نعم ، نحن جميعًا معًا، نحن من نعاني ونهان يوميًا، أعدادنا هائلة لحد أن أحدًا لا يمكنه إحصائها، نحن المحيط الذي يمكنه احتواء وابتلاع أي شىء آخر، فقط حين نمتلك الإرادة لفعل ذلك، في تلك اللحظة نفسها ستتحقق العدالة، في تلك اللحظة نفسها سيسقط طغاة العالم في التراب.
ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی
التمييزية البرجوازية ضد العمال وفيما بينهم
التمييزية البرجوازية ضد العمال وفيما بينهم
سامح سعيد عبود
يقولون أن الأقل سوادا فى الولايات المتحدة يتعالون على الأشد سوادا، ويحملون إزاءهم مشاعر كراهية عنصرية، ويمارسون ضدهم تمييزا عنصريا، وربما يكون هذا عين ما يفعله الأشد سوادا ضدهم أيضا، ويبدو أن الأولون هم أحفاد عبيد المنزل الذين كانوا الأكثر ولاءا لسادتهم، والأكثر اختلاطا بهم، والأشد رفضا لفكرة تحررهم من ذل الرق حتى من سادتهم، أما الآخرون فهم أحفاد عبيد المزرعة الذين كانوا الأكثر تمردا على سادتهم، والأقل اختلاطا بهم، والأشد شوقا ليتحرروا من عبوديتهم.
أتذكر هذا لأن الغالبية الساحقة من السكان لدينا هم من الأجراء الذين لا يملكون سوى قوت يومهم، ومضطرون لبيع حريتهم وجهدهم ووقتهم بأجر، أى أنهم فى النهاية عبيدا لمن يشتريهم سواء أكانوا متميزين للمنزل، أو غير متميزين للمزرعة، أما ملاك وسائل الإنتاج، ومن يملكون سلطة اتخاذ القرار ، فهم قلة من السكان، و بالرغم من ذلك تتعالى أصوات عبيد المنزل من الأجراء الموالين لسادتهم، والمتماهين معهم، والمختلطين بهم، والمستنكرين لانتمائهم الطبقى، ضد الاعتصامات والاضرابات العمالية، والذين يصرخون مع سادتهم فى عمال المزرعة، ليطلبوا منهم وقف تلك الاضرابات والاعتصامات لكيلا ينهار الاقتصاد، محذرين أنه لا وقت لتلك المطالبات الاقتصادية التى يصمونها بالفئوية، والتى يصفونها بالخادشة لجلال ثورة 25 يناير حسبما ما ذكرت صحفية كبيرة هى سكينة فؤاد على شاشة التليفزيون بطريقتها المتكلفة فى الحديث، ولعلك لاحظت نبرة التعالى التمييزى الطبقى الذى لا يريد أن يلوث نشيد الثورة الناصع بأصوات الرعاع القذرة، نفس النبرة التمييزية المتعالية تلاحظها حين يستنكر فنيون وحرفيون ومهنيون يعملون بأجر فى المصانع وصفهم بالعمال وكأنها لفظة نابية.
أتذكر هذه النزعة التمييزية الطبقية، حين تتعالى الأصوات من عمال المنزل كصدى لصوت سادتهم بالغاء نسبة الخمسين بالمئة المخصصة للعمال والفلاحين، استنادا على الجهل الطبيعى للعمال، وعدم صلاحيتهم لتشريع القوانين، ولا للرقابة على أعمال الحكومة، وليس استنادا على أن هذا التمثيل لم يكن يوما تمثيلا حقيقيا للعمال والفلاحيين، لأن العمال والفلاحيين الفقراء على اختلاف مستويات تحصيلهم الدراسى والتعليمى، لا يملكون عمليا القدرة على الترشيح لعضوية المجالس النيابية لفقرهم لا لجهلهم، فى حين أن البرجوازيون على اختلاف مستويات تحصيلهم الدراسى والتعليمى، ليسوا فقط قادرين على الترشح والفوز بمقاعد الوظائف العامة، بل شراء ولاء من يشغلونها، لثراءهم لا علمهم.
نفس النظرة التمييزية البرجوازية المعادية للعمال هى التى أدت إلى إعدام مصطفى خميس ومحمد البقرى فى أغسطس 1952 لقيادتهم اضراب سلمى لعمال غزل كفر الدوار، وتساهلت مع تمرد مسلح قاده عدلى لملوم وهو من كبار ملاك الأراضى فى الصعيد فى نفس العام احتجاجا على قانون الإصلاح الزراعى.
أتذكر هذه النظرة التمييزية الطبقية حين يلح البعض على تفعيل قوانين تجريم الاضرابات والاعتصام والتظاهر، وفى نفس الوقت يكتب احمد المسلمانى أحد الصحفيين، إن تحويل رجال الأعمال للنائب العام للتحقيق فى عقب الثورة سوف يضر بحركة الاستثمار، ومن ثم لابد من التغاضى عن جرائمهم حرصا على دوران عجلة الإنتاج، حتى لا تتحول بلادنا للشيوعية، الأمر الذى لم تتوان في تلبيته حكومة الثورة على الفور، فبحثت فى شأن اسقاط الشق الجنائى فى صفقات تخصيص أراضى الدولة لهم، بحجة أنهم ليسوا مسئولين عن فساد الجهاز الإدارى للدولة الذى منحهم تلك الأراضى برخص التراب، وكأنهم لم يكونوا يعلمون أنهم شركاء فى الجريمة، و كأن الراشون ليسوا شركاء للمرتشيين، بل واتجهت حكومة الثورة ليس فقط لتفعيل قانون تجريم الاعتصامات والاضرابات، بل تراجعت عن زيادة الضرائب على الأرباح الرأسمالية، وتراجعت عن الضريبة التصاعدية التى لم تزد عن خمسة بالمئة فى القانون الذى تم التراجع عنه وفقا لرقم الأعمال لا الأرباح، وفى نفس الوقت، طرحت حكومة الثورة قانون للحد الأدنى للأجور يقل عن ما قرره الحكم القضائى بهذا الخصوص، برغم أن من سوف يستفيد منه هم موظفى وعمال الحكومة فحسب، أما فيما يتعلق بالمقترحات المتعلقة بالفرق بين الحدين الأدنى والأقصى للأجور فقد تجاوزت 28 ومن ثم هى تفوق المعدلات السائدة فى العالم حسبما ذكر د. حازم الببلاوى الليبرالى الاتجاه فى حديث تليفزيونى له والذى أشار فيه أنها تتراوح ما بين 18 و25 .
فليعلم الجميع أن ما قلب موازين القوى فى هذه الثورة وحقق أولى أهدافها ليس اعتصام التحرير الذى شارك فيه ممثلون لكل الشرائح والفئات والطبقات الاجتماعية، بل هو دخول الطبقة العاملة المنظمة باعتبارها طبقة فيما يشبه عصيان مدنى شامل فى الثلاث أيام التى سبقت تنحى السلطان المملوكى المخلوع حسنى مبارك، وأنه لن يتاح لهذه الثورة الاكتمال لتحقيق أهدافها باسقاط النظام المملوكى، والتخلص من كل المماليك الذين يحكمونا ويسرقونا، إلا باستمرار هذا التدخل الثورى الطبقى للعمال، فالقوة الاجتماعية المرتبطة بالإنتاج هى القادرة فقط على إحداث التحول الاجتماعى، والعمال، ولأنهم يعلمون أنهم مستبعدون منطقيا وعمليا من ديمقراطية الصناديق الانتخابية، فأنها لا تعنيهم و لا تشكل منتهى مطالبهم، أنهم يطالبون بالعدالة الاجتماعية، وبانهاء التمييز السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى ضدهم.وإلا فانتظروا ثورتهم القادمة التى لن تبقى على البرجوازية التى تضطهدها و لا على عبيد المنزل من خدامها.
بيان الاشتراكية التحررية
بيان الاشتراكية التحررية
تأسست الحركة الاشتراكية التحررية فى خضم الموجة الثورية التى تجتاح العالم الآن، والتى بدأت شرارة اشتعالها فى تونس ومرت بمصر وليبيا واليمن وسوريا لتصل إلى أسبانيا وإيطاليا، واليونان مؤخرا، لتذكرنا بموجتى الثورتين العالميتين فى 1848 و 1968، و يبدوا أنه من المحتمل أن تصل الموجة الثورية لبلدان أخرى، فى ضوء الأزمة الرأسمالية المتصاعدة، والتى أدت لتلك الثورات.
كان من أسوء نتائج انهيار نموذجى اشتراكية الدولة بجناحيها الثورى و الإصلاحى فى شرق وغرب أوروبا ،أن الوحش الرأسمالى تحرر من قيوده التى كبلته بها الكتلة الشيوعية و الإصلاحية البرلمانية و النقابية، كاشفا عن وجهه القبيح بعد أن زالت عنه مساحيق دولة الرفاهية، و سرعان ما أفرز اجتياح الرأسمالية منفلتة العيار للعالم، تدهور البيئة، وتجارة كل من المخدرات والجنس و البشر والسلاح، وعودة العمل الجبرى والسخرة على نطاق واسع، وانتشار كافة أشكال الجريمة المنظمة و العنف، و تصاعد الصراعات الثقافية والدينية والعرقية، وتفشى التفكك الاجتماعى، وتوالت الأزمات الاقتصادية على العالم قاذفة بالملايين للإفلاس و البطالة والفقر والبؤس والتهميش، وشهد العالم الإفلاس الواضح للنموذج الديمقراطى الرأسمالى السائد فى التعبير عن مصالح الطبقات العاملة فى حدها الأدنى بانحسار القوة التنظيمية والتصويتية لتلك الطبقات من أحزاب ونقابات وتعاونيات.
و حتى تكتمل الصورة فأننا نقر أنه من المحتمل أيضا أن تنكسر تلك الموجة الثورية، طالما لم يتمكن الثوريين من تطويرها لتكنس الرأسمالية ودولها التى اندلعت الثورة بسبب أزماتها، لتصعد كافة أشكال الديكتاتورية الرأسمالية التى سوف تشعل العالم بالحروب الأهلية و الإقليمية والعالمية وغيرها، وذلك من أجل الدفاع المستميت عن مصالح اللصوص والسفاحين والبلطجية الذين يحكمون العالم، ويمتصون عرق ودماء غالبية السكان، ويستعبدونهم من أجل مصالحهم الأنانية.
ولأننا ندرك أنه طالما انحسرت الثورة فى النطاق المحلى للبلاد العربية حتى الآن، فإن أفقها الأفضل احتمالا لن يتجاوز إقامة أنظمة ديمقراطية رأسمالية أقل فسادا وأكثر مراعاة لحقوق الإنسان، إلا أن هذا لا ينفى احتمالات أخرى أسوءها هو صعود الديكتاتوريات المختلفة لسدة الحكم، ما لم تندلع الثورة فى العالم متجاوزة هذا الأفق المحدود من أجل تجاوز الرأسمالية نفسها، وهو ما يمكن أن يرفع من حدود أفق الثورات العربية بتأثير الثورة الاجتماعية فى العالم، لينفتح الطريق لدينا هنا للتحرر الاجتماعى، ونحن فى ظل كل تلك الاحتمالات، لا يمكنا إلا النضال من أجل ما نؤمن به لتحقيق الحد الأقصى المتاح والممكن منه، جنبا إلى جنب الإعلان عنه وتبشيرنا المستمر به، إلا أننا فى كل لحظة من النضال نطرح ما هو ممكن ومتاح فى ضوء رؤيتنا للواقع مقتربين من تحقيق أهدافنا النهائية لا مبتعدين عنها.
لماذا نحن اشتراكيون تحرريون؟
التحررية دون الاشتراكية تؤدى إلى الاستغلال والقهر، والاشتراكية دون التحررية تؤدى إلى الاستغلال والقهر أيضا، ومن هنا ترى الحركة الاشتراكية التحررية أن الانفصال بين هدف تحرير الأفراد ، و بين هدف المساواة فى الحقوق فيما بينهم، يعنى فى النهاية استمرار كل من استعبادهم واستغلالهم بأشكال مختلفة، إلا أنه يحدث مرة باسم الحرية الفردية كما فى الرأسمالية الفردية، ومرة أخرى باسم المساواة كما فى رأسمالية الدولة المسماه اشتراكية، ومن ثم نرى أنه من البديهى أننا لو منحنا الحرية للأفراد على إطلاقها مثلما هى للحيوانات فى الغابة، لتحولوا لوحوش وفرائس، يفترس ويستغل ويقهر الأقوياء فيهم الضعفاء، ولو ساوينا بينهم دون اعتبار لإرادتهم الفردية لقمعنا حريتهم.
انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية لغرب يدعى التحررية، وشرق يدعى الاشتراكية، والحقيقة أن ما كان فى الغرب لم يكن أبدا إلا حرية الرأسماليين فى استغلال العمال وقهرهم، وأن ما كان فى الشرق لم يكن أبدا اشتراكية بل كان قهر العمال واستغلالهم من قبل الدولة لصالح كبار رجالها و إدارتها الذين يطلق عليهم البيروقراطيين.
فما هى تلك الحرية فى ظل التحررية الرأسمالية؟، سنجد أننا لو أخذنا أحد مبادئها مثلا، وليكن أن جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وأن جميع المواطنين لهم الحق على قدم المساواة فى اللجوء للقضاء، فلنرى إذن ماذا يحدث واقعيا لو نشب نزاع بين مواطنين غير متساوين فى قدراتهم الواقعية، مالية كانت أو أدبية، رغم مساواتهم القانونية، بالطبع لهم الحق فى اللجوء للقضاء، إلا أن الطرف الأقوى هو الأقدر على أن يستأجر أكفأ المحامين، وأن يرشو القضاء لو استطاع أن يؤثر عليه بما له من قدرات أو نفوذ، وربما عجز الطرف الأضعف عن الدفاع عن نفسه، وعن تكليف محامى كفء لشرح دعواه، و إقناع القضاء بها، فالقانون دائما ما كان مجرد سيف يصنعه الأقوياء ليسلطوه على الضعفاء فحسب.
من ناحية أخرى من هم الذين يشرعون القوانين، ويصدرون القرارات واللوائح، ويتابعون تنفيذها، والحكم بها ؟، أليسوا هم أعضاء البرلمان والوزراء والرؤساء والحكام، وفى هذا الخصوص تعطى التحررية الرأسمالية جميع المواطنين حق الترشيح لتلك المناصب العامة على قدم المساواة لكل المواطنين، ولكن كل من الرأسمالى والبيروقراطى والمرشح المعبر عن مصالح الرأسماليين والبيروقراطيين هو وحده القادر على الاستمتاع بهذا الحق عمليا، فى حين يحرم منه العمال والمرشحين المعبرين عن مصالحهم، فالرأسماليون والبيروقراطيون فقط هم القادرين على تمويل حملاتهم الانتخابية، بما يملكوه من أموال ونفوذ، و هم القادرين على شراء ولاء المرشحين المستعدين للتعبير عن مصالحهم بتمويل حملاتهم الانتخابية، وتسخير الإعلام لتسويقهم بين الناخبين، وهم لكل هذه الأسباب الأكثر فرصة فى النجاح فى الانتخابات لتلك الوظائف العامة .
وما هى اشتراكية الدولة ؟، ألم تكن حكم المواطنين بأجهزة الأمن، وترويضهم بأجهزة الإعلام، التى ساعدت البيروقراطيين فى استغلال العمال، والاستمتاع بالامتيازات المختلفة على حسابهم، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى ألا ينتج العمال إلا ما يريده البيروقراطيون، وبالكيفية التى يريدونها، بعيدا عن ما يحقق الرفاهية للعمال، وبعيدا عن سيطرتهم على ظروف عملهم وحياتهم كما كانت تبشر بذلك الاشتراكية فى أصولها، وما هو الفرق الحقيقى بين عامل يعمل لدى الدولة دون أى حقوق نقابية، وبين عامل يعمل لدى الرأسمالى لسد حاجته للطعام، و يتنازل عن حريته ووقته وجهده مرة للرأسمالى، ومرة لبيروقراطى الدولة، ألم تكن اشتراكية الدولة تلك تعنى إهدار الموارد، فى سباق التسلح و غزو الفضاء فى حين كان منتجى الثروة لا تتوفر لهم الكثير من سبل الحياة الكريمة ؟، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى استعباد ملايين العمال فى معسكرات للعمل ؟، فالاشتراكية لا يمكن أن تعنى شيئا مهما للعامل، لو لم تكن هى الحق المطلق للعمال باعتبارهم منتجى الثروة فى التحكم فى ظروف حياتهم وعملهم، و الاستمتاع بما ينتجوه من ثروات،ولو لم تكن تحرر هم من نظام العمل المأجور، ولكن ما حدث أن اشتراكية الدولة لم تقدم ما وعدت الناس به، بل قدمت نموذجا كئيبا للحياة، ولم تترك لهم فرصة الإبداع والمبادرة والحرية، فما كان أسهل أن يخسروا ما روضتهم به الدولة من مكتسبات قليلة بالمقارنة بما كان يتمتع به العمال فى الغرب الرأسمالى.
لم يكن ما حدث هنا أو هناك، أو ما تطورت إليه الأمور فى كلا المعسكرين مفاجأة للاشتراكيين التحرريين بل كان جزء من انتقاداتهم التقليدية لكلا النظامين وتنبؤاتهم الفكرية بسقوطهما، فالحرية الفردية لأفراد غير متساوين واقعيا تعنى خضوع الأطراف الضعيفة لإرادة الأطراف القوية، ومن ثم إتاحة الفرصة للأقوياء لاستغلال الضعفاء وقهرهم، والمساواة بين أفراد غير أحرار يعنى قدرة من سلبوهم تلك الحرية فى أن يستغلونهم فضلا عن قهرهم، وأن يتمتعوا بامتيازات لا يتمتع بها عبيدهم.
جذور الاستغلال والقهر
السلطة القمعية التى يمارسها البشر فى مواجهة بشر آخرين لها جذور واقعية، و ما القهر و الاستغلال سوى ثمار مرة لهذه الجذور، وأنت لا يمكن أن تقضى على الثمار مع استمرار وجود الجذور، وهى جذور لا علاقة لها بإرادة و وعى المتسلطين والمتسلط عليهم.
السلطة القمعية ليست سلوك حسن أو قبيح، ترجع لأخلاق من يمارسها، ربما تتدخل الأخلاق فحسب فى مدى سوء أو حسن استخدام السلطة القمعية، فيمكن أن يكون هناك حاكم جيد أو صاحب عمل لطيف أو مدير طيب، إلا أن هذا لا يعنى أن أى منهم لا يمارس القهر والاستغلال على من يخضعون له، مثله مثل الحاكم السىء، وصاحب العمل الشرس، والمدير الشرير .
ترجع السلطة القمعية بصرف النظر عن حسن ممارستها من الطيب واللطيف والجيد أو سوء ممارستها من الشرير والشرس والسىء، لسيطرته على مصادر السلطة المادية واحتكارها لنفسه، وحرمان الخاضع لها من السيطرة على تلك المصادر، والمسألة ليست معقدة، و إنما يمكن أن يفهمها ويلاحظها كل إنسان.
من يملك يتحكم فى المحروم، برغم المساواة القانونية بين المالك الحاكم، والمحروم المحكوم، فمن يملك الطعام قادر على إجبار الجائع على تنفيذ ما يريده هو لا ما يريد الجائع، و الذى لابد وأن يقبل شروط مالك الطعام حتى يعطيه ما يملأ معدته، ويستطيع الجائع أن يخدع نفسه بأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، و هذا صحيح، ولكن بشرط توافر الخبز أولا، فحتى يستطيع الإنسان ممارسة أى نشاط آخر غير الأكل، عليه أولا أن يملأ معدته بالطعام، و إلا لن يكون باستطاعته الحياة ليمارس أى نشاط.
من يملك وسائل العنف سواء كانت تلك الوسائل قوة عضلية أو سلاح قادر على إجبار الأضعف عضليا أو الأضعف تسليحا أو الأعزل من السلاح على تنفيذ ما يريده، وليس على الضعيف أو الأعزل إلا أن يستجيب لإرادة الأقوى لو أراد لنفسه الحياة والسلامة، وينطبق هذا على من يملك سلطة اتخاذ القرار بحكم منصبه كالرئيس والحاكم والظابط والمدير، القادر على اجبار المحكومين المرؤوسين والجنود والعمال على تنفيذ ما يريده هو بصرف النظر عن إرادتهم.
من يملك المعرفة والوعى على نحو أكبر أو يحتكرها لنفسه دون الآخرين، قادر على السيطرة على من لا يملك منها إلا القليل أو من لا يملكها على الإطلاق، فشخص يعرف الطريق لابد و أن يقود من لا يعرفه للسير فيه، وما دمت لا تعرف إلى أين تتجه فما عليك سوى الاستجابة لنصيحة من يعرف.
هذه هى الجذور الواقعية للاستبداد والاستغلال، و لا يمكن أن تقام علاقات اجتماعية سواء أكانت علاقات عمل أم علاقات أسرية تخلو من الاستبداد والاستغلال، إلا إذا تساوى الداخلين فى تلك العلاقة فى سيطرتهم على كل مصادر السلطة المادية الثلاثة على نحو متساو، فطالما سيطر أحد أطراف العلاقة منفردا على أى من هذه المصادر فأنه لا مفر من استبداده بالآخرين واستغلالهم، من الذين لا يسيطرون عليها مثله، وهى عملية منفصلة عن نية وأخلاق من يمارسها، ورغم أن هذه بديهيات لا تحتاج للبرهنة عليها، إلا أننا مضطرين لتوضيحها دائما، لأن القوى السياسية التسلطية المختلفة، تدعى دائما، بامكانية تحقيق الحرية الفردية والأخاء والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية دون القضاء على انقسام المجتمع بين من يسيطرون على مصادر السلطة المادية، وبين من لا يسيطرون عليها.
نشأ كل من الاستغلال والقهر عبر التاريخ البشرى إذن من انفصال السلطة القمعية عن إرادة البشر الخاضعين لها، و التى يمارسها الإنسان المتسلط على الإنسان المتسلط عليه، تلك السلطة الناتجة عن سيطرة المتسلطين على مصادر السلطة المادية دون المتسلط عليهم، ذلك لأن كل سلطة هى مفسدة، و كل سلطة مطلقة هى فساد مطلق، فالسلطة الفاسدة بطبيعتها، و فى حد ذاتها، تمنح الفرصة للإنسان المتسلط لأن يمارس استغلاله للإنسان المتسلط عليه وقهره .
ومن هنا فالقضاء على الاستغلال والقهر، لا يمكن أن يتحقق إلا فى إلغاء أسسه الواقعية، و هو السلطة القمعية المنفصلة عن إرادة البشر وحريتهم، وذلك لا يتأتى إلا بالسيطرة الجماعية الكاملة على مصادرها المادية الثلاثة أى وسائل الثروة والعنف والمعرفة، فلن يتم إنهاء العلاقات الاستغلالية والقمعية بين البشر، بالوعظ أو بالقمع، و أوهام المستبد العادل، و انتظار تحلى البشر بالحكمة وحسن الخلق، والحكمة تقتضى أن عليك أن تقضى على الجرثومة المسببة للمرض بدلا من مجرد تخفيف الأعراض الناتجة عنها، و الجرثومة هى سيطرة الرأسماليين والبيروقراطيين على وسائل الإنتاج والثروة والعنف والمعرفة، سواء عبر ملكية الأفراد أو ملكية الدولة، والجرثومة هى فى استمرار الناس فى الإنقسام بين من يملكون ومن لا يملكون، من يأمرون وبين من عليهم إطاعة الأوامر.
أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، ويزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما قد يتحقق أو لا يتحقق، وإن كان يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية ومن الأوهام والأساطير السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك ، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها.
أوهام وأساطير سلطوية نرفضها
ما يجب أن نعلمه هو أن الاشتراكية التحررية ترتكز على الرفض الكامل لمجموعة من الأساطير السائدة بقوة بين الناس، ومن البديهى أنها و رغم كونها قناعات الغالبية إلا أنها ليست بالضرورة قناعات صحيحة ومن ثم يمكنا رفضها ببساطة، لأنه دائما ما كان التطور الاجتماعى نتيجة أفكار طلائع ورواد كانوا دائما يشكلون قلة اجتماعيا قبل أن تسود رؤاهم بين الغالبية.
أن السلطة القمعية ضرورة اجتماعية مطلقة لضمان سير المجتمع وتماسكه وحمايته من أعدائه الخارجين عن قوانينه،وقواعده، وأعدائه، من الطامعين فى السيطرة عليه وغزوه، وحماية غالبية المواطنين الصالحين والطيبين من القلة الضالة والمنحرفة والخارجة عن السيطرة والقانون، وأن المشكلة ليست فى السلطة القمعية فى حد ذاتها، ولكن فيمن يمارسها، وكيف يمارسها، والحقيقة أن السلطة تفسد من يمارسها، ولو خلصت نيته، وحسنت أخلاقه، و أنه من الخيالية أن نركن لوهم أن تحكمنا الملائكة البشرية التى لم يخبرنا التاريخ أنها حكمتنا من قبل، فحتى لو حكمتنا فستتحول لشياطين بمجرد إحساسها بدفء مقاعد السلطة، والسلطة تقمع، وتشوه من تمارس عليهم مثلما تشوه وتفسد من يمارسوها .
هذا لا يعنى إنكار أن البشر فى أمس الحاجة دائما لتنظيم يضمن تعاونهم، وينظم نشاطهم الجماعى لتلبية احتياجاتهم المشتركة دون أن يقمعهم ودون أن يتعالي عليهم، وهو أمر مختلف تماما عن السلطة القمعية التى تتعالى عليهم، و التى تقهرهم رغما عن إرادتهم، ومن خارجهم، فهناك فرق بين سلطة إدارية تمارس للتنظيم، كسلطة رجل المرور فى الشارع، وسلطة قبطان السفينة فى أعالى البحار، وسلطة الطيار فى طائرته، وبين السلطة السياسية القهرية والمتعالية والمنفصلة عن إرادة وحرية البشر التى ترفضها الحركة الاشتراكية التحررية،وهذا الرفض لا يعنى أن الاشتراكية التحررية ضد تنظيم المجتمع عبر هيئاته التفويضية المنتخبة، و الاشتراكية التحررية بالضرورة مع وجود قوة رادعة، و قامعة للاعتداءات المخلة بأمن الناس وحريتهم وحقوقهم
يزعمون أن الديمقراطية التمثيلية النيابية هى أقرب شكل ممكن لممارسة السلطة يضمن الحرية للبشر، وما هى فى الحقيقة سوى مجرد إعطاء الأغلبية الحق فى أن تذهب بشكل دورى لتختار من بين السياسيين الرأسماليين والبيروقراطيين الذين يمثلون النخبة الحاكمة من سيمارس عليهم السلطة، وباسمهم، فى تمثيلية لا تنطلى إلا على السذج، فمن يملكون أى من مصادر السلطة، هم وحدهم القادرين واقعيا على الفوز فى الترشيح للمجالس التمثيلية الذى يكتفى المحرومون منها واقعيا بمجرد حقهم القانونى والشكلى فى الترشيح، فليس لهم سوى اختيار أى من هؤلاء المرشحين سيمثلهم لعدة سنوات، معتمدين فى اختيارهم على مدى تأثرهم بالدعاية الانتخابية التى تملك وسائلها النخب الحاكمة والمالكة التى يمثلها هؤلاء المرشحين
نحن نؤكد على شكلية ديمقراطية الصندوق الانتخابى ومن ثم رفضها، فالممارسة السياسية عبر الصناديق الانتخابية مهزلة وخدعة كبرى تمارس باسم الحرية، ولا يمكن أن تأتى بمن يعبرون عن المصالح النهائية للعمال، لأن النخب السياسية البرجوازية سواء فى الحكم أو فى المعارضة تحتكر وحدها دون الجماهير الناخبة كل وسائل التأثير على عقول تلك الجماهير، والمحجوب عنها المعرفة والمعلومات الضرورية، والخاضعة لعملية تشكيل العقل و توجيهه إلى ما تريده هذه النخب، التى تتنافس فيما بينها فى لعبة كراسى موسيقية، لتبادل مقاعد الحكم و المعارضة، فبطاقة الاقتراع بين أيدى شعب أهمل تثقيفه عمدا، وتنشر بين أفرادة كافة أنواع الأميات، وتتسلط عليه أدوات غسل العقل وتعليبه، و صناعة الوعى وتشكيله، ليست سوى حيلة ماكرة لإنتاج وتجديد إنتاج نخب حاكمة ترتدى أقنعة التمثيل الشعبى الكاذب، و مهمتها الجوهرية هى أن تحافظ على مصالح ملاك الثروة و وسائل العنف والمعرفة.
ولأننا نلاحظ عموما ضعف الحركات السياسية والنقابية العمالية، وأن المشاركة الجماهيرية فى النقابات و الأحزاب السياسية، والعملية البرلمانية عموما قد تدهورت بمعدلات مذهلة، لتتحكم فى العملية السياسية كلها جماعات الضغط للقضية الواحدة كالبيئةـ و الأقليات من جانب الناخبين، والمال والعصبيات القبلية والطائفية، وأن العملية الانتخابية والممارسة البرلمانية من أولها لآخرها هى مجرد سيرك للثرثرة و التضليل، فنجاح الحملات الانتخابية للمرشحين تعتمد على وسائل الترويج الإعلانى بأكثر مما تعتمد على البرامج الانتخابية، وذلك لجذب أصوات جماعات الضغط، والناخبين عادة لا يجدون فروقا واضحة بين البرامج تستدعى الاهتمام بالاختيار بين المرشحين، ومن ثم يعتمد النجاح فى الانتخابات على الجوانب الشخصية للمرشح، وإمكانيه جذبه لأصوات الناخبين، الذين قد ينجذبون لما له من كاريزما لا اقتناعا بالبرنامج الانتخابى الذى يقدمه .
يدعون أننا يجب أن نمر بمرحلة انتقالية مؤقتة نحو المجتمع الاشتراكى التحررى،تسمى ديكتاتورية البروليتاريا تقوم فيها الدولة الاشتراكية، باحتكار كل السلطات ومصادرها باسم الطبقة العاملة التى تقع فى العبودية لمن يملكون السلطة الفعلية من الساسة والبيروقراطيين والعسكريين، والدولة الاشتراكية هنا مؤسسة كلية القدرة والجبروت تسحق كل الخاضعين لسلطانها الشامل بأسوأ مما تفعله الدولة الرأسمالية، وهى تستند على تمثيل الطبقة العاملة، لتبرر السلطة الواقعية لأفراد ونخب سياسية، يسيطرون فعليا على مصادر السلطة الواقعية دون من تدعى تمثيلهم، ومن ثم تنفرد تلك النخب بممارستها، فمن يحوز على السلطة ومصادرها لا يتنازل عنها، بل لابد وأن يدافع عن ما يحوزه بكل الوسائل الممكنة مهما بلغت شراستها، ومهما كانت أفكاره ونواياه المعلنة، فأنه مضطر لخيانتها لمقتضيات الحفاظ على موقعه فى السلطة، هذا ما أثبتته وقائع التاريخ فى الدول التى كانت تدعى بالاشتراكية، وما يبرهن عليه المنطق، فالبشر الأعلى ليسوا بملائكة حتى يتنازلوا عن امتيازاتهم ونفوذهم بمحض إرادتهم دون أى ضغط من من هم أسفلهم من البشر .
يدفعون بواقعية الإصلاح عبر البرلمان والنضال النقابى فى ظل الديمقراطية البرلمانية وهذا يمكن لأنه مع ثمانينات القرن التاسع عشر دخلت الرأسمالية مرحلتها الاحتكارية، التى تميزت بتكون هامش ربح إضافى سمى بالربح الاحتكارى الناتج عن الأوضاع الاحتكارية للمؤسسات الرأسمالية، والارتباط المباشر بين تلك المؤسسات الرأسمالية والدولة ، و هذا ساعد مع تصاعد النضال العمالى من أجل تحسين ظروف العمل والحياة ، فضلا عن الحصول على الحقوق السياسية للعمال فى بعض البلدان، على نشأة وتطور الإصلاحية بملامحها المعروفة، فقررت الطبقات الرأسمالية و بما توفر لديها من فوائض مالية من الربح الاحتكارى، و عن اضطرار ، أن تستجيب لبعض المطالب العمالية النقابية والسياسية التى لا تمس الجوهر الرأسمالى، وهو ما قلم أظافر الطبقة العاملة فى النهاية وروضها تدريجيا، الأمر الذى دشنه فكريا مفكرى الإصلاحية والاشتراكية الديمقراطية، فالطريق الإصلاحى الواقعى الذى رسموه لخوض الصراع الطبقى تحول لدي من أتوا بعدهم لتعاون طبقى ثم تدهور مؤخرا للدفاع عن الرأسمالية بالليبرالية ذات البعد الاجتماعى والأخلاقى فيما بعد، ونلاحظ أنهم فى كل تلك الأحوال سعوا للفوز بأغلبية مقاعد البرلمانات، والوصول للسلطة عبر صناديق الاقتراع من أجل التطوير التدريجى للرأسمالية إلى الاشتراكية، وتورطوا من أجل ذلك فى الممارسات السياسية اللاأخلاقية هكذا بدأوا حتى انتهى بهم الحال ليكونوا مجرد أداة لحل أزمات الرأسمالية، وتجميلها، بتسكين آثار الصراع الطبقى وتهدئتها، وكان ما أضاف للإصلاحية قوة دفع كبيرة طوال القرن العشرين، هو زيادة التدخل الحكومى فى الاقتصاد لتنشيط الطلب العام على السلع والخدمات، وذلك بزيادة الانفاق الحكومىى العام، بواسطة زيادة الضرائب، وذلك للقضاء على الكساد والبطالة وتوسيع سوق الاستهلاك، أضيف إلى هذا عامل سياسى آخر هو ظهور الكتلة المسماة بالاشتراكية، وما شكلته من نموذج بديل ألهم بشعاراته العمال بالثورة طوال القرن العشرين، مما اضطرت معه الرأسمالية المتقدمة لتقديم المزيد من التنازلات للطبقات العاملة و الوسطى فيما عرف بدولة الرفاهية، ساعد فى ذلك قوة نفوذ النقابات والأحزاب الإصلاحية فى المركز الرأسمالى المتقدم التى حققت فيه الطبقات العاملة والوسطى مستويات مرتفعة من المعيشة، كما شهد العالم بأسره عهدا من الرواج والتشغيل شبه الكامل للعمالة بعد الحرب العالمية الثانية، وزيادة التدخل الحكومى بدرجات متفاوتة فى الإنتاج لصالح رفع مستوى معيشة الطبقات الشعبية، و قد وصف البعض ذلك العهد بربع القرن المجيد الذى بدأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية، و انتهى بدخول الرأسمالية مع أوائل السبعينات مرحلة جديدة عرفت بالكوكبية ذات ملامح مختلفة تماما عن المرحلة السابقة، مما أدى لأفول الإصلاحية البرلمانية والنقابية التى تدهورت لتتحول إلى مجرد ليبرالية رأسمالية ذات حس اجتماعى يسميها مفكروها بالطريق الثالث الذى هو مسخ لا معنى له بالنسبة للإصلاحية القديمة التى كانت الأكثر نجاحا فى تحقيق أهدافها والأكثر منطقا فى مبرراتها النظرية.
والعوامل التى أدت لأفول الإصلاحية هى ما اصطلح عليه بديكتاتورية أسواق المال العالمية، فقد أدى تدويل الإنتاج السلعى إلى ضرورة تخلى الدولة عن تدخلها المباشر الذى ميز المرحلة الاحتكارية فى الإنتاج، ومع حرية انتقال رؤوس الأموال عبر العالم أصبح على الحكومات أن تسترضى المستثمرين بتحقيق أفضل مناخ ممكن لهم، وذلك بتحرير حركتهم وتدليلهم مقابل تقييد دور الحكومات، وتقليص حقوق العمال واضطهادهم، وذلك بتخفيض الضرائب وزيادة الإعفاءات من التزامات الرأسماليين قبل الحكومات، وبيع القطاع الحكومى فيما عرف بالخصخصة، وضمان عدم التدخل الحكومى فى النشاط الرأسمالى إلا لصالح تشجيع الاستثمار وتعظيم أرباحه على حساب رفاهية العمال، ومن ثم تقليص الإنفاق العام على عكس ما تفترضه السياسة الإصلاحية، حتى أصبح التنافس بين حكومات العالم الآن حول توفير أفضل مناخ للاستثمار لجذب رؤوس الأموال، وذلك بالضغط على الطبقات الوسطى والعمالية . فأكثر الإصلاحيين النقابين و البرلمانين جذرية لن يستطيع أن يفعل أى شىء للطبقات العاملة إلا تقديم الوعود التى سوف تتحطم على صخرة استرضاء رؤوس الأموال المقيمة بالبلاد لكيلا تهرب حيث المناخ الاستثمارى أكثر ربحية، وجذاب رؤوس الأموال الأجنبية بإغراءها بالقدوم، وذلك بتوفير أفضل الفرص لها للاستثمار، فهروب رأسالمال يعنى تفاقم مشكلة البطالة، وضيق سوق العمل والاستهلاك على السواء، ولذلك لا مفر من طاعة الحكومة للرأسماليين وتدليلهم، وقد صعدت ديكتاتورية أسواق المال فى وقت شهدت فيه الرأسمالية ظاهرة الركود التضخمى، وهو ما يعنى أن الحلول الإصلاحية القديمة للأزمات الدورية لم تعد تصلح، فحل أزمة الركود يعنى زيادة الإنفاق العام مما سيزيد من معدل التضخم، وحل مشكلة التضخم يعنى اتخاذ سياسات تقشقية تزيد من معدل الركود .
وكان مما أضعف النقابية والإصلاحية أيضا الارتفاع المطرد فى معدلات البطالة فمع اتساع جيش العمال المتعطلين يصعب على جيش العمال المشتغلين الضغط على أصحاب العمل ، بل و قد يضطرون لقبول شروط أسوء للعمل للحفاظ على ما يحوزونه من فرص العمل التى تتضائل باستمرار واضطراد ، ويتشوق للحصول عليها المتعطلون بشروط أكثر سوءا.
تدهور الإصلاحية كان نتيجة منطقية أخرى أيضا للسقوط المدوى للاشتراكية التسلطية البيروقراطية، مما أعفى الرأسمالية من الخوف القديم من البديل الملهم بالثورة العمالية ، وخصوصا أن هذا السقوط ألحق الضرر على المدى القصير بالحركات السياسية الثورية ، فما الذى يضمن للناس أن الثورة لن تسلب منهم كما حدث من قبل ، ومن يضمن أنها لن تتدهور لهذا النموذج الكئيب الذى تكشف لهم سواء قبل وبعد السقوط ، ومن ثم و إزاء التهميش الواسع وفقدان الثقة بالثورة ، يغرق المهمشون والخائفون من التهميش على السواء انفسهم فى شتى أنواع المخدرات والأوهام والخيالات . لكل هذه العوامل التى لا علاقة لها بالرومانسية والخيالية نقول أن الإصلاحية باتت أكثر خيالية من الطريق الثورى ، برغم كل ما يتراص فى هذا الطريق من صعوبات وعراقيل.
يفترضون أن العدالة الاجتماعية يمكن أن تتحقق عبر رعاية الدولة والرأسماليين للعمال، والحقيقة أنه فى ضوء أنه لا تحرير حقيقى للفرد دون أن يضمن أقصى ما يمكن من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية متساويا فى ذلك مع كل المواطنين. و فى ضوء أن كفالة هذه الحقوق شرط جوهرى لتحقيق الحرية الحقيقية، فبدونها تصبح كل الحريات والحقوق السياسية و المدنية مجرد لعبة لا تستمتع بها إلا الطبقات الرأسمالية والبيروقراطية القادرة ماديا وسلطويا .
لتحقيق تلك الحقوق والحريات واقعيا وعمليا، وحتى لا تظل مجرد شعارات فارغة، نرى أنه لا يمكن أن نستند على تدخل الأجهزة الحكومية لتوفير تلك الحقوق والحريات على نحو ما تذهب إليه اتجاهات سياسية أخرى، و التى تسعى لدعم دور الدولة الأبوى تجاه المواطنين الذين يتحولون لرعايا احسان الدولة، بزيادة الإنفاق العام الحكومى على الاستثمار ودعم الأسعار و توفير تلك الحقوق المجانية للمواطنين. فعلى العكس هناك ضرورة لتقليص الجهاز البيروقراطى للدولة لأقصى حد ممكن لا تضخيمه، و ذلك على عكس ما تستدعى كل سياسات تدخل الدولة مباشرة فى المجالات غير السيادية فى الإنتاج والخدمات، و ذلك كشرط جوهرى لتمتع المواطنين بالحرية فى مواجهة جهاز الدولة، و استقلالهم عن السلطات العامة، حيث أن تصفية دولة الرعاية الاجتماعية شرط جوهرى للحرية الحقيقية للناس، وضمان أساسى لمساواتهم الفعلية.
أن تدخل الأجهزة الحكومية المباشر فى المجالات غير السيادية أى الإنتاج والخدمات والتأمين والائتمان، ومن ضمنها كفالة هذه الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، يعنى تضخم الجهاز البيروقراطى للدولة، و ترهله وفساده، و الذى لا ينتج فى النهاية، وكما شهدت التجربة عالميا ومحليا سوى إهدار الموارد على جيوش الموظفين المعرقلين للأداء والتطور، و سوء الخدمة المقدمة للجماهير فى ظل ضعف الموارد العامة، التى تنفق على أجور الموظفين لا احتياجات المواطنين، المجبرين على تلقى خدمة رديئة بحجة مجانيتها، فضلا عن البقرطة المتزايدة لجهاز الدولة، التى تؤدى لتعطيل مصالح المواطنين وإذلالهم من أجل الحصول على الخدمات الرديئة التى تقدمها الدولة، و أخيرا فإن هذه السياسات تعنى تقوية جهاز الدولة و بيروقراطيتها فى مواجهة الجماهير الذين يصبحون فى حالة إذعان دائم لهذا الجهاز الذى تزداد قدراته على التحكم فيهم بزيادة كل ما يمكن أن يمنحه لهم، و بزيادة كل ما يمكن أن يمنعه عنهم، مما يفرخ مناخ الفساد و المحسوبية و الاستبداد و إهمال مصالح الجماهير
كما لا يمكن أن نستند على ما يسمى بالدور الاجتماعى للرأسمال الذى يعنى تصدق الرأسماليين على العمال من أموال سبق وقد نهبوها من العمال، فصانعوا الثروة الفعليين من العمال الفقراء لا يليق بهم، و لايتفق مع كرامتهم انتظار الصدقات والإحسان من الآخرين، و لا يتفق مع حرية الإنسان وكرامته مهما بلغ به الفقر والعجز عموما أن يتم الإنفاق عليه من قبل الناس، أو أن يعيش ويلبى احتياجاته على حساب الآخرين، و لأن من يملك الثروة يتحكم فى من لا يملكها، فإن هذا الدور الاجتماعى الخيرى للرأسماليين لا يعنى سوى تبعية المنفق عليهم من الفقراء فى أعمال الخير لمن أنفقوا عليهم من الأغنياء، وهو تكبيل لحريتهم وشراء لولائهم من قبل المحسنين، واهدار و إهانة لكرامتهم الإنسانية، فضلا عن أن تلك الطريقة تساعد على خلق مجتمع من المتسولين الأذلاء لا من المنتجين المتمتعين بالحرية و الكرامة الإنسانية.
ممارستنا النضالية
هناك مفهومان للثورة فى إطار هدف القضاء النهائى على القهر و الاستغلال، الثورة السياسية والتى تعنى استيلاء الطبقة العاملة على السلطة السياسية،بواسطة حزب يدعى تمثيلها، لتمارس قهرها المؤقت على البورجوازية من أجل القضاء على الاستغلال فينتهى القهر بالتبعية بانتهاء مبرراته، والثورة الاجتماعية، والتى تعنى القضاء على أدوات القهر السياسية و الاجتماعية الممثلة فى الدولة فينتهى الاستغلال بالتبعية حيث تفقد البورجوازية من يحميها فى مواجهة الطبقة العاملة .
الاستيلاء على السلطة السياسية من قبل الطبقة العاملة المنظمة من خلال حزب سياسى، يتجاهل إمكانية أن يتحول هذا الحزب لمحتكر للسلطة دون الغالبية مما يؤول لاستمرار القهر و الاستغلال باسم الطبقة العاملة، و هو ما حدث فعليا مع تحقق هذا النموذج عمليا فى روسيا 1917.
الثانى يتحدث عن إمكانية زوال الدولة و سقوطها من خلال الثورة العفوية للطبقة العاملة، دون أن يوضح لنا ما الذى سيمنع من إعادة خلق الدولة مجددا على نحو أكثر تسلطا، و ذلك بواسطة الجماهير نفسها التى ثارت لتوها علي الدولة حتى حطمتها، وذلك كملاذ لها من حالة الفوضى وغياب الأمن والنظام الذى سيخلقها غيابها المفاجى قبل أن ينتظم المجتمع من جديد على الأسس التحررية كما حدث فعلا فى أسبانيا 1936.
النموذج السلطوى الأول يراهن على الثقة فى الحزب السياسى كمؤسسة و كأفراد، باعتباره ممثلا للطبقة العاملة و وكيلا عنها، و وصيا عليها ومعبرا عنها و مجسدا لمصالحها، و بحكم إدعائه لذلك لا غير. ولمجموعة أسباب أخرى هى : أن أعضائه يتبنون و يناضلون فحسب من أجل تحقق هذه الفكرة فهم القطاع الأكثر تقدما فى الطبقة العاملة بحكم هذه العضوية، فإن لهم الحق المطلق فى التعبير والوكالة والتمثيل والوصاية والسلطة، وهذا افتراض زائف و ساذج لا يدرك مدى تعقد الظواهر الإنسانية والاجتماعية، و تشابك دوافعها و تقلباتها .
النموذج اللاسلطوى الثانى يراهن على لحظة نادرة تاريخيا، وهى لحظة الاحتجاج العفوى و التلقائى للجماهير المقهورة و المحرومة ضد السلطة، مضيقا أكثر من فرص نجاح مراهنته، و ذلك بتوقعه أن تستطيع الجماهير العاملة فى أحد هذه اللحظات النادرة أصلا أن تحطم تماما كل أدوات القهر لتبدأ فى بناء مجتمعها اللاسلطوى من أسفل لأعلى، وهذا فرض خيالى تماما.
أما ما نطرحه نحن فهو إمكانية التحرر الذاتى للطبقة العاملة من داخل أحشاء و من هامش النظام الرأسمالى القائم، عبر النضال الجماهيرى و إقامة مجتمع المستقبل من هامش وداخل المجتمع الحالى، ففى كل المجتمعات الرأسمالية، و بدرجات ومستويات متفاوتة بالطبع، و وفق الظروف السائدة فى كل مجتمع ، و بمعزل عن كل من الدولة و رأسالمال، و بعيدا عن المخططات الخيالية و النظرية، نلاحظ ممارسة البشر فعلا العديد من أنشطتهم وفق القواعد الاشتراكية التحررية دون حتى معرفتهم بأنها اشتراكية تحررية، و ذلك من خلال العديد من المنظمات الاجتماعية كالتعاونيات، وشتى الأشكال من النشاط الإنسانى الجماعى المنظم بشكل مستقل عن كل من الدولة و رأسالمال، التى تقوم بين أفراد متساويين ومتعاونين على نحو طوعى بهدف التكافل والتعاون والتضامن فيما بينهم، و قد يكون لبعضها الطابع غير المعلن و الرسمى و المقنن كالتعاونيات، و قد يكون بعضها غير رسمى، و لا مقنن كما فى الكثير من الممارسات اليومية التى يشارك فيها الناس دون أن يدركوا أنها ممارسات اشتراكية تحررية تلبى الكثير من احتياجاتهم، إلا أن هذه الممارسات محكومة فى النهاية بالإطار السلطوى للمجتمع، ومن ثم تعوزها العديد من التطورات و التغيرات، لتتحول فى النهاية لتيار اجتماعى قوى، قادر فى النهاية أن يكنس كل من الدولة و رأسالمال من عن كاهله، وهذا هو ما يسعى إليه الاشتراكيون التحرريون، من خلال وسيلتين:
أولهما نشر الأفكار الاشتراكية التحررية، والكشف عن كيف تستغنى الطبقة العاملة عن كل من الدولة و رأسالمال، و كيف تتخلص من تأثيرات الساسة السلطويين، لتتأهل عمليا لهذا الاستغناء، لكى تكون قادرة على أن تدير أنشطتها المختلفة وفق القواعد الاشتراكية التحررية .
وثانيهم النضال من أجل تطوير مثل هذه الأنشطة والمنظمات التعاونية والتكافلية، وهى عملية تستدعى استقلال هذه الأنشطة والمنظمات و الممارسات فعليا عن كل من الدولة و رأسالمال و الساسة السلطويين، و من أجل أن تتوسع هذه الأنشطة لتشمل كل ما هو ممكن من الأنشطة البشرية، و فق شروط و ظروف كل مجتمع على حدة .
و فى النهاية فإنه من أجل تحقيق أهدافنا سواء المرحلية أو النهائية، فإننا نمارس العديد من أشكال النضال، أهمها المشاركة الفعالة سواء بالتحريض أو الدعاية أو التنظيم فى كافة أشكال النضال الجماهيري من أجل تحقيق أى مطالب اقتصادية أو سياسية أو ثقافية تخص هذه الجماهير بشرط أن تتفق وأهدافنا ومبادئنا، بدءا من عرائض الاحتجاج البسيطة مرورا ب كافة أشكال الاعتصام والتظاهر والإضراب والمظاهرات، وصولا إلى الإضراب العام و الانتفاضة الثورية والعصيان المدنى العام حسبما تسمح به نوعية المطالب، و حسبما تسمح به الظروف الواقعية المحيطة بالنضال الجماهيرى.
ونحن نرى أنه طالما اقتصرت اللعبة الديمقراطية على مجرد صناديق الانتخاب، فإن المشاركة فيها أو مقاطعتها لابد وأن تحسب وفق ما قد تحققه من فوائد وحسب ما تجنبه من خسائر لقضايا النضال، مع استمرار النضال الجماهيرى إلى أن تتحول إلى ديمقراطية مشاركة حقيقية، ومن ثم فإننا نفضل تغيير القوانين والتشريعات واللوائح والتأثير فى القرارات الحكومية والإدارية عبر المشاركة الفعالة فى أعمال النضال الجماهيرى المختلفة، وفرض تحقيق برنامجنا الثورى عبر الانتفاضة الثورية والعصيان المدنى العام، وكافة أشكال الضغط الجماهيرى على السلطة بما فيها إزالتها، والمشاركة فى أنشطة المنظمات النقابية، واللجان الشعبية، والجمعيات التعاونية والروابط الأهلية، من أجل تغيير القوانين والتشريعات واللوائح والقرارات..وممارسة الرقابة الشعبية على السلطات العامة، والضغط عليها عبر أعمال النضال الجماهيرى المختلفة، وفضحها عبر الإعلام المستقل، و كشف حقيقتها عبر الأعمال الثقافية والفنية وغيرها.
مبادئنا النضالية
أننا فى إطار نضالنا نرى وجوب تناسب أي طريقة نضال مع الظروف الواقعية، فلا جدوى من استعمال الوسائل الكبيرة لتحقيق مطالب صغيرة، واذا تبين عدم كفاية وسيلة الضغط المتبعة، يلزم التدرج في الانتقال من نضالات بسيطة إلى نضالات أكثر جذرية، مع الحرص على الإبقاء دوما على الضغط، والانطلاق تصاعديا لأن انطلاقة قوية متبوعة بتراجع تدل على ضعف سيعرف الخصم كيف يستغله.
علينا التزام الحذر من الجذريين المزيفين، والتأكد من معرفة مدى صدق الداعين إلى التجذر فى أشكال النضال ومطالبه، بغض النظر عما ان كانوا على صواب او خطأ في تلك اللحظة، فمن يدفعون نحو صراع حاد غير ملائم، فهم إما أنهم يحاولون إبراز الصلابة للالتحام بالمناضلين لنيل ثقتهم، وخنق النضال لاحقا، او أنهم يدركون ان الفشل مضمون، ويريدون استثمار النضال لمصالحهم الخاصة، وإن كانوا عملاء للخصم الموجه ضده النضال، فإنهم يفجرون صراعا حادا مفضيا إلى فشل سيكون له أثر بالغ عندما يكون هناك هجوم مضاد متوقع من ذلك الخصم.
الالتزام عند إتخاذ قرار بالنضال بتحليل موازين القوى، بين المناضلين وخصومهم قبل الانخراط فى أى عملية نضالية مثل اقتراب الانتخابات النقابية أو السياسية التي تدفع السلطات العمومية إلى تفادي النزاعات، ومن ذلك تحليل مستوى استياء الرأي العام أو الوضع المالي والاقتصادي للمؤسسات التي يريد المناضلون التحرك ضدها.
اتقاء القمع دائما بحماية هوية المناضلين ومهامهم واجتماعاتهم.
اتخاذ القرارات في آخر لحظة لتفادي وصول معلومات إلى الخصم.
اختيار لجنة نضال أوسع من المنظمات الشعبية المعنية بتنظيم النضال.
تسيير لجنة تنظيم النضال من طرف الجمع العام للمشاركين فى النضال.
تطبيق الديمقراطية المباشرة فى اتخاذ القرارات للمشاركين فى النضال لتفادي سيطرة أقلية على المعركة النضالية لغايات غير التي قررها الجمع العام للمشاركين فى النضال.
عدم قبول تفويض أو إرسال مندوبين للتفاوض باسم المشاركين فى النضال حيث يكفى الإعلام بالمطالب عبر وسائل الإعلام المختلفة، و ترك الخصم ليعلن قبوله أو رفضه للمطالب عبر نفس الوسائل، وأن يتم اتخاذ قرارات توقف أو استمرار النضال أو تصعيده، وفقا لتوازنات القوى ووفقا لما تم تحقيقه فعلا من المطالب.
و من هنا نرى أنه لا جدوى من إرسال ممثلين للتفاوض بالنيابة عن المناضلين، فقد يركز هؤلاء على فتات او يدافعون عن أفكارهم هم بدلا عن أفكار غالبية المناضلين، كما يمكن شراءهم من قبل الخصم أو قمعهم، بعد أن تم عزلهم عن جموع المناضلين التى تحميهم من اغواءات السلطة وقمعها.
إجبار الخصم الموجه ضده النضال على توقيع إتفاق عدم قمع بعد انهاء النزاع.
السعي إلى خفض الآثار المالية للنزاع على المناضلين إلى أدناها، فعلى هذا النحو يمكن للمناضلين، ان يشنوا نضالا جديدا اذا حاول الخصم شن هجوما مضادا.
استعمال الشرعية قدر الإمكان، وبالتالي تفادي مشاكل القمع المحتمل. لكن يجب ملاحظة ان الشرعية لا تتلاءم غالبا مع مصالح المناضلين، فقد يضطر المناضلون، لتحقيق أهدافهم، الى التصرف خارج الشرعية، ومن ثم يجب تحليل المزايا والمضاعفات من جراء الإلتزام بالشرعية أو الخروج عليها.
ليس بالضرورة ممارسة العنف أو اللاعنف، يمكن ان يكونا معا، فأي نزاع سلمي مع اندفاعات عنيفة والعكس بالعكس. تارة يكون نزاع غير عنيف وحازم فعالا، وتارة العكس. ان مسيرة جماهيرية جيدة وهادئة قد تكون فعالة، لكن مظاهرة عنيفة قد تكون لها نفس الفعالية. انها مسألة سياق واختيار من قبل الناس الذين يخوضون النضال. لكن يجب الحذر من العنف، وممن يحث عليه( هل هم المناضلون أو الخصوم؟)، مصالح الجماهير الحقيقية تدفعهم أن يكونوا أنصار عالم بلا عنف وبلا سلاح، لكن فى نفس الوقت ان مقاومة الجماهير الشرسة و النشيطة شرعية أمام عنف الرأسمالية والبيروقراطية، و المتمثل فى الاستغلال، القمع، الفصل من العمل، الحروب، السجون، الخ.
يجب أيضا أن نفكر في نمط التنظيم الملائم للنضال. و أن نتسائل هل تدافع الحركة النقابية الراهنة فعلا عن مصالح الجماهير ؟ أو أي مصالح اخرى؟ هل تلائم النضال؟، هل تدافع عنه؟ الا تعتمد أنماط تشاور ووساطة في خدمة البرجوازية؟ هي يجب تجذيرها؟ ما فعالية الحماية القانونية للمنتخبين للنقابات والبرلمانات؟ هل حماية المنتخبين النقابيين جيدة؟
في الواقع يتعرض المناضلون لأعمال من القمع والاضطهاد سواء شاركوا في أعمال نضالية قانونية، أو غير قانونية، سواء أكانوا منتخبين أو لا، محميين ـأو لا. وبالتالي فان اشكال الحماية لا تفيد في شيء… و الأسوأ ان محاولة الاحتماء بالوسائل القانونية تفضي بأنصار تلك الممارسات الى احترام القانون المفيد لأرباب العمل والبيروقراطيين، و إلى عدم المشاركة في النضالات التي تتخطى الإطار القانوني، وبالتالي الدفاع عن الشرعية، والتحول من جراء ذلك إلى معادين للثورة.. أما اعتماد الخطاب المزدوج، الشرعي في الواجهة، واللاشرعي في الواقع، فهو غير ممكن غالبا لان المنتخبين النقابيين أو السياسيين، مضطرين، بوعي أو بدونه، إلى الدفاع عن الإطار القانوني وبالتالي تعزيزه، والسكوت عن انتقاداتهم بغية الحصول على الحمايات القانونية التي تقتضيها وظيفتهم، لا سيما انه يصعب لاحقا رفض الإطار القانوني بفعل ما يمنحه من مزايا للفرد. و البرجوازية ستدوس، اذا استشعرت خطر النضال، كل القوانين إذا ما تعارضت مع مصالحها.
قواعدنا التنظيمية
الاشتراكيون التحرريون يختلفون عن الاشتراكيين السلطويين فى كثير من القضايا، و بشكل خاص فى البناء التنظيمى، و هم يرفضون مفاهيمهم، حول كل من الحزب الطليعى، المركزية الديمقراطية، ديكتاتورية البروليتاريا، و الاشتراكيون التحرريون لديهم بدائل لكل هذه المفاهيم، ولكن المشكلة هى أن معظم المنتمين لليسار بما فيهم بعض الاشتراكيون التحرريون يجهلون بشكل كامل البدائل الملموسة لتلك المفاهيم الاشتراكية التسلطية.
البديل الاشتراكي التحررى للحزب الطليعى هو الجماعة الدعائية .
الجماعة الدعائية الاشتراكية التحررية تتكون كاتحاد بين أفراد متقاربين فى عملهم ورؤاهم، و على أساس توافق إرادات و رغبات الأعضاء فى التعاون فيما بينهم، وإلحاح الظروف الاجتماعية التى تفرض عليهم النضال سويا.
الاتحاد بين جماعات الدعاية الاشتراكية التحررية يقام بواسطة ممثلين عن الجماعات الدعائية، فضلا عن أن الجماعة الدعائية نفسها عند نموها لحد كبير يعوق ممارستها الديمقراطية المباشرة تنقسم إلى جماعات دعائية فرعية.
الالتزام بمبدأ ضمان الحقوق و الامتيازات والمسئوليات التصويتية الكاملة لكل عضو .
الجماعات الدعائية واتحاداتها تضع كل من السياسات و خطط الأعمال المستقبلية و تؤدى وظائفها وفق المبادىء الاشتراكية التحررية .
تنتظم الجماعات الدعائية فى التجمعات البشرية المختلفة أو فى أماكن العمل، و هى فى النهاية جماعات واتحادات ديمقراطية تخلو من أى رموز للسلطة القمعية مثل الزعماء الحزب والقادة و اللجنة المركزية وخلافه، وممثلى الجماعات الدعائية فى الاتحادات يقومون فقط بأعمال تنسيقية ومن لابد وأن يرجعوا دائمل للتشاور مع جماعاتهم التى أوفدتهم للتنسيق.
العمليات التنسيقية بين هذه الجماعات واتحاداتها تصبح ضرورة ملحة، و تشكيلها لا يمكن أن يكون فى طريق متطابق مع مبادىء الاشتراكية التحررية، وبالاستفادة من ثورة الاتصالات الحديثة يمكن أن يتم الحوار والتنسيق واتخاذ القرار بين أعداد كبيرة من ممثلى جماعات الدعاية من جانب وبين جماعاتهم من جانب آخر دون احتياج للبناء الهرمى للتنظيم .
ما يعارضه الاشتراكيون التحرريون تحديدا هو التراتبية فى التنظيم، أى بناءه على نحو هرمى، وما يرفضونه هو سلطة القيادة البيروقراطية المعرقلة للعمل، و التى تكبح الدافع الخلاق للكتل المنخرطة فى العمل وتطبق بقرارتها البيروقراطية على رقابهم، حيث يكون الأعضاء العاديين فى مثل هذه الجماعات التراتبية والهرمية مجرد خدم وعبيد وجنود تابعين للقيادة المركزية للحزب الهرمى.
أن الاشتراكيون التحرريون يرفضون القيادة المركزية المتحكمة فى تابعيها، وفى نفس الوقت فهم يقرون أن هناك بعض الناس يكونون أكثر خبرة أو أفصح أو أكثر مهارة من آخرين ، وهؤلاء الأشخاص لابد وأنهم سوف يلعبون أدوار القيادة فى العمل داخل الجماعات أو على نطاق أوسع، لكن هؤلاء الأشخاص ليسوا رموز مقدسة للسلطة، ويمكن ببساطة أن ينحوا عن مسئولياتهم حسب إرادة عضوية الجماعات واتحاداتها، كما يؤكد الاشتراكيون التحرريون على أهمية تداول المسئوليات بين الأعضاء بشكل متواتر لإكساب الآخرين المهارات المختلفة عبر ممارسة المسئوليات.فخبرة هؤلاء الأشخاص الذين يكونون عادة نشطاء محنكين أو مؤهلين على نحو أفضل من الغالبية فى لحظة ما تجعلهم يستطيعون المساعدة على تشكيل وقيادة و تطور الحركة، و المساعدة على بلورة الإمكانية من أجل التغيير الثورى فى الحركة الشعبية . ما لا يستطيع أن يفعله هؤلاء هو تولى السلطة فوق مبادرة هذه الحركات الشعبية نفسها.
الاشتراكيون التحرريون يرفضون الأوضاع التراتبية، و هى تمتع أى شخص بسلطة رسمية أكثر من الآخرين وهى الأوضاع المشابه للأحزاب الاشتراكية الطليعية.
أن المجموعات الدعائية الاشتراكية التحررية لن تسمح بإدامة قيادتها من خلال الديكتاتورية بعد الثورة ، فبدلا من ذلك فأن الجماعات الدعائية واتحاداتها سوف تحل نفسها فور انتصار الثورة، وعضويتها السابقة عندئذ سوف تكون مهيئة للذوبان فى عمليات اتخاذ القرارات فى تجمعات المجتمع الجديد، ومن ثم سوف يكون هؤلاء المناضلون بعد الثورة بلا قيادات بل مجرد أفراد أكثر وعيا يعملون كمرشدين و كمنظمين لحركة الجماهير فى عملية بناء المجتمع الجديد .
البديل عن المركزية الديمقراطية هى الديمقراطية المباشرة
بينما تصل المجموعات الاشتراكية التحررية لقراراتها عبر مناقشة حرة مستفيضة بين أعضاءها، نجد أن الاشتراكيين السلطويين ينتظمون خلال ما يسمى بالمركزية الديمقراطية، (وهى تعنى خضوع المستوى الأدنى للمستوى الأعلى فى الهرم التنظيمى، و خضوع كل أفراد الحزب وجماعاته وهيئاته لإرادة لجنته المركزية، مع ضمان الحق فى إبداء الرأى لكل الأعضاء التى تكون فى تلك الحالة حرية النباح لا حرية اتخاذ القرار، وفى أفضل أحوال المركزية الديمقراطية يسمح بالحق فى التكتل للجماعات المختلفة داخل التنظيم، وفى أسوءها يمنع الحق فى التكتل مما يصيب تلك التنظيمات بداء الانشقاق المزمن ومن ثم التشظى) .
المركزية الديمقراطية تقدم كشكل من ديمقراطية الحزب الداخلية، لكنها فى الحقيقة محض تراتبية استبدادية، حيث كل عضو فى الحزب وأخيرا فى المجتمع بعد نجاح الحزب فى الوصول للسلطة يكون خاضعا للعضو الأعلى حتى نصل للجنة المركزية للحزب كلية القدرة والجبروت، ثم رئيسها صاحب الحق الوحيد فى التفكير وإصدار الأوامر، و هذا إجراء غير ديمقراطى بشكل كامل وهو يضع القيادة فوق مستوى النقد حتى لو لم تكن فوق مستوى اللوم، أنها طريقة تفسد و تفلس العمليات الداخلية للمنظمة السياسية ، أنك لا تملك صوتا فى الحزب، ويجب أن تخاف من قول أى تعليقات ناقدة للقيادة أو حول القادة حتى لا تتناولك الشكوك والاتهامات.
القرارات فى المجموعات الاشتراكية التحررية تتخذ من قبل كل الأعضاء (والذين لا يملك أحد منهم سلطات فوق ما يملكه عضو أخر) .
الأقلية المخالفة تحترم ، و مساهمة كل فرد فى العمل تكون طوعية .
كل عضو له الحق فى الموافقة أو عدم الموافقة على أى سياسة أو فعل، وأفكار كل عضو تعطى نفس الوزن والاعتبار، لا قرار يمكن أن يتخذ حتى يكون لكل عضو فرد أو مجموعة منضمة يمكن أن تتأثر بهذا القرار، الفرصة ليعبر عن رأيه فى الموضوع محل القرار .
الأعضاء الأفراد والجماعات المنضمة للاتحاد تحتفظ بحقها فى رفض دعم أنشطة جماعية أو اتحادية معينة .
القرارات التى تخص الاتحاد ككل يجب أن تتخذ بواسطة أغلبية أعضاءه لا بواسطة أغلبية ممثلى الجماعات الدعائية المنضمة للاتحاد.
فى معظم القضايا لا يكون هناك احتياج حقيقى لاجتماعات رسمية بين ممثلي الجماعات الدعائية لاتخاذ القرارت، لأن ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعة الدعائية أو الاتحاد، ولكن لأن هناك أوقات يجب أن يتخذ فيها قرار عاجل ، وأحيانا بسرعة جدا. وهذا يكون أمر نادر لكن أحيانا لا يمكن تفاديه ، فإن القرار المتخذ فى هذه الحالة يمكن أن يتخذ بواسطة حلقة أصغر من العضوية العامة المكونة من مئات أو آلاف من الأعضاء فى الجماعات والاتحادات.
فى الأحوال العادية يتم تبادل المعلومات والحقائق بين الأعضاء و الجماعات من أجل اتخاذ قرار يعيد تناول القرار الأصلى الذى تم اتخاذه فى ظرف الطوارىء.و خلال هذا النقاش سوف يبذل جهد لتوضيح أي اختلافات أساسية بين الأعضاء حول القرار المتخذ ، و اكتشاف الطرق البديلة للفعل الذى تم اتخاذ القرار بشأنه.
لابد للوصول عبر النقاش لتوافق متبادل على القرارات بين وجهات النظر المتعارضة ،بينما لو كان هناك مأزق أو عدم وجود إمكانية للوصول للتوافق المتبادل مع القرار ، فيأخذ القرار طريقه للعرض على التصويت ، وحينئذ يقبل أو يرفض أو يلغى بأغلبية الثلثين . و هذا على العكس كليا من ممارسة الأحزاب الاشتراكية السلطوية حيث اللجنة المركزية من جانب واحد تعد السياسات والقرارات لكل المنظمة على نحو تحكمى وتسلطى.
كل المجموعات الدعائية هى اتحادات حرة مشكلة وفق احتياج عام و أعضاءها ليسوا ثوريين مروضين بالخوف من السلطة وطاعة القيادة وعبادتها، بينما يتسع نطاق مجموعات العمل و عندما تصبح منظمات ضخمة يصعب معها ممارسة الديمقراطية المباشرة ، فأنه يمكنها حينئذ أن تنقسم لمجموعتين أو أكثر تتمتع بالاستقلال الذاتي بلا قيادة مركزية مع استمرارها متحدة فى اتحاد واحد واسع . و هذا يجعلها قادرة على الاتساع بلا حدود بينما تحتفظ بشكلها التحررى المتميز بكل من الإدارة الذاتية و اللامركزية.
المجموعات الاشتراكية التحررية لا تنتظم بشكل ضرورى على نحو محكم ، فنظرية التنظيم التحررية مرنة والبنية التنظيمية يمكن أن لا توجد عمليا فى ظرف ما أو توجد على نحو محكم جدا فى ظرف آخر، وهذا يعتمد على نمط المنظمة المطلوب فى ظل الظروف الاجتماعية التى تواجهها الحركة الاشتراكية التحررية ،على سبيل المثال المنظمة يمكن أن تكون محكمة وسرية خلال العمليات العسكرية أو خلال القمع السياسى المشدد ولكنها تعمل بشكل علنى وغير محكم فى المحتمعات التى تتمتع بدرجة واسعة من الحريات، وفى ظروف أخرى فقد تفضل علنية النشاط وسرية التنظيم.
المشتركات الجماهيرية (الكوميونات) بديل عن ديكتاتورية البروليتاريا
الاشتراكيون التحرريون يرفضون مفهوم دولة ديكتاتورية البروليتاريا، كونها قهر غير مقيد، ويرفضون ما يسمى ب“الدولة العمالية” مفضلين بناء المشتركات الجماهيرية أى الكوميونات وهى مرادفات لما يسمى بالمجالس العمالية والقادرة على الدفاع عن نفسها ذاتيا فى مواجهة أعداء الثورة كونها مسلحة دون احتياج لمركزية الدولة وشموليتها، وهذا يصعب مهمة الثوة المضادة حيث تتكاثر أمامها الكوميونات المطلوب محاربتها فى حين أنها فى حالة الدولة المركزية فإنه يسهل هزيمتها.
الاشتراكيون التحرريون لا يشبهون أعضاء الأحزاب الاشتراكية التسلطية، والذين يعيشون يوميا على نحو مشابه بوجه عام لنمط الحياة البرجوازى، ومن هنا فالاشتراكيون التحرريون يحاولون العيش وفق أنماط الحياة والبنية التنظيمية التى تحاول أن تجسد المجتمع الاشتراكى التحررى للمستقبل، و ذلك من خلال الترتيبات الحياتية التشاركية للأعضاء، وتكوين الجماعات المتقاربة المتعايشة سويا، مجموعات الألفة، واقامة التعاونيات التحررية وغيرها.
ولأن الاشتراكيون التسلطيون لا يبنوا تنظيمات من هذا النوع ( أنوية المجتمع الجديد) مفضلين الانغماس فى عالم البورجوازية، فأنهم لا يستطيعوا رؤية العالم إلا عبر المصطلحات السياسية البورجوازية فقط. وإذا كان الاشتراكيون التسلطيون لا يجدوا أى غضاضة فى العمل كرأسماليين أو بيروقراطيين، وبالتالى لا يجدوا أى ازدواجية بين اشتراكيتهم وبين استخدام واستغلال العمل المأجور، فإن هذا ما يستنكفه ويدينه بشدة الاشتراكيون التحرريون الذين يحاولون التحرر الذاتى لأنفسهم وللآخرين من داخل وهامش المجتمع البرجوازى الحالى.
الاشتراكيون التسلطيون يريدون الاستحواز على سلطة الدولة لكى يحلوا ديكتاتورياتهم فوق الشعب والعمال بدلا من إزالة سلطة الدولة واستبدالها بالمجتمع التعاونى الحر. أما الاشتراكيون التحرريون فيرفضون اشتراكية الدولة كأسوأ انحراف وطغيان حدث باسم التحرر مما أضر بقضية التحرر، و يجزمون أنهم يستطيعون صناعة ما هو أفضل من اشتراكية الدولة وهو المشترك الجماهيرى (الكوميون) .
كوميون الجماهير (أحيانا يطلق عليه مجلس العمال بالرغم من بعض الاختلافات بين المفهومين) يمكن أن يكون قومى أو قارى أو اتحاد متعدد القوميات لتعاونيات سياسية واقتصادية و تشكيلات تشاركية محلية.
التنظيم الاجتماعى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر، يتأسس على الملكية الاجتماعية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية . و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب مورثاته البيولوجية و مكتسباته الاجتماعية وخبراته التاريخية وقدراته الخاصة . تماما مثلما يجب أن نحترم حقيقة تميز الجماعات البشرية المختلفة ثقافيا ودينيا ولغويا . أن هذا الكائن الإنسانى الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات ، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها ولا اختيار ، سواء الوراثية أو الاجتماعية ، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه . ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى جماعة بشرية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط . ومن ثم تتعدد الجماعات التى ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته .
يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع ، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من جماعات، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع الجماعات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية ودينية لتشمل كل أوجه النشاط البشرى ، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، وتتحدد وفق إرادته. ويقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك الجمـاعات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى ، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط ، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها ومن ثم تتعدد الجماعات بتعدد جوانب الشخصية .
وفيما يتعلق بتنظيم شئون تلك الجماعة فهو كالتالى :-
لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المختلفة حسب الحالة ، فيكون للجماعة حق الانتفاع على نحو متساو بين أعضاءها بكل مصادر السلطة المرتبطة بممارسة نشاطها فحسب ، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات لاستعمالهم الشخصي .
و تتأسس إدارة الجماعة على الديمقراطية المباشرة ، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط الجماعة و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط الجماعة، يحق لكل أعضاء الجماعة مناقشته و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى الجماعة تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين ، ويحق للجماعة مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم . ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية يتخذها أعضاء الجماعة ديمقراطيا ، وقرارات إدارية و فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم . كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من الجماعة على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم .
الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم ، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية ، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد . وبناء على ذلك فلكل جماعة أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها ، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم ، أو قبلوها مع انضمامهم للجماعة ، وأن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء ، والمخالفات التى قد يرتكبوها.
ومن هذه الجماعات الأولية التى تشكل خلايا المجتمع البشرى ، تتشكل اتحادات متنوعة بتنوع النشاط البشرى فيما بين الجماعات المختلفة أو المتشابهة ، وذلك من أسفل إلى أعلى ، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا تهم قطاعات أوسع من البشر ، عبر الاتحاد بين الجماعات والاتحادات المختلفة من مستوى الاتحادات المحلية وحتى الكوكب بأسره ، فتنشأ اتحادات على أسس جغرافية ، وأخرى على أسس اقتصادية أو مهنية أو خدمية أو ثقافية أو دينية أو قومية .. الخ . تلك الاتحادات تقوم على الانضمام الطوعى للجماعات والاتحادات المختلفة عبر مفوضين منتخبين من تلك الجماعات والاتحادات ، والتى يحق لها مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم ومقتضيات تفويضهم .
ومثلما يحدد أعضاء الجماعات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى ، تحدد الجماعات والاتحادات القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى ، وأن تعاقب المخالفين لتلك القواعد ، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين الجماعات والاتحادات المختلفة.
ويبقى أن نشير إلى:
أولا :- إذا كانت عضوية الأفراد للجماعات وعضوية الجماعات للاتحادات طوعية ، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من الجماعات ، والجماعات من الاتحادات . وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين الجماعات المختلفة ، والاتحادات حرية مكفولة للجميع.
ثانيا:- أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية ، وليست سياسية ، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم ، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .
ثالثا:- من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر ، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة للجماعات والاتحادات .
رابعا :- الاشتراكية التحررية مشروع أممى ، ومعادي لكل الحركات السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى ،وأبرزها الصهيونية والقومية العربية والإسلام السياسى، مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض ، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديناهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم . ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره ، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن ، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها ، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد ، وملكيتهم الجماعية المشتركة ، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى ، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس عنصرى بغيض .
هذا هو الإطار العام لأهداف الاشتراكية التحررية ومبادئها ، الذى يحمل بداخله إمكانيات الاختلاف فى التفاصيل بين متبنيه .
و إذا كان هذا برنامج الحد الأقصى فإن برنامج الحد الأدنى هو
إننا نناضل بكافة السبل من أجل الإحلال التدريجى للقطاعين العام و الحكومى المملوكين للدولة والقطاع الخاص الرأسمالى إلى بديل التعاونيات التحررية، و هى مؤسسات حرة و مستقلة تماما عن كافة المؤسسات الحكومية، و الشركات الرأسمالية، وتمول نفسها ذاتيا بمساهمات الأعضاء. و هو البديل الذى تختفى فيه معظم الجذور الواقعية للسلطة القمعية، ومن ثم هى الشكل الوحيد الذى يسمح بالقضاء على الاستغلال والقهر بين البشر فى حدود الظروف الحالية، ومن هنا نناضل من أجل تعميم هذا البديل سواء بعمليات التحرر الذاتى أو بالنضال الجماهيرى على النحو التالى:
-
إجبار الدولة والرأسماليين على تحويل كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية والتأمينية والإئتمانية، سواء الحكومية أو العامة أو الرأسمالية إلى تعاونيات تحررية للعاملين والمساهمين فيها.
-
تشجيع ومساعدة ودعم العمال المستقلين والمهمشين والمتعطلين عن العمل و الحرفيين والمهنيين والمزارعين على تكوين التعاونيات التحررية التى تشبع احتياجاتهم المختلفة، باعتبارها وسيلة لتحررهم الذاتى من سيطرة واستغلال كل من الرأسماليين و بيروقراطية الدولة.
-
اجبار الدولة والرأسماليين على تطبيق الإدارة الذاتية فى كافة المؤسسات، على أساس أن السلطة العليا فى المؤسسة تكون للجمعية العمومية المكونة من جميع العاملين فى المؤسسة. مع المساواة فى التصويت بينهم.و المساواة فى الحق فى الترشيح والانتخاب لعضوية الهياكل الإدارية للمؤسسة لجميع العاملين.وفق لوائح تحددها الجمعيات العمومية لتلك لمؤسسات.
نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات التحررية يمكنها أن تمارس كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة والرأسماليين، على السواء بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق والمؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات والمنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط لا فى حجم الأعمال وعدد العاملين بها، و لا ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات.
التعاونيات التحررية تقوم بإنتاج كل السلع وتقديم كافة الخدمات، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات نوعية أو اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات، بعيدا عن الدولة و رأسالمال.
أما عن قواعد التعاونيات التحررية فهى
-
عضوية التعاونية التحررية طوعية ومفتوحة لكل من يطلبها بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي.
-
تلتزم التعاونية التحررية بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية.
-
تساعد التعاونية التحررية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها كعضو بحصة فى رأسمال التعاونية و العمل فيها.
-
لكل عضو فى التعاونية التحررية صوت واحد بصرف النظر عن حصته فى رأسالمال.
-
لكل عضو أن ينسحب من التعاونية فى أى وقت، على أن يأخذ حصته التى دفعها فقط من رأسالمال.
-
تحدد سياسة التعاونية التحررية و قرارتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية، وذلك بالأغلبية المطلقة لأصوات الأعضاء.
-
تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية.
-
كل أعضاء التعاونية التحررية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء.
-
على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم ، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.
-
يوزع صافى العائد الناتج عن نشاط التعاونية على شكل نسب محدودة يتفق عليها أعضاء التعاونية فى جميعاتهم العمومية على الترتيب التالى.
أولا لتكوين الاحتياطى المالى للتعاونية وهو غير قابل للتجزئة.
ثانيا مكافأة فى صورة فائدة محدودة لرأسالمال فى حالة الربح فقط لا تتجاوز فى مجملها نسبة محدودة من العائد .
ثالثا للخدمات الاجتماعية والتعليمية والثقافية التى تقدمها التعاونية لأعضاء التعاونية و المجتمع المحلى.
رابعا لمكافأة المفوضين بالإدارة عن أعمالهم الإدارية التى أدوها.
خامسا يوزع الباقى من عائد التعاونية الناتج عن نشاطها الإنتاجى للسلع والخدمات على الأعضاء المنتجين وفق ما أداه العضو من جهد فى الإنتاج.
سادسا يوزع الباقى من أرباح التعاونية الناتج عن نشاطها الإستهلاكي للسلع والخدمات على الأعضاء المستهلكين، وفق ما استهلكه العضو من سلع وخدمات.
-
تضع التعاونية عند التعامل مع الغير، الإلتزام بالتعاون مع التعاونيات و إعطاءها الأولوية فى التعامل قبل الأفراد غير الأعضاء و المؤسسات الحكومية و المؤسسات الرأسمالية، التى يتم التعامل مع أى منها عند عدم وجود تعاونيات يمكن التبادل والتعاون معها، وفى أضيق الحدود الممكنة وعند الضرورة فقط.
أننا نناضل من أجل اختفاء الدولة باعتبارها الجهاز الرئيسى للسلطة القمعية، سوف يظل هذا حلما إنسانيا لكل اشتراكى تحررى، لا يمكن تحقيقه إلا على نطاق عالمى، وأنه لا شك أن أمر زوال الطبيعة القمعية للدولة متروك لحدوث تطورات كبيرة لابد منها وحتى يتحقق هذا الحلم ، فنحن عمليا الآن أن نناضل من أجل تقليص سلطات الدولة واختصاصتها إلى أقصى حد ممكن عبر ما يلى:
-
تقليص دور الدولة فى حدود مهامها السيادية التقليدية وهى التمثيل الخارجى والدفاع والعدل والأمن الداخلى والمالية العامة أى أننا نناضل من أجل دولة حارسة متقلصة على عكس ما تناضل من أجله حركات اشتراكية أخرى تناضل من أجل دولة تدخلية متضخمة.
-
تطبيق اللامركزية الإدارية والاتحادية والحكم الذاتى.
-
توسيع سلطات واختصاصات المحليات المختلفة التشريعية والتنفيذية والقضائية التى تضمن عدم تركز السلطات العامة للدولة من تشريع وتنفيذ وقضاء فى يد قلة من الأشخاص فى مركز الدولة، ولتصبح ممارسة السلطات العامة فى يد عدد أوسع الناس.
-
الرقابة الشعبية الدائمة من قبل سلطات الإدارة المحلية واللجان الشعبية المختلفة على أعمال الحكومة المركزية.
ونحن نطرح بديل عن ديمقراطية صناديق الانتخاب المحدودة التى نرى أفضليتها بالطبع مقارنة بالديكتاتورية طالما استمرت ضرورة الدولة، وهذا البديل الذى نناضل من أجله هو ديمقراطية المشاركة وقواعدها هى
أن تكون كل السلطات العامة سواء كأفراد أو كهيئات أو كوظائف، منفصلة ومستقلة تماما عن كل ما يفرق بين المواطنين مثل الدين أو الطائفة أو القومية أو العنصر أو الثقافة أو اللون أو الجنس أو العرق أو النوع أو اللغة الأم أو الأصل الاجتماعى.
لكل المواطنين حقوق المشاركة المباشرة فى السلطات العامة بالطرق التالية:
-
حق الاستفتاء الشعبى على القوانين والقرارات.
-
حق الاقتراح الشعبى بمشاريع لقوانين أو لقرارات و الذى تقدمه نسبة معينة من مجموع المواطنين و فى هذه الحالة يعرض الاقتراح على الاستفتاء الشعبى.
-
حق التحقيق الشعبى مع أعضاء المجالس النيابية والمسئولين التنفيذيين المنتخبين عبر لجان شعبية مستقلة.
-
حق تكليف الناخبين لنوابهم فى المجالس النيابية ومحاسبتهم ومراقبتهم و حق إقالتهم قبل انتهاء مدة عضويتهم بالمجالس النيابية.
-
حق محاسبة و مراقبة المسئولين التنفيذيين و إقالتهم قبل انتهاء فترة توليهم المسئولية التنفيذية.
-
وجوب موافقة غالبية المواطنين على ما يتلقاه المسئولين التنفيذيين و أعضاء المجالس النيابية والقضاة من أجور نقدية وعينية و امتيازات مختلفة مقابل تفرغهم لأداء أعمالهم.
-
علنية كل المحاكمات، واعتماد نظام المحلفين فى المحاكم، الذين يتم اختيارهم من بين قوائم من المواطنين ليراقبوا أداء القضاء ويساعدوهم فى اتخاذ القرار.
الشعب هو صاحب الحق الوحيد فى اختيار من ينوبون عنه فى ممارسة كل وظائف السلطات العامة بانتخابهم انتخابا حرا مباشرا. فهو من يمنحهم شرعية ممارسة السيادة بالنيابة عنه وهو من يسلبهم هذه الشرعية.
الفصل الكامل بين السلطات العامة (التشريعية والتنفيذية والقضائية)
الإشراف الكامل على مباشرة كل حقوق السيادة الشعبية من قبل هيئة شعبية مستقلة تماما فى تكوينها و تمويلها و نشاطها عن الأجهزة التنفيذية و الإدارية،و مكونة من ممثلى منظمات حقوق الإنسان، و ممثلى منظمات المجتمع المدنى المختلفة، و ممثلى الأحزاب السياسية، و الشخصيات المدنية العامة و المتطوعين . بحيث تتم كل وقائع العملية الانتخابية بدءا من فتح باب الترشيح وحتى إعلان نتيجة الانتخابات تحت إشرافها الكامل وبالاستقلال الكامل عن السلطة التنفيذية وموظفيها لمنع تأثير النفوذ الإدارى على الناخبين.
توحيد ميزانية الحملة الانتخابية لكل المرشحين، و ضمان شفافية موارد تلك الحملات ومصروفاتها و ضبط طرق إنفاقها و توجيهها تحت إشراف الهيئة الشعبية المستقلة للممارسة السياسية بهدف شرح البرنامج الانتخابى لكل مرشح على قدم المساواة مع باقى المرشحين لضمان عدم تأثير المال و محترفى الانتخابات ووسائل الإعلام على اختيارات الناخبين وفرص المرشحين فى النجاح.
الحياد السياسى التام للمؤسسة العسكرية.
قصر الأمن السياسى الداخلى فى حدود مكافحة الجاسوسية والإرهاب.
خضوع مؤسسات الجيش أو الشرطة ككل المؤسسات للمراقبة الشعبية فضلا على المراقبة والمحاسبة القضائية والبرلمانية.
منع استخدام المجندين فى الجيش فى أعمال الشرطة. كما يحظر على الجيش أداء أى عمل من أعمال الشرطة.
إلغاء أى امتيازات لكل من رجال الجيش والشرطة تميزهم عن باقى المواطنين إلا ما تفرضه ممارستهم لوظائفهم.
أننا نناضل من أجل
حق الفرد في أن يعترف بشخصيته القانونية. و حقه فى الأمان على شخصه وحياته وحريته الشخصية وحرمة حياته الخاصة، و حرية الفرد فى السفر من و إلى أى بلد ،و التنقل والإقامة فى أى ناحية من أنحاء البلاد، وحقه فى الهجرة منها والتوطن فى أى بلد يشاء، والعودة إلى بلاده الأصلية متى يشاء. و لكل فرد الحق أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هربا من الاضطهاد. و لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. وأن يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفا أو إنكار حقه في تغييرها.
حق الفرد فى الحماية من التعذيب و الإيذاء البدنى ويشمل ذلك حمايته من العقوبات الجسدية التى تلحق الألم بالجسد أو تشوهه، وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبات القاسية أو الوحشية أو المهينة و الحاطة بالكرامة البشرية.
حق الفرد فى الحماية من القبض عليه أو حجزه أو نفيه تعسفاً. والحماية من التدخل التعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته و حمايته من التعرض لحملات على شرفه وسمعته.
حماية الفرد من كل من العمل الجبرى و العمل المجانى وأعمال السخرة المختلفة، وهذا يستلزم بالضرورة إلغاء علاقة الإذعان فى عقود العمل، مما يعنى تحديد جميع حقوق العاملين بأجر بما فيها الأجور النقدية والعينية و كافة شروط وظروف العمل على أساس المساومة الجماعية بين العاملين بأجر و ممثليهم النقابيين وبين الجهات التى يعملون لحسابها فى كافة القطاعات الحكومية وغير الحكومية. فضلا عن ضمان الحق فى الإضراب عن العمل و تحرير ممارسته من أى قيود تعيقه باعتباره السلاح الأساسى فى يد العاملين بأجر فى إطار المساومة الجماعية لتحسين شروط عملهم وحياتهم.
مساواة كل الناس أمام القانون وحقهم في التمتع بحماية قانونية متكافئة دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز وضد أي تحريض على تمييز كهذا. و لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه له. كما أن لكل إنسان الحق فى مقاضاة رجال السلطة والإدارة، و لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون.
حرية الرأى والتعبير والفكر والوجدان والدين والمعتقد بلا قيد أو شرط، وتشمل هذه الحقوق ، حرية تغيير الفرد لديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة. و حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية. وضمان حق كل مواطن فى استخدام وسائل الإعلام والثقافة المختلفة فى ممارسة حقه فى التعبير عن آرائه ومعتقداته بالكتابة والحديث والتعبير الفنى على قدم المساواة مع كل المواطنين.و ضمان الحرية الكاملة للبحث العلمى و النشاط الإبداعي .
قيام وتنظيم علاقات الزواج وإنهائها وكل ما يترتب عليها من آثار على أساس التعاقد الحر للأطراف المقبلة عليه دون وصاية أو تدخل من طرف آخر طالما بلغ الطرفين سن الزواج. فلا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضى كاملا لا إكراه فيه. و للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين. مع ضمان المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات فى العلاقة الزوجية فى إبرامها و فى أثناء قيامها و فى حالة إنهاءها وكل ما يترتب علي كل هذا من آثار .و إنهاء الوصاية والولاية والقيامة والحضانة الأبوية على أبناء و بنات الأسرة بمجرد بلوغهم سن الرشد .
لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. كما لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.و يحق لكل المواطنين تنظيم أنفسهم فى شتى الجماعات المدنية التى تلبى احتياجاتهم المشتركة، وتنظم انشطتهم المدنية المختلفة، وتدافع عن حقوقهم المشتركة، و حقهم فى الانضمام إلى ما يختاروا منها طوعا، من أجل تعزيز و حماية مصالحهم الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية والعقائدية وممارسة أنشطتهم المدنية المختلفة. والمقصود بالجماعات المدنية كل التجمعات المستقلة عن هيئات السلطة العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية والمؤسسات الإنتاجية والخدمية، و من ثم تشمل الجماعات المدنية كل من الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والنقابات المهنية والأندية الاجتماعية والرياضية والثقافية والغرف التجارية والصناعية والجماعات الثقافية والجماعات الدينية والعقائدية.
تحرير كل الجماعات المدنية من الارتباط بالأجهزة التشريعية والتنفيذية والإدارية، وذلك بإسقاط كافة القوانين و القيود التى تعيق حرية تكوينها وعملها ، و بإسقاط حق الأجهزة التشريعية والتنفيذية والإدارية تماما فى وضع القواعد والقوانين المنظمة لتلك الجماعات المدنية ، و ليصبح حقا مطلقا لأعضائها، حيث تكفل الأحكام العامة للقانون الحد الأدنى اللازم لمراقبة أداء الجماعات المدنية سواء من خلال جمعيات عمومية تملك صلاحيات فعالة فى محاسبة مجالس إداراتها المنتخبة ، أو من خلال الرقابة القضائية التى تتيح الفرصة لأعضاء الجماعات المدنية أو لكل ذى مصلحة فى الطعن على القرارات المتخذة من جانب الجماعة المدنية إذا ما تعارضت مع القانون أو إذا ما خرجت مجالس إدارتها عن قواعد الشفافية المحاسبية .
حق الجماعات المدنية المختلفة فى تشكيل اتحادات وطنية أو تعاهدات و حق هذه الأخيرة بتكوين منظمات دولية أو الانضمام إليها. و حقها فى التدخل أمام القضاء الجنائى بالادعاء مدنيا عن جريمة وقعت على أعضاءها على أساس المساس بالمصلحة الجماعية التى تمثلها.وإطلاق حرية تكوينها بلا قيد أو شرط فيما عدا القائمة منها على أساس عسكرى أو عنصرى .و حقها فى أن تعتبر قائمة قانونا بمجرد إخطار الجهة الإدارية بتشكيلها . كما تشمل حقوق الجماعات المدنية حق كل طائفة أو جماعة دينية أو عقائدية أو ثقافية أو قومية قائمة على أساس من عقيدة مشتركة أو ثقافة مشتركة بين أفرادها فى أن تنظم أعضاءها فى شكل جماعة مدنية ينضم لها طوعيا المنتمين لتلك العقيدة أو الثقافة أو القومية .
مد مظلة التأمين الاجتماعي الشامل لكل المواطنين منذ ميلادهم و حتى وفاتهم، ضد كل من العجز و الإعاقة و المرض و التقاعد و الحوادث و الكوارث البيئية والطبيعية و البطالة ومخاطر العمل وحوادثه و الفصل التعسفى من العمل و الإفلاس و اليتم والفقر والجوع والتشرد وتدهور مستوى المعيشة والجهل. ومن أجل ضمان احتياجات كل من الأمومة والطفولة و الشيخوخة، وضمان حقوق مستوى المعيشة اللائق و المأوى اللائق، والتعليم والعلاج و الثقافة والمعلومات على نحو مجانى كامل للمؤمن عليهم وذلك عبر تعاونيات التأمين الاجتماعي التحررية التى تهدف لضمان حق كل عضو فى تعاونيات التأمين الاجتماعي الشامل، هو والمشمولين برعايته والملزم بالإنفاق عليهم، وضمان حريتها و استقلاليتها، وحماية أموالها من المخاطر، و قيامها على المبادرة الجماعية للمواطنين، بالاستقلال عن الأجهزة الحكومية، دون انتظار ما قد تمنحه لهم الحكومات المختلفة من مكاسب يسهل على حكومات أخرى أن تنتزعها منهم عندما تتغير الظروف و الأحوال، ودون انتظار احسانات الآخرين وصدقاتهم…وهذا يتطلب تشجيع المواطنين على الانضمام إليها
ومن ثم نناضل من أجل دعم التعاونيات التأمينية بمصادرة كل الأموال النقدية والمنقولة والعقارية التي يثبت أنها جاءت عبر الجرائم والفساد الإدارى والمضاربات المختلفة على الأموال والعقارات والمنقولات، والأموال الناتجة عن المراهنات باعتبارها أنشطة اجرامية، ومصادرة كل الأوقاف الخيرية والصناديق والأموال الخيرية التابعة للأشخاص أو المؤسسات المختلفة، و أموال التأمينات التى تسيطر عليها الحكومة أو الشركات العامة والرأسمالية، وضمها لأموال التعاونيات التأمينية لصالح غير القادرين على دفع اشتراكاتهم فى المؤسسات التأمينية التعاونية.
حقوق العمل تتضمن ضمان الأجور المتساوية عن الأعمال المتساوية و عن نفس الإنتاجية فى كل القطاعات دون التمييز من أى نوع بين العاملين و العاملات ،حيث لا ينبغى أن تخرج مقاييس تحديد الأجر عن معايير الإنتاجية الفعلية والكفاءة دون أى تمييز بين العاملين على أساس الجنس أو أى أسس أخرى .كما يجب توفير فرص متساوية لكل فرد بالنسبة لترقيته فى عمله إلى مستوى أعلى مناسب دون خضوع فى ذلك لأى اعتبار سوى اعتبارات الترقية والكفاءة.فلكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة. و لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل. و لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية. ولكل شخص الحق في أن ينشأ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته. ولكل شخص الحق في الراحة، أو في أوقات الفراغ، ولا سيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر.
*حقوق مستوى المعيشة تتضمن حق كل فرد فى مستوى معيشى لائق لنفسه وللمشمولين برعايته، بما فى ذلك الغذاء الصحى والملبس الملائم والمسكن الصحى وملحقاته من خدمات ومرافق أساسية و حق كل فرد فى تيسير وسائل النقل والمواصلات له وللمشمولين برعايته. وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.
*حقوق الصحة تتضمن تأمين البيئة الصحية و الخدمات الطبية والعناية الطبية اللازمة فى حالة المرض لكل المواطنين بأعلى مستوى من الخدمة العلاجية بصرف النظر عن قدراتهم المادية ، مما يعنى توحيد نظام الخدمة الصحية بالنسبة لكل المواطنين.
*حقوق الأطفال والنساء والمسنين فى المساعدة و الرعاية الخاصتين و الحماية الشاملة والمساعدة الفعالة لجميع الأطفال و الأشخاص الصغار دون أى تمييز لأسباب أبوية أو غيرها والنساء والمسنين. من الاستغلال الاقتصادى و الاجتماعى والتفكك الأسرى وسوء العناية وانتهاك حقوقهم . والمعاملة القاسية أو الحاطة بكرامتهم و المدمرة لشخصيتهم ، و حماية الأطفال وصغار السن من أى انتهاك لحقوقهم الإنسانية فى التربية الصحية و التعليم المناسب واللعب و تنمية شخصيتهم المتكاملة بدنيا ونفسيا وعقليا.والتكفل برعاية الأطفال والنساء والمسنين الذين حرمتهم الأقدار من الرعاية السليمة فى أسرهم الطبيعية ، من أجل القضاء التام على ظواهر التشرد وعمالة الأطفال وأطفال الشوارع وضحايا التفكك الأسرى وسوء العناية . و الحق فى أن ينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء أكانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أم بطريقة غير شرعية.
*حقوق التعليم وتعنى ضمان حق كل فرد فى التعليم دون أى معوقات سوى الكفاءة الشخصية والاستعداد العقلى للفرد مما يعنى إزالة كل المعوقات الأخرى التى تحول بين الفرد وتمتعه بهذا الحق.و ضمان إلزامية التعليم العام ما قبل الجامعى لجميع من هم فى سن التعليم، مع ضمان المساواة الكاملة بين الطلاب فى نفس مستوى التعليم الذى يتلقوه بصرف النظر عن القدرات المالية لذويهم من خلال نظام التأمين التعليمى الشامل.و ضمان نفس الحق للمتعثرين فى استكمال تعليمهم حتى سن 18 عاما و لذوى الظروف الخاصة التى تعوقهم ظروفهم الجسدية أو العقلية عن الاستمرار فى المدارس العامة بتلقى القدر من التعليم الذى يتناسب و تلك الظروف أو ذاك التعثر و يساعدهم على الاعتماد على أنفسهم فى المستقبل .و ضمان جعل التعليم العالى الجامعى ميسورا للجميع بشرط الكفاءة وحدها بكل الوسائل المناسبة .
* ضمان حق كل فرد فى المشاركة فى الحياة الثقافية والتمتع بمنافع التقدم العلمى وتطبيقاته . وتسهيل إطلاع كل مواطن على الإنتاج الثقافى والعلمى والفنى عبر العالم. و ضمان حق كل مواطن فى استخدام وسائل الإعلام والثقافة المختلفة فى ممارسة حقه فى التعبير عن آرائه ومعتقداته بالكتابة والحديث والتعبير الفنى على قدم المساواة مع كل المواطنين. و حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني. \
ختاما
يطمح المؤسسون للحركة أن ينضم إليهم كل المعادون للرأسمالية سواء أكانت رأسمالية أفراد أم رأسمالية دولة، وكل المعادون للبيروقراطية والمركزية، والمعادون لأى قمع لحريات الأفراد السياسية والمدنية، والمعادون لأى انتقاص من حقوقهم الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتطمح الحركة أن ينضم إليها كل أنصار الإدارة الذاتية لكل منشئات العمل ومواقع السكن، وكل أنصار تعميم الاقتصاد التعاونى التحررى لكل الخدمات والإنتاج، وكل أنصار اللامركزية الإدارية، وتوسيع سلطات واختصاصات المحليات، وأنصار ديمقراطية المشاركة شبه المباشرة، فلنسعى من أجل تشكيل جماعات دعاية ومنها تشكيل اتحادات عبر ممثلين عن تلك الجماعات وفق الأسس السابقة.
الصراع الطبقي أو الكراهية الطبقية ؟
إيريكو مالاتيستا
سبتمبر أيلول 1921
ترجمة مازن كم الماز
لقد عبرت أمام هيئة المحلفين في ميلان عن بعض الأفكار عن الصراع الطبقي و البروليتريا التي استدعت النقد و الاستغراب . لذلك من الأفضل أن أعود إلى تلك هذه الأفكار مرة ثانية هنا .
لقد اعترضت بقوة على الاتهام بالتحريض على الكراهية , شرحت لهم أنني في دعايتي سعيت دائما لتوضيح أن الشرور ( الأخطاء ) الاجتماعية لا تعتمد على شر سيد أو آخر , حاكم أو آخر , بل على السادة و الحكومات كمؤسسات , لذلك فإن العلاج لا يكون بتغيير الحكام الأفراد ( أي حاكم بآخر – المترجم ) , بل من الضروري إلغاء المبدأ نفسه الذي يهيمن من خلاله الإنسان على الإنسان , لقد شرحت أنني أشدد دائما على أن البروليتاريين ليسوا أفضل فرديا ( كأفراد ) من البرجوازية , كما يظهر من حقيقة أن العامل قد يتصرف مثل برجوازي عادي , أو ما هو أسوأ من ذلك , عندما يصل بسبب واقعة ما إلى مركز يحقق له الثروة و السلطة .
لقد شوهت هذه الأقوال , زيفت و سلط عليها الضوء بشكل سيء من قبل الصحافة البرجوازية , و سبب هذا واضح . يدفع للصحافة لكي تدافع عن مصالح الشرطة و الحيتان ( أسماك القرش ) , و لتخفي الطبيعة الحقيقية للاسلطوية ( الأناركية ) عن الجمهور , و تحاول أن تمنح المصداقية لرواية أن اللاسلطويين ( الأناركيين ) ممتلئون بالكراهية و مخربون , تقوم الصحافة بهذا الواجب , لكن علينا أن نعترف أنها تفعل ذلك غالبا بنية طيبة , بسبب الجهل المطبق و الساذج . لأن الصحافة تنحط إلى مجرد مهنة و بزنس ( عمل ) , فقد فقد الصحافيون ليس فقط حسهم الأخلاقي بل أيضا صدقهم الفكري في الامتناع عن الكلام عما لا يعرفونه .
دعونا ننسى الكتاب المأجورين , و نتحدث عن أولئك الذين يختفلون عنا في أفكارهم و غالبا فقط في طريقتهم في التعبير عن هذه الأفكار , لأنهم يسعون في الحقيقة إلى نفس الهدف الذي نسعى إليه .
إن هؤلاء الناس لا تصيبهم الدهشة ( أو الاستغراب ) أبدا , بحيث أني أميل لأعتقد أنهم لا يتأثرون ( لا يمكن التأثير بهم ) . لا يمكنهم تجاهل أنني كنت أقول و أكتب هذه الأشياء طوال 50 عاما , و أن نفس الأشياء قد قيلت من مئات و آلاف اللاسلطويين ( الأناركيين ) , في زمني و قبله .
دعونا نتحدث الآن عن المنشقين ( المعارضين ) .
هناك أشخاص يميلون إلى العمال بحيث أنهم يعتبرون أن من يملك أيدي خشنة يحمل كل الفضائل و الصفات الجيدة , إنهم يحتجون إذا تجرأت على الحديث عن البشر و الإنسانية , دون أن تقسم بالاسم المقدس للبروليتاريا .
الآن , صحيح أن التاريخ قد جعل البروليتاريا الأداة الرئيسية للتغير الاجتماعي القادم , و أن أولئك الذين يقاتلون لإقامة مجتمع يكون فيه كل البشر أحرارا و يملكون كل الوسائل ليمارسوا حريتهم , يجب أن يعتمدوا أساسا على البروليتاريا .
و صحيح أن كنز الموارد الطبيعية و رأس المال الذي خلقه عمل الأجيال الماضية و الحالية هو السبب الرئيسي لخضوع الجماهير و كل الشرور الاجتماعية , فمن الطبيعي لأولئك الذين لا يملكون أي شيء و يهتمون لذلك بشكل أكثر مباشرة و وضوحا بمشاركة ( التشارك ب ) وسائل الإنتاج , أن يكونوا هم العناصر الرئيسية في نزع الملكية الضروري ( القادم ) . لهذا نوجه دعايتنا بشكل خاص إلى البروليتاريين , الذين تجعل ظروف حياتهم من الصعب عليهم من جهة أخرى أن ينهضوا و يفهموا مثالا أعلى ما في أغلب الأحيان . لكن هذا ليس سببا لتحويل الفقير إلى صنم فقط لأنه فقير , و ليس سببا أيضا لتشجيعه على الاعتقاد بأنه متفوق بشكل متأصل , و أن هذا الفقر هو ظرف ( واقع ) لا ينبع من فضيلة ما بحيث يعطيه الحق في أن يفعل الشرور تجاه الآخرين كما يفعلون هم به . إن طغيان الأيدي الخشنة ( المتشققة ) ( الذي يبقى في الممارسة طغيان قلة لم تعد أيديهم متشققة اليوم حتى لو كانت كذلك ذات يوم ) , لن يكون أقل قسوة أو شرا , و لن ينتج شرورا أقل من طغيان الأيدي التي تلبس القفازات , ربما ستكون أقل تنورا و أكثر وحشية , هذا كل ما هنالك .
لن يكون الفقر ذلك الشيء المريع كما هو الآن لو أنه لا يؤدي إلى الشراسة الأخلاقية إضافة إلى الضرر المادي و الانحطاط الجسدي , عندما يمتد من جيل إلى جيل . للفقير أخطاء مختلفة عن تلك التي نشاهدها في الطبقات صاحبة الامتيازات بسبب الثروة و السلطة , لكنها ليست أخطاءا أفضل .
إذا كانت البرجوازية قد أنتجت أمثال غيوليتي و غراتسياني و كل تلك السلسة الطويلة من معذبي البشرية , من كبار الغزاة إلى السادة الجشعين و المتعطشين للدماء , فإنها قد أنتجت أيضا أمثال كافييرو , ريكلوس و كروبوتكين , و أشخاصا كثر ضحوا في كل زمان بامتيازاتهم الطبقية في سبيل مثال أعلى . إذا كانت البروليتاريا قد قدمت و قدمت هذا العدد الكبير من الأبطال و الشهداء في سبيل قضية انعتاق ( خلاص ) البشرية , فإنها قد قدمت أيضا الحراس البيض ( عناصر جيوش الثورة المضادة – المترجم ) , و القتلة , و الذين خانوا إخوتهم و الذين من دونهم لا يمكن لطغيان البرجوازية أن يستمر يوما واحدا .
كيف يمكن للكراهية أن ترفع إلى مستوى مبدأ للعدالة , إلى روح متنورة للمطالبة , عندما يكون واضحا أن الشر في كل مكان , و عندما تقوم على قضايا تتجاوز الإرادة و المسؤولية الفردية ؟
ليكن هناك صراعا طبقيا كما قد يرغب المرء , إذا كان المقصود بالصراع الطبقي نضال المستغلين ضد من يستغلهم في سبيل إنهاء الاستغلال . فإن هذا الصراع هو طريقة للتسامي ( الرقي ) الأخلاقي و المادي , و هو القوة الثورية الرئيسية التي يمكن الاعتماد عليها .
لتختف ( لتزول ) الكراهية , لأن الحب و العدالة لا يمكن أن تظهر من الكراهية . تؤدي الكراهية إلى الانتقام , و الرغبة في التغلب على العدو , و الحاجة لتعزيز تفوق المرء . الكراهية يمكن أن تكون فقط الأساس لحكومات جديدة , في حال إذا انتصر المرء , لكن لا يمكن أبدا أن تكون الأساس للأناركية ( اللاسلطوية , استبدال مؤسسات الدولة القمعية بمؤسسات تقوم على الاتحاد الحر و الطوعي بين البشر – المترجم ) .
لسوء الحظ , من السهل فهم الكراهية عند الكثير جدا من التعساء الذين عذبت أجسادهم و مشاعرهم من قبل المجتمع , لكن ما أن تضاء جهنم التي يعيشون فيها بمثل أعلى حتى تختفي الكراهية و تحل محلها رغبة ملحة للنضال في سبيل سعادة الجميع .
لهذا السبب لا يوجد من يحمل مشاعر الكراهية حقا بين رفاقنا , رغم أن هناك الكثير من الكلام عن الكراهية . إنهم مثل الشاعر , الذي هو أب طيب و مسالم , لكنه يغني للكراهية , لأن هذا يعطيه الفرصة ليؤلف أشعارا جيدة .. أو ربما سيئة . إنهم يتحدثون عن الكراهية لكن كراهيتهم مصنوعة من الحب .
لهذا السبب أحبهم , حتى لو وصفوني بأوصاف سيئة .
نقلا عن http://www.marxists.org/archive/malatesta/1921/09/classhate.htm
الاعتراضات على اللاسلطوية ( الأناركية ) لجورج باريت
جورج باريت
اعتراضات على اللاسلطوية ( الأناركية )1921
ترجمة مازن كم الماز
2
استخدم مجلس العموم و القانون من قبل الطبقة المسيطرة حاليا لتحقيق أغراضها , لماذا لا يمكن استخدامهما من قبلنا لنحقق أغراضنا نحن ؟
يقوم هذا السؤال على سوء فهم غير عادي . يبدو أنه يأخذ كبديهية أن الرأسمالية و الحركة العمالية تستخدمان نفس الأساليب ( أو الوسائل ) , لكن الرأسمالية تريد أن تجعل نظامها للاستغلال و الحكم كاملا , أما العامل فهو يريد انعتاقه و حريته , من الطبيعي أن نفس الوسائل لا يمكن أن تستخدم لهذين الغرضين ( المتناقضين ) . هذا يجيب دون شك على السؤال بشكل كافي . لكن طالما أن السؤال يتضمن اقتراحا خفيا بأن الحكومة هي عامل للإصلاح و التقدم و الثورة , فإن هذا يضع يده على النقطة التي يختلف فيها اللاسلطويون ( الأناركيون ) عن بقية الأحزاب السياسية . لذلك يستحق هذا الاقتراح أن يدرس عن قرب أبعد من هذا الجواب فقط .
لقد اعتقد أنه ما أن يصل السياسيون المتحمسون إلى السلطة حتى يكونوا من موقعهم في السلطة قادرين على يقولبوا المجتمع بسرعة حسب الشكل الذين يريدون . أصدر قوانين جيدة , كما يعتقدون , و ستحصل على مجتمع جيد . كم هذا سهل , أليس كذلك ؟ هكذا فإننا سنحصل على ثورة وفق الشروط التي وعدنا بها بلاتشفورد ( سياسي انكليزي – المترجم ) الرائع – “دون إراقة دماء , و دون أن نفقد يوما واحدا من العمل” . لكن يا للأسف ! إن الطريق المختصرة إلى العصر الذهبي هي وهم ( سراب ) . أولا , أن أي مجتمع يتشكل حسب القانون هذا غير صحيح . ثانيا لا يمكن للقانون أن يحدد شكل المجتمع , في الواقع العكس هو الصحيح . النقطة الثانية هي الأكثر أهمية . فأولئك الذين يفهمون القوى التي تدفع التقدم سيرون أن القانون يبقى متأخرا في الخلف , و لا يمكنه أبدا أن يبقى على نفس درجة التقدم التي يحققها البشر , إنه دائما يقاوم أي تقدم في الحقيقة , محاولا على الدوام أن يقوم بردة فعل رجعية , لكنه على المدى البعيد يستسلم و يسمح بحرية أكبر فأكبر . حتى أبطال الحكومة ( أكبر أنصارها ) يقرون بذلك عندما يريدون أن يحدثوا تغيرا كبيرا , عندها يلقون جانبا بظاهر القانون و يتحولون إلى الطرق الثورية . الطبقة الحاكمة الحالية , التي يفترض أن تكون دليلا حيا على أن الحكومة يمكنها فعل أي شيء , هم بحد ذاتهم , صريحون تماما في الاعتراف بأنه يمكنهم فعل القليل جدا فقط . إن كل من يدرس صعودهم إلى السلطة سيجد أنهم لكي يصلوا هناك قد قاموا بالتبشير نظريا ل , و أسسوا في الواقع , مبدأ مقاومة القانون . بالفعل من المثير للفضول حقيقة أنه مباشرة بعد الثورة أعلن أن الدعوة لمقاومة القانون هي عمل من أعمال الشغب , لكن اليوم من الشغب أن تتحدث دفاعا عنه .
لكي نوجز , نقول أنه إذا كان هناك أي منطق في السؤال , و هو لا يوجد , يمكن لنا أن نعيد صياغته هكذا : “حيث أن الطبقة المسيطرة الحالية غير قادرة على أن تحقق غاياتها باستخدام مجلس العموم و القانون , لماذا يجب أن نأمل بأن نحقق غاياتنا نحن من خلالهما ؟” .
4
من الضروري أن نتنظم لكي نعيش , أن نتنظم يعني الحكومة , لذلك فإن اللاسلطوية ( الأناركية ) مستحيلة ؟
صحيح أنه من الضروري أن نتنظم لكي نعيش , و بما أننا جميعا نرغب في أن نعيش فعلينا أن نتنظم بإرادة حرة , و لا توجد حاجة لإكراه الحكومة لكي نقوم بذلك . لا يعني التنظيم الحكومة . إننا نقوم أثناء عملنا اليومي العادي بتنظيم أنفسنا من دون حكومة . إذا أراد اثنان منا أن ينقلوا طاولة من أحد جهات الغرفة إلى جهة أخرى , فإن كلا منا و بشكل طبيعي سيمسك أحد طرفي الطاولة و لا نحتاج إلى حكومة لتقول لنا أنه يجب علينا أن نحافظ على توازن الطاولة بأن لا نذهب نحن الاثنان إلى أحد طرفيها , و السبب الذي يجعلنا نتفق بصمت على هذا و أننا ننظم أنفسنا في مواقعنا الصحيحة هو أنه لدى كلينا هدف ( غرض ) مشترك : فنحن الاثنان نريد أن نحرك الطاولة . حتى في منظمات ( تنظيمات ) أكثر تعقيدا يحدث نفس الشيء أيضا . طالما قامت هذه المنظمات ( التنظيمات ) على هدف مشترك فإنها ستقوم بعملها بشكل أوتوماتيكي بكل سهولة و يسر . لكن عندما بسبب تضارب المصالح نجمع أشخاصا ( ذوي مصالح متناقضة ) في منظمة ( تنظيم ) واحد , فإن النزاعات الداخلية ستظهر , و تصبح قوة ما خارجية ضرورية للحفاظ على النظام , سيصبح لدينا في الواقع مجتمعا حكوميا ( محكوما من قبل الحكومة ) . إن هدف اللاسلطويين ( الأناركيين ) هو تنظيم المجتمع بحيث يزول أي تضارب في المصالح , و سيتعاون البشر و يعملون سوية ببساطة لأن لديهم مصالح مشتركة .
في مجتمع كهذا ستكون التنظيمات أو المؤسسات التي سيشكلونها متوافقة تماما مع حاجاتهم , في الواقع سيكون هذا مجتمعا تمثيليا ( لا حكوميا ) .
5
كيف ستنظمون المرور ؟
إننا لن نفعل . سيترك تنظيمه لأولئك الذين يتعلق عملهم بهذه المسألة . سيقوم أولئك الذين يستخدمون الطرق ( و بالتالي لهم مصلحة مشتركة في تنظيمها ) بالجلوس معا و مناقشتها و الاتفاق على الترتيبات كقواعد السير في الطرق . هذه القواعد التي توجد اليوم في الواقع قد أسستها الأعراف ( أو العادة ) و ليس القانون , رغم أن القانون قد يأخذ على عاتقه أحيانا أن يفرضها .
هذا السؤال نرى إجابته بشكل عملي جدا كل يوم في نوادي السيارات الكبيرة , التي يدخلها الناس طوعا , و التي تدرس مصالح هذا القسم من المرور . في منعطفات خطرة أو مزدحمة مثلا يوضع حارس يدل بإشارة من يده عما إذا الطريق خال أم لا , أو إذا كان من الضروري أن تبطئ السرعة . توضع صناديق الإسعاف الأولي و محلات التصليح على طول الطريق , و تتخذ الترتيبات لكي تبلغ السائقين عن السيارات المعطلة .
قسم آخر مختلف جدا من مستخدمي الطرق و هم متعهدو النقل وجدوا أجوبة عملية على هذه المسألة . هناك حتى اليوم كل أنواع التفاهمات و الاتفاقات بين هؤلاء الرجال على من سيسير أولا , و عن المكان الذي يجب أن يأخذوه في الحدائق و الأبنية حيث يعملون . توجد بين سواقي الأجرة و سواقي التاكسي نفس هذه الاتفاقات المكتوبة و غير المكتوبة , التي يحافظ عليها بصرامة عن طريق التفاهمات الحرة كما لو أن ذلك يجري بواسطة عقوبات القانون .
افترض الآن أن تأثير الحكومة سيختفي على سائقينا . هل يصدق أي شخص أن النتيجة ستكون الفوضى ؟ أليس الأكثر احتمالا هو أن الاتفاقات الحرة التي توجد اليوم ستمتد لتغطي كل المجال الضروري ؟ و أن تلك المهام القليلة المفيدة التي تقوم بها الحكومة في هذا الشأن : ألن تنفذ بطريقة أكثر فعالية بواسطة التنظيم الحر بين السائقين أنفسهم ؟
لقد أجيب عن هذه المسألة بشكل أكبر من قبل كروبوتكين في كتابه “الاستيلاء على الخبز” . أظهر كروبوتكين فيه كيف أن المرور في قنوات هولندا المائية ( الحيوية جدا لحياة الشعب ) يخضع لسيطرة الاتفاقات الحرة , لضمان إشباع كامل لكل المهتمين بالأمر . تتعاون السكك الحديدية في أوربا كما أشار أيضا مع بعضها البعض و بالتالي تندمج في منظومة واحدة , ليس بواسطة نظام الإدارة المركزية , بل بالاتفاقات الحرة و الاتفاقات المعاكسة بين شركات مختلفة .
إذا أمكن للاتفاقات الحرة بأن تفعل الكثير الآن , حتى في ظل نظام المنافسة و الحكومة , فكم ستفعل ( ستحقق ) أكثر بكثير عندما تختفي المنافسة و عندما نثق بتنظيمنا نحن بدلا من تنظيم حكومة أبوية .
7
إذا ألغيتم المنافسة فأنتم تلغون الحافز للعمل .
أحد أكثر الأشياء غرابة عن مجتمع اليوم هو أنه بينما نظهر قدرة رائعة في إنتاج ثروة و رفاهية وفيرة , فإننا نعجز عن أن ننتج أبسط الضروريات . سيتفق كل شخص , أيا كان رأيه السياسي أو الديني أو الاجتماعي مع هذا . إنه أكثر وضوحا من أن يجري إنكاره . من جهة هناك مثلا أطفال دون أحذية , و من جهة أخرى هناك صانعو أحذية يصرخون لأنهم لا يستطيعون أن يبيعوا بضائعهم . من جهة هناك بشر يجوعون أو يعيشون على طعام غير مفيد ( غير مغذي ) و من جهة أخرى يشكو تجار المفرق من كساد تجارتهم . هناك رجال و نساء ليس لديهم مأوى ( مشردون ) ينامون على الأرصفة و يتسكعون ليلا في مدننا الكبيرة , و هناك أيضا مالكو عقارات يشتكون من أنه لا يأتي أحد ليسكن في بيوتهم . في كل هذه الحالات يترك هذا الإنتاج دون استخدام بسبب عدم وجود طلب . أليست هذه حالة لا يمكن احتمالها ؟ ما الذي يمكننا أن نقوله الآن عن الحافز للعمل ؟ أليس من الواضح أن الحافز الحالي خاطئ و مؤذي لدرجة الجوع و الخراب . الشيء الذي يحفزنا لكي ننتج الحرير و الألماس و المدرعات ( السفن المدرعة ) البحرية و دمى الكلاب , بينما نحتاج إلى الخبز و الأحذية و البيوت , هو خاطئ بشكل مطلق و تماما .
يجري الصراع اليوم على التنافس في سبيل أكبر ربح . إذا كان هناك ربح أكبر في تلبية نزوة عابرة لسيدة ما منه في إطعام الأطفال الجائعين , عندها ستدفعنا المنافسة في تسابق محموم لكي نحاول إشباع الأولى و بينما يمكن للجعمية الخيرية أو لقانون الفقراء أن يطعم الأخيرين , أو قد يتركون دون طعام , لأننا نشعر أنهم يمكن التخلص منهم دون مشاكل . هكذا تسير الأمور . و هذا هو السبب : فالمنتج و المستهلك عنصران ضروريان , تتدفق الثروة باستمرار من طرف لآخر , لكن يقف بينهما صانع الأرباح و نظامه التنافسي , و هو قادر على أن يحرف هذا التدفق إلى الوجهة الأفضل التي تناسبه . أبعده جانبا و سيصبح المنتج و المستهلك على علاقة مباشرة بينهما . عندما يذهب صانع ( جاني ) الأرباح هذا مع نظامه سيبقى هناك الحافز المفيد حقا للعمل , الذي هو حاجات الناس . إن الحاجة للأشياء الضرورية المشتركة و لأكبر رفاهية للحياة لن تكون فقط أساسية كما هي اليوم , لكنها ستكون القوة المحفزة مباشرة وراء كل من الإنتاج و التوزيع . من الواضح , كما أظن , أن هذا هو المثل الأعلى الذي يجب السعي وراءه , لأنه الوحيد في هذه الظروف حيث سيمارس الإنتاج و التوزيع لسبب شرعي – أي لإشباع حاجات البشر و و ليس لأي سبب آخر .
8
الاشتراكية أو الاشتراكية الديمقراطية يجب أن تأتي أولا , عندها قد نحصل على الأناركية , إذن اعملوا أولا لصالح الاشتراكية الديمقراطية
هذا الكلام غالبا ما يتكرر دون أن يكون وراءه أي حجج أو معنى . عمل الاشتراكي المعاصر , أو الاشتراكيون الديمقراطيون على الأقل , دائما نحو المركزة , نحو تنظيم كامل و متكامل و تحكم ( سيطرة ) أولئك الذين في السلطة على الشعب . أما اللاسلطوي ( الأناركي ) فإنه من جهة أخرى يؤمن بإلغاء السلطة المركزية و يتوقع أن يظهر المجتمع الحر إلى الوجود من الأسفل , بدءا بتلك المنظمات و الاتفاقات الحرة بين الناس أنفسهم . من الصعب لذلك أن نرى كيف يمكن من خلال خلق سلطة مركزية تسيطر على كل شيء , يمكننا أن نقترب خطوة من إلغاء تلك السلطة .
10
نحن جميعنا نعتمد على بعضنا البعض , و لا يمكننا أن نعيش حياة معزولة في مجتمع حر . لذلك فإن الحرية المطلقة مستحيلة .
لقد قيل ما يكفي من قبل ليظهر أننا لا نعتقد أنه يجب على البشر أن يعيشوا في عزلة في مجتمع حر . لنحصل على المعنى الحقيقي لحياتنا , علينا أن نتعاون , و لكي نتعاون علينا أن نتفق مع بعضنا البعض . لكن افتراض ان هذه الاتفاقات بيننا تعني تقييد الحرية هو بالتأكيد سخف , على العكس , إنها ممارسة للحرية .
لو اردنا أن نخترع دوغما ( عقيدة جامدة ) من فكرة أننا عندما نتفق فيما بيننا فإن هذا سيضر بالحرية , عندها ستصبح الحرية طغيانا على الفور , لأنها ستمنع البشر من ممارسة المتع اليومية العادية . مثلا , لن يمكنني الذهاب إلى العمل مع صديقي لأن هذا ضد مبدأ الحرية الذي يعني أنه علي أن أتفق معه على أن أكون في مكان معين لألتقي به . لا يمكنني في هذه الحالة في أسوأ الأحوال أن أوسع سلطتي ( قوتي ) أبعد مني أنا فقط , لأنني إن فعلت ذلك يجب أن أتعاون مع شخص آخر , و هذا التعاون يعني الاتفاق , و هذا ضد الحرية . سيرى على الفور أن هذا الاتفاق مجرد سخف . لكني لا أحدد حدود حريتي , بل أمارسها ببساطة , عندما أتفق مع صديقي على الذهاب للمشي سوية .
إذا قررت , من جهة أخرى , من معرفتي “المتفوقة” أنه من الجيد لصديقي أن يلعب الرياضة , و حاولت بالتالي أن أجبره على الذهاب معي للمشي , أكون عندها قد بدأت بتقييد الحرية فعلا . هذا هو الفرق بين الاتفاق الحر و بين الحكم ( الحكومة ) .
16
إذا تمكنتم من الإطاحة بالحكومة غدا و أن تقيموا اللاسلطوية ( الأناركية ) , فإن نفس النظام سيظهر عما قريب
هذا الاعتراض محق تماما , عدا أننا لا نقترح أن نطيح بالحكومة غدا . لو أنني ( أو نحن كمجموعة من اللاسلطويين ( الأناركيين ) توصلت لاستنتاج أنني سأكون محرر البشرية , و أني ساتمكن بوسائل ما من أن أطيح بالملك , و بمجلس اللوردات و مجلس العموم , و قوة الشرطة , أي بكلمة كل الأشخاص و المؤسسات التي تشكل الحكومة – لو أني كنت ناجحا في كل هذا و و توقعت أن أرى الناس يستمتعون بحريتهم نتيجة لذلك , عندها أكون أنا نفسي مخطئ جدا دون أي شك .
ستكون النتائج الرئيسية لعملي هذا أن اخلق امتعاضا هائلا من جانب غالبية البشر , و أن تعيد كل قوى الحكومة تنظيم نفسها من جديد .
من السهل جدا فهم السبب في أن هذا الأسلوب سيفشل . لأن قوة الحكومة تكمن ليس في نفسها بل في الناس أنفسهم . قد يكون الطاغية الكبير غبيا و ليس إنسانا أعلى ( سوبرمان ) . لكن قوته لا تكمن فيه هو نفسه , بل في اعتقاد الناس الذين يعتقدون أنه من الصحيح إطاعته . طالما وجد هذا الاعتقاد ( أو الخرافة ) فلا جدوى من قيام محرر ما بقطع رأس الطاغية , سيخلق الناس طاغية آخر , لأنهم اعتادوا على الاعتماد على شيء ما خارجهم .
لكن افترض أن الناس قد تطوروا و أصبحوا أقوياء في حبهم للحرية , و أصبحوا يعتمدون على أنفسهم , عندها سيقوم أكثرهم تمردا ( ثورة ) بالإطاحة بالطغيان , و مدعومين بالشعور العام لعصرهم لن يتم التراجع عن عملهم هذا . لن ينهض الطغيان أبدا من الموت . سيكون معلم بارز في تقدم الإنسانية قد جري تجاوزه و سيترك وراءها إلى الأبد .
لذلك عندما يوجه الثائر اللاسلطوي ( الأناركي ) ضربته للحكومات فإنه يفهم أنه ليس محررا ذا مهمة مقدسة لتحرير الإنسانية , لكنه جزء من هذه الإنسانية يناضل نحو الحرية .
لو أنه عندها جرت ثورة لاسلطوية ( أناركية ) جاهزة مسبقا بوسائل ما خارجية و فرضت على الناس , من الصحيح أنهم سيرفضونها و سيعيدون بناء المجتمع القديم . لكن لو أن الناس بالمقابل طوروا أفكارهم عن الحرية , و تخلصوا عندها بأنفسهم من آخر قلعة للطغيان – أي الحكومة – فستكون الثورة قد تحققت بالفعل بشكل دائم .
17
إذا ألغيتم الحكومة , ما الذي ستضعوه مكانها ؟
يبدو هذا الكلام للاسلطوي ( الأناركي ) تماما مثل سؤال المريض للطبيب , “إذا أخذت مني مرضي , ما الذي ستضعه مكانه” ؟ . إن اللاسلطوي ( الأناركي ) يرى أن الحكومة لا تلبي أي غرض مفيد . إن معظم ما تفعله مضر , و الباقي يمكن القيام به بشكل أفضل من دون تدخلها . إنها قائدة ( زعيمة ) صانعي الأرباح , و آخذي الإيجارات , و كل أولئك الذين يأخذون من المجتمع دون أن يعطوه أي شيء . عندما تلغى هذه الطبقة من قبل الناس الذين سينظمون أنفسهم بحيث أنهم سيديرون المعامل و يستخدمون الأرض لصالح مجتمعاتهم ( مجموعاتهم ) الحرة , أي لفائدتهم الخاصة , عندها يجب على الحكومة أن تختفي , بما أن الغرض من وجودها قد اختفى . الشيء الوحيد الذي سيوضع مكان الحكومة سيكون المنظمات ( التنظيمات ) الحرة للعمال . عندما سيلغى الاستبداد ( الطغيان ) ستبقى الحرية , تماما كما أنه عندما يستأصل المرض تبقى الصحة .
18
لا يمكن لنا جميعا أن نتفق و نفكر مثل بعضنا و لا أن نكون جميعا كاملين , لذلك فإن القوانين ضرورية , أو أنه ستكون هناك فوضى
لأنه لا يمكننا أن نتفق مع بعض جميعا , لهذا السبب , فإن اللاسلطوية ( الأناركية ) ضرورية . لو أننا كنا جميعا نفكر مثل بعضنا لما كان من المهم حتى لو كان لدينا قانون واحد مشترك على الأقل نخضع له جميعا . لكن كثيرون منا يفكرون على نحو مختلف , لذلك من السخف أن يفرض علينا أن نتصرف بنفس الطريقة من خلال أساليب ( وسائل ) الحكومة التي نملك ما يكفي من السخف لنسميها تمثيلية .
نقطة مهمة جدا تطرح هنا . فلأن اللاسلطويين ( الأناركيين ) يعترفون بالضرورة المطلقة للسماح لهذا الاختلاف بين البشر أصبحوا لاسلطويين ( أناركيين ) . الحقيقة أن أي تقدم قد ترافق بعملية الاختلاف , أو بزيادة الفروق بين الأجزاء . إذا أخذنا أكثر الكائنات ( العضويات ) بدائية نجد أنها ببساطة كرية صغيرة من البلاسما , أي من المادة الحية . إنها غير متمايزة تماما أي أن كل أجزائها متشابهة ( متماثلة ) . أما العضوية ( الكائن ) الذي يأتي فوقها في سلم التطور سنجد أنه قد طور نواة , و الآن يتألف الشيء الحي الصغير من جزئين مختلفين ( متمايزين ) تماما , من جسم الخلية و النواة . إذا أردنا ان نقارن عضويات ( كائنات ) مختلفة سنجد أن ذات الطبيعة الأكثر تعقيدا تتألف من مجموعات من هذه العضويات ( الكائنات ) الصغيرة جدا أو من الخلايا . في أكثر هذه المجموعات بدائية سنجد اختلافا صغيرا ( محدودا ) جدا بين خلية و أخرى . كلما صعدنا قليلا سنجد أن خلايا معينة في هذه المجموعات قد أخذت على عاتقها وظائف معينة , و لهذا الغرض رتبت نفسها بطريقة خاصة . هكذا و هكذا , عندما نصل إلى الحيوانات العليا سنجد هذه العملية و قد تطورت بعيدا بحيث أن بعض الخلايا تجتمع معا لتشكل جهاز التنفس , أي الرئتين , أخرى تصبح مسؤولة عن دوران الدم , أخرى تشكل النسيج العصبي , و هكذا , أي انه يمكننا القول أنها تشكل “أجهزة” مختلفة من الجسم . النقطة التي علينا ملاحظتها هي أنه كلما صعدنا للأعلى في المملكتين النباتية و الحيوانية كلما وجدنا اختلافا أكبر بين الوحدات الصغيرة أو الخلايا التي تؤلف الجسم أو العضوية ( الكائن ) . إذا طبقنا هذا على الجسد الاجتماعي أو العضوية ( الكائن ) الاجتماعية , سيكون من الواضح أنه كلما تطورت هذه العضوية ( هذا الكائن – الاجتماعي ) أكثر كلما أصبحت الوحدات ( أي البشر ) و الأجهزة ( أي المؤسسات و النوادي ) التي تشكلها أكثر اختلافا .
نقلا عن dwardmac.pitzer.edu/Anarchist_Archives/coldoffpresses.html
الشيوعية التحررية : كمبدأ اجتماعي
بنجامين توكر ( 1854 – 1939 ), أهم المفكرين اللاسلطويين ( الأناركيين ) الفردانيين الأمريكيين .
المصدر: http://anarchisminarabic.blogspot.com/2011/06/blog-post.html
لا سلطوية نجيب محفوظ
تكمن لاسلطوية نجيب محفوظ كما أظنها فى هذين العملين بكشفه الصريح لزيف أسطورة المستبد العادل ، بكشفه آليات السلطة ومصادرها وآثار احتكارها من قبل قلة من البشر ، وحرمان الأغلبية منها ،كاشفا عن أن التحرر الحقيقى لابد وأن يأتى من الجماهير نفسها برفضها أى تسلط عليها ، بأن يتساوى الجميع كمصدر للسلطة الحقيقية ،وذلك بأن يسيطر الجميع و على قدم المساواة على مصادر السلطة ،فهنا وهنا فقط يمكن تحقيق شروط وقف الجبلاوى و رضا أهل التكية ،و التى لم يفصح عنها نجيب محفوظ ،ولكن من الممكن أن نستنتج ما هى ، من معرفة متى حدث الرضا من المطلق الذى يرمز له الجبلاوى و أهل التكية ؟ ، ألم يكن يأتى من مجرد محاولة إقامة العدل والتحرر من القهر و التسلط .
المصدر: الأناركية بالعربية
الإنسان , المجتمع و الدولة
ميخائيل باكونين 1871
ترجمة مازن كم الماز
الإنسان , المجتمع و الحرية
الليبراليون العقائديون , الذين ينطلقون من مواقع الحرية الفردية , يقدمون أنفسهم على أنهم أعداءا للدولة . من بينهم من يعتبر أن الحكومة , أي منظومة الوظائف المنظمة و المخصصة لأداء وظائف الدولة هي شر ضروري , و أن تقدم الحضارة يكمن في الإضعاف الدائم و المتواصل لخصائص و حقوق الدولة , إن هذا تناقض . هذه هي نظريتهم , لكن في الممارسة فإن هؤلاء الليبراليين العقائديين أنفسهم , ما أن يتهدد وجود أو استقرار الدولة جديا , حتى يصبحوا مدافعين متعصبين عن الدولة مثلهم مثل الملكيين أو اليعاقبة .
إن تمسكهم بالدولة , الذي يتناقض بشكل قاطع مع تعاليمهم الليبرالية , يمكن شرحه بطريقتين : بمصالح طبقتهم التي يتشكل منها الغالبية الساحقة من الليبراليين العقائديين و هي البرجوازية . هذه الطبقة المحترمة و العديدة تطالب لنفسها فقط بالحقوق الحصرية و بامتيازات الرخصة الكاملة ( الحرية الكاملة ) . يقوم الأساس الاجتماعي الاقتصادي لوجودها السياسي أساسا على مبدأ الترخيص ( السماح ) غير المقيد الذي يعبر عنه في هذه الكلمات الشهيرة دعه يمر , دعه يعمل . لكنهم يريدون هذه الأناركية فقط لأنفسهم , و ليس للجماهير التي يجب أن تبقى تحت الانضباط الصارم للدولة لأنها “جاهلة جدا أكثر مما يمكن لها أن تتمتع بهذه الأناركية دون أن تسيء استخدامها” . لأنه إذا ثارت الجماهير , و قد أمضها التعب من العمل لحساب الآخرين , فإن كل البناء البرجوازي سينهار . دائما و في كل مكان , عندما تثور الجماهير , فحتى أكثر الليبراليين حماسة سيذهبون في الاتجاه المعاكس و يصبحون أكثر أبطال السلطة المطلقة ( القدرة الكلية ) للدولة تعصبا .
إضافة إلى هذا السبب العملي , ما يزال هناك أيضا سبب آخر ذا طبيعة نظرية يقود أيضا حتى أكثر الليبراليين المخلصين إلى الخلف نحو عبادة الدولة . إنهم يعتبرون أنفسهم ليبراليين أساسا بسبب نظريتهم عن أصل المجتمع التي تقوم على مبدأ الحرية الفردية , و بسبب هذه النظرية بالتحديد فإنهم يعترفون بالضرورة بالحق ( السيادة ) المطلق للدولة .
الحرية الفردية وفقا لهم لم تكن خلقا , أو نتاجا تاريخيا للمجتمع . هم يقولون على العكس أن الحرية الفردية هي سابقة على المجتمع ككل و أن كل البشر قد وهبهم الله روحا أزلية ( لا تموت ) . الإنسان ( الفرد ) بالنسبة لهم كائن كامل , مستقل بالمطلق , منفصل عن المجتمع و يوجد خارجه . كعنصر حر , سابق و منفصل عن المجتمع , لذلك فإنه هو الذي شكل مجتمعه بالضرورة بواسطة فعل طوعي , نوع من العقد , سواء أكان هذا الفعل غريزيا أو واع , ضمنيا أو رسميا . باختصار , بحسب هذه النظرية , ليس الأفراد نتاج المجتمع بل على العكس , هم الذين قاموا بخلق المجتمع بسبب ضرورة ما كالعمل أو الحرب .
ينتج من هذه النظرية أن المجتمع , لكي نكون واضحين , لا يوجد . إن المجتمع الإنساني الطبيعي , بداية كل الحضارات , و الوسط الوحيد الذي يمكن فيه لشخصية و حرية الإنسان أن تتشكل و تتطور غير موجود بالنسبة لهم . من جهة تعترف هذه النظرية بالأفراد المكتفين بأنفسهم و الذين يعيشون معزولين عن بعضهم البعض , و من جهة , فإنهم قد خلقوا المجتمع اعتباطا و هذا المجتمع يقوم على عقد رسمي أو ضمني , أي على الدولة . ( رغم أنهم يعرفون جيدا أنه لم تخلق أية دولة في التاريخ بعقد ما , و أن كل الدول قد قامت بالغزو و العنف ) .
جمهور الأفراد الذي تتألف منهم الدولة يرون على نفس الدرجة وفقا لهذه النظرية , هذا أمر مليء بالتناقضات . يعتبر كلا منهم ( أي من الأفراد أعضاء الدولة – المترجم ) من جهة روحا أبدية منحت إرادة حرة . كل هذه الكائنات الحرة مكتفية بذواتهم و لا تحتاج لأي شخص آخر , و لا حتى الله , لأنهم هم أنفسهم آلهة , كونهم أبديي الوجود . من جهة أخرى , فهم متوحشون , ضعاف , ناقصون , محدودون , و جميعهم عرضة لقوى الطبيعة التي تحط منهم و ستحملهم إلى قبورهم عاجلا أو آجلا ( لأن نواقصهم هذه هي سبب حاجتهم لقوة فوقهم أعلى , تتحكم بهم ليستمروا بالوجود كمجموعة , كان افلاطون يقول : – المترجم ) …
بسبب وجودهم الأرضي , فإن جمهور البشر يقدم مشهدا محزنا و مثبطا للغاية , كونهم فقراء جدا في أرواحهم , و في إرادتهم و مبادرتهم , بحيث أنه يجب على المرء أن يكون لديه قدرة هائلة حقا على خداع الذات , لكي يكتشف ( ليبحث ) فيهم عن روح أبدية , أو حتى أقل أثر للإرادة الحرة . إنهم يظهرون محكومين بشكل مطلق بالطبيعة الخارجية , بالنجوم , و بكل الظروف المادية لحياتهم , محكومين بالقوانين و بكل عالم الأفكار أو المواقف المسبقة التي جرى التعبير عنها في القرون الأخيرة , التي وجدوا أنها تؤثر في حياتهم منذ الولادة . الغالبية العظمى من الأفراد , ليس فقط بين الجماهير الجاهلة بل أيضا بين الطبقات المتحضرة و صاحبة الامتيازات , تعتقد و تريد فقط ما يعتقد به و يريده كل شخص حولهم . إنهم يؤمنون دون أن تردد بأنهم يفكرون لأنفسهم , لكنهم فقط يرددون بكل خنوع , مع تعديلات محدودة جدا , أفكار و أهداف من يماثلهم التي تشربوا بها .. هذه العبودية , هذا الروتين , هذا الغياب الدائم لإرادة التمرد و نقص المبادرة و استقلالية الفكر هذا هي الأسباب الرئيسية للتطور التاريخي , البطيء المقفر للإنسانية . بالنسبة لنا نحن الماديون و الواقعيون الذين لا نعتقد لا بأبدية الروح و لا بالإرادة الحرة , فإن هذا البطء , كارثيا كما هو بالفعل , هو حقيقة طبيعية . متطورا من حالة الغوريلا واجه الإنسان صعوبة كبرى في تطوير وعيه بإنسانيته و حريته … ولد كوحش شرس و كعبد , و جرت أنسنته تدريجيا و قام بتخليص نفسه فقط في إطار المجتمع , الذي هو بالضرورة سابق على ولادة فكره , و كلامه و إرادته . يمكنه تحقيق هذا الانعتاق ( الخلاص ) فقط من خلال الجهد الجماعي لكل أعضاء المجتمع , السابقين و الحاليين , الذي هو مصدر البداية الطبيعية للوجود الإنساني .
حقق ( أدرك ) الإنسان حريته الفردية و شخصيته فقط من خلال الأفراد الذين يحيطون به , و فقط بفضل العمل و القوة الجماعية للمجتمع . من دون مجتمع كان سيبقى بكل تأكيد الأكثر غباءا و الأكثر بؤسا بين كل الحيوانات المفترسة .. بعيدا عن أن يكون المجتمع قد حد ( أنقص ) من حريته , فهو على العكس , هو الذي خلق الحرية الفردية لكل الكائنات البشرية . المجتمع هو الجذر , الشجرة , و الحرية هي ثمرته . لذلك في كل مرحلة على الإنسان أن يسعى لحريته ليس في بداية التاريخ بل في نهايته . يمكن القول أن الانعتاق الحقيقي و الكامل لكل فرد هو الهدف الحقيقي و الأعظم , الأسمى للتاريخ ….
المفهوم المادي , الواقعي و الجماعي للحرية , الذي يعارض المفهوم المثالي هو هذا : يصبح الإنسان واع بنفسه و بإنسانيته فقط في المجتمع و فقط من خلال العمل الجماعي للمجتمع ككل . إنه يحرر نفسه من نير الطبيعة الخارجية فقط بالعمل الجماعي و الاجتماعي , الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يحول الأرض إلى مسكن مفضل ( جدير ) لتطور الإنسانية . من دون هذا الانعتاق المادي فإن الانعتاق الفكري و الأخلاقي للفرد مستحيل . يمكنه أن يخلص نفسه من نير طبيعته نفسها , أي أن يخضع غرائزه و حركات جسده للتوجيه الواعي لعقله , هذا التطور الذي يجري تعزيزه فقط من خلال التعليم و التدريب . لكن التعليم و التدريب هما اجتماعيان بشكل واضح و حصري … من هنا لا يمكن للفرد المعزول أن يصبح واع بحريته .
أن نكون أحرارا يعني أن يعترف بنا و نعامل كذلك من كل إخوتنا البشر . حرية كل فرد هي فقط انعكاس لإنسانيته , أو حقه الإنساني من خلال وعي كل البشر الأحرار , إخوته و مماثليه ( أو المساوين له ) .
يمكنني أن أشعر أنني حر فقط من خلال وجود البشر الآخرين و في علاقتي معهم . في حالة وجود أنواع متأخرة من الحيوانات فأنا لست لا حرا و لا إنسانا , لأن هذا الحيوان غير قادر على أن يدركني و بالتالي أن يعترف بإنسانيتي . أنا نفسي لست حرا أو إنسانا ما لم أعترف بحرية و إنسانية كل البشر الاخرين .
فقط في احترام طبيعتهم الإنسانية فإنني أحترم طبيعتي ( الإنسانية ) نفسها . آكل لحوم البشر الذي يلتهم سجينه .. ليس إنسانا بل وحشا . مالك العبيد ليس إنسانا بل سيدا . من خلال إنكار إنسانية عبيده فإنه أيضا يلغي إنسانيته , كما يثبت تاريخ كل المجتمعات القديمة . لم يشعر اليونانيون و لا الرومان أبدا كبشر أحرار . لم يعتبروا أنفسهم كذلك بالحق الإنساني . لقد اعتقدوا في الامتيازات لكل من اليونانيين و الرومان و فقط لبلدانهم , ما داموا لم يحتلوا بعد و طالما كانوا يحتلون بقية البلدان . لأنهم اعتقدوا أنهم تحت حماية خاصة من آلهتهم الوطنية , فإنهم لم يشعروا بأنهم يملكون الحق في التمرد .. و سقطوا هم أنفسهم في العبودية …
أنا حر حقا فقط عندما يكون كل البشر , رجالا و نساءا , أحرارا على التساوي . إن حرية البشر الآخرين , أبعد من أن تلغي أو تقيد حريتي , إنها على العكس شيء ضروري لحريتي و تأكيد لها . إن عبودية البشر الآخرين هي التي تشكل عائقا أمام حريتي , أو ما يصل لنفس تلك الدرجة , إن وحشيتهم هي التي تشكل نفي إنسانيتي . لأن كرامتي كإنسان , حقي الإنساني الذي يتألف من رفض إطاعة أي شخص آخر , و أن أقرر شؤوني بما يتوافق مع قناعاتي ينعكس في الوعي الحر بشكل متساوي للجميع و الذي يؤكده إجماع ( مواقفة ) كل البشرية . هكذا فإن حريتي الشخصية , التي تؤكدها حرية الجميع , تمتد إلى ما لا نهاية .
المفهوم المادي للحرية هو لذلك شيء إيجابي و معقد جدا و و قبل أي شيء , اجتماعي بجدارة , لأنه يمكن أن يتحقق فقط في المجتمع و من خلال المساواة الدقيقة و من خلال التضامن بين كل البشر . يستطيع المرء أن يميز العناصر الرئيسية في تحقق الحرية . الأولى هي أنها اجتماعية بجدارة . و أنها التطور الأعلى لكل وظائف و قوى كل كائن بشري , من خلال التعليم , من خلال التدريب العلمي و و الرفاهية المادية , و هي أشياء يمكن تحقيقها فقط لكل فرد من خلال العمل الجماعي , المادي , الفكري , اليدوي و المقيم للمجتمع عموما .
العنصر الثاني للحرية هو السلبية . إنها تمرد الفرد ضد كل سلطة مقدسة , جماعية و فردية .
كانت الثورة الأولى هي ضد الطغيان الأعلى للاهوت , ضد شبح الإله . فطالما كنا سادة في السماء , سنكون عبيدا على الأرض . و سيجري إلغاء عقلنا و إرادتنا بنفس الدرجة . و طالما اعتقدنا بأننا يجب أن نطيع الإله دون شرط , لا يمكن لأي طاعة أخرى أن توجد – علينا بالضرورة أن نخضع بشكل سلبي , دون أدنى تحفظ , للسلطة المقدسة لوكلائه المنصبين و غير المنصبين , للمخلصين ( المفتدين أو للمسيح ) , للأنبياء , و لواضعي القوانين الذي تلهمهم الأديان , للأباطرة , الملوك , و كل موظفيهم و وزرائهم , للممثلين و الخدام المعينين للمؤسستين الأكبر اللتين تفرضان نفسيهما علينا , و التي أنشأهما الإله نفسه ليحكم البشر , أعني الكنيسة و الدولة . تنشأ ( تصدر أو تنبع ) كل سلطة مؤقتة أو إنسانية مباشرة من السلطة الروحية أو المقدسة . لكن السلطة هي نفي الحرية . الإله , أو بالأحرى قصة الإله , هي تكريس لكل عبودية على الأرض و مصدرها العقلي و الأخلاقي , و حرية البشر لن تكون كاملة حتى يتم التخلص من هذه القصة الكارثية و المخاتلة ( الماكرة ) عن وجود سيد سماوي أو مقدس .
هذا يتبعه بشكل طبيعي الثورة ضد طغيان البشر , ضد طغيان الفرد كما طغيان المجتمع , الذي تمثله و تقوننه ( تشرعنه ) الدولة . عند هذه النقطة , علينا أن نميز جيدا بين الامتيازات الرسمية و بالتالي الديكتاتورية للمجتمع المنظم في دولة , و بين التأثير الطبيعي لأعضاء المجتمع غير الرسمي و غير المصطنع و فعلهم الطبيعي .
الثورة ضد هذا المجتمع الطبيعي أكثر صعوبة بكثير بالنسبة للفرد منها ضد المجتمع المنظم بشكل رسمي في الدولة . إن الطغيان الاجتماعي , و هو غالبا هائل و سام ( ضار او مؤذي ) , لا يأخذ ( لا ينسب لنفسه ) الطبيعة التي تعطي الأولوية للعنف و للاستبداد الشرعي و الرسمي الذي يميز سلطة الدولة . إنه لا يفرض في شكل قوانين تفرض على كل فرد , في مقابل العقوبة القانونية ( القضائية ) ليكره على الخضوع لها . إن فعل الطغيان الاجتماعي ألطف , أكثر تخف ( خفية ) , أصعب إدراكا , لكنه ليس أقل قوة و انتشارا من سلطة الدولة . إنه يضع البشر تحت هيمنة العادات و الأعراف , و عدد هائل من الأحكام المسبقة , و عادات الحياة اليومية , التي تتشارك جميعها لتشكل ما يسمى بالرأي العام .
إنها تغمر ( تحيط ) الفرد منذ ولادته , و تخترق كل مظهر للحياة , بحيث أن كل فرد , دون أن يعرف ذلك غالبا , يشارك في نوع من المؤامرة ضد نفسه هو . ينتج عن هذا أنه لكي يثور ( يتمرد ) ضد هذا التأثير ( النفوذ ) الذي يمارسه المجتمع عليه , عليه على الأقل أن يثور ضد نفسه بدرجة ما على الأقل . لأنه في اتجاهاته الطبيعية و آماله المادية و الفكرية و الأخلاقية , ليس إلا نتاجا للمجتمع , و في هذا تكمن تلك القوة ( السلطة ) الهائلة التي يمارسها المجتمع على الفرد .
من زاوية الأخلاق المطلقة , أعني من الزاوية الإنسانية , فإن سلطة المجتمع هذه يمكن أن تكون مفيدة و قد تكون ضارة . تكون مفيدة عندما تنزع إلى تطوير العلم , أو الرفاهية المادية , و الحرية , المساواة و التضامن . و تكون سامة ( مؤذية ) عندما تكون في الاتجاه المعاكس . الانسان الذي يولد في مجتمع من الوحوش , يميل ( ينزع ) لأن يبقى وحشا , و الذي يولد في مجتمع يحكمه الكهنة ( رجال الدين ) , يصبح غبيا , و منافقا , و الذي يولد في عصابة من اللصوص , سيصبح لصا على الأغلب , و إذا ولد لسوء حظه في مجتمع من أنصاف الآلهة الذين يحكمون هذه الأرض , من النبلاء , أو الأمراء , سيصبح مستعبدا حقيرا للمجتمع , أي طاغية . في كل هذه الحالات , فإن الثورة ضد المجتمع الذي ولد فيه لا يمكن فصلها عن أنسنة الفرد .
لكن , أكرر هنا , أن ثورة الفرد ضد المجتمع أصعب بكثير من الثورة ضد الدولة . الدولة مؤسسة مؤقتة , تاريخية , و هي مثل أخواتها من المؤسسات , كالكنيسة , منظمة لضمان امتيازات أقلية ما تستعبد الغالبية العظمى بالفعل .
الثورة ضد الدولة أسهل بكثير لأن هناك شيء ما في طبيعة الدولة نفسها يحرض على الثورة . الدولة هي السلطة , و القوة . إنها التفاخر و الهيام بالقوة . إنها تدعي أنها لا تخطأ أبدا . و هي لا تسعى لأن تغير نفسها , و إذا خففت من طغيانها في بعض الأوقات , فإنها تفعل ذلك بطريقة سيئة . لأن طبيعتها لا تعتمد على الإقناع , بل أن تفرض نفسها بالقوة . و مهما كانت الجهود التي تقوم بها لتخفي نفسها , فإنها تبقى بشكل طبيعي المنتهك الشرعي ( القانوني ) لإرادة البشر , و النفي الدائم لحريتهم . حتى عندما تأمر الدولة بالخير فإنا تنتج الشر , لأن كل أمر تصدره يصفع الحرية في وجهها , لأنه عندما يجري فرض الخير بمرسوم ( بقرار ) يصبح شرا من منظور الأخلاق و الحرية الإنسانية . تكمن الحرية , و الأخلاق , و الكرامة الإنسانية للفرد هنا بالتحديد , في أنه يفعل الخير لا لأنه يجبر ( يكره ) على ذلك , بل لأنه يفهمه بشكل حر , يريده و يحبه بكل حرية .
أما سلطة المجتمع فإنها تفرض ليس بشكل اعتباطي أو رسمي , بل بشكل طبيعي . و بسبب هذه الحقيقة فإن تأثيرها على الفرد أقوى بما لا يقارن من سلطة الدولة . لأن كل الأفراد يخلقون و يتشكلون في وسطها . و هي تنقل إليهم , ببطء , من يوم ولادتهم حتى مماتهم , كل صفاتها ( خصائصها ) المادية , الفكرية و الأخلاقية . هكذا يمكننا القول أن المجتمع يفردن ( يجعله فرديا ) نفسه في كل فرد .
الفرد الحقيقي من لحظة تشكله في رحم أمه يحدد مسبقا و يخصص بنتيجة اجتماع المؤثرات الجغرافية , المناخية , الإثنية , الصحية و الاقتصادية , التي تشكل طبيعة أسرته , طبقته , شعبه , عرقه . إنه يتشكل يما يتوافق مع كفاءاته من خلال دمج ( مزج ) كل هذه التأثيرات الخارجية و الفيزيائية . ما هو أكثر من ذلك , و بفضل التنظيم المتفوق نسبيا للدماغ البشري , يورث كل فرد منذ الولادة , بدرجات مختلفة , لا الأفكار أو المشاعر الداخلية , كما يدعي المثاليون , بل فقط القدرة على الإحساس , الإرادة , التفكير و الكلام . هناك وظائف أولية توجد دون أي محتوى ( مضمون ) . من أين يأتي محتواها ؟ من المجتمع … من الانطباعات , الحقائق ( الوقائع ) , الأحداث التي تتجمع في نماذج للتفكير و للصح أو الخطأ , و تنقل من فرد لآخر . إنها تتعرض للتعديل , التوسيع , المديح و الاندماج من كل الأفراد الأعضاء و مجموعات المجتمع في نظام متفرد ( واحد ) , يشكل أخيرا الوعي العام ( المشترك ) , الفكر الجماعي للمجتمع . كل هذا , ينقل بالتقليد من جيل لآخر , يطور و يضخم بالأعمال الفكرية لقرون عدة , و يشكل بالتالي الإرث الفكري و الأخلاقي لشعب , لطبقة , لمجتمع …
كل جيل جديد عندما يبلغ سن التفكير الناضج يجد في نفسه و في المجتمع الأفكار و المفاهيم القائمة التي تخدمه كنقطة فصل ( قطع مع من سبقه ) , تعطيه هذه الأفكار و المفاهيم المواد الخام لعمله الفكري و الأخلاقي الخاص به .. هذه هي أفكار الطبيعة , الإنسان , العدالة , واجبات و حقوق الأفراد و الطبقات , الاتفاقيات الاجتماعية , العائلة , الملكية , الدولة , و عوامل أخرى كثيرة تؤثر على العلاقات بين البشر . كل هذه الأفكار تطبع في عقل الفرد , و تتعدل بالتعليم و التدريب الذي يحصل عليه حتى قبل أن يصبح واع تماما بنفسه ككيان ( كوجود ) . في وقت متأخر أكثر فإنه يعيد اكتشافها , مخصصة و مشروحة , و قد أوضحتها النظرية , التي تعبر عن الوعي العام للأحكام المسبقة الجماعية للمؤسسات الدينية , السياسية , و الاقتصادية للمجتمع الذي ينتمي إليه . إنه هو نفسه مشبع بهذه الأحكام المسبقة بحيث أنه , بشكل تلقائي , بفضل كل عاداته الفكرية و الأخلاقية , يؤيد هذه المظالم , حتى لو لم يكن مهتم شخصيا بالدفاع عنها .
من غير المفاجئ بالتأكيد أن الأفكار التي تمرر ( يجري نقلها أو تمريرها ) بواسطة العقل الجمعي للمجتمع يجب أن تكون عظيمة لكي تتمكن من أن تستحوذ على جمهور الناس . المفاجئ ( المثير للدهشة ) بالمقابل هو أن يكون بين هذه الجماهير أفرادا يحملون أفكارا , إرادة , و شجاعة ليسبحوا ضد تيار التوافق ( التماثل ) . لأن ضغط المجتمع على الفرد هائل جدا لدرجة أنه لا توجد شخصية مهما بلغت قوتها أو ذكاءها من القوة بحيث تكون منيعة تماما على هذا التأثير الاستبدادي و الذي لا يمكن مقاومته .
لا شيء يوضح ( يعكس ) الطبيعة الاجتماعية للإنسان أكثر من هذا التأثير . يمكن القول أن الوعي الجماعي لأي مجتمع أيا يكن , يتجسد في المؤسسات العامة الكبرى , في كل تفاصيل الحياة الخاصة , التي تخدم كأساس ( قاعدة ) لكل نظرياته . إنها تؤلف ( تشكل ) نوعا من المناخ ( الجو ) الفكري و الأخلاقي : رغم أنه قد يكون ضارا , لكنه ضروري بالمطلق لوجود كل أعضائه , الذين يسيطر عليهم بينما يحافظ عليهم , و يقوي الابتذال , و الروتين , الذي يربط الغالبية العظمى من الجماهير معا .
العدد الأعظم من البشر , و ليس فقط جماهير الناس بل أيضا الطبقات صاحبة الامتيازات و المتنورة حتى أكثر من غيرها , تشعر بالمرض بسهولة ما لم يتوافقوا مع ما حولهم بإيمان و ما لم يلتزموا بالتقاليد و الروتين , في كل أفعال حياتهم . إنهم يبررون هذا بأن “آباءهم قد فكروا و عملوا بهذه الطريقة , لذلك علينا أن نفكر و نفعل الشيء نفسه . كل شخص آخر يفكر و يفعل بنفس الطريقة . لماذا علينا أن نفكر و نتصرف بطريقة أخرى ؟” .
نقلا عن http://www.marxists.org/reference/archive/bakunin/index.htm
نداء عاجل لكل شيوعي و يساري سوري
مازن كم الماز
الحقيقة أنه يمكن القول بكل بساطة اليوم أن القيادات اليسارية و الشيوعية السورية في أغلبها على الأقل ارتكبت اليوم أيضا خيانة طبقية واضحة , صريحة و أمام أعين الجميع , بوقوفها إلى هذه الدرجة أو تلك ضد الثورة السورية , بوقوفها الصريح و دون أي مداورة إلى جانب العدو الطبقي للجماهير السورية الكادحة , الذي يستغلها و يفرض سلطته الديكتاتورية عليها بقوة القمع الوحشية , و من الطبيعي أنها تستخدم في تبرير موقفها هذا مفاهيم و أفكار و أطروحات تعود إلى فترة ما قبل سقوط أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية في الاتحاد السوفيتي و أوروبا الشرقية التي سمت نفسها اشتراكية , مفاهيم تهمش الإنسان لصالح السلطة , الحزب , الزعيم , الإيديولوجيا , تماما كما يفعل النظام السوري اليوم , إن ربط مفاهيم السلام الأهلي و المقاومة و علمنة المجتمع باستبداد النظام و قمعه الوحشي و تغوله على الشعب و نهبه للجماهير الكادحة هو اليوم بالتحديد , خاصة منذ بداية ثورة الشعب السوري , خيانة طبقية لمصالح الجماهير السورية الكادحة من جهة و خيانة لقيم و أفكار الحرية و العدالة و المساواة التي قامت عليها الحركة العمالية و الشيوعية العالمية منذ الأممية الأولى من جهة أخرى , صحيح أن هذه الحركة نفسها قد تعرضت للخيانة مرارا من قبل قياداتها البيروقراطية التي احترفت العمل السياسي كمهنة أو كوظيفة تستقل بها دون الطبقة العاملة في الحكومات و البرلمانات البرجوازية أو البيروقراطيات الحزبية الحاكمة في دول رأسمالية الدولة البيروقراطية التي مسخت الشيوعية إلى فكر شمولي يبرر تسلطها أو إلى فكر إصلاحي يبرر مساوماتها مع الطبقات الحاكمة , لكن الصحيح أيضا أن العمال , الكادحين , كانوا دائما يعيدون إحياء نضالاتهم العفوية و الثورية ضد مستغليهم تحت راية الحرية و العدالة و المساواة , تحت راية بناء مجتمع شيوعي لا طبقي و من دون سلطة أو دولة تخضع المجتمع لنهب و تحكم الطبقة المستغلة , مجتمع لا استغلال فيه و لا إكراه أو استلاب , إننا بحاجة اليوم أيضا لانتفاضة في صفوف اليسار السوري , ليس فقط في صفوف القوى المنظمة بالفعل , بل أيضا بين الشيوعيين و اليساريين غير المنظمين و الذين تركوا لأسباب مختلفة هذه الفصائل القائمة , إن سوريا اليوم , و خاصة بعد ثورة الشعب السوري , بحاجة , أكثر من أي وقت مضى , ليسار سوري جديد , و تماما كما أن الشعب السوري يستطيع أن يعيش دون قمع النظام و أجهزة مخابراته و سجونه فإن اليسار السوري يستطيع أيضا أن يوجد دون وصاية قيادات تسمي نفسها تاريخية , بل إن التعريف الحقيقي للحرية اليوم في سوريا , لحرية الجماهير السورية الكادحة , يبدأ بالتخلص من استبداد النظام , تماما كما أن بداية يسار سوري جديد يبدأ بالتخلص من وصاية تلك القيادات على الصوت اليساري السوري و قيامها بتدجينه لصالح النظام , لم نأت إلى صفوف اليسار في سبيل أشخاص , بل لأننا نريد أن نناضل في سبيل تحقيق أحلامنا و آمالنا في العيش بحرية و عدالة و مساواة و أحلام و آمال طبقاتنا الكادحة في الحرية و العدالة و المساواة , لكن هذا الشيء لم يحصل , بل أصبح اليسار السوري الذي أردناه و اعتقدنا أنه قوة تغيير اجتماعية جذرية نحو عالم , نحو سوريا , تقوم على الحرية و العدالة و المساواة , أصبح عبارة عن مؤسسة هامشية بين مؤسسات النظام القائم , إننا نريد أن نمارس ما جئنا لأجله إلى صفوف اليسار , نريد أن نقاوم من يستغلنا و من يقمعنا , و من يستغل شعبنا و يقمعه , لقد فهمنا الشيوعية على هذا الأساس و لم نفهمها كتبرير للاستبداد أو الطغيان أو الاستغلال , بل العكس تماما , و لذلك على كل شيوعي و يساري سوري يرفض القمع و الاستغلال , يرفض أن يغيب صوته أو أن يجير لصالح النظام , يرفض أن يبقى مجرد مستمع , مطيع , لقيادات اختطفت الحركة الشيوعية و اليسارية السورية لحسابها و لحساب النظام , أن يبادر لإطلاق أو للمشاركة في أوسع نقاش ممكن , نقاش حر , لا قيود عليه و لا يخضع لأحد إلا لحرية كل من يريد المشاركة فيه بالتعبير عن آرائه بكل حرية , إلا لإرادتنا جميعا في التغيير و الحرية , نقاش عن أفضل أشكال التنظيم و أفضل أشكال النضال في سبيل أهداف الجماهير الكادحة السورية و في سبيل قيم الحرية و العدالة و المساواة التي ننشدها كيساريين لأنفسنا و لكل سوري و لكل إنسان , صحيح أن الكثيرين منا يرفضون بالفعل وضع اليسار السوري الحالي و صحيح أن الكثير منا يتعاطفون أو يشاركون في فعاليات الانتفاضة السورية لكن تذكروا أن هذا لا يكفي و لا يساعد في تحقيق ما نريد و تريده الجماهير السورية الكادحة اليوم , تذكروا أن قوتنا هي في تنسيق نضالاتنا و جهودنا , هذا لا يعني بناء منظمة فوقية يخضع الأدنى فيها للأعلى مرة أخرى , و لا تشكيل قيادات بيروقراطية محترفة تدخل في بنى السلطة القائمة أو في مساومات فوقية مع النخب الحاكمة أو الطامعة في الهيمنة , بل نتحدث عن منظمة أفقية قاعدية , شبكة تضم أعضاءا متساوين تنسق نضالاتهم و أفكارهم و جهودهم في جهد جبار ضد مستغلي و مضطهدي الطبقات السورية الكادحة , ليس فقط أنهم يملكون جميعا الحق في التفكير و التعبير عن آرائهم و إيصالها للجميع و الدفاع عنها بكل حرية , بل أعضاء يشاركون مباشرة في قيادة و توجيه نضالهم المشترك ضد أعداء الشعب السوري , هذه مجرد أفكار هي أيضا تخطأ أو تصيب , لا أحد يملك الحق اليوم في أن يفرض علينا آراءه , سيكون كل شيء نتاج تفكير و نقاش حر نشارك فيه جميعا , لنختلف و لنمارس حقنا الطبيعي المشروع في الاختلاف و في الحوار و في الجدل و في النقاش , في التفكير و في التعبير , هذا أكثر من طبيعي , بل هذا هو عنوان المرحلة الحالية من الحراك الشعبي العارم في سوريا , لننتزع حريتنا نحن أيضا , لنتناقش حول كل شيء بحرية , و لكن المهم أيضا على نفس الدرجة , أن ننسق نضالاتنا المشتركة في سبيل تحقيق آمال و مطامح العمال السوريين و كافة الجماهير السورية الكادحة , أن ننسق نضالاتنا للمشاركة في الغضبة الشعبية الحالية في سبيل حرية الشعب السوري و دفاعا عن مصالحنا و عن مصالح طبقاتنا الكادحة المستغلة في سوريا اليوم , لتكن انتفاضتنا داخل اليسار السوري جزءا من انتفضة السوريين , الشباب السوري , في سبيل حريته و كرامته و حياته التي سرقها النظام و يفضل ان يدمرها على أن يسمح لها بالعيش بحرية و كرامة و عدالة و مساواة …..
العامل عطية الصيرفي.. وداعا
كتبت – عزة خليل

انتهت فجر اليوم رحلة نضال عم عطية ، أو كما كان يصر دائما على تعريف نفسه العامل عطية الصيرفي. ليبدا بسيرته وما تركه من تراث رحلات كثيرة لا حصر لعددها في نضال آلاف الشرفاء.
ولد عم عطية في ميت غمر بالدقهلية عام 1926. وعمل صبيا، وانتقل من عمل إلى آخر حتى عمل في شركة غزل المحلة ثم كمساري اوتوبيس. ومنذ عرف العمل النقابي بداية شبابه في الاربعينيات، لم يهدأ نضاله ليوم واحد حتى انتهت ايام عمره.

پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.