ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی

عن قصتي مع الإلحاد

مازن کم‌الماز

– لا أعتقد أنه يمكن لسارتر أو غيره أن يكتب قصة أو مسرحية كابوسية بما يكفي لتعبر عن واقع البشر , فقط لفهم ما يعنيه رجال اللاهوت و رجال الدين بالقضاء و القدر , بالظلم الاجتماعي , بالفقر , بالمرض و الألم و الموت كقدر محتوم إلهي , و لفهم حقيقة الإله الذي يتحدثون عنه أقدم لكم هذا المثال : لنفترض أن ملكا , سلطانا , إمبراطورا , قديسا , إماما , أمينا عاما , أو ابنا لأي من هؤلاء , يحكم بشكل مطلق ألف شخص , قد قرر أن يعطي 3 أو 4 منهم مليون دينار أو درهم أو دولار , و أعطى عشرين أو ثلاثين آخرين ألفا أو ألفين , و حكم على البقية بأن يأكلوا الحشائش و بقايا موائد العشرين أو الثلاثين الشبعانين , ثم قال لجلاديه : اقتلوا مائة من هؤلاء الألف , لا تفرقوا بين رجل و امرأة , بين طفل أو شيخ , اقتلوه بعد أن تعذبوه بكل صنوف العذاب و الآلام التي تعرفون , ثم فكر قليلا و قال أخيرا لجلاديه : بعد أن ينجبوا أطفالا , عبيدا جدد , اقتلوا الجميع ! ( هذا هو المعنى الحقيقي للمرض و الموت ! ) يمكن أن يكون هذا فعل قوة غير واعية , فعل أمنا الطبيعة , التي أنجبتنا عفوا , لكن أن يكون هذا من فعل قوة واعية , إله أو غيره , فلا يمكن الحكم على مثل هذا الوعي إلا انه مريض في أحسن الأحوال , و حتى مجرد ترديد مثل الكلام يتطلب الكثير من انعدام الأخلاق و البلادة تجاه معاناة الآخرين و حتى نزعة مازوخية قوية لاعتبار الألم الشخصي الذاتي شيئا مستحقا على جرائم لم نرتكبها , الأمر الذي ندرب عليه بكل مهارة و إصرار طوال حياتنا الواعية , في أضعف الأحوال يشترط الدفاع عن مثل هذا الإله اعتبار الألم , الفقر , الظلم الاجتماعي و الاستغلال و العبودية شيئا طبيعيا , إن لم يكن شيئا جيدا , و أخلاقيا , أي حق , أي وجدان , أي قلب , أي إنسان , يستطيع تحمل مثل هذه الهمجية ؟

– عندما حطم إبراهيم الأصنام لأنها لا تضر و لا تنفع وضع معايير واضحة للآلهة الفعلية بحسب الكتب السماوية نفسها , على تلك الآلهة في أضعف الأحوال أن تدافع عن نفسها , دفاع بعض البشر عن آلهتهم شيء يتعلق بحريتهم أي بحريتهم كبشر و ليس بأي شيء آخر , لكن بعيدا عن حرية المؤمنين التي يستحقونها لأنهم بشر فإن دفاع مخلوقات ضعيفة فانية كالبشر عن أي إله يصمت على إهانته هو كما قال إبراهيم دليل على عجز ذلك الإله و ليس على طيبته
– الله الواحد الأحد , الفرد الصمد , هل كان أيا منا سيكون سعيدا بمثل هذه الحالة ؟ هل الوحدة الأبدية المرعبة و البلادة الكاملة هي التعبير الأمثل عن السعادة أو عن الكمال أو التفوق أو التميز ؟ هل القدرة على تعذيب الآخرين و على قتلهم و إفنائهم بكل صنوف العذاب و القتل الفردي و الجماعي ( فالموت هو في النهاية كما يعتقد رجال الدين و المتدينين هو تحديهم الأساسي إن لم يكن الوحيد في وجهنا كبشر و في مواجهة وعيهم الإنساني نفسه ) هي التعبير عن التفوق و التميز و هل يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال مصدرا للسعادة الذاتية عند أي كائن واعي , إلا إذا كان من جنس هتلر و مبارك و الأسد ؟
– الضعف البشري و حتى العجز البشري هو مصدر إلهام رجال الدين و الأنبياء و القديسين ( و لكن أيضا كل أزلام الطغاة و جلاديهم الفكريين العلمانيين منهم أيضا ) , خاصة لحظة الموت , “و ما بعدها” , حيث يمكن إضافة أهوال لا تنتهي إلى مرارة و هول الموت نفسه .. في النهاية يتفق كل أزلام الطغاة على أن الإنسان يحتاج لأن يكون عبدا على الدوام , علمانيين و متدينين , مسلمين و مسيحيين و يهودا , ستالينيين أو ليبراليين , أن الإنسان ولد ليعيش عبدا و ليموت عبدا , و أن مغامرته , حلمه بالحرية ليست إلا وهما
– قد لا نستطيع أن نقهر الموت , نحن أبناء هذه الطبيعة في النهاية و خاضعون لحكمها , لكن يمكننا أن نقهر الطغيان , أن نقهر الاستبداد , أن نقهر الاستغلال , ينهض العبيد دائما في وجه سادتهم , صحيح أنهم يموتون أخيرا , على يد سادتهم السابقين في كثير من الأحيان و دون أن يبارك موتهم أي رجل دين , لكنهم يعيشون أحرارا و يموتون أحرارا , فهذا في النهاية هو حقيقة إنسانيتنا كما أزعم
– لا شك أن الكثير من الحروب قامت بسبب أفكار إلحادية كما بسبب الأديان , و لو أن الأديان و الأفكار ليست هي التي تتصارع حقا في الحروب , من يتقاتل و ينتصر في الحروب ليست الأديان و لا الأفكار , بل الجيوش , الجنرالات , الدبابات و وسائل القتل الجماعي الأخرى , الأفكار تتصارع فقط في العقل , في حوار العقول الحر , و في الحياة خاصة عندما تحسن حياة البشر , علاقة الفكر أو الدين بالقوة , بالسلطة , بالعنف هي نفسها : العنف , السلطة , الإكراه يستخدم لفرض الدين و “الفكرة” و خلق آليات تأبيده من تكفير و تخوين و حكم بقتل المرتد أو الخائن و خلق كراهية الآخر و قتل أي روح أو نزعة للتمرد و للتفكير المستقل خارج السائد , الأديان و الأفكار السائدة حتى اليوم قامت على العنف و الإكراه , ضد الأتباع كما ضد “الأعداء” , على ممارسة الإكراه و العنف ضد أتباع تلك الديانات أو تلك الأفكار و فرضها على أتباعها بحيث تلغي وجودهم و تعطل تفكيرهم الفعلي و تحولهم إلى مجرد أدوات لصالح الطغمة التي تعتبر أنها تمثل و تختزل الفكرة أو الدين , بحيث تكون التضحية في سبيل تلك الفكرة أو ذلك الدين هي المعنى الوحيد لسعادتهم أو حتى لوجودهم , لا يستحق البشر شيئا , مصيرا أفضل , هكذا يعتقد الطغاة و كل أزلامهم
– هذا لا يعني إلغاء الأديان أو سائر الأفكار الشمولية بقرار من أعلى كما جرى في روسيا الستالينية أو تركيا الأتاتوركية , الحرية هي الشيء الوحيد الذي لا يمكنك أن تجر الناس إليه جرا كالأغنام , أي كلام كهذا يعني فقط حرية مزيفة , بل عبودية حقيقية في أحسن الأحوال , يجب هنا أن نرى الفارق الهائل جدا بين أن يحكم المؤمنون أنفسهم بأنفسهم كأشخاص , كبشر متساوين فيم بينهم و أحرار , يملكون مصيرهم بأيديهم , و أن تحكمهم طغمة ما تزعم العصمة و تدعي تمثيل فكرة – دين – أو مقدس ما غير قابل للنقد و بالتالي تعلن نفسها فوق كل البشر الآخرين الذين ليس أمامهم إلا الخضوع لها , و لا يملكون حتى حق انتقادها دون أن يصبحوا بذلك مرتدين أو خونة أو كفارا أو ………
– القوانين الدينية و الوضعية توضع لحماية الأوضاع السائدة و للدفاع عنها في وجه من تضطهدهم أولا و في وجه أي محاولة لتغييرها , تطور البشر من خلال التمرد على واقعهم و على أوضاعهم , و على تلك القوانين التي تعبر عن تلك الأوضاع , القوانين لم تسهم في تطور البشر و هي غالبا ما كانت عقبة أمام الأفكار و الاكتشافات الجديدة , لا توجد قوانين أو اكتشافات منسوبة لقديسين أو أنبياء أو صحابة أو أئمة , أنا و كثيرون غيري ممن ولد لأبوين مسلمين نؤمن بنسبية آينشتاين اليهودي و جاذبية نيوتن المسيحي , ليس بسبب يهوديتهما أو مسيحيتهما بل بسبب معقولية ما قالاه , لأنه يفسر العالم من حولي و لأنه ساعدنا كبشر في أن نعيش بشكل أفضل , تقول الكتب السماوية أنه عندما كانت كل القوى الطبيعية بتصرف النبي سليمان ما فعله عندها هو أنه بنى معبدا , و أرسل الجن ليأتوه بعرش بلقيس , لا تحدثنا الكتب المقدسة أن سليمان قد استخدم خاتمه ليطعم و لو شعبه على نحو أفضل أو ليعالج الأمراض مثلا , يستخدم القديسون و الأنبياء المرض لكي يشفوا الناس فقط كدليل على نبوتهم أو قداستهم , لكن حياة دون مرض ليست هي هدف أي دين من الأديان , و الموائد أو الطعام أيضا يستخدم كمعجزة فقط , لكن ليست أحد معجزات الأديان أو الآلهة أن يشبعوا البشر طوال الوقت , مهمتهم الحقيقية هي أن يبرروا جوعهم أغلب الوقت , الطغاة المعاصرون الملحدون أيضا فعلوا نفس الشيء , بنوا أصناما تدل على سيطرتهم و فرضوا تأليههم على مجتمعاتهم و استخدموا أفكار دنيوية أخرى و مختلفة لتبرير الجوع و الفقر و التهميش و استغلال الإنسان , لا يفكر الطغاة و الأنبياء أو القديسين في البشر العاديين إلا على أنهم شهداء , ضحايا , أشياء للاستعمال , أحيانا للاستعمال مرة واحدة فقط ثم يجري التخلص منها
– في عالم البشر لا يوجد أي مقدس حقيقي إلا تلك القيم التي يعني أن يعيش هؤلاء البشر حياتهم كبشر , الحرية , العدالة , المساواة , في عالم البشر الطغيان و الاستغلال و الاستعباد ليس مقدسا , إنه وصمة عار , قيد , نير , يجب تحطيمه مرة واحدة و إلى الأبد هذه المرة

الأناركية والدارونية

سامح سعید عبود

رغم كل ما كتب عن الأناركية، فإن الكثيرين مازالوا يصفونها بالخيالية، رغم أنها تعتمد فى ممارستها لتغيير العالم على ما يسمى بالفعل المباشر، وهو بناء علاقات لا سلطوية وتعاونية فى قلب المجتمع القديم، وعلى هامشه،أو الحفاظ عليها والإكثار منها إذا كانت موجودة، آملين أن يصبح لذلك النوع من العلاقات السيادة الاجتماعية يوما ما، بعيدا عن أى شكل من أشكال الهندسة الاجتماعية، أو انتظار ليوم القيامة الثورية، وهم فى هذا يجسدون أفكارهم، الآن فى عالم الواقع، وليس فى عالم الخيال والشعارات والمهاترات النظرية،بالانخراط فيما هو عملى وفعال وممكن بدلا من الانغماس فى الاستعراض السياسى الذى يساعد على تثبيت الواقع لا تغييره، وإعادة إنتاج العلاقات القائمة لا تغييرها.
الأناركيون يتمسكون بالنظرة المادية للعالم التى هى نفسها نظرة العلم الطبيعى للعالم، فكما فى الطبيعة الحية، تحدث تغيرات مختلفة فى الجينات الوراثية، تؤدى لتغير فى صفات الكائنات الحية، مما يؤدى لتنوعها بمرور الوقت، وفى النهاية تبقى الكائنات الصالحة للبقاء، وتنقرض الكائنات غير الصالحة للبقاء. مما يؤدى لتطور الكائنات الحية، وهى العملية المسماة بالانتخاب الطبيعى، التى يقلدها الإنسان فيما يسمى بالانتخاب الصناعى، والتى تؤدى لوجود سلالات نباتية وحيوانية جديدة، لها صفات مرغوب فيها استهدفها البشر مسبقا، و لم تكن موجودة من قبل.
توجد علاقات تنافسية وصراعية بين الكائنات الحية من أجل البقاء، سواء بين أفراد الجنس الواحد أو بين الأجناس المختلفة، إلا أنها ليست العلاقات الوحيدة فى الطبيعة الحية، كما يستند فى ذلك أنصار الدارونية الاجتماعية، فالطبيعة الحية تمتلئ بجانب أشكال الصراع والتنافس بنماذج للعلاقات التعاونية والتكافلية سواء بين أفراد النوع الواحد، أو بين أفراد من نوعين مختلفين، وسواء كانت هذه أو تلك، فإن الدافع وراءها هو تحقيق مصلحة حيوية مشتركة لكلا الطرفين، هى البقاء، لا أى قيم أو مثل أو صور أو خيال مثل تلك التى يخلقها البشر، و لا توجد خارج عقولهم.
فى العلاقات ما بين أفراد من نوع واحد أو بين أفراد من نوعين، يوجد تنوع أيضا فى العلاقات ما بين علاقات سلطوية وعلاقات لا سلطوية، فإذ كانت بنية قطيع قرود الشمبانزى تقوم على أسس سلطوية وهرمية بين أفراده، فإن أشقائهم من أفراد قرود البونوبولو تقوم العلاقات فيما بينهم على أسس لا سلطوية ومساواتية.
فى أى مجتمع بشرى أيضا، يدخل البشر فى علاقات اجتماعية مختلفة، بعضها تعاونى وبعضها تنافسى، بعضها سلطوى وبعضها لاسلطوى، وما يحكم بقاء علاقات اجتماعية فى مجتمع ما، وانقراض علاقات اجتماعية أخرى، هو مدى صلاحيتها للبقاء، و هو مدى كفاءتها فى تلبية احتياجات البشر المادية وغير المادية، وهى عملية خاضعة فى جانب منها للانتخاب الطبيعى عبر التاريخ البشرى كله، فهكذا تسيدت العلاقات الرأسمالية منحية جانبا العلاقات ما قبلها، وفى جانب آخر هناك الانتخاب صناعى الذى يؤدى لتسيد نوع من العلاقات، وتهميش علاقات أخرى، ونموذجه التعاونيات اللاسلطوية القائمة بالفعل، والتى يناضل الأناركيون لتوسعها.
وفقا لهذا الفهم المادى للواقع الاجتماعى، وانطلاقا منه، يمارس الأناركيون ما يمكن أن نسميه بالانتخاب الصناعى للعلاقات الاجتماعية، بهدف زيادة العلاقات التعاونية واللاسلطوية فى المجتمعات البشرية، وتقليص العلاقات التنافسية والسلطوية، وهى عملية نضالية يومية طويلة الأمد، هدفها النهائى على المستوى الجماعى لكل البشر ولكل العلاقات فيما بينهم قد يتحقق فى المستقبل البعيد، أما أهدافها المرحلية، فتم تحققها لبعض الأفراد والجماعات، وعلى مستوى بعض العلاقات، عندما يسعون هم إليها فى حياتهم القصيرة، وهى عملية تحدث فعلا فى الواقع دون أى ضجيج استعراضى أو أحلام خيالية.
السر وراء تفضيل الأناركيين للعلاقات التعاونية واللاسلطوية التى يسعون لسيادتها اجتماعيا هو أنها أكثر كفاءة فى تحقيق احتياجات البشر المادية و غير المادية، و هى الأكثر تحقيقا لسعادتهم، وذلك على عكس العلاقات التنافسية والسلطوية فيما بين البشر الأقل كفاءة فى تحقيق احتياجات البشر المادية و غير المادية، والمسببة لمعظم آلامهم.
النظرة المادية للعالم لا تأخذ بخرافة الطبيعة الثابتة و النهائية للبشر، فالبشر ككل كائنات الطبيعة الحية وغير الحية، متغيرون ومتطورون، وأن الهدف من وراء تغيرهم وتطورهم هو البقاء الذى لا يكون سوى للأصلح منهم، وهم ككل الكائنات الحية لا يبقى منهم إلا المتكيفون مع ظروفهم الخارجية المختلفة، فمن الطبيعى أن لا يتكيف مع العلاقات التنافسية والسلطوية إلا المهيئون لذلك، ومن ثم تصبح فرصهم فى البقاء أكثر، إلا أنهم بالانخراط فى علاقات تعاونية و لا سلطوية فأنهم لابد من أن يتكيفوا معها، و إلا سوف يكون مصيرهم الانقراض.

التنظيم الاشتراكى التحررى ، لماذا ؟ و كيف ؟

سامح سعيد عبود

مقدمة إلى الملتقى الفكرى الأول للاشتراكيين التحرريين فى مصر
من يدعون على الاشتراكيين التحررين، كذبا أو جهلا، أنهم فوضويون و عدميون و فرديون ضد التنظيم الاجتماعى بكافة أشكاله، لا يرون من أشكال التنظيم الاجتماعى سوى الشكل الهرمى مركزى القيادة، القائم على طاعة من هم أدنى لمن هم أعلى، الذى اعتادوا عليه، ولايتصورون إمكانية أن ينتظم الأفراد على أساس من إرادتهم الحرة والطوعية لتلبية احتياجاتهم المشتركة، ففى الحياة البشرية ينتظم البشر واقعيا على هذا النحو فى تعاونيات وتشاركيات عبر العالم، وفى الطبيعة الحية نوعان من الشمبانزى يفصل بينهما نهر الكونغو، أولهما سلطوى العلاقات، طبقى البنية، غارق فى الصراعات بين أفراده التى تقمعها زعاماته، والآخر لاسلطوى و لاطبقى، ويعيش أفراده بلا صراعات فيما بينهم، وبلا حاجة لزعامات لقمعها.
الشكل المركزى والهرمى سواء للتنظيم أو الفعل الاجتماعى لا يضمن الفعالية و النجاح، كما يزعم مناصرو هذا النوع من التنظيم والفعل، لكن المشكلة فى حقيقتها فى طريقة الانتظام لا الانتظام نفسه، فقد فشلت الأحزاب السياسية والدول الشمولية برغم كل حديدية ومركزية تنظيمها وهرميته، والجماهير المصرية التى اجبرت المخلوع على التنحى لم تكن يوما ما منظمة على أى نحو، وكان كل ما قادها هو فقط توحد الإرادة بين أفراد جعلتهم يتوحدون فى الفعل، الناتج عن حالة من الوعى جمعت بينهم، لم تستطع السلطة وبكل آليات قمعها وتضليلها أن تفعل شيئا فى مواجهتها، ولم تستطع أن تعيد تلك الجماهير مرة أخرى لوضع الخضوع، إلا عندما فقدت تلك الجماهير توحد كل من الإرادة والوعى والفعل، حيث كانوا مجرد أفراد مبعثرين تستفرد بهم السلطة الحاكمة قمعا وتضليلا ، كانوا مجرد أفراد أو جماعات صغيرة منسحقة ومسحوقة، لم يبلغو حد الكتلة الحرجة للانفجار الذى لا يمكن مقاومتها وقمعها.

توحد كل من إرادة ووعى وفعل الجماهير المجردة والمحرومة من السلطة، هو سر قوتها التى تمكنها من التحرر من أى سلطة، وهزيمة أى سلطة، أما القيادة المركزية، والبنية الهرمية، فهما ما يتسرب منهما إعادة إنتاج العلاقات السلطوية بكل تداعيتها الوخيمة ، ليس ذلك فحسب بل أن الصراع على السلطة و التنافس على التسلق لقمتها، هو ما يتسبب فى تلاشى وحدة الإرادة والوعى والفعل الجماعية، ويفقد الحركة الجماهيرية فعاليتها وايجابيتها، فجزيئات الهواء تظل ساكنة حيث تتحرك منفردة كل فى اتجاه، بلا أدنى تأثير على ما حولها، ولكن عاصفة توحد اتجاهها قادرة على اقتلاع كل ما هو راسخ على الأرض، المشكلة أنه على مدى التاريخ البشرى لم تستطع كل العواصف الثورية أن تقتلع العلاقات السلطوية فى المجتمع، من كوميونة باريس 1871، إلى السوفيتات1917، إلى حركة احتلال المصانع فى إيطاليا 1920إلى الثورة الأسبانية 1936، وانتهاءا بحركتى مناهضة العولمة والحرب فى بداية الألفية الثالثة.
يرجع ذلك فى نظرى إلى أن العلاقات الاجتماعية السلطوية،ومثالها علاقة البرجوازية سواء أكان بيروقراطية الدولة أو الرأسماليين بالبروليتاريا ، لا تستند على أن البرجوازية تحتكر وسائل الثروة والعنف دون الآخرين من البروليتاريا فقط، بل لأنها تحتكر أيضا وسائل إنتاج الوعى الاجتماعى، من مؤسسات تعليم وإعلام وثقافة، مما يسهل عليهم الهيمنة الاجتماعية، واستغلال البروليتاريا، واستقرار الأوضاع الاجتماعية لصالحهم، وتفتيت وحدة كل من الإرادة والفعل والوعى لدى البروليتاريا التى تهدد وجودهم، فطوال الوقت ومن الميلاد وحتى الموت، تتعرض البروليتاريا لبرمجة عقلية تجعلها متكيفة مع وضع الخضوع لإرادة البرجوازية، بل والدفاع عن استمرار هذا الوضع، ومن ثم فإن مقاومة عملية البرمجة المستمرة للبروليتاريا و إفسادها، بنشر أفكار ومعارف مختلفة بين البروليتاريا، و التى تحول البرجوازية دون وصولها إليها عبر وسائل التعليم والتربية والإعلام والثقافة التى تسيطر عليها، عملية ضرورية لكى يتحول انتظام البروليتاريا من حالة العشوائية والهشاشة السهل السيطرة عليها، للحالة المنتظمة والصلدة التى لا يمكن السيطرة عليها، تتحول من حالة السكون الخانعة لحالة العاصفة المتمردة.
تلك الأفكار والمعارف الضرورية لمساعدة البروليتاريا على توحيد وعيها وإرادتها وفعلها فى مواجهة من يتسلطون عليها،ويستغلونها،من البرجوازيين، هو ما يمنحهم القوة الضرورية لإزالتهم، والتحرر من سيطرتهم، دون وجود قيادة وزعامة تعيدهم مرة أخرى لوضع الخضوع، وهذا هو الدور الملقى على عاتق جماعات الدعاية الاشتراكية التحررية، فالبشر ليسوا طبعات متشابهة فيما يتعلق بخصائصهم النفسية والعقلية والجسدية، وهم يحتاجون فى مواجهة البرمجة التى تشكل وعيهم وسلوكياتهم لمن يساعدهم على مواجهتها، والتخلص منها، وهذا الدور يختلف تماما عن الفرض اللينينى الشهير، الذى يقسم البشر، لطبقة من الجهلاء، وطليعة مستنيرة هى الحزب الثورى، ويقسمهم لكهنة أذكياء يحملون الوعى و لاتباع أغبياء ينتظرون الطليعة لتقودهم، ويقسمهم لجنرالات أكثر وعيا يقودون جنودا أقل وعيا ،ليصعد الجنرلات الكهنة الأذكياء المتعلمين فى النهاية على اكتاف البروليتاريا للسلطة، و لإعادة إنتاج انقسام المجتمع لمن يلقون الأوامر من البيروقراطيين ورجال الحزب والدولة و لمن عليهم الطاعة من البروليتاريا، أما على الجانب الاشتراكى التحررى فالهدف من عملية إشاعة المعرفة والوعى بين البروليتاريا، التى يقوم بها الاشتراكيون التحرريون، هو أن تتوحد البروليتاريا فى فعلها وإرادتها ووعيها، فتمتلك القوة اللازمة لتحررها، دون احتياج لقيادات وزعامات وجنرالات، وذلك لن يتم دون أن تتحرر غالبيتها الساحقة مما تمت برمجتهم به من أفكار تخضعهم للطبقات المتسلطة عليهم، وحين يفعل الاشتراكيون التحرريون هذا فلا يقدمون أنفسهم للبروليتاريا كمعلمين وأنبياء وقادة وزعماء لا غنى عنهم للبروليتاريا التى لابد وأن تنساق لهم.
تنتظم الجماعات الدعائية الاشتراكية التحررية فى التجمعات البشرية المختلفة أو فى أماكن العمل والسكن، و تتكون كاتحاد طوعى حر بين أفراد متقاربين فى عملهم ورؤاهم، وتتحد تلك الجماعات بواسطة ممثلين عنها، فى اتحادات على أسس جغرافية أو قطاعية، وعند نمو الجماعة لحد كبير يعوق ممارسة أعضاءها الديمقراطية المباشرة، تنقسم إلى جماعات دعائية فرعية، تتحد فيما بينها طوعيا، مع تمتعها بالاستقلال الذاتي بلا قيادة مركزية مع استمرارها متحدة فى اتحاد واحد واسع، و هذا يجعلها قادرة على الاتساع بلا حدود بينما تحتفظ بشكلها التحررى المتميز بكل من الإدارة الذاتية و اللامركزية.
لكل أعضاء الجماعة الدعائية نفس الحقوق والامتيازات والواجبات وهم متساوون فى حقوق التصويت على القرارات، واقتراحها، ووضع السياسات، و خطط الأعمال، أما ممثلى الجماعات الدعائية فى الاتحادات الاشتراكية التحررية، فإنهم يقومون فقط بأعمال تنسيقية بين الجماعات المنضمة للاتحاد، ومن ثم لابد وأن يرجعوا دائما للتشاور مع جماعاتهم التى أوفدتهم لتمثيلهم فى الاتحاد عند اتخاذ أى قرار، وبالاستفادة من ثورة الاتصالات الحديثة يمكن أن يتم الحوار والتنسيق واتخاذ القرار بين أعداد كبيرة من ممثلى جماعات الدعاية من جانب، وبين جماعاتهم من جانب آخر دون احتياج للبناء الهرمى للتنظيم.
الاشتراكيون التحرريون يعارضون التراتبية فى التنظيم، أى بناءه على نحو هرمى، ويرفضون سلطة القيادة البيروقراطية، و التى تكبح الدافع الخلاق للكتل المنخرطة فى العمل، وتطبق بقرارتها البيروقراطية على رقابهم، حيث يكون الأعضاء العاديين فى مثل هذه الجماعات التراتبية والهرمية مجرد خدم وعبيد وجنود تابعين للقيادة المركزية للحزب الهرمى. وهم يرفضون القيادة المركزية المتحكمة فى تابعيها، ويرفضون تمتع أى شخص بسلطة رسمية أكثر من الآخرين.
وفى نفس الوقت فهم يقرون أن هناك بعض الناس يكونون أكثر خبرة أو أفصح أو أكثر مهارة و وعيا من آخرين، وهؤلاء الأشخاص لابد وأنهم سوف يلعبون أدوار القيادة فى العمل داخل الجماعات أو على نطاق أوسع فى الاتحادات، لكن هؤلاء الأشخاص ليسوا رموز مقدسة للسلطة، ويمكن ببساطة أن ينحوا عن مسئولياتهم حسب إرادة عضوية الجماعات واتحاداتها، كما يؤكد الاشتراكيون التحرريون على أهمية تداول المسئوليات بين الأعضاء بشكل متواتر لإكساب الآخرين المهارات المختلفة عبر ممارسة المسئوليات، فخبرة هؤلاء الأشخاص الذين يكونون عادة نشطاء محنكين أو مؤهلين على نحو أفضل من الغالبية فى لحظة ما تجعلهم يستطيعون المساعدة على تشكيل وقيادة و تطور الحركة، و المساعدة على بلورة الإمكانية من أجل التغيير الثورى فى الحركة الشعبية . ما لا يستطيع أن يفعله هؤلاء هو تولى السلطة فوق مبادرة هذه الحركات الشعبية نفسها.
أن المجموعات الدعائية الاشتراكية التحررية واتحاداتها سوف تحل نفسها فور انتصار الثورة، أما عضويتها السابقة فسوف تكون مهيئة للذوبان فى عمليات اتخاذ القرارات فى تجمعات المجتمع الجديد، ومن ثم سوف يكون هؤلاء المناضلين السابقين بعد الثورة بلا قيادات بل مجرد أفراد أكثر وعيا يعملون كمرشدين و كمنظمين لحركة العمال فى عملية بناء المجتمع الجديد.
تصل المجموعات الاشتراكية التحررية لقراراتها عبر مناقشة حرة مستفيضة بين أعضاءها، والذين لا يملك أحد منهم سلطات فوق ما يملكه عضو آخر .والأقلية المخالفة تحترم، و مساهمة كل فرد فى العمل تكون طوعية فلا أحد يجبر على ما لا يريد. و كل عضو له الحق فى الموافقة أو عدم الموافقة على أى سياسة أو فعل، وأفكار كل عضو تعطى نفس الوزن والاعتبار، و لا قرار يمكن أن يتخذ حتى يكون لكل عضو فرد أو مجموعة منضمة يمكن أن تتأثر بهذا القرار، الفرصة ليعبر عن رأيه فى الموضوع محل القرار .والأعضاء الأفراد فى مجموعات الدعاية والجماعات الدعائية المنضمة للاتحاد تحتفظ بحقها فى رفض دعم أنشطة جماعية أو اتحادية معينة، و القرارات التى تخص الاتحاد ككل يجب أن تتخذ بواسطة أغلبية أعضاءه لا بواسطة أغلبية ممثلى الجماعات الدعائية المنضمة للاتحاد..
فى معظم القضايا لا يكون هناك احتياج حقيقى لاجتماعات رسمية بين ممثلي الجماعات الدعائية لاتخاذ القرارت التى تخص الاتحاد، لأن ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعة الدعائية أو الاتحاد، ولكن لأن هناك أوقات يجب أن يتخذ فيها قرار عاجل، وأحيانا بسرعة جدا. وهذا يكون أمر نادر لكن أحيانا لا يمكن تفاديه، فإن القرار المتخذ فى هذه الحالة يمكن أن يتخذ بواسطة حلقة أصغر تقوم بأعمال السكرتارية من العضوية العامة المكونة من مئات أو آلاف من الأعضاء فى الجماعات الدعائية والاتحادات المكونة منها.
عند عودة الأحوال لطبيعتها العادية يتم تبادل المعلومات والحقائق بين الأعضاء و الجماعات من أجل اتخاذ قرار يعيد تناول القرار الأصلى الذى تم اتخاذه فى ظرف الطوارىء، وخلال هذا النقاش يتم توضيح أي اختلافات أساسية بين الأعضاء حول القرار المتخذ، و اكتشاف الطرق البديلة للفعل الذى تم اتخاذ القرار بشأنه، و لابد للوصول عبر النقاش لتوافق متبادل على القرارات بين وجهات النظر المتعارضة، بينما لو كان هناك عدم وجود إمكانية للوصول للتوافق المتبادل مع القرار، فيأخذ القرار طريقه للعرض على التصويت، وحينئذ يقبل أو يرفض أو يلغى بأغلبية الثلثين.
كل المجموعات الدعائية هى اتحادات حرة مشكلة وفق احتياج عام، و أعضاءها ليسوا مروضين بالخوف من السلطة وطاعة القيادة وعبادتها، ولا تنتظم المجموعات الدعائية بشكل ضرورى على نحو محكم، فنظرية التنظيم الاشتراكية التحررية مرنة، والبنية التنظيمية يمكن أن لا توجد عمليا فى ظرف ما أو توجد على نحو محكم جدا فى ظرف آخر، وهذا يعتمد على نمط المنظمة المطلوب فى ظل الظروف الاجتماعية التى تواجهها الحركة الاشتراكية التحررية، على سبيل المثال المنظمة يمكن أن تكون محكمة وسرية خلال العمليات العسكرية أو خلال القمع السياسى المشدد، ولكنها تعمل بشكل علنى وغير محكم فى المجتمعات التى تتمتع بدرجة واسعة من الحريات، وفى ظروف أخرى فقد تفضل علنية النشاط وسرية التنظيم.
الاشتراكيون التحرريون يرفضون مفهوم دولة ديكتاتورية البروليتاريا، كونها تمثل أداة قهر غير مقيد، ويرفضون ما يسمى ب”الدولة العمالية” مفضلين بناء التعاونيات واتحاداتها، والقادرة على الدفاع عن نفسها ذاتيا فى مواجهة أعداء الثورة كونها مسلحة ذاتيا دون احتياج لمركزية الدولة وشموليتها للدفاع عنها، وهذا يصعب مهمة قوى الثورة المضادة حيث تتكاثر أمامها التعاونيات واتحاداتها المطلوب محاربتها، فى حين أنها فى حالة الدولة المركزية يسهل عليها أن تحارب كيان له مركز تنبع منه كل القرارات، و بهزيمته تنهزم كل التعاونيات واتحاداتها بالضرورة، وهى نفس الفكرة التى تكسب القوة للتنظيم الاشتراكى التحررى اللامركزى اللاهرمى ، بالمقارنة بالتنظيم التسلطى المركزى الهرمى.
الاشتراكيون التحرريون يحاولون العيش وفق أنماط الحياة والبنية التنظيمية التى تحاول أن تجسد المجتمع الاشتراكى التحررى للمستقبل، و ذلك من خلال الترتيبات الحياتية التعاونية للأعضاء، وتكوينهم فيما بينهم الجماعات المتقاربة المتعايشة سويا، و مجموعات الألفة، و إقامة التعاونيات التحررية، وغيرها.
ولأن الاشتراكيون التسلطيون لا يبنوا تنظيمات من هذا النوع أى ( أنوية المجتمع الجديد) مفضلين الانغماس فى عالم البورجوازية بالكامل، فأنهم لا يستطيعوا رؤية العالم إلا عبر المصطلحات السياسية البورجوازية فقط. وإذا كان الاشتراكيون التسلطيون لا يجدوا أى غضاضة فى العمل كرأسماليين أو بيروقراطيين أحيانا، وبالتالى لا يستنكروا الازدواجية بين اشتراكيتهم المزعومة، وبين استخدام واستغلال العمل المأجور، فإن هذا ما يستنكفه ويدينه بشدة الاشتراكيون التحرريون الذين يحاولون التحرر الذاتى لأنفسهم وللآخرين من نمط الحياة البرجوازية من داخل وهامش المجتمع البرجوازى الحالى.
الاشتراكيون التسلطيون يريدون الاستحواز على سلطة الدولة، لكى يحلوا ديكتاتورياتهم فوق الشعب والعمال بدلا من إزالة سلطة الدولة واستبدالها بالمجتمع التعاونى الحر. ولكى يحلوا هم محل الطبقة الحاكمة، أما الاشتراكيون التحرريون فيرفضون فكرة الاستيلاء على السلطة بأى وسيلة،ولا يهدفون الوصول لها بأى طريقة، ويرفضون كل أشكال اشتراكية الدولة كأسوأ انحراف وطغيان حدث باسم التحرر مما أضر بقضية التحرر نفسها، و يجزمون أنهم يستطيعون صناعة ما هو أفضل من اشتراكية الدولة وهو التعاونيات واتحاداتها.

حوار مع فقير سني و مع فقير علوي عن الحرية

مازن كم الماز

– “مثقف” النظام “العلماني” جدا , الطائفي جدا على طريقته , الذي يؤله أو يقدس النظام و أجهزته القمعية , يمارس هو أيضا التكفير الذي يزعم أن ينكره ضد الجماهير التي ثارت على النظام دفاعا عن مقدسه , لا فرق في الواقع بين أن تكفر الآخرين دينيا أو أن تكفرهم سياسيا , خاصة إذا كانت النتيجة واحدة : قتل الآخر و استئصاله أو في أضعف الأحوال قمعه و سلبه حريته و لقمة عيشه , خاصة إذا كانت النتيجة هي تبرير الديكتاتوريات الشمولية القائمة على نهب و استغلال و تهميش الجماهير , لا فرق في الواقع بين أن تفرض ديكتاتورية تقوم على فكرة دنيوية كالوطن أو على صورة كوميدية ساخرة لما يسمى بالمقاومة و بين أن تفرض ديكتاتورية تقوم على فكرة دينية إسلامية كانت أم مسيحية أم يهودية , في الحالتين هناك مقدس ديني أو دنيوي على الناس الخضوع له , بالقوة و بالإكراه في كل الأحوال , و أن يقمع و يسحق كل من يفكر بمقاومته انطلاقا من حريته كما يفعل السوريون اليوم , لا فرق بين أن تعتبر الخضوع للديكتاتورية و لنهبها معيارا “للوطنية” مثلا أو “لالتزام ديني صحيح” , “لطهرية دينية أو وطنية” مثلا , في كلتا الحالتين ما يجري هو تبرير استهداف و قتل الآخر ( الطائفي غالبا ) , مرة بشكل مباشر كما يفعل من يسمون بالتكفيريين و مرة بيد الشبيحة كما يفعل أزلام النظام “العلمانيين” , في الواقع لا فرق بين أن تعتبر الناس عبيدا لإلهك أو أن تعتبرهم عبيدا لديكتاتورك , العبودية هي باختصار نقيض مطلق للحرية .. إن أزلام النظام هؤلاء الذين يستخدمون مفردات العلمانية و الحداثة لتبرير قتل و قمع و نهب و ازدراء الملايين من البشر أسوأ في الواقع من أي رجل دين , صحيح أن كلاهما يكفر الآخر لأسبابه الخاصة التي ترتبط بعقيدة ما أو بدوغما ما ( بسلطة ما في النهاية ) و ليس لأسباب تتعلق بالقواعد المفترضة الأخلاقية و الإنسانية للعلاقة بين البشر بعضهم ببعض كقيم الحرية و العدالة و المساواة كأساس لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان , لكن أزلام النظام في الحقيقة يكرهون الحرية و العدالة و المساواة أكثر بكثير مما يكرهها أولئك الطائفيون ( كلاهما يعتبر الحرية رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه ) .. إن الموقف التكفيري لمثقفي النظام هؤلاء ضد السوريين العاديين و الذي يستند على رؤية خاصة للانقسام الطائفي معارضة لرؤية القوى الطائفية من الأكثرية السنية لكن تساويها في كراهية الآخر ليس إلا نوعا من الديكتاتورية الفكرية التي تتماهى مع ديكتاتورية النظام , السؤال هنا هو ما هو الموقع الممكن للقتلة أو للشبيحة “الفكريين” التابعين للنظام في سوريا الحرة , سوريا ما بعد إسقاط الديكتاتورية ؟ هنا يوجد منطقان , الأول أن الحرية ستتحول إلى كلمة جوفاء لا معنى لها إذا لم يتمتع بها الجميع , كان باكونين يرى أن حرية الفرد تشترط حرية الآخرين , جميعهم … اعترض باكونين على فكرة أن حرية الفرد تتوقف عند حدود حرية الآخرين , اعتبر باكونين أن حرية الفرد غير ممكنة و غير موجودة فعلا دون حرية الآخرين , المنطق الثاني أن دعاة و أزلام الديكتاتوريات هم أعداء للحرية , لحرية الآخرين أساسا , إنهم هم من بفاشيتهم و تبريرهم لفاشية النظام ينصبون أنفسهم أعداءا للحرية , قد يقال أن هناك آخرون بينهم معارضون ممن يعادون و يكرهون حرية السوريين العاديين أيضا و هؤلاء سيتمتعون بشكل موضوعي بحرية كاملة تقريبا بعد إسقاط النظام , كما يمكن القول أيضا أن الحرية لا تعني أبدا قمع أعدائها بل ممارستها بوعي من قبل الناس العاديين في إطار تنظيمي يختلف جذريا عن أي حالة سلطوية قمعية , لكن أعداء الحرية في النهاية أكثر ابتذالا و تفاهة من أن يتمكنوا من ممارستها على قدم المساواة مع الآخرين , إن الشبيحة , سواء بأيديهم أو ببنادقهم أو بعقولهم و بألسنتهم و “أفكارهم” , أزلام الاستبداد , لا يمكنهم أن يعيشوا أحرارا , لقد خلقوا عبيدا و سيموتون عبيدا و هذا في الواقع خيارهم هم و يجب ألا نحزن من أجلهم , إنهم خصوم موضوعيون لأي طامح للحرية و هزيمتهم , فكريا و سياسيا , هي جزء لا يتجزأ من هزيمة الاستبداد , و آلة القتل التي تحاول تأبيده ..

– ما يقوله أزلام النظام و ذلك القسم من المعارضة السورية الذي يدعو لبدائل لا تقوم على حرية السوريين هو أن الحرية مستحيلة , غير ممكنة , في بلد يتألف من طوائف , أن ديكتاتورية ما ضرورية , الديكتاتور بالنسبة لأزلام النظام يجب أن يأتي من الأقلية الطائفية , أما بالنسبة لمعارضيه الطائفيين فيجب أن يأتي من الأكثرية الطائفية
– يعرف السوريون جيدا معنى الديكتاتورية , لم يقرؤوه في الكتب و لم يروه في السينما , لقد عاشوه يوما بيوم , عرفوه ظلما و قهرا و فقرا و بطالة , عرفوه في الظل الأسود لأجهزة النظام القمعية على كل شيء في حياتهم , و عاشوه بالدم و الحديد و النار منذ منتصف آذار الماضي , يعرف السوريون معنى أن تعيش غريبا في وطنك , يعرف السوريون معنى ألا تملك وطنك , بما في ذلك بيتك أو حتى قبرك , يعرف السوريون ما يعنيه الكذب و الخداع الذي يمارس بشكل منهجي و منظم لصالح الديكتاتورية و برعايتها باسم الحقيقة المطلقة بكافة أشكالها الدينية و غير الدينية , ما كان سجنا كبيرا قبل منتصف آذار يحوله النظام وسط تصفيق “مثقفيه” و “معارضته الوطنية” إلى مقبرة جماعية للسوريين .. يعرف السنة و العلويون الفقراء أنه في مجتمع يخضع للديكتاتورية أو تهيمن عليه الديكتاتورية بالأحرى يمكنك أن تعيش فقط كفقير إما كشبيح للنظام أو كعبد , أنت عبد في الحالتين لكن لا شك أن الشبيح يملك امتيازات لا يملكها سواه من العبيد … يدرك الفقراء السنة أيضا أنه إذا سقط النظام بنضال كل ضحاياه و تضحياتهم عندها إما أن يصبحوا أحرارا أو أن يصبح بعضهم شبيحة لنظام جديد , نسخة عن ديكتاتورية بشار الأسد , لأنه عندما لا نكون أحرارا و لأننا عندما ندافع عن نظام يستغل الجميع و يقهرهم لا نكون في الواقع إلا شبيحة لذلك النظام , لتلك الأقلية التي تنصب نفسها حاكما مطلقا و مالكا فعليا لتعب السوريين و حتى لحياتهم , هنا لا تهم أسماء الطغاة أو مذاهبهم أو طوائفهم , لا يمكن للفقير في مجتمع يتألف من مقهورين و مهمشين و مضطهدين إلا أن يتصرف وفق أحد هذه الخيارات الثلاثة : إما أن يقبل بالخضوع و الاستسلام لمن يضطهده , أو أن يناضل ضده كما يفعل السوريون اليوم ضد ديكتاتورية بشار الأسد , أو أن يكون مجرد هراوة في يد الطاغية يستعملها لضرب و قمع الآخرين كما هو حال شبيحة و مرتزقة النظام اليوم
– إذا كنا نتحدث عن الحرية , الحرية فقط , لا معنى عندها للقول بأنه يجب أن يحكم المسلمون أو المسيحيون أو اليهود أو الكفار أو البوذيون أو غيرهم العالم , إذا كنا نتحدث عن عالم حر فإنه يجب ألا توجد فيه أية أقلية تحكم الآخرين و تفرض عليهم آرائها و أفكارها و تسخرهم لينتجوا ثرواتها و لخدمتها , و هذا ينطبق أيضا على الأوطان الأصغر … تعني الحرية أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم , أن يكونوا أحرارا و متساوين , أن يقرروا هم كيف سيعيشون و بأية طريقة , و تعني أيضا أن يملكوا نتاج عملهم , لا تعني الحرية أن يكون الديكتاتور , أو من يسرق تعب الناس , من الطائفة الأكبر , كما لا تعني “التعددية” أو “العلمنة” أن يكون هذا الديكتاتور و ذلك اللص من الطائفة الأصغر , إن الحرية تعني أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم , و ألا يسرقهم أحد , لا من الطائفة الأكبر أو من الطوائف الأصغر , في الواقع لا علاقة للطائفة بالحرية , و لا حتى بالتعددية , لا يوجد طغاة في عالم , وطن , مجتمع يقوم على الحرية و العدالة و المساواة , و لا توجد تعددية تقوم على الحرية و العدالة و المساواة يمكن أن تتسع لأي ديكتاتور , بكلمة , في عالم من بشر أحرار و متساوين لا يمكن أن يوجد أي طاغية من أي مذهب أو طائفة أو دين أو إيديولوجيا
– يتعلم الشباب الثائر و نحن أيضا اليوم كيف نمارس السياسة , فعلا , و نتعلم ممارستها بشكل ثوري , أي في الشارع , كما نتعلمها لغاية محددة أساسا هي الحرية , حرية الشباب الثائر و حرية كل سوري , و ليس لأي سبب آخر , كل شيء اليوم عليه أن يخدم حريتنا هذه أو أن يختفي , يظن البعض مثلا أن حكومة وول ستريت ( الحكومة الأمريكية ) هي جزء من القوى الداعمة لتغيير ديمقراطي في سوريا , نحن نتعلم اليوم أنه ليس كل عدو لعدوي هو صديق لي بالضرورة , نحن نتعلم السياسة بعيدا عن مسلمات الإيديولوجيات السابقة التي عليها ككل الأفكار و العقائد أن تخدم حريتنا أو أن تختفي , إننا نسمع و نرى كيف يحاول آلاف الغاضبين من سيطرة وول ستريت احتلاله لأن وول ستريت بالنسبة إليهم يمثل ما يمثله بشار الأسد و ماهر الأسد و رامي مخلوف بالنسبة إلينا , نحن نتعلم هنا , نرى و نراقب كلا من حكومة وول ستريت و الغاضبين على وول ستريت , و نحن نتعلم , جميعا دون اعتبارات إيديولوجية مجردة , ليس فقط من هو الصديق الحقيقي للربيع العربي , لرغبتنا في الحرية , و لحريتنا , بل من الذي يشكل جزءا من معركتنا هذه في سبيل حريتنا , هل هي حكومة وول ستريت أم الغاضبين على سياسات تلك الحكومة ؟
– هناك عدة احتمالات اليوم لتطور الأمور في سوريا و المنطقة , لكنها في الواقع احتمالان لا ثالث لهما , إما أن ينتصر الاستبداد , أو أن تنتصر الانتفاضة , إما أن ننتزع حريتنا أو نبقى عبيدا , سواء لهذا الديكتاتور بالذات أو لأي ديكتاتور آخر … نعرف جميعا , بشكل واضح أو مبهم , أننا إما أن نتحرر معا أو أن نبقى عبيدا معا , من سيلعب دور الشبيحة لهذا النظام أو لأي ديكتاتورية أخرى لن يكون حرا هو أيضا , سيكون مجرد هراوة بيد الطغاة , نحن مختلفون , هذا صحيح , لكننا في النهاية لن نتحرر إلا معا و لن نبقى عبيدا أو نستعبد إلا معا
– سؤال هام لليسار السوري , خاصة لتجمع اليسار الماركسي و هيئة التنسيق الوطني , ما هي العلاقة بين رفض التدخل الخارجي و بين التردد في تبني شعار الشارع المنتفض في إسقاط النظام ؟ منطقيا التغيير ممكن اليوم في سوريا إما من داخل النظام ( و هو ما أثبتت الشهور الستة الماضية أنه وهم و مستحيل ) أو من خارج النظام , إما بواسطة قوة الشعب السوري و هو ما يفعله السوريون منذ أكثر من ستة أشهر أو بالتدخل الخارجي الذي يعتمد كما قال الرفيق منيف الملحم على مصالح القوى الخارجية و التي لا ترى حتى اللحظة أن مصالحها تستدعيه , يجب عدم خلط الأمور و تزييف حقيقة أن التغيير إذا تم اليوم فإنه يتم بقوة الشعب السوري , بفضل الجماهير السورية المنتفضة … ليست الجزيرة و العربية و لا مجلس الأمن أو مجلس حقوق الإنسان و لا السفير الأمريكي أو الفرنسي , ليست هذه هي القوى التي تواجه آلة القتل التابعة للنظام بصدورها العارية … العقوبات الأوروبية – الأمريكية أيضا أو حتى الاعتراف المنتظر بالمجلس الوطني ليست السلاح الفعال الذي سيسقط الديكتاتورية , بدأ كل شيء بنضال الجماهير السورية و تضحياتها هي التي تبقي قضية حريتها مطروحة بقوة على الجميع و هذا النضال هو الذي سيؤدي إلى تحرير السوريين من نظام الأسد , السوريون يحررون أنفسهم , هذه هي حقيقة ما يجري منذ منتصف آذار الماضي
– يجب الإشارة فيما يتعلق بالمجلس الوطني إلى أنه قد أثار حنق و غضب الديكتاتورية بالفعل , لكنه في الحقيقة يتألف من عدد محدود من السوريين الذين قد يمثلوا سوريين آخرين لكن ليس كل السوريين و لا حتى المنتفضين منهم , صحيح مرة أخرى أن تشكيله قد أثار غضب النظام لأنه قد مثل خطوة أخرى على طريق عزلة ديكتاتورية بشار الأسد التي بدأت و ستستمر بفضل نضال و تضحيات الجماهير السورية أساسا لكنه لا يمكن أن يمثل السلطة البديلة لديكتاتورية الأسد التي تعبر عن إرادة و حرية الجماهير , أنا شخصيا لا تمثلني إلا المجالس الشعبية التي تختارها الجمعيات الشعبية العامة للأحياء و القرى و المصانع , للجماهير السورية نفسها , مباشرة و التي تخضع لرقابتها الدائمة و تنفذ إرادتها التي تعبر عنها بكل حرية في جمعياتها و مجالسها
– نحن نولد و نكبر و نحن نعتقد أن الذي يجري في هذا العالم , و أن ما حولنا هو أفضل شيء ممكن , يعلمنا الآخرون , الكبار منهم خاصة , كيف “نتكيف” و “نتعلم” كيف نعيش في هذا العالم , في لحظة ما يتطور وعينا لنكتشف أن حياتنا لا تليق بالبشر و أنه علينا تغييرها و أننا قادرون على تغييرها .. نولد مسلمين أو مسيحيين , علويين أو سنة , نعتقد بأن ما تعلمناه نقلا عن آبائنا و أجدادنا هو الحقيقة المطلقة , و يعتبرنا الآخرون مسلمين أو مسيحيين , أو علويين أو سنة , لهذا السبب , لكننا نكتشف في لحظة ما أنه من حقنا أن نستخدم عقولنا , بشكل نقدي تجاه أية حقيقة مطلقة تعتبر نفسها نهائية , و ليس فقط ضد الحقائق المطلقة للآخرين التي نعتقد أنها غير صحيحة لأنها ليست عقيدة آبائنا و أجدادنا , ليست القضية أبدا في أن نؤمن أو لا , في أن نرفض أو نقبل , بل القضية كل القضية في أن نكون أحرارا و نحن نفعل أيا من هذا , و ألا نكون مكرهين , و أساسا و قبل أي شيء أن نعيش كبشر , أي كأحرار و متساوين , أن نعيش حياة تليق بالبشر , تقوم على الحرية و العدالة و المساواة , إذا كنت حرا يمكن أن تكون أي شيء , لكن عندما تكون عبدا فأنت لا شيء , أيا كان دينك أو مذهبك أو عقيدتك أو إيديولوجيتك .. اليوم اكتشفنا جميعا , من يصرخ و يموت في سبيل الحرية و حتى من يتفرج على ما يجري , أننا جميعا ضحايا , عبيدا لهذه الديكتاتورية , نعرف أنه يمكننا أن نعيش بشكل أفضل , إذا أصبحنا نعيش كأحرار , لكن بعضنا يخاف من هذه الحرية و يعتبر أن الاستبداد و شبيحته يحمونه من الآخرين , من الفقراء الآخرين , الذين يخافهم أكثر من الاستبداد و قتلته و جلاديه , الحقيقة أننا إذا قررنا معا أن نناضل في سبيل حريتنا سيكون بمقدورنا أولا أن ننتصر ثم أن نعيش أحرارا , أي أننا سنعيش بالطريقة الوحيدة التي يستحقها البشر , يمكننا أن نفعل ذلك , علينا فقط أن نتحدث لبعضنا البعض , أن نضم نضالاتنا الصغيرة في سبيل حريتنا معا , و أولا أن نعي أن أفضل حياة يستحقها المسلم و المسيحي , السني و العلوي , الآشوري و العربي و الكردي , هي أن يعيشوا جميعا بحرية , معا بحرية , و لا شيء آخر أبدا

إيما غولدمان و رودولف روكر عن الأناركية

ترجمة: مازن کم الماز

إيما غولدمان
من مقال : الأناركية : ما تدعو إليه بالفعل

الأناركية هي الفلسفة ( الأخلاقية ) الوحيدة التي تجلب إلى الإنسان وعيه بنفسه , الذي يعتبر أن الإله , الدولة و المجتمع غير موجودين , و أن وعودهم فارغة و غير حقيقية , بما أنه يمكن تلبيتها فقط من خلال خضوع الإنسان . لذلك فإن الأناركية تعلم وحدة الحياة , ليس فقط في الطبيعة , بل أيضا في الإنسان . لا يوجد نزاع بين الغرائز الفردية و الاجتماعية , أكثر مما يوجد بين القلب و الرئتين : أحدها هو إناء جوهر الحياة الثمين , و الثاني هو مستودع العنصر الذي يبقي ذلك الجوهر قويا و نقيا . الفرد هو قلب المجتمع , الذي يحافظ على جوهر الحياة الاجتماعية , المجتمع هو الرئتين التي توزع العنصر الذي يبقي جوهر الحياة – الذي هو الفرد – نقيا و قويا .
( تعتقد الأناركية ) أن الثروة الحقيقية تتألف من الأشياء النافعة و الجميلة فقط . من الأشياء التي تساعد في خلق أجساد قوية و جميلة و خلق محيط يشجع الناس على أن يعيشوا فيه . لكن إذا كان الإنسان محكوما بأن يغزل القطن حول بكرة , أو أن يحفر منجما , أو يبني الطرق لثلاثين عاما , فلا توجد هناك أية إمكانية لأي كلام عن أية ثروة . ما يعطيه هذا الإنسان للعالم هي فقط أشياء رمادية و قبيحة , تعكس وجودا غبيا و قبيحا – وجودا أضعف من أن يعيش , و أكثر جبنا من أن يموت . غريب أن نقول أن هناك أشخاص يسبحون ( يدعون ) بأن هذه الطريقة المهلكة من الإنتاج المركزي هي أكثر إنجازات عصرنا مدعاة للفخر . إنهم يعجزون تماما عن إدراك أننا إذا استمررنا بالsubserviency للآلة فإن عبوديتنا ستكون أكثر كمالا من عبوديتنا لملوك الماضي . إنهم لا يريدون أن يعرفوا أن هذه المركزة ليست فقط نعي الحرية , بل أنها أيضا نعي الصحة و الجمال , نعي الفن و العلم , إن كل الأشياء مستحيلة في جو ميكانيكي , يسير مثل الساعة .
إن الشخصية الكاملة عندها تكون ممكنة فقط في حالة مجتمع يكون فيه الإنسان حرا في اختيار نمط عمله , و ظروف عمله , و يملك فيه الحرية في أن يعمل . شخص يكون صنع طاولة بالنسبة إليه , أو بناء منزل أو حراثة الأرض , هو نفس ما تمثله اللوحة ( الرسم ) للفنان أو الاكتشاف للعالم – نتيجة رغبة و شوق شديدين , و اهتمام عميق بالعمل كقوة خلاقة . هذا هو مثال الأناركية , التي يجب أن تتألف ترتيباتها الاقتصادية من اتحادات طوعية إنتاجية و توزيعية , تتطور تدريجيا نحو شيوعية حرة , كأفضل وسيلة للإنتاج مع أقل ما يمكن من الضياع ( الفاقد ) من الطاقة الإنسانية .

رودولف روكر

مثل مؤسسي الاشتراكية , يطالب الأناركيون بإلغاء كل الاحتكارات الاقتصادية و بالملكية المشتركة للأرض و لوسائل الإنتاج الأخرى , التي يجب أن يكون استخدامها متاحا للجميع دون أي تفريق , لأن الحرية الفردية و الاجتماعية ممكنة فقط على أساس وجود مزايا اقتصادية متساوية للجميع . داخل الحركة الاشتراكية نفسها يمثل الأناركيون وجهة النظر التي تقول بأن الحرب ضد الرأسمالية يجب أن تكون في نفس الوقت حربا ضد كل مؤسسات السلطة السياسية , لأن الاستغلال الاقتصادي في التاريخ قد سار جنبا إلى جنب مع الاضطهاد السياسي و الاجتماعي .

نقلا عن http://www.marxists.org/glossary/terms/a/n.htm#anarchism

الملتقى الفكرى الأول للاشتراكية التحررية فى مصر

دعوة

الملتقى الفكرى الأول للاشتراكية التحررية فى مصر

تحية ثورية

ننشرف بدعوتكم إلى الحضور والمشاركة والمساهمة فى الملتقى الفكرى الأول للاشتراكية التحررية فى مصر

 المقرر انعقاده فى مركز هشام مبارك 1 شارع سوق التوفيقية من شارع رمسيس بالقاهرة الدور الخامس

يوم الجمعة   الموافق 7\10 من الساعة العاشرة صباحا إلى السادسة مساءا

والأوراق المقترح مناقشتها فى الملتقى حتى الآن هى

قواعد التنظيم الاشتراكى التحررى

 المجلس المحلى لمدينة الأسكندرية

 النقابات الثورية والنقابات الإصلاحية

 اللجان الشعبية

 الحاجة إلى مركز فكري لنشر الفكر التحرري

ونحن نتقبل مقترحاتكم فيما يتعلق بتنظيم اليوم ومساهماتكم و آرائكم و أوراقكم التى تودون تقديمها على البريد الإلكترونى Lsm.egypt@gmail.com

أو بوضعها على مع الإشارة أنها مساهمة فى الملتقى

صفحة الحركة الاشتراكية التحررية على الفيس بوك

http://www.facebook.com/lsm.egypt

على أن ترسل فى موعد  أقصاه مساء يوم السبت 24 سبتمبر و بما لا يزيد عن ألف كلمة حتى تتاح الفرصة للجميع  لقراءة الأوراق ومناقشتها وابداء الرأى بشأنها حسب الوقت المتاج لنا.

ن من حق الجميع طرح رأيه بخصوص الأوراق المقدمة و حق تقديم أوراق إضافية ثم أخذ الآراء عما يقدم منها خلال الإجتماع حسب الوقت و ترتيب التصويت لكل منها.
على أن يتم هذا فى موعد أقصاه السبت 30 سبتمبر

اللجنة المنظمة للملتقى

3 فصول من كراس الفيدرالية الشيوعية الأناركية في إيطاليا : الشيوعيون الأناركيون : قصة طبقة

ترجمة : مازن کم الماز

مقدمة : إذا كنت شيوعيا تحرريا , أناركيا , أو إنسانا يهتم و يعمل على انعتاق البشر من الاستغلال و الاستبداد و القمع , فهذه السطور يفترض أن تهمك , الفيدرالية الشيوعية الأناركية في إيطاليا التي كتب أفرادها هذا الكراس واحدة من أعرق المنظمات الشيوعية الأناركية في العالم , لكن إذا كنت أناركيا أو تحرريا فيفترض أنك تعرف أنه لا يوجد بين الأناركيين سادة و عبيد , لا يوجد من يأمر و بالمقابل من عليه أن يطيع … إننا على مثال المجتمع الشيوعي التحرري أو الأناركي الذي نناضل في سبيل تحقيقه مجموعة من بشر أحرار و متساوين , لذلك لا أدعوك هنا لقراءة جزء من إنجيلنا أو كتابنا المقدس أو تجليات أحد قديسينا أو أنبيائنا , ليس بين الأناركيين قديسين أو أنبياء و لا كتب مقدسة , ليس في الأناركية إلا بشر , يفكرون بحرية و يناضلون لكي يعيشوا و يعيش الجميع و يفكروا بحرية أيضا , لا حقيقة مطلقة هنا , بل بشر يفكرون بحرية في سبيل هدف واحد هو انتزاع حريتهم و حرية كل إنسان على هذه الأرض , كما أنه من الصحيح أنه من دون أن تستخدم عقلك ( و جسدك أيضا ) بكل حرية فلن تكون حرا , فلن تكون أناركيا إذا لم تستخدم عقلك بكل حرية و نزعة نقدية “ضد” ما يقوله بقية الأناركيين , و غيرهم بالتأكيد …

2 – الصراعات السياسية و الصراعات الاجتماعية

يعتقد الشيوعيون الأناركيون أن الثورة يجب أن تكون ثورة اجتماعية , و أنها يجب أن تطيح بعلاقات الملكية في المجتمع البرجوازي . المسؤولية عن هذا الإلغاء للملكية الخاصة و استبدالها بالملكية الجماعية يجب أن تضطلع بها البروليتاريا , التي يجب عليها أن تبدأ هي نفسها بإدارة الإنتاج , التوزيع و الخدمات . يمكن للمجتمع الشيوعي أن يكون فقط مدار ذاتيا ( مسير ذاتيا ) و فيدرالي , و أن تمارس سلطة اتخاذ القرارات , كما يقال غالبا , من الأسفل . و نحن نبقي هذا في اعتبارنا , فإن النضالات اليومية التي ننخرط فيها في المجتمع الرأسمالي الحالي تخدم عدة أغراض . أولا إنها تساعد في بناء قوة البروليتاريا النضالية , أي منظمتها الجماهيرية التي تشكل في نفس الوقت إرهاصات أو بوادر لأشكال الإدارة المستقبلية . ثانيا فحتى انتزاع “الفتات , التي رغم أنها دائما قليلة جدا لكنها جيدة للأكل , ( .. ) سيحسن حياة العمال و بالتالي يحسن ظروفهم , حتى ظروفهم الفكرية” ( فابري – أناركي شيوعي إيطالي ) . أخيرا , إن أي شيء يمكن انتزاعه من خلال النضال من السادة , أي شيء يحد من ( يقيد ) حريتهم في فعل ما يرغبون بحرية , هو نصر يجب انتزاعه و الدفاع عنه . بهذا المعنى , فإن الأناركيين هم “مصلحون” ( إذا استخدمنا كلام مالاتيستا ) لكنهم ليسوا إصلاحيين , لأنهم لا يؤمنون بأن مجتمعا قائما على الحرية و المساواة يمكن بناءه شيئا فشيئا , خطوة خطوة . ما يمكن بناؤه على مراحل و الذي سيقوي فرص قيام انفجار ثوري ناجح , هو إرادة خوض الصراع عند المستغلين ( بفتح الغين ) و وعيهم الطبقي . يمكن القول بكلمة أخرى أن الأناركية “تدرجية” ( و هي أحد تعابير مالاتيستا أيضا ) , ليس لأنها تتصور انتقالا تدريجيا من الرأسمالية إلى الشيوعية , بل لأنها تؤمن بالبناء التدريجي للمنظمة البروليتارية الثورية الواعية لحقيقة أن تلبية حاجاتها التاريخية تكمن كلية و حصريا في أيدي البروليتاريا نفسها .
في كل ما سبق لا مكان لصراع سياسي , للاستيلاء على جهاز الدولة بغرض استخدامه كوسيلة للتغيير الاجتماعي , لسببين مهمين . الأول أن الدولة تشكل البنية الفوقية للمجتمع البرجوازي , و بالتالي لا تتناسب مع التحول الشيوعي ( إن بقاءها سيعيد إنتاج المجتمع البرجوازي , كما سنشاهد فيما بعد ) . ثانيا يعني الطريق السياسي التفويض , دون أية قدرة على ممارسة أية سيطرة فعلية على من تعلن نفسها على أنها طليعة , هذه الطليعة التي ستتوه ( ستضيع ) في تعرجات و أفخاخ الجهاز الاجتماعي الرأسمالي و ستنكر على البروليتاريا دورها كمسؤولة عن انعتاقها , الدور الذي يعود إليها وحدها فقط . يمكن أيضا إضافة أن الصراع السياسي يحرف الآمال و الرغبات في الانعتاق باتجاه طرق غير ملائمة ( لا تؤدي إلى الانعتاق ) , تؤدي لخداع الجماهير بأن تتخيل أنه يمكن لها أن تحقق انعتاقها من خلال القوى التي يجب بالأحرى أن تنتزعها من خلال الصراع الاجتماعي .
تقسم هذه النقطة بشدة النظرية الشيوعية الأناركية عن النظرية الماركسية ( في كل أشكالها تقريبا ) . الثورة السياسية لماركس و أنجلز , و من قبلهما ثورة اليعاقبة , و غراشو بابوف و لويس أوغست بلانكي , تحمل تصورا عن صراع سياسي , رأينا نتائجه في كل الثورات السياسية التي حدثت حتى اليوم , حيث عادت الطبقة المهيمنة للظهور من جديد . الثورة الاجتماعية , هي الثورة الوحيدة التي يمكن لها أن تحقق الانعتاق للمستغلين ( بفتح الغين ) , و هي تتطلب نضالا اجتماعيا فقط .

3 – دور الطليعة

كما قلنا فإن الحاجة للنضال السياسي مع كل تعقيداته , و دقته الإستراتيجية و جانبه المظلم ( القاتم ) تؤدي إلى تشكيل الحزب السياسي , أو الطليعة , التي تفصل نفسها عن الجماهير لكي “تحمي” مصالح هذه الجماهير , تبقى العلاقة الوحيدة الممكنة هنا هي علاقة تفويض . الحزب , حارس الإستراتيجية الأورثوذوكسية و الوحيدة لانعتاق ( خلاص ) المستغلين ( بفتح الغين ) يصبح الطريق الوحيد الصحيح الذي يجب السير عليه و يصبح منفصلا عن الطبقة التي يسعى لتمثيلها . في الواقع , كان يتم تشكيل تلك الطليعة , في كل تنوعاتها اللينينية , من عناصر لم تأت من البروليتاريا . هذا لأن العمال ( ناهيك عن الفلاحين ) يسحقون تحت ثقل حاجاتهم اليومية ( النزعة الاقتصادوية ) , و بالتالي فهم عاجزون عن فهم الفرق بين حاجاتهم المباشرة و حاجاتهم التاريخية , التي ستؤدي تلبيتها إلى انعتاقهم الفعلي .
بالنسبة للشيوعيين الأناركيين , فإن الحزب ( و هي كلمة استخدمها مالاتيستا نفسه ) أو المنظمة السياسية للشيوعيين الأناركيين تلعب دورا فقط داخل الحركة البروليتارية . بكلمات أخرى من داخل نضالاتها اليومية , حيث تسعى لتطوير الوعي الطبقي بين البروليتاريين , و للدفع بإستراتيجية ثورية ( كجزء من صراع البروليتاريا مع البرجوازية ) يمكن أن تتيح لهذا الوعي بالحاجات التاريخية بأن يتطور بين المستغلين ( بفتح الغين ) , بدءا بحاجاتهم اليومية . في هذه الحالة , لا يصنع الحزب الثورة للبروليتاريا , و لا يوجهها ( أو يقودها ) لما فيه مصلحة البروليتاريا , و لا يحكمها لمصلحة البروليتاريا . إنه يوجد ببساطة في عملية ( صيرورة ) نمو و انعتاق البروليتاريا , ساعيا لإقناع بقية البروليتاريا بأن الأفكار التي يدعو إليها هي طريق مناسبة لتحقيق ذلك الهدف . لكي تحقق ذلك يجب على الحزب أن يطور تحليلاته , و اقتراحاته و تصوراته , و أن يعمل كحفاز ( أنزيم ) للتطور الثوري , و كما أثبتت الذاكرة التاريخية لانتصارات و هزائم الماضي و كنقطة ارتكاز لإعادة الدراسة النقدية لكل ذلك .

4 – الدولة و الجماعة

كونهم عاشوا في فترة مارست فيه الدولة البرجوازية دورها في حماية مصالح الطبقة الحاكمة , فقد تطور عند الأناركيين كراهية عميقة و مبررة لهذه المؤسسة . أكثر من ذلك فإن تنبؤاتهم المريعة عن الطبيعة القمعية للدولة كمؤسسة ولدت من ثورات سيطر عليها الماركسيون و خاصة تاريخ الاتحاد السوفيتي . لم تكن النقطة التي تحدى الشيوعيون الأناركيون بقية التيارات الأناركية على أساسها هي عدم وجود حاجة (ضرورة ) لإلغاء الدولة من اللحظة الأولى للثورة , بل حقيقة أن الغالبية العظمى من الأناركيين من بقية التيارات قد اكتسبوا مثل هذه الكراهية للدولة بحيث أنهم أصبحوا غير قادرين على رؤية بقية الحقائق الأخرى .
تطور عند الكثير من الأناركيين قلبا غريبا للأولويات . الدولة , التي هي أداة تستخدمها البرجوازية لكي تستغل و تحصل على حصة الأسد من الثروة المتوفرة , أصبحت عدوهم الأساسي , حتى أكثر من البرجوازية التي تستخدم تلك الأداة . لكن جزئيا نتيجة لتأثيرات نضال البروليتاريا عليها , تولت الدولة أدوارا ( مهاما ) أخرى إلى جانب رجال البوليس و وظائفهم , تلك أصبحت تعرف بالمصطلح العام “دولة الرفاه” , التي أصبحت تمتلك أوجها معقدة جدا . من جهة فإنها قد سمحت للسادة بأن يلقوا جزءا من تكاليف أعباء ضمان أمن و حياة أولئك الأقل ثراءا على كاهل دافعي الضرائب ( و هم في معظمهم من العمال أنفسهم ) , و هي أعباء تشكلت من خلال ضغط العمال , و التي كانت ستشكل جزءا من تكلفة العمل في حال عدم قيام الدولة بها . و من جهة أخرى , رغم أن هذه الوظائف قد سمحت بإعادة توزيع محدودة للثروة لصالح العمال , نتيجة عقود من النضال بما سمح بتنظيم الصراع بما يوفر حماية جزئية للأضعف , فإنها قد أنتجت مؤسسات اجتماعية , مثل التعليم , الرعاية الصحية , و الضمان الاجتماعي , ذات عامل كبير من التضامن ( الاجتماعي ) .
لذلك ليس مستغربا أن الرأسمالية ( التي بلغت الآن مرحلة أخرى من تطورها التاريخي , حيث المنافسة العالمية القاسية تتطلب تخفيض تلك التكاليف ) تنزع نحو تخفيض تلك البنود الاجتماعية ( التي تمول جزئيا من قبل أصحاب العمل ) و نحو تخفيض مهام الدولة إلى مجرد حامي مسلح لمصالح رأس المال . و إنها وجهة النظر المعاكسة لكثير من الأناركيين تلك التي تمنعهم من تحليل هذه الظاهرة , من رؤية أن عدونا الأساسي هو نفسه كما كان الحال دائما , و من إدراك أن ما تريد “الدولة المحدودة” أن تتخلص منه هو نفس الشيء الذي للبروليتاريا مصلحة في الحفاظ عليه . إن تقليص وظائف الدولة يتضمن إنقاص العبء المالي على الأغنياء لكن ليس على الفقراء , و الحفاظ على دور الدولة كشرطي و تدمير كل ضمان اجتماعي و أية ضمانات أو حماية اجتماعية .
التخلي عن مهام كتلك المذكورة أعلاه من قبل الدولة و استبدالها بما يعادلها في السوق ( و تحويلها بالتالي إلى مصدر للربح ) يشتمل على زيادة في تكاليف الخدمات التي لا يتمكن العمال اليوم من تحمل تكاليفها , و ستؤدي إلى انخفاض مهم في مستوى حياتهم . بالامتناع عن الدفاع عن مهام الدولة تلك , فإننا نخاطر أيضا بالعجز عن رؤية عامل آخر مهم : هو دور الجماعة . لن يكون المجتمع الشيوعي الأناركي قادرا على العمل دون نظام “ضرائب” , بمعنى أن جزءا من الثروة سيوضع جانبا لمصلحة بقاء من لا يستطيعون المشاركة في عملية الإنتاج – الأطفال , المسنين , المرضى , الخ . إن إدارة الدولة لمجالات كالتعليم , الرعاية الصحية و الضمان الاجتماعي هي أقرب بكثير للإدارة الجماعية لتلك الخدمات في مجتمع المستقبل مما هي عليه الإدارة الخاصة لها اليوم , حيث تبقى هذه المجالات عرضة لقانون الربح . عمال النقل في إسبانيا الثورية 1936 , الذين كانوا يومها منظمين في نقابة ( اتحاد ) , لم يضيعوا أي وقت في تنظيم تلك الخدمة . هل سيحدث نفس الشيء اليوم بنفس السرعة و الطبيعية في حالة عمال السكك الحديدية التي خصخصت في بريطانيا ؟ خذ أيضا مسألة الرواتب التقاعدية حيث توجد في النظام الحالي رابطة أوتوماتيكية ( و شعور مرافق من التضامن ) بين العمال من أجيال مختلفة .
لذلك يؤمن الشيوعيون الأناركيون بأن النضال ضد بقاء الدولة في وقت الثورة لا يمنع إدراك الوظائف المتعددة للدولة البرجوازية الحالية : تلك التي تخدم ضمان و استمرار الهيمنة الطبقية ( للبرجوازية ) ( التي يسعى الرأسماليون للحفاظ عليها و تقويتها بشكل لا يثير دهشة أي إنسان ) و تلك التي ولدت من المساومات في الصراع بين الطبقات و التي توفر القليل من الحياة الجيدة للطبقات المضطهدة ( بفتح الهاء ) ( أيضا بشكل لا يثير أي استغراب أن هذه هي بالتحديد الوظائف التي يريد الرأسماليون أن يتخلصوا أو يلغوها اليوم ) . إذا كانت البرجوازية تسعى إلى إصلاح الدولة , فإنها تفعل ذلك بما يتوافق مع مصالحها , تلك المصالح التي لا تتوافق مع مصالح العمال .

نقلا عن http://www.fdca.it/fdcaen/index.htm

كيف نحول الانتفاضة إلى ثورة اجتماعية

سامح سعيد عبود

أن الانتفاضة الثورية تظل جزءا من النظام، وعملية من عمليات تطوره، ولا تتجاوز حدوده الأساسية، عندما تستند على مجرد مطالب تصلح بعض اعوجاجات النظام، وتسقط بعض رموزه مبقية على بعضهم، وتنهى بعض مظاهره محافظة على جوهره، ولكنها تتحول إلى ثورة اجتماعية حقيقية عندما تستطيع تدمير النظام القديم بأكمله مقيمة على أنقاضه نظاما مختلفا، وهذا لا يعنى سوى احلال طبقة جديدة ثائرة فى السلطة محل الطبقة القديمة التى قامت بالثورة عليها، وإحلال علاقات إنتاج جديدة بدلا من العلاقات القديمة، وهذا يستدعى تصفية كامل السلطة القائمة بكل أفرادها و مؤسساتها وإطارها القانونى، وتصفية الطبقات الاجتماعية التى تعبر عنها تلك السلطة،الأمر الذى لا يتأتى إلا بسلطة بديلة تملك من القوة المادية ما يمكنها من إزاحة السلطة القديمة.

و لأن الرأسماليون والبيروقراطيون مازالوا فى السلطة، فإن ما حدث أننا نجحنا عبر انتفاضتنا الثورية فى إزاحة رأس النظام القديم وبعض رموزه، إلا أن النظام مازال حيا، ويستعيد عافيته مجددا، ولذلك ما إن أفاق من صدمته الأولى التى جعلته يسلم ببعض المكاسب الثورية للثوار ، فسرعان ما تراجع لنفس مواقعه القديمة، والمطلوب الآن لإزاحته كليا هو ثورة حقيقية تطرح بديلا جوهريا عن النظام القائم، ثورة تستهدف إزالة السلطة القائمة مقدمة سلطة بديلة تزيحها من مكانها، سلطة تأمر و لا تطلب، تبادر و لا تكن مجرد ردا للفعل، تفعل و لا يفعل بها، لا تنتظر الفعل وإنما ينتظر فعلها.

لكل مجتمع أساس مادى، يتمثل فى بنيته الاقتصادية الاجتماعية، وما لم يمس هذا الأساس المادى أى تغيير، فإن النظام يظل حيا، حتى ولو تحسن نسبيا ببعض الإصلاحات، وهذا ما لم تقترب منه الانتفاضة الثورية على الإطلاق فى مطالبها الرئيسية، التى انحصرت فى هذا الصدد فى مقاومة الفساد الحكومى باقامة دولة القانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية التى تحددت معانيها فى فرض حد أدنى للأجور، وحد أقصى للأجور، دون ربطه فى نفس الوقت بارتفاع الأسعار، وهو المطلب الذى لن يستفيد منه لو طبق سوى ثلث الأجراء فى مصر من العاملين بالحكومة والقطاع العام والقطاع الرأسمالى الكبير الرسمى، دون ثلثى الأجراء من العاملين فى القطاع الرأسمالى الصغير، الرسمى وغير الرسمى، والعاملين المستقلين، فضلا عن المهمشين، ومن نافل القول أنه لن يكون له أى معنى مع موجات ارتفاع الأسعار.

من ناحية أخرى يروج اليسار السلطوى لإعادة تأميم المنشئات التى تمت خصخصتها وعودتها إلى حضن الدولة البيروقراطية، مما سوف يزيد من قوتها ونفوذها مع تناقص حريات الأفراد ومؤسساتهم المدنية فى المقابل، واستمرار نظام العمل المأجور، وهو جوهر الرأسمالية ذاته، أى ما كان شكل الملكية، خاصة أم عامة، ولاشك أنه لن يتم تجاوز الرأسمالية إلا بالقضاء علي عبودية العمل المأجور، وهذا اليسار تحديدا لا يتجاوز حدود النظام الرأسمالى نفسه على عكس ما يدعى، باستبداله بيروقراطية الدولة بالرأسماليين، ويروج هذا اليسار أيضا لدولة الرعاية الاجتماعية القوية التى توفر الخدمات المجانية للمواطنين فتضخم بذلك من حجم بيروقراطيتها وموظفيها وامتيازاتهم وفسادهم، وتضخم من حجم نفوذهم الاجتماعى فى مقابل الخدمات التى يوفروها للمواطنين فيصبحوا عبيد احسانات الدولة، كما يروج أيضا أنصار الرأسماليين للدور الاجتماعى لرأسالمال ليظل الفقراء بدورهم عبيد صدقات الرأسماليين.

يتحدث الجميع عن تحقيق حلم النهضة الاقتصادية المحصورة عند البعض منهم فى تحقيق أعلى معدلات النمو الاقتصادى، التى كانت تتباهى بها حكومة الحزب الوطنى علينا، دون تحديد لمصلحة من كان يحدث هذا النمو، الذى انتهى بالانتفاض الشعبى على نتائجه الوخيمة، هل هو لصالح كائنات اجتماعية مجردة كالأمة والدولة والوطن والشعب كما يدعى ذلك الشعبويون عموما، أم لتحقيق مصالح طبقات وشرائح اجتماعية بعينها مضادة بطبيعتها لمصالح طبقات وشرائح اجتماعية أخرى، داخل نفس الكيان الواحد، هل نريد تحقيق مصالح الرأسماليين كما يريد الليبراليون أم مصالح البيروقراطيين كما يريد الفاشيون والإصلاحيون من أنصار الدولة القوية، أم تحقيق مصالح البروليتاريا فى الجانب الآخر المضاد كما يريد اللاسلطويون.

هذه هى حدود مطالب الانتفاضة الثورية فى حدود إصلاح نفس النظام، التى طالبت باسقاطه، وهى تظن لسذاجتها أن النظام هو حسنى مبارك وحزبه الوطنى الحاكم، ولأنها مطالب اصلاحية فلابد وأن تكون مختلفة تماما عن الأهداف الثورية لتجاوز النظام على صعيد بنيته الاقتصادية الاجتماعية التى تحدد جوهر التغيرات الأخرى السياسية والثقافية والقانونية، وطبيعتها وحدودها.

علينا أن نعرف المعالم الرئيسية للنظام الحالى الذى لم يسقط بعد والذى هو جزء لا يتجزأ من النظام العالمى، والذى لا يمكنا فهمه والتعامل معه بمعزل عنه، فمنذ أربع عقود من الزمن حدث تحول هام فى البنية الاقتصادية الاجتماعية فى العالم، مفادها تقلص حجم الاستثمارات والعمالة فى الاقتصاد الحقيقي فى الزراعة والصناعة حيث تنتج فيه كل الثروات المادية، لصالح تضخم نوع آخر من الاقتصاد الرمزي الذى يمتص معظم الثروات المنتجة فى الاقتصاد الحقيقى، بالتجارة والخدمات والمضاربات والائتمان، و هى أنشطة تتطفل فى حقيقتها على الاقتصاد الحقيقي، وتحقق أرباحا خيالية سهلة، فيتضخم حجم الاستثمارات والعمالة فيها، فى حين تتقلص ربحية الاقتصاد الحقيقى الصعبة فتهرب منه الاستثمارات وتتقلص فيه العمالة، أو تنزلق لهاوية التهميش، و الحقيقة أن الكثير من أنشطة الاقتصاد الرمزي تتميز بامكانية الاستغناء عنها على عكس أنشطة الاقتصاد الحقيقي، وإن بدت ضرورية أحيانا، وهى فى معظم ممارستها و وسائل تحقيق أرباحها، أقرب للجريمة منظمة أو فردية منها لنظام إنتاجى حقيقى.

من أشد خصائص هذا التحول الاقتصادى الاجتماعى، هو تزايد حجم المهمشين العاملين فى الاقتصاد غير الرسمى مقارنة بتقلص العاملين فى الاقتصاد الرسمى عموما، ذلك لأن الأرباح فى الاقتصاد غير الرسمى تكون خيالية، ومن ثم فإن الاستثمارات تتوجه إليها بكثافة أكثر جاذبة إليها المزيد من العمالة المهمشة، فى حين يفتقر الاقتصاد الحقيقى بربحيته المنخفضة للاستثمارات والعمالة، و من خصائص هذا التحول أيضا، وهو أيضا ظاهرة عالمية، الانخراط المتزايد لبيروقراطية الدولة وموظفيها فى الفساد الحكومى، الذى هو وللمفارقة، منبع للاقتصاد غير الرسمى، فيتحول مشرعوا القوانين وحماته ومنفذيه لكبار خارقيه ومخالفيه ومعطليه، وتتحول الوظيفة العامة لنوع من الاستثمار والتربح، والتطفل على المنتجين الحقيقيين للثروة، بل وتحول الفساد الحكومى من ظاهره فردية إلى مستوى الجريمة المؤسسية المنظمة، ومثالها الواضح والجلى فى الواقع المصرى جهاز الشرطة نفسه الذى من المفترض أن تكون وظيفته الأولى مقاومة الفساد.

برغم كل عمليات الخصخصة التى قلصت رأسمالية الدولة البيروقراطية، فى الاقتصاد المصرى، إلا أنها لم تحجم من نفوذها، ذلك لأن تلك البيوقراطية مازالت تحكم قبضتها على الرأسمالية التقليدية حتى الآن،
و العاملين بجهاز الدولة والقطاع العام مازالو يشكلون ربع حجم القوى العاملة، وينقسمون إلى ثلاث طبقات، الأولى البيرقراطيون، وهم الذين يملكون سلطة اتخاذ القرار الحكومى، والتأثير فيه وفى تنفيذه، والثانية الموظفون العاديون الذين يستثمرون الوظيفة العامة لتحقيق مصالحهم الخاصة، والذين لا يؤدون أعمالا حقيقية، ويعتبرون امتداد للطبقة البيروقراطية ينتظرون الترقى لمصافها، وهم أدواتها فى تحقيق مصالحها، و بسط نفوذها، وتلك الطبقتين تحديدا فى السلطة بالفعل، وجزأ لا يتجزأ من النظام، برغم ما لحق بهما من هزيمة بالانتفاضة، ولا شك أنهم من المنتفعين بفساده وتضخمه ونفوذه، و من ثم فهم فى معسكر الثورة المضادة، ويشكلون أنصار النظام القديم، ومن ثم فنجاح الثورة لا يكون إلا بتصفيتهما، والتخلص منهما، أو تحجيمهما فى الحد الأدنى الضرورى، وهذا يستلزم العديد من الإجراءات الثورية، التى لا مجال لسردها كاملة ولكن فى العموم فإن تقليص البيروقراطية الحكومية، وهؤلاء الموظفين ونفوذهم وفسادهم، هدف ثورى لا بديل عنه، يمكن تحقيقه فى الحد الأدنى الممكن بتقليص مهام الدولة فى حدود مهامها السيادية التقليدية الضرورية من أمن خارجى وداخلى وتمثيل خارجى وعدل ومالية عامة، لا توسع هذه المهام، كما يبشر بذلك أنصار الدولة القوية المتدخلة فى كل شئون الحياة، يسارا كانوا أو يمينا، ويمكن ذلك أيضا عبر خلق مؤسسات عامة مدنية مستقلة و شعبية بديلة عن مؤسسات الدولة، لتأدية بعض المهام فى الأمن المحلى و إدارة المرافق العمومية على سبيل المثال، وتطبيق أقصى ما يمكن من اللامركزية الإدارية، والرقابة الشعبية الواسعة النطاق والاختصاصات، وتطبيق الديمقراطية المباشرة، وشبه المباشرة.

أما الطبقة الثالثة فهم العاملون العاديون فى قطاعات الإنتاج والخدمات الحكومية و العامة، فى التعليم والصحة والنقل والمواصلات، والصناعة والزراعة، وهؤلاء من أجل تحررهم من عبوديتهم المأجورة للدولة، ومن أجل تحرير سائر المواطنين من نفوذ وفساد بيروقراطية الدولة، فإنه يستلزم تحقيق الإدارة الذاتية فى كل وحدات الإنتاج والخدمات من قبل العاملين بتلك المؤسسات، واستقلالها عن الدولة و رأسالمال، وفق قواعد التعاون فى الإدارة الديمقراطية المباشرة وتوزيع الأرباح، مع ضمان عدم استخدام العمل المأجور فى تلك المنشئات، وهو ما يحقق مصالح هؤلاء العاملين الجوهرية باعتبارهم جزء طليعى فى معسكر الثورة، لا مجرد تحسين شروط عبوديتهم برفع الحد الأدنى للأجور، وبالطبع فاليسار السلطوى، الثورى منه والإصلاحى، لن يطرح مثل هذا الشعار فى الانتخابات القادمة، وهو ما قد يضمن له أصوات هؤلاء بدلا من ذهابها للأحزاب الليبرالية أو الإسلامية، مفضلا أن يغرس نفسه فى صراع برجوازى\ برجوازى مثل الصراع الليبرالى \ الإسلامى، كما كان يغرس نفسه قديما فى صراع مفتعل بين الرأسمالية الوطنية والرأسمالية التابعة، أو الرأسمالية المنتجة والرأسمالية الطفيلية، فدائما ما كان هذا اليسار يفضل اللعب لصالح قوى برجوازية يسلمها قيادة نفسه، بدلا من أن يطرح نفسه كقيادة.

أيما كان الرأسماليون فى مصر، سواء أكانوا من محاسيب الدولة المرتبطين ببيروقراطيتها، أو من المغضوب عليهم، فهم جزء لا يتجزأ من النظام القائم حتى ولو كان المضطهدين منهم، لأنهم فقط لا ينتمون للشلل المتنفذة فى النظام، وحتى ولو كان البعض منهم يناضلون من أجل نظام ديمقراطى يسمح بتداول السلطة، وحتى ولو كانوا من دعاة إطلاق الحريات الإنسانية كالليبراليين أو دعاة تقييدها كالإسلاميين أو القوميين أو المحافظين، و لا مجال هنا لتقسيمهم لمنتجين وطفيلين كما يذهب البعض، فتجار المخدرات والسلاح والآثار والجنس، يغسلون أموالهم بشراء المصانع والمزارع وبناء العقارات والمنتجعات السياحية، والمضاربة على أسهم البورصة، ولا مجال هنا لتقسيمهم لكبار وصغار، فالحزب الوطنى لم يكن حزبا للكبار من أمثال لأحمد عز ومن هم على شاكلته فقط ، بل كان حزبا لعشرات الألوف من أصحاب المشاريع والاستثمارات المتوسطة فى كل مجال من الصناعة والزراعة إلى التجارة إلى المضاربات، من كل الأنشطة الاقتصادية رسمية كانت أو غير رسمية، مشروعة كانت أم غير مشروعة، وهم جميعا أعضاء فى شبكات مصالح واسعة تضم معهم البيروقراطين و موظفى الدولة الإداريين والنقابين الصفر وغيرهم، وحتى الخارجين عن القانون، وما الصراعات بينهم سوى صراعات مصالح فردية، لا تنفى توحدهم فى المصالح الجوهرية، ومن ثم لا مجال للمساومة فى ضرورة مصادرة ثروات هؤلاء، منقولة أو عقارية، نقدية أو عينية، وإدارتها إدارة ذاتية وفق قواعد التعاون لصالح العاملين فى تلك المشاريع شأنها شأن المؤسسات الإنتاجية والخدمية التابعة للدولة.

على الناحية الثانية من المتاريس فى معسكر الثورة الاجتماعية، يتواجد المهنيون والحرفيون والمزارعون والفنيون المستقلون من أصحاب المشاريع والاستثمارات الصغيرة، والذين لا يستخدمون فى نفس الوقت العمل المأجور، أى جماهير البرجوازية الصغيرة، وهناك العمال الذين يعملون بأجر لدى الرأسماليين، على نحو دائم ومستقر أى غير المهمشين منهم ، وعلى نحو مؤقت غير مستقر أى المهمشين منهم، و بصرف النظر عن مستوى معيشتهم وتعليمهم، هذا المعسكر من مصالحة المؤكدة التحرر من عبودية العمل المأجور، ومن فساد البيروقراطية وتحكمها وبلطجتها ونفوذها، ومن سيطرة الرأسماليين على السوق، وهذا لا يمكن تحققه إلا بنظام تعاونى لا يمكن أن يتعايش أو يزدهر فى ظل الدولة القمعية المركزية التدخلية، ولا فى ظل السيطرة الرأسمالية.

مازال معسكر الثورة المضادة يملك ويسيطر على الثروة ويحتكر دون غيره العنف المسلح وغير المسلح ويسيطر ويملك كافة وسائل الإعلام ومؤسسات تشكيل الوعى، تاركا الأنترنت ساحة حرة للجميع، و لا يملك معسكر الثورة أى وسائل مادية فى يده لتحقيق أهدافه، فكيف يمكنه تحقيقها، هذا هو السؤال الذى يجب أن نركز فى الإجابه عليه الآن .

بداية أن مصدر قوة البروليتاريا المادية يكمن فى انها خالقة الثروة التى يتم سلبها منها طالما كانت مفتتة، ومتكيفة مع استعبادها، ومستسلمة لقهرها واستغلالها، لكن وحدتها التنظيمية، وكفها عن قبول وضع الخضوع، ورفضها للعبودية والاستغلال، يمكنها من الدفاع عن مصالحها وتهديد النظام القائم، ما تحتاجه البروليتاريا هو الاتحاد الثورى الذى ينظم كفاحها المشترك، اتحاد لايقتصر على الدفاع عن الحقوق والحريات السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفى هذا يختلف عن أى نقابة إصلاحية، بل اتحاد يضع على قمة جدول أعماله التحرر من عبودية العمل المأجور، وتصفية كل من الرأسمالية والبيروقراطية، وفى هذا الصدد يمكن الإطلاه على المقال المترجم النقابية الثورية، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=259288.

كانت الانتفاضات الثورية التى اجتاحت العالم العربى فيما سمى بربيعه، نتيجة تحريض واسع النطاق ضد الاستبداد وتوريث الحكم وفساده وقهره، وتبشير طويل الأمد قامت به النخبة، بالنموذج الديمقراطى كما تجسد فى الدول الرأسمالية المتقدمة، وهو ما وضع سقفا للطموح الشعبى، ولمطالب الانتفاضات، ولا شك أن تحريضا آخر ضد الرأسمالية والبيروقراطية، وتبشير ببديل آخر يتجاوز الرأسمالية ودولتها الديمقراطية البرلمانية،سوف يؤدى فى النهاية لانتفاضات من نوع مختلف تتطور بسهولة لثورة اجتماعية، فهل يمكن أن نبدأ.

هل قامت الأديان بمساهمات مفيدة للحضارة ؟

برتراند راسل *
ترجمة مازن كم الماز

وجهة نظري في الدين هي ذاتها وجهة نظر لوكريتوس ( فيلسوف و شاعر روماني 99 – 55 قبل الميلاد , قيل أنه أصيب بالجنون إثر قصة حب و كتب أشعاره بين نوب جنونه , مات منتحرا , شرح في أشعاره مبادئ الإبيقورية , و أثر في مفكري عصر النهضة خاصة الإنسانيين منهم – المترجم ) . إنني أعتبره مرضا ولد من الخوف و مصدرا لبؤس هائل للجنس البشري . لكن لا يمكني إنكار أنه قد قدم بعض المساهمات للحضارة . لقد ساعد في الأيام الأولى للبشرية على وضع التقويم , و دفع الكهنة المصريين لتسجيل الكسوف بدقة بحيث أنهم أصبحوا في وقت ما قادرين على التنبؤ به . هاتين الخدمتين أنا مستعد للاعتراف بهما , لكني لا أعرف عن أي خدمات أخرى للدين تجاه الحضارة .
تستخدم لفظة الدين اليوم بمعنى فضفاض جدا . البعض , تحت تأثير بروتستانتية متطرفة يستعمل الكلمة ليدل على أية قناعات شخصية مهمة كالأخلاق مثلا أو طبيعة الكون . هذا الاستخدام للكلمة هو غير تاريخي تماما . الدين ظاهرة اجتماعية أساسا . قد تدين الكنائس بأصولها إلى المعلمين ذوي القناعات الفردية القوية , لكن نادرا ما كان لهؤلاء المعلمين تأثيرا كبيرا على الكنائس التي أسسوها , بينما كان لتلك الكنائس تأثيرا هائلا على المجتمعات التي ازدهرت فيها . لنأخذ الحالة الأكثر أهمية لأفراد الحضارة الغربية : تعاليم المسيح , فقد كان لتعاليم المسيح هذه , كما ظهرت في الأناجيل , كان لها تأثيرا محدودا جدا على الأخلاق المسيحية . الشيء الأكثر أهمية في المسيحية من وجهة النظر الاجتماعية و التاريخية ليس المسيح بل الكنيسة , و إذا أردنا أن نحكم على المسيحية كقوة اجتماعية علينا ألا نذهب إلى الأناجيل بحثا عن مادتنا . لقد علم المسيح أنه يجب أن تقدم أشياءك للفقراء , و أن عليك ألا تقاتل , ألا تذهب إلى الكنيسة , و ألا تعاقب على ممارسة الزنا . لا الكاثوليكيين و لا البروتستانت أبدوا أي رغبة قوية للالتزام بتعاليمه في أي من هذه الأمور . صحيح أن بعض الآباء الفرانسيسكان حاولوا أن يعلموا عقيدة الفقر الرسولي , لكن البابا أدانهم , و أعلنت عقيدتهم على أنها هرطقة . مرة أخرى , انظر في قوله “لا تحكم على أحد , لكيلا يحكم عليك الآخرون” , و اسأل نفسك أي تأثير كان لمثل هذا القول على محاكم التفتيش و جماعة الكو كلوس كلان ( جماعة عنصرية من البيض الأمريكيين معادية للزنوج , استخدمت العنف ضد الزنوج و قاومت حركاتهم للحصول على حقوق متساوية مع البيض – المترجم ) .

ما هو صحيح عن المسيحية صحيح أيضا بنفس الدرجة عن البوذية . كان بوذا متواضعا و متنورا , لقد ضحك و هو على فراش موته من أتباعه لأنهم اعتقدوا أنه أبدي ( لا يموت ) . لكن الكهان البوذيين – كما وجدوا مثلا في التيبت – كانوا رجعيين , طغاة و متوحشين على أعلى مستوى .
لا توجد أية صدفة في هذا الاختلاف بين الكنيسة و مؤسسها . ما أن يفترض أن الحقيقة المطلقة قد أصبحت متضمنة في أقوال إنسان ما , حتى يظهر جهاز من الخبراء لتفسير أقواله تلك , و يستحوذ هؤلاء الخبراء على السلطة مدعين العصمة , بما أنهم يحملون المفتاح إلى الحقيقة . و مثل أية فئة صاحبة امتيازات , فإنهم يستخدمون هذه السلطة لمصلحتهم الخاصة . لكنهم في جانب واحد أكثر سوءا من أية فئة أخرى صاحبة امتيازات , بما أن عملهم هو شرح حقيقة لا تتغير , يفصح عنها مرة واحدة إلى الأبد في كمال نهائي , لذلك يصبحون بسهولة خصوما ضروريين لكل تقدم فكري و أخلاقي . لقد عارضت الكنيسة غاليلو و داروين , و هي تعارض فرويد في أيامنا هذه . في أيام سلطتها الكبرى ذهبت أبعد في معارضتها للحياة الفكرية . كتب البابا غريغوري العظيم إلى أسقف ما رسالة تبدأ ب : “وصلنا تقرير لا يمكننا أن نذكره دون أن نشعر بالخجل , أنك كنت تشرح القواعد اللغوية لبعض الأصدقاء” . كان الأسقف مضطرا بفعل سلطة ملابس الأسقف ليتوقف عن هذا العمل الشرير , و لم تتعاف ( تشفى ) اللغة اللاتينية حتى عصر النهضة . ليس الدين خبيث فقط فكريا بل أيضا أخلاقيا . أعني بهذا أنه يعلم وصفات أخلاقية لا تمت بصلة للسعادة الإنسانية . عندما جرى استفتاء عام قبل عدة سنوات في ألمانيا فيم إذا كان يجب السماح للأسر الملكية المخلوعة بالاستمتاع بملكيتها الخاصة , صرحت يومها الكنائس في ألمانيا رسميا أن حرمانهم منها يعارض تعاليم المسيحية . عارضت الكنائس كما يعرف الجميع إلغاء العبودية طويلا طالما امتلكت الجرأة على فعل ذلك و هي اليوم مع استثناءات قليلة تسلط عليها دعاية كبيرة تعارض كل حركة نحو العدالة الاقتصادية . لقد أدان البابا الاشتراكية رسميا .

المسيحية و الجنس

لكن أسوأ خاصية للدين المسيحي هو موقفه من الجنس – و هو موقف مرضي و غير طبيعي لدرجة أنه يمكن فهمه فقط إذا أخذناه في إطار العلاقة بمرض العالم المتحضر وقتها في فترة انحطاط الإمبراطورية الرومانية . نسمع أحيانا كلاما عن أن المسيحية حسنت وضعية النساء . هذه واحدة من أكبر الأكاذيب في التاريخ التي يمكن الزعم بها . لا يمكن للنساء أن يحظين ( يتمتعن ) بوضعية مقبولة في مجتمع يعتبر أن الأعظم أهمية له هو ألا يخالفن وصفة أخلاقية شديدة الصرامة . اعتبر الرهبان النساء دائما فتنة ( غواية ) , لقد رؤوا فيهن فقط مصدرا للشهوات الملوثة . لقد كانت تعاليم الكنيسة و ما تزال أن العذرية هي الأفضل و لكن لمن يجد هذا مستحيلا يمكنهم الزواج . “الأفضل أن تتزوج من أن تحترق” كما عبر القديس بول عن المسألة . بجعل الزواج غير قابل للفسخ و بختم ( منع ) كل معرفة بفن ممارسة الحب , فعلت الكنيسة كل ما بوسعها لتضمن أن الشكل الوحيد من الجنس الذي سمحت به يجب أن يتضمن القليل جدا فقط من المتعة و الكثير جدا من الألم . لمعارضتها تنظيم الحمل في الواقع نفس الحافز : إذا أنجبت المرأة طفلا كل سنة حتى تموت فلا يفترض بها في هذه الحالة أن تحصل على الكثير من المتعة من حياتها الزوجية , لذلك يجب عدم تشجيع تنظيم الحمل .
فكرة الخطيئة التي تربط الأخلاق المسيحية معا هي فكرة تسببت بقدر استثنائي من الأذى , منذ أن وفرت للناس مخرجا لساديتهم التي يعتقدون أنها شرعية , و حتى نبيلة . خذ مثلا مسألة الوقاية من مرض الزهري ( السفلس ) . من المعروف أنه من خلال الإجراءات الوقائية المسبقة فإن خطر انتقال هذا المرض يمكن أن يصبح معدوما . لكن المسيحي يعترض على نشر المعرفة بهذه الحقيقة , بما أنه يعتبر أنه من الجيد معاقبة المخطئين . إنهم يتمسكون بأن هذا جيد لدرجة أنهم يريدون حتى أن يوسعوا ذلك العقاب ليصيب زوجات و أطفال المخطئين . هناك في العالم في هذه اللحظة آلاف عديدة من الأطفال يعانون من زهري ولادي لم يكونوا ليولدوا كذلك لولا رغبة المسيحيين برؤية الخطائين ( المخطئين ) و هم يعاقبون . لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن لعقائد تقودنا إلى هذه الوحشية الشريرة أن تعتبر أنها تحمل أي تأثير جيد على الأخلاق .
ليس فقط فيما يتعلق بالسلوك الجنسي بل أيضا فيما يتعلق بالمعرفة في أمور الجنس يكون موقف المسيحيين خطيرا على سعادة البشر . كل شخص تكلف عناء دراسة المسألة بروح غير متحيزة يعرف أن الجهل المصطنع في مسائل الجنس الذي يحاول المسيحيون المتعصبون فرضه على الشباب هو خطير بشكل متطرف على الصحة العقلية و الجسدية , و أنه يخلق في أولئك الذين يحصلون على معرفتهم هذه عن الجنس من خلال الكلام “غير اللائق” ( في الشارع ) كما يفعل معظم الأطفال اليوم , موقفا من الجنس على أنه مخل بالآداب و سخيف . لا أعتقد بوجود أي دفاع عن وجهة النظر التي تقول أن المعرفة غير مرغوبة أو غير مطلوبة في ذاتها . أنا لم أكن لأضع أية حواجز في طريق الحصول على المعرفة من أي شخص في أي عمر . لكن في حالة المعرفة الجنسية خاصة فإن هناك حججا أقوى لصالحها أكثر من أي معرفة أخرى . من غير المحتمل أن يتصرف أي شخص بشكل حكيم عندما يكون جاهلا مما لو كان عالما , و من السخف جعل الشباب يشعرون بالخطيئة لأن لديهم فضول طبيعي عن شيء ما هام .
كل فتى يهتم بالقطارات . افترض أننا أخبرناه أن اهتمامه بالقطارات شرير , افترض أننا أبقينا عينيه معصوبتين كلما كان على متن قطار أو في محطة القطارات , افترض أننا لم نسمح أبدا بالتلفظ بكلمة “قطار” في وجوده و حافظنا على وسيلة انتقاله من مكان لآخر كلغز لا يمكن اختراقه ( سبر أغواره ) . ستكون النتيجة أن اهتمامه بالقطارات لن يتوقف , على العكس , سيصبح أكثر اهتماما من قبل لكن سيتشكل عنده إحساس مرضي بالخطيئة , لأن اهتمامه هذا قد قدم إليه على أنه غير لائق . كل طفل ذا ذكاء حقيقي يمكن بهذه الطريقة أن يصبح معتل ( ضعيف ) الأعصاب . هذا هو بالضبط ما يحدث في قضية الجنس , لكن لأن الجنس أكثر إثارة للاهتمام من القطارات , فإن النتائج أسوأ . كل بالغ تقريبا في مجتمع مسيحي ( مجموعة مسيحية ) هو مريض عصبيا بسبب تابو ( تحريم ) المعرفة الجنسية عندما يكون شابا أو شابة . و هذا الإحساس بالخطيئة الذي يزرع بشكل مصطنع هو أحد أسباب الوحشية , الخجل و الغباء في حياته اللاحقة . لا يوجد سبب عقلاني من أي نوع لإبقاء الأطفال جاهلين بأي شيء قد يرغبون بمعرفته , سواء عن الجنس أو عن أية مسألة أخرى . و لن يكون عندنا شعب عاقل حتى يتم إدراك هذا التأثير في التعليم المبكر , هذا الأمر المستحيل طالما كانت الكنائس قادرة على التحكم بسياسات التعليم .
إذا تركنا جانبا هذه الاعتراضات التفصيلية بعض الشيء , سيكون من الواضح أن العقائد الأساسية للمسيحية تتطلب قدرا هائلا من الفساد الأخلاقي قبل أن تقبل . يقال لنا أن العالم قد خلقه إله ما هو في نفس الوقت طيب و قادر . قبل أن يخلق العالم تنبأ بكل الآلام و البؤس الذي سيوجد في هذا العالم , إنه بالتالي مسؤول عن هذا كله . من غير المجدي مناقشة فيم إذا كان الألم في هذا العالم هو بسبب الخطيئة . في المقام الأول هذا غير صحيح , إنها ليست الخطيئة هي التي دفعت الأنهار لتغرق ما حولها أو البراكين لتنفجر . لكن حتى لو كان هذا صحيحا , لا يوجد عندها أي فرق . إذا كنت سأنجب طفلا أعرف أنه سيصبح قاتلا معتوها , فأنا المسؤول عن كل جرائمه . إذا كان الرب قد عرف مسبقا بالخطيئة التي سيرتكبها الإنسان , فإنه بكل وضوح مسؤول عن كل نتائج تلك الخطيئة عندما قرر أن يخلقه . الدفاع المسيحي المعتاد هو أن المعاناة في هذا العالم هي تنقية للخطيئة و بالتالي أنها شيء جيد . هذه الحجة بالطبع هي فقط شرعنة ( عقلنة ) للسادية , و هي في كل الأحوال حجة ضعيفة جدا . سأدعو أي مسيحي ليرافقني إلى جناح الأطفال في أي مستشفى , ليشاهد المعاناة التي عليهم أن يتحملوها , و ليستمر بعدها بالتأكيد على أن هؤلاء الأطفال قد جرى التخلي عنهم أخلاقيا لأنهم يستحقون ما الذي يعانونه . لكي يتمكن من قول هذا يجب على أي إنسان أن يدمر داخله كل شعور بالرحمة و التعاطف . يجب عليه باختصار أن يجعل نفسه متوحشا مثل الرب الذي يؤمن به . لا يوجد إنسان يعتقد بأن كل هذه المعاناة هي خير يمكن أن يبقي قيمه الأخلاقية سليمة , بما أنه عليه دائما أن يجد مبررات للألم و البؤس .

نقلا عن http://www.positiveatheism.org/hist/russell2.htm

برتراند راسل ( 1872 – 1970 ) فيلسوف و عالم رياضيات بريطاني , أحد ابرز المنشقين البريطانيين في القرن العشرين , سليل عائلة أرستقراطية انكليزية , كان من المفكرين البريطانيين القلائل ( جدا ) الذين وقفوا ضد الحرب العالمية الأولى , و طرد بسبب موقفه هذا من الجامعة البريطانية و حكم عليه بغرامة رفض دفعها و سجن بسبب ذلك , فصل من جامعة نيويورك عام 1940 بحكم قضائي بسبب أفكاره عن الجنس و الزواج , عارض راسل التسلح النووي و وقع مع عشرة علماء و مفكرين آخرين في 1955 ما أصبح يعرف ببيان راسل – آينشتاين المعارض للتسلح النووي , كان من أبرز منتقدي حرب فيتنام و مزق في عام 1965 بطاقة عضويته في حزب العمال البريطاني بسبب رغبة الحزب يومها بإرسال جنود بريطانيين إلى فيتنام , و حذر في 1969 من محاكمات شكلية لمنتفضي براغ 1968 و طلب في نفس الوقت من أمين عام الأمم المتحدة الموافقة على تشكيل هيئة عالمية للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام و قدم احتجاجا لألكسي كوسيغين بسبب طرد الكسندر سولجينتسن من اتحاد الكتاب السوفييت . آخر بيان سياسي له كان في 31 يناير كانون الثاني 1970 ضد العدوان الإسرائيلي على البلدان العربية مطالبا بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة عام 1967 . توفي في 2 فبراير شباط 1970 في منزله بالأنفلونزا . برتراند راسل الذي ولد في 18 مايو أيار 1972 في ويلز كان أحد أجمل المنشقين و المتمردين في القرن العشرين و أكثرهم جرأة و اتساقا حتى النهاية , عند موته لم تجر له أية مراسم دينية حسب طلبه الشخصي …..

التدخل الخارجي , و مخاطر انزلاق الثورة السورية

مازن كم الماز

الحقيقة أن هناك بعض الحقائق البديهية التي يفترض أن تحكم سلوكنا و تصرفاتنا كبشر , منها في حالة ثورة الجماهير السورية أن النظام السوري نظام ديكتاتوري يقمع و يضطهد و ينهب شعبه و أنه لا يفترض بالسوريين العاديين أن يكونوا صورة عنا و أن يتصرفوا تماما بالطريقة التي نريدهم ان يفعلوا , إن أي تحرري لا يمكن أن يكون صادقا مع نفسه و يعتقد بمثل هذا الهراء , و حقيقة أن السوريين العاديين إنما خرجوا اليوم يواجهون رصاص و قذائف شبيحة و مرتزقة النظام السوري بصدورهم لسبب وحيد هو أنهم يريدون حريتهم , هذا لا يترك المجال لأي إنسان يزعم أنه يساري أو تحرري ليقف متفرجا على هذه الانتفاضة , كما يفعل “اليساريون” السلطويون الذين يكتفون بالتفرج بينما يكدسون لتبرير موقفهم ( الذي يناصر النظام و قمعه في الواقع علنا أو ضمنا ) أعذارا و مبررات تتعلق بدرجة وعي السوريين العاديين و تطور المجتمع , الخ , أي أنهم يستخدمون الدوغما الماركسية ضد الناس العاديين و حريتهم , لكن هناك وجه آخر لما يجري , فالبنية الهشة لوعي قسم كبير من المثقفين و اليساريين السوريين انكشفت تماما تحت ضربات الانتفاضة , لقد سقط القناع “العلماني” و “التقدمي” لتظهر أولوية الانتماء الطائفي , من يتحدث اليوم عن العلمانية أكثر من الجميع هو في الواقع الأكثر طائفية , طبعا يجب أن نميز هنا بين الانتماء الطائفي كنتيجة لواقع مفروض و التعامل معه على هذا الأساس أي مثلا الخوف و الحذر من الآخر الطائفي خاصة في مناطق التوتر الأعلى الذي يمكن اعتباره سلوكا إنسانيا طبيعيا و بين الموقف الواعي الذاتي الذي يحول الانتماء الطائفي إلى “إيمان” فعلي بأن النظام يمثل نظام الطائفة و تفضيله لهذا السبب على حرية السوريين خاصة من الطائفة الأخرى التي يجري تشويهها عمدا و اختزالها في ظواهر كالعرعور و غيره , لقد عمل هؤلاء جاهدين على عرعرة الثورة السورية و قد كانوا جزئيا مسؤولين عن قبول الشارع الثائر بحقيقة أن العرعور يشكل خصما حقيقيا للنظام يثير حنقه , هذا كان بالتحديد هو ما جعل نكتة العرعور حقيقة مع الوقت , يجب أن نعترف أننا نحن , يساريو الطائفة الأكبر و الطائفة التي تصنع الثورة في وضع أسهل يسمح لنا “بانتقاد” الآخرين بكثير من “الثقة” و يسمح لنا بالدفاع عن الثورة بكثير من الراحة أيضا , لكن هذا وضعنا أيضا أمام تحدي انتقاد تلك الظواهر السلبية أو التي يمكن اختصارها بالعرعورية في الانتفاضة , فما دامت الجماهير على حق و هي تصنع المعجزة الحقيقية في تحديها للنظام و تنتزع حريتها ( ما فعله السوريون يشبه تماما انتفاضات معسكرات العمل العبودي الغولاغ في سيبيريا بعد موت ستالين في عام 1953 , شيء ما أشبه بفعل انتحاري جماعي يعبر عن يأس بقدر ما يعبر عن بطولة حقيقية ) و ما دام أي موقف انتقادي من الجماهير يحمل صفة نخبوية بالضرورة , صفة من يعتقد أنه في موقف معلم و موجه للجماهير .. الحقيقة أن الإسلاميين يمارسون هذا التوجيه و الإرشاد بشكل افضل بكثير منا نحن اليساريون التحرريون , بالنسبة لهم ليس السوريون العاديون هم من يقاوم و من يتصدى للشبيحة و مرتزقة النظام , ليسوا هم من يغيرون حياتهم ينتزعون حريتهم و ليسوا هم أبطال الثورة الحقيقيون , الثورة ليست ثورتهم و باختصار شديد الحرية القادمة أيضا ليست حريتهم , إن الله عندهم هو من سينصر هؤلاء المنتفضين البواسل , لكن حسب سنن السماء فكل ما على السوريين أن يفعلوه هو أن يموتوا و يموتوا بشرط أن يكون ذلك خالصا للسماء دون أن تداخله أي شبهة من حرية دنيوية أو أرضية او حتى حرية قد تتجاسر على مقدس السماء حتى ترضى السماء بأن تنصرهم و ليست دماؤهم هنا إلا ثمنا يجب دفعه سلفا لكن ليس في مقابل حريتهم فعندما تنصرهم السماء لن يبقى أمامهم إلا أن يلتزموا بشرعها و أوامرها و نواهيها , لا توجد الحرية بالنسبة لهذا المنظور إلا بالحد الذي تفرضه دماء السوريين و هتافهم المدوي في سبيلها , يجب هنا أيضا الا نقع في التعميم و التبسيط , الإسلاميون هنا ليسوا حالة واحدة , من استمع مثلا لخطبة العيد الأخيرة لعصام العطار , و حتى لبعض كلام العرعور نفسه , سيجد كلمة الحرية تتواتر أكثر بكثير من الحديث عن المقدس نفسه بل إن بعضهم يتحدث عنها بتقديس يقارب تقديسهم لشرع السماء التي يفترض أنها تراقب الثوار و ستنصرهم عندما تكتفي من دمائهم , البعض استخدم عددا ليس بالقليل من الحوادث في عدة أماكن ليس آخرها قيام المتظاهرين في القامشلي بإسقاط راية سوريا العلمانية ليخلق شعورا يجير لحساب النظام بان الثورة ستنزلق عاجلا او آجلا نحو ديكتاتورية دينية أو نحو حرب أهلية لا يمكن منعهما إلا عبر قتلة النظام , هؤلاء يعتبرون أنفسهم اذكياء باستخدامهم لمثل هذه الحجج لتبرير قمع نظام همجي كنظام الأسد , الحقيقة أن اليسار التحرري خاصة كان يعول على بعض هؤلاء , ما كتبوه و قالوه قبل 18 آذار الماضي كان يبرر جزئيا هذا الأمل , لكن الحقيقة أن الثورة السورية كشفت مرة جديدة عن نواقص و تشويهات الدوغما السلطوية و خاصة الستالينية بين اليساريين , شيوعيو السقيلبية مثلا الذين كان بكداش الأب و الابن قد نجحوا في سلتنتهم عبر سنوات من ضم هذا أو ذاك للجانهم المركزية و مكاتبهم المختلفة كشفوا عموما عن أن الستالينيين لا شفاء لهم و لا أمل يرجى منهم , الشيء الوحيد الذي كنا نرجوهم أن يفعلوه ان يتوقفوا عن استخدام كلمة و تعبير العلمانية لوصف مواقفهم المؤيدة لقتلة الشعب السوري و ناهبي قوته , أنا أيضا ضد علمانية هؤلاء و اعتقد أن هذا موقف أي يساري تحرري , نحن نعرف كل شيء عن جماهيرنا و لا نعتقد أنه حتى لو كان هذا بمقدورنا أننا يجب أن نقودهم أو نوجههم أو نملي عليهم الصح و الخطأ , إننا لا نريد أن نفرض عليهم “علمانيتنا” الثورية , لا مشكلة لنا مع تمزيق راية أو حتى مع هتاف , نحن لا نريد فرض مملكة صمت جديدة باسم أي عقيدة على الناس و لا نقبل بذلك لا من علمانيين و لا من إسلاميين و لا من غيرهم , أكثر من ذلك , فنحن عندما قبلنا أن نعتمد اساسا على عقولنا , و بإصرار شديد لا يقبل أية مساومة , في تفسير واقعنا و وضع الحلول لمشاكلنا , لم نزعم ابدا أننا نملك الحقيقة المطلقة , العقل الإنساني لا ينتج حقيقة مطلقة أبدا , العقل الإنساني الفردي و الجمعي ينتج حقيقة نسبية بالضرورة , لأنه صورة لعالم يتغير و لأنه هو نفسه في حالة تغير دائم , خلافا للدوغما من كل الأنواع , فإننا نؤمن بالواقع , بالعالم الفعلي , بالسوريين العاديين , بهم و بأنفسنا , نحن لا نريد منهم أن يتوقفوا عن الإيمان بالسماء أو بأي عقيدة , نريدهم أن يؤمنوا بأنفسهم , و بحريتهم , نحن لا نستخدم العلمانية لصالح أية سلطة بل نراها ضرورية لحرية الناس العاديين أنفسهم من أية سلطة تفرض عليهم , يجب أن نعترف أن هناك دلائل على أن هذا كأي شيء , يجب انتزاعه أيضا , و ليس ربما من دون تضحيات , لكننا في دفاعنا عن حقنا في قول رأينا و الدفاع عنه نفعل كما يفعل السوريون العاديون اليوم , لماذا يجب على حريتنا الصغيرة هذه أن تكون أبخس ثمنا من ثمن حرية كل السوريين ؟ أزعم أننا مستعدون لدفع ثمن هذه الحرية الصغيرة , التي بالمناسبة لن تكون خاصة بنا أبدا بل ستكون جزءا أساسيا من حرية كل السوريين … يكثر الحديث اليوم عن تسليح الانتفاضة , و عن الانشقاقات , و حتى عن التدخل الخارجي , إن الأكيد و الثابت حتى اليوم أن النظام السوري قد مارس همجية استثنائية في وحشيتها و استهتارها بالسوريين العاديين , يشمل هذا أيضا أعضاء أجهزة الأمن أنفسهم الذين يضحي بهم النظام فقط لفرض نفسه على السوريين , إن الدفاع عن النفس حق طبيعي لا يحتاج إلى نقاش , لكن هذا يختلف قطعا عن مهاجمة قوات النظام بالسلاح , يجب أن نتوقف هنا عند تكرار نظاهر الانشقاق , النظام يدرك خطرها الكبير عليه و هو لذلك لا يتهاون أبدا معها و يقمعها بكل وحشية , إن لم يكن يستأصلها استئصالا , القضية هنا أننا وسط ثورة و هذا بالضبط ما كنا ندعو إليه الجنود المنحدرين من الطبقات الشعبية , أن يتمردوا على قادتهم , لكن السؤال المهم الآن هو كيف يجب على هؤلاء الجنود أن يتصرفوا , من اصعب الأمور هنا الاتصال بالقوات حتى بالجنود المنشقين , الحقيقة أنه يجب و يمكن تحويل الانشقاقات الصغيرة إلى قوة تضاف للثورة و المشكلة أن الجنود المنشقين ما زالوا يتصرفون بتردد و بالتالي يمنحون قوى النظام الفرصة للقضاء عليهم , و أنهم لا يبذلون الجهد الكافي لضم جنود آخرين أو للتخلص من قياداتهم الميدانية او لتنظيم تحركات ضد مؤسسات النظام الأقوى أو لتحرير قطاعات من المدن و القرى , هذا لا يعني الدعوة لتسليح الانتفاضة و لا لتحويلها إلى معركة بالبنادق سينتصر فيها النظام دون شك باستخدامه دباباته و طائراته و زوارقه الحربية و التي يصلي بشار الأسد و ماهر و رامي و حافظ مخلوف و بقية قادة القتلة ليقع فعلا تمهيدا للمجزرة الأخيرة النهائية كما يتوهمون , لكننا أمام واقع محدد , جنود يرفضون إطلاق النار على المتظاهرين , رد فعل أمن النظام التخلص منهم فورا , سيضطر هؤلاء للدفاع عن أنفسهم , و ستتطور المواجهة , و هي تتطور حتى اليوم للأسف باتجاه إعدام هؤلاء الجنود فورا و غالبا بطريقة يقصد منها تخويف الآخرين , يجب القضاء على الخوف , يجب إسقاط النظام في قلوبنا و إسقاط الخوف و الرهبة منه قبل إسقاطه بالفعل , لكن حتى إذا وصلت هذه الانشقاقات , و هذا مستبعد , لدرجة تصادم قوى عسكرية مع بعضها فمسؤولية ذلك تقع بالكامل على النظام , إن هذه نتائج ضرورية لا حل لها لقمع النظام و من السخيف تماما الطلب للجنود السوريين المنتمين للطبقات الفقيرة بأن يقتلوا أهلهم كيلا تتطور الأمور بهذا الاتجاه , حتى مثل هذا التطور البعيد و الضعيف جدا يجب ألا يعني تسليح الانتفاضة , من يدعو لهذا فإنه ببساطة يسهل على النظام القيام بمجزرته الأخيرة التي ستكون فقط , على الأغلب بداية المجزرة الأكبر , هذا شيء غير إنساني و لا يقل استهتارا بالسوريين العاديين من درجة استهتار النظام نفسه.