ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی

إعادة التأكيد على الاشتراكية

 موريس برينتون* 1960
ترجمة مازن كم الماز

نلخص هنا أفكارا محددة قد تشكل أساسا لإعادة تجميع الاشتراكيين الثوريين .
و لا أي من المنظمات التقليدية للطبقة العاملة تعبر عن مصالح الطبقة ( العاملة ) . لقد ترافق انحطاطها و بقرطتها بانحطاط كبير في النظرية الاشتراكية , في أفكار النضال و التنظيم و حتى في الأفكار الرئيسية التي تتعلق بطبيعة الاشتراكية . يجب التوصل لاتفاق عما هي الاشتراكية , إذا كان على الممارسة الثورية أن تساعد الطبقة العاملة بصدق و ألا تؤدي إلى المزيد من التشوش و تراجع المعنويات . النقاط التالية هي أساسية جدا برأينا :
1 – “الحركة البروليتارية هي حركة مستقلة واعية بنفسها ( تقوم على وعيها الذاتي بنفسها ) للغالبية العظمى , بمصالح هذه الغالبية العظمى” . بعض التيارات “الثورية” تكتفي بالكلام فقط عن هذه الفكرة . لا أحد يأخذها بجدية , أو حتى يبدو أنه يفهم مدلولها أو معناها . يعني “الوعي الذاتي” أن الطبقة نفسها يجب أن تفهم الأهمية الكاملة لأفعالها . “المستقلة” تعني أن الطبقة نفسها يجب أن تقرر أهداف و أساليب نضالها بنفسها .
2 – “انعتاق الطبقة العاملة هو مهمة العمال أنفسهم” . لا يمكن للطبقة العاملة أن تفوض مهمتها التاريخية هذه لأي شخص آخر . لا يوجد “منقذون من الأعلى ( قادمون من الأعلى )” . هذه الطبقة لن تصل إلى السلطة , سلطتها , إذا فوضت نضالها الثوري لآخرين . الوعي الاشتراكي الجماهيري و المشاركة الجماهيرية ضروريان . يجب على المنظمة الثورية أن تساعد في تطورهما و يجب أن تعري ( تكشف ) دون رحمة كل الأوهام التي تقول بأن هذه المشكلة يمكن أن تحل بأية طريقة أخرى .
أكثر من ذلك لن تحتفظ الطبقة العاملة بالسلطة ما لم تكن مستعدة بشكل واعي و دائم للتحرك بنفسها نحو هذه الغاية . كل المحاولات السابقة التي قامت بها الطبقة العاملة بتفويض السلطة لمجموعات معينة , أملا بأن هذه المجموعات ستمارس السلطة “نيابة عنها” أدت إلى تشكل البيروقراطيات و نزع الملكية الاقتصادية و نزع السلطة السياسية من الطبقة العاملة . الاشتراكية , على خلاف كل الأشكال السابقة من التنظيم الاجتماعي , تتطلب مشاركة مستمرة ( لا تنقطع ) , واعية و دائمة للغالبية العظمى .
3 – الجانب الأساسي من كل المجتمعات الطبقية هو أن مجموعة ( فئة ) اجتماعية محددة تتولى موقعا مهيمنا في علاقات الإنتاج . من موقعها هذا فإنها أولا “ترتب ظروف الإنتاج” ( أي تنظم و تدير الإنتاج ) و ثانيا تحدد توزيع كامل الناتج الاجتماعي . ليست الملكية الفردية لوسائل الإنتاج إلا واحدة من طرق عدة ممكنة يمكن من خلالها لطبقة حاكمة أن تشرعن ( تقونن , تمنح الشرعية ) لهيمنتها .
تسعى كل طبقة حاكمة لتأبيد وضعها المتميز ( امتيازاتها ) من خلال سيطرتها على أدوات الإكراه , أي ماكينة الدولة . لا توجد طبقة حاكمة في التاريخ سلمت موقعها المسيطر في الاقتصاد و سيطرتها على الدولة من دون صراع شرس .
4 – التناقض الأساسي في المجتمع المعاصر هو انقسامه بين أولئك الذين يملكون , يقررون و يوجهون , و الغالبية التي , لأنها محرومة من وسائل الإنتاج , عليها أن تكدح و يفرض عليها أن تمتثل ( تخضع ) لقرارات لم يتخذوها هم . هذا التناقض هو أساس الاغتراب , أساس الصراع الطبقي و أساس الأزمات العميقة الحالية التي تؤثر على كل من المجتمعات البرجوازية و البيروقراطية .
أهداف الصراع الطبقي هو ضمان إلغاء كل الانقسامات التناقضية ( العدائية ) داخل المجتمع و كل التقييدات التي تفرضها هذه التناقضات على حياة البشر من خلال وصول الطبقة العاملة للسلطة ثوريا .
5 – من خلال النضال اليومي في مجتمع رأسمالي , تطور الطبقة العاملة وعيا له بالضرورة محتوى اشتراكي . الصراع الطبقي ليس فقط صراعا على القيمة الزائدة ( كما يريدنا الماركسيون “الفظين” ( فظ أو فج ) أن نصدق ) . إنه أيضا صراع من أجل ظروف مختلفة تماما للبقاء . يجري هذا الصراع عند نقطة الإنتاج , حيث يتحدى كلا من البرجوازية و الامتيازات البيروقراطية للإدارة .
في المعمل و المصنع يوازن العمال رغباتهم و مطامحهم بالقرارات البيروقراطية للسادة , و يحاولون تأكيد أشكالهم الخاصة من التنظيم ضد تلك التي تفرض عليهم من أعلى . ها الجانب من الصراع الطبقي يحمل الدلالات الأكثر ثورية . لأن من يدير الإنتاج يدير في نهاية المطاف المجتمع نفسه . يجب على المنظمة الثورية أن تشدد في دعايتها و تحريضها على هذا الجانب الخاص من نضال الطبقة العاملة و أن تؤكد على مضمونه الاشتراكي الأساسي .
6 – حاولت الطبقة العاملة مرارا أن تحل المسألة الأساسية لوضعها كطبقة مستغلة . غير صحيح أن العمال قادرين فقط على بلوغ “وعي نقابي” فقط ( هذه الفكرة هي فكرة لينينية , مستمدة من اشتراكيي الأممية الثانية , و هي مبرر وجود الحزب اللينيني كما كانت مبرر وجود الحزب الاشتراكي الديمقراطي من قبله , ما دام العمال غير قادرين على بلوغ أكثر من وعي نقابي و أن الفكر هو مهمة المثقفين أو حتى المثقفين البرجوازيين تحديدا فإن الوعي الطبقي سينقل للعمال عن طريق هؤلاء المثقفين البرجوازيين , صيغت هذه الأفكار خاصة في كتاب لينين ما العمل ؟ – المترجم ) . كومونة باريس 1871 , ثورات 1905 و 1917 , الثورة الإسبانية لعام 1936 – 1938 , مجالس العمال المجريين في عام 1956 , جميعها أثبتت أن الطبقة العاملة قادرة على الوصول إلى أعلى مستويات الوعي الثوري , و أن تتحدى أساس كل الأنظمة الاستغلالية .
7 – بين الموجات الثورية العظمى , حاولت الطبقة العاملة أن تخلق منظمات سياسية و نقابية لتحارب من أجل مصالحها الآنية و البعيدة على حد سواء . انحطت كل هذه المنظمات و هي تعبر اليوم عن مصالح طبقية اجتماعية غير بروليتارية . لهذا الانحطاط أساس موضوعي , في البنية المتغيرة للمجتمع الرأسمالي , و أساس ذاتي في فرض الأساليب الرأسمالية للتفكير و التنظيم على صفوف الحركة العمالية . لذلك تعكس هاتان الحقيقتان استمرار الراسمالية .
نضال الطبقة العاملة في سبيل انعتاقها الاجتماعي ليس مجرد نضال يومي بسيط ضد الاستغلال الرأسمالي . إنه يجري أيضا داخل الطبقة العاملة نفسها , ضد إعادة الخلق المستمرة للأفكار البرجوازية و الأوهام الإصلاحية . نضال المنظمة الثورية ضد كل أشكال الغموض الإيديولوجي – و ضد أولئك الذين ينشرونه – هو ضروري و حتمي معا .
8 – تعني الاشتراكية إدارة عمالية , على مستوى المعمل و المجتمع ككل . إذا لم تحتفظ الطبقة العاملة بالسلطة الاقتصادية بحزم في أيديها , فإن سلطتها السياسية لن تكون آمنة في أفضل الأحوال . طالما احتفظت الطبقة العاملة بالسلطة الاقتصادية فلا يمكن أن تنحط سلطتها السياسية . لجان المعامل و مجالس العمال هي أشكال محتملة يمكن للطبقة العاملة من خلالها أن تمارس حكمها .
“التأميم” و “التخطيط” يمكن فقط أن يكونا ذا مضمون اشتراكي إذا ترافقا مع إدارة العمال للإنتاج و مع السلطة السياسية للطبقة العاملة . بحد ذاتهما لا يمكن لهما أن يحلا أي شيء . إذا لم يدير العمال بأنفسهم المجتمع , فإن “التأميم” و “التخطيط” يمكن أن يصبحا أدوات لا ترحم للاستغلال .
9 – تحتاج الطبقة إلى منظمة ثورية , ليس كقيادة تنصب نفسها بنفسها بل كأداة للنضال . يجب على المنظمة أن تساعد العمال في نزاعهم , تساعدهم من خلال تأكيدها على تعميم خبرات الطبقة العاملة , و أن توفر إطارا لربط الأجهزة المستقلة ذاتيا لنضال الطبقة العاملة و تشدد باستمرار على الأفكار و الاحتمالات الثورية للعمل الجماهيري المستقل .
يجب على بنية هذه المنظمة أن تعكس أعلى إنجازات نضال الطبقة العاملة ( مثل مجالس العمال ) عوضا عن أن تقلد الأشكال الراسمالية للتنظيم . يجب أن تتنبأ بالمستقبل الاشتراكي للمجتمع عوضا عن أن تعكس ماضيه الرأسمالي . هذا يعني في الممارسة :
أن الأجهزة المحلية يجب أن تمتلك أقصى استقلالية , فيما يتعلق بنشاطاتها , و ذلك بما يتناسب مع الهدف العام و نظرة المنظمة
أن يتم اللجوء إلى الديمقراطية المباشرة ( أي القرارات الجماعية لكل المهتمين ) كلما كان ذلك ممكنا
و أن الأجهزة المركزية التي تمتلك سلطة اتخاذ القرارات فيما يتعلق بالآخرين يجب أن تتشكل من مندوبين , منتخبين من أولئك الذين يمثلونهم و قابلين للاستدعاء من قبلهم في أي وقت
نقلا عن http://www.marxists.org/archive/brinton/index.htm

• موريس برينتون , من أعضاء منظمة التضامن البريطانية , أحد اهم المجموعات الشيوعية التحررية في الستينيات و السبعينيات , و التي لعبت دورا هاما في نقد الرأسمالية الغربية و رأسمالية الدولة الستالينية على حد سواء و تقديم بديل تحرري عن الأنظمة الاجتماعية الاستغلالية في غرب و شرق أوروبا و العالم يومها . هذاالمقال هو أول بيان للمنظمة يعبر عن أفكارها الرئيسية . سبق أن نشر موقع الحوار المتمدن أيضا ترجمة لنص آخر بعنوان كما نراها من عام 1967 هو عرض أكثر تقدما لأفكار هذه المجموعة الشيوعية التحررية البريطانية .

اللاسلطويون ( الأناركيون ) في المقاومة الهنغارية 1944 – 1945

1944– 1945 : اللاسلطويون ( الأناركيون ) في المقاومة الهنغارية

ترجمة مازن كم الماز

قاتل اللاسلطويون ( الأناركيون ) في الحرب العالمية الثانية في هنغاريا في المقاومة ضد النازيين و فيما بعد ضد المحتلين الروس حتى تعرضهم للقمع من قبل الشيوعيين .
بعد تدمير الحركة اللاسلطوية ( الأناركية ) الهنغارية من قبل النظام الفاشي للأدميرال هروثي , بدأت المجموعات اللاسلطوية ( الأناركية ) بالظهور من جديد حول مناضل ( محارب ) تحرري يدعى توروكوي , الذي كان يبلغ 80 عاما في عام 1945 . كان أول عمل تحرري ضد القوات الألمانية المحتلة قامت به مجموعة من الطلبة اللاسلطويين ( الأناركيين ) . ألقي القبض على أحد هؤلاء , الذي كان يلقب بالمسيح ( ! ) – و هو شاعر يبلغ عمره 15 عاما من مدينة صغيرة في الشمال . التقى هذا الرفيق في السجن بأنطون م . من المجموعة الهنغارية اليوغسلافية اللاسلطوية باسكا ( الجنوب ) التي كانت تضم 100 عضو , و التي كانت إحدى أقوى مجموعات المقاومة .

في أكتوبر تشرين الأول 1944 جرى تحرير الرفيق المعروف بالمسيح مع اللاسلطوي ( الأناركي ) الروسي ألكسي كورساكين بعد انقلاب سزالازي على هورثي .
سرعان ما أقاموا الاتصال بتوروكوي و الرفيق ب . م . – هو طالب كان قد أسس مجموعة أناركية يدعمها الشيوعيين . و بدؤوا بمضايقة العسكريين النازيين و الفاشيين , مرتدين الحزام الأحمر الأسطوري الخاص بكورساكين . و رفضوا أن يوحدوا أعمالهم مع الشيوعيين الذين وشوا بهم إلى الألمان , الذين اعتقلوا بعدها 67 مناضل بما في ذلك الرفيق ب . م . . بعدها انقسمت مجموعته و ذهب ثلثاها إلى الشيوعيين .
مجموعة كورساكين – التي كانت ترتدي الأحزمة الحمراء – هاجمت و دمرت وحدتين من الأسطول النهري الهنغاري في مركز بودابست . بعد ذلك بليلة فجرت مجموعة الرفيق المسمى بالمسيح ( الجبهة التحررية ) مستودعا للذخيرة . بينما تعرضت مجموعة ثالثة للإعدام بعد مهاجمتها مقر قيادة الحزب النازي . استمرت الحركة بهجماتها حتى معركة بودابست , التي كلفت حياة 200 ألف شخص . قررت الحركة بعدها أن تحافظ على قواها لأجل الصراع السياسي الذي سيجري بعد طرد الفاشيين .
في يوليو تموز 1945 أعادت الحركة تجميع نفسها . أرادت مجموعة ب . م . أن تعقد تحالفا عماليا مع الشيوعيين ضد الطبقة الحاكمة . أما مجموعة توروكوي فقد أرادت أن تجعل الحركة قانونية , أما مجموعات المسيح و كورساكين فقد أرادت مواصلة النضال المسلح ضد الدولة و القوات الروسية . حصل رأي توركوي على الأغلبية ثانية . أنشأت دار طباعة و بدأ توزيع مواد الدعاية . كانت الحركة تتألف من 500 مناضل و كان تأثيرها يتسع .
قام الشيوعيون بعدها بحظر الحركة . مات توروكوي بعد اعتقاله . فتح 4 من الطلاب الأناركيين النار على القوات الروسية و قتلوا في تبادل المعركة التي تلت ذلك . في معامل جزيرة كسبيل قاد الأناركيون الإضراب الوحيد بعد التحرر من الفاشيين . أعدم بنتيجته 30 عامل بما فيهم 24 أناركي . جرت تصفية الحركة التحررية . هرب ب . م . إلى إيطاليا , و المسيح و كورساكين إلى فرنسا .
ستندلع المقاومة الواسعة للديكتاتورية الشيوعية ثانية في الانتفاضة المجرية لعام 1956 .

نقلا عن http://libcom.org/history/1944-1945-anarchists-in-the-hungarian-resistance

استعراض لكتاب كروبوتكين -الاستيلاء على الخبز-

بقلم غاري هايتر
ترجمة مازن كم الماز


كان الناشط و المفكر اللاسلطوي ( الأناركي ) النقابي ج . ماكسيموف ( 1893 – 1950 ) يشك في حقيقة أن عددا قليلا فقط من مناضلي الحركة التحررية تجشم عناء قراءة كلاسيكيات اللاسلطوية ( الأناركية ) , و بالنتيجة وجدوا أنفسهم غير قادرين على مجاراة خصومهم السياسيين . ليس لدينا اليوم أي عذر كيلا نقوم بدراسة أعمال واضعي الإرث التحرري . أعمال بيتر كروبوتكين مثلا متوفرة في ترجمات انكليزية و في المتناول . تشمل هذه الأعمال كتب “المساعدة المتبادلة” , “الحقول , المصانع و أماكن العمل” , “الثورة الفرنسية العظمى” و أحد أكثر كتبه قراءة “الاستيلاء على الخبز” . هذا الكتاب هو الذي أريد أن أعرض له هنا.
ظهر كتاب “الاستيلاء على الخبز” لأول مرة في باريس عام 1892 , رغم أن كروبوتكين كان قد شرح نظرياته قبل عقد على صفحات الجريدة اللاسلطوية “الثورة” . شهد عام 1906 أول ظهور له في لندن باللغة الانكليزية . يشبه هذا الكتاب في أشياء كثيرة كتابه الآخر “الحقول , المصانع و أماكن العمل” ( 1912 ) , الذي هو أيضا مجموعة لمقالات كتبت بين عامي 1888 و 1890 . زود كلا الكتابين بعدد كبير من الإحصائيات المعاصرة التي استخدمت لدعم الآراء التي عرضها كروبوتكين . قد يقفز القارئ المعاصر على هذه الحقيقة , لأنه مهتم أكثر بالأفكار المذكورة نفسها .
ما الذي كان كروبوتكين يريد تأسيسه مع كتابه “الاستيلاء على الخبز” ؟ يبدو أنه كان يريد أن يثبت أن الإنسانية تسير بشكل حتمي نحو الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) , و أن هذا التطور يستند إلى العلم . على امتداد 17 فصلا شدد كروبوتكين على النقاط التالية “:

1 – أن الوضع السياسي و الاقتصادي الحالي غير عادل و يخدم فقط في إثراء قلة على حساب الأكثرية
2 – و أن الإنسانية تتحرك في اتجاه الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية )
3 – و أنه لكي نغير جذر ( أصل ) و فروع النظام ( القائم ) نحتاج لثورة على أساس شيوعي لاسلطوي تكون الكومونة الحرة وحدتها الإدارية
4 – و أن الشغيلة يمتلكون قدرات أخلاقية و تنظيمية هائلة غير مستغلة
5 – أن الشيوعية هي النظام الاقتصادي الوحيد العادل لأن أي إبقاء على نظام العمل المأجور يستند إلى تقييم اعتباطي لقيمة العمل , هو بالضرورة غير عادل
6 – أنه لكي تبقى الثورة يجب أن تسعى الكومونات الحرة لتحقيق أعلى درجة ممكنة من الاكتفاء الذاتي
استند كروبتكين على أمثلة تاريخية ليشرح المناسبات التي لم يتمكن فيها العمال من دفع الأوضاع الثورية إلى نهاياتها المنطقية و دفعوا حياتهم ثمنا لذلك , كما كان الحال في فرنسا في أعوام 1789 , 1848 و 1871 . يحتوي الكتاب على بعض الأمثلة عن فهم حقيقي لمكانيزمات الثورة , و قد ولد الكثير منها في الثورة الروسية لعام 1917 بعد صدور أول طبعة انكليزية للكتاب ب 11 سنة . مثلا في الفصل الذي بعنوان “الغذاء” يصف كروبوتكين مخاطر الثورة “الجماعية” ( الجماعية Collective هو الوصف الذي كان يطلق على أنصار ميخائيل باكونين و الذي دعا إلى استخدام معيار وقت العمل المبذول في إنتاج سلعة ما لتحديد مكافأة العامل على إنتاجه في المجتمع الاشتراكي محافظا بذلك على جوهر نظام العمل المأجور , الأمر الذي رفضه كروبوتكين و عارضه بالشعار الشيوعي : من كل حسب جهده و لكل حسب حاجته – المترجم ) ( اقرأ اشتراكية الدولة أو الماركسية بدلا من الجماعية ) التي ستحتفظ بنظام العمل المأجور . حيث يرى أن الجوع و البطالة هي نتيجة محتملة لإعادة تنظيم الاقتصاد . كتب كروبوتكين :
“لن يكون الناس صبورين أكثر , و إذا لم يصل الخبز فإنهم سينهبون المخابز . عندها إذا لم يكن الناس أقوياء بما فيه الكفاية ليخرجوا جميعا ستطلق عليهم النار , و ذلك بحجة إعطاء الجماعية فرصة جيدة للتجربة . لإنهاء هذا يجب المحافظة على “التظام” بأي ثمن – النظام , الانضباط , الطاعة !” .
بعد ذلك :
“غير مكتف بقتل “اللصوص” , سيبحث حزب “النظام” عن “رؤوساء العصابات” . سينصب المحاكم من جديد و سيعيد تعيين رجال المقصلة ( منفذي الإعدام ) من جديد . سيرسل أكثر الثوريين حماسة إلى المقصلة . سيتكرر عام 1793 ثانية” .
أخيرا :
“إذا أعيد فرض “النظام” , فإننا نقول , أن الاشتراكيين الديمقراطيين ( اقرأ البلاشفة ) سيشنقون اللاسلطويين ( الأناركيين ) , و أن الفابيين ( نسبة للجمعية الفابية , و هي منظمة اشتراكية ديمقراطية بريطانية إصلاحية – المترجم ) ( اقرأ حزب العمال ) سيشنق الاشتراكيين الديمقراطيين .. و ستصل الثورة هكذا إلى نهايتها” .
من الواضح أن كروبوتكين تنبأ بهذا استنادا إلى معرفته الكبيرة بالثورات المختلفة في فرنسا منذ عام 1789 , و أن هذه السيناريوهات يمكن أيضا تطبيقها على ثورتي روسيا فقي عام 1917 , و ألمانيا 1918 و إسبانيا 1936 – 1937 .
في مكان آخر في نفس الفصل يتحدث كروبوتكين عن مواضيع عملية تطرحها الاضطرابات الثورية , يجري غالبا تجاهلها من قبل العناصر الأكثر مثالية في الحركة التحررية حتى اليوم .
“الخبز , إنه الخبز هو ما تحتاجه الثورة” .
إن ضمان الإمداد بالبضائع الأساسية ضروري في أي ثورة ناجحة . ربما لن تكون مشكلة الغذاء اليوم هامة في بريطانيا كما كانت بالأمس , لكن لاحظ كيف تنفذ البضائع بسرعة عندما تكون هناك إشاعة عن نقص في مادة معينة . بالفعل تنبأ كروبوتكين هنا مرة أخرى بقضية مركزية في الثورة الروسية لعام 1917 , التي كان شعارها “السلام , الخبز و الأرض” . اقترح كروبوتكين أيضا أنه :
“.. فيم إذا كانت الثورة ستبدي نفس الخصائص في كل مكان فإن هذا أمر مشكوك فيه” .
و ” .. ستأخذ الثورة طبيعة مختلفة في كل من الأمم الأوروبية المختلفة , النقطة التي ستبلغها جمعنة الثروة لن تكون نفسها في كل مكان” .
و أخيرا , “جنبا إلى جنب مع الكومونات الثورية فإن أماكن كهذه ( المناطق الزراعية ) ستبقى في مزاج مترقب و ستواصل الحياة في نظام صناعي” ( هو نفس ما حدث في إسبانيا عام 1936 ! ) .
عن دور اللاسلطويين أنفسهم كتب كروبوتكين القليل فقط . فقد كان مهتما أكثر بالإشارة إلى الخصائص التحررية التي كانت توجد بالفعل في العامل العادي , عندما ستأتي مثل هذه الظروف إلى المقدمة , و هو نفس الموضوع الذي ركز عليه في كتابه “المساعدة المتبادلة” ( الطبعة الانكليزية 1902 ) . كما لم ينشغل بأي شكل خاص من التنظيم يجب أن يستخدمه الثوريون قبل أو حتى بعد المرحلة الثورية . كان يقول باستمرار أنه :
” .. ببقائه بين الناس , سيعمل الثوري المخلص جنبا إلى جنب مع الجماهير ..” .
إن كروبوتكين مبهم جدا فيما يتعلق بهذه القضية , بهذا فهو نقيض باكونين الذي أولى أهمية كبرى للأشكال التنظيمية التي على الثوريين أن يتبنوها . لكن يجب أن ندرك أن المقالات التي تشكل كتاب “الاستيلاء على الخبز” كانت قد كتبت في الثمانينيات من القرن التاسع عشر , فترة كان فيها اللاسلطويون في فرنسا , حيث كان كروبوتكين يعيش في ذلك الوقت , يمرون بمرحلة من إعادة التنظيم و إعادة تقييم التكتيكات التي ظهرت بعد قمع كومونة باريس عام 1871 حيث قتل عشرات آلاف العمال الثوريين , و هم خلاصة الطبقة العاملة يومها . حيث كان اللاسلطويون يعملون في مجموعات صغيرة من أفراد متشابهين في التفكير مكرسة للإطاحة برأس المال و الدولة . و كانوا يقاومون الأشكال التنظيمية , كالأحزاب السياسية , التي قد تهدد بتدمير الزخم الثوري للناس عندما يحين الوقت ( أي وقت الثورة ) . كان دور اللاسلطويين محصورا بإلهام الجماهير و , “.. تقوية أفكارهم الثورية ” .
في خطاب ألقاه في المؤتمر اللاسلطوي ( الأناركي ) العالمي عام 1881 في لندن , كان هناك القليل من الشك في أن موقف كروبوتكين من المنظمة اللاسلطوية ( الأناركية ) كان يقع تحت تأثير دراساته التاريخية عن الثورة الفرنسية , حيث اعتبرت الفعالية الذاتية للعمال و الفلاحين الفرنسيين كافية بحد ذاتها . فكرة العفوية هذه إلى جانب فكرة حتمية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) أضعفت التأثير التنظيمي للأفكار التحررية في فرنسا حتى تسعينيات القرن 19 عندما عادت من جديد إلى الحركة العمالية .
كلا , إن “الاستيلاء على الخبز” ليس كتابا عن المنظمة الثورية , إنه بالأصح كتاب عن الاقتصاد و التاريخ الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) , إنه العمل الأكثر بناءا ( إيجابية ) في الإرث التحرري . كان كروبوتكين بحلول عام 1880 قد تخلى عن الفكرة الباكونينية عن المكافأة على العمل في المجتمع ما بعد الثورة . بينما كان باكونين و التيار الفيدرالي في الأممية الأولى قد اقترحا فترة من الانتقال الاقتصادي بين الرأسمالية و الشيوعية التحررية . اعتقد كروبوتكين أنه من الضروري القفز من هذه إلى الأخرى , منذ اليوم الأول للثورة . و أن الإبقاء على نظام العمل المأجور بأي درجة و بأي شكل كان , مثل شيكات العمل أو كوبونات الوقت الذي يستغرقه العمل , سيؤدي فقط إلى استغلال و ظلم جديد . أشار كروبوتكين إلى أنه :
“بعد الثورة “الجماعية” , عوضا عن القول , “بنسان” من الصابون , سنقول , “خمسة دقائق من الصابون” .
إذا قامت الثورة على الاعتقاد بأن كل الأشياء هي ميراث مشترك للبشرية و يجب بالتالي أن تكون مشتركة بين الجميع , لماذا يجب الاستمرار بالعمل , بما هو منطقيا نظام اعتباطي للمكافأة , الأمر الذي لا يعني أن كل الأشياء مشتركة بين الجميع ؟ إن الجماعيين يريدون إصلاح نظام العمل المأجور عوضا عن أن يقوموا بتدميره .
هذه الحجة قوية لكنها تفترض الكثير . إنها تفترض أن العمال , المحرضين على الثورة و المنتصرين فيها , هم من طبيعة أخلاقية مرتفعة جدا . من دون شك أن الكثيرين هم كذلك و أن الكثيرين ممن ليسوا كذلك سيتغيرون ما أن تقع الثورة . الثورات تغير الأفراد . يصبح الجبناء أبطالا , و الكسالى مجتهدين , غير المنظمين يصبحون هم المنظمون . لكن كم سيستمر هذا ؟ قد تؤدي صعوبات الإنتاج و تأثيرات النزاع الأهلي إلى توزيع منتجات معينة بطريقة الحصص ( التقنين ) لفترة من الزمن , الأمر الذي قد يؤدي إلى كنز هذه البضائع و بالتالي إلى المزيد من شحها . إن التضامن و التضحية بالنفس هي بالفعل جانب من الطبيعة الإنسانية , لكن الانانية و الفردانية هي الجانب الآخر . يفترض سيناريو كروبوتكين درجة غير واقعية من الفائض في كل سلعة ليصبح تحقيق الانتقال إلى الشيوعية اللاسلطوية فورا اقتراحا قابلا للتطبيق .
موقف كروبوتكين المتناقض من الأشكال قبل الثورة من التنظيم , و خاصة موقفه المتشكك تجاه اللاسلطوية النقابية كان , كما أعتقد , ضعفا كبيرا في نظريته . فالنقابات الثورية هي مدارس يمارس داخلها الأعضاء المساعدة و التعاون المتبادلين , و يطورون و يثقفون أنفسهم استعدادا لمجتمع ما بعد الثورة . الأخلاق الثورية يجب أن يعاد تعلمها و ممارستها باستمرار و أن تعزز بينما ما نزال نحيا في ظل الرأسمالية . أعضاء الكونفيدرالية الوطنية للشغل ( نقابة لاسلطوية إسبانية , كانت ذات جماهيرية هائلة في العشرينيات و الثلاثينيات من القرن العشرين و لعبت دورا هاما في الثورة الإسبانية و محاولة بناء الحياة , و الاقتصاد و الإدارة في المناطق المحررة من إسبانيا أثناء الثورة على أسس شيوعية تحررية – المترجم ) مثلا بعد سنوات النضال كانوا قد تتلمذوا جيدا على ما تحتاجه الثورة و كان تماسكهم الأخلاقي هو الذي أبقى التعاونيات الزراعية و الصناعية تستمر لفترة طويلة في ظروف معادية بشدة . أصبح كروبوتكين في نهاية حياته داعما ( مؤيدا ) أكثر للموقف اللاسلطوي النقابي , لكنه كان دائما حذرا ضد ما اعتبره تيارات إصلاحية أو بيروقراطية .
هذا يصل بنا إلى المفهوم الذي عكسه كروبوتكين عن اللاسلطوية ( الأناركية ) في كتابه “الاستيلاء على الخبز” و أعماله الأخرى . لا يبدو أنه كان يرى اللاسلطوية ( الأناركية ) كإيديولوجيا سياسية توازي الماركسية مثلا , بل كان يراها كتيار حاضر بشكل دائم داخل المجموعات الإنسانية . تكون اللاسلطوية عندها صنفا ( نوعا , تعريفا ) انثربولوجيا أكثر منه سياسيا بالنسبة لكروبوتكين . في كتابه “المساعدة المتبادلة” بحث في القبائل الأوروبية القديمة , في دول المدن القروسطية ( من القرون الوسطى ) , و في النقابات الحرفية ( أو المهنية في مدن القرون الوسطى و أول العصور الحديثة ) و حتى في عالم الحيوان , عن أمثلة عن التضامن و التضحية بالنفس و المساعدة المتبادلة – أي كل جوانب الفكر اللاسلطوي ( الأناركي ) . في كتابه “الاستيلاء على الخبز” فعل نفس الشيء . سلط الضوء على أحداث من الثورة الفرنسية حيث ظهرت اتحادات العمال لزراعة الأرض معا . و نظر إلى جوانب الاستخدام الكوموني للأرض من قبل الفلاحين الروس و السويسريين إضافة إلى طواقم السفن الانكليزية الذين كانوا يساعدون طوعا البحارة الآخرين الذين يواجهون الخطر . هذه هي الأهمية الحقيقية لكروبوتكين – في مجال التاريخ و الأخلاق . صحيح أن بعض استنتاجاته التاريخية يمكن انتقادها : مثلا لم تكن المدن القروسطية ديمقراطية و مسالمة كما أرادنا أن نعتقد . لكنه أضاء جانبا من التاريخ الإنساني الذي كان قد جرى تجاهله تماما . كان أكاديميو القرن 19 تحت التأثير الهائل للأفكار الداروينية الجديدة التي سعت لتبرير كل من الرأسمالية و الإمبريالية . كان كروبوتكين أحد أوائل الذين حاولوا نقض فكرة “البقاء للأصلح” . النقطة الأساسية في هذا النقض كانت أن البشرية قد حققت معظم تقدمها تحت ظروف التعاون الذي يمتد على طول و عرض كتاب “الاستيلاء على الخبز” .
يحتوي الكتاب كثيرا مما يهم التحرريون اليوم . حيث قارب فيه كروبوتكين مسائل “التعليم الكلي” , الإنتاج الزراعي في المدن , التجارة العالمية , لامركزة الصناعة و أشياء أخرى كثيرة هامة اليوم أيضا . نكرر أنه أحد أعظم الأعمال اللاسلطوية البناءة و واحد من القلة المتاحة باللغة الانكليزية . لا بد من قراءته و دراسته من كل لاسلطوي – نقابي جاد . لكروبوتكين نقاط ضعفه – فقد عجز عن ربط الهدف الشيوعي اللاسلطوي بالقوة التنظيمية للنقابات الثورية , كما فعل التحرريون الإسبان دائما و كما كان التحرريون الفرنسيون في طور فعل ذلك في تسعينيات القرن 19 . لو أنه فعل ذلك لربما كان ماكسيموف و رفاقه الروس في وضع أفضل ليؤثروا في أحداث ثورتي عام 1917 ( هذا في الواقع هو أحد انتقادات الاسلطويين النقابيين أو السينديكاليين الرئيسية للشيوعيين اللاسلطويين , الذين يتهمونهم بالمقابل بأنهم يفتقدون بسبب نقابيتهم للقدرة على الانخراط في معارك فكرية سياسية كبرى كالثورات مثلا – المترجم ).

نقلا عن http://libcom.org/library/a-review-of-kropotkins-the-conquest-of-bread

100 عام على التسيير الذاتي المستقل للبروليتاريا , للفيدرالية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) – إيطاليا

ترجمة مازن كم الماز

100 عام على التسيير الذاتي المستقل للبروليتاريا

استعادة ذكرى مرور قرن على ظهور أول السوفييتات

قبل 100 عام , في مايو ايار 1905 في إيفانوفو فوزنيسينك ( ضاحية لصناعة النسيج في مدينة موسكو ) ولد أول سوفييت للعمال . كان برنامج مطالب عمال المنطقة :
– إلغاء العمل الليلي و العمل الإضافي
– حد أدنى للأجور الشهرية
– إلغاء “شرطة المصانع”
– حرية التعبير و حرية التجمع للعمال
تألف السوفييت من 110 مندوبا , و كان له هيئة مشرفة و كانت مهامه :
– إدارة الإضرابات
– الحيلولة دون أية أعمال أو مساومات منفصلة
– ضمان الحفاظ على النظام و تقوية التنظيم بين العمال
– ضمان عدم مواصلة العمل ثانية إلا بقرار من السوفييت
هكذا بدأت التجربة الثورية للبروليتاريا في روسيا القيصرية و التي ستؤدي أخيرا إلى ثورة 1917 . كانت هذه هي “الثورة الروسية الأولى” .
بعد سلسلة من الإضرابات المحلية و تأسيس أشكال تنظيمية عمالية جديدة , في أكتوبر تشرين الأول 1905 تشكل مجلس مندوبي عمال سانت بطرسبورغ . انتخب هذا السوفييت لجنة تنفيذية مؤقتة من 22 عضوا ( 2 من كل منطقة من المدينة , 2 من كل نقابة ) و أصدر جريدة خاصة به . تمكن السوفييت من فرض 8 ساعات عمل يوميا في المصانع . جرى بعدها قمع النضال بكل الوسائل الممكنة المتاحة للسادة , الذين قاموا بإقفال المصانع و طرد 19,000 عامل .

بعد ذلك ظهرت السوفييتات في كل مدن روسيا الصناعية . كان هناك حوالي 50 مجلسا عماليا و ظهرت بعض مجالس الجنود و الفلاحين . نمت حركة الفلاحين الفقراء و العمال الزراعيين مع تطور أشكال النضال التي تراوحت من رفض دفع الضرائب إلى طرد السلطات و ملاك الأرض المحليين .
لذلك كان عام 1905 مثالا شديد الأهمية للبروليتاريا العالمية , تجربة أخرى ذات ارتباط مباشر بالبنى البروليتارية للحكم الذاتي من خلال المجالس ولدت في فرنسا أثناء كومونة باريس 1871 .
نظمت السوفييتات بشكل حصري من قبل البروليتاريين و أديرت و تشكلت منهم حصريا , هؤلاء البروليتاريين الذين ناضلوا في سبيل مصالحهم الطبقية الخاصة . كانت السوفييتات منظمات تهدف إلى الوحدة الطبقية و التسيير الذاتي للطبقة العاملة .
ما عدا المطالب الاقتصادية , كان للسوفييتات سلسلة من السياسات التي كانت تهدف لتغيير المجتمع بطريقة اشتراكية . شهدت السنوات العشر التالية انتشارا متزايدا للوعي الطبقي في قلوب البروليتاريا الروسية .
في الواقع ظهرت السوفييتات مرة أخرى في عام 1917 لتصبح أهم لاعب في “الثورة الثانية” في أكتوبر تشرين الأول , فقط ليقوم الحزب البلشفي , لينين و تروتسكي , بتدميرها , أولا مستخدمينها لأغراضهم الخاصة , و فيما بعد بإزالة أي أثر للسلطة أو للتسيير الذاتي العماليين , و أخيرا بالإلغاء المادي لأية معارضة لديكتاتورية الحزب .
سوفييتات عام 1905 و الفترة بين عامي 1917 – 1921 , مجالس المصانع , مجالس الأحياء , “الثورة الثالثة” لكرونشتادت و الحركة الماخنوفية في أوكرانيا تبقى كمعالم هامة في تاريخ التسيير الذاتي البروليتاري و النضال الطبقي ضد أعداء الثورة , و للمساواة و الحرية . لقد شكلت جزءا من هذه التجارب الثورية للبروليتاريا التي تقوم عليها النظرية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) .

الفيدرالية الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) – إيطاليا
مايو أيار 2005

نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/623

الاشتراكية التحررية إعلان مبادىء

سامح سعید عبود

جذور الاستغلال والقهر

السلطة القمعية التى يمارسها البشر فى مواجهة بشر آخرين لها أسباب واقعية، و ما القهر و الاستغلال سوى نتائج مرة لهذه الأسباب، وأنت لا يمكن أن تقضى على النتائج مع استمرار وجود الأسباب، وهى أسباب لا علاقة لها بإرادة و وعى كلا من المتسلطين والمتسلط عليهم، القاهرين والمقهورين.

السلطة القمعية ليست سلوك يمكن وصفه بالحسن أو القبيح، ترجع لأخلاق من يمارسها، ربما تتدخل الأخلاق فحسب فى مدى سوء أو حسن استخدام السلطة القمعية، فيمكن أن يكون هناك حاكم جيد أو صاحب عمل لطيف أو مدير طيب، إلا أن هذا لا يعنى أن أى منهم لا يمارس القهر والاستغلال على من يخضعون له، مثلهم مثل الحاكم السىء، وصاحب العمل الشرس، والمدير الشرير .

ترجع السلطة القمعية بصرف النظر عن حسن ممارستها من الطيب واللطيف والجيد أو سوء ممارستها من الشرير والشرس والسىء، لسيطرته على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، و هى مصادر السلطة المادية، واحتكارها لنفسه، وحرمان الخاضع لها من السيطرة على تلك المصادر، والمسألة ليست معقدة، و إنما يمكن أن يفهمها ويلاحظها كل إنسان.

فمن يملك وسائل الإنتاج يتحكم فى المحروم منها، برغم المساواة القانونية بين المالك الحاكم، والمحروم المحكوم، فمن يملك الطعام قادر على إجبار الجائع على تنفيذ ما يريده هو لا ما يريد الجائع، و الذى لابد وأن يقبل شروط مالك الطعام حتى يعطيه ما يملأ معدته، ويستطيع الجائع أن يخدع نفسه بأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، و هذا صحيح، ولكن بشرط توافر الخبز أولا، فحتى يستطيع الإنسان ممارسة أى نشاط آخر غير الأكل، عليه أولا أن يملأ معدته بالطعام، و إلا لن يكون باستطاعته الحياة ليمارس أى نشاط.

من يملك وسائل العنف سواء كانت تلك الوسائل قوة عضلية أو سلاح قادر على إجبار الأضعف عضليا أو الأضعف تسليحا أو الأعزل من السلاح على تنفيذ ما يريده، وليس على الضعيف أو الأعزل إلا أن يستجيب لإرادة الأقوى لو أراد لنفسه الحياة والسلامة، وينطبق هذا على من يملك سلطة اتخاذ القرار بحكم منصبه كالرئيس والحاكم والظابط والمدير، القادر على اجبار المحكومين المرؤوسين والجنود والعمال على تنفيذ ما يريده هو بصرف النظر عن إرادتهم و رغباتهم .

من يملك وسائل المعرفة على نحو أكبر أو يحتكرها لنفسه دون الآخرين، قادر على السيطرة على من لا يملك منها إلا القليل أو من لا يملكها على الإطلاق، فشخص يعرف الطريق لابد و أن يقود من لا يعرفه للسير فيه، وما دمت لا تعرف إلى أين تتجه فما عليك سوى الاستجابة لنصيحة من يعرف.

هذه هى الأسباب الواقعية للاستبداد والاستغلال، و لا يمكن أن تقام أى علاقات اجتماعية سواء أكانت علاقات عمل أم علاقات أسرية أم علاقة صداقة تخلو من الاستبداد والاستغلال، إلا إذا تساوى الداخلين فى تلك العلاقة فى سيطرتهم على كل مصادر السلطة المادية الثلاثة على نحو متساو، فطالما سيطر أحد أطراف العلاقة منفردا على أى من هذه المصادر فأنه لا مفر من استبداده بالآخرين واستغلالهم، من الذين لا يسيطرون عليها مثله، وهى عملية منفصلة عن نية وأخلاق من يمارسها، ورغم أن هذه بديهيات لا تحتاج للبرهنة عليها، إلا أننا مضطرين لتوضيحها دائما، لأن القوى السياسية التسلطية المختلفة، تدعى دائما، بامكانية تحقيق الحرية الفردية والأخاء والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية دون القضاء على انقسام المجتمع بين من يسيطرون على مصادر السلطة المادية، وبين من لا يسيطرون عليها.

نشأ كل من الاستغلال والقهر عبر التاريخ البشرى إذن من انفصال السلطة القمعية عن إرادة البشر الخاضعين لها، و التى يمارسها الإنسان المتسلط على الإنسان المتسلط عليه، تلك السلطة الناتجة عن سيطرة المتسلطين على مصادر السلطة المادية دون المتسلط عليهم، ذلك لأن كل سلطة هى مفسدة، و كل سلطة مطلقة هى فساد مطلق، فالسلطة الفاسدة بطبيعتها، و فى حد ذاتها، تمنح الفرصة للإنسان المتسلط لأن يمارس استغلاله للإنسان المتسلط عليه وقهره أيضا.

ومن هنا فالقضاء على الاستغلال والقهر، لا يمكن أن يتحقق إلا فى إلغاء أسبابه الواقعية، و هو السلطة القمعية المنفصلة عن إرادة البشر وحريتهم، وذلك لا يتأتى إلا بالسيطرة الجماعية الكاملة على مصادرها المادية الثلاثة أى وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، فلن يتم إنهاء العلاقات الاستغلالية والقمعية بين البشر، بالوعظ أو بالقمع، و لا بأوهام المستبد العادل، و انتظار تحلى البشر بالحكمة وحسن الخلق، والحكمة تقتضى أن عليك أن تقضى على الجرثومة المسببة للمرض بدلا من مجرد تخفيف الأعراض الناتجة عنها، و الجرثومة هى سيطرة الرأسماليين والبيروقراطيين على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، سواء عبر ملكية الأفراد الخاصة أو ملكية الدولة العامة، والجرثومة هى فى استمرار الناس فى الإنقسام بين من يملكون ومن لا يملكون، من يأمرون وبين من عليهم إطاعة الأوامر.

الصراع الاجتماعى

إذا كنت من الذين لا يملكون إلا قوة عملهم اليدوية أو الذهنية، و من المضطرين لبيعها مقابل أجر لإنتاج السلع والخدمات ، وفى نفس الوقت لا تملك سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بعملك، ذلك لأنك محروم من السيطرة على أى مصدر من مصادر السلطة المادية، وهى وسائل الإنتاج والعنف و المعرفة، و إنك بسبب ذلك الحرمان، فأنت مضطر لإطاعة أوامر من يسيطرون على تلك الوسائل ، فأنت إذن بروليتارى من البروليتاريين الذين يشكلون جماعة واحدة فى العالم هى البروليتاريا العالمية، و هم عبيد الاضطرار للعمل المأجور سواء لدى رأسالمال أو الدولة، بالاضطرار للخضوع لهما، و الذين توحدهم مصالح و أهداف و ظروف مشتركة بصرف النظر عن اختلافاتهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية واللغوية والثقافية و الجنسية ، و بصرف النظر عن مستوى تعليمهم ومعيشتهم، وطبيعة عملهم و محل إقامتهم و أوطانهم وأصولهم الاجتماعية.

البروليتاريون يشكلون الغالبية العظمى من السكان فى المجتمعات الرأسمالية، و فى كل العالم المعاصر، و الطريق الوحيد لانتزاع حقوقهم، و حرياتهم، وتحقيق مصالحهم، و أهدافهم المشتركة، هو وحدتهم الصلبة، و نضالهم المشترك فى كل مكان، بدءا من محل عملهم، وحتى العالم بأسره، وعدم سماحهم بتفتيت هذه الوحدة لأى سبب وتحت أى دعوة . فى مواجهة كل هؤلاء الذين يسيطرون على مصادر السلطة المادية سواء الرأسماليين أو البيروقراطيين أو المثقفين المعبرين عن مصالح هؤلاء، و الذين يستغلون البروليتاريين ويضطهدونهم و يقهرونهم و يضللونهم، ويفرقوا بينهم بشتى السبل ليتسلطوا عليهم، ويشكلون بدورهم طبقة أخرى هى البرجوازية العالمية.
المصالح الأولية للبروليتاريا فى ظل المجتمع الرأسمالى، تتلخص فى كفالة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وزيادة ما يمكن أن يحصلوا عليه من إجمالى الناتج المحلى من خلال زيادة حصة عائد العمل “الأجور” بالنسبة لعوائد التملك “الربح والريع والفائدة” ، وهذا مشروط بتوافر درجة عالية من الديمقراطية السياسية والحقوق و الحريات الإنسانية وخاصة النقابية منها التى تتيح للبروليتاريا أدوات المساومة الجماعية مع الدولة و رأسالمال، بما يعنى الإمكانية المستمرة لتحسين ظروف حياتهم وعملهم.

أما المصالح النهائية للبروليتاريا فتعنى تحررها من عبودية العمل المأجور سواء للرأسمال أو للدولة ،وخضوعها لأى منهم، وذلك لا يمكن أن يتم إلا بسيطرتها الجماعية على كافة وسائل الإنتاج و والعنف والمعرفة، وإدارتها لشتى شئون المجتمع لصالحها، بواسطة المجالس العمالية والنقابات العمالية والتعاونيات العمالية فى مواقع العمل والمناطق السكنية، و اتحادات تلك المجالس والنقابات والتعاونيات طوعيا من أسفل لأعلى. فإذ كنت بروليتارى وفق التعريف السابق فهذا البيان يتوجه إليك، و إلى كل زملاءك البروليتاريين، ونحن نطمح أن يكون هذا البيان أداة من أدوات كثيرة مطلوبة لتوحيد كل البروليتاريين الناطقين بالعربية، كعملية جزئية من عملية أشمل هى توحيد البروليتاريا العالمية باعتباره الطريق الوحيد لتحررها.

نحن نعرف بالطبع أن هذا الطريق وخصوصا فى منطقتنا بالغ الصعوبة، وأنه يحتاج لخطوات كثيرة لعل أولها أن يتحد البروليتاريون فى منظمات عمالية ديمقراطية ومستقلة عن كل من الدولة ورأسالمال، و ذلك لتنظم نضالهم من أجل مصالحهم وأهدافهم المشتركة ، سواء الأولية منها أو النهائية، بداية فى كل وحدة إنتاج وخدمات ثم فى كل حى و مدينة وقرية و إقليم ودولة، وهكذا وصولا للوحدة العالمية للبروليتاريا العالمية، و لأن هذه المنظمات غائبة فى معظم بلدان المنطقة، و من ثم فالمطلوب عملية شاقة تحتاج لنضال دؤوب ومركز وطويل على كل بروليتارى واعى بوضعه الطبقى أن يشارك فيها ما وسعه الجهد.

إننا ننطلق فى رؤيتنا من أن الصراع الاجتماعى الجوهرى الذى لا يجوز أن يسبقه أو أن يحل محله أى صراع اجتماعى أو سياسى آخر هو الصراع بين الطبقتين الاجتماعيتين الرئيسيتين فىى العصر الحديث (البروليتاريا والبرجوازية).

البروليتاريون، هم المحرومين من السيطرة على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وانتاج المعرفة، والذين لا يملكون سوى قوة عملهم، والمضطرون لبيعها مقابل أجر، و لا يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياتهم وعملهم.

البرجوازيون، على النقيض من البروليتاريا، يسيطرون على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وإنتاج المعرفة، ويملكون سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف عملهم وحياتهم، وينقسمون إلى الرأسماليين وهم ملاك وسائل الإنتاج والثروة الذين يشترون قوة العمل المأجور و البيروقراطيين وهو كبار الإداريين والساسة الذين يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياة البروليتاريا وعملها .

سبب الصراع بين الطبقتين هو أن البروليتاريون هم عبيد العصور الحديثة، والبرجوازيون هم سادتها، وأن من مصلحة البروليتاريا أن تتحرر من تلك العبودية للبرجوازيين، ومن ثم فسوف يبقى الصراع بين الطبقتين طالما بقيت تلك العبودية.

تتواجد بين الطبقتين طبقة وسطى من المهنيين والحرفيين والمزارعين والفنيين المستقلين الأحرار الذين لا يعملون لدى أحد، ولا يستأجرون عمل الآخرين، وهم البرجوازيون الصغار الذين يمكنهم التحالف مع البروليتاريا أو البرجوازية حسبما تقتضى مصالحهم، ومن مصلحة البروليتاريا فى إطار صراعها مع البرجوازية أن تدفعهم للتحالف معها.
البروليتارى فى تعبير آخر هو المحروم من السلطة نظرا لحرمانه من السيطرة على مصادرها المادية، أى وسائل الإنتاج والعنف المادى أو المعنوى والمعرفة، و البروليتاريون ومعهم البرجوازيون الصغار هم خالقوا كل القيم المادية والمعنوية، وكل الثروات، وهم المحرومون منها فى نفس الوقت، فكأنما يخلقون بأنفسهم القيود التى تكبلهم بها البرجوازية، لأنهم لا يسيطرون علي الثروات التى يصنعوها بأنفسهم، ومن البديهى أن البروليتاريون لن يتحرروا من عبوديتهم للبرجوازيون سوى بسيطرتهم الجماعية على مصادر السلطة المادية.
الرأسمالية تقوم على استعمال العمل المأجور لإنتاج السلع وتقديم الخدمات، وتستولى لنفسها على الجزء الأعظم من الثروات التى تنتجها قوة العمل البشرى، وأى تجاوز للرأسمالية يعنى إلغاء و تجريم نظام العمل المأجور، كما سبق وألغت وجرمت البشرية العمل الجبرى والمجانى والعبودى بالقضاء على العبودية والإقطاع، وأى مشروع للتغيير الاجتماعى يحافظ على نظام العمل المأجور هو مشروع رأسمالى، وأى يسار لا يهدف إلى إلغاء نظام العمل المأجور و لايدينه هو يسار برجوازى و زائف، وعمليا لا يمكن إلغاء نظام العمل المأجور إلا فى النظام الاشتراكى التحررى.

النظام الاشتراكى التحررى

النظام الاشتراكى التحررى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر والمساواة فيما بينهم، يتأسس على الملكية التعاونية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما فى اشتراكية الدولة، ولا الملكيةالخاصة الرأسمالية كما فى الرأسمالية، و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب صفاته الجسدية والعقلية و مكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة، تماما مثلما يجب أن نحترم حقيقة تميز الجماعات البشرية المختلفة ثقافيا ودينيا ولغويا.

أن هذا الإنسان الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها و لا اختيار، سواء الصفات الوراثية أو الأوضاع الاجتماعية، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى تعاونية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط، ومن ثم تتعدد التعاونيات التى يمكن أن ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته، ولهذا فلابد أن يكون باب العضوية مفتوح لكل من يطلب عضوية تلك التعاونيات بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي .

يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى إذن بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع ، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من تعاونيات، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع التعاونيات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية وإئتمانية وتأمينية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية، لتشمل كل أوجه النشاط البشرى المختلفة، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته، وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، و تتحدد وفق إرادته الحرة.

يقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك التعاونيات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم، بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها، ومن ثم تتعدد التعاونيات بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية واحتياجاتها .

وفيما يتعلق بتنظيم شئون التعاونية فهو كالتالى :-

لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المادية المختلفة حسب الحالة، فيكون للتعاونية حق الملكية الجماعية لكل مصادر السلطة المادية المرتبطة بممارسة نشاطها، من عقارات وآلات وأموال وغير ذلك، والتى لا يجوز تجزئتها على أى نحو، أو تفتتها لملكيات خاصة لأعضاءها الذين يملكون حق الانتفاع بها على نحو متساو، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات خاصة لاستعمالهم الشخصي، بما فيها ملكيتهم لأسهم خاصة بهم يشتركون بها فى رأسمال التعاونية، تتيح لهم حرية الانفصال عن التعاونيات، والانضمام إليها.

تلتزم التعاونية بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية، و تساعد التعاونية التحررية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها كعضو بحصة فى رأسمال التعاونية و بالعمل فيها. على أن يكون لكل عضو فى التعاونية التحررية صوت واحد بصرف النظر عن حصته فى رأسالمال. و لكل عضو أن ينسحب من التعاونية فى أى وقت، على أن يأخذ حصته التى دفعها فقط من رأسالمال التعاونية.

التعاونيات لا تهدف بنشاطها للربح، و إنما تهدف لاستيفاء الحاجات الاستعمالية لأعضاءها، و من ثم يوزع صافى العائد الناتج عن نشاط التعاونية على شكل نسب محدودة يتفق عليها أعضاء التعاونية فى جمعياتهم العمومية على الترتيب التالى. نسبة محدودة لتكوين الاحتياطى المالى للتعاونية، وهو غير قابل للتجزئة على أى نحو، و نسبة محدودة للخدمات الاجتماعية والتعليمية والثقافية التى تقدمها التعاونية لأعضاء التعاونية و المجتمع المحلى، و نسبة محدودة لمكافأة المفوضين بالإدارة عن أعمالهم الإدارية التى أدوه،. و يوزع الباقى من عائد التعاونية الناتج عن نشاطها الإنتاجى للسلع والخدمات على الأعضاء المنتجين، وفق ما أداه العضو من جهد فى الإنتاج. و يوزع الباقى من أرباح التعاونية الناتج عن نشاطها الإستهلاكي للسلع والخدمات على الأعضاء المستهلكين، وفق ما استهلكه العضو من سلع وخدمات.

تتأسس إدارة التعاونية على الديمقراطية المباشرة، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط التعاونية و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط التعاونية، يحق لكل أعضاء التعاونية مناقشته، و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى التعاونية تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين، ويحق لأعضاء التعاونية مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية و إدارية يتخذها أعضاء التعاونية ديمقراطيا، وقرارات و فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم، كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من التعاونية على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم .

تحدد سياسة التعاونية و قرارتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية، وذلك بالأغلبية المطلقة لأصوات الأعضاء. و تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية. و كل أعضاء التعاونية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء. و على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.

الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد، وبناء على ذلك فلكل تعاونية أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم، أو قبلوها مع انضمامهم للتعاونية، وأن تفصل فى كل الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء، وتعاقب على كل المخالفات التى قد يرتكبوها، وتحفظ أمن التعاونية الداخلى.

من هذه التعاونيات الأولية التى تشكل خلايا المجتمع الاشتراكى التحررى، تتشكل اتحادات تعاونية متنوعة بتنوع النشاط البشرى، فيما بين التعاونيات المختلفة أو المتشابهة فى أنشطتها، وذلك من أسفل إلى أعلى، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا، تهم قطاعات أوسع من البشر، وتلبى احتياجاتهم المشتركة، الأمر الذى يمكن أن يتم عبر الاتحاد بين التعاونيات والاتحادات التعاونية من مستوى الاتحادات التعاونية المحلية والإقليمية وحتى الكوكب بأسره، فتنشأ اتحادات تعاونية على أسس جغرافية، وأخرى على أسس اقتصادية أو مهنية أو خدمية أو ثقافية.. الخ .

تقوم الاتحادات التعاونية المختلفة بإدارة المشاريع الكبيرة، و الأنشطة الضخمة، والمرافق العملاقة، وتؤدى المهام التى لا تستطيع القيام بها التعاونيات، فالاتحادات التعاونية هى تعاونية أكبر حجما بين تعاونيات أصغر، و تقوم على نفس الأسس التى تقوم عليها التعاونيات، و التى تنضم للاتحاد التعاونى ، لتلبى المطالب المشتركة لتلك التعاونيات كما ينضم الأفراد للتعاونيات لتلبية مطالبهم المشتركة.

يقوم الاتحاد التعاونى بحل التناقضات والمنازعات والخلافات بين التعاونيات المنضمة له لتحقيق المصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه، وتوفير الاحتياجات المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه، على أساس مبدأ التعاون بين التعاونيات، والتبادل التعاونى للسلع والخدمات. وهذا المبدأ يحل مشكلة التفاوتات التىى يمكن أن تحدث بين تعاونيات غنية وتعاونيات فقيرة بحكم نشاط كل منهما وحجم أعمالها، ويحل المشاكل التى يمكن أن تحدث بناء على تضارب المصالح بين التعاونيات، ويمنع الإضرار بالمصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة للاتحاد التعاونى.

الاتحادات التعاونية تقوم على الانضمام الطوعى للتعاونيات، عبر مفوضين منتخبين من تلك التعاونيات، و يحق لأعضاء التعاونيات المنضمة للإتحاد التعاونى مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم ومقتضيات تفويضهم .

مثلما يحدد أعضاء التعاونيات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى، تحدد التعاونيات المنضمة للاتحادات التعاونية القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى، وأن تعاقب الاتحادات التعاونية المخالفين لتلك القواعد، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين التعاونيات المختلفة، وتحفظ أمن الاتحاد الداخلى.

إذا كانت عضوية الأفراد للتعاونيات وعضوية التعاونيات للاتحادات التعاونية طوعية، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من التعاونيات ، وللتعاونيات من الاتحادات، وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين التعاونيات المختلفة، و التعاونيات للاتحادات التعاونية حرية مكفولة للجميع.

أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية، وليست سياسية، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .

من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة والمتفق عليها للأفراد و للتعاونيات والاتحادات التعاونية.

الاشتراكية التحررية مشروع أممى، ومعادي لكل الحركات السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى، فالاشتراكية التحررية مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم، ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد، وملكيتهم الجماعية المشتركة، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس تمييزى بغيض .

نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات والاتحادات التعاونية يمكنها أن تمارس كل الأنشطة السيادية والإنتاجية والخدمية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة، و يمارسها الرأسماليين، على السواء، بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق والمؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات وبين المنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط لا فى حجم الأعمال ولا فى عدد العاملين بها، و لا فى طبيعة ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات، فكما توجد شركات ومشاريع رأسمالية وحكومية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يمكن أيضا أن تتكون تعاونيات واتحادات تعاونية تحل محلها جميعا.

يمكن للتعاونيات أن تقوم بإنتاج كل السلع، وتقديم كافة الخدمات وأداء المهام السيادية، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات نوعية أو اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات، بعيدا عن مؤسسات الدولة و منشئات رأسالمال.

عندما نشأت الرأسمالية من قلب الإقطاع وسادت العالم بعد ذلك، لم تكن نتيجة فكرة فى عقل المفكرين، ولم تنشأ لأن حزبا ما ناضل من أجل تحقيقها، فقد نشأت الرأسمالية عندما تطورت الورش الحرفية لمصانع، بسبب التطور التكنولوجى، و استئجار أصحاب الورش العمال على نطاق واسع مما قلب العالم الإقطاعى رأسا على عقب، والاشتراكية التحررية لا تقدم نموذج هندسى سابق التخطيط، وإنما تستند رؤيتها للتغيير الاجتماعى على التعاونيات باعتبارها نموذج قائم فعليا فى الواقع كبذرة يمكن لها النمو لتصبح النظام السائد بعد زوال الرأسمالية والدولة الحديثة المرتبطة بها، وتدخلنا النضالى من أجل تحقيق هذا هو إزالة التشوهات الرأسمالية والبيروقراطية منها، والنضال من أجل أن تكون النظام السائد، ومن ثم لا يمكن وصف رؤيتنا بالخيالية كما يزعم خصومنا فنحن لسنا هواة هندسة اجتماعية لتناقض الهندسة الاجتماعية أساسا مع احترامنا للحرية الفردية والكرامة الإنسانية.

هذا هو الإطار العام لأهداف الاشتراكية التحررية ومبادئها، الذى يحمل بداخله إمكانيات الاختلاف فى التفاصيل بين متبنيه .

أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، ويزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية، إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية، ومن الأوهام والأساطير السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها..وهو ما يعبر عنه برنامجنا النضالي المرحلي.

المصدر: http://fasail.blogspot.com/2011/07/blog-post.html

اللاسلطوية ( الأناركية ) كما نراها الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) – بريطانيا

اللاسلطوية ( الأناركية ) كما نراها
الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) – بريطانيا
ترجمة: مازن كم الماز


مقدمة

العالم الذي نعيش فيه عالم غير معقول ( لا يخضع للعقل ) . حيث يجوع الملايين في العالم الثالث بينما يراكم المجتمع الاقتصادي الطعام الذي لا يجد من يشتريه . يستخدم قادة العالم العنف لتعزيز السلام . تقاتل الشعوب الصغيرة جيرانها في سبيل أجزاء صغيرة من الأراضي . تضع الحكومات المكاسب قصيرة الأمد قبل الحفاظ على موارد الكوكب . تكدح الغالبية العظمى من العالم من أجل البقاء بينما تعيش قلة صغيرة في ترف بلا حدود . الفقراء مضطهدون في كل مكان من العالم , بينما يواجه النساء و السود اضطهادا و صعوبات إضافية .
في مواجهة هذا الجنون تقترح الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) عالما مختلفا بالكامل . عوضا عن النهب ندافع عن التعاون . و يجب استبدال الفقر المصطنع بالوفرة للجميع . يجب أن نعيش في تناغم مع الكوكب , لا ضده . نظام الحكومة و الاستغلال الذي اعتبر بديهيا يجب التخلص منه . إن عالما أفضل ممكن . نريد هنا أن نشرح ما هو البديل الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) , فعوضا عن أن يكون مجرد حلم طوباوي , إنه في الواقع يقدم أفضل حل ممكن , عقلاني و عاقل لمشاكل العالم .

1 – نظام عفن

نعيش في عالم غني و مزدهر . عندما تفكر في الفقر في هذا العالم يبدو من الصعب تصديق أنه يوجد هناك أكثر مما يكفي للجميع . ينتج من الغذاء ما يكفي في الواقع ليطعم كل العالم 3 مرات أكثر مما هو عليه الآن . لكن ما يزال هناك أناس لا يحصلون على هذا الغذاء , بينما يستطيع البعض إنفاق الملايين على الحفلات و المآدب لأصدقائهم الأثرياء . حقيقة أننا نعيش في عالم تسيطر عليه طبقة واحدة شيء واضح لكل شخص . لكن ما الذي نعنيه بالطبقة ؟ بأبسط ما يمكن , هناك طبقتان : أولئك الذين يلعبون دورا رئيسيا في السيطرة على ثروة و موارد العالم , طبقة السادة الرأسماليين و أولئك الذين عليهم أن يعملوا أو أن يحصلوا على المعونات لكي يبقوا على قيد الحياة , أي الطبقة العاملة .
النظام الطبقي هو جزء ضروري و أساسي من النظام الاقتصادي الذي يؤثر على حياة كل شخص بسيط في العالم . يسمى هذا النظام ب”الرأسمالية” و رغم أنه يغير شكله من وقت لآخر , فإنه قد أصبح القوة المهيمنة في المائتي سنة الأخيرة . ذات قدرة عالية على التكيف , و فاسدة و تمتد لتشمل لكل شيء في نفس الوقت فإن الرأسمالية ترى من قبل كل شخص تقريبا على أنها طبيعية و حتمية . لكن الأمر ليس كذلك .
رغم أن الرأسمالية نظام عالمي للاستغلال و اللصوصية حيث تعمل الشركات متعددة الجنسيات في كل مكان , فإن أساسه بسيط جدا . حيث ينتج الثروة في الأساس الناس الذين يستخدمون الأدوات ليحولوا المواد الخام المأخوذة من الطبيعة . فقط لكي يبقوا على قيد الحياة يجبر العمال على أن يبيعوا عملهم ( ما يسمى “بعبودية العمل المأجور” ) و ذلك بسعر السوق . في أثناء عملهم يصنع العمال البضائع التي هي جزء من الحياة اليومية و يوفرون الخدمات . لكن المكافأة التي يحصل عليها العمال بشكل أجور أقل من قيمة المنتجات و الخدمات التي أنتجوها .
الفرق في القيمة بين ما أنتجه العمال و ما يكسبونه هو أساس الربح الذي يذهب إلى الرأسمالي . بهذه الطريقة يتعرض العمال في كل مكان للسرقة من حصتهم في موارد الأرض و من قيمة عملهم . بهذا المعنى فإنهم يتعرضون للاستغلال . من خلال تجميع قيمة ( فضل قيمة – المترجم ) عمل ملايين العمال , يزيد الرأسماليون من ثروتهم و قوتهم .
الرأسمالية هي نظام للمنافسة الشديدة ( العنيفة ) و هي نظام غير مستقر إلى حد كبير . تقود الرأسمالية إلى أزمات اقتصادية متكررة يمكن فيها للرأسماليين فقط أن ينجوا ( يبقوا ) على حساب العمال . عندما تتراجع الأرباح , يطرد العمال , و تتشكل حالة من البطالة الجماعية التي هي ميزة واسمة لحياتنا اليوم .
تنتج الرأسمالية الأشياء مقابل الربح عوضا عن أن تفعل ذلك في سبيل الحاجة ( لتلبية الحاجات ) . لذلك عوضا عن أن تنتج عددا قليلا من المنتجات المفيدة , تحاول الشركات باستمرار أن توسع عدد منتجاتها في سبيل الربح . لذلك نجد في الأسواق المركزية ( السوبرماركت ) دزينات من مزيلات الروائح , معاجين الأسنان , بودرة الغسيل . الأسواق المركزية ( سوبرماركت ) مثل تيسكو , سينسبري و أسادا جمعها تبيع نفس المنتجات تقريبا و لجميعها نفس الحافز : أن تجعل المستهلكين يشترون بضائعها . عوضا عن أن تهتم بتوفير الأشياء الضرورية لبقائنا فإنها تهتم فقط بجني الأرباح . لا يكفي أن تكون جائعا , يجب أيضا أن تملك المال و سيفضل صانعو الأرباح ترك الطعام يتعفن من أن يطعموه للجوعى و الفقراء ( مجانا – المترجم ) .
هذا يصبح صارخا ( واضحا ) أكثر عندما تكنز دول المجموعة الأوروبية جبالا من اللحم و الزبدة و الحبوب بينما تضرب المجاعة الرهيبة أجزاءا كبيرة من أفريقيا . في هذا السياق فإن كل الأفعال الخيرية غير ذات أهمية . إن خلق جبال الغذاء هو نتيجة للنقص المفروض , الذي يعني في السوق , أسعارا أعلى و أرباحا أكثر . يفضل بيروقراطيو المجموعة الأوروبية رمي جبال الغذاء هذه في البحر عن أن يهددوا الربحية أو الأرباح . هذا الشيء يحدث في كل العالم .
بحثا عن الأرباح انتقلت الرأسمالية إلى عصر الاستهلاك . يطلب إلينا أن نشتري و نشتري و نشتري . حتى الأطفال ليسوا آمنين من المعلنين الذين يقتحمون بيوتنا و يغطون كل بقعة متاحة بلوحات إعلاناتهم و شعاراتهم و شارات متاجرهم . لا تستطيع الصحف و المجلات البقاء ما لم تحشى بالإعلانات . بمساعدة المصادر التكنولوجية الهائلة تخلق الرأسمالية منتجات جديدة تتفوق على السابقة . انظر فقط إلى تغير تكنولوجيا الكاميرات على مر السنين . إن أعجوبة السنة الماضية التكنولوجية قد أصبحت لاغية اليوم . علينا أن نشتري آخر منتج , أفضل منتج .
نزعة استهلاكية كهذه لا تقتصر على البلدان الغربية “المتقدمة” . حتى أفقر المدن الأفريقية تغطيها الإعلانات التي تحث الناس على شراء منتجات غير نافعة و حتى خطيرة . لكنها الطبقة العاملة في العالم الثالث هي التي تعاني أشد من غيرها بسبب الرأسمالية العالمية , بينما تحصل الطبقة الحاكمة هناك على نصيبها من الثروة . فمواردها منهوبة – انظر إلى قتل الغابات المطرية – , و يجبر عمالها على الحياة بمستوى يسمح لهم فقط بالبقاء على قيد الحياة . أجزاء كثيرة من أفريقيا لا تستطيع أن تطعم شعوبها , لكنها تزرع الغذاء لغايات التصدير . أصبح جنوب شرق آسيا مكان العمل الشاق للعالم و مبغى العالم في نفس الوقت . في كل مكان , تخترق الرأسمالية كل جوانب الحياة . الكوكا كولا و سندويشات همبرغر ماكدونالد هي رموز حقيقية “للنظام العالمي الجديد” .

2 – السيطرة الاجتماعية

نتيجة للحياة في ظل نظام كهذا , يصاب كثير من العمال بالحيرة ( التشوش ) بشكل طبيعي , لدرجة أو أخرى , في معظم الوقت . للحفاظ على السلام و النظام في المجتمع , ظهرت مجموعة كاملة من الأساليب للسيطرة على البشر . أكثرها قوة هي الدولة , مع ذلك توجد تقنيات السيطرة الاجتماعية في كل مستويات المجتمع .
تعمل الدولة متحالفة مع الرأسمالية , التي تتقاسم معها كثيرا من المصالح المشتركة . تقدم الرأسمالية للدولة نظاما اقتصاديا يمولها من خلال الاستغلال . الدولة بدورها توفر نظاما يسمح للرأسمالية بالقيام بأعمالها بشكل جيد . في بلدان مثل الصين , كوبا , كوريا الشمالية , الخ , فإنهما تندمجان في نظام واحد , إن أفضل وصف له هو “رأسمالية الدولة” .
الدولة هي في الأساس نظام للعنف المنظم للحفاظ على هيمنة الطبقة الرأسمالية الحاكمة . لكن النظام أفضل ما يحقق من خلال قبول الناس , أكثر منه من خلال القوة العارية ( المباشرة ) . بالنتيجة , تحتوي الدولة المعاصرة على عناصر تهتم بمحاولة جعلنا نفكر بطرق معينة و نتصرف كمواطنين مطيعين . للدولة أيضا وجه لطيف ظاهريا في أنها توفر منافع رفاهية يفترض أن تكون لمساعدة الفقير , المريض و المتقدم بالسن .
عبر أساليب الحكومات التي تعمل داخل النظام البرلماني و الخدمة المدنية , تسيطر الدولة على عملياتها . القوات المسلحة , م آي 5 ( اختصار للمخابرات العسكرية البريطانية , القسم أو الفرع 5 – المترجم ) , م آي 6 ( المخابرات البريطانية الخارجية – المترجم ) , قوة الشرطة , المحاكم و السجون , جميعها تعمل لتسيطر علينا جسديا ( ماديا ) . إنهم عملاء وحشيون ( قساة ) يوقعون العقاب بنا إذا حاولنا مناقشة “حقهم” في حكمنا . إن الدولة و قوات القمع التابعة لها ليست محايدة بأي حال من الأحوال و تعارض بقوة النضال في سبيل التحرر .
دولة الرفاه , منظومة المدارس و العمال الاجتماعيين , الخ , يبدو أنهم جميعا يحملون مصالحنا في قلوبهم . لكنهم في الواقع أشكال مختلفة و أكثر تخفيا فقط للسيطرة أو أنها قد أصبحت ضرورية لأسباب اقتصادية .
توجد الخدمة ( الرعاية ) الصحية أساسا للحفاظ على قوة عمل جيدة الصحة لكن فقط للدرجة التي يحتاج فيها النظام إلى عمال أصحاء ليعملوا . تناول الكحول و السجائر سببان هامان للمرض , لكنهما يمنحان للدولة قدرا كبيرا من المال بشكل ضرائب . و لذلك لم تكن هناك أية محاولة جدية لتقويض ربحية هاتين الصناعتين . الأرباح تأتي قبل الصحة .
بشكل مشابه , فإن منظومة التعليم , بطريقة أكثر وضوحا , تنظم لتؤمن قوة عمل يمكن أن تقرأ و تكتب و تقوم بالحسابات الأساسية , إضافة إلى تعلم كيف تطيع الأوامر و تقبل السيطرة من الأعلى . يملأ المعلمون رؤوس تلامذتهم الصغار بالأفكار المقبولة من طرف الطبقة الحاكمة .
هذه الأفكار تعززها وسائل الإعلام الجماهيرية بما في ذلك التلفزيون , الراديو , صناعة الأفلام , و المجلات . يقومون فيم بينهم بخلق منظومة أفكار تعرف عادة ب”الحس ( الرأي ) العام” . الحس ( الرأي ) العام هي منظومة القيم الدارجة للطبقة المستغلة التي تقف في مواجهة الطبقة العاملة . هكذا فإن القومية , الدين , الوطنية , العنصرية و التمييز الجنسي التي تضعف من تضامن الطبقة العاملة تصبح شائعة بين الطبقة العاملة ذاتها .
كل هذه العوامل تساهم في الوهم بأن هناك حرية , عدالة , مساواة و ديمقراطية بينما تقوي في الحقيقة قبضة الرأسمالية و الدولة . خذ “الديمقراطية” كمثال . أيا كان الحزب الذي “يربح” الانتخابات العامة , فإن الرأسمالية و الدولة تبقيان بمنأى عن أي تأثير أو تغيير إلى حد كبير . ستبقى الطبقة العاملة عرضة للاستغلال و الاضطهاد و سيحتقظ الأغنياء و الأقوياء بامتيازاتهم . بما أن حزب المحافظين منخرط بشكل أكثر مباشرة في إقامة الهيمنة , فإنه في موقع أفضل للنجاح في الانتخابات . أما حزب العمال , حتى عندما يعطى فرصة الحكم , فإنه يتصرف مثل عميل أليف للرأسمالية .
خارج الدولة توجد منظمات تدعي تمثيل مصالح الطبقة العاملة بينما تساعد في حقيقة الأمر في الحفاظ على منظومة الاضطهاد و الاستغلال . النقابات هي أمثلة على هذه المنظمات . أولا إنها تضعف أي إحساس بالهدف و التضامن داخل المعامل و الصناعات بتقسيم العمال حسب مستوى مهارتهم . هذا يؤبد الاختلافات في الدخل و الوضعية ( الاجتماعية ) داخل الطبقة العاملة و يخلق “أرستقراطية عمالية” . ثانيا تنظم النقابات غالبا على أساس الصناعات و بهذا فإنها تقسم النضال . كم مرة كسرت الإضرابات في صناعات مختلفة , فقط لكي يستفرد بها واحدة تلو الأخرى ؟
النقابات هي أيضا منظمات بيروقراطية ذات مصالح منفصلة عن مصالح العمال الذين تدعي قيادتهم . يريد أعضاء النقابات أن ينتصروا في الإضرابات , يريد قادة النقابات أن يحافظوا على نمط حياتهم المريح . عندما يتعارض هذان الاثنان , يتعرض العمال للخيانة . بيروقراطيات النقابات منخرطة بشكل عميق في الرأسمالية من خلال استثماراتها , ملكيتها الخاصة , الخ .
كل عملية التفاوض بين النقابات و الإدارة ( التي تعرف بالمفاوضة الجماعية ) تخدم فقط في أفضل الأحوال حصول العمال على بعض الفوائد الإضافية بينما تحافظ على منظومة الاستغلال سليمة .
على مستوى آخر تتصرف العائلة كعدو هام جدا في أيدي من يسيطرون علينا . يتعلم الأطفال غالبا من آبائهم ( كما فعلوا هم من آبائهم أيضا ) أفكار سيطرة الذكر , العنصرية , الوطنية و ضرورة الهيمنة و الخضوع . الطرق التي يقدم فيها الناس لبعضهم البعض تعزز غالبا من هذه المظالم الفردية التي يجب تحديها .

3 – تغييرها كلية

عندما تكون قد قرأت كل ما سبق قد تكون الآن تتساءل ما الذي يمكن فعله للإطاحة بأنظمة السيطرة و الاستغلال التي تسيطر على كل جانب من حياتنا . هل التغيير ممكن حقا ؟
الجواب هو نعم بالتأكيد ! توجد الدولة و سائر المنظمات ( التنظيمات ) القمعية بالتحديد لأن هذا التغيير ممكن . إن النظام الرأسمالي في حالة دائمة من الأزمة . لدرجة ما فإن الصيرورة ( الحركة ) المستمرة من الازدهار و الركود هي جزء من كيفية عمل الرأسمالية التي تساعدها بتأكيد البقاء للأصلح فقط . من جهة أخرى فإنها تعني عدم الاستقرار الدائم و احتمال قيام انتفاضات العمال مع تزايد فشل الرأسمالية في الوفاء بوعودها .
كانت بريطانيا في الثمانينات و التسعينيات تتميز بانتفاضات محلية دورية ضد الشرطة , و البطالة , ضد الملل و ضريبة الفرد . لكن هذه محدود مقارنة بما حدث في الماضي و ما يمكن أن يحدث في المستقبل . داخل هذه العملية من التغيير الاجتماعي الراديكالي تقع الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) . لكن ما هي الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) ؟
باختصار ( سنشرحها أكثر في الفصل التالي ) , يريد الشيوعيون اللاسلطويون ( الأناركيون ) أن يروا تدمير النظام الحالي الذي يخدم الغني و القوي . نريد خلق عالم ينظم لتلبية الحاجات الأساسية لكل البشرية , حيث تعود كل منتجات عمل الجميع للجميع ( أي الشيوعية ) . نريد أيضا أن نرى إلغاء سلطة الطبقة الحاكمة . ستتم السيطرة على المجتمع من قبل جميع البشر من خلال منظماتهم الخاصة ( اللاسلطوية أو الأناركية ) . لكن أليس هذا كله حلم جميل ؟

إرث الطبقة العاملة

ليست اللاسلطوية ( الأناركية ) نتاج عقول بعض المفكرين الذين لا تواصل بينهم و بين الجماهير العريضة من البشر . إنها تنشأ مباشرة من نضالات العمال و المضطهدين ( بفتح الهاء ) ضد الرأسمالية , من حاجاتهم و كل رغباتهم غير المتحققة للحرية , و للمساواة , للسعادة و الإشباع الذاتي . في الماضي في كل مكان حدثت فيه الثورات ضد السادة , ظهرت الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) و أشكالها للتنظيم , و لو لبعض الوقت فقط , غالبا دون أن تسمي نفسها لاسلطوية ( أناركية ) .
في الثورة الانكليزية للقرن 17 , فإن جماعات مثل المساواتيين ( مجموعة سياسية ظهرت أثناء الحرب الأهلية الانكليزية دعت إلى المساواة و إلى التسامح الديني – المترجم ) , المفرطين ( المفرطون في الكلام هو الترجمة الحرفية لهذه الفرقة المسيحية التي ظهرت في القرن 17 و اعتبرتها الكنيسة فرقة مهرطقة , دعوا إلى وحدة الوجود و أعلنوا ان المؤمن متحرر من كل قيد تقليدي و أن الخطيئة نتاج للمخيلة فقط و أن الملكية الخاصة خاطئة , اعتبرتهم الحكومة يومها تهديدا للنظام الاجتماعي – المترجم ) , الحفارين ( مجموعة من الشيوعيين البروتستانت الانكليز الزراعيين , دعوا إلى المساواة و إلغاء الملكية الخاصة , ظهرت في القرن 17 – المترجم ) طوروا فكرة الحرية , المساواة و العدالة . أما أثناء الثورة الفرنسية فإن العمال و الحرفيين الذين طوروا وعيهم الطبقي الخاص بدؤوا بتطوير الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) ( الغاضبون ) . في كومونة باريس عام 1871 خلق العمال الفرنسيون في الواقع تنظيمات السلطة الجماهيرية التي تحدت النظام القديم لفترة محدودة من الوقت قبل أن يجري إغراقها في الدماء . في الثورات الروسية لعامي 1905 و 1917 طور العمال و الفلاحون بنى شبيهة لتلك من السلطة الديمقراطية المباشرة مثل مجالس العمال و لجان المعامل . ليس لهذا بالمناسبة أي علاقة باستيلاء البلاشفة على السلطة في أكتوبر تشرين الأول 1917 . بنفس الطريقة أقام العمال في الثورة الهنغارية لعام 1956 مجالس العمال عندما واجهوا مضطهديهم “الشيوعيين” . في أيام مايو أيار من عام 1968 في فرنسا تم الاستيلاء على المعامل و الجامعات و في كثير من الحالات أديرت هذه وفق قواعد قريبة من القواعد اللاسلطوية ( الأناركية ) .
من حركات العمال ( الشغيلة ) هذه تطورت اللاسلطوية ( الأناركية ) كقوة بين أكثر العمال وعيا طبقيا . بدأت في القرن 19 في الأممية الأولى , حيث ظهر تيار لاسلطوي ( أناركي ) متمايز , تحت تأثير الثوري الروسي ميخائيل باكونين و أصدقائه و رفاقه .
منذ ذلك اليوم كان للاسلطوية ( الأناركية ) تأثير هام على حركات الطبقة العاملة على امتداد العالم , من أمريكا اللاتينية إلى ألمانيا و السويد , إلى الصين و اليابان . و أصبحت متجذرة عميقا و مؤثرة في منظمات النضال الطبقي للعمال في إيطاليا , إسبانيا و البرتغال . و لعبت دورا في كل الثورات المعاصرة الكبرى .
دافع اللاسلطويون ( الأناركيون ) و ناضلوا دوما عن حاجة العمال ( الشغيلة ) لتولي زمام المجتمع و إدارته , و أن يأخذوا في أيديهم السيطرة على معاملهم . و حذروا من إمكانية تسلق أي حزب أو آخرين إلى السلطة على ظهور الطبقة العاملة أثناء هذه الفترات الثورية .
أثناء الثورة الروسية عام 1917 ما حذر منه اللاسلطويون ( الأناركيون ) من أن النضال قد جرى اختطافه من قبل المحترفين و السياسيين المحترفين قد ثبت أنه حقيقي . لعب المناضلون اللاسلطويون ( الأناركيون ) دورا فاعلا و هاما بين الجنود المجندين , الذين رفضوا مواصلة القتال في الحرب العالمية و شاركوا في الاحتجاجات في المدن و الريف . و ساعدوا في إسقاط النظام القيصري و حكومة سياسيي الطبقة الوسطى التي جاءت بعده .
مع تقدم عام 1917 أصبح العمال أكثر كفاحية و راديكالية . و استولوا بحماسة على إدارة المعامل و طالبوا بوضع نهاية لنظام الهيمنة القديم . و استولى الفلاحون على الأرض و عاد الجنود من العمال و الفلاحين إلى بيوتهم . الشعار اللاسلطوي ( الأناركي ) “الأرض لمن يعمل بها , المعامل لمن يعمل فيها !” و “كل السلطة للسوفييتات ( و هي مجالس العمال )” أخذها منهم الحزب البلشفي ( الشيوعي ) . بطريقة ماهرة و سريعة خدع لينين الجماهير ليستولي على السلطة . أصبح العمال خاضعين لديكتاتورية الحزب على الفور تقريبا هذه الديكتاتورية التي أصبحت أكثر وحشية بشكل متزايد مع مر السنين .
كانت الحركة اللاسلطوية ( الأناركية ) أيضا ضحية للقمع البلشفي و أعدم كثير من اللاسلطويين ( الأناركيين ) , و سجنوا أو تم نفيهم . خاف البلاشفة من التأثير المتزايد للاسلطويين ( الأناركيين ) بين الجماهير – كان اللاسلطويون ( الأناركيون ) في الخط الأمامي لإقامة لجان المعامل لإدارة المصانع .
في أوكرانيا لعبت الحركة الماخنوفية , تحت قيادة المناضل اللاسلطوي ( الأناركي ) نستور ماخنو , دورا رئيسيا في هزيمة الجيوش البيضاء ( القيصرية ) , التي كانت تتقدم في طريقها لسحق الحكومة البلشفية في بتروغراد . لقد أنقذت حياة النظام البلشفي حرفيا . لكن هذا لم يعفهم من هجمات لينين و تروتسكي . أجبر الماخنوفيون على القتال على عدة جبهات ضد الأعداء المتفوقين و هزموا في نهاية المطاف . لكن على الرغم من ذلك و في ظروف حربية صعبة للغاية , حاولوا تحقيق الملكية الجماعية للأرض في المنطقة التي كانت تحت سيطرتهم .
أيضا في قاعدة كرونشتادت البحرية , وصم البحارة و الجنود الثوريون , الذين وصفوا في عام 1917 بأنهم “زهرة الثورة” من قبل القيادة البلشفية , في عام 1921 على أنهم من “الثورة المضادة” و “حراس بيض” . ما كانت جريمتهم ؟ لقد انتقدوا ببساطة الديكتاتورية البلشفية على السوفييتات التي كانت قد أصبحت الآن أشكالا فارغة عوضا عن أن تكون منظمات للسلطة العمالية . بحارة كرونشتادت , بردة فعلهم على الوحشية الرهيبة للسياسات البلشفية , و فساد الدولة و مقننات الجوع , كانوا في الحقيقة يحيون القضية اللاسلطوية ( الأناركية ) ضد الدولة . و بسبب هذه الجرأة تعرضوا للمذبحة ( للمجرزة ) .
في إسبانيا عام 1936 واجهت الحركة اللاسلطوية ( الأناركية ) واحدة من أعظم تحدياتها و فتحت المجال أمام ثورة تلهمها الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) . النقابة اللاسلطوية ( الأناركية ) الجماهيرية , الكونفيدرالية الوطنية للشغل , و المنظمة اللاسلطوية ( الأناركية ) الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) الإيبيرية ( في شبه الجزيرة الإيبيرية ) ( أو الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية ) , كانوا في الخط الأول للقتال عندما حاول فرانكو ( مدعوما من الجيش , و الفاشيين , و الملكيين و الكنيسة الكاثوليكية ) الإطاحة بالحكومة الجمهورية . في العديد من المناطق هزمت قوات فرانكو أول الأمر من قبل العمال و الفلاحين المسلحين . في مناطق ككتالونيا و آرغون , سيطر العمال و الفلاحون على شؤون حياتهم , و أصبحت الارض و المعامل ملكية جماعية بينهم . لكن اللاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية , التي كانت قد أسست أساسا حول النقابات , كان يعوزها الإدراك السياسي و سرعان ما كانت عرضة لتلاعب سياسيي الحكومة الجمهورية و “الشيوعية” . أدى هذا للأسف إلى المساومة على الكثير من الموقف و السياسات اللاسلطوية ( الأناركية ) . هزمت اللاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية ليس فقط من قبل الفاشيين و رأس المال الكبير بل أيضا من قبل الستالينيين و بسبب ضعف سياساتها الداخلية نفسها .
خلاصة تطور اللاسلطوية ( الأناركية ) المسجلة هنا تظهر أن التغيير الحقيقي يمكن أن يحدث فقط من قبل العمال الذين تلهمهم اللاسلطوية ( الأناركية ) . اللاسلطوية ( الأناركية ) ليست حلما طوباويا . إنها تيار تحتي ( قاعدي ) دائم الوجود في ممارسة الطبقة العاملة , المهمة المطلوبة هي في جعله التيار الرئيسي . بينما قد يسعى العمال إلى الحلول التحررية لمشاكلهم في الفترات الثورية , فهناك آخرون مثل التروتسكيين و سياسيي الطبقة الوسطى الذين يحاولون استخدامهم لكي يتسلقوا إلى السلطة .
كان اللاسلطويون ( الأناركيون ) سذجا في الماضي . رأوا أعداءهم الرئيسييين ( عن حق ) على أنها الرأسمالية الكبيرة و الدولة لكنهم لم يكونوا واعين بما يكفي للمخاطر التي يمثلها أولئك الذين يدعون أنهم جزء من حركة العمال . لهذا السبب نحتاج إلى منظمة لاسلطوية ( أناركية ) كبيرة حسنة التنظيم و واعية سياسيا . منظمة كهذه ستقدم رؤى بديلة للمستقبل , و ستطور الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) و تقدم حججا ( دفاعات ) معارضة للاشتراكيين الدولتيين و الليبراليين و بقية الأصدقاء المزيفين للطبقة العاملة . إن أعداء اللاسلطوية ( الأناركية ) جيدو التنظيم , و لذلك تحتاج اللاسلطوية ( الأناركية ) لأن تكون أفضل تنظيما . المساعدة بإقامة مثل هذه المنظمة هي مهمة الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) .

4 – اللاسلطوية ( الأناركية ) – مستقبل ممكن

سيكون المجتمع الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) مختلف جذريا عن الطريقة التي نعيش بواسطتها اليوم . لقد غيرت الرأسمالية العالم أبعد من أي خيال أو تصور في المائتي سنة الأخيرة . حاول الرأسماليون و “الشيوعيون” ( رأسماليو الدولة ) الهيمنة على الطبيعة و عند قيامهم بهذا جعلونا أقرب إلى كارثة بيئية . إن أوضاعا كابوسية وشيكة جدا مع إخضاع الطبيعة للتصنيع , و الطاقة النووية , و إطراح غاز ثاني أوكسيد الكربون , إزالة الغابات , الزراعة الصناعية , الخ .
ستعني الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) إعادة تفكير جذرية ( راديكالية ) في كيف ندير حياتنا . سيتعين علينا أن نعيش في تناغم مع الطبيعة , و ليس في مواجهتها . هل نحتاج بالفعل للكثير من السيارات ؟ هل نحتاج بالفعل لعشرين نوعا من معاجين الأسنان ؟ أليست هناك أشكال خالية من التلويث لتوليد الكهرباء ؟ هذه القضايا البيئية و أخرى لا حصر لها يتعين علينا مواجهتها إذا كان للبشر أن يكون لهم مستقبل .
إضافة إلى تغيير علاقتنا بالطبيعة , سيكون علينا أن نغير الطريقة التي نرتبط فيها بعضنا ببعض . كل جوانب حياتنا الآن تخضع للسيطرة من الأعلى ( سيطرة من هم في الأعلى ) . الآلاف يقومون بوظائف السيطرة على البشر من حولهم و تقييد حريتهم . الشباب , الزنوج , المثليون جنسيا , و غير المتكيفين خاصة هم عرضة لتحرش الشرطة . ما أن تدخل المعمل حتى يغيب أي مظهر لسيطرتك الذاتية لصالح الإدارة التافهة و تنمرها ( إرهابها ) . بالنسبة لكثير من النساء و الأطفال فحتى بيوتهم غير آمنة في وجه العنف الأسري .
اللاسلطوية ( الأناركية ) تعني الحرية . يجب ألا يخضع الأفراد لتدخل خارجي طالما أنهم لا ينكرون حرية الآخرين . لكن الحرية لا تكمن فقط في أن تترك لتهتم بشؤونك بنفسك . لكي توجد الحرية الحقيقية يجب أن يكون لدى الناس أمان , بيئة آمنة و حانية ( أو مهتمة ) و وسائل تحقيق كامل الكمون البشري ( الإمكانيات البشرية ) . الحرية تعني إذن أفضل تعليم و رعاية صحية ممكنة لتسمح لنا بأن نحصل على أفضل ما يمكن من حياتنا .

ستتعزز الحرية بأفضل ما يمكن مع تطوير الجماعات ( المجتمعات ) التي يمكن للناس فيها أن يديروا حياتهم بأنفسهم . في ظل الرأسمالية تختفي هذه الجماعات لأن الأفراد و الأسر تغلق على نفسها في بيوتها منعزلة عن الآخرين . في مجتمع لا سلطوي ( أناركي ) ستظهر جماعات ذات أشكال مختلفة , غالبا على أساس العمل أو مكان السكن . هذه الجماعات ستنضم طوعا مع بعضها البعض لتخلق شبكة من المنظمات المستقلة لكن المتعاونة فيم بينها و التي ستدير المجتمع .
هذا النظام المعروف بالفيدرالية سينضم مع مجموعات أخرى من المستوى المحلي إلى العالمي . بإقامة التنظيم الاجتماعي على معاني التضامن و التعاون يمكن للأفراد أن يشاركوا في إدارة شؤون حياتهم بأنفسهم , و أن يشاركوا في توسيع حريتهم .
لذلك سيأخذ البشر , لأول مرة في التاريخ , السيطرة الكاملة على حياتهم . لن يكون هناك مكان لقيادات ( زعامات ) , أو لسادة , و لسياسيين محترفين و موظفين حكوميين . سيقوم الناس بهذه الوظائف بحيث يكون من يمارسها عرضة للاستدعاء الفوري من قبل الناس الذين يخدمونهم .
ستكون اللاسلطوية ( الأناركية ) نهاية “القانون و النظام” كما نعرفه . النظام القانوني الذي يتضمن الشرطة , القضاة , و السجون كوسائل لحماية الأغنياء و الأقوياء من الجمهور العريض للبشر . بعد تدمير انعدام المساواة و الحكومة فإن أجهزة كهذه ستحل . ستدمر السجون , و يتقاعد القضاة و سيعاد تشغيل ضباط الشرطة في أعمال مفيدة اجتماعيا . معظم الجرائم تقع ضد الملكية و سببها انعدام المساواة في الثروة . عندما تصبح الملكية جماعية و يختفي انعدام المساواة , ستختفي الجريمة أيضا . ستبقى هناك عناصر معادية للمجتمع لكن سيجري التعامل مع هؤلاء من قبل تلك الجماعات نفسها على أساس عادل و إنساني .
لقد شوهت الرأسمالية و أفسدت كل علاقة إنسانية . الجشع , البحث عن الثراء , و التقدم في الوظيفة , اختزال البشر إلى وحدات اقتصادية , عزل الأفراد , و ما إلى ذلك , هي كلها نتيجة مباشرة لوضع النقود قبل البشر .
ستلغي الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) الرأسمالية و الملكية الخاصة و تضعها ( أي الملكية ) في أيدي الناس . المباني العامة , المتاجر , المكاتب و المعامل , المستودعات و الأرض ستمتلكها الجماعات لتطورها في صالح الجميع . لكن هذا لن يعني نهاية الممتلكات الشخصية .
تتطلب الشيوعية إلغاء النقود , و إذا سمحت الظروف , توزيع البضائع و الخدمات بحرية على أساس الحاجة الشخصية . بكلمات أخرى سيكون بمقدور الناس أن يحصلوا على أي شيء يريدونه عندما يحتاجونه . إذا كان الإنتاج غير كافي لتوفير هذه الوفرة الضرورية , عندها سيجري التشارك في هذه البضائع و الخدمات بالتساوي لتأكيد توزيعها العادل . أخذا بالاعتبار تكنولوجيا الكومبيوتر الحديثة ستكون هناك القليل من الصعوبات في تخطيط الإنتاج و التوزيع ليتناسبان مع حاجات كل فرد , خاصة إذا لم يكن هناك زيادة ضائعة في الإنتاج التي تميز النظام الحالي .
في الوقت الحاضر فإن العمل بالنسبة لمعظم البشر شيء يراد تجنبه أكثر ما يمكن لكنه أيضا ضروري لتوفير مستوى مقبول للحياة . في الاقتصاد الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) سيجري إلغاء العمل غير الضروري و سيخفض العمل الضروري إلى أدنى حد ممكن ليتناسب مع رغبات البشر . عندها إما أن يقسم العمل غير الممتع بعد أن يخفض إلى أدنى حد ممكن من خلال التكنولوجيا الملائمة أو أن يقوم به أولئك الذين يجدون في أنفسهم الميل لتلك الأعمال . التمييز بين العمل و اللاعمل سيلغى ما أن يمارس البشر مرة أخرى طريقة تناغمية ( منسجمة ) للحياة .
لكن الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) ليست فقط طريقة لنوع جديد من الاقتصاد أو أسلوب جديد للتنظيم الاجتماعي . كعملية ( صيرورة ) مستمرة فإنها تبدأ قبل الثورة و تتطور بعدها , توجد هناك حاجة لمهاجمة كل المعتقدات , الأفكار , المؤسسات و الممارسات التي تحد من الحرية و العدالة . الدين , التمييز الجنسي , التمييز حسب العمر , العنصرية , الوطنية , الجشع و الاستغراق في الذات , جميعها تحتاج لأن يجري التخلص منها , و إلا فإن الثورة لن تكون ذات جدوى . لكن لا يمكننا القيام بما هو أكثر من تلخيص بعض التطورات التي ستحدث ( أو تتلو ) . كثير من الأشياء التي قد تظهر لا يمكننا أن نتنبأ بها الآن و لذلك فإن هذا التلخيص للمجتمع اللاسلطوي ( الأناركي ) ليس بأي حال من الأحوال مخططا “مقدسا” و غير قابل للتغيير .

5 – العالم بين يديك

إذا نظرت للعالم كما هو عليه اليوم بالفعل , مقارنة بالنظام الذي نريد نحن الشوعيون اللاسلطويون ( الأناركيون ) أن نراه , عندها – لنقولها بطريقة معتدلة – نكون قد حددنا حجم عملنا المطلوب ! أن نحدث تغييرا كهذا قد يبدو مهمة هائلة للغاية .
لكن قبل أن نبدأ بالشعور بشيء من الخوف بسبب هذا , تذكر أننا نعيش في عالم يتغير بسرعة . العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يكن من الممكن تخيله قبل 20 سنة فقط . في الواقع , لقد تغير العالم في الخمسين سنة الأخيرة أكثر مما تغير في الخمس مائة سنة الماضية .
أشياء كالاقتصاد و التكنولوجيا تلعب دورا في تشكيل العالم لكن في نهاية المطاف البشر هم الذين يغيرون الأشياء بالفعل . ذكرنا سابقا دولة الرفاه كشكل من أشكال السيطرة . لكن من جهة أخرى فإن أشياء مثل الرعاية الصحية الأساسية وجدت فقط لأن الطبقة العاملة حاربت من أجلها ( رغم أن السياسيين قد ينسبوا الفضل لأنفسهم ) . من دون التهديد بالتحرك لم نكن لنفوز بتلك الأشياء أبدا . الإضرابات أو التهديد بها يساعد في تحسين الأجور و ظروف العمل . من دون الأعمال من جانب طبقتنا فإن الأشياء ستصبح أسوأ فقط . كذلك فإن الضريبة الفردية ألغيت فقط لأن الناس حاربوا و رفضوا أن يدفعوها .
حتى اليوم لدينا القدرة على التغيير إذا عملنا سوية . قوة تحويل المجتمع تكمن في أيدي من يخلقون كل شيء – أي الطبقة العاملة . هذا هو مصدر قوتنا , إذا ما استخدمناه , يمكن لهذه القوة ألا تحقق بعض الإصلاحات فقط بل أن تغير النظام بأكمله , أن تخلق ثورة اجتماعية .

اليسار

ليس الشيوعيون اللاسلطويون ( الأناركيون ) وحدهم من يتحدث عن الثورات . كان هناك الكثير من “الثورات” في الماضي , لكن الرأسمالية ما تزال موجودة . لم توجد الشيوعية الحقيقية في أي مكان بعد , الاتحاد السوفيتي السابق في عنفوان “اشتراكيته” لم يكن شيئا من هذا القبيل . بقيت “شيوعية” الدولة أحد أشكال الرأسمالية ( رأسمالية الدولة ) حيث كان الحزب الشيوعي هو السيد و بيروقراطيو الحزب هم أصحاب الامتيازات .
مع انهيار “شيوعية” الدولة ( رأسمالية الدولة ) في أوروبا الشرقية , قد يفاجئنا أن نجد مجموعات ما تزال موجودة في بريطانيا تريد ان تسير على نموذج الاتحاد السوفيتي . لكن منظمات مثل المناضل و حزب العمال الاشتراكي تستمر في الوجود حاملة نفس الرسالة القديمة , يقولون أن “العمال متخلفون” , “و يحتاجون إلى قيادة منظمات كمنظماتنا” , و يواصلون “هناك أزمة قيادة , نحن فقط نعرف الطريق إلى الأمام … نحتاج إلى الانضباط الحزبي .. إلى حزب يتألف من القادة و ممن يقادون ..” , و ما إلى ذلك .
نموذج الاتحاد السوفيتي السابق لما يسمى بالاشتراكية كان كارثة على الطبقة العاملة في كل العالم . سواء كانت هذه الدول تتبع تعاليم لينين , تروتسكي , ستالين أو ماو , فالواقع هو أن هؤلاء الأنبياء أثبتوا أنهم خصوم وحشيون للطبقة العاملة الحقيقية ( التي تتناقض مع خيالاتهم عن الطبقة العاملة ) . الرسالة واضحة : الطبقة العاملة و المضطهدون , إذا كان من الممكن أن يكونوا أحرارا على الإطلاق , يحتاجون لأن يقوموا بالعمل بأنفسهم , دون هؤلاء القادة الذين نصبوا أنفسهم بأنفسهم .
لو أن هؤلاء الأشخاص كانوا ناجحين هنا أيضا ( أي في بريطانيا – المترجم ) لجاؤوا بأشكال جديدة من الاستغلال و الاضطهاد . سيصرخون عن الاشتراكية و العالم الجديد الشجاع لكنهم هم من سيكون في موقع السيطرة و ليس المظلومين . الاسم الذي يعطونه للنظام سيتغير لكن الاستغلال و الاضطهاد سيستمران .
يستخدم حزب العمال أحيانا كلمة “الاشتراكية” لوصف سياساته , لكن ليس كثيرا ! مرة أخرى فإن حزب العمال لم و لن يكون اشتراكيا على الإطلاق . يوفر حزب العمال عدة مئات من الوظائف لمحترفي الطبقة الوسطى لكنه لم يقدم أي فائدة حقيقية لأي بشر آخرين . رغم قيام عدة حكومات لحزب العمال ( قبل سنوات كثيرة ؟ ) لم يتغير أي شيء . ما تزال هناك بطالة هائلة , اقتطاعات من نفقات الرفاهية , العنصرية و ما إلى ذلك . كانت الرأسمالية تعمل تماما كما كان عليه الحال من قبل .

البديل اللاسلطوي ( الأناركي ) – الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية )

أسست الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) للمساعدة في النضال في سبيل عالم أفضل – عالم دون سياسيين و جنرالات , دون كهنة و سادة . بينما لا نرى أنفسنا على أننا مجموعة من المعلمين الذين يملكون كل الأجوبة , فإننا نعتقد أنه لدينا بعض الآراء و الأفكار المفيدة التي يمكن للطبقة العاملة أن تستخدمها . لدينا أيضا رؤية واضحة عن كيف نحقق عالما ليس فيه استغلال .
في الوقت الراهن فإننا نحاول أن ننشر أفكارنا بين الطبقة العاملة . هذا يعني إنتاج المجلات , الكراسات , الكتيبات , البوسترات , شرائط الكاسيت , الخ , لإيصال الرسالة اللاسلطوية ( الأناركية ) إلى أوسع جمهور ممكن . لكن الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) لا تتعلق فقط بالأفكار الجيدة . الأفكار لوحدها عديمة الفائدة , يجب أن يصار إلى تطبيقها . لذلك تنخرط الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) في الدعم النشيط للمضربين , سكان البيوت , المستأجرين و السجناء , التظاهرات , الاعتصامات , الاحتجاجات , الخ . نحن لا ننخرط فحسب لننشر أفكارنا بل لأننا نؤمن بأن نضالات كهذه و ربطها بالحركات الاجتماعية سيخلق ثقة طبقية في قدرتنا على تغيير الأشياء . إن تعزيز مثل هذه الثقة مهم لأنه يعني أن انتصارا صغيرا اليوم يمكن أن يؤدي إلى انتصار أكبر في الغد .
إننا ننخرط في هذه الأمور كشيوعيين لاسلطويين ( أناركيين ) , بكلمات أخرى إننا ندفع فكرة أن كل النضالات يجب أن يقودها أولئك المنخرطين فيها مباشرة و ليس من قبل أحزاب من السادة أو المحرضين أو بيروقراطيي النقابات , أو قادة المجتمع الذين ينصبون أنفسهم بأنفسهم .
إننا ندعم خلق منظمات قاعدية في كل جوانب المجتمع , مثل مجموعات الطبقة العاملة و المجموعات المستقلة ذاتيا ( المسيرة ذاتيا ) لمحاربة الاضطهاد الجنسي . أيضا فإننا ندعم مجموعات الطبقة العاملة المستقلة ذاتيا من الزنوج و نشارك في النضال ضد العنصرية و الفاشية . في أماكن العمل ندعو إلى بناء حركة مستقلة قوية خارجة عن سيطرة النقابات و الإدارة . في نفس الوقت نسعى لخلق مجموعات لاسلطوية ( أناركية ) ثورية في الصناعات لكي تنشر الرسالة اللاسلطوية ( الأناركية ) . في كل الحالات فإن النضال في سبيل الحرية هو في نفس الوقت نضال ضد الرأسمالية .
تحاول الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) ألا تجعل لأية قضية أو نضال أولوية على القضايا الأخرى . لأنه لوقت طويل كانت الطبقة العاملة مقسمة و محكومة . من الهام جدا ربط كل نضالات الطبقة العاملة لكي نخلق حركة جماهيرية اجتماعية ضد النظام القائم .
و هدفنا على المدى المتوسط هو خلق حركة تضامن هائلة من المقاتلين ضد اضطهاد الطبقة الحاكمة .

ثقافة مقاومة الطبقة العاملة

من المهم خلق الوسائل و وضعها بيد طبقتنا للرد على الهجمات . هذه الأيام لأن النضالات ترى غالبا منفصلة عن بعضها البعض , يجري الاستفراد بها واحدة تلو الأخرى . إن خلق وحدة حقيقية للطبقة العاملة يعني أن الهجوم على أي جزء من طبقتنا سيرى على أنه هجوم عليها كلها .
إننا لا نقول أن حركة كهذه يجب أن تكون دفاعية . إننا من خلال بناء الثقة في أنفسنا كطبقة فإننا نخلق الوسائل لنبدأ بالهجوم الفعلي ضد النظام .
و بالبدء بالهجوم نعني خلق حركة جماهيرية منظمة ذاتيا و خلق مجالس العمال كأسلوب لسلطة الطبقة العاملة و تنظيمها الذاتي . يضاف إلى هذا منظمات المجتمع و السكان الجماهيرية التي تقع تحت سيطرة أولئك المنضوين في و الداعين إلى إضرابات جماعية عن دفع الإيجارات , التظاهرات , الاحتجاجات , و الاضطرابات الاجتماعية . حركة كهذه ستملك القوة لكي توقف آلة الطحن الرأسمالية .
إن طبقة السادة سعيدة بالأشياء كما هي ( حتى مع التأرجحات الاقتصادية الحادة ) . إنهم مرعوبون من أفكار الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) . و عندما نتحدث عن خلق حركة اجتماعية جماهيرية للمقاومة ستقوم بمهاجمة أسس النظام الرأسمالي ذاتها , نعرف عندها من التاريخ أن الرأسماليين سيستخدمون كل قوى الدولة ليوقفوها . هذا لأننا نتحدث عن ثورة اجتماعية . سيحاولون إدخال ليس فقط الشرطة بل الجيش أيضا ( إذا بقي مواليا للنظام ) . سيستخدمون مجموعات الفاشيين , الجواسيس , العناصر الاستفزازية , المرتزقة , أي شيء ليوقفونا .
لهذا فمن المحتمل أن يتلو أي ثورة اجتماعية محاولة للقيام بثورة مضادة من طبقة السادة و طفيلييها . لذا ستتطلب أية حركة اجتماعية انتفاضة مسلحة ضد طبقة السادة . الصراع الطبقي تحت سلطة العمال يمكن أن يضع في الممارسة عدة جوانب من الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) , لكن قد تكون هناك حاجة لإقامة ميليشيات عمالية لكي يدافع العمال عن أنفسهم و ليهزموا الرأسمالية في نهاية المطاف و يدمروها بشكل كامل .
قد يبدو هذا شيئا صعبا شيئا ما , لكن مع اندفاع الرأسمالية نحو المزيد من انعدام الاستقرار الاقتصادي , و الحروب النووية و “التقليدية” , و تدمير البيئة , فإن الأوقات السيئة موجودة بالفعل و هي تصبح أسوأ مع كل دقيقة .

الوسائل و الغايات

إننا نريد مستقبلا لأنفسنا و لأطفالنا – مستقبلا يعد بأقصى درجة من الحرية و من دون استغلال اقتصادي . إننا نؤمن بأننا قد وضعنا الأساس لذلك اليوم . تناضل الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) في سبيل مستقبل كهذا . إننا ننظم أنفسنا اليوم بطريقة تعكس هدفنا النهائي . نحن لسنا بيروقراطية متصلبة ( مثل المنظمات اليسارية ) تدار و تخضع لتلاعب سادة الحزب . في الواقع ليس لدينا موظفون دائمون أو موظفون طوال الوقت و لا لجان مركزية , لا قادة و لا من يقادون . مواقفنا فيما يتعلق بالعديد من القضايا و الأفعال نقررها بالمشاركة المتساوية ( طالما اختار الناس المشاركة ) بطرق متعددة . تتضمن هذه المناقشات المطبوعة في نشرة داخلية , و الكونفرانسات السنوية ( المفتوحة أمام جميع الأعضاء ) , و اجتماعات المندوبين ( المكونة من المندوبين المؤقتين للمجموعات المحلية و الأعضاء الأفراد ) و المدارس النهارية المنتظمة . كل “الموظفين” ( مثل أمناء الصندوق ) ينتخبون لفترات محددة و يمكن تغييرهم من قبل الكونفرنس ( المؤتمر ) أو اجتماعات المندوبين إذا تصرفوا بطريقة غير مناسبة .
الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) , كما يقترح اسمها , هي فيدرالية . المقصود من الفيدرالية أن تعمل بطريقة موحدة لتحصل على أكبر تأثير داخل الطبقة العاملة . لذلك فإن أعضاءها المنضمين إليها يقبلون عددا من الأهداف و المبادئ الأساسية ( المطبوعة في آخر هذا الكراس ) . يشارك الأعضاء أيضا في رسم سياساتنا , و يتحملون مسؤولية مساعدة وضعها في التطبيق . لكن هذا يعني أن المجموعات المحلية و الأعضاء الأفراد سيضعون أهدافهم و أفعالهم في هذا السياق .
تقع مسؤولية إدارة الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) بيد كل أعضائها . إننا نريد أن خلق عالما توجد فيه السلطة بأيدي كل البشر .

الإدارة الذاتية للعمال

ترجمة مازن كم الماز
الإدارة الذاتية للعمال – الأسئلة الأكثر شيوعا

ما هي الإدارة الذاتية للعمال ؟
الإدارة الذاتية للعمال هي طريقة لإدارة مكان العمل ( أي المعمل ) من دون سادة أو تراتبية هرمية إدارية ثابتة . بدلا من ذلك يدار المعمل بشكل ديمقراطي من قبل عماله أنفسهم . لا نعني بالديمقراطية هنا أن ينتخب العمال مديرا ليقرر هو القرارات نيابة عنهم . إننا نعني أن يقرر العمال بأنفسهم كيف سيديرون كل الأشياء كمجموعة . لن يمتلك أي شخص في شركة تدار ذاتيا السيطرة على بقية العمال – سلطة اتخاذ القرارات سيشترك بها كل العمال على التساوي .

كيف تعمل الإدارة الذاتية للعمال ؟
كل معمل مدار ذاتيا سيدار من خلال اجتماعات وجها لوجه لكل من يعمل فيه – تسمى بجمعية العمال . سيقرر عمال كل شركة بشكل جماعي كل القرارات “الإدارية” على أساس عامل واحد – صوت واحد أو على أساس الإجماع . يمكن لعمال كل قسم أن يشكلوا جمعياتهم الخاصة الأصغر , التي سيأخذون فيها القرارات التي تؤثر على أقسامهم فقط , و هكذا حتى أصغر مجموعة من العمال .

ألا تستهلك الإدارة الذاتية للعمال الكثير جدا من الوقت ؟
ليس بالفعل . يتذمر المدراء عادة من أن وظائفهم تستهلك الكثير من الوقت , لكنهم يقضون معظم أوقاتهم في القيام بأعمال إدارية . بينما يستغرقون وقتا قليل نسبيا في اتخاذ القرارات الإدارية الكبيرة .
لكن في المعامل و المصانع الكبرى هناك الكثير جدا من العمال لكي يكون من الممكن أن يجتمعوا في لقاء واحد كل يوم . يمكن لجمعية كل العمال في الشركة أو المعمل أن تجتمع مرة في الأسبوع , أو مرة في الشهر . إنها ستركز على القرارات الكبرى التي تتعلق “بسياسة” الشركة – مثلا تلك التي يرى العمال أنها الأكثر أهمية .

إذن كيف سيتم تنسيق العمل على أساس يومي ؟
سيجتمع العمال في جمعيات أقسامهم و مجموعات عملهم ليتخذوا آلاف القرارات اليومية . سيرسل كل قسم مندوبا إلى “لجنة المعمل” لتنسيق أعمالهم .
المندوبون ليسوا مدراءا محترفين . إنهم عمال عاديون أرسلتهم جمعيات أقسامهم مع توجيهات خاصة ( تفويض ) , يعودون بعدها إلى هذه الجمعيات ليقدموا تقريرا عن المناقشات و نتائجها , و بعد مشاورات إضافية سيعود نفس المندوبين أو مندوبين غيرهم مرة أخرى بتوجيهات جديدة . ما أن ينتهي اجتماع لجنة المعمل حتى يعود مندوبيها إلى أعمالهم اليومية ( المعتادة ) .
أية حلول وسط يجري التوصل إليها في اجتماعات المندوبين تبقى قابلة للتصحيح ( أو للتعديل ) من قبل جمعيات الأقسام . و يمكن استدعاء المندوبين إلى لجنة المعمل أو تغييرهم في أي وقت . لذلك لن تخبر لجنة المعمل العمال ما هي السياسة الرسمية – بل العمال هم الذين سيخبرونها بهذه السياسة . إنها ليست هيئة إدارية , بل وسيلة للتواصل ( الاتصال ) بين الأقسام المختلفة . ليست لجنة المعمل في الواقع هيئة دائمة حتى , بما أن مندوبين مختلفين سيتم اختيارهم لكل اجتماع غالبا , بحيث أن كل شخص في المعمل سيشترك في هذه المهمة .

هل سيكون هناك مدراء ؟
لا . تلغي الإدارة الذاتية للعمال الانقسام ( التقسيم ) الدائم بين المدراء و بين العمال . عوضا عن ذلك سيقوم الجميع بالعمل الإنتاجي الفعلي – إنتاج المنتجات , تصميم هذه المنتجات , صيانة الآلات , جمع المعلومات و ما إلى ذلك – و سيديرون في نفس الوقت و بشكل جماعي أعمالهم الخاصة . تعني الإدارة الذاتية للعمال أن العمال سيديرون أنفسهم بأنفسهم في الواقع , و بالتالي لن يكون هناك مدراء محترفون أو تراتبية هرمية إدارية – فقط عمال عاديون ينسقون أعمالهم كأشخاص متساوين .
لاحظ أن رفض تراتبية هرمية إدارية ثابتة لا يعني بالضرورة رفض القيادة . إذا احتاجت عملية تحميل المتاع على طائرة ما مثلا لقائد فريق , فهذا ما يجب أن يكون . لكن لا يوجد سبب لأن يكون نفس الشخص الذي يقوم بدور القائد اليوم هو نفسه الذي سيقوم به في الغد . بنفس الطريقة قد يتطلب كتابا ما محررا رئيسيا , لكن لا يوجد هناك سبب لأن يكون نفس الشخص ( المحرر ) هو المسؤول عن كل الكتب التي ستصدر . قد يقوم شخص آخر من المجموعة العاملة بتحرير الكتاب التالي . و حيثما يحتاج الفريق إلى قائد لتنفيذ مهمة ما , يجب أن يجري انتخابه و تغييره من قبل نفس الفريق , و عليه أن يعمل ضمن القرارات التي اتخذت ديمقراطيا من قبل كل أعضاء الفريق .

لكن حتى لو كان لعمال النظافة حقوق تصويت كاملة في قرارات معمل ما , كيف سيمارسون نفس التأثير الذي سيمارسه أولئك الذين يضعون الميزانيات أو يصممون المنتجات ؟
هذا صحيح . رغم الحقوق المتساوية , فإن عمل عمال النظافة قد لا يشكل تحديا لقدراتهم الفكرية و قد لا يزودهم بالمعلومات الضرورية عن الخيارات التقنية أو بمهارات اتخاذ القرارات .
أحد المقاربات هي تدوير الأعمال ( الوظائف ) بشكل منتظم , بحيث أن المهندسين سيقومون ببعض أعمال النظافة و هكذا . أكثر الأعمال الكريهة أو المملة سيجري تدويرها بين كامل قوة العمل , بحيث لن يمضي أي شخص كل وقته في القيام بهذه المهام ( الوظائف ) المثبطة . لكن التراتبيات الهرمية للقوة ( السلطة ) لن تنتهي تماما بالقيام بخلط ( تدوير ) مؤقت بين الوظائف و من يقوم بها , و ذلك إذا بقي الاختلاف بين نوعية و قوة وظائف الأشخاص اليومية كبيرا .
عوضا عن تقسيم العمال إلى عمال فكريين و عمال يدويين , وضع اقتراح أنه على كل عامل أن يقوم ب”وظيفة مركبة متوازنة” . أي أن يكون لكل عامل مجموعة من المهام تتألف من مسؤوليات تلبي ( تشبع ) حاجاته بشكل متقارب مع مهام و مسؤوليات الآخرين . هذا لا يعني أنه يجب على كل شخص أن يقوم بكل شيء . بل يعني أن المهام أو الوظائف الستة مثلا التي علي أن أقوم بها بانتظام يجب أن تكون مقوية أو معززة للشخصية أو لتطورها مثل المهام الستة التي عليك أن تمارسها بانتظام . يجب على كل شخص أن يكون لديه توزان تقريبي من المهام و الوظائف العقلية و المتكررة ( المملة ) . لذا عوضا عن سكرتيريين يردون على التلفونات و يتلقون الأوامر , سيجيب بعض العمال على التلفونات و سيقومون بالحسابات بينما يتلقى آخرون التوجيهات و يصممون المنتجات .
لا نقترح أن يكون عند كل شخص قدرات متساوية , رغم أن تعليما أفضل و فقرا أقل سيقوم بالكثير لجعل الأمور متساوية بالفعل . لن نقوم جميعنا بالوظائف الفكرية أو اليدوية بشكل متساوي تماما , لكنا سنمارسها كلها بما يكفي لكي نطور خبراتنا و آراءنا الخاصة لكي تمكننا من ممارسة اتخاذ القرارات . في النهاية , ليست الأفكار الجيدة احتكار لفرد أو مجموعة . نحن عندما يتعلق الأمر بالجنس أو بالرياضة مثلا لا نقول أن “الأفضل” فقط يمكنه ممارستها – نفس الشيء ينطبق على استخدام عقل كل إنسان .

لكن ماذا عن العلاقات بين المعامل ؟
حسنا , يعتمد هذا على كيف يرغب الناس بتسيير أمورهم . المعامل المدارة ذاتيا قد تتنافس في السوق كما تفعل المعامل الرأسمالية الآن . رغم أن هذا سيخلق هرما من المظالم .
يقول آخرون أنه على المعامل أن تنضم إلى بعضها البعض لتشكل “كونفيدراليات” – أي اتحادات حرة و متساوية بين المعامل التي ستستبدل المنافسة بالتعاون . يجب أن تدار هذه الكونفيدراليات من مؤتمرات المندوبين المنتخبين من كل معمل , الذين يجتمعون معا ليتخذوا القرارات التي تؤثر على الاقتصاد ككل . يجب أن تخضع هذه المؤتمرات للسيطرة من الأسفل , لأنه يجب أن يكون هؤلاء المندوبين مفوضين من جمعيات معاملهم و يمكن استدعاؤهم في الحال من العمال الذين انتخبوهم . كل القرارات التي تتخذ في المؤتمرات يمكن تعديلها بتصويت جميعات العمال في كل معمل . لذلك في الممارسة ستتخذ القرارات التي تؤثر في الاقتصاد ككل من قبل كل شخص عمليا , بينما سيكون المندوبون مجرد سفراء فقط أكثر منهم واضعين فعليين لتلك القرارات .
في هذه الكونفيدراليات ستوافق المعامل على سعر عادل لكل منتج , يتقرر على الأغلب على أساس ساعات العمل الذي استغرق لإنتاجها . أو قد تعقد المعامل اتفاقات متبادلة لتتبادل منتجاتها مجانا .
يعود الفضل في هذه الأفكار لميكائيل ألبرت و روبن هانل . كثير من مقالاتهم و أفكارهم موجودة على الانترنيت على موقع http://www.zmag.org/parecon/indexnew.htm
بقلم أليخاندرو فيغا

نقلا عن http://libcom.org/library/workers-self-management-faq

فندق باون – الأرجنتين , مثال على الإدارة الذاتية للعمال

يدار فندق باون الواقع في 360 شارع كالو – بوينس آيرس بشكل جماعي من قبل عماله , و هو يخدم كفندق و كمكان اجتماع مجاني للمجموعات اليسارية و العمالية الأرجنتينية . و يستخدم أيضا كمسكن شخصي لبعض من عماله .
اقتتح الفندق في عام 1978 حيث كان أصحاب هذا الفندق من أربعة نجوم قد حصلوا على إعانات مالية حكومية ضخمة كجزء من الاستعدادات لكأس العالم بكرة القدم 1978 التي أقيمت في الأرجنتين ذلك العام . تلقى المالك الأصلي مارسيليو لوركوفيتش 37 مليون دولار أمريكي في عام 1976 من مؤسسة حكومية مقرضة للمال لأصحاب الأعمال . لكن السياحة في الأرجنتين عانت من نتائج الديكتاتورية العسكرية و حرب الفوكلاند و انهيار السياسات الاقتصادية للبلاد . و ازداد تدهور أحوال الفندق المالية بعد افتتاح مجموعة من الفنادق المنافسة و الأحدث في التسعينيات و من الأزمة التي عصفت بالأرجنتين في الأعوام الأولى من الألفية الجديدة . بعد اضطرابات ديسمبر كانون الأول 2001 و بعد اندلاع الكثير من الحرائق في المدينة أغلق فندق باون في 28 ديسمبر كانون الأول 2001 .
في مارس آذار 2003 و بمساعدة الحركة الوطنية لتأهيل ( تعافي ) المعامل قام العمال السابقون في الفندق باحتلال المبنى . بينما استمروا بالنضال من أجل امتلاكه بواسطة الأعمال الكفاحية و المفاوضات قاموا بإصلاح المبنى و أعادوا افتتاحه تدريجيا . منذ ذلك الوقت انضم 150 عامل إلى تعاونية باون التي تدير و تسير الفندق , افتتح هؤلاء مقهى على واجهة الفندق ( أخذ اسم المقهى FaSinPat , من اسم معمل سيراميك أرجنتيني يقع تحت سيطرة العمال أيضا ) , و قام هؤلاء العمال بتجهيز أكثر من 200 غرفة بالفندق نفسه . يحقق فندق باون اليوم أرباحا متزايدة و هو مركز هام للنشاط الثقافي و السياسي في بوينس آيرس . لكن قانونية ملكية العمال و عملهم في الفندق ما تزال موضع خلاف . في 21 أكتوبر تشرين الأول 2005 أبلغت السلطات العاملين في الفندق أنه بينما من حق العاملين الأصليين في الفندق السكن فيه فإنه ليس من حقهم استثماره في العمل . بعد ذلك أغلقت مداخل الفندق بالشمع الأحمر الذي أزاله العمال بسرعة و واصلوا العمل فيه حتى اليوم .
في مايو أيار 2006 وافق القاضي كارلا كافالييري رسميا على إيقاف العمل بأمر الإغلاق . يستطيع العمال الآن الدخول و الخروج بحرية و بشكل قانوني من الفندق . يبقى أن يقرر القضاء من هو المالك الرسمي للفندق . تقدم عمال الفندق بدعوى لنزع ملكية الفندق تمنحهم الحق بملكيته و ينظر فيها اليوم على المستويين البلدي و الفيدرالي ( الأرجنتين جمهورية فيدرالية ) . بينما دعم عضو الكونغرس الوطني فيكترويا دوندا هذه القضية يعارضها الملاك الأصليون للفندق يقودهم مارسيليو لوركوفيتش , و تدعم هذه القضية تعاونية باون التي وزعت التماسا دعما للقضية .
نقلا عن http://en.wikipedia.org/wiki/Hotel_Bauen بتصرف

أناركيون تحت الشمس ( 2 )

أناركيون تحت الشمس ( 2 )

سيرة حياة بعض المناضلين الأناركيين

مازن كم الماز

مقدمة المترجم
الحقيقة هي أن الأناركيين مثلهم مثل كل المضطهدين في هذا العالم لا يعيشون حتى اليوم تحت الشمس , من كان يفعل ذلك منهم , كباكونين و تولستوي و كروبوتكين , ابتعد فورا عن الامتيازات التي ورثها بمجرد أن أصبح أناركيا , إن الأناركيين لن يعيشوا تحت الشمس إلا إذا أصبح كل البشر دون استثناء يعيشون جميعا تحت الشمس أي في مجتمع يتألف من بشر أحرار و متساوين , العنوان هنا مجازي فقط , أيضا لا يعني العنوان أن من سقط مثلا في النضال ضد الطبقات السائدة أو ضد التيارات السلطوية في الحركة العمالية و الشعبية هو من طبيعة مختلفة عن أي إنسان مضطهد قرر أن يقاوم من يضطهده , هذا غير صحيح فمصير الإنسان تقرره الكثير الكثير من المصادفات و الأحداث الخارجة عن إرادته و شجاعته أو “بطولته” لا تتحدد فقط بأن يقتل مثلا في خضم هذا النضال , إذن ما الذي يعنيه العنوان الذي يفترض أن يطل عليكم كل عدة أيام و تحته سيرة مناضل أناركي ما , إنه يعني شيئا واحدا , أننا , نحن الأناركيون العرب , الذين خرجنا للتو من رحم الناس و الحياة لننخرط على الفور في نضالات هؤلاء البشر هذه النضالات التي تشهد هذه الأيام صعودا هائلا , حيث ترتفع رايات الأناركية الحمراء و السوداء في مصر و المغرب و لبنان و حتى في بعض الشوارع السورية المنتفضة , و في بعض الأحيان من أناركيين لا نعرف عنهم أي شيء بعد سوى أنهم يرون في هذه الراية تعبيرا عن العالم الذي يتوقون لخلقه و العيش فيه , أي عالم من بشر أحرار و متساوين , إن ما يعنيه العنوان ليس أكثر من أن نقرأ كيف عاش و صمد أشخاص آخرون قادتهم ثورتهم على أوضاعهم و على انعدام الحرية و العدالة في العالم لأن يصبحوا أناركيين و لأن يناضلوا تحت الراية الثورية للأناركية ضد الطغيان و الاستغلال و الاستلاب , إننا فقط نقرأ “بطولاتهم” ( التي هي مجرد حالة إنسانية رائعة ) لأننا نحتاج إلى مثال كهذا لنستمد منه القوة أيضا , فقط لأننا نحتاج لهم لكي نخلق نحن أيضا “بطولاتنا” القادمة …..

أناتولي زهليليزنياكوف 1895 – 1919

سيرة حياة الأناركي الروسي و البحار الكرونشتادي أناتولي زهيليزنياكوف

كان زهيليزنياكوف بحارا شابا خدم على سفينة ألغام في القاعدة البحرية في كرونشتادت عندما تمت الإطاحة بحكم القيصر في فبراير شباط 1917 . كان يومها قد أصبح لاسلطويا ( أناركيا ) بالفعل , ملتزما بأفكار الشيوعية اللاسلطوية التي وضعها أشخاص مثل كروبوتكين .
ذهب هو و 50 بحار آخر لمساعدة أناركيي موسكو الذين كانوا قد احتلوا دورنوفو فيلا التي كانت مملوكة لحاكم المدينة من قبل . قام الأناركيون بتحويلها إلى مكان للقراءة و النقاش , و حولوا حدائقها إلى ملعب للأطفال . أصبحت هذه الفيلا مركزا للدعاية الأناركية , بينما حاولت الحكومة المؤقتة الجديدة إغلاقه . عندما استولى عدد من محتلي الفيلا على المطبعة الخاصة بصحيفة موسكوفية يمينية أمرت الحكومة الأناركيين بإخلائها .
انضم زهيليزنياكوف و الآخرون إلى الأناركيين المتحصنين في الفيلا . بعد هجوم قوات الحكومة على الفيلا , الذي قتل فيه عامل أناركي , اعتقل زهيليزنياكوف و حكم عليه ب 14 عاما من الأشغال الشاقة .
الهروب
بعد عدة أسابيع تمكن زهيليزنياكوف من الهرب من “السجن الجمهوري” كما سمته أحد الصحف الأناركية . و عاد إلى نشاطه و ساهم بتنظيم مظاهرة حاشدة لبحارة كرونشتادت خارج السفارة الأمريكية احتجاجا على حكم الإعدام على الناشط العمالي توم موني , الذي دبر على أساس “إثبات” كاذب و ضد التهديد بتسليم الأناركي الكسندر بيركمان لولاية كاليفورنيا التي كانت سلطاتها تحاول استخدام نفس الدليل المزيف ضده .
انتخب كمندوب للمؤتمر الثاني للسوفييت عن طاقم سفينة الألغام التي يخدم عليها في 25 أكتوبر تشرين الأول 1917 . في تلك الليلة شارك هو و مفرزة من البحارة في الهجوم على قصر الشتاء الذي أدى لانهيار الحكومة المؤقتة .
أصبح بعدها رئيسا للمفرزة التي كلفت بحماية قصر تاوريد حيث كان من المفترض أن تجتمع فيه الجمعية التأسيسية المشكلة حديثا . كأناركي عارض زهيليزنياكوف بحماسة كل أشكال الديمقراطية الرأسمالية , و أثناء اليوم الأول من حياة الجمعية التأسيسية سار إلى داخل القاعة , معلنا تلك الكلمات : “إن الحراس متعبون” و فض اجتماع الجمعية على الفور .
من السخرية أن هذه التحرك من شخص تحرري و معادي للبرلمانية أدى إلى صعود البلاشفة إلى السلطة . رأى زهيليزنياكوف نهاية الجمعية التأسيسية على أنها خطوة بناءة , تتوافق مع تطور السوفييتات و لجان المصانع الذي كان يفترض أن يشق الطريق نحو تنظيم ذاتي كامل للجماهير . دفاعا عن الثورة قاتل زهيليزنياكوف بعدها كقائد لأسطول صغير ثم لقطار مدرع في الجيش الأحمر . و قاتل ضد الجنرالات الرجعيين البيض كراسنوف و دينكين , و ضد قوزاق الدون التابعين للأتمان ( القائد ) كاليدين . بدأ بعدها تروتسكي بتنظيم الجيش الأحمر . جرى عندها استبدال الأساليب المساواتية ( القائمة على المساواة ) التي سادت حتى ذلك الوقت , استبدلت بإدخال الضباط القيصريين إلى مواقع هامة و إنهاء الاجتماعات الجماهيرية و إدخال هرمية صارمة . احتج زهيليزنياكوف بقوة على هذه الإجراءات , كما فعل الكثيرون . و لهذا جرى تجريمه من قبل البلاشفة .
موقفه الرافض
حاول البلشفي القيادي سفيردلوف أن يقنعه بالتخلي عن موقعه في الجيش الأحمر و عرض عليه منصبا هاما . لكن زهيليزنياكوف رفض هذا العرض و غادر نحو الجنوب إلى أوديسا , حيث واصل حملته العسكرية ضد البيض . مرة أخرى في السنة التالية 1919 جدد البلاشفة عرضهم . هذه المرة لأن زهيليزنياكوف شخص الوضع على أنه خطير قبل العرض و أصبح قائدا لقطار مدرع موجه ضد دينيكين , الذي وضع مكافأة 400 ألف روبل على رأس زهيليزنياكوف . قاتل زهيليزنياكوف حتى قتل بقذيفة مدفع أطلقتها قوات دينيكن , و هو في سن 24 عاما .
البلاشفة , الذين أقاموا له جنازة دولة في موسكو و رفعوا تمثالا له في كرونشتادت , حولوه فورا إلى بطل . لا شك أنه لو عاش , كان سيسجن أو سيقتل من قبل البلاشفة , كما فعلوا بالكثير من الأناركيين في أوكرانيا و بالكثير من بحارة كرونشتادت في عام 1921 . لقد أخفوا بالفعل حقيقة أنه كان أناركيا , مخترعين حتى كذبة أنه كان قد انضم إلى الحزب البلشفي . لكن كما قال هو للأناركي فولين , قبل موته بوقت قصير : “أيا كان ما سيحدث لي , و الذي سيقولونه عني , اعرف جيدا أنني أناركي , قاتلت كأناركي , و مهما يكن مصيري , سأموت كأناركي” .

نقلا عن http://libcom.org/history/articles/1895-1919-anatoli-zhelezniakov

آرون دافيدوفيتش بارون 1891 – 1937

“اعتقل آرون بارون في أوكرانيا , عند عودته ذلك المساء إلى السجن الذي لن يخرج منه أبدا , كان بمظهره الملتحي و بنظاراته المذهبة يصرخ محتجا ضد الاستبداد ( الطغيان ) الجديد , ضد القتلة و هم يمارسون “عملهم” في تلك الأقبية , ضد الخزي الذي ألحقوه بالاشتراكية , ضد العنف الرسمي الذي كان يدوس على ما تحت أقدام الثورة . غير خائف بل و حتى بتهور , بدا و كأنه ينثر بذور عواصف جديدة” بارون في جنازة كروبوتكين , مذكرات ثوري لفكتور سيرج .
ولد آرون بارون في قرية هلينتس في مقاطعة كييف في أوكرانيا في عائلة يهودية فقيرة . و عمل كخباز , و أصبح لاسلطويا ( أناركيا ) عندما كان ما يزال في المدرسة . حوالي عام 1906 انخرط في النشاط الثوري داخل نقابة خبازي كييف . اعتقل و نفي في عام 1907 . هرب إلى الولايات المتحدة مع زوجته فانيا , حيث نشط داخل اتحاد العمال الروس و داخل منظمة العمال الصناعيين في العالم ( منظمة لاسلطوية أناركية نقابية مركزها في الولايات المتحدة , مازالت موجودة حتى اليوم – المترجم ) اعتبارا من عام 1912 . كان أحد محرري الجريدة الأناركية في شيكاغو الجرس منذ عام 1915 إلى جانب لوسي بارسونز إضافة إلى أنه كان يكتب لجريدة اتحاد العمال الروس صوت العمال . شارك بحماسة في النشاط بين العمال اليهود و الروس , و اعتقل عدة مرات لفترات قصيرة . أثناء مظاهرة العاطلين عن العمل في عام 1915 كان مع زوجته فانيا في مقدمة المظاهرة و تعرضوا للضرب الوحشي من قبل الشرطة .
في يونيو حزيران 1917 عاد بارون إلى كييف , حيث انتخبته نقابة الخبازين إلى السوفييت المحلي . تميز كمتحدث و محاضر و اكتسب شعبية خاصة بين الفلاحين و العمال و الجنود . شكل آرون وحدة أناركية مقاتلة قاتلت جنرال القوزاق على الدون كاليدين , و شارك وقتها في المعارك ضد الغزاة النمساويين و الألمان . في مارس آذار 1918 شارك في الدفاع عن بولتافا كقائد عسكري و توسط في نفس الشهر بين البلاشفة و فيدرالية إيكاترينوسلاف للأناركيين عندما اندلع النزاع المسلح بينهما .
في مايو أيار 1918 تراجع مع الوحدات الأناركية إلى روستوف على الدون , حيث شارك في نزع ملكية البرجوازية المحلية و الاستيلاء على البنوك و في الهجمات على سجون السلطات البلشفية . أجبر على التراجع مع وحدة أناركية إلى تساريتسين , حيث تم نزع سلاح وحدته , كالكثير من الوحدات الأخرى من قبل البلاشفة في أوائل يونيو حزيران . بحلول صيف 1918 كان في كورسك , حيث شارك في يوليو تموز 1918 في تأسيس كونفيدرالية النابات للأناركيين التي سعت لتوحيد كل الأناركيين في المنطقة و ما وراءها . بين 12 و 16 نوفمبر تشرين الثاني عقد المؤتمر التأسيسي للنابات و شارك فيه آرون كسكرتير و محرر في جريدته في نفس الوقت . في سبتمبر ايلول من نفس العام شكل إلى جانب القوزاقي البلشفي فيتالي بريماكوف فرقة الأنصار الأوكرانية الأولى التي ستصبح فرقة تاراششناسكي و سيكون هو قائدها . في يناير كانون الثاني 1919 دخل خاركوف بعد هجوم عسكري و في فبراير شباط شارك في الاستيلاء على إيكاترينوسلاف , حيث بدأ ينظم مجموعات النابات هناك . أدى هذا في النهاية إلى اعتقاله من قبل التشيكا ( الشرطة السرية التابعة للنظام البلشفي وقتها – المترجم ) المحلية في 8 فبراير شباط 1919 , بعد محاضرة له عن “الأناركية و الحكومة السوفيتية” . بعد عدة أيام أطلق سراحه ليشارك في المؤتمر الثاني لمقاطعة غولاي بولي بين 12 و 18 فبراير شباط حيث انتقد البلاشفة لاغتصابهم السلطة و التضييق على العمال و أعضاء المنظمات الثورية , و دعا إلى إقامة سوفييتات لاحزبية يجب أن تقوم بإدارة الاقتصاد و تصبح الأداة الرئيسية للثورة الاجتماعية .
بعد عودته إلى كييف اعتقل مرة أخرى من قبل التشيكا , و انتخب في تلك الأثناء غيابيا إلى سكرتاريا النابات في مؤتمره في إيليزافيتغراد في 2 – 7 أبريل نيسان . بين أبريل نيسان حتى يونيو حزيران 1919 انتقل إلى أوديسا حيث قام بتحرير جريدة النابات في أوديسا . ظهر العدد السابع من هذه الجريدة في 16 يونيو حزيران , منعت بعدها من قبل البلاشفة . في يونيو حزيران 1919 ذهب إلى موسكو حيث اعتقل ثانية في أوائل اكتوبر تشرين الأول بسبب الشك بصلاته مع الأناركيين الذين كانوا يعملون سرا و بالهجوم بالقنابل على قيادة موسكو للحزب الشيوعي . شكل في السجن لجنة تحقيق حاولت التحقيق في ظروف الانفجار . في نوفمبر تشرين الثاني 1919 تبين أنه لم يكن على أي علاقة بالانفجار و لأنه أيضا كان مريض جدا بالتيفوس تم إطلاق سراحه . في أوائل 1920 عاد إلى أوكرانيا و شارك في المؤتمرات السرية للنابات في خاركوف في فبراير شباط و أبريل نيسان 1920 . انتخب ممثلا رسميا لسكرتارية النابات إلى مجلس الأنصار الثوري لجيش الأنصار الثوري لأوكرانيا , الوحدات الماخنوفية المسلحة ,. اعقتل من جديد من قبل التشيكا بسبب صلاته بالماخنوفيين و أطلق سراحه بعد إضراب عن الطعام استمر 9 أيام . في منتصف يونيو حزيران 1920 انضم مع مجموعة من ناشطي النابات إلى الماخنوفيين و شارك أثناء الصيف في الغارات التي شنوها . كان عضوا في هيئة تحرير جريدة الأنصار الماخنوفيين ( POVSTANETS ) . أصر كخصم لأي تحالف مستقبلي مع البلاشفة على الحاجة لتقوية الوجود الماخنوفي العسكري في منطقة محددة و بناء مجتمع شيوعي أناركي فيها على الفور . أسس مع سوخوفولسكي و بيلاش لجنة النشاطات المعادية للماخنوفيين التي حاولت السيطرة على أفعال الكونرافزيدكا , الشرطة السرية ( المخابرات ) المعادية للماخنوفيين .
حاول إخضاع المجموعات الأناركية المحلية في غولاي بولي و نوفوسباسكوفا ذات العمر الطويل – و التي شكلت المركز الحقيقي للحركة الماخنوفية لسكرتاريا النابات و بدأ كشخص ذا خبرة عسكرية ما بالتدخل في الشؤون العسكرية للحركة . حصل بالتالي خلاف شخصي بينه و بين ماخنو في أغسطس آب 1920 , ليصفه ببونابرت أوكراني و ليغادر بعد ذلك الحركة .
في أيلول سبتمبر 1920 اعتقلته التشيكا في موسكو من جديد . في أوائل اكتوبر 1920 أطلق سراحه بعد معاهدة جديدة بين البلاشفة و الماخنوفيين ليعود إلى كييف . توصل الآن لاستنتاج أنه يجب أن يكون هناك تعاون أوثق بين النابات و الماخنوفيين و تفرغ للعمل الدعائي و التنظيمي , متحدثا يوميا في المعامل , و كتب لصحف النابات و صوت الماخنوفيين و منظما الاتحادات النقابية الأناركية و مساهما في التحضير لمؤتمر أناركي عموم أوكرانيا . اعتقل ثانية في 25 نوفمبر تشرين الثاني 1920 في خاركوف ليقضي 7 أشهر في الاعتقال . في 29 نوفمبر تشرين الثاني اعتقلت هيئة تحرير صوت الماخنوفيين و أعدم معظمهم من قبل التشيكا . في يناير كانون الثاني 1921 أرسل إلى موسكو مع أناركيين آخرين من النابات . و كان أحد السجناء الأناركيين الذين سمح لهم بالمشاركة في جنازة كروبوتكين . نقل اعتبارا من أبريل نيسان إلى السجن المركزي في الأوريل حيث قام بإضراب عن الطعام ل 11 يوما . اعتقلت زوجته فانيا في تلك السنة و أعدمت بإطلاق النار عليها من قبل التشيكا . في نوفمبر تشرين الثاني 1922 أعيد إلى سجن خاركوف لكن أطلق سراحه فيما بعد .
انتقل إلى كييف حيث كانت شريكته الجديدة الأناركية فانيا أفروتسكايا مريضة جدا . كان عليه أن يحضر يوميا إلى مركز التشيكا ثم أرسل مرة خرى إلى تشيكا موسكو .
في 5 يناير كانون الثاني 1923 حكم عليه بالنفي لسنتين بسبب “التحريض السري” و أرسل إلى سجون الجزر البعيدة , أولا إلى بيترومينسكي ثم إلى كيمسكي . حاول إحراق نفسه احتجاجا على ظروف السجن في يونيو حزيران 1923 و اصيب بحروق خطيرة . أطلق سراحه في عام 1925 و أرسلته السلطات ليستقر في نوفونيكولاييفسك ( نوفوسيبرسك الآن ) . بين عامي 1926 و 1930 كان في منطقة ينيسي ثم أرسل إلى طشقند لخمس سنوات . عند عودته من النفي إلى الشرق منع من الحياة في مدن كبرى . في 1934 نفي مرة أخرى إلى فورونزه حيث عمل كاقتصادي و ساعد في إقامة مجموعة سرية من الأناركيين و على إقامة الصلات بينها و بين مجموعات أخرى مشابهة في أوريل , بريانسك و خاركوف . في يناير كانون الثاني 1934 اعتقلته الشرطة السرية ( التي أصبح اسمها NKVD ) بسبب التحريض ضد نظام الزراعة التابع للدولة و “الجماعي” ( أو التعاوني ) و حكم عليه في مايو أيار بالسجن لثلاثة سنوات . في 1937 نفي إلى خاركوف حيث اعتقل في نفس السنة و أرسل إلى توبولسك حيث عمل في دائرة التخطيط المحلي . اعتقل في 20 مارس آذار و حكم عليه بالموت من قبل ترويكا أومسك التابعة للشرطة السرية في الخامس من أغسطس آب . في 12 آب أغسطس اطلقت عليه النار مع عدد من الأناركيين الآخرين – بروكوب إيفدوكيموفيتش بوداكوف , زينايدا ألكسييفا بواكوفا , أفرام فينيتسكي , إيفان غولوفشانسكي , فيسفولود غريغوريفيتش دينيسوف , نيكولاي ديسياتكوف , إيفان دودراين , أندريه زولوتاريف , أندريه بافلوفيتش كيسليتسين ( أكبرهم سنا – ولد في عام 1873 ) , الكسندر باستوخوف , آنا أرونوفا سانغوروديتسكايا , ميخائيل تفيلنيف , فلاديمير خوديل – غرادين , يوري هومتوفسكي – إيزغودين , نعوم أرانوفيتش إبيلباوم ( هذه قائمة جزئية فقط لأن آخرين مثل شابالين قد حكموا بالموت في نفس الوقت أيضا ) – في توبولسك ( كان بريماكوف من قدامى المحاربين و عضوا في الحزب الشيوعي , أعدم عام 1937 ) . أعيد له الاعتبار من قبل السلطات السوفيتية في 8 فبراير شباط 1957 .

نقلا عن http://libcom.org/history/baron-aron-davidovich-aka-kantorovich-faktorovich-poleyevoy-1891-1937

ستالينى وأفتخر !!! و لا سلطوى وإن أنكرتم !!!

سامح سعيد عبود

فى نهاية الثمانينات من القرن الماضى بدأت رحلتى فى التمرد الفكرى على اللينينية، بما يعنيه ذلك منطقيا من الخروج عن كل ما تفرع عنها من مدارس فرعية أخرى كالتروتسكية والستالينية والماوية وغيرها، وبكل ما يعنيه ذلك بديهيا، من رفضى لاشتراكية الدولة، والحزب الطليعى، والمركزية الديمقراطية، وديكتاتورية البروليتاريا، وفكرة الدولة نفسها، وما تمثله من سلطة متعالية على البشر، ومنفصلة عن إرادتهم الحرة المشتركة، وإدانتى لكل ما تمخضت عنه هذه الأفكار اللينينية عمليا من إنتاج نموذج الدولة الشمولية البيروقراطية البوليسية، المعروف فى القرن العشرين، و بكل ما أدت إليه اللينينية من ارتكاب جرائم شوهت نبل الفكرة الاشتراكية، وبكل ما أدت إليه من نموذج فى التنظيم السياسى مزج النظام الكهنوتي الديني والعسكرى، مع الفكرة الثورية التحررية، خالقا حالة من الفصام بين الهدف المعلن، والممارسة العملية، و هو ما سحق حرية الأفراد والأعضاء العاديين فى تلك الأحزاب، والشعوب التى حكمتها، وأخل بالمساواة بينهم، و رفضى اللينينية بكل ما تعنيه من ظواهر تأليه الرموز والأشخاص والنصوص، وعبادة الزعامة والقيادة والسلطة، وقد تجسد هذا الخروج بإنتاج العديد من المقالات التى عبرت فيها عن أفكارى الجديدة، ومع منتصف التسعينات أصبحت اشتراكيا تحرريا، وهو ما جعلنى أعلن انتمائى للأناركية على أساس أن الاشتراكية التحررية هى التيار الرئيسى فيها، وقد ترجمت الأناركية إلى اللاسلطوية، بدلا من ترجمتها الشائعة الفوضوية بكل ما تحمله الكلمة من التباس.

ولأن هذا الخروج والتمرد استند على نقد موضوعى للأفكار السائدة، وتأمل نقدى للواقع الملموس، فإنه لم ينسحب على إيجابيات أخرى فى التراث الإنسانى عموما، والتراث الماركسى خصوصا، ولا شك أنى ما زلت متمسكا بهذه الايجابيات، برغم أن هناك تيارت أناركية عديدة تنكرها نتيجة فهمها الخاص للأناركية التى أصبحت للأسف مظلة تضم أطياف متناقضة ومتصارعة من البشر، يحملون جميعا نفس اللافتة، ويتجادلون عن من منهم أحق بحملها، فهناك أناركيون رأسماليون، و أناركيون فرديون، و أناركيون بدائيون، و أناركيون عدميون، و أناركيون بوهيميون، وهلمجرا من الصرعات التى تظهر على سطح الحياة السياسية والاجتماعية، وتختفى باسم الأناركية، مثل البلاك بلوك، و الهوليغانز، والآلتراس، والسكينهيد، وفرق  البنك وغيرهم، والذين يطلقون على أنفسهم  أناركيين، ويتهمون المنظمات الأناركية (الاشتراكية التحررية) بالسلطوية، وهؤلاء جميعا لاعلاقة لهم بالاشتراكيين التحرريين كتيار ثورى، و هم يصفون أنفسهم بالأناركية أيضا للأسف ليتحملوا أوزار الأناركيين الآخرين، فهم يعنيهم فعلا تغيير العالم لا مجرد الرغبة فى التمرد الفردى العدمى، والتحلل من القيود الاجتماعية التى تقيد حريتهم الشخصية، فالاشتراكيون التحرريون يعنيهم الممارسات النضالية ضد السلطة لإجبارها على تحقيق مطالب أو من أجل إزالتها، وبكل ما يترتب على ذلك من آثار والتزامات، و لايعنيهم الممارسات الاحتفالية والاستعراضية التى ظاهرها التمرد ضد السلطة، وباطنها دعم استمرار السلطة، سواء فردية كانت أو جماعية، و التى هى جزء لا يتجزأ من الثقافة البرجوازية الاستهلاكية.

والملفت للنظر أنى طوال هذه السنوات تم اتهامى سواء من يساريين سلطويين أو ديمقراطيين أو أناركيين بأنى ستالينى فى الحقيقة، و أنه لا يمكن أن أكون أناركيا، و لا شك أن هذه الاتهامات والانكارات نتيجة إما عدم فهم لمعنى الأناركية كما افهمه أو بسبب أنها كلمة تعبر عن اتجاهات متناقضة يتوقف معناها على ما يقصده المتحدث من ذكرها، وبسبب ربطهم عموما الأناركية بالفوضوية بكل ما تحمله الكلمة من معانى عدم الالتزام، ورفض كل أشكال التنظيم والنظام، باعتبار أن أى شكل للتنظيم هو ستالينية، وأن أى انضباط سلوكى وأخلاقى هو ستالينية، وكأنى بهم يمدحون الرجل ومنهجه، وهو ما لا يستحقه.

جوهر الاتهام والإنكار يكمن فى أنى رغم أناركيتى عموما أؤمن بحقيقة أننا نحيا فى عالم مادى تحكمه قوى مادية، وأن المثل والأفكار لا تؤثر فيه أدنى تأثير، و لأن البرجوازية فى عالمنا الواقعى تستند فى تسلطها على سيطرتها على مؤسسات الإنتاج والثروات ومؤسسات العنف المسلح وغير المسلح، و مؤسسات خلق الوعى الاجتماعى، وكلها مؤسسات منظمة تستمد قوتها من هذا النظام تحديدا فإنه لا خلاص من تسلطها إلا عندما تمتلك البروليتاريا المجردة من تلك الوسائل قوة مادية أخرى أشد بأسا، هذه القوى تكمن ببساطة فى تنظيمات البروليتاريا، وتحررها من تأثير مؤسسات خلق الوعى الاجتماعى التى تجعلهم يتماهون مع وعى سادتهم طول الوقت، وإن كانوا يتحررون منه فى لحظات استثنائية نادرة.

هذه العملية التى تكسب البروليتاريا قواها المادية، لابد وأن تساعد فى إنشائها تنظيمات ثورية، مكونة من مناضلين استطاعوا التحرر من الوعى السائد، واختاروا لأنفسهم دور محدد فى مقاومة تأثير آلة الوعى البرجوازية، والمساعدة فى انتظام البروليتاريا فى منظماتها المختلفة كالتعاونيات والنقابات.

و لا شك أن للتنظيم الاجتماعى شروطه ، والممارسة النضالية قواعدها، وإن أى علاقة اجتماعية من أى نوع تقيد حريتك فعلا، لأنك لابد وأن تلتزم بقواعدها، والعمل العام يفرض على من يمارسه التزامات وقيود، و على من يشعر بحساسية شديدة ترفض تقييد حريته الشخصية فعليه التخلى عن العمل العام، و بناء على هذا المنطق، اعطيت لنفسى دائما الحق فى نقد سلوكيات تتناقض وتلك الشروط والقواعد، والتحفظ عليها، واعتبارها سببا فى قطع العلاقة التنظيمية، فالإنسان الذى لا ينضبط فى مواعيده يعتدى على حرية ووقت الذين ينتظرونه دائما،ـ ولن يستمتع الطرفين بحريتهما فى استخدام وقتهما طالما كان أحدهما غير منضبط فى الحضور فى موعده، بلا شك أن الطرف غير المنضبط حر، لكن على الطرف الآخر أن يقطع علاقته به، لو تضرر من عدم الانضباط، طبعا هناك سوء فهم سوف يدافع عن عدم الانضباط بحجة الحرية الشخصية، وهو فهم يدافع عن طغيان المنفلتين والمتحللين وغير المنضبطين على الآخرين والإضرار بهم باسم الحرية، وقس على هذا المثال مئات الأمثلة.

أناركيون تحت الشمس ( 1 )

أناركيون تحت الشمس ( 1 )
سيرة حياة بعض المناضلين الأناركيين
مازن كم الماز


مقدمة المترجم
الحقيقة هي أن الأناركيين مثلهم مثل كل المضطهدين في هذا العالم لا يعيشون حتى اليوم تحت الشمس , من كان يفعل ذلك منهم , كباكونين و تولستوي و كروبوتكين , ابتعد فورا عن الامتيازات التي ورثها بمجرد أن أصبح أناركيا , إن الأناركيين لن يعيشوا تحت الشمس إلا إذا أصبح كل البشر دون استثناء يعيشون جميعا تحت الشمس أي في مجتمع يتألف من بشر أحرار و متساوين , العنوان هنا مجازي فقط , أيضا لا يعني العنوان أن من سقط مثلا في النضال ضد الطبقات السائدة أو ضد التيارات السلطوية في الحركة العمالية و الشعبية هو من طبيعة مختلفة عن أي إنسان مضطهد قرر أن يقاوم من يضطهده , هذا غير صحيح فمصير الإنسان تقرره الكثير الكثير من المصادفات و الأحداث الخارجة عن إرادته و شجاعته أو “بطولته” لا تتحدد فقط بأن يقتل مثلا في خضم هذا النضال , إذن ما الذي يعنيه العنوان الذي يفترض أن يطل عليكم كل عدة أيام و تحته سيرة مناضل أناركي ما , إنه يعني شيئا واحدا , أننا , نحن الأناركيون العرب , الذين خرجنا للتو من رحم الناس و الحياة لننخرط على الفور في نضالات هؤلاء البشر هذه النضالات التي تشهد هذه الأيام صعودا هائلا , حيث ترتفع رايات الأناركية الحمراء و السوداء في مصر و المغرب و لبنان و حتى في بعض الشوارع السورية المنتفضة , و في بعض الأحيان من أناركيين لا نعرف عنهم أي شيء بعد سوى أنهم يرون في هذه الراية تعبيرا عن العالم الذي يتوقون لخلقه و العيش فيه , أي عالم من بشر أحرار و متساوين , إن ما يعنيه العنوان ليس أكثر من أن نقرأ كيف عاش و صمد أشخاص آخرون قادتهم ثورتهم على أوضاعهم و على انعدام الحرية و العدالة في العالم لأن يصبحوا أناركيين و لأن يناضلوا تحت الراية الثورية للأناركية ضد الطغيان و الاستغلال و الاستلاب , إننا فقط نقرأ “بطولاتهم” ( التي هي مجرد حالة إنسانية رائعة ) لأننا نحتاج إلى مثال كهذا لنستمد منه القوة أيضا , فقط لأننا نحتاج لهم لكي نخلق نحن أيضا “بطولاتنا” القادمة …..

كونستانتيونس سبيراس 1893 – 1943

سيرة حياة كونستانتيونس سبيراس , و هو نقابي أناركي يوناني و أحد رواد حركة الطبقة العاملة النقابية في اليونان . قضى الجزء الأكبر من حياته في السجن و المنفى حتى قتل في عام 1943 على يد الأنصار اليونانيين الذين يقودهم الشيوعيون أثناء احتلال قوات المحور لليونان في الحرب العالمية الثانية .
ولد كونستانتينوس سبيراس في لوتازيا الغربية على جزيرة سيريفوس . كان والده جيورجيوس , بحارا بالمهنة . والدته بوليكسيني ني بيلوبونيسوس …
سنوات عمره المبكرة
نشأ سبيراس في جزيرة سيفيروس , ثم انتقل إلى الاسكندرية بمصر في عام 1907 و هو في عمر الرابعة عشرة . في القاهرة درس في كلية الأخوة الفرنسية . تذكر ابنته الثالثة أرتيميسيا – نيفيلي قصتين من تلك المرحلة في حياة والدها . الأولى أنه قد ربح مسابقة لسباحة المراهقين , لكن المدير منح الجائزة لابن عائلة بارزة في المجتمع اليوناني في الاسكندرية . الثانية أنه سبيراس اتهم بالغش أثناء امتحانات المدرسة , و كان رده أن رمى بمحبرة على المدير ليشج له رأسه .
أصبح سبيراس في مصر عامل تبغ و بدأ بالاتصال مع اللاسلطويين ( الأناركيين ) و الأناركيين النقابيين الذين كانوا في الغالب مهاجرين إيطاليين و يونانيين , و كانوا نشيطين جدا في تلك المرحلة بين عمال التبغ في الاسكندرية و القاهرة . سافر سبيراس إلى الكثير من الدول الأوروبية و كان يتقن الفرنسية و العربية . عندما عاد إلى سيريفوس أجبرته الضائقة المالية على أن يبيع إرثه من والدته و سرعان ما سينخرط في نشاط نقابي و سياسي هائل . كان سبيراس من بين الأعضاء المؤسسين للمركز العمالي في أثينا في عام 1910 , كما أصبح عضوا في المركز الاشتراكي في أثينا في وقت أيد فيه اشتراكيون من عدة اتجاهات هذه المنظمة التي أسسها نيلكولاس جيانيوس .
في آذار مارس 1914 وجد نفسه في كافالا , حيث شارك في إضراب كبير لعمال التبغ , اعتقل أثناءه و أرسل إلى السجن في تريبولي ( طرابلس ؟ ) .
إضراب عمال مناجم سيريفوس 1916
في عام 1916 استجابة لطلب عمال المناجم المحليين عاد سبيراس إلى سيريفوس , حيث أسس نقابة محلية , نقابة العمال و عمال المناجم في سيريفوس و أصبح أول رئيس لها . و وضع أيضا مسودة “للقرار التأسيسي” للنقابة الذي اعتبر الأكثر ثورية و راديكالية في تلك الفترة . كرئيس للنقابة قام بالدفاع عن حقوق العمال ضد طغيان شركة المناجم التي حافظت على علاقات قريبة جدا مع حكومة أثينا .
عندما أدرك العمال أن احتجاجاتهم المستمرة إلى سيروس و صحف أثينا لم تجد نفعا , انفجر إضراب عمال المناجم التاريخي في عام 1916 . لكن الإضراب قمع بوحشية من قبل الجندرما الملكية , الذين جاؤوا لمساعدة أصحاب المناجم . أدت الصدامات بين عمال المناجم ( تساعدهم عوائلهم ) و بين قوات ( الجندرمة الملكية ) لمقتل 4 عمال و 4 من الجندرمة و عشرات المصابين . كان العمال القتلى هم : ميكائيل زويلوس , ثيميستوكليس كوزوبيس , ميكائيل ميتروفانيس و لوانيس بروتوباباس .
على إثر الإضراب اعتقل سسبيراس و سجن إلى جانب مضربين آخرين في سجن سيروس . هناك كتب سجلا عن أحداث الإضراب نشر عام 1919 تحت عنوان “الإضراب في سيريفوس , هذه قصة المشاهد الدموية للحادي و العشرين من أغسطس آب 1916 في مناجم ميغالو ليفادي في سيريفوس”. في عام 1917 نقل إلى سجن في قعلة فيركا في تشانيا . بينما كان هناك تقدم بطلب إلى مركز العمال في تشانيا طالبا دعمهم .
في أغسطس آب 1918 أسس سبيراس بالتعاون مع كوستاس باستونوبولوس , و هو اشتراكي معتدل , و آخرون جمعية لتثقيف العمال في بلدة إيرموبولي في جزيرة سيريفوس . ساعدت الجمعية على إصدار جريدة العامل , لسان حال مركز العمال في سيكلاديس .
المؤتمر الأول للكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين GSEE
شارك سبيراس بفعالية في العملية التي أدت لتأسيس الكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين , ممثلا عن التيار اللاسلطوي ( الأناركي ) النقابي . ضم هذا التيار عددا كبيرا من المندوبين و كان أبرز ممثليه , سبيراس , جيانيس فانوراكيس , سافروس كوتشتسوغلو . كوتشتسوغلو كان واحدا من أبرز اللاسلطويين ( الأناركيين ) اليونانيين في تلك المرحلة . و هو إنسان علم نفسه بنفسه و كان ناشطا جدا في مصر و اليونان و تركيا و كتب كراسات و مقالات عدة و كان قد التقى إيريكو مالاتيستا شخصيا .
عقد المؤتمر الأول للكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين بين 21 و 28 أكتوبر تشرين الأول 1918 . كان سبيراس أول من ذكر مبدأ الصراع الطبقي في خطابه أمام المندوبين . حث سبيراس على أن تبقى الكونفيدرالية مستقلة عن تأثير كل الأحزاب السياسية و عبر عن دعمه للأعمال المناهضة للبرلمانية لأعضاء الكونفيدرالية . كانت هذه المواقف على اتفاق تام مع مواقف النقابيين اللاسلطويين ( الأناركيين ) الأوروبيين التي تبنوها بعد 5 سنوات أثناء مؤتمر برلين , الذي عقد بين 22 ديسمبر كانون الأول 1922 حتى 2 يناير كانون الثاني 1923 .
طرح ممثلو التيارات الاشتراكية المختلفة في المنطقة مواقفا تعارض مواقف سبيراس و بقية اللاسلطويين ( الأناركيين ) النقابيين . و دافعوا عن علاقات وثيقة جدا بين الكونفيدرالية و بين الحزب الاشتراكي – الذي كان قد أسس قبل عدة أسابيع . و عرضوا في هذا السياق مسودة قرار , تبقى فيه الكونفيدرالية مستقلة فقط عن أي تاثير برجوازي . جرى نقاش مطول و شاق حول هذه القضية أثناء المؤتمر و دافع ممثلو كلا التيارين عن مواقفهم بإصرار . خاطب إي . ديلازانوس – أحد المندوبين من فيدرالية ( التقدم ) و حليف مقرب من الاشتراكي ز . جيانيوس – المؤتمر قبل التصويت بوقت قصير قائلا : “احذورا ايها العمال ! لا تقعوا فريسة الكلمات الجميلة للأناركيين ! يجب سحق الأناركية في المقام الأول . “خارج السياسة” هو شعار أناركي , يخدم في الحقيقة مصالح البرجوازية” .
في التصويت الذي جرى صوت 158 إلى جانب قرار الاشتراكيين السلطويين مقابل 21 . فتح هذا التصويت طريقا ماساويا أمام حركة الطبقة العاملة في اليونان , التي استدرجت لكي تلتصق ( تلحق ) بنفوذ الدولة أو الأحزاب السياسية – خاصة الحزب الشيوعي – و بأهدافها , بحيث أنه يمكننا الآن أن نجيب بشكل أكيد على سؤال “لماذا كانت ( هذه الحركة ) تخدم في الممارسة الفعلية مصالح البرجوازية ؟” .
لكن سبيراس كان عضوا منتخبا في اللجنة المشرفة على الكونفيدرالية و أكد انتخابه دينامية التيار اللاسلطوي ( الأناركي ) النقابي في تلك الفترة .
تأسيس حزب العمال الاشتراكي في اليونان
بعد عدة أسابيع في 4 نوفمبر تشرين الثاني 1918 شارك الممثلون الأبرز للتيار اللاسلطوي النقابي في المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الاشتراكي في اليونان الذي أصبح فيما بعد الحزب الشيوعي في اليونان .
بالحكم على مواقفهم في الفترة بين المؤتمر التأسيسي للمنظمة و حتى المؤتمر الثاني من الواضح أن النقابيين اللاسلطويين لم يعارضوا تشكيل جهاز ( أو منظمة ) اشتراكي مستقل و متنوع . لكن لم يمر وقت طويل حتى وصلت الخلافات بين التيارين المتعارضين إلى الذروة .
في مارس آذار 1920 شارك كوستاس سبيراس كسكرتير خاص في مؤتمر عمال المناجم و عمال مناجم الفحم الذي عقد في أثينا , بغرض تأسيس فيدرالية لعمال المناجم .
في أبريل نيسان 1920 عقد حزب العمال الاشتراكي مؤتمره الثاني . و طرد فيه كونستانتينوس سبيراس و جيانيس فانوراكيس من الحزب كعناصر معادية للحزب . تحدثت جريدة الراديكالي – الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي اليوناني – أيضا عن محاولة لطرد سبيراس من الكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين . لكن تبين أن هذا كان مستحيلا , بسبب تأثيره الكبير على الطبقة العاملة الأثينية و على عدد كبير من المندوبين . في 17 مايو ايار 1920 اعتقل سبيراس و قالت جريدة العلم الأحمر , لسان حال المنظمة الشيوعية في أثينا : “.. هذا شرف لنا لأن رفيقنا قد سجن بسبب إيديولوجيته العمالية ..” .
المؤتمر الثاني للكونيفدرالية العامة للعمال اليونانيين
في 1920 عقد المؤتمر الثاني للكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين بين 30 سبتمبر أيلول و 3 أكتوبر تشرين الأول . شارك فيه سبيراس كسكرتير لاتحاد عمال تبغ أثينا , و اتضح أن التيار اللاسلطوي النقابي كان قويا و تألف من ثلث المندوبين .
ما أن افتتح المؤتمر حتى اقترح سبيراس انسحاب الكونفيدرالية من أممية أمستردام النقابية , و هي منظمة اشتراكية ديمقراطية . جاءت المعارضة لهذا الاقتراح من جزء من حزب العمال الاشتراكي . يجب أن نذكر هنا أنه في تلك الفترة كانت كل فيدراليات الطبقة العاملة اللاسلطوية النقابية الرئيسية تشارك بفعالية في عملية إقامة الكومنترن ( الأممية الثالثة ) .
كانت القضية الأساسية للمؤتمر هي تعاون الكونفيدرالية و علاقتها مع حزب العمال الاشتراكي . دافع سبيراس و أعضاء آخرون من التيار اللاسلطوي النقابي عن استقلالية الكونفيدرالية , بينما أصر أعضاء حزب العمال الاشتراكي على التعاون بينهما . جاء التصويت لصالح وجهة النظر الثانية 157 مقابل 54 .
المسألة الثانية في المؤتمر كانت مسألة المساواة ( المعادلة ) بين الكونفيدرالية و حزب العمال . دعا اللاسلطويون النقابيون من خلال جيانيس فانوراكيس إلى أنه يجب أن تمثل المنظمتين بعدد متساوي من المندوبين , الذين يجب أن يكونوا متساوين في كل المسائل السياسية . بينما أصر مؤيدو حزب العمال الاشتراكي على أن يتولى الحزب دورا موجها و أكدوا هيمنتهم في التصويت الذي تلى هذا النقاش ب 104 مقابل 40 . في خطابه أمام المؤتمر خصص ن . ديميتيريوس ( أحد مؤيدي حزب العمال ) الدور السياسي الموجه لحزب العمال الاشتراكي و المسؤولية عن الحركة النقابية للكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين . كان رد سبيراس حادا . و هو يقرأ تعميما مشابها صادرا عن الكومنترن تمسك بالطبيعة الموحدة و الجماهيرية للكونفيدرالية و رفض “أولئك الذين يريدون تقسيم” الطبقة العاملة .
دعم سبيراس في خطابه العمل الديمقراطي المباشر للنقابات . مؤكدا على أنه يجب على العمال أن يشاركوا مباشرة في عملية اتخاذ القرارات من خلال جمعيات الكوادر . هكذا أصبح سبيراس في مواجهة مباشرة مع قيادة حزب العمال الاشتراكي التي تمسكت بأنه هذا الحق هو حصري بالعمال الصناعيين .
كانت مشاركة المجموعة النقابية اللاسلطوية في تعديل قواعد معينة لعمل الكونفيدرالية مهمة على نفس الدرجة . اقترحت المجموعة لامركزية عملية اتخاذ القرارات بنقلها من مستوى الفيدرالية إلى المراكز المحلية للعمال . و دعا سبيراس أيضا إلى أنه يجب على العمال أن يتنظموا ليس في فيدراليات نقابية لكل مهنة بل في فيدراليات موحدة في أماكن العمل , و هو مبدأ تتمسك به حتى الآن المنظمات اللاسلطوية النقابية .
منظمة الحياة الجديدة و حزب العمال المستقل
رغم طرده من حزب العمال الاشتراكي في اليونان حافظ سبيراس على تأثيره بين جماهير الطبقة العاملة . فقد انتخب سكرتيرا لفيدرالية عمال التبغ النشيطة و نجح في جعل الكثيرين فيها يتخلون عن حزب العمال الاشتراكي ليشكل معهم فيما بعد مجموعة الحياة الجديدة التي أصدرت في مارس آذار 1921 جريدة شيوعية مرتين أسبوعيا بنفس الاسم . بينما كانت مجموعة الحياة الجديدة مجموعة شيوعية فإنها لم تكن ماركسية أو لينينية حصرا . كان معظم أعضائها نقابيين لاسلطويين أو مناهضين للسلطوية و لم تكن تتبع الحزب الشيوعي “الأورثوذوكسي” الخ . دعمت المجموعة عند تأسيسها الأممية الثالثة لكنها فيما بعد سحبت تأييدها هذا كما فعل الكثير من اللاسلطويين و اللاسلطويين النقابيين في تلك الفترة .
مارست المجموعة تأثيرا هاما على الطبقة العاملة في أثينا , و شارك سبيراس و فانوراكيس في إدارة مركز العمال في أثينا لفترة طويلة من الوقت . كما تعاونت المجموعة مع مجموعات و منظمات أخرى تشكلت عقب طرد اليسار الراديكالي من حزب العمال الاشتراكي في اليونان , كمجموعة ( الشيوعية ) و ( الشبيبة الشيوعية المستقلة ) , و كلاهما من أنصار العقائد البلشفية .
في نوفمبر تشرين الثاني 1921 بعد دعوة فيدرالية عمال الترامواي إلى الإضراب اعتقل سبيراس ثانية و سجن في سجن سيغورو .
في شتاء 1922 أسست منظمة الحياة الجديدة حزب العمال المستقل . و جرت تحركات مشابهة بعد عدة سنوات في أوروبا بما في ذلك تأسيس الحزب النقابي في إسبانيا من قبل أنخيل بيستانا , و هو عضو سابق إصلاحي في الكونفيدرالية العامة للشغل في إسبانيا .
كان غالبية أعضاء الحزب الجديد من العمال . ذكرت جريدة ( غازيتا العمال ) أن العمال انضموا بكثافة إلى الحزب الجديد على امتداد اليونان . انعكست طبيعته العمالية إضافة إلى بعده عن عقائد الكومنترن في “إعلان أهدافه و مبادئه” : يمكن للعمال من خلال كونفيدراليتهم الموحدة أن يتجاوزوا خلافاتهم السياسية و أن يدافعوا عن مصالحهم .
انحل حزب العمال المستقل فيما بعد في عام 1925 نتيجة للقمع تحت ديكتاتورية ثيودوروس بانغالوس .
الطرد من الكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين
في بعد ظهر رابع يوم من المؤتمر الثالث للكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين , يوم الثلاثاء 30 مارس آار 1926 طرد سبيراس من الكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين رغم احتجاج الكثير من المندوبين . تلى ذلك معارضة قوية من تزيماس , أحد مندوبي الحزب الشيوعي في اليونان . لكن أفرام بينارويا خصم سبيراس الرئيسي منذ المؤتمر الأول للكونفيدرالية أدلى بشهادة وصف فيها سبيراس ب”عدو الطبقة العاملة” و أن طرده كان “منصفا” .
في دفاعه قال سبيراس أن الهجوم ضده تم تنظيمه من قيادة الحزب الشيوعي اليوناني ( حزب العمال الاشتراكي سابقا ) , و بدأه في اليوم الثاني من المؤتمر مندوبو الحزب الشيوعي غياكوماتوس , مارنيروس , و إيفاناغيلوس . أدان سبيراس الحزب الشيوعي أيضا لأنه أطلق ضده حربا شعواء , لم يعد قادرا نتيجة لها أن يجد عملا حتى . السبب وراء هذه الحرب كانت , كما قال سبيراس , معارضته لارتباط الكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين بالكومنترن . دافع سبيراس عن نفسه كمعادي للعسكريتاريا و وقف ضد اتهامه بأنه “عميل للدولة” . و شجب إيفانغيلوس ( أحد قادة الحزب الشيوعي ) لمحاولته شق طريقه بالرشوة إلى منصب الأمين العام للكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين بخمسين ألف دراخما وعد بها تحالف الطبقات العاملة ( مجموعة اشتراكية ) من خلال فوروس الذي يعمل صحفيا .
سنواته الأخيرة
يعرف القليل فقط عن حياة سبيراس بعد طرده من الكونفيدرالية العامة للعمال اليونانيين . من عام 1930 فما بعد عمل كقاطع للتذاكر في سكك حديد أثينا – بيرايوس الكهربائية . و لفترة قصيرة سكن في منطقة كولوكينثو , ثم انتقل بعدها إلى ميتاكسورغيو , في 68 شارع كونولوس , في الطابق الأرضي لمنزل يتألف من طابقين . تألف منزله من غرفة نوم , صالة و مطبخ . في 1931 تزوج ثانية من مارينا ستاماتاكي و رزق بابنة ثالثة , أرتيمسيا – نيفيلي .
من الأكيد أنه قد شارك في حركة عمال السكك الحديدية و في الإضرابات الكبرى التي اندلعت أثناء تلك الفترة . و من الأكيد أيضا أنه قد اختلف مع مجموعة قيادة هذه النقابة ( تحت قيادة د . ستراتيس ) .
كتب سبيراس تاريخ حركة الطبقة العاملة , لكن هذا العمل سرقه لسوء الحظ د . ستراتيس في عام 1957 و هو مقفود منذ ذلك الوقت .
أثناء حياته تعرض سبيراس للاعتقال , السجن أو النفي 109 مرات . آخر فترة قضاها داخل السجن كانت تحت ديكتاتورية إيوانيس ميتاكاس , حيث قضى بعض الوقت في سجن جزيرة سكوبيولوس . أطلق سراحه و هو نصف ميت , بعد إعلان الحرب اليونانية الإيطالية بوقت قصير . أنقذ حياته أحد أطباء سيريفوس الذي عالجه مجانا . أثناء احتلال قوات النحور لليونان , كان يعيش مع عائلته في ميتاكسورغيو .
موته
في 14 سبتمبر أيلول 1943 استدعاه الكابتن أورستيس إلى اجتماع في قرية ماندرا , التي تقع بعيدا خارج أثينا . “أوستيس” هو الاسم الحركي لخريستوس مودريهاس , و هو كادر كبير في الحزب الشيوعي اليوناني و أحد قادة قوات المقاومة التي يودها الشيوعيون . و قد أحس بالخطر ودع سبيراس أسرته و توجه إلى اللقاء . بعد وقت قصير قام مودريهاس و أتباعه بقطع رأسه ثم نثروا بقايا جسده في مكان ما من أتيكا الغربية . لم يعرف المكان الدقيق لدفن جثته أبدا . في 28 أكتوبر تشرين الأول 1943 نشرت جريدة الراديكالي – الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي اليوناني حتى وقتنا هذا – السطر التالي : “لقد اعتقلنا سبيراس ال.. ”
في مذكراته كتب أغيس ستيناس أن اسم سبيراس كان على قوائم الإعدام أو الموت التي وضعتها قوات الأنصار اليونانيين التابعة للحزب الشيوعي اليوناني إضافة إلى اسماء مناضلين آخرين من مناضلي الطبقة العاملة , و أعضاء من المعارضة الشيوعية اليسارية أو أناركيين عارضوا الحزب الشيوعي اليوناني .
كان كونستانتين سبيراس أحد رواد الحركة النقابية للطبقة العاملة في اليونان . و قضى الجزء الأكبر من حياته في السجن و المنفى . و حارب بكل قوته في سبيل انعتاق الطبقة العاملة , و في سبيل حركة نقابية مستقلة ذاتيا , في سبيل مجتمع من دون عبيد أو سادة . و كان يمثل النقابية الثورية و بالنتيجة كان عليه أن يتحمل غضب الدولة و الحزب الشيوعي . و تعرض أيضا للافتراء , و جرى تشويه أعماله و كتاباته و اخيرا تم قتله , إلى جانب الكثير من مناضلي الطبقة العاملة , باسم الطريقة الوحيدة و الواحدة “الأورثوذوكسية” للاشتراكية .

نقلا عن http://libcom.org/library/constantinos-speras