ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی

ما هى الأناركية الشيوعية ؟ / 1

واين برايس

ترجمة : تامر موافي

الجزء الأول:

المعانى المتناقضة للشيوعية

آمن كروبتكين و آخرون من الأناركيين الشيوعيين فى القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين برؤية تسمى الشيوعية .. و شارك ماركس و إنجلز هؤلاء الهدف نفسه فى الأساس .. فى مجتمع شيوعى بدون دولة و بلا طبقية تكون حيازة أدوات الإنتاج جماعية (فى يد المجتمع ككل) و يتم العمل لأهداف إجتماعية و ليس مقابل أجر و تكون السلع الإستهلاكية متاحة للجميع بحسب حاجاتهم.
و لكن أثناء الحرب الباردة أصبح للشيوعية معنى مختلفا تماما .. خضعت أمم كبرى لحكم من أسموا أنفسهم أحزابا شيوعية .. أدارت إقتصادات هذه الأمم دول شمولية و أنتج عمالها المغلوبون على أمرهم سلعا بيعت فى السوق المحلى و العالمى و عملوا مقابل أجورهم ( أى أنهم كانوا يبيعون قدرتهم على العمل كسلع لرؤسائهم).

فى ذلك العهد كان الشيوعيون هم هؤلاء الذين يدعمون هذا النوع من الدول الإستبدادية .. من بينهم كان مؤيدو موسكو فى الأحزاب الشيوعية و الماويون و ستالينيون آخرون و معظم التروتسكيين .. دعوا أنفسهم بالشيوعيين و كذلك دعاهم معارضوهم .. و على الجانب الآخر لم يكن “المعادون للشيوعية” هم ببساطة هؤلاء الذين ناهضوا هذه النظم و إنما مؤيدو الإمبريالية الغربية .. جماعة تراوحت من الليبراليين إلى الفاشيستيين .. و فى ذات الوقت ندد مؤيدو موسكو بالإشتراكيين التحرريين بوصفهم معادون للشيوعية و معادون للسوفيت .. و لجأ البعض إلى تسمية أنفسهم بالمعادين لأعداء الشيوعية كطريقة للقول بأنهم لا يقبلون بالشيوعية و لكنهم ضد الإضطهاد المكارثى.

اليوم فى عهد جديد .. الإتحاد السوفيتى قد إنهار و كذلك حزبه الشيوعى الحاكم .. صحيح أن بعض تلك الدول مازال قائما بعد إدخال بعض التعديلات فى الصين و كوبا و أماكن أخرى .. و لسوء الحظ مازالوا يلهمون بعض الناس .. و لكن عدد و ثقل الأحزاب الشيوعية قد تضاءل بشكل عام .. فى المقابل فإن هناك تزايدا فى أعداد هؤلاء الذين يعلنون إنتمائهم إلى الأناركية و تيارها الأكبر و هو الأناركية الشيوعية .. يبقى آخرون متأثرون بماركس و لكنهم يتطلعون إلى تفسيرات تحررية و إنسانية لأعماله .. فكيف إذن ينبغى أن نستخدم مصطلح الشيوعية اليوم؟ هل يظل معناه هو نفسه كما فى الفترات الماضية؟ .. فى التالى سوف أستعرض تاريخ المصطلح و معانيه.

بينما دعا مؤسسو الحركة الأناركية (برودون و باكونين) أنفسهم بالإشتراكيين إلا أنهم قد نددوا بالشيوعية .. أحد العبارات التقليدية لبرودون هى أن الشيوعية “نظام أستبدادى و سلطوى يستند إلى مسلمة أولية هى خضوع الفرد للجماعة و أن المواطن ملك للدولة” [مقتبس فى بوبر، 1958؛ ص 30-31] .. و يقول باكونين: “إننى أحتقر الشيوعية لأنها تنفى الحرية .. و أنا لست شيوعيا لأن الشيوعية تنتهى بالضرورة إلى تركيز الملكية فى يد الدولة” [مقتبس فى ليير، 2006؛ ص 191] .. و من ثم دعا برودون نفسه تعاونيا Mutualist و دعا باكونين نفسه جمعويا Collectivist.
إذا ما تصورنا أحد الأديرة أو أحد الجيوش (حيث يعطى كل الجنود طعامهم و ملبسهم و مأواهم) فمن السهل أن نرى كيف أن الشيوعية (من نوع ما) يمكن تخيل تناقضها مع الديموقراطية و الحرية و المساواة .. فى كتاباته الأولى  ندد ماركس ب”الشيوعية الخام” التى فيها “يكون المجتمع مجتمع عمل و مساواة فى الأجر الذى يدفعه المجتمع كرأسمالى أوحد” [ماركس، 1961؛ ص 125-126] .. و مع ذلك فقد دعا ماركس و إنجلز أنفسهم بالشيوعيين و هو مصطلح فضلاه على مصطلح الإشتراكيين الأقل تحديدا بالرغم من أنهما إستخدما مصطلح الإشتراكيين أيضا. (كره ماركس و إنجلز مصطلح “الإشتراكيون الديموقراطيون” الذى إستخدمه الماركسيون الألمان).
شرح ماركس بأكثر وضوح ممكن مفهومه عن الشيوعية فى كتابه “نقد برنامج جوثا” و فيه أن الشيوعية هى “مجتمع تعاونى ينبنى على الملكية المجتمعية لوسائل الإنتاج …” [ماركس، 1974 ؛ ص 345] .. فى “المرحلة الأولى للمجتمع الشيوعى …” [ص 347] تستمر الندرة و الحاجة إلى العمل. “نحن هنا نتعامل مع مجتمع شيوعى و قد ولد لتوه من رحم مجتمع رأسمالى و لا يزال منطبعا بعلامات الولادة الموروثة عن المجتمع القديم …” [346] .. فى هذه المرحلة الدنيا من الشيوعية تنبأ ماركس أن يتلقى الأفراد شهادات توضح قدر العمل الذى أسهموا به (مخصوما منه مقدار يخصص للتمويل المشترك) .. و بإستخدام هذه الشهادات يمكن للأفراد أن يحصلوا على السلع التى إحتاجت لإنتاجها القدر نفسه من العمل .. مع ملاحظة أن هذه الشهادات ليست نقودا لأنه لا يمكن مراكمتها (إدخارها) .. ولكن هذا يظل نظاما للحقوق و المساواة البرجوازية يتم فيه تبادل وحدات متساوية من العمل .. و مع الأخذ فى الإعتبار بأن للناس قدرات مختلفة و إحتياجات مختلفة فإن هذه المساواة تؤدى إلى قدر من “عدم المساواة”.
و يصدح ماركس بالقول بأنه “فى مرحلة متقدمة للمجتمع الشيوعى عندما يختفى خضوع الأفراد لعبودية تقسيم العمل و من ثم التناقض بين العمل العقلى و البدنى و عندما لا يعود العمل مجرد وسيلة للبقاء على قيد الحياة و إنما يصبح حاجة حيوية فى حد ذاته، و عندما تزيد التنمية المتكاملة للأفراد من قدراتهم الإنتاجية و تفيض ينابيع الثروة التعاونية بوفرة أكبر .. عندها فقط يمكن للمجتمع أن يعبر بمجمله الأفق الضيق للحق البرجوازى و يكتب على علمه: من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته!” [ص 347]
(لسبب لا يعلمه أحد سواه أعاد لينين تسمية المرحلة الأولى للمجتمع الشيوعى بالإشتراكية و المرحلة الأكثر تقدما للمجتمع الشيوعى بالشيوعية .. و تبع أغلب اليسار هذا الإستخدام المضطرب).
برغم رفضه لمصطلح الشيوعية، طرح باكونين تصورا لمرحلتين من تطور إقتصاد ما بعد الثورة و فقا لصديقه جيمس جويلام الذى كتب فى عام 1874 دراسة أوجز فيها رؤى باكونين .. “ينبغى أن يقودنا مبدأ من كل حسب استطاعته إلى كل حسب حاجته، عندما يمكن للإنتاج أن يتخطى الإستهلاك بفضل الصناعة و الزراعة المعتمدين على العلم و هو ما يمكن تحقيقه خلال بضعة أعوام بعد الثورةفلن يكون من الضرورى تحديد نصيب كل عامل من السلع .. سيكون لكل إنسان أن يحصل على حاجته من إحتياطى السلع الوفير المتاح للمجتمع .. حتى ذلك الحين سيقرر كل مجتمع لنفسه خلال الفترة الإنتقالية ما يعتبره الطريقة الأمثل لتوزيع إنتاج العمل المشترك” [فى باكونين، 1980 ؛ ص 361-362] .. و هو يذكر بدائل مختلفة لنظم توزيع الدخل فى الفترة الإنتقالية، “… نظم سيتم تجربتها لإكتشاف كيف يمكن أن تعمل” [ص 361].
ما يطرحه “الإقتصاد التشاركى” Participatory Economics اليوم و الذى يكافأ العمال فيه وفق وطأة العمل و مدته الزمنية فى إطار إقتصاد تعاونى يمكن أن يتوافق مع مفهوم باكونين أو ماركس لمرحلة إبتدائية مؤقتة لمجتمع حر .. و لكن بخلاف التشاركيين فقد لاحظ ماركس و باكونين أن مثل هذا الوضع يبقى محدودا .. فبالنسبة لماركس و باكونين إذن تتطلب الشيوعية الكاملة مستوى مرتفعا من الإنتاجية و الرخاء أو إقتصاد ما بعد الندرة حيث بتوافر للناس متسع من وقت الفراغ للمشاركة فى صنع القرار فى العمل و فى المجتمع بما ينهى التمايز بين من يصدرون الأوامر و من يتلقونها .. و لكن ماركس أو باكونين لم يصفا آلية إجتماعية للإنتقال من مرحلة إلى أخرى.
رفض كروبوتكين تصور المرحلتين لكل من الماركسيين و الأناركيين الجمعويين .. و طرح بدلا من ذلك تصوره أن المجتمع الثورى ينبغى أن “يحول نفسه فورا إلى مجتمع شيوعى.” [1975 ؛ ص 98] بمعنى أن عليه أن يتجه مباشرة إلى ما إعتبره ماركس مرحلة أكثر إكتمالا و تقدما من الشيوعية .. و دعا كروبوتكين و من إتفقوا معه أنفسهم “أناركيون شيوعيون” ( أو شيوعيون أناركيون)، برغم أنهم استمروا فى إعتبار أنفسهم جزءا من الحركة الإشتراكية الأوسع.
فى رأى كروبوتكين لا يمكن تنظيم إقتصاد فى جزء منه وفق مبادئ رأسمالية و على أساس مبادئ شيوعية فى أجزاء أخرى فمكافأة العمال على أساس قدر التدريب الذى حصلوا عليه أو حتى بمقدار صعوبة عملهم ستؤدى إلى خلق تقسيم طبقى و الحاجة إلى وجود دولة تشرف على كل شيئ .. كما أنه من غير الممكن تحديد قدر مساهمة كل فرد  فى نظام إنتاج تعاونى معقد حتى يمكن مكافأته بقدر عمله.
بدلا من ذلك إقترح كروبوتكين أنه بالنسبة لمدينة كبرى أثناء الثورة، “يمكنها تنظيم شؤونها وفق المبادئ الحرة للشيوعية بأن تضمن لكل ساكن مقيم فيها طعامه و ملبسه فى مقابل خمس ساعات من العمل .. و بالنسبة لجميع ما يمكن إعتباره سلعا كمالية فيمكن لأى أحد الحصول عليها إذا ما إلتحق بواحدة من الروابط الحرة [التى تدير شؤون المدينة] بأنواعها …”[ص 118-119] .. هذا سيقتضى التكامل بين العمل الزراعى و الصناعى و بين العمل البدنى و العقلى .. و لكن يبقى عنصر من القسر فى إقتراح كروبوتكين .. فمن المفترض أن هؤلاء البالغين صحيحى الجسم الذين لن يسهموا بالعمل لخمس ساعات يوميا لن يحصلوا على ضمانات الحد الأدنى [المأكل و الملبس].
أصبحت الأناركية الشيوعية هى السائدة بين الأناركيين إلى حد أنه أصبح من النادر أن تجد أناركيا (فيم عدا الأناركيون الإنعزاليون) لا يقبل الشيوعية بغض النظر عن الإختلافات التى قد تكون بينهم .. فى حين يدعو الماركسيون أنفسهم بالإشتراكيين الديموقراطيين منذ زمن بعيد .. و عندما نشبت الحرب العالمية الأولى دعمت الأحزاب الإشتراكية الديموقراطية الرئيسية الحرب التى بدأها الرأسماليون فى دولهم و دعا لينين الجناح الثورى للأممية الإشتراكية الديموقراطية إلى الإنشقاق عن خونة الإشتراكية .. و فى هذا الإطار دعا إلى أن يسمى حزبه البلشفى و أمثاله من الأحزاب أنفسهم أحزابا شيوعية كما فعل ماركس .. و إشتكى بعض أتباعه من أن هذا قد يسبب إختلاطا للأمر لدى العمال و يجعل البلاشفة يبدون مماثلين للأناركيين الشيوعيين .. و لكن لينين أعلن أن الأهم هو ألا يتم الخلط بينهم و بين الإصلاحيين من الإشتراكيين الديموقراطيين .. و نجح لينين فى فرض رأيه (كما فعل دائما فى حزبه) .. و بذلك إسترد الماركسيون مصطلح الشيوعية مرة أخرى .. و مع بروز نموذج الثورة الروسية إلتفت أغلب ذوى الفكر الثورى إلى اللينينيين و أصبح الأناركيون أكثر هامشية فأصبح مصطلح شيوعى فى الغالب مرتبطا باللينينيين.
سيناقش الجزء الثانى من المقال: هل الأناركية الشيوعية ممكنة؟ و هل تتطلب مجتمعا تخطى ندرة الموارد؟ و هل ينبغى للأناركيين أن يدعو أنفسهم شيوعيين (و متى؟ و أين).
References
●    Bakunin, Michael (1980). Bakunin on anarchism. (Sam Dolgoff, ed.). Montreal: Black Rose Books.
●    Buber, Martin (1958). Paths in utopia. Boston: Beacon Hill/Macmillan
●    Kropotkin, Peter (1975). The essential Kropotkin. (E. Capouya & K. Tomkins, eds.). NY: Liveright.
●    Leier, Mark (2006). Bakunin; A biography. NY: Thomas Dunne Books/St. Martin’s Press.
●    Marx, Karl (1961). Economic and philosophical manuscripts. In Eric Fromm, Marx’s concept of man. NY: Frederick Ungar.
●    Marx, Karl (1974). The First International and after; Political writings, vol. III. (David Fernbach, ed.). NY: Vintage Books/Random House.

ما هي الأناركية الشيوعية ؟ / 2

واين برايس

ترجمة : تامر موافي

فى القرن التالى لكتابات كروبوتكين و ماركس كان ثمة تزايدا هائلا فى الإنتاجية .. طوال آلاف من السنين كان على 95% إلى 98% من البشر أن ينخرطوا فى إنتاج الغذاء بشكل أو بآخر .. و لكن اليوم إنعكست النسبة ففى الولايات المتحدة مثلا يعمل 2% إلى 3% فقط فى الزراعة .. بالمثل بالنسبة للمصانع المميكنة يؤكد البعض أن بالإمكان إنتاج ما يكفى لحياة مريحة لكل إنسان .. يمكن لعدد من يتطوعون للعمل أن يكون أكبر مما هو مطلوب للوظائف الضرورية .. يمكن لإقتصاد صناعى تعاونى و مخطط ديموقراطيا أن يمنح كل إنسان الكثير من وقت الفراغ .. هذا أساسى لأى مجتمع ينبنى على الديموقراطية من أسفل إلى أعلى .. فى جميع الثورات السابقة، بمجرد إنقضاء الإضطرابات عادت الجماهير إلى طاحونة العمل اليومى فيما توافر لقلة فقط الوقت لإدارة الأمور فعليا .. مع توافر وقت الفراغ للجميع فإنهم سيكونون أحرارا بما يكفى لأن يديروا ذاتيا أماكن السكن و العمل و المجتمع فى مجمله.
بإختصار توجد كافة الشروط التكنولوجية اللازمة للشيوعية التحررية الكاملة التى أسماها ماركس “المرحلة العليا للشيوعية” .. و من ثم فقد جادل البعض بأنه من الممكن التقدم فورا إلى الشيوعية الكاملة بمجرد أن تتحقق الشروط الإجتماعية و السياسية .. ولكننى لا أعتقد أن هذا صحيح.
السبب الوحيد هو أن التكنولوجيا الإنتاجية التى نملكها هى تكنولوجيا خلقتها الرأسمالية و لأجل الرأسمالية و هى عالية الإنتاجية فقط وفق شروط إنجاز الأهداف الرأسمالية أى مراكمة رأس المال .. وفق شروط أخرى هى فى الواقع تهدر قدرا هائلا من الموارد و هى مدمرة و ملوثة للبيئة مما يعرض عديد من أنواع الكائنات الحية للإنقراض و هى تستنفذ الموارد غير المتجددة و تختزن القنابل النووية و تتسبب فى الإحتباس الحرارى. وفق الشروط الإنسانية تم تنمية هذه التكنولوجيا عمدا لتحجيم العمال و لتحول بيننا و بين التفكير و لتحافظ على الهرمية الإجتماعية .. لذا ففى أعقاب الثورة سيكون على العمال إعادة بناء التكنولوجيا الصناعية لجعلها قابلة للإستمرار دون إلحاق الضرر بالبيئة و للتخلص من الإنقسام بين من يعطون الأوامر و من يتلقونها .. ينبغى لنا أن نخلق تكنولوجيا جديدة منتجة بشكل يحفز الإبداع الإنسانى و التناغم البيئى.

الحاجة إلى إنتاج عالمى متزايد

أيضا و بالرغم من أن أمريكا الشمالية و أوروبا الغربية و اليابان و قليل من الأماكن الأخرى لديها الكثير من التكنولوجيا الحديثة إلا أن هذا ليس هو حال غالبية العالم .. ما يسمى بالعالم الثالث ليس تصنيعيا بالقدر الكافى أو المتوازن حاليا .. هذه البلدان التى يتم إفقارها و إستغلالها لا تمتلك من الثروة أو الصناعة ما يكفى أن تتجه حتى إلى المرحلة الأدنى للشيوعية (التى يسميها لينين مرحلة الإشتراكية) ناهيك عن أن تحقق الشيوعية الكاملة .. يمكن للعمال و الفلاحين أن ينتزعوا السلطة فى بلدانهم و ينشئون نظاما من المجالس العمالية و المجالس الشعبية و لكن لتدعيم مسيرتهم إلى الشيوعية سيكون عليهم إشعال الثورة فى البلدان الصناعية الإستعمارية حتى يحصلوا على معونة شعوبها.
أنا لا أتفق مع الشيوعيين المجالسيين و غيرهم من الماركسيين الذين يدعون أن الأمم المقموعة يمكنها فقط القيام بثورات برجوازية بل إنى أعتقد على العكس من ذلك أن عمال و فلاحى هذه الأمم يمكنهم الإطاحة بالبرجوازية المحلية ثم ينشرون الثورة إلى البلدان الصناعية التى ستساعدهم فى التنمية وصولا إلى الشيوعية .. هذه الرؤية تناقض مفهوم ستالين عن بناء الإشتراكية فى بلد واحد لأن قدرا كبيرا من المساعدة من قبل الأجزاء الصناعية من الكوكب ستحتاجه تنمية إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية بشكل إنسانى و ديموقراطى و متوازن بيئيا.
و بالتالى فإن القول بأن الشروط التكنولوجية اللازمة للشيوعية الكاملة موجودة هو صحيح بالتأكيد و لكنه صحيح ضمنيا .. فالإنسانية تمتلك المعرفة التقنية و المهارات الضرورية لبناء عالم من الوفرة يتيح وقت فراغ للجميع و بشكل متوازن مع العالم الطبيعى و لكن الأمر سيتطلب كثيرا من العمل بعد الثورة لخلق هذا العالم.

مراحل الشيوعية

لهذه الأسباب تصور الشيوعيون التحرريون دائما أن يتحقق التغيير نحو مجتمع شيوعى كامل عبر فترة زمنية و بشكل مرحلى فى أعقاب الثورة .. إقترح ماركس المرحلتين العليا و الدنيا للشيوعية و عبر باكونين عن الشيئ نفسه بشكل ضمنى .. حتى كروبوتكين قد إقترح نوعا من المرحلية للشيوعية الكاملة .. فقد أوضح كروبوتكين أنه بعد الثورة مباشرة سيتعين على أفراد الطبقة العاملة البالغين أن يعملوا لنصف يوم (5 ساعات) حتى يمكن توفير قدر مناسب من الغذاء و الكساء و المأوى .. غالبية السلع ستكون كمياتها محدودة و من ثم ينبغى أن يدير المجتمع عملية توزيعها .. بمرور الوقت و مع تحسن الإنتاجية سيتطور الإقتصاد إلى الشيوعية الكاملة .. ستصبح معظم السلع وفيرة و يمكن للناس أن تحصل عليها من على أرفف مخازن المجتمع .. و سيمارس العمل بسبب الوعى الإجتماعى و الرغبة فى النشاط و لكن هذا كله لن يكون ممكنا لحظيا.
ثمة عامل آخر .. فالأقرب إلى التصور أن يقوم بالثورة جبهة متحدة من مجموعات سياسية متعددة مناهضة للرأسمالية .. فأمريكا الشمالية و أوروبا على سبيل المثال أضخم و أكثر تعقيدا من أن تحوذ منظمة ثورية واحدة الأفضل بين الأفكار و المناضلين .. سيكون على هذه المجموعات أن تعمل سويا و لكن بعضهم فقط سيكونون من الأناركيين الشيوعيين .. فإذا ما إستبعدنا السلطويين المتمسكين بنمط الدولة فإننا على أغلب الظن سنتحالف مع التشاركيين و الأناركيين غير الشيوعيين و الإشتراكيين الديموقراطيين الثوريين و أنواع مختلفة من الخضر إلى آخره .. و لا يمكننا أن نرغم كل هؤلاء على العيش فى إطار الأناركية الشيوعية .. فالشيوعية التحررية (الإجبارية) هى تناقض فى المصطلحات! .. قد تقرر الغالبية فى إقليم ما أن تعيش وفق الأناركية الشيوعية و لكن أقاليم مجاورة قد تعتمد نمطا تشاركيا (الإقتصاد التشاركى Participatory Economics) .. طالما لم يتم إستغلال العمال فإن الأناركيون الشيوعيون لن يبدأوا حربا أهلية داخل الثورة .. بشكل تجريبى سيتم إختبار مقاربات مختلفة فى أقاليم مختلفة و سوف نتعلم من بعضنا البعض.
كتب مالاتيستا [1984]، “إن الشيوعية المفروضة قسرا ستكون أكثر ما يمكن لعقل الإنسان أن يتصوره من أشكال الطغيان بشاعة .. و سوف تكون الشيوعية الطوعية و الحرة مدعاة للسخرية إن لم يمتلك الإنسان حق و إمكانية أن يعيش فى نظام مختلف سواء كان جمعويا أو تعاونيا أو إنعزاليا كيفما يشاء ، دائما بشرط ألا يكون هناك قمع أو إستغلال للآخرين” [ص 103] .. و توقع أن ينتصر فى النهاية نوع من الأناركية الشيوعية و لكنه شعر بأن هذا قد  يتطلب وقتا طويلا لتحقيقه فى كل مكان.

هل ينبغى أن نعتبر أنفسنا شيوعيين؟

الأناركية الشيوعية هى هدف عملى مع التكنولوجيا الحديثة سواء كان علينا أن نمر خلال مراحل و حلول وسط مختلفة أو لم يكن علينا ذلك .. و لكن هذا لا يجيب السؤال: هل ينبغى أن نعتبر أنفسنا شيوعيين؟ .. نحن فى النهاية معادون لكل دولة شيوعية قائمة أو كانت قائمة فى أى وقت و نحن معادون لكل حزب شيوعى .. و لكننا لا يمكننا أن نعتبر أنفسنا معادون للشيوعية حيث يعتبر هذا عادة قبولا بالأمبريالية الغربية و بديموقراطيتها المحدودة (إلى حد كبير) و حكمها من قبل أقلية طبقية. نحن معادون لهذا الحكم الطبقى أكثر كثيرا مما كانت الأحزاب الشيوعية معادية له. و لكننا نقبل بأهداف كروبوتكين و كارل ماركس  المتمثلة فى مجتمع بلا طبقية و بلا دولة ينظمه مبدأ، “من كل حسب قدراته إلى كل حسب حاجاته” .. بهذا المعنى نحن حقا شيوعيون أصلاء.
التيار العام للأناركية التاريخية كان هو الأناركية الشيوعية و يمكننا بل أعتقد أنه ينبغى علينا أن نحدد هويتنا بالإنتماء إلى التراث الشيوعى فى الأناركية و الذى يمتد إلى باكونين (كهدف) و إلى كروبوتكين (كعنوان) و إلى مالاتيستا و إيما جولدمان و تقريبا كل أناركى فى عصرهم .. كان ثمة صراع بين هؤلاء الأناركيين الذين دعوا أنفسهم بالأناركيين الشيوعيين و بين هؤلاء الذين دعوا أنفسهم بالأناركيين النقابيين (السندكاليين) و لكنه لم يكن بينهم خلاف من حيث المبدأ.. كان الأناركيون الشيوعيون يخشون أن يذيب الأناركيون النقابيون أنفسهم فى الحركة النقابية الثورية و كان الأناركيون النقابيون يخشون أن يقلل الأناركيون الشيوعيون من شأن مركزية و أهمية التنظيم العمالى .. و لكن الأناركيين الشيوعيين قد قبلوا فى معظمهم بحاجة الطبقة العاملة إلى التنظيم الذاتى و بشكل خاص حاجتها إلى الإتحادات العمالية فى حين شاركهم الأناركيون النقابيون هدف الشيوعية التحررية.
إتفاقنا فى العصر الحديث مع الأناركبة الشيوعية كهدف للطبقة العاملة ينبغى بالتأكيد أن ينص عليه فى كتاباتنا و برامجنا و لكن هل ينبغى أن يبرز النص عليه فى منشوراتنا و أسماء منظماتنا؟
إجابتى هى أن هذا أمر يعتمد على عوامل أخرى .. ففى بعض البلدان لمصطلح الشيوعية مفهوم إيجابى لدى معظم المناضلين من العمال و هذا عامة نتيجة للتضحية التاريخية بالنفس و لكفاح كوادر الأحزاب الشيوعية بغض النظر عن مظاهر ضعفهم .. هذا هو الحال فيما يبدو فى جنوب إفريقيا على سبيل المثال حيث أسس زملاء لنا فى الفكر جبهة زابالاتسا الأناركية الشيوعية.
و لكن للشيوعية فى بلدان أخرى مفهوم سلبى للغاية .. ليس هذا فقط نتيجة للدعاية البرجوازية السلبية و لكنه أيضا نتيجة 75 عاما من إرتباط هذا المفهوم بالشمولية الحقيقية للإتحاد السوفيتى .. لقد دعا هذا النظام نفسه شيوعيا و كذلك فعل تابعوه و مقلدوه فى أوروبا الشرقية و الصين .. إلخ .. و فى بلدان أخرى يعرف الشيوعيون بتقديسهم إلى حد العبادة للإتحاد السوفيتى و سيطرتهم ثقيلة الوطأة على أتباعهم و كذلك لإصلاحيتهم الإنتهازية .. و أعتقد أنه لهذه الأسباب قد إستبدل الإتحاد الأناركى الشيوعى فى المملكة المتحدة اسمه إلى الإتحاد الأناركى .. و من الواضح أن حركة التضامن العمالى الأيرلندية لا يتضمن اسمها كلمة “شيوعية” .. مما يعنى أن غياب لفظ الشيوعية من أسماء منظماتنا لا يعنى التخلى عن التراث الشيوعى.
أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية تنتمى إلى النوع الثانى و من ثم فإن إضافة لفظ شيوعية إلى اسمنا يخلق حاجزا لا داعى له بيننا و بين معظم العمال الأمريكيين فهذا يجعل من الصعب تمييز أنفسنا عن التيارات السلطوية التى تدعو نفسها بالشيوعية و لذا فإننى أصوت ضد هذا الإستخدام خاصة إذا ما أتيح لنا فى يوم من الأيام تكوين إتحاد يمتد فى أمريكا الشمالية كلها.
يستخدم وصف “الإشتراكية التحررية” عادة بين الأناركيين لتمييز أنفسنا عن الإنعزاليين و التحرريين المؤيدين للرأسمالية .. أنا أفضل مصطلح “الأناركى الإشتراكى” و يتفق مع ذلك مالاتيستا فيقول “لقد دعونا أنفسنا دائما بالأناركيين الإشتراكيين”[ص 143] .. الإشتراكية هى مصطلح أقل تحديدا من الشيوعية .. و هى تعنى بالنسبة للبعض الإصلاحية نتيجة إستخدامها على نطاق واسع من قبل الإشتراكيين الديموقراطيين و كذلك الشيوعيين .. و لكنها على الأقل لا تعنى ضمنيا الشمولية و القتل الجماعى و هى المشكلة الحقيقية .. فى المقابل دعا التروتسكيون أنفسهم بالإشتراكيين الثوريين لتمييز أنفسهم عن الستالينيين و كثير من غير التروتسكيين يستخدمون بطاقة الإشتراكيين الثوريين أيضا .. و عبر أجيال إستخدمت ” الإشتراكية التحررية” أيضا لتعنى الأناركية.
تفضيلى لمسمى “الأناركية الإشتراكية”  و ” الإشتراكية التحررية” على “الأناركية الشيوعية” هو تفضيل شخصى و قد يمثل رؤية الأقلية بين الأناركيون الشيوعيون فى الولايات المتحدة .. على أى حال هى ليست مسألة مبدأ فالمحتوى لا العنوان هو ما يهم أكثر.

References

Malatesta, Errico (1984). Errico Malatesta; His life and ideas (Vernon Richards, ed.). London: Freedom Press.

حدثت الانتفاضة ونحن فى انتظار الكارثة أو الثورة

سامح سعید عبود

كتبت منذ أكثر من سبع سنوات مقال بعنوان “ما قد يحدث من انتفاضة وما قد يعقبها من كارثة”، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=14176 ، وحدثت الانتفاضة بالفعل، ولكن ما لم اتوقعه أنها جاءت فى سياق موجة ثورية اجتاحت العديد من بلاد العالم عامة، والبلاد العربية خصوصا، وهو ما سوف ينعكس بالضرورة على التطورات المحتملة لوضع الانتفاضة الثورية المصرية، كما أن ما سوف تؤول إليه الانتفاضة سوف ينعكس بدوره على تطورات الأوضاع فى الانتفاضات الثورية الأخرى، التى لا يمكن فصلها أو عزلها عن بعضها البعض فى انتصاراتها أو فى اخفاقاتها، ومن ثم فضمان انتصار الانتفاضة المصرية وغيرها من الانتفاضات فى البلاد الأخرى، وتحولها لثورات تحرر اجتماعى حقيقى، مرهون بوحدة القوى الاجتماعية الثورية المتشابه فى مصالحها فى البلاد التى نشبت فيها الانتفاضات الثورية، والبلاد التى مازالت تنتظر دورها فى الانتفاض، تلك الوحدة لابد و أن تكون شيئا أكبر من مجرد التضامن الأممى، إذ لابد وأن تتجاوزه لتوحد تنظيمى واستراتيجى، ذلك أنه فى حالة انعدام هذه الوحدة، فإن انهيار كل أو بعض تلك الانتفاضات وانكسارها سوف يكون هو الأكثر احتمالا من احتمالات انتصاراتها، وتحولها من انتفاضة ثورية محدودة الأفق إلى ثورة تحرر اجتماعى.

فتلك الانتفاضات الثورية خاصة فى البلاد العربية تواجه أربع احتمالات للتطور، إما نجاح النظام فى إعادة إنتاج نفسه مجملا نفسه ببعض الإصلاحات الشكلية فى الأشخاص فبدلا من حسنى مبارك يأتى عمر سليمان أو شفيق أو عمرو موسى، وإما نظام أكثر ديمقراطية وتحرر، وأقل فسادا وحداثة، مع الحفاظ على الجوهر الرأسمالى للنظام، أو السقوط فى الفاشية أيما كانت ايديولوجيتها دينية أو قومية، سواء أكانت تميل يسارا أو يمينا، أما الاحتمال الأخير فهو تحول تلك الانتفاضات لثورات اجتماعية تتجاوز الرأسمالية والدولة المركزية القمعية وبيروقراطيتها، وأبواب كل تلك الاحتمالات مفتوحة، تزداد أو تنقص فرصها فى الحدوث، بتفاعل العديد من العوامل المحلية والدولية.
تلك الزاوية الأممية للرؤية تتناقض بالطبع مع الزوايا المحلية السائدة، و غلبة التيارات السياسية التى تصدر الخطابات القومية والدينية والشعبوية والإصلاحية على الساحة السياسية، وهو ما يشكل خطرا على التطور المأمول لتلك الانتفاضات، وانخفاض السقف المتاح لتطورها، فتلك الزوايا المحلية ضيقة الأفق تتجاهل أن نجاح الثورة الديمقراطية فى بلد كإيران سوف يشكل دافع كبير لنجاح الانتفاضات الديمقراطية التى تجتاح العالم العربى بدلا من سقوط ثورات تلك البلاد فى هوة الدولة الدينية الاستبدادية بطبيعتها، و أن سقوط ولاية الفقية سوف يشكل هزيمة للإسلام السياسى باعتباره العقبة الكبرى فى طريق التحول الديمقراطي الجذرى فى المنطقة العربية، وتتجاهل أن توازنات القوى الدولية، والجذور العالمية للأزمة، وما أدت إليه من انتفاضات، يمكن أن تشكل حائط الصد أمام القوى الشعبوية دينية كانت أو قومية لتولى سدة السلطة، وتحقيق كامل رؤيتها الأيديولوجية، حتى ولو كانت تحظى على شعبية ظاهرة مقارنة بانحسار الشعبية عن القوى الليبرالية والعلمانية، وأنه لا سبيل للقوى الشعبوية الدينية والقومية، إلا أن تقدم الكثير من التنازلات المتناقضة مع ايديولوجيتها الأصلية، لو أرادت الحكم، والاحتفاظ به على المدى الطويل.
على صعيد آخر، فإن تصاعد حركات الاحتجاج فى أسبانيا واليونان وايطاليا المطالبة بديمقراطية مشاركة مباشرة بديلا عن الديمقراطية البرلمانية، والمعادية للرأسمالية، إلى وضع الانتفاضة الثورية، سوف يساعد القوى اليسارية الجذرية الهامشية فى الانتفاضة المصرية التى تطالب بتلك الديمقراطية وذاك التجاوز للرأسمالية، فى أن تتحول من وضع الهامشية إلى أن تشكل قلب العملية الثورية، ومن هنا فإنه لا يجب أن نتغافل على أننا نعيش فى حالة ثورية عالمية، لا مجرد انتفاضة محلية، و الا نتغافل عن أن بعض الأجنحة الثورية الفاعلة، تتبنى رؤية ديمقراطية اجتماعية جذرية، تعتمد على نفس القوى الاجتماعية، والوسائل الثورية، فى حين تستخدم السلطات وقوى اجتماعية أخرى معادية لتلك الرؤية نفس الأساليب فى مقاومة الانتفاضات الثورية فى أن تتحول إلى ثورات تحرر اجتماعى، ليقتصر الأمر عند بعض اجنحتها على بعض الإصلاح فى النظام التى لا تمس جوهره.
بلا شك أن النخب الحاكمة فى العالم سواء أكانت فى الحكم أم فى المعارضة سوف تنسق وتتضامن فيما بينها، وتتحد فيما بينها لو شكلت تلك القوى الثورية الجذرية خطرا على مصالحها المشتركة، و هى تتصارع أو تتحالف فيما بينها هنا أو هناك، فى هذا الموقف أو ذاك، متفقة فى النهاية على قمع الثورة ذلك لو كانت فى السلطة أو ترويضها باحتضان بعض مطالبها الثانوية لو كانت فى المعارضة، فأى ما كانت تلك النخب السياسية فى تلوناتها المختلفة فهى برجوازية الجوهر ، سلطوية المضمون، حتى ولو تبنت الديمقراطية البرلمانية، حتى لو اختلفت فى الأيديولوجيات والبرامج والشعارات المعلنة، فهى فى النهاية تعبر عن مصالح البرجوازية والبيروقراطية كى تحتفظ بأكبر قدر من كعكعة الهيمنة الاجتماعية، وهى تتصارع وتتحالف من أجل هذا الهدف المشترك.
العامل الذى لم يجعل الانتفاضة الثورية المصرية مجرد حدث محلى كما توقعته فى المقال القديم أن هناك أحداثا عالمية تدخلت فى صنع الحدث الثورى فى مصر ليشتبك مع غيره من الأحداث الثورية فى البلدان الأخرى، هو الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، وهو ما يجعل هذا العامل الدولى جزءا هاما لا غنى عنه عند تحليل الوضع الحالى وتطوارته المحتملة، والتى يمكن أن نشير فى عجالة لبعض معالمه، وهى أزمة الرهون العقارية، وأزمة منطقة اليورو التى عصفت باقتصاديات اليونان وأسبانيا، وأخيرا أزمة الديون المحلية الأمريكية، و هو ما أغفلت انعكاساته على الوضع فى مصر الكثير من التحليلات، فشابها الكثير من القصور.
وما يؤكد هذا أنه على عكس ما تدعيه كذبا أجهزة الإعلام من أن هذه الانتفاضات هى انتفاضات شباب الطبقة الوسطى المرتبط باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، والمطالبة فقط بالإصلاح الديمقراطى، فإن هؤلاء الشباب وأن كانوا فجروا الشرارة، فإن الشرارة ماكان لها أن تتحول لسعير يقلب عروش أربع طغاة حتى الآن دون دعم شعبى واسع النطاق، و لكى نفهم المسألة فلابد أولا أن نتخلى عن مفاهيم مغلوطة مثل الطبقة الوسطى، ومصطلحات نسبية بطابعها مثل الغنى والفقر، والعلم والجهل، ولكى نصبح أكثر دقة علينا أن نتعامل مع مفاهيم أكثر دقة للتحليل الاجتماعى، مثل البلترة والبرجزة، فالبلترة لا تعنى بالضرورة الفقر والجهل، والبرجزة لا تعنى بالضرورة الغنى والعلم، فالبلترة والبرجزة وضعيتان طبقيتان، مرتبطتان بالوضع فى علاقات الإنتاج ـ تضع من يقع تحت مفهوم أحدهما فى صراع مع من يقع تحت المفهوم الآخر، بصرف النظر عن مستوى معيشتهما وتعليمهما.
إننا حقا امام شباب متعلم ميسور الحال قادر على استخدام وسائل الإتصال الحديثة، ولكنه فى الحقيقة يفتقد مهارات العمل والحياة، و لا علاقة غالبا بين ما يمتهنه من عمل وما حصل عليه من شهادات علمية، بعضه متعطل عن العمل يعيش على حساب أهله، أو مهمش يعيش من أعمال تافهة، وبعضه يعمل بأجور لا تكفيه ضرورات الحياة، وحتى المتميزين والمحظوظين منهم، وبرغم ما يحصلون عليه من أجور متميزة إلا انهم يعملون كالعبيد حتى يحافظوا على ما يحصلون عليه من مميزات، وهم غالبا لا يملكون كبعض صغار الموظفين والعمال فرص الانخراط فى أشكال الاقتصاد السرى، وقد سدت أمامهم أبواب الحل الفردى أو ما كانت تقدمه لهم دولة الرعاية الاجتماعية، التى توفرت لآبائهم من متوسطى العمر طوال العقود الماضية، لكل هذا كانوا لابد أن يبادروا هم بالثورة إلا أنهم لم ينجحوا فى مسعاهم إلا عندما استطاعوا جذب القطاعات الواسعة من البروليتاريا الأكثر فقر، والأقل تعليما، ولا شك أنه امتدادا لتلك الرؤية القاصرة بل والمغرضة يحاول البعض تصوير انتفاضة 25 يناير على إنها مجرد ثورة برجوازية تقليدية ذات مطالب ديمقراطية وتحررية محدودة، متناسين أن البرجوازية الكبيرة فى الحكم فعلا بجناحيها الرأـسمالى والبيروقراطى، و لا تحتاج لثورة كى تصل إليه، لتحقيق مصالحها، صحيح أن الرأسماليون كانوا منقسمين لرأسماليى دولة مستفيدين من النظام، وآخرين من المغضوب عليهم، إلا أن المغضوب عليهم يعنيهم رضى الدولة عنهم واستفادتهم منها لا تغيير جوهر النظام الرأسمالى، ولذلك دعموا الانتفاضة ليركبوها ويقمعوها حتى لا تتطور لما هو أخطر على مصالحهم الجوهرية.
أن الانتفاضة ما كانت لتنجح فى تحقيق أول انتصاراتها دون التدخل الفعال لفئات كانت العدالة الاجتماعية هى دافعها الأول للثورة، وأن الانتفاضة منذ أول لحظة رفعت شعارات العدالة الاجتماعية جنبا إلى جنب شعارات الحرية والكرامة الإنسانية، وأن ما يمكن أن يحمي الانتفاضة من الارتداد أو أن تستولى عليها قوى غير ديمقراطية أو قوى لا تحقق أى قدر من العدالة الاجتماعية، هو الحفاظ على جانبها الاجتماعى و الطبقى، مع التحفظ بالطبع على كلمة العدالة الاجتماعية الإنشائية التى لا تحمل أى معنى دقيق وملموس ومحدد.
الانتفاضة الثورية هى الخطوة الأولى فى أى ثورة، و هى تتحول لثورة فعلية عندما تستطيع إحداث تغيرات فى البنية الاقتصادية الاجتماعية السياسية للمجتمع، وقد تنكسر لتعيد إنتاج النظام القديم، أو لما هو أسوء من ذلك، ومن المؤكد أن الانتفاضة المصرية قد حلت الكثير من مؤسسات النظام السياسية كمجلسى الشعب والشورى والمجالس المحلية والحزب الحاكم ومؤسسة الرئاسة ووزراء الحكومة، إلا أن النظام القديم مازال ماثلا فى ما هو أهم من بعض مؤسساته وشخوصه ورموزه، وهو الإطار الأيديولوجى والدستورى والقانونى والقيمى الحاكم اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا.
لا شك أن النظام مازال قائما فى أسسه الاقتصادية و هى الأكثر جوهرية فى بنية النظام، من حيث أن الطبقات الحاكمة مازلت هى نفسها التى تحكم وتهيمن وهى مكونة من قسمين، بيروقراطية جهاز الدولة العتيدة الفاسدة، وفى القلب منها القيادات العليا فى الجيش، و القسم الآخر كبار الرأسماليين المرتبطين عضويا بالبيروقراطية الحاكمة، أما القطاعات الأخرى من الرأسمالية غير المرتبطة بجهاز الدولة وبيروقراطييها، والمتضررة من الوضع السابق، فسوف يكفيها فى النهاية،من خوضها غمار الانتفاضة، إما ارتباطها بجهاز الدولة، استمرارا لنفس النظام القديم، أو مجرد تحول ديمقراطى يضمن لهم فسادا أقل، وتدخلا أقل للدولة فى أعمالهم، وفرصا أكثر للعمل، بعيدا عن قبضة الدولة الحديدية على رقابهم، أنهم فى النهاية لا يسعون سوى إلى مجرد إصلاح لنفس النظام وتحديثه.
لن يتحقق أى انتصار نهائى للانتفاضة وتحولها إلى ثورة إلا باسقاط كافة من كان لهم سلطة اتخاذ القرار فى جهاز الدولة، بل وحتى قطاع واسع من صغار موظفى هذا الجهاز الفاسدين، وإعادة هيكلة وتطهير كافة مؤسسات الدولة، وبناء مؤسسات بديلة عنها، وإزالة كل الهيكل القانونى للنظام، والمؤسسات المبنية علي أساسه، وتغيير القيم الحاكمة، من أجل تقليص مهام الدولة ومركزيتها، وتغيير آليات عملها المتوغلة فى كل شأن عام وخاص، و فى النهاية فإن الثورة سوف تفقد معناها دون قدرتها على مصادرة كل الأموال النقدية والمنقولة والعقارية التي يثبت أنها جاءت فى أصولها من الجرائم والفساد الإدارى والمضاربات والمراهنات المختلفة على الأموال والأسهم والعقارات والمنقولات، وكل الثروات المعدة للمراهنات والمضاربات بلا تعويض، ذلك لإن غالبية الرأسماليين فى مصر وأعوانهم من رجال الدولة والبيروقراطيين ليسوا كهؤلاء الذين طالما انتقدتهم الحركات الاشتراكية، وأثبت لصوصيتهم ماركس، لأن هؤلاء شرفاء بمنطقهم البرجوازى..المشكلة أن معظم الرأسماليين لدينا مجرد لصوص تقليديين ينطبق عليهم قانون العقوبات البرجوازى نفسه لا قانون الثورة ضدهم، ومن ثم فمصادرة أموالهم لصالح الشعب ليس اجراءا اشتراكيا ثوريا، وإنما هو إجراء قانونى لتحقيق العدالة وفق القانون البرجوازى نفسه، فتلك الأموال هى التى تدعم قوى الثورة المضادة الآن، وسوف تدعم إعادة إنتاج النظام القديم، وإعاقة اصلاحه لما هو أفضل.
الانتفاضة الثورية المصرية شأنها شأن كل انتفاضة ثورية انضمت إليها أجنحة وقوى طبقية من الحلف الطبقى الحاكم، فلا شك أن الجيش وقطاعات أخرى من بيروقراطية الدولة كانت معارضة لمشروع توريث الحكم، وشلة المحاسيب المرتبطة بمبارك وآله، ولذا شاركت فى الانتفاضة، حماية لمصالحها هى لا مصالح الثوار الذين ذبحوا على مرأى منها، ولكنها ما إن ضمنت تلك البقاء على تلك المصالح حتى انقلبت على الثوار، فأصدرت قانون تجريم الاضرابات، وشرعت فى تقديم الثوار للمحاكم العسكرية، وهذا شأن كل ثورة فى التاريخ، تقلبات للقوى السياسية والاجتماعية ما بين معسكرا الثورة والثورة المضادة، فحلفاء اليوم قد يصبحوا خصوم الغد وهكذا.
وكل هذا يستلزم نضال قد يستغرق جولات من انتفاضات ثورية أخرى تعتمد على استمرار روح الثورة لا انتصار نغمة الاستقرار، و من ثم فعلينا أن ننتزع مكاسب أخرى فى هذا الطريق، وإلا فإن الردة ستسلبنا أى مكاسب.
فمازلنا فى طور الانتفاضة الثورية حيث لم تنضج الثورة بعد و من أجل هذا نحتاج لمزيد من الزخم الثورى بعد أن فترت همة الناس بعد أن أوهموها أنها انتصرت فى حين أنها لم تسقط حتى النظام بعد أن اكتفت برأسه حيث وقعت الإنتفاضة المصرية فى مأزقها الحالى لأنها ببساطة شخصنت الصراع مطالبة برحيل مبارك ورجاله لا سقوط النظام بكامله الذى يعد الجيش أحد أعمدته الأساسية، وتحت ادعاءات وطنية الجيش تم تسليمه السلطة، وها هو يعبث بالشعب من أجل تجديد النظام لا انهائه، ونحن أمام مشكلة أن من خرجوا يوم 11 فبراير خرجوا من أجل اسقاط مبارك لا الجيش فماذا نفعل الآن إلا التحريض والدعاية مجددا من أجل اسقاط النظام.ذلك النظام الذى لم ينشأ بتولى مبارك سدة الحكم بل من يوم أن تولى العسكر فى مصر الحكم.

المصدر: http://www.fasail.blogspot.com


من ضد من في الثورات العربية ؟

مازن کم الماز

منذ بداية الثورة السورية و ديكتاتورية الأسد تفعل كل ما بوسعها لنفي القضية المركزية في الثورة : أن السوريين أنفسهم , السوريين العاديين , الذين كانوا ضحية قهر و اضطهاد و تعسف ديكتاتورية الأسد هم من يثور ضد النظام , اتهم أزلام النظام أولا الفلسطينيين في مخيم درعا ثم بدأت قصة بندر و أخير المجموعات الإرهابية المسلحة , و تمايل أزلام النظام , إن صحت تسميتهم بالأزلام , مع إعلامه يسارا و يمينا , و مع شبيحته شمالا و جنوبا و شرقا و غربا في كل أرض حطت فيها أقدامهم و دباباتهم و رصاصهم , القذافي أيضا كان يعيش نفس الحالة لكن بعمق و توهم أكبر , بعد أكثر من 40 عاما كان يتصرف خلالها كإله صغير اعتاد على تصفيق رعيته المنافق و على مديح بطانته التافه كان من الصعب عليه أن يفهم هو شخصيا أن هؤلاء قد يقفون ذات يوم في وجهه ليطالبوا “بحريتهم”, بشار أيضا يعتقد أنه طالما كان بخير “فسوريا بخير” , لم يشعر بشار يوما أن ما فعله بالسوريين قد جعلهم في عسر شديد , و اليوم أكثر من السابق , لم يفهم بشار بعد أن السوريين يفضلون الموت بيد شبيحته على الحياة تحت نظامه في سوريا الخاصة به رغم أنها بالنسبة له ما تزال بخير , أذكر أني سمعت شيئا كهذا من شخص كان يعيش في جنوب أفريقيا قبل القضاء على نظام الأبارتيد , كان هذا الشخص يسمع البيض المحليين و القادمين من أوروبا و هم يتغنون بسحر و جمال جنوب أفريقيا , كانوا عاجزين تماما عن رؤية ملايين السود من حولهم الذين كانوا يعيشون حياة بائسة جدا في معازلهم , الديكتاتور , سواء بشار أم القذافي أم مبارك الخ , لم يشعر يوما بالناس الذين جعلهم نظامهم بائسين , حتى عندما ينتفض هؤلاء في يأس , ما أغضب القذافي و الأسد أنه لم يعد بإمكانهما قتل شعبيهما وسط تصفيق أو صمت بقية القتلة السلطويين في العالم , أي الحكومات الأخرى في العالم … الناتو يحاول القول في ليبيا , و الشرق عموما بعد فشله في إيقاف المد الثوري , يحاول القول بأنه دون قصف طائراته لما كان ممكنا لآلاف الليبيين أن يعيشوا ناهيك عن أن يتمتعوا بحريتهم , يقول منطقه أنهم مضطهدون لا شك لكنهم أضعف من أن يحرروا أنفسهم بأنفسهم , و بالتالي أضعف من أن يحموا أنفسهم في المستقبل , ليس فقط من أي خطر خارجي , بل من خطر الديكتاتورية الداخلي , من هنا يتابع “الرجل الأبيض” مهمته في تحضير الهمج , بل و حتى الإبقاء على حياتهم , طبعا ليس من دون ثمن , من دون الذهب , إنه نفس منطق الديكتاتوريات المتعفنة البعثية – الجماهيرية و نفس منطق المقاومة السلطوية المرتبطة بها , في سبيل “المقاومة” يجب أن يتنازل الناس عن حريتهم و عن لقمة خبزهم و أن يقبلوا بالعيش عبيدا , بالنسبة للطرفين خلق الناس عبيدا , القضية هي في من هو السيد الأفضل , أو الأقل شرا , لكن في هذا الصراع هناك لعبة أخرى , أعمق من هذا التنافس على استعباد الناس في شرقنا , فنحن هنا أمام تكامل حقيقي , يعيد إنتاج علاقة أقرب للهدنة المفتوحة , تكامل و هدنة تخدم مصالح الطرفين , تماما كما كان الحال في الحرب الباردة , على الأقل ما قبل ريغان , لقد تعايش المتناقضان لدرجة أن كل منهما كان يدعم عمليا استمرار الآخر , لم تكن المكارثية ممكنة في أمريكا لولا تركيز آلة البروباغندا الأمريكية الجبارة على أهوال الستالينية , و كان الحرس الأبيض ثم الإمبريالية هي حجة ستالين و قبله لينين و تروتسكي و بعده خروتشوف و بريجنيف لقمع الناس و لقتل و انتهاك إنسانية الملايين بفرض العمل العبودي عليهم , أحمدي نجاد اليوم يتحدث عن القضاء على إسرائيل و عن أمريكا كشيطان أكبر , لكن نفوذ نظامه في بغداد و أفغانستان تعايش بكل هدوء مع سيطرة الشيطان الأكبر , الخميني نفسه لجأ إلى هذا الشيطان ليشتري منه سلاحا يقتل به العراقيين , ابن لادن نفسه عاش طويلا في كنف المخابرات المركزية و معها مخابرات كل الدول التي تحاول اليوم قمع أي وجود للقاعدة بكل شراسة ممكنة و التي كانت تدعو يومها للجهاد في أفغانستان , لا تنتهي التناقضات هنا , لنصدق لدقيقة , كمهابيل , أن أزلام النظام السوري و الجماهيري المقبور , يتحدثون فعلا عن المقاومة , فالحقيقة أن العصابات الإرهابية المزعومة المعادية التي يواجهها نظام بشار أو التي يخوف الآخرين بها و التي تتعامل في نفس الوقت مع الإمبريالية ليست إلا نسخة في أفضل الأحوال عن حماس و حزب الله , قوة ميليشيوية دينية تكفر خصومها و لو كانت براغماتيتها تدفعها للتعايش مع وجود هامشي و مقموع لهؤلاء الخصوم مؤقتا , ليس هذا فقط , إذا كانت القضية تتعلق فعلا بمقاومة و معاداة الإمبريالية فعلى السيد بكداش أن يكون من مؤيدي بن لادن اليوم و ليس بشار الأسد , بن لادن عدو حقيقي لهذه الإمبريالية و هو الذي هاجمها في عقر دارها بينما انتقد النظام السوري غزوة مانهاتن تلك , لنتوقف عن الهراء الآن , على الليبيين اليوم أن يدافعوا عن حريتهم , من أي طرف يحلم بالقضاء عليها , سواء السيد ساركوزي أم مصطفى عبد الجليل , أم بالتأكيد سيف الإسلام , تعني حرية الليبيين أن يرحل هؤلاء أو أن يبقوا كليبيين عاديين بعد أن يدفعوا ثمن جرائمهم , و أن يعملوا مثل الآخرين ليستحقوا حياة كريمة , لا نحتاج في سوريا أيضا إلى طائرات الناتو , قتلنا طويلا , و بالمناسبة لم تبدأ المجزرة في 15 آذار مارس الماضي , لقد بدأت منذ وقت بعيد , بعد كل هذه الضحايا نستطيع أن نهزم قيودنا دون طائرات الناتو , سنكون أيضا يومها في وضع أقوى لندفع حريتنا إلى أقصى ما يمكن , إلى أقصى ما نستطيع , أخيرا خلافا لأزلام و أبواق الأنظمة الديكتاتورية التي تريد تشويه ثوراتنا , فإن الثورات لا يمكن الحكم عليها سلفا , صحيح أنها قد تنحط , أو قد تهزم , لكنها مثل أي حادثة في التاريخ , لا يمكن التنبؤ بها سلفا , يمكن الجزم هنا أن الثوار الباريسيين لم يكن بمقدورهم أن يتخيلوا و هم يحطمون جدران الباستيل أنهم سيطلقون أشهر ثورة في العالم و أبعدها أثرا , و لا كان من الممكن في فبراير شباط 1917 تخيل أن عمال بتروغراد كانوا على وشك أن يطلقوا أكبر ثورة اشتراكية ظافرة في العالم , و لا كان أحد يتخيل في فبراير شباط 1979 أن الثورة الإيرانية ستنحط إلى نظام ثيوقراطي قمعي بينما كانت الثورة الإيرانية تبدو في عنفوانها .. في الثورات يخوض الناس , تخوض كل الطبقات و الفئات المشاركة في الثورة , غمار الصراع بكل قوتها , و تتحدد النتيجة النهائية كمحصلة لهذه الجهود المتناقضة , هذه النتيجة لا يستطيع أحد أن يعرفها سلفا , و من يزعم هذا فهو ببساطة يعبر عن رغبة ذاتية , يريد أزلام الأنظمة و القوى الرجعية أو قوى الثورة المضادة في الدولتين التي انتصرت فيهما الثورة أن يقنعونا أن كل شيء سينتهي بمجرد إجراء انتخابات تشريعية ثم رئاسية و عندها يجب أن يعود الناس إلى ممارسة السمع و الطاعة بعد أن يكونوا قد “اختاروا سادتهم هذه المرة” , هذا غير صحيح أبدا , الثورات لا تبدأ بأمر من أحد و لا تنتهي بأمر من أحد , و نحن اليوم نشهد عنفوانها الهادر , في الثورات يتوقف الناس عن ممارسة السلبية فيما يتعلق بحياتهم و يأخذوا الأمور في أيديهم , صحيح أن الجميع سيحاولون فيما بعد استعادة “الهدوء” و “النظام” , لكن الثورة تعني أن هذا يجب فرضه فرضا , أن وقت الانصياع و الاستسلام الأعمى قد ولى و على الطغاة المحليين و الأجانب أن يبذلوا كل ما بوسعهم لقهر إرادة الناس , إلى حين ……

مدخل إلى الأناركية

ليز هايليمان
1988
ترجمة: جوزف أيوب

ما هي الأناركية؟

إن الأناركية فلسفة سياسية مكتنفة في سوء الفهم. إلى حد كبير، يرجع هذا إلى حقيقة أن الأناركية هي طريقة مختلفة في التفكير، حيث لا يمكن وصفها بشعارات بسيطة أو خطوط حزبية. في الواقع، إذا سألت عشرة أناركيين عن الأناركية، من المحتمل أن تحصل على عشرة إجابات مختلفة. الأناركية هي أكثر من مجرد فلسفة سياسية، بل هي طريقة حياة تشمل جوانب سياسية وعملية وشخصية.
إن العقيدة الأساسية للأناركية هي أن السلطة الهرمية – سواء كانت دولة، كنسية، بطريركية أم نخبة اقتصادية – ليست بضرورية فحسب، بل هي ضارة في حد ذاتها لتحقيق الحد الأقصى من الإمكانات البشرية. يعتقد الأناركيون عموما أن البشر قادرون على إدارة شؤونهم بأنفسهم على أساس الإبداع، التعاون، والاحترام المتبادل. هي اعتقاد بأن القوة بطبيعتها مفسدة، والسلطات حتما معنية باستمرارها الذاتي وزيادة طاقتها الخاصة، أكثر من القيام بما هو أفضل لناخبيها. عموما إن الأناركيين هم محافظين حيث أن الأخلاق مسألة شخصية، وينبغي أن تستند على رعاية الآخرين ورفاهية المجتمع، وليس بناء على قوانين تفرضها السلطة القانونية أو الدينية (بما في ذلك القوانين المبجلة مثل دستور الولايات المتحدة). معظم الفلسفات الأناركية تعتقد أن الأفراد مسؤولون عن تصرفاتهم الخاصة. السلطات الأبوية تعزز العقلية المذلة حيث يتوقع من النخب اتخاذ القرارات وتلبية احتياجات الناس، بدلا من التفكير والعمل لأنفسهم. عندما تعطي سلطة لنفسها الحق في نقض أبسط القرارات الأخلاقية الشخصية، مثل من أجل ماذا يستحق القتل أو الموت (كما في التجنيد العسكري أو الإجهاض)، تتقلص حرية الإنسان بشكل لا يقاس.

يدرك الأناركيون بأن الاتصال بين مختلف أشكال القمع – بما في ذلك التمييز على أساس التحيز الجنسي، العنصري، الجنسي المغاير، الطبقي، والشوفيني الوطني- والاعتراف بعدم جدوى المعارضة، تركز على نموذج واحد للظلم في حين أن هناك أشكال أخرى لا تزال موجودة. يعتقد الأناركيون أن الوسائل التي تستخدم لتحويل العالم يجب أن تكون متلائمة مع الغايات التي يأمل المرء في تحقيقها. يعترض الأناركيون حول الاستراتيجيات والتكتيكات -بما في ذلك الحاجة إلى منظمات رسمية- واستخدام الإجراءات العنيفة للإطاحة بالمؤسسات العنيفة القائمة، بينما يتفق الأغلبية على أن التركيز يجب أن لا يكون مجرد تدمير النظام الحالي، ولكن على تشكيل بدائل جديدة أكثر إنسانية وأكثر عقلانية لتأخذ مكانها.
الأناركييون في التاريخ
لعب الأناركيون دوراً في الحركات الثورية على مر التاريخ. بدأت الثورة الفرنسية في عام 1789 ذات عنصر بروتوفوضوي قوي. في بداية القرنين التاسع عشر والعشرين لعب أناركييون مثل بيير جوزيف برودون، بيتر كروبوتكين، ميخائيل باكونين، وأريكو مالاتيستا دوراً أساسياً في تطوير النظرية الأناركية الثورية. ولعبوا دوراً كبيراً في الحركات الثورية في روسيا في عام 1905 و 1917، ولكنها -الحركة الأناركية- في كثير من الأحيان قمعت بلا رحمة بمجرد أن البلاشفة وحدت سلطتها. كما مهدت الثورة الاسبانية 1936-1939 الطريق للتعبير على أوسع نطاق والأكثر شهرة للممارسات الفوضوية، والتي عملياً أنشأت بنجاح المنظمات الأناركية النقابية (FAI وCNT)، بدائل غير هرمية اجتماعياً واقتصادياً. في الولايات المتحدة، وكذلك في المكسيك وأميركا اللاتينية، كان هناك تأثير للأناركية السينديكالية داخل الحركة النقابية (على سبيل المثال العمال الصناعيين في العالم). في بدايات 0019 شارك أناركييون بارزون مثل غولدمان إيما والكسندر بيركمان في مجموعة متنوعة من القضايا الراديكالية. كان هناك تيار أناركي قوي في العديد من التغييرات الاجتماعية وحركات تبديل نمط الحياة قي العام 1960 (بما في ذلك أجزاء من الحركة النسوية، حركة تحرير مثلي الجنس، الحركات المناهضة للحرب وحركات الخطاب الحر)، رغم أنه في كثير من الحالات كان يتم تعتيم هذه الحركات، إن لم يكن قمعها بصراحة، عن طريق التيارات الماركسية – اللينينية – الماوية.
ما هو غير الأناركية
في محاولة لتوضيح ما هي الأناركية، فمن المفيد دراسة ما ليس أناركياً :
الشيوعية: في حين أن العديد من الأناركيين يقدّرون الطائفية والجماعية، يرفض الأناركييون حالة الشمولية الشيوعية القائمة والساقطة في الآونة الأخيرة، أو بدقة أكثر الماركسية اللينينية. تطور الخلاف بين الماركسيين والأناركيين في وقت مبكر من 1870 عندما نظر الأناركييون أن الماركسيين يستمرون باستبدادهم تحت اسم مختلف. وقد أكدت المجموعات الماركسية اللينينية على الحاجة إلى حزب الطليعة، وديكتاتورية البروليتاريا، هذه الأفكار التي تعارض بشكل أساسي الأفكار الفوضوية المناهضة للاستبداد والمنادية بالحرية الفردية القصوى. على الرغم من أن الماركسية الارثوذكسية تتنبأ بأن الدولة سوف “تتلاشى” مع مرور الوقت، فقد شهدنا مرارا وتكرارا في الأنظمة الشيوعية توحيد سلطة الدولة وقمعها بالترافق مع الإصرار على الطاعة.
التحررية : كثيرا ما يجري الخلط بين الليبراليين الأناركيين، والقيام بالتشابك في كثير من النواحي. يتقاسم الفريقان على التركيز على الحرية الفردية والرغبة في التخلص من الدولة. يولي الكثير من الليبراليين الأهتمام للفرد والتأكيد على مبدأ المصلحة الذاتية المستنيرة. في حين يميل كثير من الأناركيين إلى التركيز أكثر على المساعدة المتبادلة والجهود المبذولة لتحسين ظروف جميع أفراد المجتمع. غالبا ما تتسم الليبرالية بوجهة نظرها الاقتصادية، الأمر الذي يضع الحد الأقصى المسموح به دون عائق على رأسمالية السوق الحرة (بعض أنصار يطلقون على أنفسهم “أناركيين رأسماليين”)، استباحة استخدام القوة في الدفاع عن الملكية الخاصة، تعارض أي تدخل حكومي يعيق الجهود لتعظيم المكاسب الاقتصادية الشخصية، وتخفيض القيم التي لا يمكن قياسها (عادة نقدية) اقتصادياُ. في حين أن الليبراليين مناهضين للدولة ، فإنهم غالبا لا يعارضون الهيمنة والتسلسل الهرمي في جميع أشكاله (غالبا ما يكون هناك ميل إلى “البقاء الأصلح” أو “[الاقتصاد] القوة تصنع الحق” في الفلسفة الليبرالية)، وعدم البحث جذرياً في تغيير علاقات القوة الاجتماعية، ولا سيما تلك القائمة على القوة الاقتصادية. يميل الأناركييون أكثر إلى المنظور الاشتراكي، ويفضلون التخلص من أي نظام حيث يستطيع الأثرياء تحقيق المنفعة غير المتناسقة مع من هم أقل حظا الذين يعانون من مشقة لا مبرر لها. بينما يقدر الأناركييون المبادرة الفردية، الذكاء، والإبداع، فمن المسلم به أن الذين يمتلكون هذه المواهب يعاملوا باحترام وعدالة. الموضوعية هي نوع من التطرف الليبرالي. الحزب الليبرالي معتدل نسبياً، ويميل إلى التركيز على قضايا مثل إصلاح النظام الانتخابي وإلغاء قوانين المخدرات، والحد من التنظيمات الحكومية. العديد من الليبراليين هم “ملاكيين” الذين يعتقدون أن بعض أشكال الحكومة أمر ضروري إلا أنها ينبغي أن تكون ضعيفة وغير مزعجة. مسألة ما هو نوع النظام الاقتصادي في المجتمع الأناركي هو أمر مفتوح. يعتقد بعض الأناركيون أنه يجب إلغاء جميع أشكال الرأسمالية واقتصاد السوق، والبعض الآخر يفضل النظام الذي يعزز ملكية العمال والديمقراطية القائمة على المشاركة الكاملة في إطار اقتصاد السوق، والبعض الآخر لا يزال يعتقد أن مجموعة متنوعة من النظم الاقتصادية يمكن أن تتعايش طالما انهم لا يحاولون فرض نظمها وقيمها على بعضها البعض.
الليبرالية: إن المفاهيم السياسية السائدة في هذا البلد تعادل ما بين اليسارية والأناركية وما بين اليسارية والليبرالية، ولكن هناك اختلافات حقيقية، من حيث الكم والنوع. إن فكرة “اليسار” هو مشكلة منذ 1990، حيث أن الكثير من السياسات الحديثة تميل إلى أن التموضع خارج اليسار التقليدي (ليبرالي) / اليمين (المحافظ). رغم أن معظم الأناركيين يدعمون القضايا “التقدمية” ولكن الأناركية لا تأخذ مكانها في التيار السياسي التقليدي. وقد اقترح بعض المنظرين منظومة على درجة من التسلط الاقتصادي والتسلط الاستبداد الاجتماعي باعتبارهما محورين منفصلين، كثير من الأحيان أولئك الذين يفضلون الحرية الاقتصادية يعارضون الحرية الاجتماعية، والعكس بالعكس. الكثير من السياسات التقدمية الحديثة تستند على “سياسة الهوية”، والفكرة التي تجذب اهتمامات المرء الأولية وتحالفاته هي على أساس الجنس / العرق / التوجه الجنسي. على الرغم من أن العديد من الأناركيين يستثمرون سياسة الهوية ، تتطلع الفلسفة الأناركية الأكثر شمولا الى الوقت الذي كان لا يحتاج فيها الناس إلى التركيز كثيرا على مثل هذه التصنيفات. في حين يميل الليبراليون إلى الدعوة للجهود الرامية إلى إصلاح النظام الحالي (من خلال وسائل مثل التصويت، الضغط، وبروز المنظمة)، للأناركيين وجهة نظر أكثر تطرفا، ويتمنون أن تستبدل المؤسسات الفاسدة تماما، وإعادة تشكيل مجتمع أكثر إنسانية من خلال وسائل العمل المباشر، من دون الاعتماد على أي شكل من أشكال تدخل الدولة. كما يعترف الأناركيون بقوة التطور عموما ، كذلك التبدل الثوري، كذلك يعترف بأنه من أجل تحقيق إعادة ترتيب حقيقي للمجتمع من الضروري القضاء على هيمنة العلاقات الهرمية أينما وجدت، تاريخيا لم يكن هذا أولوية الليبراليين. يسلم الأناركيون بأن شكل السلطة نفسها (سواء كانت رأسمالية، شيوعية، ديمقراطية أو توتاليتارية) هي منبع المشكلة، وعلى هذا النحو ، لا يمكن أن تكون أساسا للحل. بالرغم من أن بعض الأناركيين يرتبطون بالتصويت وينظمون الاحتجاج معتقدين بأن حتى التحسينات الصغيرة هي ترجمة جديرة بالاهتمام ، ويدركون أن مثل هذه الأنشطة هي مجرد خطوات مؤقتة، يجب على المرء أن يتخطاها لتحقيق تغيير حقيقي ودائم.
العدمية : وخلافا لعقيدة “معاداة كل شيء” في العدمية، الأناركيون لا يشجعون على العنف العشوائي، التدمير، و “كل رجل لنفسه” الخروج على القانون (على الرغم من أن هناك دائما عدد قليل من متبعي هذه الفلسفة يسمون أنفسهم “فوضويون”). والاعتقاد السائد بأن الأناركية تعادل الفوضى هو للأسف اعتقاد خاطئ نشأ من الاعتقاد وعلى نطاق واسع، غرس من قبل من هم في السلطة، أن هذه السلطة أمر ضروري للحفاظ على النظام. يعتقد الأناركيون أن تحقيق مجتمع كفوء، منظم، وعادل يكون على أسس غير مبنية على الهرمية، اللامركزية، والمشاركة.
بعض المسائل الخلافية

تحمل الأناركية وجهات نظر متباينة حول العديد من القضايا. واحدة من الخلافات الرئيسية هي مسألة الفرد مقابل المجتمع. تهتم الأناركية الفردية أهمية قصوى على حرية الفرد، في حين يركز الأناركييون الشيوعييون (والأناركييون السنديكالييون) على مصلحة الفئة الاجتماعية ككل، يكون المنفعيون في مكان ما بينهما. في المجتمع الأناركي المثالي، يتأمل تلبية احتياجات المجتمع ككل بطريقة عادلة دون المساس اللا مبرر بحرية الإرادة وتقرير المصير من قبل الأفراد.
مناقشة أخرى داخل الحركة الأناركية تتعلق بقضايا البيئة والتكنولوجيا
تشير الأناركية الكلاسيكية إلى تشابهاً مع مفاهيم الماركسية التقليدية لقيمة العلم والعقلانية، والمبدأ القائل أن التقدم التكنولوجي يفيد المجتمع عموما. يعتقد الكثير من الأناركيين الحديثين أن التكنولوجيا في حد ذاتها لا جيدة ولا شريرة، ولكن يجب أالتدقيق بها وتطبيقها بطريقة مسؤولة اجتماعيا من أجل تقديم خدمة أفضل لأولئك الذين يستخدمونها، وتتأثر بها. آخرون أناركييون معاصرون لديها تكنولوجيا مضادة، منظور وسطي بيئي (الأكثر تطرفا للبدائية و اللاضية الجدد)، ويعتقدون أن المجتمع الأناركي يمكن تحقيقه من خلال التخلي عن التقدم التكنولوجي والعودة أكثر إلى البدائية، متموضعاً ومتناغم بيئياً لطريقة الحياة.
إن مسألة القومية مهمة أيضاً. بصفة عامة، يدعو الأناركييون إلى فكرة الأممية (أو بالأحرى، اللاوطنية) وتصوير مظاهر القومية والوطنية كمحاولة تقوم بها الدولة لزيادة قوتها من خلال تشجيع الانقسامات المصطنعة بين الناس. الدولة القومية هي بنية تخدم مصالح النخب المختلفة، في حين أن طبقات السكان الأدنى لا تزال في ظروف يرثى لها كما هو الحال في جميع أنحاء العالم. على الرغم من هذا، فإن بعض الأناركيين يحافظون على دعم النضالات التحررية الوطنية (مثلا الجهود التي يبذلها الفلسطينيون في منطقة الشرق الأوسط، القوميون السود في الولايات المتحدة، والشعوب الأصلية المظلومة في كل مكان) معتقدين بأن الدول الصغيرة المستقلة، وإن كانت استبدادية، هي أفضل من الإمبراطوريات الاستغلالية.
التيارات داخل الحركة الأناركية الحديثة
إن “الحركة الأناركية” في يومنا هذا ينظر إليها بشكل أكثر دقة باعتبارها مجموعة من الحركات المختلفة ذات العديد من المظاهر السياسية والفلسفية المشتركة. بناء عليه، وأحيانا بشكل متباين للمبادئ الأناركية الكلاسيكية، نرى عدة مجموعات تقوم بتوسيع نطاق الأناركية المعاصرة، وبإعادة تعريف المفاهيم التقليدية للأناركية.
إن الأناركية النسوية تخلط المثل العليا للانسوية والأناركية. تركز الأناركية النسوية على تحرير المرأة ودور البطريركية أكثر من الأناركية الكلاسيكية، ولكن ليس لدرجة استبعاد غيرها من أشكال القمع (كما فعلت بعض أنواع الحركات النسوية الأخرى). لا تعتبر كل النساء الأناركيات أنفسهم أناركية نسوية، حيث لا يجب على الأناركية النسوية أن تكون انثى بالتحديد- إلى حدٍ كبير هناك تمييز بين كيف أن “محور المرأة ” يبنى على القيم من جهة والتشديد على جوانب الهيمنة من جهة أخرى. كما هو الحال مع العديد من الحركات السياسية في يومنا هذا، حيث أن مسألة الانفصال بين الجنسين لا تزال دون حل. من جهة، إن الاستمرار ضمن الحركة الأناركية في ظل الانقسامات المصطنعة بين الجنسين والتي فرضت من قبل النظام الاجتماعي الهرمي والذكوري تكون معادية لخلق مساواة حقيقية، وإلى كسر الحواجز التي يأمل الأناركييون في تحقيقه. من جهة أخرى، تشعر العديد من النساء بضرورة الحفاظ على مساحة للمرأة داخل الحركة التي كان عادة ما يسيطر عليها الذكور، وتعتقد أنه يجب الإعتراف بشرعية قضايا المرأة وإدماجها في الفلسفة الأناركية قبل التمكن من تحقيق الوحدة الوطنية. عموما ترفض الأناركية النسوية حلول الدولتية لمشاكل المرأة (مثل الرقابة على المواد الإباحية في محاولة للحد من العنف ضد المرأة) لصالح التمكين الذاتي والعمل المباشر. يمكن وصف تنظيم الأناركية النسوية بالتركيز على اللامركزية، العمل واتخاذ القرارات على مستوى القاعدة الشعبية. عموما تعتقد الأناركية النسوية أن أفضل طريقة لتحقيق إمكانات الإنسان تكون عن طريق تجاوز الأدوار التقليدية للجنسين، وتشجيع تطوير “ذكورية” مفيدة وصفات “أنثوية” في جميع الناس، والمساواة في كل العلاقات.
يركز العديد من الأناركيين الحديثين على تطبيق المثل العليا لحرية الإرادة وتقرير المصير على حياتهم الشخصية. ضمن هذا التوجه هناك تشديد على قبول خيارات عدة في مجال الجنس، والأسرة، والعلاقات بين الأشخاص. ينبغي أن تقوم العلاقات على الاختيار الحر، وموافقة جميع الأفراد المعنيين، وليس بتكليف من القيود الحكومية أو الدينية أو الاجتماعية. هناك العديد من االشاذين الأناركيين- لواط، سحاق، مخنثين، ولا سيما المخنثين- تعزيز الأناركية لانهيار خطط التصنيف التقليدية تبدو ذات أهمية خاصة لأولئك الذين مع المنظمات غير التقليدية و / أو المهمشة للهويات الجنسية والجنس. كما هو الحال مع الحركات النسائية تحتضن بعض الجماعات الشاذة (لواط/ سحاق) للمبادئ المعادية للاستبدادية والعمل المباشر (على سبيل المثال، نشطاء الايدز الذين ينظمون برامج تبادل الإبر والنوادي التي تشتري ادارة الأغذية والأدوية الأميركية). مع الاعتراف بأن الوصايا التقليدية مثل الزواج، الأسرة الأبوية، والاستنساخ القسري هي لخدمة مصالح من هم في مواقع الحكم والسلطة، يؤكد الأناركييون على استكشاف الإبداع، وبدائل العلاقة الطوعية مثل زواج غير الأحادي، الأسر الممتدة، وطائفية تربية الأطفال، بالإضافة إلى الخيارات التقليدية الأكثر شيوعا. يريد الأناركييون عموما الحصول على حكومة خارجة عن أعمال تصديق العلاقات الشخصية، بدلا من التوسع في تصديق علاقات اثلي الجنس. عادة يعارض الأناركييون الشاذون الجهود الرامية إلى زيادة وجود مثلي الجنس في المؤسسات القمعية مثل الجيش.
على نقيض التزام الأناركية الكلاسيكية للإلحاد (إلى حد كبير استجابة لتأثير سلبي للمؤسسات الدينية التقليدية السلطوية)، يؤكد العديد من الأناركيين الحديثين على القيم الروحية (في كلا الوثنية الجدد المتنوعة واللاهوتي المتحرر داخل الديانات التقليدية). وهذا يعكس الاعتقاد بأن تحقيق الحد الأقصى من الإمكانات البشرية يتطلب اعترافا في الجانب الروحي والجاتب المتسامي لشخصية الإنسان وثقافته فضلا عن عقلانيته. في مجال الأخلاق، يعتمد الأناركييون على الشخصية المسؤولة والمهتمة بالآخرين بدلا من التركيز على التصريحات للسلطات القانونية أو الأخلاقية. عموما يؤكد الأناركييون الروحانيون على الترابط بين جميع أشكال الحياة، وعادة تتزامن معتقداتهم مع اولئك الموجهين ايكولوجياً، الأناركييون المهتمون بالطبيعة. حتى الآن لا يزال هناك عنصر الحادي جوهري بين الأناركييون الذين يعتقدون أن فكرة “القدسية” والاعتماد على “النظام العالي” لتعزيز المفاهيم الهرمية التقليدية معادية لتحقيق الحرية الإنسانية الكاملة.
إن المثل الأناركية غالبا ما تتبنى من قبل شباب بغاء، أصحاب الفن البديل، الهذيان “الطفيليين” وثقافات طلبة راديكاليين. يحاول هؤلاء الشباب الهروب من الظلم والإغتراب في المجتمع الاستهلاكي السائد من خلال تشكيل جماعات مقاومة على أساس أن العمل المباشر وسيلة لتحقيق الاعتماد على الذات مثل العيش الجماعي، الخضوع، محلات معلوماتية وخلق بدائل اقتصادية مثل تعاونيات مستقلة غذائية، إنتاج وتوزيع الموسيقى غير التجارية. في حين أن هؤلاء الشباب يقبلون العديد من المعتقدات الكلاسيكية الأناركية (وإن لم يكن عادة تحت هذه التسمية)، فإنهم عادة ما يكونوا أكثر اهتماما بتطبيق مبادئ مكافحة الاستبداد وتقرير المصير بطريقة عملية لممارسة المقاومة وحياتهم اليومية. مع ذلك، يتجنب بعض الأناركييون المعاصرون “الحياة النمطية”، وبدلا من ذلك يركزوا على بناء مزيد من المجموعات رسمية وشبكات التي يمكن أن تنظم تغيير اجتماعي أوسع.
يرتبط الأناركييون بنسق واسع من وسائل النشر، إن كانت صحف غير رسمية أو قانونية وناشري الكتب ذو تاريخ طويل. يستخدم الأناركييون الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصالات الالكترونية على نحو متزايد. كثيراً ما وصف الإنترنت بأنه مثالاً للفوضى، وبالفعل نمى وازدهر مع غياب سلطة الحكومة المركزية. توفر الاتصالات الالكترونية وسيلة لتجاوز الحدود الوطنية، ويمكن التقليل من أهمية الحواجز الثقافية كما العرق والجنس أيضاً. مع ذلك، هناك خطر واضح على أن زيادة الاعتماد على الاتصالات الإلكترونية من شأنه أن يعزز الحواجز الاقتصادية، وخلق مجتمع من “يملكون” المعلومات ومن “لا يملكون”. استخدم الأناركييون الاتصالات الالكترونية لوضع الخطط، نشر الأخبار الهامة، تبادل المعلومات، هناك لوائح بريدية ومجموعات من أعضاء مكرسين لمكافحة اللاسلطويين والأناركييون، فضلا عن مشاريع طموحة مثل أرشيف الصحافة الالكترونية الشجاعة. بوضوح تخاف الحكومات من حرية الانترنت، وتزيد جهودها لوقف التدفق الحر للمعلومات (تحت ستار مكافحة الفحش ومكافحة الارهاب). كما أن هناك أناركييون آخرون يعارضون الاتصالات الإلكترونية، سواء لأنهم يرفضون “الوساطة” أي “التفاعل الذي ليس وجها لوجه”، وبسبب الآثار البيئية الضارة للتكنولوجيا.
استنتاج
باختصار، الأناركية هي فلسفة معرفة متنوعة على نطاق واسع تم اعتمادها بشكل أو بآخر من قبل مجموعة واسعة من الأفراد والجماعات، كثير منهم لا يصرحوا بتسمية أنفسهم بـ “أناركيين”. تتعلق الأناركية بجميع أوجه الوجود. في التأكيد على الحرية، تقرير المصير، المسؤولية الشخصية، العمل المباشر، خلق البدائل، والتعاون الطوعى، لدى الأناركية الرؤية والمرونة لتوفير وسيلة ناجعة لتغيير حياة المرء، في حين أنها تعمل من أجل تغيير اجتماعي جذري ودائم الذي سيغير العالم.

کرۆنشتات Cronstadt

نووسینی. دانیێڵ گرین

و. له‌ عه‌ره‌بییه‌وه‌: سه‌لام عارف

حەز و خواسته‌کانی جووتیاره‌ شۆڕشگێڕه‌کان، هه‌ر هه‌مان حەز و خواست بوون که‌ بووبوونه‌ وزه‌به‌خشی کرێکارانی پترۆگراد و ده‌ریاوانه‌کانی قه‌ڵای –کرۆنشتاتله‌ شۆڕشی شوباتئازاری 1921دا.

هه‌لومه‌رجه‌ مادییه‌کان ژیانی کرێکارانی شار و شارۆچکه‌کان وه‌ك، نه‌بوونی خۆراك و سووته‌مه‌نی و شلۆقیی ئامێره‌کانی گواستنه‌وه‌، سه‌رباری ئه‌وانه‌ فلیقاندنه‌وه‌ی هه‌موو ناڕه‌زاییه‌ك. ئه‌وانه‌ هه‌موویان له‌ بوونی دیکتاتۆریه‌ته‌وه‌ سه‌رچاوه‌یان گرتبوو، ته‌واو باری ژیانی کرێکارانی قورس کردبوو، کۆڵه‌واری ده‌ستی ئه‌و هه‌لومه‌رجه‌ مادییانه‌ بوون. کۆتایی شوبات مانگرتنه‌کان له‌ پترۆگراد و مۆسکۆ و ناوه‌نده‌ پیشه‌سازییه‌کانی دی ده‌ستیان پێ کردبوو، کرێکاران ده‌هاتن و ده‌چوون، له‌ دامه‌زراوه‌یه‌که‌وه‌ بۆ دامه‌زراوه‌کانی دی، کارگه‌کانیان داده‌خست، هێنده‌ی بۆیان ده‌کرا کرێکارانی تریان ڕاده‌کێشا بۆ ناوجه‌رگه‌ی ڕووداوه‌کان و به‌ جه‌م داوای –نان وئازادییان ده‌کرد، به‌ڵام وه‌ك هه‌موو جاره‌کانی تر وه‌ڵامی سوڵته‌ به‌ گوله‌باران بوو. کرێکارانی پترۆگراد کۆبوونه‌وه‌یه‌کی ناڕه‌زاییان سازکرد10000 کرێکار تێدا به‌شدار بوون.

کرۆنشتات بنکه‌یه‌کی سه‌ربازیی ده‌ریایی بوو له‌ دوورگه‌ی فیلندا، 30 کیلۆمه‌تر دوور بوو له‌ پترۆگراده‌وه‌، زستانان سه‌هۆڵبه‌ندان بوو، دانیشتوانی پێکهاتبوو له‌ ده‌ریاوانه‌کان و چه‌ند هه‌زار کرێکارێك. ئه‌و کرێکارانه‌ له‌ عه‌مباره‌ سه‌ربازییه‌کاندا کاریان ده‌کرد، له‌ گۆڕانکارییه‌ شۆڕگێڕییه‌کانی شۆڕشی ئۆکتۆبه‌ری 1917دا ڕۆڵێ گرنگ و کاریگه‌ریان هه‌بوو. ترۆتسکی واته‌نی: نموونه‌ی (سه‌ربه‌رزی و مه‌زنیی شۆڕشی ڕووسی) بوون. دانیشتوانی سڤیلی کرۆنشتات شاره‌وانییه‌کی ئازادیان دروست کردبوو، که‌ تا ڕاده‌یه‌ك سه‌ربه‌خۆ بوو له‌ ده‌سه‌ڵات.

له‌ ناوه‌ڕاستی ئه‌و قه‌ڵایه‌دا، چه‌قێکی میلی پانوپۆڕ هه‌بوو که‌ نزیکه‌ی30000 که‌سی ده‌گرت.

ساڵی 1921 ده‌ریاوانه‌کانی کرۆنشتات ئه‌و هێز و توانا و پێکهاته‌ شۆڕشگێڕییه‌که‌شی وه‌ك پێش شۆڕشی1917 نه‌مابوو، چونکه‌ وه‌ك ده‌ریاوانه‌کانی پێش خۆیان نه‌بوون، زۆریان له‌ که‌ش و ده‌وروبه‌رێکی جووتیارییه‌وه‌ هاتبوون، به‌ڵام له‌گه‌ڵ ئه‌وه‌شدا هه‌ر ده‌ستیان له‌ ئه‌قڵییه‌ته‌ خه‌باتگێڕییه‌کەی ئه‌وانه‌ی پێش خۆیان به‌رنه‌دابوو و زۆر شانازیشیان به‌ سه‌رکه‌وتنه‌کانی پێشووه‌وه‌ ده‌کرد، هاوکارییه‌کی باشی کرێکارانی پترۆگردیان ده‌کرد، هه‌رچەنده‌ هێزه‌ نیزامییه‌کان لێیان ده‌دان و ڕاویان ده‌نان، به‌ڵام ئه‌وان به‌ به‌رده‌وامی نوێنه‌رانی خۆیان ده‌نارد بۆلای کرێکارانی پترۆگراد و به‌رگریان له‌ داواکارییه‌کانیان ده‌کرد. بۆ ئه‌و مه‌به‌سته‌ له‌ مه‌یدانی کرۆنشتات دوو کۆبوونه‌وه‌ سازکرا، له‌ کۆبوونه‌وه‌ی یه‌که‌مدا 16000 که‌س له‌ ده‌ریاوانان و کرێکاران به‌شدار بوون، له‌گه‌ڵ ئه‌وه‌شدا که‌ سه‌رۆکی ئه‌نجومه‌نی جێبه‌جێکردن کالینینئاماده‌ بوو، کرێکاران بڕیاری ئه‌وه‌یان دا که‌ پێویسته‌ له‌ ماوه‌ی10ڕۆژدا و له‌ ده‌ره‌وه‌ی چوارچێوه‌ی حزبه‌ سیاسییه‌کان کۆنگره‌یه‌کی کرێکاران و سه‌ربازه‌ سووره‌کان و ده‌ریاوانه‌کانی پترۆگراد و کرۆنشتات ببه‌سترێت، جگه‌ له‌وه‌ داوای ئه‌وه‌ کرا که‌ ئه‌فسه‌ره‌ سیاسییه‌کان لاببرێن و ناشبێت هیچ حزبێك خاوه‌نئیمتیاز بێت، داوایان کرد که‌ مه‌فره‌زه‌ شیوعییه‌کان و پاسه‌وانی شیوعی له‌ کارگه‌کاندا نه‌هێڵرێن.

وه‌ك ڕۆژی ڕووناك دیار بوو ئه‌و داواکاری و قسه‌وباسانه‌ ئاڕاسته‌ی حزبی خاوه‌نده‌سه‌ڵات ده‌کرێت، چونکه‌ هه‌ر ئه‌و حزبه‌ بوو هه‌موو بواره‌کانی ژیانی مۆنۆپۆل کردبوو و یاخیبوونی کرۆنشتاتیشی به‌ ده‌ستدرێژی ده‌زانی بۆ سه‌ر سوڵته‌گه‌رایی. بۆ ئه‌وه‌ی زیاتر تیشك بخرێته‌ سه‌ر ئه‌و باره‌ ناله‌باره‌ ئه‌وه‌نده‌ به‌سه‌ که‌ بگه‌ڕێینه‌وه‌ بۆ لای ئه‌و بڵاوکراوه‌یه‌ ئەزڤیستا-azvesta که‌ ئه‌و سه‌رده‌مه‌ شاره‌وانییه‌ ئازاده‌که‌ ده‌ریده‌کرد با جارێ واز له‌ ده‌ریاوانه‌ ناڕه‌زا و تووڕه‌بووه‌کان بهێنین، که‌ هه‌ر کاتێك ده‌م ده‌که‌نه‌وه‌ ده‌ڵێن حزبی شیوعی، دوای ئه‌وه‌ی سوڵته‌ی وه‌رگرت، هه‌موو سه‌رقاڵی و هه‌مووغه‌مێکی بوو به‌وه‌ که‌ بیپارێزێت، خۆی له‌ جه‌ماوه‌ر جیا کردۆته‌وه‌ و به‌ باشیش ده‌رکه‌وتووه‌ که‌ توانای ئه‌وه‌ی نییه‌ وڵات له‌ داته‌پینی سه‌راسه‌ری ڕزگار بکات، ئه‌و حزبه‌ بڕوای کرێکارانی له‌ ده‌ست داوه‌ و بۆته‌ حزبێکی بیرۆکراتی، کۆڕه‌ کرێکارییه‌کانیش دوای ئه‌وه‌ که‌ سوڵته‌یان لێ زه‌وت کرا بوونه‌ته‌، ساخته‌چی، تاڵانچی، فڕوفێڵباز، سه‌ندیکاکان هه‌موو ده‌وڵه‌تمه‌ندکراون و کراونه‌ته‌ ئامێرێکی پۆلیسی، له‌ هه‌موو لایه‌که‌وه‌ بوون به‌ بار به‌سه‌ر گه‌له‌وه‌، جگه‌ له‌وانه‌ یاساکانیش گڕیان لێده‌بارێ، تۆقاندن کراوه‌ته‌ خۆراکی سێ ژه‌مه‌، له‌ بواری ئابووریشدا ده‌وڵه‌تی سه‌رمایه‌دار باڵی کێشاوه‌ و ڕه‌ق و توندوتیژه‌، له‌بریی ئه‌و سۆسیالیزمه‌ که‌ به‌ڵێنی به‌دیهێنانیان دابوو، له‌ کارگه‌یه‌کی نیشتمانیی مه‌زندا، وەک جاری جاران، کرێکاران ده‌چه‌وسێنرێنه‌وه‌. کرۆنشتات ئه‌وه‌ش پووچه‌ڵ ده‌کاته‌وه‌ که‌ ده‌وترێت سه‌رکرده‌کان هه‌ڵه‌نه‌ناسن، له‌و ڕووه‌وه‌ نه‌ك هه‌ر ته‌نها گاڵته‌جاری به‌ ترۆتسکیده‌که‌ن، به‌ لینینیشی ده‌که‌ن، که‌ به‌ڵێنی ئه‌وه‌یان پێدا بوون که‌ داواکارییه‌کانیان جێبه‌جێ ده‌که‌ن، نه‌ك هه‌ر ئه‌وه‌ ئه‌و دووانه‌‌ گوتبووشیان که‌ پشتگیریی ئازادییه‌کان و هه‌ڵبژاردن ده‌که‌ن له‌ هه‌موو ئامێره‌ سۆڤیه‌ته‌کاندا، ده‌ریاوانه‌کان و کرێکاران به‌و چه‌شنه‌ ناسنامه‌یه‌وه‌، واته‌ به‌ ناسنامه‌ی شۆڕشی سێیه‌مه‌وه‌ده‌رڕژێنه‌ ناو ئازادیخوازییه‌وه.‌ ئه‌و یاخیبووانه‌، ئەگه‌رچی نه‌یار و دژ به‌ سوڵته‌ و حزبی سوڵته‌گه‌رایانه‌ بوون و خوازیاری له‌ناوچوونی بوون، به‌ڵام له‌گه‌ڵ ئه‌وه‌شدا وایان به‌ باش زانی که‌ هه‌ر له‌ گۆڕه‌پانه‌ شۆڕگێڕییه‌که‌دا بمێننه‌وه‌، ئه‌وانه‌ بووبوونه‌ ئێشکگر بۆ پاراستنی ده‌ستکه‌وته‌ شۆڕشگێڕه‌کان و دژی گه‌ڕانه‌وه‌ی قامچیی قه‌یسه‌ری بوون، له‌به‌ر ئه‌وه‌ش بوو که‌ خوازیاری ڕووخاندنی هه‌موو پرده‌کان نه‌بوون له‌گه‌ڵ ڕژێمدا، به‌ هیوای دۆزینه‌وه‌ی زمانێکی هاوبه‌ش، ئه‌وان داوای ئازادیی بیروڕاده‌ربڕینیان ده‌کرد، هه‌ر هیچ نه‌بێت بۆ لایه‌نگره‌ ڕاسته‌قینه‌کانی شۆڕش.”

سڵنه‌کردنه‌وه‌ و چاونه‌ترسیی کرۆنشتاتییه‌کان، زۆر له‌وه‌ زیاتر چووبووه‌ پێشه‌وه‌ که‌ که‌مجیقڵانه‌یی –لینین و ترۆتسکیو سه‌رکرده‌ شیوعییه‌کان بتوانن بکه‌ونه‌ ژێر بارییه‌وه‌، سه‌رکرده‌ به‌لشه‌فیکه‌کان لای خۆیانه‌وه‌ مه‌سه‌له‌ی له‌یه‌کچوونی حزبی شیوعی و شۆڕشیان ساغ کردبووه‌وه‌، هه‌ر که‌سێکیش له‌گه‌ڵ ئه‌و ئه‌فسانه‌یه‌دا یه‌کانگیر نه‌بێت، ئه‌وه‌ ئیتر ئه‌و که‌سه‌ بێ چەندوچۆن و بگره‌وبه‌رده‌یه‌ك دژه‌شۆڕشه‌. ئه‌و سه‌له‌فییانه‌ به‌ چاوی خۆیان شیتاڵ شیتاڵبوونی مارکسیزمی لینینزمیان ده‌بینی، له‌ لایه‌کی تریشه‌وه‌ کرۆنشتات تۆقاندبوونی. ڕێک له‌و کاته‌دا که‌ ئه‌وان به‌ ناوی پرۆلیتاریاوه‌ حوکیان دەکرد، که‌چی له‌پڕ بینیان که‌ سوڵته‌که‌یان به‌ره‌و ڕووی ناڕه‌زایی و ڕه‌تکردنه‌وه‌ بۆته‌وه‌ لای ئه‌وانه‌وه‌ که‌ تا دوێنێ خۆیان بوونی ئه‌و بزووتنه‌وه‌یه‌یان به‌ بزووتنه‌وه‌ی پرۆلیتاریای ڕاسته‌قینه‌یان ده‌زانی، که‌چی له‌و ده‌مه‌دا و له‌و وه‌زعه‌دا –لینینلکابوو به‌ هزرێکی ساده‌ و ساکاره‌وه‌ ده‌یگوت و دەیگوتەوە: ”ته‌نها ئه‌لته‌رنه‌تیڤ بۆ دیکتاتۆرییه‌تی حزب، حکوومه‌تی قه‌یسه‌رییه‌ له‌ نێوان ئه‌و دووانه‌دا هیچی تر نییه‌ئه‌وه‌ش به‌و مانایه‌ ده‌وترا ده‌متان داخه‌ن و سه‌ری خۆتان کزکه‌ن و ئه‌وه‌ی هه‌یه‌ قبوڵی بکه‌ن، ئەگه‌ر نا؟!! 1921پیاوه‌کانی ده‌وڵه‌تی سۆڤیه‌تی ئاوه‌ها بیریان ده‌کرده‌وه‌، هه‌ر هه‌مان بیرکردنه‌وه‌ بوو که‌ پاییزی 1956 پیاوانی ده‌وڵه‌ت له‌ بۆدابست دووباره‌یان کردەوە.

ترۆتسکی یه‌کودووی لێنه‌کرد ئه‌رکی داپڵۆسینی ئه‌و جموجووڵانه‌ی گرته‌ ئه‌ستۆی خۆی، لینین ئه‌وی نارد بۆ به‌شداریکردن له‌ کۆنگره‌ی ده‌یەمینی حزبدا و چه‌ند ساتێکیش یا زیاتر له‌ پترۆگراد لا بدات، بۆ ئه‌وه‌ی دوائاگادارینامه بنێرێت بۆ ئه‌و یاخیبووانه‌ ، ئه‌و له‌و ئاگادارینامه‌یه‌دا ئه‌وانی به‌ پاسه‌وانه‌ سپییه‌کانو ده‌ستێکه‌ڵکاران له‌گه‌ڵ دوژمنه‌ ڕۆژئاواییه‌کان و بورسه‌ی پاریس ناو بردبوو، پێویسته‌ ملیان پێ که‌چ بکرێت به‌ زه‌بری چه‌ك، ئێما گولدمانو ئەلکسندر برکمان، دوای ده‌رکردنیان له‌ وڵاته‌ یه‌کگرتووه‌کانی ئه‌مریکا، ڕوویان کردبووه‌ کرۆنشتات، له‌ نامه‌یه‌کی دڵته‌نگانه‌دا که‌ ناردیان بۆزینوفییفوتبوویان به‌کارهێنانی چه‌ك زه‌ره‌رێکی زۆر ده‌دات له‌ شۆڕشی کۆمه‌ڵایه‌تی، له‌ هه‌مان نامه‌دا تکایان له‌ هاوڕێ به‌لشه‌فیکه‌کان کردبوو که‌ کێشمه‌کێشه‌که‌ به‌ گفتوگۆیه‌کی برایانه‌ چاره‌سه‌ر بکه‌ن.

کرێکارانی پترۆگراد نه‌یانتوانی یارمه‌تیی هاوڕێکانیان بده‌ن له‌ کرۆنشتات، له‌به‌رئه‌وه‌ی له‌ لایه‌که‌وه‌ یاسای عورفی سه‌پێنرابوو و له‌ لایه‌کی تره‌وه‌ بڕێکی زۆریان له‌و خوارده‌مه‌نییانەی که‌ ده‌ستیان که‌وتبوو له‌وه‌وپێش دابه‌ش کردبوو. ئه‌فسه‌رێکی کۆنی زه‌مانی قه‌یسه‌ر په‌یدا کرا، ئه‌و ئه‌فسه‌ر پله‌ی مارشالی هه‌بوو ناویتوخاتشیفسکیبوو، ئه‌و پیاوه‌ دڕنده‌یه‌ ڕاسپێرا به‌ وردی هێزێکی سه‌ربازی پێکه‌وه‌ بنێت بۆ هه‌ڵمه‌تێکی سه‌ربازی، به‌ مه‌رجێك ئه‌و پاسه‌وانه‌ سوورانه‌ی تیادا نه‌بێت که‌ نایانه‌وێت ته‌قه‌ له‌ هاوڕێکانیان بکه‌ن له‌ کرۆنشتات.

له ‌7ی ئازاردا هێرشی سه‌ربازی به‌ تۆپباران، له‌ژێرناویتا هه‌موان بزانن!!—دەستی پێکرد. چواده‌وردراوه‌کانیش دوابانگه‌وازیان ده‌رکرد (وا جارێکی تر خوێنی بێتاوانان ده‌ڕژێت به‌سه‌ر سه‌ری شیوعییه‌کاندا، ئه‌و شیوعییانه‌ که‌ مه‌ست و شه‌یدای سوڵته‌ن بژی سوڵته‌ی سۆڤێته‌کان). یاخیبووه‌کان په‌ره‌وازه‌ بووبوون، سه‌هۆڵبه‌ندان ته‌نگی پێ هڵچنیبوون، 18ی ئازار یاخیبوونه‌که‌یان خه‌ڵتانی خوێن کرد.

له‌و ڕووداوه‌دا ئازادیخوازه‌کان ڕۆڵێکی ئه‌وتۆیان نه‌بوو. کۆمیته‌ی شۆڕشگێڕیی کرۆنشتات، بانگی ئازادیخوازانیان کرد بۆ به‌شداریکردن، به‌تایبه‌تی یرتشوك و فولین، به‌ڵام بێسوود بوو، چونکی ئه‌وده‌مه‌ ئه‌وان لای به‌لشه‌فیکه‌کان ده‌ستبه‌سه‌ر بوون. ئیدامت؛ مێژوونووسی کرۆنشتات گوتویه‌تی: کاریگه‌ریی ئازادیخوازه‌کان ئه‌و کاته‌ له‌و بواره‌دا خۆی ده‌نواند که‌ ئه‌وان خه‌باتیان ده‌کرد له‌ پێناوی بیری دیموکراتیی کرێکاری، هه‌رچه‌نده‌ به‌شداریی ڕاسته‌وخۆیان نه‌کرد، به‌ڵام مه‌سه‌له‌که‌یان به‌ مه‌سه‌له‌ی خۆیان ده‌زانی. دواتر، فولین ده‌رباره‌ی ئه‌و مه‌سه‌له‌یه‌ نووسیویه‌تی: ”کرۆنشتات یه‌که‌م هه‌وڵدان بوو که‌ ته‌واو سه‌ربه‌خۆ بوو له‌ پێناوی ئازادبوون له‌ هه‌موو سه‌روه‌ری و ده‌ستبه‌سه‌رداگرتنێك بۆ جێبه‌جێکردنی شۆڕشی کۆمه‌ڵایه‌تی، هه‌وڵدانێك بوو دژی سته‌مکاری و له‌ پێناوی شۆڕشێکی کۆمه‌ڵایه‌تیدا بوو به‌ پشتبه‌ستن به‌ خودی خۆ ‌بێ /شوانه‌ سیاسیه‌کان/بێ/سه‌روه‌ر/”. ئەلکسندر برکمان گوتویه‌تی: ”کرۆنشتات ئه‌فسانه‌ی دیکتاتۆریه‌تی پرۆلیتاریای هه‌ڵته‌کاند و ئه‌و مانایه‌شی به‌خشی که‌ مه‌حاڵه‌ دکتاتۆریه‌تی حزب و شۆڕش بتوانن ته‌با بن”.

* ئەم وەرگێرانە لەتەڵ ده‌قه‌ فه‌ره‌نسییه‌که‌ی بەراورد کراوە.

سه‌رچاوه‌: – التحرریة من العقیدة الی الممارسة – ل127 تا ل131 ، دانییال غریین، وه‌رگێڕانی بۆ عه‌ره‌بیجورج سعد

ما هي الجمعية الشعبية ؟

ترجمة مازن كم الماز

الجمعية الشعبية هي مجموعة منظمة ذاتيا , مستقلة ذاتيا , غير هرمية من الأشخاص الذين يأتون ليلتقوا ببعضهم البعض .
في كثير من الحالات تقوم الجمعيات على أساس جغرافي ( الحي , البلدة , الريف , الدولة الخ ) .
تكون الجمعيات شاملة و تتطور في إطار عملية ما و لا يجري التخطيط لها مسبقا .
تشكل الجمعيات الشعبية بديلا عنفيا ( ثوريا ) للسياسات الانتخابية ( و يمكن أن أضيف للديكتاتوريات و الاستبداد بالطبع – المترجم ) . إننا نراها في هذه الفترة في كل مكان, بما في ذلك في الولايات المتحدة , التي يملكها موظفون منتخبون من الشركات الكبرى فوق القومية عادة .
إنها تمنح الديمقراطية المباشرة للمشاركين فيها و تتخلى عن الحكومة التمثيلية التي لا نفع فيها – لسبب وجيه , هو أن الحكومة “المنتخبة” أو المعينة ( الملكية أو الديكتاتورية ) لا يمكنها أن تستجيب لحاجات الناس العاديين بينما تخضع في نفس الوقت للطلبات المالية للبنك الدولي , صندوق النقد الدولي , و للأجندات الاجتماعية التي تقع تحت سيطرة الشركات الكبرى , بما في ذلك الصحة , التعليم و القضايا البيئية .
بالتعريف , يجب أن تكون الجمعية الشعبية معادية للرأسمالية و معادية للنيو ليبرالية. تعني البنية الهرمية للحكومات و الشركات الكبرى أن سيدا و / أو مالكا ما يستفيد من عمل الآخرين , يعين و يطرد حسب رغبته , و كثيرا ما يكون أيضا مالكا للموارد الوطنية.

تتألف الجمعية من الناس المضطهدين و الذين يدركون ذلك .
الجمعية الشعبية ليست حزبا سياسيا و ترفض أن تمتلك سلطة سياسية سوى السلطة الاجتماعية التي تأتي من أسفل .
أنها ضد الفردانية , إنها مجتمع الهدف و الغاية .
القوة التي تجمعها يجب أن تكون قوة الاشتراك في الهدف و الرؤية .
الجمعيات الشعبية في أوكساكا
على ضوء هذا الوضع و نتيجة إدراك أن حكومة الولاية قمعية و قد أصبحت عمليا دون سلطة لتحكم , تأسست الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا و اجتمعت لأول مرة في 17 يونيو حزيران 2006 . و قد أعلنت نفسها الحاكم الفعلي لأوكساكا . تتألف الجمعية من ممثلي مناطق و بلديات أوكساكا و نقاباتها و المنظمات غير الحكومية و المنظمات الاجتماعية و التعاونيات فيها , أكبر مجموعة من بين هذه هي القسم 22 , اتحاد ( نقابة ) معلمي أوكساكا . لقد شجعت الجمعية كل مواطني أوكساكا على تنظيم جمعيات شعبية على كل مستوى : الأحياء , الشوارع , النقابات , المدن . و رفعت الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا شعار ” ( نحن ) حركة القواعد , و ليس حركة الزعماء” و شددت على مطلب أن يقوم العاملون العموميون بالتنظم و العمل بشكل يتجاوز مفهوم الموظف المنتخب ( الحكومي ) . بينما كان المطلب الرئيسي للجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا هو تغيير حاكم أوكساكا , فقد دعت أيضا إلى تحولات اقتصادية , اجتماعية و سياسية أوسع , إضافة إلى تغيير دستور الدولة السياسي . جرى دفع هذا الهدف الأخير بتشكيل مجلس ولاية الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا في مؤتمر نوفمبر تشرين الثاني الدستوري . كان مجلس الولاية محاولة لخلق تنظيم يعيش أو يستمر لفترة أطول من الحراك الحالي و يمتد أبعد من العاصمة إلى كل أنحاء الولاية . تشكل المجلس من 260 ممثلا من كل مناطق و قطاعات أوكساكا , بما في ذلك 40 عضوا من نقابة المعلمين .
تضمنت قرارات الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا اعترافا بالحقوق الأساسية للسكان الأصليين و بالاستقلال الذاتي و المساواة بين الجنسين و المسؤولية السياسية و معارضة النيوليبرالية و خطة Pueble Panama ( خطة وضعت عام 2001 لتعزيز تطور الولايات المكسيكية المتعددة و دمجها في الدولة – المترجم ) , و المطالبة بتعليم بديل , و بإعلام يدار جماعيا , من بين أشياء أخرى .
استمدت الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا إلهامها من ممارسات سياسية للسكان الأصليين تسمى الاستخدام و الأعراف التقليدية التي أدخلت على المستوى البلدي الحكومي في أوكساكا . تبتعد هذه الممارسات عن السياسات الانتخابية المعروفة في أن بنية الجمعية لا تتضمن إجراءات تصويت سرية , بل اجتماعات مفتوحة ( علنية ) لاتخاذ القرارات .
“يكلف الفرع التنفيذي ( السلطات ) بمهمة تحقيق المهام التي تحددها له الجمعية . يقود رئيس البلدية , الذي هو الأول بين هذه السلطات , ( كما تشرح كلمات الزاباتيستا ) يقود من خلال الطاعة ( أي إطاعته لتكليفات و قرارات الجمعية – المترجم ) . بالنسبة لسكان أوكساكا تبقى فكرة الحكم من خلال الإجماع جزءا من تراثهم الثقافي المشترك . لذلك كما دعت الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا , فإن الناس العاديين الذين يشكلون 80 % من سكان الولاية قد اعترفوا بها فورا . و هم يدعمونها رغم الصعوبات الواضحة لجمع السلطات من كل أنحاء الولاية .
التقت الجمعية الشعبية لشعوب أوكساكا بموظفي الحكومة الفيدرالية بشكل دوري أثناء ذلك النزاع , لكن ما يزال عليها أن تفاوض على حل للنزاع . ينخرط الأعضاء حاليا في الجهود لتحرير و لفت الانتباه إلى قادة الجمعية الشعبية المعتقلين كمشتبهين بارتكاب جرائم , مثل تخريب الملكية العامة .
الجمعيات الشعبية في الأرجنتين بقلم سيرينا بيلارولو
بدأت فكرة “الجمعية الشعبية” تظهر بقوة بعد pueblada 19 / 20 ديسمبر كانون الأول 2001 ( انتفاضة ) في الأرجنتين عندما أطاح الناس بالرئيس و وزير الاقتصاد . الذي جرى بعد ذلك عندما تشكل فراغ في الحكومة أن الناس العاديين بدؤوا يجتمعون في زوايا الشوارع ليضعوا تصورا عن حكم شعبي . كانت حركة الجمعيات الشعبية في الأرجنتين ( و ما تزال ) أساسية في تقوية الحركة الهائلة الداعية للاستقلال الذاتي التي تضمنت إدارة العمال للمعامل , حركة العمال العاطلين عن العمل , و عدد كبير من المنظمات و التعاونيات التي طورت شركات صغيرة لتمارس التسيير الذاتي .

نقلا عن http://news.infoshop.org/article.php?story=20070223115856438

عن شيء اسمه إضراب

مازن کم الماز

هناك في سوريا عمال , و العمال السوريون ليسوا دون مشاكل , و لا يعيشون أفضل مما يعيش مثلا العمال الإسبان أو اليونانيين أو الإيرلنديين أو عمال ويسكنسون في أمريكا الذين احتجوا و يحتجون و يضربون عن العمل في سبيل تحقيق بعض مطالبهم , لكن مع ذلك لا يضرب العمال السوريون , مهما كانت أحوالهم سيئة , صحيح أنه قد وقعت في السابق مناوشات عدة في عدة شركات بين العمال و الإدارة لكن العمال السوريين لا يعرفون ما هو الإضراب , و ما الذي يعنيه الإضراب , على الأقل الجيل الحالي الذي ولد بعد 1963 , لقد كان العقل الأمني للسلطة صارما جدا في إصراره على إلغاء فكرة الإضراب من وعي العمال و السوريين عموما على التوازي مع إلغاء فكرة التفكير و التعبير و الفعل المستقلين و خاصة إذا كان هذا يعني الاعتراض على ظروف أنتجها النظام و ترتبط به مباشرة , و وافقه و ساعده في هذا الشيوعيون المتحالفون مع النظام و نقابيوه البيروقراطيون , لقد عملت هذه القوى مجتمعة كل ما في وسعها لتحول السوريين في أسفل الهرم الاجتماعي إلى أتباع مطيعين , لقد خلقت كل آليات القمع و الترويض تلك مجتمعا عار أمام النظام , يمكن استباحته دون أن يملك وسيلة للدفاع عن نفسه إلا الثورة , الانتفاضة الشعبية , التي بدأت أخيرا في 18 آذار لتدخل في صراع مصيري مع النظام و أجهزته .. لكن لكي لا نقع في التبسيط يجب القول أن القسم الأكبر من العاملين في وزارات الحكومة السورية بما في ذلك القطاع العام في سوريا يعتبرون أنفسهم اجتماعيا و يتصرفون كجزء من البيروقراطية , و يجب القول هنا أن النظام الحاكم في سوريا , قد مثل حتى قبل وقت قصير أعلى هرم هذه البيروقراطية الحاكمة , إن حقيقة العمل في قطاع عام يتبع الدولة , أو بالأحرى يتبع البيروقراطية الحاكمة مباشرة , قد يعطي هذا الانطباع ..

اليوم هناك ثورة في سوريا , ثورة تعبر عن الأجزاء الأكثر تهميشا من الجماهير السورية , الأكثر إحساسا بالمهانة و التهميش بسبب النظام و منه بالتحديد و الأكثر رغبة و إصرارا على انتزاع حريتها و تغيير واقعها أي ببساطة إسقاط النظام , و واقعة أن القطاع العام ما زال متماسكا في استمراره بالعمل تحت منظومة النهب و السيطرة التي خلقها النظام عبر عقود رغم اتساع شعبية الاحتجاجات تشير إلى ترجيح هذا الشعور عند عمال القطاع العام , لا يقف الموضوع عند التشبيح و القمع الفكري و السياسي و الروحي و الجسدي الوحشي الذي برع النظام بممارسته عبر عقود , بل إننا أمام ميوعة طبقية تسمح للنظام بإبقاء قسم هام من الشعب , من الجماهير الكادحة بالتحديد , في حالة خوف و تردد , ليس فقط فيما يتعلق بانضمامها للثورة بل ربما أيضا في خوفها من فكرة سقوط النظام نفسها , نحن هنا أمام عاملين متناقضين يدفعان في اتجاهين مختلفين , الأول هو أن قسما هاما من هؤلاء العاملين في وزارات و مؤسسات الدولة و القطاع العام قد خلقوا برعاية و مشاركة البيروقراطية الأعلى منهم فالأعلى آليات فساد من خلال عملهم سمحت لهم بالتعايش مع الأوضاع الاقتصادية المزرية السائدة , أيضا فجزء ليس بالصغير من هؤلاء هم بالفعل جزء من الطبقة البيروقراطية الطفيلية على عملية الإنتاج , لقد شاهدنا تضخما كبيرا في البيروقراطية خاصة في العقود الأولى من حكم النظام خاصة في قاعدتها و اقترن هذا بتراجع في عدد ساعات العمل الفعلي التي يقوم بها كثير من هؤلاء , جرى هذا حتى فيما يتعلق بالعمل اليدوي في المعامل التابعة للدولة أو ما يسمى بالقطاع العام , و لذلك بالذات يمكن هنا القول أن “محترفي” العمل المكتبي الروتيني الذي يختصر معنى و ممارسات البيروقراطية هم الأكثر إحساسا بأنهم جزء مهما كان تافها أو مهملا من “حزب البيروقراطية” الذي يحسب على النظام القائم , العامل الآخر هو أن أحوال هؤلاء العاملين كانت تتدهور باستمرار و مؤخرا بتسارع كبير إلى جانب الزيادة الهائلة في مستوى حياة الفئة المحدودة جدا في أعلى الهرم الاجتماعي و السياسي , لهذا بالذات يريد النظام فقط تحييد هؤلاء , صحيح أنه يعتمد عليهم في “مسيراته” الجماهيرية إلى جانب موظفي شركات مخلوف و حمشو , لكنه يخشاهم في نفس الوقت , إنهم يبقون في كل الأحوال جزءا من الغالبية الساخطة بصمت على أوضاعها و على اتساع الفوارق الطبقية بينها و بين رأس النظام , عائلة الأسد .. إن القاعدة الأساسية للنظام كما في كل نظام شمولي هي أجهزة الأمن و الشبيحة تحديدا و ليس عند النظام أية أوهام فيما يتعلق بأي فئة أو طبقة اجتماعية أيا تكن , هذا الوضوح الشديد من طرف النظام و الذي دفعه للتركيز على أحادية القمع الذي يعجز الإنسان عن وصف همجيته بدقة كوسيلة وحيدة ممكنة لحل أزمته المتمثلة في الثورة الشعبية يتيح له مواصلة الصراع ضد الجماهير المنتفضة بدرجة عالية من الفاعلية حتى الآن , يعرف النظام أن هذه القاعدة الواسعة للبيروقراطية تراقب باهتمام ما يجري , و أنه مادام النظام متماسكا و قادرا على ممارسة القمع فإنها باقية في قسمها الأكبر حتى الآن في صمتها على الحياد , و أنه مع تزايد الشواهد على انهياره من الداخل ستنضم بسرعة إلى جماهير المنتفضين , نصل هنا إلى النقطة التي بدأنا بها , إن النظام لا يمكنه أن يستمر مع تحييد أو شلل قسم من الماكينة الاقتصادية التي تضمن ضخ الموارد الضرورية لعمل أجهزته الأمنية , لا يمكن لأجهزة الأمن أن تدير الاقتصاد , إنها تديره فقط بقمع العمال و الفلاحين و صغار البيروقراطيين و إجبارهم على الخضوع , إن تخريب عمل المؤسسات القائمة و تعطيل ماكينة عجلة اقتصاد النظام هو سلاح قديم لجأ إليه العمال في مواجهة أنظمة بقسوة و همجية النظام السوري كالأنظمة الستالينية و الفاشية , لا شك أن هذا لن يحسم المعركة مع النظام التي ستحسم عندما تنهار أجهزة أمن النظام في مواجهة الشارع السوري المنتفض , صحيح أن هذا يعني أساسا شد عزيمة هذا الشارع و الجماهير , لكن هزيمة أجهزة القمع و الموت التابعة للنظام تحتاج أيضا إلى تحويل الموارد التي ينتزعها النظام من السوريين العاديين عن أن تصب في جيوب قادة كتائب الموت و الإعدام التي تسمى اصطلاحا شرطة أو جيش أو حرس جمهوري الخ , لا تدور المعركة الحقيقية في أروقة مجلس الأمن أو وزارات خارجية دول الاتحاد الأوروبي أو أمريكا أو روسيا , بل في الشارع السوري تحديدا , إن مبادرات مثل تنسيق أفعال ما بين الناس في الشارع هامة في رفع كفاحية الناس في الشارع و إضعاف معنويات شبيحة و مرتزقة النظام لكن الأمر الأكثر أهمية هو تطوير أشكال النضال و المقاومة في المعامل و الحقول و حتى في مؤسسات الدولة البيروقراطية و أيضا مؤسسات مخلوف و حمشو و غيرهما , قد يكون من المبكر الحديث عن شيء اسمه إضراب اليوم في سوريا , لكن عندما ينتج العمال السوريون ما سيصبح رصاصا يقتل إخوتهم الفقراء من الطبقات المهمشة أو الملغية تماما من قبل النظام ( لا تستطيع لفظة التهميش التعبير الصحيح عن علاقة النظام بالطبقات السورية المسحوقة اجتماعيا أو التي يحقها هو اجتماعيا و سياسيا و روحيا و جسديا , تذكرنا سوريا بمعسكرات العمل العبودي الستالينية فقط , هذا ما أثبتته الثورة , إن مثل هذه الهمجية و الاستهتار بالسوريين العاديين سواء الذين يلبسون بدلات أجهزة القتل التابعة للنظام أو السوريين العاديين لا يعبر إلا عن علاقة السيد بالعبد , مصطلح الإلغاء أقرب إلى التعبير الأصدق عن مثل هذا الواقع ) يصبح لزاما عليهم أن يحرقوا ما ينتجوه أو أن يفعلوا كل ما بوسعهم لكي يكون الرصاص المتاح للقتلة و المرتزقة التابعين للنظام أقل ما يمكن , سيختلف الوضع عندما سينتج العمال ما سيقتسموه فيم بينهم , كل حسب حاجته لا حسب حاجة النظام و لا لملء جيوب القتلة بالذهب و الدماء .. يبقى النظام هو الذي يقف و ظهره إلى الحائط , فهو يواجه أكبر المخاطر التي قد يواجهها على الإطلاق , أي الثورة الشعبية , و همجيته هي أكبر تعبير عن مأزقه , أما بالنسبة لحماة , و دمشق و دير الزور و اللاذقية و دوما و عربين و حرستا و الزبداني و السلمية , فإن دماء هذه الضحايا هي عربون الحرية القادمة فقط ….

الأناركية والسينديكالية

أريكو مالاتيستا

نيسان – أيار 1925

ترجمة: جوزف أيوب

إنّ العلاقة بين الحركة العمالية والأحزاب التقدمية هي موضوع قديم وبالي. لكنه أمر موضعي أكثر من أي وقت مضى، وهكذا سيبقى. من ناحية أخرى، هناك جماعة من الناس تعاني من الاحتياجات العاجلة وهي مندفعة بتطلعاتها – في بعض الأحيان عاطفية ولكن دائما غامضة وغير محددة – لحياة أفضل، ومن ناحية أخرى هناك غيرهم من الأفراد والأحزاب الذين لديهم رأي محدد في المستقبل والوسائل اللازمة لتحقيق ذلك، ولكن الذين خططوا وتأملوا قد فشلوا اكثر من أي وقت مضى في أن تظل اليوتوبيا بعيدة عن التناول ما لم يتمكنوا من كسب الجماهير. وهذا الموضوع هو الأكثر أهمية الآن، بعد كوارث الحرب وفترة ما بعد الحرب، والكل مستعد ولو عقليا فقط، لاستئناف النشاط الذي يجب أن يتبع عند سقوط الأنظمة الاستبدادية التي لا تزال تتبجح وتغضب [عبر أوروبا] ولكن هي بداية للقشعريرة. لهذا السبب سأحاول توضيح رأيي حول موقف الأناركيين للمنظمات العمالية.

اليوم، باعتقادي، لا يوجد احد، أو على الاقل لا أحد بيننا يستطيع ان ينكر فائدة وضرورة الحركة العمالية باعتبارها وسيلة مادية ووسيلة تقدمية أخلاقية، وباعتبارها أرضا خصبة للدعاية، وبوصفها قوة لا غنى عنها للتحول الاجتماعي الذي هو هدفنا. لم يعد هناك أي شخص لا يفهم ماذا تعني منظمة العمال، بالنسبة لنا نحن الأناركيون أكثر من أي شخص، ايماننا هو ان التنظيم الاجتماعي الجديد يجب أن لا يفرض من قبل الحكومة الجديدة بالقوة ولكن يجب أن ينجم عن التعاون الحر من قبل الجميع. علاوة على ذلك، الحركة العمالية هي الآن مؤسسة هامة وعالمية. لكي تعارضها عليك ان تصبح شريك الظالمين؛ وتجاهلها سيجعلنا بعيدين عن حياة الناس اليومية، وستديننا بالعجز الدائم. مع ذلك، في حين ان الجميع، أو تقريبا الجميع، متفقين حول فائدة وضرورة الفوضويون للقيام بدور نشط في الحركة العمالية وأنصارها ومروجيها ، كثيراً ما نختلف فيما بيننا على الشروط والوسائل والقيود من هذه المشاركة.

العديد من الرفاق في الحركة العمالية والحركة الأناركية يرغبون في أن تكونا نفس الحركة، حيث استطاعوا ذلك، في إسبانيا والأرجنتين، وحتى إلى حد ما في إيطاليا، فرنسا ، ألمانيا، وما إلى هناك – في محاولة لإضفاء برنامج الأناركية  على منظمات العمال  بشكل واضح. وقد عُرف هؤلاء الرفاق باسم “الأناركية السنديكالية”، وإذا اختلطوا مع آخرين الذين هم في الحقيقة ليسوا بأناركيين، اطلقوا على انفسهم السنديكالية الثورية. فإذا كان السؤال ماذا يرغب أحدهم في المستقبل؟ عندها يجب أن يكون هناك تفسير لمعنى ”نقابية”، إذاً، النقابية تعني شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي ينبغي أن يحل محل الرأسمالية وتنظيم الدولة، فإما هي نفسها الفوضى وبالتالي الكلمة التي لا تؤدي إلا إلى إرباك، أو هي شيء مختلف عن الفوضى وبالتالي لا يمكن أن تكون مقبولة من الأناركيين أنفسهم. في الواقع، هناك بعض الأفكار والمقترحات التي وضعها بعض النقابيين حول المستقبل، هذه الأفكار هي حقاً فوضوية. لكن هناك آخرين، تحت أسماء وأشكال أخرى انتجوا بنى سلطوية تشكل سببًا  للعلل التي نحتج عليها الآن، والتي بالتالي ، ليس لها علاقة مع الاناركية. لكنها ليست سينديكالية كنظام اجتماعي اُعنى بالتعامل معه، لأنها ليست هي التي يمكن أن تحدد الإجراءات الحالية للإناركيين فيما يتعلق بالحركة العمالية.

انني اتعامل هنا مع الحركة العمالية في ظل النظام الرأسمالي والدولة، في حين اسم السينديكالية يشمل جميع المنظمات العمالية، وجميع النقابات المختلفة التي أنشئت لمقاومة الظلم وأرباب العمل في هدف تخفيف أو القضاء كليا  على استغلال عمل الإنسان من قبل مالكي المواد الخام ووسائل الانتاج. الآن أنا أقول أن هذه المنظمات لا يمكن أن تكون فوضوية، وأنه لا يجدي نفعاً الادعاء بأنها كذلك، لأنها إذا كانت كذلك سوف تخفق في تحقيق غرضها ولن تخدم الأناركييون الذين يشاركون في هذا الغرض. يتعين على النقابة بالدفاع عن مصالح العمال يوماً بعد يوم وتحسين أوضاعهم بقدر الإمكان قبل أن يقوموا بالثورة والتي عليها أن تغير الأجراء إلى عمّال احرار، وارتباطهم الحر لإفادة الجميع.

من أجل نقابة تخدم أهدافها الخاصة، وفي الوقت نفسه من أجل العمل كوسيلة تعليم وأرضية للدعاية تهدف الى تغيير اجتماعي جذري، فإنّ هذا يحتاج إلى جمع جميع العاملين معا – أو على الأقل أولئك العمّال الذين يعملون لتحسين أوضاعهم  والقادرين على القيام ببعض المقاومة لأرباب العمل. بما ان الجماهير قادرة بالفعل على صنع الثورة، هل يمكن أن ننتظر ربما جميع العمّال لكي يصبحوا اناركييون قبل دعوتهم إلى تنظيم أنفسهم، وقبل الاعتراف بهم في المنظمة، مما يعكس النظام الطبيعي للدعاية والتطور النفسي، وتشكيل منظمة مقاومة عندما لا يكون هناك أي حاجة؟ في مثل هذه الحالة فإن النقابة هي نسخة مكررة لهذا التجمع الأناركي، وسوف تكون عاجزة للحصول على تحسينات أو للقيام بثورة. أو أنها سترضي ذاتها بإعداد برنامج الأناركية مع اغفال دعم رسمي، وجمع الناس الذين يتبعون المنظّمون كالقطيع، عندئذ فقط – في أول مناسبة سيتخطوا العدو ويتم استدعائهم لطرح أنفسهم كأناركيين جدّيين؟

السينديكالية (وأقصد بها التنوع العملي وليس النوع النظري، حيث الكل يحيك الشكل الخاص به) هي اصلاحية السجية. كل ما يمكن أن يتوقع منها أن الإصلاحات التي تحارب من اجلها وتحققها هي ودية ومكتسبة عن طريق خدمة التعليم الثوري والدعاية  وترك المجال مفتوحا لصنع مطالب أكبر من أي وقت مضى. أي اندماج أو خلط بين الأناركية والحركة الثورية والحركة النقابية آيلة للإنتهاء إما عن طريق جعل النقابة عاجزة  فيما يتعلق بأهدافها المحددة أو عن تخفيف لهجة، وتزوير واطفاء الروح الأناركية. ويمكن للنقابة ان تتشكل مع برنامج اشتراكي ثوري أناركي، وهو في الواقع- من خلال برامج من هذا النوع- تنشأ برامج عمّالية مختلفة. وفي حين أنهم ضعفاء وعاجزين لكنهم اوفياء للقضية، وهذا يعني أنهم يبقوا مجموعات اعلامية قائمة بإدارة عدد قليل من الرجال المتحمسين والملتزمين، بدلا من منظمات على استعداد لاتخاذ إجراءات فعالة. لاحقاً، كلما نجحت في جذب الجماهير واكتساب القوة في المطالبة وفرض تحسينات، تصبح القضية الأصلية معادلة فارغة، التي لم يعد يهتم بها أحد.  تتكيف التكتيكات مع احتياجات اللحظة، وهواة الأيام الأولى إما يتكيفوا مع أنفسهم أو يتنازلوا عن مناصبهم لرجال ”عمليّين” معنيين باليوم ، غير مكترثين بالغد.

هناك، بطبيعة الحال ، رفاق في المرتبة الأولى من الحركة النقابية، يبقون بصدق وبحماس أناركيين، كما أن هناك تجمعات عمالية مستوحاة من الأفكار الأناركية. لكن من السهل جداً العمل على النقد في البحث عن الآف الحالات التي في الممارسة اليومية، هؤلاء الرجال وهذه التجمعات تتعارض مع الأفكار الأناركية. الضرورة القاسية؟ أنا أتفق ان  الأناركية المحض لا يمكن أن تكون حلّاً عمليّا حين يضطر الناس للتعامل مع الرؤساء ومع السلطة. لا يمكن للجماهير الشعبية ان تُترك لأدواتها عندما ترفض العمل، الطلب، اعطاء الأوامر، والقيادة. لكن لماذا نخلط بين الأناركية مع ما ليس أناركياً ونأخذ على أنفسنا، كأناركيين، مسؤولية مختلف المعاملات والاتفاقات التي يجب القيام بها على أساس أن الجماهير ليست أناركية، حتى لو أنهم ينتمون إلى منظمة التي تبنت برنامج الأناركية في دستورها؟ في رأيي، الأناركيون لا يريدوا أن تكون النقابات أناركية. يجب على الأناركيين العمل فيما بينهم لغايات أناركية، كأفراد، جماعات واتحادات مجموعات. بنفس الطريقة كما أن هناك، أو ينبغي أن تكون، مجموعات للدراسة والمناقشة، ومجموعات للدعاية المكتوبة أو المنطوقة في العلن، مجموعات متعاونة، مجموعات العمل داخل المصانع والورش والحقول والثكنات والمدارس وغيرها، لذلك ينبغي عليهم تشكيل مجموعات داخل المنظمات المختلفة لتشن الحرب الطبقية. من الطبيعي أن يكون المثل الأعلى للجميع هي الأنلركية ولجميع المنظمات العمل أناركياً. ولكن من الواضح أنه إذا كان الأمر كذلك، فلن تكون هناك حاجة لتنظيم النضال ضد أرباب العمل، وذلك لأن أرباب العمل لن تكون موجودة.

في الظروف الراهنة، نظرا لدرجة تطورالفئات الشعبية في الأوساط التي يعملون فيها، ينبغي على الجماعات الأناركية أن لا تطالب بأن تكون هذه المنظمات أناركية، ولكن في محاولة لجذبهم إلى أساليب أناركية قدر الإمكان. إذا كان بقاء المنظمة واحتياجاتها ورغباتها تجعل من الضروري حقاً تقديم تنازلات والدخول في مفاوضات مع السلطة وأرباب العمل، فليكن ذلك. ولكن لنجعلها مسؤولية الآخرين، وليس الأناركيين ، التي تتمثل مهمتهم في إشارة إلى عدم كفاية وهشاشة كل التحسينات التي يتم إجراؤها داخل المجتمع الرأسمالي والنضال لدفع باتجاه حلول أكثر تطرفاً من أي وقت مضى. ينبغي على الأناركيين داخل النقابات ان يسعوا جاهدين لضمان البقاء على علاقة مفتوحة مع جميع العاملين أيا كان رأيهم أو حزبهم على شرط وحيد أن يكون هناك تضامن في الكفاح ضد أرباب العمل. ينبغي أن تعارض روح “الشركاتية” وأية محاولة لاحتكار العمل أو المنظمة، أن يمنعوا الاتحادات من أن تصبح أدوات للسياسيين لتحقيق غايات سلطوية أو انتخابية أو غيرها، بل يجب الوعظ وممارسة العمل المباشر، وتحقيق اللامركزية والإستقلالية والمبادرة الحرة. ينبغي أن تسعى جاهدة لمساعدة الأعضاء على تعلم كيفية المشاركة بشكل مباشر في حياة المنظمة، والإستغناء عن قادة ومسؤولين دائمين. يجب عليهم، وبإختصار، ان يبقوا أناركييون، وأن يبقوا على اتصال وثيق مع الأناركيين وان يتذكروا أن تنظيم العمال ليس النهاية، بل مجرد واحدة من الوسائل، مهما كانت أهميته، لتمهيد الطريق لتحقيق الأناركية.

حركة احتلال المصانع الايطالية : 1918 – 1921

او بينيو روسو
ترجمة مازن كم الماز

تاريخ مختصر للبيينو روسو ( السنتان الحمراوان في إيطاليا ) و احتلال المصانع من قبل الجماهير في عام 1920 عندما قام نصف مليون عامل بإدارة مصانعهم بأنفسهم . تفاوضت النقابات الإصلاحية لإنهاء النزاع , فاتحة الطريق أمام الردة الرجعية الفاشية – أو ما يسمى بالبينيو نيرو ( السنتان السوداوان ) لعامي 1921 – 1922 .
بعد الحرب العالمية الأولى , مرت الطبقة العاملة في أوروبا بمرحلة كبرى من التحول نحو الراديكالية . ازدادت عضوية النقابات و زادت معها الإضرابات و المظاهرات و الانتفاضات . لم تكن إيطاليا استثناءا . كان عمالها غاضبين من الانهيار الذي تلا الحرب و كانت كفاحيتهم تتعاظم . يمكن أن نجد مثالا جيدا عن هذا في عملية احتلال المصانع في عام 1920 .
بدأ تطور النقابات الراديكالية في إيطاليا بعد الحرب مباشرة . في تورين , و عبر كل إيطاليا , كانت حركة الكوادر العمالية تنمو و كانت قاعدتها هي “الهيئات الداخلية” . قامت هذه الهيئات على أساس مجموعة الأشخاص في المصنع حيث كان هناك ممثل مفوض و قابل للاستدعاء في أي وقت عن كل 15 – 20 عامل . بعدها يقوم هؤلاء الممثلين في مصنع ما بانتخاب “هيئتهم الداخلية” التي كانوا قادرين على تغييرها في أي وقت . عرفت هذه الهئية الداخلية “بمجلس المصنع”.

في نوفمبر تشرين الثاني 1918 أصبحت هذه الهيئات قضية اهتمام على المستوى الوطني داخل الحركة النقابية و بحلول فبراير شباط 1919 كسبت ( فازت ) الفيدرالية الإيطالية لعمال المعادن عقدا يسمح لهذه الهيئات بالتواجد في المصانع . حاولوا بعدها تحويل هذه الهيئات إلى مجالس ذات وظيفة إدارية . في مايو أيار 1919 “أصبحت هذه المجالس القوة المسيطرة داخل صناعة التعدين و كانت النقابات مهددة بأن تصبح وحدات إدارية هامشية أو ثانوية” ( كارل ليفي , غرامشي و اللاسلطويون ) . رغم أن هذه التطورات جرت أساسا في تورين , فقد اجتاحت هذه الكفاحية إيطاليا مع استيلاء الفلاحين و العمال على المعامل و الأرض . في ليغويرا , بعد انهيار المفاوضات حول الأجور , احتل عمال التعدين و بناء السفن معاملهم و أداروها بأنفسهم لأربعة أيام .
في تلك الفترة نمت قوة الاتحاد السينديكالي الإيطالي إلى 800 ألف عضو و نما معه نفوذ الاتحاد اللاسلطوي ( الأناركي ) الإيطالي ( 20 ألف عضو , كانت جريدته اليومية أومانيتا نوفا أو الإنسانية الجديدة ) . قال الماركسي الويلزي غوين ويليامز بوضوح في كتابه النظام البروليتاري أن “اللاسلطويين ( الأناركيين ) و السينديكاليين كانوا المجموعة الثورية الأكثر اتساقا في اليسار .. أثر السينديكاليون في أفكار الطبقة العاملة الكفاحية الأمر الذي كان الاشتراكيون قد عجزوا عنه . كان اللاسلطويون أول من اقترح القيام باحتلال المصانع . كتب إيريكو مالاتسيتا الأناركي المعروف في الإنسانية الجديدة في مارس آذار 1920 “لم تعد الإضرابات العامة الاحتجاجية تزعج أحدا … إننا نطرح فكرة احتلال المصانع .. لهذه الطريقة مستقبل بالتأكيد , لأنها تتماشى مع الأهداف النهائية للحركة العمالية” . في نفس الشهر أثناء الحملة السينديكالية لإقامة المجالس في ميلان دعت ( سكرتاريا الاتحاد السنيديكالي الإيطالي ) إلى احتلال المصانع من قبل الجماهير و سرعان ما تجاوب معها مفوضو مجالس المصانع .
من الواضح أن هذه الكفاحية العالية كانت ستستفز رد فعل قوية من السادة . شجبت منظمات السادة مجالس المصانع لتشجيعها “انعدام الانضباط” بين العمل و طلبت من الحكومة أن تتدخل . دعمت الدولة السادة الذين بدؤوا بتشديد القواعد الصناعية المعمول بها . نص العقد الذي كسبته الفيدرالية الإيطالية لعمال التعدين في 1919 عنى أن تمنع الهيئات الداخلية من العمل على أرض المصانع و أن تكون محصورة فقط خارج ساعات العمل . هكذا كان التوقف عن العمل للقيام بانتخابات ممثلي النقابات ( من بين أشياء أخرى ) يعتبر انتهاكا للعقد . أبقيت الحركة حية فقط من خلال عصيان الجماهير و استخدم السادة أنظمة عمل أكثر صرامة في المعامل ليحاربوا هذا العصيان الجماهيري .
لكن المواجهة الكبرى وقعت في أبريل نيسان . بعد طرد بعض المندوبين النقابيين من شركة فيات , اعتصم العمال مضربين . رد السادة بإغلاق المعمل الأمر الذي دعمته الحكومة بإرسال القوات العسكرية و بنصب مواقع للرشاشات خارج المصنع . بعد أسبوعين على الإضراب قرر العمال أن يستسلموا . رد أصحاب العمل بالطلب بأن يعاد فرض العقد مع الفيدرالية الإيطالية لعمال التعدين إلى جانب إعادة فرض هيمنة الإدارة . هدفت هذه المطالبات إلى تدمير نظام مجالس المصانع و رد عمال تورين بإضراب عام للدفاع عن هذا النظام . كان الإضراب متماسكا في تورين و انتشر إلى بيدمونت , و انضم إليه في ذروته 500 ألف عامل . دعا عمال تورين نقابة CGL و الحزب الاشتراكي للمساعدة في توسيع الإضراب على المستوى الوطني . لكن كلا من الحزب الاشتراكي و نقابة CGL رفضا هذا الطلب . النقابات التي كان للاسلطويين ( الأناركيين ) السينديكاليين نفوذا فيها “كانت أول من تحركت” ( ويليامز , النظام البروليتاري ) . رفض عمال السكك الحديدية في بيزا و فلورنسا نقل القوات العسكرية إلى تورين . بدأ عمال الموانئ و بقية الصناعات التي تخضع لنفوذ الفيدرالية الإيطالية لعمال التعدين , إضرابا تركز حوالي جنوا . لاحظ ويليامز أنه رغم “أن الحركة الاشتراكية بأكملها كانت قد تخلت عن عمال تورين” فإن المضربين في تورين “تلقوا دعما شعبيا واسعا من خلال الأفعال” .. قاد هذا الدعم اللاسلطويون ( الأناركيون ) السنيديكاليون مباشرة أو أنهم ألهموه بشكل غير مباشر . في تورين بالذات هدد الأناركيون السينيدكاليون بجعل غرامشي و شركاه خارج الحركة المجالسية .
أخيرا تمكنت قيادة نقابة CGL من إنهاء الإضراب بشروط أصحاب العمل , أي حصر مجالس المندوبين خارج ساعات العمل . انتقد الأناركيون “ما اعتقدوا أنه معنى مزيفا للانضباط الذي كان يشد الاشتراكيون بقيادتهم الجبانة . و عارضوا هذا الانضباط الذي وضع في كل لحظة تحت “حسابات” , مخاوف و الخيانات المحتملة للقادة بانضباط عمال سيستري بونينتي الذين تضامنوا مع تورين , انضباط عمال السكك الحديدية الذين رفضوا نقل قوات الأمن إلى تورين و الأناركيون و أعضاء الاتحاد السنيديكالي الذين نسوا الاعتبارات الحزبية و التنظيمية ليضعوا أنفسهم بتصرف تورينسي” ( كارل ليفي , غرامشي و الأناركيون ) .
ردا على تخفيضات الأجور و إغلاق المصانع شهد شهر سبتمبر أيلول اعتصامات و إضرابات كبرى . في منتصف أغسطس آب دعا الاتحاد السنيديكالي إلى التعاون مع نقابة CGL لاحتلال المصانع قبل إغلاقها . رأى الاتحاد السنيديكالي أن القيام بالاحتلال هذا حيوي جدا لنضال العمال يجب الدفاع عنه بكل الوسائل الضرورية و دعا لدعم بقية الصناعات . انتشرت الإضرابات بسرعة إلى مصانع الهندسة , السكك الحديدية , و النقل عبر الطرق مع استيلاء الفلاحين على الأرض . بعد احتلال المصانع وضعها العمال تحت سيطرتهم و سرعان ما كان نصف مليون عامل مضرب ينتجون بأنفسهم لأنفسهم . استمرت المعامل المسيرة ( المدارة ) ذاتيا بدفع أجور العمال و كانت هناك دوريات مسلحة لحمايتها من الهجمات . أسست المعامل المدارة ذاتيا لتضامن مباشر حيث جمعت المنتجات و قسمت مع العمال الآخرين . كانت إيطاليا مشلولة , بينما نصف مليون عامل يحتلون مصانعهم و يرفعوا فوقها الأعلام الحمراء و السوداء . انتشرت الحركة عبر إيطاليا و كان مناضلو الاتحاد السنيديكالي في خط المواجهة الأول . رفض عمال السكك الحديدية مرة ثانية نقل القوات العسكرية , و احتل الفلاحون الأرض و بدأ العمال بالإضراب مخالفين أوامر النقابات الإصلاحية .
لكن بعد شهر تعرض العمال للخيانة مرة أخرى من الحزب الاشتراكي و نقابة CGL . لقد عارض هذان الحركة و وعدوا الدولة بعودة الأمور إلى “طبيعتها” في مقابل أن تصبح سيطرة العمال شرعية إلى جانب سلطة السادة . بالطبع لم تتحقق سيطرة العمال أبدا .
لأن العمال كانوا ما يزالوا يعتمدون على بيروقراطيي CGL للحصول على المعلومات عما يحدث في بقية المدن فإنهم لم يكونوا قادرين أن يتصرفوا كمستقلين أبدا . بالتالي استخدمت النقابات هذه القوة لتعزل المعامل عن بعضها البعض . رغم أن الأناركيين عارضوا العودة إلى العمل فإنهم كانوا أقلية ( أقلية كبرى لكنها ما تزال أقلية ) و من دون دعم نقابة CGL كانوا غير قادرين على توسيع الإضراب .
بعد أن غادر العمال المصانع , اعتقلت الحكومة الأعضاء البارزين في الاتحادين السينديكالي و الأناركي . تجاهل الاشتراكيون محاكمة الناشطين التحرريين التي استمرت حتى عام 1921 عندما بدأ الأناركيون , بما في ذلك مالاتيستا , إضرابا عن الطعام من داخل السجن .
مع تراجع كفاحية العمال لجا رأس المال الكبير إلى الحركة الفاشية لسحق الطبقة العاملة القوية , و قد تحقق له ذلك لكن ليس من دون أن يواجه مقاومة عنيفة .

نقلا عن http://libcom.org/history/articles/italy-factory-occupations-1920