطبقة العاملة فكانوا مايزالون خارج المد الثوري . بل و حتى غير مبالين بها . لكن منذ 1900 كانت أعداد العمال في الدوئر التقدمية في ازدياد و وصل المد الثوري إلى جماهير الفلاحين البائسين على نحو متزايد . لكن في الوقت نفسه كانت كتلة واسعة من الشعب – الكتلة المعول علي تغيرها  في تحديد التغيرات الأجتماعية – لا تزال على حالها . . كان ” التناقض الروسي ” على حاله . و كانت “أسطورة القيصر ” لاتزال قادرة على إبهار الملايين . بالنسبة لهذه الكتلة كان المد الثوري ليس أكثر من موجة بحر عابرة . . صغيرة و سطحية . . فقط أربعة من العمال شاركوا في المؤتمر الإشتراكي الديموقراطي في لندن 1903 .
و لا يجب أن ننسى أن كل أتصال بين هؤلاء الذين في مقدمة المد الثوري و بين من كانوا في الطريق إليه , و بين كتلة السكان الذين ظلوا متخلفين عن ذلك المد , كان مستحيلا .
و هذا الإعتبار يجب أن يضعه القاريء في ذهنه باستمرار من أجل فهم الحداث اللاحقة .
و في 1901 انضم إلى المد الثوري عنصر جديد . . فبجانب حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي , قام الحزب الإشتراكي الثوري . و قد لاقت دعاية هذا الحزب نجاحا كبيرا . .
و الحزبان يختلفان أيديولوجيا في نقاط ثلاث :
1 – من وجهة نظر فلسفية و إجتماعية يرفض الحزب الإشتراكي الثوري التعاليم الماركسية .
2 – و بسبب رفضه للتعاليم الماركسية , فقد وضع الحزب الإشتراكي الثوري حلا مختلفا لمشكلة الفلاحين – و بخاصة في روسيا – . على حين أن حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي و المستند فقط على الطبقة العاملة (البروليتاريا) لم يعول على الجماهير الفلاحية كثيرا – بإنتظار تحولها السريع إلى (بروليتاريا) – و أهمل بالتالي الدعاية في المناطق الريفية . على حين أمل الحزب الإشتراكي الثوري في كسب الفلاحين إلى صف الإشتراكية و الثورة . حيث بنيت أيديولوجيته على أساس من استحالة انتظار تحول الفلاحين إلى (بروليتاريا) . و بالتالي فقد نفذ دعاية واسعة النطاق في المناطق الريفية . . و في حين لم يعد الحزب الاشتراكي الديموقراطي في برنامجه الزراعي بأكثر من توسيع أراضي الفلاحين و بعض الإصلاحات الثانوية الأخرى . على حين نص برنامج الحزب الإشتراكي الثوري على إشتراكية فورية كاملة للأرض .
3 – و إذ يتشق العمل مع الجماهير تماما مع عقيدته فقد رفض الحزب الإشتراكي الديموقراطي جميع النشطة الإرهابية و الإغتيالات السياسية و اعتبرها عديمة الجدوى . و على الطرف الآخر تورط الحزب الإشتراكي الثوري في محاولات لإغتيال كبار رجال القيصر . و أنشأوا تنظبما خاصا اطلق عليه اسم “كائن المعركة” . و كان مكلفا بإعداد و تنفيذ عمليات الإغتيالات السياسية بتوجيه من اللجنة المركزية .
عدا عن هذه الخلافات كانت البرامج السياسية و الإجتماعية قصيرة الأجل “برامج الحد الأدنى” واحدة لـدى الطرفين تقريبا : جمهورية برجوازية ديموقراطية تمهد الطريق لحدوث تطور في اتجاه الإشتراكية .
و فيما بين 1901 و 1905 قام الحزب الإشتراكي الثوري بعدة محاولات إغتيال , كان لبعضها تداعيات كبيرة . ففي 1902 قام (بالماتشيف) Balmachev الطالب الناشط في الحزب الإشتراكي الثوري بإغتيال (سيبياجين) Sipiagin وزير الداخلية ,  في 1904 قام طالب آخر يدعى (سازونوف) Sazonov بإغتيال (فون بليهفي) خليفة (سيبياجين) و المشهور بقسوته . و في 1905 قام الإشتراكي الثوري (كالاييف) Kalayev بإغتيال الدوق الأكبر (سيرجي) حاكم موسكو الملقب بالمرزبان البشع .
بالإضافة إلى هذين الحزبين السياسيين كان كانت هناك أيضا حركة أناركية صغيرة تتشكل . كانت ضعيفة للغاية و مجهولة تماما من الشعب . و قد تألفت من بعض المجموعات من المثقفين و العمال و فلاحي الجنوب بدون اتصال دائم . و ربما كانت هناك مجموعتان اناركيتان في (سانت بطرسبورج) و أكثر من ذلك قليلا في (موسكو) و إن كانت الأخيرة أكثر قوة و نشاطا . فضلا عن مجموعات صغيرة في الجنوب و الغرب . و اقتصر نشاطهم على دعاية ضعيفة للغاية – برغم صعوبتها البالغة أو ربما بسببها – و بعض محاولات الإغتيال ضد الموظفين المتحمسين للنظام و بعض أعمال “الانتقامات الفردية” . و جاء الأدب التحرري مهرّبا من الخارج . و كان في معظمه عبارة عن كتيبات لـ (كروبوتكين) و الذي اضطر هو نفسه للهجرة خارج البلاد بعد انهيار (نارودنايا وليا) حيث استقر في انجلترا .
و قد سببت الزيادة المتسارعة في المد الثوري قلقا متزايدا لدى الحكومة . أما ما أزعج السلطات أكثر فكان تقبل الطبقة العاملة لهذه الدعاية بشكل إيجابي . و بالرغم من عدم قانونيته مما شكل مشكلة في وجودها , كان لدى كلا الحزبين الإشتراكيين لجان و دوائر دعاية و مطابع سرية و عدد لا بأس به من المؤيدين في العديد من المدن الكبرى . و قد اجتذبت اغتيالات الحزب الإشتراكي الثوري قدرا كبيرا من الإهتمام , بل و الإعجاب . و عندما وصل الأمر إلى هذا الحد قررت الحكومة أن أساليبها الدفاعية عن طريق القمع و الترصد و التجسس و الاستفزاز و السجون و المذابح ليست كافية . . و من أجل إبعاد الجماهير العاملة بعيدا عن نفوذ الأحزاب الإشتراكية و جميع الأنشطة الثورية الأخرى , تبنت خطة ميكيافيلية كان بإمكانها نظريا أن تحكم قبضة الحكومة على الحركة العمالية . إذ قررت أن تطلق منظمة عمالية قانونية تسيطر عليها الحكومة . و بذلك تضرب عصفورين بحجر واحد : فمن ناحية ستجذب الحكومة تعاطف و امتنان و ولاء الطبقة العاملة , و تسحبها بعيدا عن الأحزاب الثورية . و من ناحية أخرى فإن الحكومة ستكون قادرة على قيادة هذه الحركة العمالية أينما أرادت , فضلا عن مراقبتها عن كثب .
و ليس هناك من شك أن مهمة مثل هذه في غاية الدقة كانت تتطلب لجذب العمال إلى منظمات الدولة و لتهدئة شكوكهم و إثارة إهتمامهم , الكثير من التملق و الخداع و الإغراء , بدون علمهم . . و كان من الضروري التظاهر بتلبية تطلعاتهم و التفوق على الحزبين و تحييد دعاياتهما بتجاوزها , و لاسيما مع أعمال ملموسة . . و كان على الحكومة لتحقيق نجاحات ملموسة أن تقدم بعض  التنازلات في النظام الإقتصادي و الإجتماعي , لكي تحتفظ بالعمال تحت رحمتها تتلاعب بهم كما تشاء .
و كان على رجال تضع فيهم الحكومة ثقتها المطلقة أن يضطلعوا بتنفيذ مثل هذا “البرنامج” . رجال ماكرين , ماهرين , ذوي خبرة , و على دراية بنفسية العمال . رجال يعرفون كيف يفرضون أنفسهم على العمال و يكسبون ثقتهم .
و قد وقع اختيار الحكومة على عنصرين من عناصر الشرطة السياسية السرية (أوخرانا) للإضطلاع بهذه المهمة . كان أولهما (زوباتوف) Zubatov من (موسكو) و كان الآخر الأب (غابون) Gapon قسيس سجن (سانت بطرسبورج) .
أرادت حكومة القيصر أن تلعب بالنار , و لم يمض طويل وقت حتى أحرقت نفسها بقسوة ..

مير Mir : كوميونة زراعية قوامها فلاحين أحرار تئول فيها ملكية الأرض للكوميونة و تعتمد على التنظيم الذاتي في استغلال الأرض . و يرجع تاريخ تكونها إلى عهد سابق على نظام القنانة في محاولة الفلاحين الإحتفاظ بأرضهم و حريتهم . وبعد إلغاء نظام القنانة 1868 آلت ملكية الأراضي المستقطعة من الإقطاعيين إلى الـ (مير) . و مع تزايد السكان الطبيعي صار الـ (مير) عاجزا عن دعم أعضاءه . و قد حاول (ستوليبين) Stolypin بإصلاحاته 1908 كسر الـ (مير) بلا جدوى . صحيح أن بعضها قد تحول إلى أراضي ملكيات فردية إلا أن الـ (مير) قد استمر كوحدة إدارية و ضريبية لما بعد قيام ثورة 1917 حتى 1928 – 1929 مع إدخال مفهوم المنظمات الجماعية حين حلت محلها المزارع الجماعية كبديل لها . (المترجمة)

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 6

الفصل الرابع
نهاية القرن
الماركسية . التطور السريع . الرجعية
( 1881 – 1900م )
———————
بعد فشل حملة العنف التي قادها الـ (نارودانيا فوليا) ضد القيصرية , شاركت الكثير من العوامل في تحول الحركة الثورة الروسية . و كان أهم هذه العوامل هو ظهور الماركسية .
و كما هو معروف فإن الماركسية قد عبرت عن تصور جديد للنضال الإجتماعي . تصورا أدي إلى برنامج عمل ثوري ملموس . و تمثل في أوروبا الغربية في حزب الطبقة العاملة السياسي المدعو بالحزب السياسي الديموقراطي .
و على الرغم من كل العقبات , كانت أفكار (لاسال) الإشتراكية و انجازات (ماركس) معروفة . إذ درست و بُشّر بها و مورست سرا في روسيا . و قد برع الأدب في فن التعامل مع الأفكار الإشتراكية باستخدام لغة معمّاة . و قد عادت المجلات الكبيرة المعروفة للظهور بحماسة كبيرة  بين المساهمين الذين كانوا أفضل الصحفيين و الناشرين في ذلك الوقت . و الذين حللوا بشكل منظّم المشاكل الإجتماعية و المذاهب الإشتراكية و وسائل تحقيقها . و إننا لا نبالغ في تقدير قيمة هذه المنشورات بالنسبة للحياة الثقافية للبلد إذا قلنا أنه يستحيل على أسرة مثقفة أن تكون كذلك بدونها . و كان من الضروري في المكتبات أن يوضع اسم الشخص على قائمة الإنتظار للحصول على أحدث إصدار . و قد تلقى أكثر من جيل من الروس تعليمهم الإشتراكي من هذه المجلات , و أكملوا هذا التعليم من خلال قراءة جميع أنواع المنشورات السرية .
و هكذا حلت الأيديولوجية الماركسية المستندة على العمل المنظم لـ (البروليتاريا) محل آمال الدوائر التآمرية السابقة , الخائبة
و كان العامل الآخر المهم هو التطور السريع المطرد للصناعة و التكنولوجيا , مع كل العواقب بعيدة المدى الخاصة به .
فمن شبكات السكك الحديدية و غيرها من وسائل النقل , إلى التعدين و التنقيب عن النفط , إلى المنسوجات , إلى صناعة الماكينات , تطورت كل هذه الأنشطة الإنتاجية بخطوات واسعة لتعوض ما فاتها . و انتشرت المناطق الصناعية في جميع أنحاء البلاد . و تغيرت بيئة مدن عديدة بسبب المصانع الجديدة و بسبب الأعداد المتزايدة من العمال .
فقد دعم هذه الطفرة الصناعية قوي عاملة تتألف من جموع هائلة من الفلاحين البائسين الذين أجبروا إما على ترك ترك أراضيهم غير الكافية بصورة دائمة أو البحث عن عمل إضافي أثناء فصل الشتاء . و كما في كل مكان آخر كلما تقدمت الصناعة تقدمت (البروليتاريا) . . و كما في كل مكان آخر , بدأت هذه (البروليتاريا) في إذكاء الحركة الثورية .
و هكذا كان انتشار الأفكار الماركسية و نمو (البروليتاريا) الصناعية التي يعتمد عليها الماركسيين , هي العناصر الساسية في تحديد الوضع الجديد .
و احتاجت التنمية الصناعية و ارتفاع مستوى المعيشة بشكل عام في جميع المجالات إلى المتعلمين و المهنيين و الفنيين و العمال المهرة . و تزايدت أعداد المدارس بكافة أنواعها في اطّراد الرسمية و البلدية و الخاصة . في المدن و الريف . جامعات و مدارس فنية متخصصة و غيرها منمنشئات التعليم العالي وكانت المدارس الإبتدائية و الدورات المهنية في كل مكان . و خلاصة القول كان 79% الجنود أميين في سنة 1875 , و بحلول 1898 انخفضت هذه النسبة إلى 55% .
جاء هذا التطور كله خارج إطار النظام السياسي ذو الحكم المطلق . بل و كان معارضا له في كثير من الأحيان . و تمسك النظام في عناد بجموده السخيف المعرقل حتى صار كجثة نجثم فوق جسد البلد الحـي .
و بالتالي , و على الرغم من القمع الوحشي , انتشرت الحركة المناهضة للملكية جنبا إلى جنب مع الدعايات الثورية و الإشتراكية على نطاق واسع و على نحو متزايد .
و حتى الجماهير الفلاحية – الأكثر تخلفا و الأكثر تعرضا للظلم في آن – بدأت تتزحزح . . يحثها الفقر و المعاملة غير الإنسانية من ناحية و تجاوب أصداء الدعايات المحرضة من ناحية أخرى . و قد نفذت هذه الأصداء إلى أوساط الفلاحين عبر المثقفين الذين كانوا يعملون في الـ (الزيمستفات) حيث كانوا يعرفون باسم (زميستكي رابوتنيكي) =  مستخدمين البلديات . و عبر العمال الذين كانت تربطهم علاقات عائلية مع الريف . و عبر العمال الموسميين و البروليتاريا الزراعية . و كانت الحكومة عاجزة في مواجهة هذه الدعاية .
و ما إن نصل إلى نهاية القرن حتى نجد قوتان واضحتان في مواجهة إحداهما الأخرى . أولاهما القوة القديمة و تتألف من الطبقات صاحبة الإمتيازات العالية الذين تجمعوا حول العرش , النبلاء و ملاك الأراضي و البيروقراطيين و العسكريين و كبار رجال الدين و البرجوازية الناشئة . و كانت الثانية قوة ثورية شابة تألفت أساسا بين 1890 و 1900 من جموع الطلبة , لكنها بدأت تستقطب العمال الشباب في المدن و المناطق الصناعية .
و في 1898 أنشأ التيار الثوري ذو الميول الماركسية حزب العمال الإشتراكي الروسي . و كانت أولى المجموعات الإشتراكية الديموقراطية قد تكونت سنة 1883 تحت اسم ” تحرير العمال “.
بين هاتين القوتين المتضادتين وقفت قوة ثالثة . تألفت أساسا من ممثلي الطبقة الوسطى و عدد من المثقفين البارزين , أساتذة جامعات و محامين و كتاب و أطباء . . كانت حركة ليبرالية على استحياء . و على الرغم من تقديمهم الدعم للحركة الثورية سرا و بحذر شديد , اعتقد هؤلاء الناس في “الإصلاحات” و كانوا على أمل أنه تحت التهديد بالثورة الوشيكة – كما في عهد (ألكسندر الثالث) – سيقدم النظام الاستبدادي المزيد من التنازلات مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء نظام دستوري .
وحدها الجموع الفلاحية ظلت خارج هذه المعادلة .
و عندما توفي (ألكسندر الثالث) ترك العرش لابنه نيقولا . . آخر آل رومانوف . .
و أدعت أسطورة غامضة أن القيصر مؤمن بالأفكار الليبرالية . بل و تمادت إلى حد الزعم بأنه قد منح شعبه دستورا من شأنه أن يقيد السلطات المطلقة للقيصر تقييدا .
و سعيا لتحويل رغباتهم إلى حقائق , التمست بعض المجالس البلدية (زيمستفو) الليبرالية على استحياء شديد من القيصر الشاب حقوقا نيابية تمثيلية .

و في يناير 1895 و في أثناء الاحتفال زواج (نيقولا الثاني) , و إذ كان القيصر يتلقى أفواج المهنئين من النبلاء و الجيش و المجالس البلدية في (سانت بطرسبورج) إذ فوجيء أعضاء المجالس البلدية بالقيصر يتمعّر غضبا و يضرب الأرض بقدمه و هو يصرخ في هيستيريا داعيا المجالس البلدية لنبذ “أحلامها المجنونة” إلى الأبد . . و قد عزز قوله على الفور عن طريق اتخاذ تدابير قمعية ضد “محرضين” معينين على مواقف المجالس البلدية “التخريبية” . . و هكذا تم التأكيد على الرجعية و الإستبداد مرة أخرى ضد تطور البلاد العام .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 5

الفصل الثالث
القمع . العنف . و الفشل
إستمرار التنمية
( 1855 – 1881م )
———————
كان على الإمبراطور ألكساندر الثاني ابن نيقولا الأول و خليفته أن يواجه وضع النظام و البلاد الصعب . و قد اضطر القيصر تحت ضغط السخط العام و ضغوط الطبقة المثقفة التقدمية و و الخوف من انتفاضة الجماهير الفلاحية و أخيرا الضرورات الإقتصادية في تلك الفترة للرضوخ و السعي في طريق الإصلاح على الرغم من المقاومة المريرة من الدوائر الرجعية . حيث قرر أن يضع حدا للنظام البيروقراطي البحت و تعسف الموظفين الإداريين المطلق و تأسيس تغييرات بعيدة المدى في النظام القضائي . و قبل كل شيء مواجهة مشكلة القنانة .
فمنذ 1860 و صاعدا تتالت الإصلاحات في إثر بعضها في تعاقب سريع و دون إنقطاع . و كان أهمها . إلغاء القنانة 1860 . إنشاء محاكم للجنايات مع انتخاب هيئة محلفين 1864 و التي حلت محل محاكم الدولة السابقة المؤلفة من موظفين . إنشاء وحدات الإدارة المحلية في المدن و الريف 1864 و كانت الـ ( جورديسكي ساموبراليني) و الـ (زامتوفو) هي أشكال البلديات في المناطق الحضرية و الريفية . مع الحق في الحكم الذاتي في مجالات معينة من الحياة العامة كالتعليم و الصحة  و النقل . . إلخ .
و هكذا تحولت جميع القوى الحيوية للسكان و بخاصة للمثقفين إلى المشاريع التي صارت الآن ممكنة . و كرست البلديات نفسها بحماس لإنشاء سلسبلة من المدارس الإبتدائية ذات الإتجاه العلماني . و كانت البلديات و المدارس كلتاهما تحت رقابة الحكومة . و كان التعليم الديني إلزاميا و لعب البابا أدوارا هامة . و رغم ذلك تمتعت المدارس بقدر من الإستقلالية و أختارت الـ (زامتوفو) و المجالس الحضرية أعضاء هيئة التدريس من بين المثقفين التقدميين .
و كُرّس أيضا جانب كبير من الإهتمام لتحسين الأوضاع الصحية في المدن و تحسين وسائل النقل .
و تنفست البلاد المزيد من الحرية .
و مع ذلك , و على الرغم من أهميتها مقارنة بالوضع في السابق , كانت إصلاحات (ألكساندر الثاني) خجول جدا و غير مكتملة بالنسبة لتطلعات الطبقات المتقدمة و للإحتياجات المادية و المعنوية للبلاد . فلكي تكون فعالة , و لإعطاء الناس زخما حقيقيا كان يجب على الإصلاحات أن تكون مصحوبة بمنح حريات معينة و حقوق مدنية : حرية التعبير و حرية الصحافة و الحق في التجمع و تكوين الجمعيات و ما إلى ذلك في هذا المجال . و مع ذلك لم يتغير شيء . فنادرا ما كانت الرقابة أقل سخفا . و بقيت حرية التعبير و الصحافة مكممة . و لم تمنح أية حريات . و كانت الطبقة العاملة الناشئة بلا حقوق . و كانت طبقات النبلاء و الإقطاعيين و البورجوازية هي الطبقات المسيطرة . و قبل كل شيء بقي النظام الإستبدادي سليما لم يمس . لقد كان الخوف من تغيير النظام تحديدا هو ما دفع بـ (ألكسندر) أن يلقي ” عظمة الإصلاح ” للناس , و هو أيضا ما منعه من المضي في تنفيذها حتى النهاية . و هكذا فشلت الإصلاحات في إرضاء الناس . .
و تقدم الظروف التي تم فيها إلغاء القنانة أفضل مثال على ما نقوله .  و هي تشكل أضعف نقطة في الإصلاحات .
فالإقطاعيين , و بعد صراع عبثي طويل , كان لابد لهم و أن ينحنوا أمام قرارات القيصر العليا . القرارات التي توصل إليها بعد تذبذبات طويلة دراماتيكية و تحت ضغط العناصر التقدمية النشطة . لكنهم من جانبهم قد فعلوا كل ما في وسعهم لجعل تأثير هذه الإصلاحات ضئيلا . و قد كان القيام بذلك بالنسبة لهم من أيسر المهام , لأن (ألكسندر الثاني) نفسه كان بطبيعة الحال لا تريد أن تنتهك ” المصالح المقدسة ” لـ ” نبلاءه المحبوبين ” . و كان الخوف من الثورة في المقام الأول هو ما أملى عليه مبادرته . و كان يعلم أن الفلاحين قد سمعوا عن نواياه و عن الخلافات التي تحيط بهذا الموضوع في البلاط . و كان يعلم أن صبرهم قد وصل هذه المرة إلى نهايته , و أنهم يتوقعون تحريرهم . و أنهم إذا عرفوا بتأجيل الإصلاح فإن الإنفعالات التي ستتبع ذلك يمكن أن تثير تمردا واسعا رهيبا . و قد أعرب القيصر في مناقشته الأخير مع معارضي الإصلاح عما بداخله بجملته الشهيرة : ” من الأفضل إعطاء الحرية من أعلى بدلا من انتظار أن تنتزع من أسفل ” . . و قد فعل كل ما في وسعه لجعل هذه الحرية , أعني إلغاء القنانة , غير ضارة بمصالح الإقطاعيين بقدر الإمكان . . و في ذلك كتا الشاعر (نيكرازوف) Nekrasov في قصيدته المدوية :”  كسرت السلسلة الحديدية في النهاية . . نعم كسرت . . و ضرب أحد طرفيها السيد الإقطاعي . . لكن طرفها الآخر ضرب الفلاح . . “
 و مما لا شك فيه أن الفلاحين قد حصلوا على حريتهم أخيرا . لكنهم دفعوا ثمنها أيضا باهظا . و قد حصلوا بالفعل على مزارع صغيرة المساحة , لأنه من الواضح أن تحريرهم كان مستحيلا من دون منحهم قطعا من الأرض كبيرة بما فيه الكفاية لمنعهم من الموت جوعا . و علاوة على ذلك و بالإضافة إلى ضرائب الدولة التي كان عليهم أن يدفعوها لمدة طويلة , فقد تعين عليهم رسوما ضخمة نظير الأراضي التي سلبت من أصحابها . و تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 75 مليونا من الفلاحين قد تلقوا أكثر قليلا من ثلث الأرض بينما أبقت الدولة نحو ثلث الأرض في حوزتها و ظل الثلث الباقي في أيدي أصحابها السابقين . و قد أفضت هذه التدابير بالفلاحين إلى حياة المجاعة . . و أبقتهم تحت رحمة الـ (البومشيق) , ثم تحت رحمة الـ (كولاك) و هم الفلاحين الذين اغتنوا بشكل أو بآخر .
و كان العمال من سكان المدن عزّل تماما ضد الاستغلال المتزايد .
و قد جعل غياب حريات التعبير و الصحافة , فضلا عن منع جميع اللقاءات ذات المضمون السياسي أو الإجتماعي من أي انتقاد أو دعاية أو نشاط إجتماعي أو تداول حر للأفكار ضربا من المستحيل .
و كان الشعب ” مفعولا به ” للسلطة التعسفية ذات الحكم المطلق لا أكثر . صحيح أن السلطة قد صارت أقل ضراوة مما كانت عليه أيام (نيقولا الأول) إلا أنها لم تصر أبدا أقل عسفا أو إطلاقا .
أما بالنسبة للجماهير الفلاحية , فظلت كالثيران تحمل الأثقال . و كانت الأثقال هي عبء تمويل الدولة و الطبقات صاحبة الامتيازات .
و سرعان ما أصبح أفضل ممثلي المثقفين الشباب على بينة من هذا الوضع المؤسف . و كانوا جميعا الأكثر أسي , لأن بلدان الغرب في ذلك الوقت كان لديها أنظمة سياسية و إجتماعية متقدمة نسبيا . و حوالي عام 1860 كانت أوروبا الغربية في خضم النضالات الإجتماعية , و كانت الإشتراكية قد بدأت دعايتها المكثفة و بدأت الماركسية في مهمة تنظيم الطبقة العاملة في حزب سياسي قوي .
و كما كان الأمر من قبل , واصل أفضل الناشرين تحدي الرقابة و التحايل عليها . الرقابة التي لم تحظ عادة بقدر جيد من التعليم أو الذكاء الكافي ما يمكنه أن يمكنها من فهم براعة و تنوع الأساليب . . على الرغم من أن (تشيميشفيسكي) Chernyshevski قد دفع في نهاية المطاف ثمن جرأته عملا بالسخرة . و قد نجح الناشرون في إيصال الأفكار الإشتراكية إلى الأوساط الفكرية من خلال المقالات المكتوبة للمجلات التقليدية . و بهذه الطريقة تم تثقفيف الشباب و إبقاءهم على اتصال دائم بالتيارات الفكرية و الأحداث السياسية و الإجتماعية التي تحدث في الخارج . و في نفس الوقت كانوا يكشفون بمهارة عن الجزء الخفي في ” إصلاحات ” (ألكسندر) . . دوافعها الحقيقية و نفاقها و أوجه قصورها .
و بالتالي فإنه من الطبيعي أن نعزو تشكيل الجماعات السرية من أجل النضال الفعال ضد النظام البالي في روسيا و قبل كل شيء إيصال فكرة التحرر السياسي و الإجتماعي للطبقة العاملة إلى هذه الفترة .
و تألفت هذه الجماعات من شباب من كلا الجنسين كرسوا أنفسهم بروح من التضحية السامية من أجل مهمة ” تنوير الجماهير العاملة ” .
و هكذا تشكلت حركة واسعة من الشباب الروس المثقفين الذين تركوا – و بأعداد هائلة – عائلاتهم و وسائل راحتهم و وظائفهم و ألقوا بأنفسهم تجاه الشعب من أجل تنويره.
في الوقت نفسه بدأت أنشطة إرهابية موجهة ضد موظفي الخدمة الرئيسيين في النظام . و في ما بين 1860 و 1870 جرت محاولات عدة لإغتيال العديد من كبار المسئولين الحكوميين . و بعض المحاولات الفاشلة ضد القيصر .
و قد انتهت هذا الحركة بالفشل إذ ألقت الشرطة على كل من قام بدعاية تقريبا . و في كثير من الأحيان على أساس دعاوى الفلاحين أنفسهم . و تم سجنهم أو نفيهم أو إرسالهم للأشغال الشاقة . و كانت النتائج العملية للحركة معدومة .
أصبح من الواضح بشكل متزايد أن القيصرية تقف عقبة كأداء في سبيل تنوير الناس . و كان من الضروري أن تقطع خطوة واحدة أبعد للوصول إلى النتيجة المنطقية التالية : حيث أن القيصرية تمثل هذه العقبة فلابد من تدميرها .
و كان من خطى هذه الخطوة هم مجموعة من الشباب الرث اليائس و كان هدفهم الرئيسي إغتيال القيصر . و قد أدت عوامل أخرى أيضا إلى اتخاذ هذا القرار . فالرجل الذي خدع الناس بـما أطلق عليه اسم ” الإصلاحات ” كان يجب أن يعاقب علنا . كان يجب كشف الخداع أمام الجماهير العريضة . و كان يجب جذب انتباه هذه الجماهير بفعل دراماتيكي رهيب . و بإختصار كانت فكرتهم أن القضاء على القيصر ستظهر للشعب هشاشة و ضعف النظام و طابعه العارض المؤقت .
و كان رأيهم أن أسطورة القيصر هكذا ستدمر مرة واحدة و إلى الأبد . و ذهب بعضهم في نفس السياق إلى أبعد من هذا , إلى الإدعاء بان إغتيال القيصر سيكون بمثابة نقطة الإنطلاق و التي في تطور السياق العام ستنتهي إلى الثورة و إلى سقوط القيصرية على الفور .
و قد تمكنت المجموعة التي أطلقت على نفسها اسم (نارودنايا فوليا) = إرادة الشعب بعد استعدادات مفصلة من إغتيال القيصر الذي كان مسافرا , في (سانت بطرسبورج) في أول مارس 1881 . حيث ألقى الإرهابيون قنبلتين على المركبة الإمبراطورية فدمرت الأولى العربة و أصابت الثانية الإمبراطور في ساقيه بجروح قاتلة . حيث توفي على الفور .
 لكن الجماهير لم تفهم هذا الفعل قط . ذلك أن الفلاحين الذين لا يقرأن المجلات , و بالأحرى لا يقرأون شيئا حال كونهم أميون كانوا معزولين عما هو خارج عالم عاداتهم و قد تجاهلتهم كل دعاية بينما وقعوا فريسة أسطورة القيصر لأكثر من قرن . فكان تفسير الفلاحين لحادث الإغتيال أن القيصر لم يرد لهم سوى الخير لكن نواياه الطيبة هذه قد أحبطها النبلاء و الإقطاعيين بإغتياله إنتقاما لأنفسهم من إلغائه القنانة و على أمل استعادتها . و قد وجد الفلاحون في مقاومة النبلاء لتحريرهم و في الدفع الإلزامي للرسوم الكبيرة دليلا آخر على أن إغتيال القيصر كان مؤامرة من النبلاء .
قتل القيصر و بقيت الأسطورة . و سيرى القاريء كيف تكفلت السنوات الأربع و العشرين التالية بالقضاء على هذه الأسطورة .
لم تفهم الجماهير و لم تتحرك . و راحت الصحافة المستعبدة تصرخ : ” المجرمون الوضعاء ” و ” الأوغاد المروعين ” و ” البلهاء ” .
و في البلاط لم تحدث الكثير من الفوضى إذ تولى السلطة على الفور ولي العهد (ألكسندر) الشاب أكبر أبناء الإمبراطور المغتال .
و تم العثور على قادة حزب (نارودنايا فوليا ) , أولئك الذين نظموا و نفذوا عملية الإغتيال . ألقي القبض عليهم و حوكموا و أعدموا . و كان أحدهم (جرينفيتسكي) Grinevetski الشاب الذي ألقى القنبلة التي قتلت القيصر قد أصيب بجروح قاتلة جراء الإنفجار و توفي على الفور . و تم إعدام (صوفيا بيروفيسكايا) Sofya Perovskaya و (زيليابوف) Zheliabov و (كيبال شيتش) Kibal-chich الفني الذي صنع القنابل و (ميخائيلوف) Mikhailov و (ريساكوف) Ryssakov  شتقا .
و اتخذت تدابير استثنائية واسعة النطاق من القسوة و الإضطهاد و أدى القمع بالحزب في فترة قصيرة جدا إلى العجز التام .
و عاد كل شيء إلى ” النظام ” .
و تحت تأثير حادثة الإغتيال لم يجد الإمبراطور الجديد (ألكسندر الثالث) ما هو أفضل من العودة إلى الطريق القديم الذي هجره والده كرد فعل طبيعي . إذ بدت له إصلاحات والده غير المكتملة أمرا مفرطا و مؤسفا و خطيرا . و اعتبرها خطأ يرثى له . و بدلا من أن يفهم أن حادث الإغتيال كان بسبب عدم كفاية الإصلاحات و أنه لابد من توسيع نطاقها , رأي على العكس تماما أنها سبب البلاء . و استغل مقتل والده لمعارضة ” الإصلاحات ” بكل وسيلة ممكنة .
و وضع ليغير من روح الإصلاحات و لمواجهة آثارها و وضع العراقيل في سبيلها , سلسلة طويلة من القوانين الرجعية . و استعادت الدولة البيروقراطية القمعية حقوقها . و خنقت كل حركة أو تعبير تحرري .
و بطبيعة الحال لم يفلح القيصر في إعادة تأسيس نظام القنانة . لكن الجماهير العاملة قد صودر عليها لتظل أكثر من أي وقت مضى على حالتها . . قطيعا غير متميّز , قابلا للإستغلال , محروما من كل حقوق الإنسان .
و أصبح أدنى اتصال بين طبقات الفلاحين و المتثقفين مرة أخرى موضع شبهة إن لم يكن مستحيلا . و بقي ” التناقض الروسي ” . . الفجوة التي لا يمكن تجاوزها بين المستوى الثقافي و تطلعات الطبقات العليا و حياة الشعب الكئيبة الغافلة , على حاله .
و مرة أخرى حظر كل نشاط إجتماعي . و انحط ما نجا من ” إصلاحات ” (ألكسندر الثاني) الخجولة إلى صورة كاريكاتورية .
في ظل هذه الظروف كان بعث النشاط الثوري من جديد أمرا لا مفر منه .

و هذا ما حدث فعلا . لكن شكل هذا النشاط و جوهره تغير تماما تحت تأثير العوامل الإقتصادية و الإجتماعية و النفسية الجديدة .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 4

الفصل الثاني
القمع . العنف . و الفشل
إستمرار التنمية
( 1825 – 1855م )
استمر حكم (نيقولا الأول) من 1825 إلى 1855 . و من وجهة نظر ثورية فإنه لاشيء ذا خطر يميز هذه السنوات العقيمة . لكن هذه السنين الثلاثين جديرة بالذكر من نواح عدة هامة .
فمع إعتلائه العرش في ظل ثورة الديسمبريين لم يكن أمام (نيقولا الأول) من خيار غير الحديد و النار لسحق أي تعبير عن الحرية في مهده . فعزز الحكم المطلق إلى حده الأقصى و نجح في تحويل روسيا إلى دولة بيروقراطية قمعية !!
و كانت الثورة الفرنسية و الحركات الثورية التي اجتاحت أوروبا في وقت لاحق بمثابة كوابيس مقيمة بالنسبة له . و قد تعهد تدابير وقائية استثنائية .
كان السكان جميعا تحت المراقبة . و لم يعد لتعسف البيروقراطية أو الشرطة أو المحاكم حدود . و قمعت الشرطة كل مظهر للاستقلال و كل محاولة للتحرر بيد من حديد .
و بطبيعة الحال لم يكن هناك أي لمحة من حرية التعبير أو التجمعات أوتكوين الجمعيات .
و ازدهرت الرقابة كما لم يحدث من قبل .
و عوقب كل من خالف ” القانون ” بقسوة بالغة .
و قد أدت إنتفاضة الإنتفاضة البولندية في 1831م و التي تم وأدها بوحشية نادرة . بالإضافة إلى الوضع الدولي العام في ذلك الوقت إلى المزيد من عسكرة الدولة . و نظمت حياة الناس كما لو كانت روسيا ثكنة كبيرة . و وقّعت عقوبات شديدة على أولئك الذين حاولوا تجنب الإنضباط المفروض . لهذا كله استحق لقبه . . (نيقولا الجبار) .
و على الرغم من كل التدابير , أو بالأحرى بسببها و بسبب آثارها البشعة , التي غفلت عنها عين القيصر أعربت البلاد  – أو بالأحرى قطاعات معينة من سكانها – عن استياءها في كل فرصة .
و قد استغل النبلاء الإقطاعيين تدليل الإمبراطور لهم . إذ اعتبرهم دعامة حكمه الرئيسية في و في معاملة الأقنان معاملة مقيتة مع كامل الإفلات من العقاب . مما أثار غضب الفلاحين الذي صار ملحوظا . و قد وصلت أعمال التمرد ضد البومشيق و ضد السلطات المحلية حدا مقلقا . و بدأت التدابير القمعية تفقد فعاليتها .
و تزايد الفساد و انعدام الكفاءة و نزوات الموظفين حتى بلغ حدا لا يطاق . و إذ كان القيصر في حاجة إلى دعم هؤلاء الموظفين و عنفهم من أجل ” إبقاء الناس في نظام ” فقد أغلق عينيه و صم أذنيه عن كل مظلمة . فقط ليزداد حنق الذين عانوا من هذه الحالة شدة .
و بقيت قوى المجتمع الحيوية غير فاعلة . فقط الروتين الرسمي السخيف العاجز هو ما سمح به .
و قد أدى هذا الوضع فيما بعد إلى حتمية إنحلال النظام بأكمله . لقد كان ” نظام السياط ” قويا في الظاهر فحسب أما من الداخل فكان متعفنا بالكامل . كانت الإمبراطورية الهائلة قد أصبحت بالفعل ” عملاق ذو أقدام من الطين “
و كانت قطاعات كثيرة من السكان تصبح على بينة من هذا الوضع .
و صارت روح المعارضة ضد هذا النظام المستحيل أشبه بالعدوي . . تصيب المجتمع بأسره .
و في ظل هذه الظروف بدأ تطور الطبقة المثقفة الشابة العظيم . .
و في بلد كبير وافر مثل روسيا . كان الشباب وافرا بين كل طبقات السكان . ترى ماذا كانت نظرتهم العامة ؟
إذا نحينا جانبا شباب الفلاحين , يمكننا أن نلاحظ أن الأجيال الأصغر سنا و المتعلمة بشكل أو بآخر قد تبنت أفكارا تقدمية . فلم يتقبل شباب منتصف القرن التاسع عشر نظام القنانة بسهولة . و صدمهم  الاستبداد القيصري . و حفزت دراسة العالم الغربي – على الحد الذي لا يمكن لأي رقابة أن تمنعه –  مخيلاتهم . و يبدو أن هذه الرقابة قد أدت إلى عكس المرجو منها إذ حولت الأفكار المحرمة إلى نوع من الفاكهة المحرمة . و الممنوع مرغوب . و قد تركت نجاحات العلوم الطبيعية و مباديء المادية انطباعا قويا عليهم . كما شهدت هذه الفترة أيضا ازدهار الأدب الروسي الذي استمد إلهامه من المباديء الانسانية و استطاع أن يمارس تأثيرا قويا على الشباب و برغم الرقابة إلا أنه قد تمكن من التحايل عليها بنجاح . .
و في الوقت ذاته . و من وجهة نظر إقتصادية . لم تعد عمالة الأقنان مع غياب الحريات تستجيب لإحتياجات العصر الملحة .
و لهذه الأسباب جميعا يمكن إعتبار تحرر المثقفين الروس و بخاصة الشباب منهم و قد صار واقعا نحو نهاية حكم (نيقولا الأول) . و قد عارض المثقفون بشدة الاستبداد و نظام العبودية .
و قد شهدت هذه الفترة مولد التيار العدمي المعروف . فضلا عن الصراع الشرس بين الآباء المحافظين و الأبناء التقدميين . و هو الصراع الذي صوره (تورجينيف) Turgenev كأفضل ما يكون في روايته ” الآباء و الأبناء “
أما خارج روسيا فقد رافق سوء فهم واسع النطاق عميق الجذور مصطلح “العدمية” nihilism الذي نشأ في الأدبيات الروسية قبل هذا التاريخ بنحو 75 عاما بسبب نقلها عن أصلها اللاتيني بدون ترجمة .
ففي فرنسا و غيرها كان مصطلح العدمية يفهم على أساس أنها عقيدة ثورية و سياسية و إجتماعية اخترعت في روسيا حيث انتظم أو كان ينتظم فيها العديد من المؤيدين . و كانوا يتحدثون عن ” الحزب العدمي ” و أعضائه من ” العدميين ” . . لكن أي من هذا لم يكن صحيحا . .
دخل مصطلح ” العدمية ” إلى الأدب الروسي ثم إلى اللغة الروسية على يد الروائي الشهير (إيفان تورجينيف)  Ivan Turgenev  1818 – 1883 م في منتصف القرن التاسع عشر . و قد استخدم (تورجينيف) هذا المصطلح في إحدى رواياته واصفا تيارا من الأفكار – و ليس عقيدة ذات تعاليم – التي ظهرت بين الشباب الروس المثقفين في نهاية 1850 . و سرعان ما قُيّد المصطلح و أصبح جزءا من اللغة .
هذا التيار من الأفكار كان ذا طابع فلسفي أساسا أخلاقي إلى حد كبير . و كان مجال تأثيره محدود دائما إذ لم يتعد طبقة المثقفين . و حمل دوما وجهات نظر شخصية مسالمة و إن لم تمنعها من أن تتحرك بروح الثورة أو أن تسترشد بحلم السعادة للبشرية جمعاء .
و الحركة التي كانت تستمد قوتها الداقعة من هذا التيار الفكري – إذا كان لنا أن نتحدث عن حركة – لم تتجاوز مجال الأدب و الأدبيات . إذ كان قيام أي نوع من الحركات في ظل نظام ذلك الوقت ضرب من المستحيل . و مع ذلك فإنه و خلال هذين المجالين – الفلسفي و الأخلاقي – لم تتردد الحركة في استخلاص النتائج المنطقية التي لم تتم صياغتها فحسب , بل و سعت لتطبيقها بصورة فردية كقواعد للسلوك .
ضمن هذه الحدود مهدت الحركة الطريق للتطور الفكري و الأخلاقي و الذي قاد الشباب الروسي نحو مفاهيم واسعة جدا و تقدمية . و كان أحد النتائج تحرير المرأة المتعلمة في نهاية القرن التاسع عشر . و هو الإنجاز الذي يحق لروسيا أن تفخر به .
على الرغم من طابعه الفلسفي الفردي الصارم , حمل هذا التيار الفكري في طياته بسبب من الروح الإنسانية التحررية التي سادته بذور المفاهيم الإجتماعية التي أدت فيما بعد إلى قيام الحركة الثورية الحقيقية في صورتيها السياسية و الإجتماعية . مهدت ” العدمية ” الأرض لهذه الحركة التي ظهرت فيما بعد تحت تأثير الأفكار الأوروبية فضلا عن الأحداث الداخلية و الخارجية .
أما خارج روسيا فقد اختلط عليهم المر بين هذا ” التيار العدمي ” و بين الحركة التي قامت في وقت لاحق بقيادة من الأحزاب و الجماعات المنظمة التي لديها برنامج عمل و أهداف محددة . لكن يجب أن يتم الاحتفاظ  بالمصطلح ” عدمية ” للتيار الفكري الذي كان تمهيدا لهذه الحركة .
و كمفهوم فلسفي تتأسس العدمية على فهم المادية و الفردية في أوسع نطاق لها . و اكثره مبالغة .
و قد ترجم كتاب ” القوة و المادة ” للفيلسوف المادي الألماني (بوخنر) Buchner 1824 – 1899 إلى الروسية و طبع سرا باستخدام طريقة الطباعة الحجرية (1) . و وزعت آلاف النسخ بالرغم من المخاطر . و سرعان ما صار كتاب الشباب الروس المثقفين المقدس في ذلك الوقت . كما مارست أعمال (مول-سكوت) Mole-schott و (تشارلز داروين) و غيرهم من المؤلفيين الماديين و الطبيعيين تأثيرا واسعا .
و قد قبلت المادية كحقيقة مطلقة لا تقبل الشك .
و كماديين دخل العدميين في حرب شرسة لاهوادة فيها ضد الدين و ضد كل ما لا يستسيغه المنطق الخالص أو الدليل الإيجابي . ضد كل ما هو خارج الواقع المادي أو وراء القيم العملية . و بإختصار ضد كل ما هو روحي أو عاطفي أو مثالي .
و سخروا من علم الجماليات و من الجمال و الراحة و التمتع الروحي و الحب العاطفي و الأزياء و الرغبة في الرجاء . و ذهبوا إلى حد الرفض التام للفن كمظهر من مظاهر المثالية . و كان منظّرهم الأيــديولوجي الأقـوى الإعلامـي العبقري (بيساريف) Pisarev الذي قضى في حادث و هو في ريعــان الشباب . و قد وضع في واحدة من مقالاته موازنته الشهير بين العامل و الفنان . و قد أكد (بيزاريف) أن أي إسكافي أكثر مدعاة للإعجاب من (رفائيل) . لأن الأول ينتج أشياء مادية مفيدة . بينما لا تخدم لوحات الثاني أي غرض . و قد طبّق (بيزاريف) في كتاباته مباديء المادية و النفعية بقسوة لإقصاء الشاعر الكبير (بوشكين) . و يقول (بازاروف) العدمي في رواية (تورجنيف) : ” العالم ليس معبد بل معمل . و الرجال هناك ليعملوا ” .
عندما نتحدث عن الحرب بلا هوادة التي يشنها العدميون فلا يجب أن يخطر في بالنا غير مفهوم الحروب الأدبية و المعارك اللفظية ليس إلا . إذ اقتصر نشاط ” العدمية ” على الدعاية المستترة لأفكارها في الصحف و بين المثقفين . و لم يكن من السهل نشر مثل هذه الدعاية لأنه كان من الضروري أخذ الرقابة في الإعتبار فضلا عن الشرطة القيصرية التي قمعت ” البدع الأجنبية ” و كل تفكير مستقل . . و كانت المظاهر الأساسية للعدمية تتألف أساسا من بساطة الملبس و التصرف بحرية . فعلى سبيل المثال ظهرت النساء العدميات بشعر قصير و لبسن النظارات ليبدين بصورة قبيحة تأكيدا على إحتقارهن للجمال و الأناقة و ارتدين الملابس الخشنة تحديا للموضة . و مشين مشية الرجال و دخنّ مثلهم من أجل إعلان المساواة بين الجنسين و إظهارا لإحتقارهن لقواعد اللياقة . لكن هذا الإسراف في التعبير لا يقلل بأي حال من الأحوال خطورة الحركة . إذ نجد في إستحالة إعلانهم عن أفكارهم بأي شكل آخر ما يبرر لهم . أما في مجال الأخلاق الشخصية فقد التزم العدميون تشددا مطلقا . .
إن المبدأ الأساسي للعدمية هو شكل خاص  من الفردية .في الأساس و كرد فعل طبيعي ضد كل ما قمعته روسيا في هذه الفترة انتهت هذه النزعة الفردية إلى شجب كل القيود و الالتزامات – باسم الحرية الفردية المطلقة – و كل العوائق و جميع التقاليد التي فرضها على الانسان مجتمعه أو أسرته . العادات و الأخلاق و المعتقدات و الأعراف المعمول بها .
كان التحرر الكامل للفرد , سواء أكان رجلا أو أمراة , من كل ما قد يمس استقلاله أو حريته في التفكير هي فكرة العدمية الأساسية . و دافعت عن حق الفرد المقدس في الحرية الشاملة و عدم انتهاك حرمة الحياة .
يستطيع القاريء الآن أن يفهم لماذا سمي هذا التيار من الأفكار بالعدمية . لقد استخدم هذا المصطلح لوصف أنصار الأيديولوجية التي قبلت بلا شيء – في اللاتينية nihil – مما قبله الآخرون بصورة طبيعية و اعتبروه مقدسا . الأسرة و المجتمع و الدين و التقاليد . و عندما كان أحدهم يُسأل : ” ما الذي تقبله أو تعترف به . ما الذي تقر به في البيئة التي تحيط بك و له الحق أن يتحكم بك ؟ كان يجيب : ” لاشيء ” = nihil .
على الرغم من طابعها الفلسفي و طبيعتها الفردية – إذ تدافع عن حرية الفرد بصورة عامة و ليس ضد الإستبداد الحاكم – فإن العدمية قد مهدت الأرض للنضال ضد العقبات الحقيقية المباشرة في السياسة و الإقتصاد و التحرر الإجتماعي .
لكنها لم تتعهد بنفسها هذا الصراع . لم تسأل السؤال الأهم : ” ما الذي يمكن فعله من أجل تحرير الفرد في الواقع ؟ ” و بقيت محصورة حتى النهاية في عالم من المناقشات الأيديولوجية البحتة و الانجازات المعنوية المحضة . و كان على روسيا أن تنتظر جيلا آخر من أجل طرح مسألة العمل المباشر من أجل التحرير . و هو ما حدث بين 1870 و 1880 . عندما تشكلت في ذلك الوقت أولى المجموعات الثورية و الإشتراكية في روسيا . و بدأ العمل . و عندما بدأ لم يكن لدى هذه المجموعات شيء مشترك مع عدمية الأيام الخوالي . و حتى المصطلح “عدمية ” تم تجاهله . و بقيت الكلمة في اللغة الروسية كمصطلح تاريخي و حسب . أثر و ذكرى للحركة الفكرية فيما بين 1860 و 1870 .
و الحقيقة أن الناس في الخارج قد استعملوا مصطلح ” عدمية ” إشارة إلى الحركة الثورية الروسية بالكامل في ما قبل البلشفية . و يكفي الإشارة إلى “الحزب العدمي ” للتدليل على عدم معرفتهم بالتاريخ الحقيقي للحركات الثورية في روسيا .
و قد رفضت حكومة (نيقولا الأول) الرجعية الإعتراف بالوضع الحقيقي أو بالغليان الفكري . و عوضا عن ذلك تحدّت المجتمع من خلال إنشاء الشرطة السرية (أوخرانا) Okhrana , و هو فيلق خاص في الشرطة بغرض تدمير الحركة .
فأصبح الإضطهاد السياسي بلاءا حقيقيا . و ربما كان علينا أن نتذكر أنه في هذه الفترة كاد أن يعدم (دوستويفيسكي) Dostoyevsky الشاب و سجن بتهمة الانتماء إلى مجموعة دراسية غير مؤذية نهائيا استلهمت (بيتراشيفسكي) Petraschevsky . و أن (بلينسكي) Belinsky أول ناقد روسي عظيم قد نجح بالكاد في جعل صوته مسموعا . و أن ناشرا عظيما آخر (هيرزن) Herzen في أجبر على النفي . ناهيك عن الثوريين من أمثال (باكونين) Bakunin.
غير أن كل هذا القمع لم ينجح في تهدئة الجماهير التي كانت أسباب هياجها عميقة الجذور . و كان نجاحها أقل بالطبع في تحسين الأوضاع . فلم يكن لدى القيصر من علاج غير تعزيز أجهزته القمعية و البيروقراطية ثم المزيد من التعزيز .
و في الوقت ذاته تورطت روسيا في حرب القرم 1854 – 1855 . و كانت الكارثة . فقد أثبتت تقلبات الحرب إفلاس النظام و أظهرت الضعف الحقيقي للإمبراطورية . و انهارت ” القدم الطينية ” لأول مرة . و انكشف قبح الدولة السياسي و الإجتماعي .
مات (نيقولا الأول) مهزوما في 1855 بمجرد أن خسر الحرب . مدركا تماما لإفلاسه و عاجزا تماما عن مواجهته . و قال البعض ربما مات من الصدمة النفسية . بينما أصر آخرون أنه قد مات منتحرا بالسم . و هو تفسير معقول جدا . لكن ينقصه الدليل .
و يجب علينا الإصرار على الحقائق المعروفة لمساعدة القاريء على فهم ما يلي :
و على الرغم من نقاط الضعف و كافة العوائق خلال هذه الفترة فإن البلاد قد قطعت شوطا هائلا في طريق التقدم الثقافي و التقني .
فتحت ضغط الضرورات الإقتصادية التي لا مفر منها ولدت الصناعة ” الوطنية ” . فتكونت تلقائيا طبقة عاملة (بروليتاريا) . بنيت المصانع الكبيرة في العديد من المدن و تم افتتاح المرافيء و بدأت مناجم الفحم و الحديد و الذهب في العمل . و جرى توسيع شبكات النقل و تحسينها . و شيد أول خطوط السكك الحديدية ليصل بين سانت بطرسبورج (لينينجراد) و موسكو . عاصمتي هذا البلد الشاسع . . كان إنشاء هذا الخط الحديدي أعجوبة هندسية لأن المنطقة بين المدينيتين غير ملائمة لمثل هذا النوع من الأعمال حيث الأرض غير ثابتة و تتكون غالبا من مستنقعات و أهوار . و تبلغ المسافة نحو 600 فرستا (400 ميلا ) . و لا شك في أن الخط المستقيم هو الخيار الأكثر عقلانية من الناحية الإقتصادية . و يقال أن (نيقولا الأول) – و كان له إهتمام شخصي بهذا المشروع الذي ستقوم الدولة  ببناءه – قد أمر مهندسيه بوضع المخططات و التقديرات . و قد حاول هؤلاء المهندسين الإستفادة من الوضع فقدموا له مشروعا معقدا من الطرق المتعرجة . و قد ألقى (نيقولا) نظرة عابرة على المخططات ثم دفعها جانبا و تناول ورقة و قلما و رسم نقطتين و وصلهما بخط مستقيم . ثم قال : ” أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم ” . و هكذا صار أمرا رسميا غير قابل للنقاش و لم يعد أمام المهندسين سوى التنفيذ . و هذا ما قاموا به . و كان انجاز هذا العمل الفذ مهمة شاقة للغاية و بتكلفة لا تصدق و تسبب في معاناة مدمرة لآلاف العمال .
و منذ الانتهاء من بنائها , كانت الـ (نيقولايفيسكايا) Nicholayevskaya ” سكك حديد نيقولا ” واحدة من أبرز السكك الحديدية في العالم . و امتدت نحو 609 فرستا ( 405 ميلا) في خط مستقيم يقترب من الكمال .
ينبغي أن نلاحظ هنا أن الطبقة العاملة الناشئة كانت لاتزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع المناطق الريفية التي جاءت منها و التي كانت تعود إليها دوما بعد إنتهاء العمل الخارجي . علاوة على ذلك فإن الفلاحين كانوا لايزالون أقنانا مرتبطين بأراضي ساداتهم التي لا يستطيعون مغادرتها بصورة نهائية . و كان من اللازم عمل ترتيبات خاصة مع هؤلاء السادة قبل أن يتم توظيفهم في المشاريع الصناعية . و كان عمال المدن الحقيقيين – و نعني بهم في ذلك الوقت الحرفيين المتجولين – مجموعة صغيرة العدد جدا . و بالتالي فنحن لا نتعامل بعد مع بروليتاريا بالمعنى الحرفي للكلمة . لكن الدافع لتكوين مثل هذه (البروليتاريا) كان موجودا بالفعل . كانت الحاجة إلى عمال منتظمين يمكن الإعتماد عليهم أحد السباب الإقتصادية الملحة التي أدت إلى إلغاء القنانة . و في خلال جيلين أو ثلاثة أجيال من العمال المأجورين الذين لم يعودوا مرتبطين بالأرض , نشأت في روسيا كما نشأت في غيرها من البلدان طبقة (البروليتاريا) الصناعية الحقيقة .
و كان هناك تقدم هائل أيضا في المجال الثقافي .فقد أراد الآباء لأبناءهم أن يصيروا متعلمين و مثقفين . و قد اضطرت الأعداد المتزايدة من طلاب المدارس الثانوية و الكليات الحكومة لزيادة عدد المدارس الثانوية و مؤسسات التعليم العالي باستمرار . و تطلبت الإحتياجات الإقتصادية والتقنية فضلا عن التطور العام في البلاد تطورا مقابلا في التعليم . و في نهاية حكم (نيقولا الأول) كان في روسيا ست جامعات . في (موسكو) و (دوربات) و (خاركوف) و (قازان) و (سانت بطرسبورج) و (كييف) – مرتبة حسب تواريخ إنشاءها . فضلا عن العديد من مدارس التقنية المتقدمة أو الدراسات الخاصة.
و إذن فالأسطورة ذائعة الصيت بأن جميع من في روسيا في ذلك الوقت كانوا جهلة برابرة و تقريبا متوحشين غير صحيحة بالمرة . ربما كانت الجموع الفلاحية التي ترزح تحت نظام القنانة تعاني من الجهل إلا أن الإنجازات الثقافية لسكان المدن قد شابهت مثيلاتها في مدن أوروبا الغربية . فيما عدا بعض المجالات التقنية البحتة . أما الشباب المثقف فكانوا في بعض النواحي أكثر تقدما من الشباب في البلدان الأوروبية الأخرى .
و قد نبهنا على هذه الفجوة الواسعة من التناقض بين عقلية السكان المستعبدين من ناحية و عقلية الطبقات المميزة من قبل .

http://anarchist-document.blogspot.com