الثورة المجهولة 1917 – 1921
فولين
الكتاب الأول
الثورة
الميلاد . . النمو . . النصر



مذبحة الأكراد في (سيرناك) : عندما يعمل إرهاب الدولة التركية
http://anarchist-document.blogspot.com/2012/01/blog-post_06.html
المصدر :
مازن كم الماز
طوال الشهور الثمانية من عمر الثورة السورية أفرغ النظام كل ما بجعبته من قمع و إرهاب و تنكيل و تجويع ضد جماهيرنا , مثبتا يوما بعد يوم أنه لا يملك في وجه رغبة شعبنا بالحرية و العيش الكريم إلا آلة القتل و الموت و الكذب فقط , منذ بداية الثورة و خاصة في الأيام الأخيرة يحاول النظام تأجيج العنف الطائفي كمحاولة أخيرة لكي ينجو من غضب جماهيرنا و إصرارها على انتزاع حريتها , لقد أثبت النظام بالدماء التي أراقها و بالموت و الخوف و الزيف الذي نشره في كل مكان أن كل وعود “الإصلاح” و “التغيير” من داخل النظام و “الحوار” مع الشعب ليست إلا أوهاما لا حقيقة لها , و أثبت أن شيئا لن يتغير اليوم أو في الغد إلا بنضال الجماهير , ليس هناك في سوريا اليوم إلا طريقين فقط لا ثالث لهما , إما طريق الخنوع للديكتاتورية الذي جربه السوريون طوال عقود فلم ينتج إلا إفقارا و نهبا و ظلما و قهرا و قمعا لصوتهم و تخويفا و إرهابا لأي فعل أو حراك مستقل قد يمارسونه , الديكتاتورية التي تعني الفقر , الصمت , الخوف , و الحياة تحت سوط الشبيحة و أجهزة المخابرات المتعددة , التي تعني الحرب الأهلية و تخويف السوريين الفقراء و المضطهدين من بعضهم البعض و ضرب بعضهم ببعض , أو طريق الحرية التي لا يمكن انتزاعها إلا بالثورة على الديكتاتورية و إسقاطها , طريق الحرية الذي يعني أن نخلق بأيدينا حاضرنا و مستقبل أطفالنا , الذي يعني أيضا توتر الخلق الجديد و الانعتاق و بناء الحياة الجديدة , يمكن لنا جميعا , نحن ضحايا هذه الديكتاتورية أن ننتزع حياتنا أخيرا من أيدي الشبيحة و أجهزة المخابرات و القمع و الإرهاب , تشكل الدعوة لإضراب 11 كانون الأول و الدعوة لعصيان مدني نقطة هامة في نضالنا ضد الديكتاتورية , يمكن لمشاركتنا جميعا أن تقرب يوم تحررنا من الديكتاتورية و أن تقربنا من حريتنا , ليس لدينا ما نخسره سوى قيودنا , و أمامنا عالم بأكمله سيصبح ملكنا , وطن نعيش فيه بحرية و كرامة , دون خوف أو سجون أو فقر , فلنحطم قيودنا و لنسحق الديكتاتورية بنضالنا المشترك تحت رايات الحرية
كريس داى
ترجمة سامح سعيد عبود
هذه ورقة لتحديد موقف أكثر منها ورقة للتوجيه والإرشاد كتبها كريس داى عام 1996 كمساهمة فى الصراع الأخير في منظمة “الحب والغضب” حيث شدد فيها على ما يراه أوجه ضعف منهجى فى الحركة الأناركية، داعيا فيها للنظر إلى أبعد من ذلك للحصول على إجابات.
في عدد ربيع 1996 لمجلة التضامن العمالى التى تصدرها (حركة تضامن العمال بإيرلندا) كان هناك تحقيق كتبه ماكلوكلين كونور عن فيلم كين لوتش الممتاز عن الثورة الاسبانية ، “الأرض والحرية”. وانتهى التقرير لما يلى :
يمكن أن نأخذ العوامل المشتركة فى هزيمة الثورة كمادة لتفسيرها فى حد ذاتها، بدءا من القوة العسكرية للفاشيين (ومساعداتهم من الخارج) إلى خيانات الشيوعيين والديمقراطيين الاجتماعيين، ولكن هذا ليس هدفي هنا ، المهم هو أن الثورة الاجتماعية لم تنهار بسبب أي مشاكل داخلية أو عيوب في الطبيعة البشرية. بل انها هزمت بدونها. الأناركية لم تفشل، فقد أثبت الأناركيون أن الأفكار التي تبدو جيدة في صفحات الكتب النظرية تبدو أفضل منها فى نسيج الحياة.
هذا اقتباس يلخص بدقة الدروس التى تبدوا مستخلصة لدى معظم الأناركيين والمستمدة من تاريخ الحركة الأناركية. أيضا يلخص بدقة ما هو الخطأ فى الحركة الأناركية. انه لا يهون من التخلى الكامل عن واحدة من المسؤوليات الأساسية للثوريين : مسؤولية عرض هزائم واخفاقات الحركة الحرجة و المستمرة فى الغالب للتمحيص النقدى. بدلا من ذلك فإنه يأخذ فى الاعتبار التجربة التاريخية التي انتهت بهزيمة ساحقة ، و يلتمس الأعذار لهذه الهزيمة ، ويقدم الاطمئنان المبتذل التافة بأن جميع الأدلة على العكس من ذلك ، بررت بالخبرة المسار الوحيد الحقيقي للأناركية.
بينما أصطدم الأناركيون بهذا الأسلوب في الأيديولوجيات الأخرى إلى حد ما لكنهم فشلوا فى تمزيقها الى اشلاء. ألا تتحمل الشيوعية المسؤولية عن أكوام الجثث المكدسة التي أنتجتها الأنظمة الشيوعية؟ هل يمكن توجيه اللوم إلى المسيحية عن الحروب الصليبية ، ومحاكم التفتيش ومطاردة الساحرات؟ بالطبع يجب أن نحاكم الأيديولوجيات بناء على نتائجها العملية في حياة الناس و ليس بوعودها بكعكة فى السماء. وقد أثارت الاناركية في اسبانيا آمال الملايين بإمكانية التوصل إلى مجتمع لا طبقي بلا دولة هنا والآن ، وقادتهم الى المتاريس لجعلها حقيقة ، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا.
وقد عانى الشعب الإسباني أربعين عاما من الحكم الفاشي بسبب هذا الفشل. فالحركة الأناركية في نصف القرن الماضي وحتى الآن أنتجت دراسات واسعة النطاق تمجد النجاحات اللحظية للثورة الإسبانية في إنشاء تشاركيات الفلاحين والعمال ، ولم تكن هناك أي محاولة جادة تقريبا لتحليل الكيفية التي أسهمت بها الحركة الأناركية لتلحق الهزيمة بنفسها. إلقاء اللوم على أحد الأعداء السياسيين (الفاشيين والشيوعيين أو الديمقراطيين الاجتماعيين) لسلوكه تماما كما لو كان للمرء أن يتوقع منهم أن يتصرفوا بعكسه لن يعزز إلا المزيد من خلط الأمور. الخيانة بعد كل شيء ، هى الاحتمال الوحيد من الشخص الموثوق به.
مسؤوليات الثوريين
هذه الورقة ليست في المقام الأول عن الثورة الاسبانية. بل هى محاولة لطرح بعض الأسئلة الخطيرة والصعبة التي أعتقد أن الأناركية غير قادرة على تحمل عدم مسئولية تجنبها. موجهة بالأحرى لهؤلاء المنتمين للحركة الأناركية الجادين في صنع الثورة المضادة للسلطوية. أنها ليست موجهة لأولئك الذين لا يعتقدون أن مثل هذه الثورة ممكنة. و لا هى موجهة الى اولئك الذين لا تمتد آفاقهم السياسية إلى أبعد من تأسيس الجيب البوهيمي “منطقة حكم ذاتي ” إما مؤقتة أو شبه دائمة. كما أنها غير موجهة إلى أولئك الذين يسعون من أجل وسائل ثورية أكثر تطرفا مما نعرضه. الحركة الأناركية مليئة بأفراد اقل اهتماما بالإطاحة بالنظام الاجتماعي القمعى القائم مع غسل ايديهم منه. هذا نوع من الاهتمام ضمان مرور روحهم الى السماء الأناركية و يستطيع أن يصطف مع الجهود الاستحواذية لتنقية العادات الشخصية والرفض الطائفى للانضمام إلى أي جماعة أو منظمة تظهر أي علامة على كونها نتاج لهذا المجتمع.
أعتقد أن وجود كمية هائلة من المعاناة الإنسانية نتيجة مباشرة لكون الغالبية العظمى من البشر لا تملك السيطرة على القرارات التي تؤثر على حياتهم. وأعتقد أن الناس قادرين في نهاية المطاف على ممارسة تلك السيطرة على حياتهم الخاصة. وبالتالي المشروع اللازم هو الإطاحة الثورية بالمؤسسات السلطوية والعلاقات الاجتماعية التي تقف في طريق تحقيق هذا التحكم. الثوريين يشاركون في هذا المشروع ، و أعتقد أن لدي الثوريين مسؤوليات معينة. فمن الضروري أن نتحدث عن ثلاثة من هذه المسؤوليات قبل الخوض في بعض المسائل الشائكة التى تهدف هذه الورقة إلى معالجتها.
كسب الحرية
تكمن قوة الأناركية فى اصرارها المعنوي على أسبقية حرية الإنسان على الملائمة السياسية. لكن حرية الإنسان موجودة في السياق السياسي. من ناحية ثانية، انه ليس كافيا ببساطة مجرد اتخاذ موقف أكثر مبدأية في الدفاع عن الحرية فمن الضروري الفوز فعلا بالحرية. المناهضة للرأسمالية لا تفعل ما هو جيد لضحايا الرأسمالية إن لم تدمر فعليا الرأسمالية. مكافحة الدولانية لا تفعل ما هو جيد لضحايا الدولانية إن لم تحطم الدولة. الأناركية جيدة جدا في طرح رؤى مجتمع حر وهذا من أجل ما تراه صالح للبشر. لكنها لا قيمة لها إذا لم تقم بوضع استراتيجية فعلية لتحقيق تلك الرؤى. لا يكفي أن نكون على حق ، إذ يجب علينا الفوز أيضا.
لنتعلم من الماضي
البشر يناضلون من أجل الحرية إلى الأبد. تجربة الحركة الثورية هى الأصول الوحيدة الأكثر قيمة ، لسنا أول البشر المهتمين بحل مشكلة كيفية صنع الثورة ، وخلق مجتمع حر. ولذلك فلدينا التزام بأن يخضع كل فصل في كفاحنا من أجل الحرية إلى التحليل الأكثر إيلاما، ونحن قادرين على هذا. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نأمل في تجنب تكرار أخطاء الماضي. الدراسات الأناركية في التاريخ للأسف تتكون في معظمها عبر البحث عن الدروس التي يريد الباحث ايجادها. وجهة النظر فى الثورة الإسبانية المبينة والمنتقدة أعلاه مثال نموذجي غير منحاز على ذلك. المفعمة بذلك الشعور الطيب نحو تاريخنا (أو التصور الخيالى لبعض الأناركيين و كأنهم ينتمون لعدن ما قبل التاريخ) ، مقترنا عموما بعدم الاهتمام بتاريخ الكفاح الكامل الذي لا يمكن احتوائه بشكل أنيق داخل حدودنا الإيديولوجية الخاصة بها (مهما كان الشخص الذى يمكن أن يعرفه). والنتيجة لكل هذا نوع من أدب القداسة : لسير شهداء التحررية الخالدة ليتم الاستشهاد بهم في المناقشات السياسية. كم من الفوضويين بمجرد قراءة حساب لحلقة تاريخية ما مناهضة للسلطوية فعليا يذهبون ويقرأون حسابات من وجهات نظر أخرى؟ لو كان تاريخنا قطار من النجاحات المتواصلة و لدينا هذا اليقين أنه لا يوجد شيء للتعلم من الآخرين فسوف نكون أقل تحصينا من تكرار الأخطاء.
لدينا خطة
فى آخر المطاف الثوريين يتحملون مسؤولية وجود خطة مقبولة لصنع الثورة. ومن الواضح أنه ليس هناك ثوريين بما يكفي لصنع ثورة في هذه اللحظة. لكن يمكننا عقليا توقع بأن المستقبل سيجلب انتفاضات للمعارضة الشعبية ضد النظام القائم. و فيما يتعلق بتلك الانتفاضات التى قد تحدث يبدو واضحا أنه من هذه الانتفاضات العديدة سيتم زيادة أعضاء الحركة الثورية دون أي تحديد أكثر ، مما سيؤدى في نهاية المطاف إلى وضع ثوري (والذي سيبرز من الأزمات العادية للنظام الحالي فقط بل من خلال وجود حركة ثورية مستعدة لمواصلة دفع الامور للأمام) أيضا. فالناس الذين ضاقوا ذرعا من النظام القائم والذين هم على استعداد لتكريس أنفسهم للإطاحة به سوف يتطلعون لأمثالهم الذين لديهم فكرة عما يجب القيام به.
إذا لم يكن لدينا خطة معقولة لصنع الثورة يمكن أن نتأكد من أنه سيكون هناك شخص آخر هناك سوف يفعلها. ليس هناك ما يضمن أن الأشخاص الثوريين سينتهجون السياسة المضادة للسلطوية عفويا.
لا يجب أن تكون الخطة مخططا دقيقا. و لا ينبغي أن يكون التعامل معها على أنها شيء مقدس. إذ يجب أن تكون خاضعة لمراجعة مستمرة في ضوء الخبرة والمناقشة. ولكن على أقل تقدير فأنها تحتاج إلى أن تكون قادرة على الإجابة على الأسئلة التي طرحت بصورة ملموسة في الماضي. ونحن نعلم أننا لن نواجه هذه الظروف بالضبط التى واجهتها نفس الثورات السابقة. ولكن يجب أن نعلم أيضا أن بعض هذه المشاكل ثابتة فى كل حالة، وأنه إذا كنا لا نستطيع أن نقول ما كنا نفعل في الماضي لا ينبغي لنا أن نتوقع من الناس أن تفكر كثيرا حول قدرتنا على مواجهة المستقبل.
هناك ميل واسع النطاق في الحركة الأناركية (وفى اليسار عموما) إلى القول إن مسألة كيف أننا ذاهبون لصنع الثورة بعيدة جدا واقعيا ، وبالتالي التعامل مع ذلك الآن تجريد شديد . و بدلا من ذلك يؤكدون على أنه يتعين علينا أن نركز على مشاريع عملية أو صراعات فورية. لكن المشاريع العملية أو الصراعات الفورية التى قررنا التركيز عليها هي بالضبط ما سيحدد ما اذا كنا انتقلنا أكثر من أي وقت مضى أقرب إلى صنع الثورة. إذا كان لنا أن نتخلى عن مسؤوليتنا في محاولة معرفة ما سوف نتخذه لجعل الثورة واقعا وتوجيه عملنا الحالي وفقا لذلك سيتم إصطيادنا فى تعاقب لا نهاية له للمشاريع العملية و النضالات الفورية ” وعندما نواجه وضعا ثوريا ممكنا سوف نكون مدفوعين جانبا بالقوات الأكثر استعدادا من الناحية السياسية (و الذي لا شك فيه أننا سوف نتهم ب “خيانة” الثورة اذا لم يطلق النار على كل واحد منا). وسنحمل من قبل تيار التاريخ بدلا من محاولة توجيهه لمسارنا الخاص. والسماح لهذا أن يحدث مرة أخرى سنكون حقا من الذين خانوا الثورة.
النتيجة الصافية لرفض التعامل مع ما سوف نتخذه في الواقع لإحداث الثورة الأناركية، التي أصبحت بتلك الطريقة نوعا من الإصلاحية المتشددة. أن نبني إما مختلف “المؤسسات المضادة” التي تشبه بقدر ما الإصدارات الرثة من الخدمات الاجتماعية التي تديرها الكنائس المختلفة ، أو أن نرمي بأنفسنا في بعض النضالات الاجتماعية بشكل واسع حيث تكون أفعالنا المتكررة و القائمة إلى حد كبير على رد الفعل ، جريئة وشجاعة في كثير من الأحيان ، ولكننا لا نبنى فى النهاية أي نوع من الحركة الاجتماعية (ناهيك عن المنظمة الثورية).
الفقر النظري الأناركي
الأناركية فاشلة وفقا لمعايير هذه المسؤوليات الثلاثة فقط. ليس فقط فشل الأناركية فى الفوز بالحرية الدائمة لأى أحد على وجه الأرض ،بل أن العديد من الأناركيين اليوم فيما يبدو ملتزمين اسميا فقط بهذا المشروع الأساسي. أما الأكثر فيما يبدو فهم مهتمين أكثر في المقام الأول بخلق نطاق من الحرية الشخصية لأنفسهم ولأصدقائهم ، وللروابط الاجتماعية المفضلة لمنطقة الحرية الشخصية “المستقلة” (ولكن، ليس من الشبكة الكهربائية أو إنتاج المكونات إلكترونية بالمناسبة) عن المسؤولية الاخلاقية عن حالة إنسانية أكبر. الأناركية وبكل بساطة ترفض التعلم من فشلها التاريخي ، مفضلة إعادة كتابته كنجاحات. أخيرا الحركة الأناركية لا تقدم للناس الذين يريدون صنع الثورة سوى القليل جدا من الخطط المتماسكة للعمل. هناك كثير من المشاريع والخطط ، والأشكال الكثيرة للتمرد — ولكن مكانها في استراتيجية متماسكة أكبر لإسقاط النظام القائم في الواقع خاضع لتقدير أي شخص.
الأناركية فقيرة نظريا. لما يقرب من 80 عاما ، مع استثناءات من أوكرانيا وأسبانيا فقد لعبت الأناركية دورا هامشيا في النشاط الثوري للبشرية المضطهدة. والأناركية لم تفعل أي شيء تقريبا فى النضالات المناهضة للاستعمار التي حددت السياسة الثورية في هذا القرن. وهذا التهميش أصبح لديه إعادة إنتاج ذاتي.
النتائج الصادمة للبحث النقدى الموجز لسلطوية القوميين والماركسيين وغيرهم ، جعل الأناركية محدودة بهذا الدور المزعج. وبالتالي التفكير الأناركي لم يكن عليه التكيف استجابة لنتائج جهود جدية لوضع أفكاره موضع التنفيذ. والممارسة النظرية الأناركية أصبحت متحجرة ، معقمة وتعانى من فقر الدم. وبدلا من النقاش السياسي الموضوعي رفعت الحركة الأناركية الشجار الشخصي لشكل من اشكال الفن. و في المناسبات النادرة التي يتم فيها طرح القضايا الجوهرية الإجابة تكون بشكل ثابت مقلقة أكثر مع الممارسة بواسطة من طرحوها أو تكهنات بشأن البنية الشخصية لأى شخص يشكك في حكمة الأناركية تلاقى مع المحتوى السياسي مع ما قيل. هذا انعكاس لإزالة الأناركية الفعالة من النضال الثوري.
لم تصبح تنبؤات باكونين الرائعة من عواقب دولانية ماركس الأساس لتطوير الممارسة لمكافحة الدولتية، ولكن بدلا من ذلك استمرت الجوقة الجوفاء “قلنا لكم ذلك”. و قد كان واحدا من عواقب “النجاحات” الماركسية أنه كانت هناك فرصة أكبر لمعرفة حدودها. فى حين كان واحدا من عواقب انتصارات الأناركية الهذيلة التي عاشت لفترات قصيرة أنها لم تكن لديها العديد من الأفكار التى وضعت على المحك في الممارسة. ونحن على استعداد لقبول هذا النوايا اللاسلطوية الجيدة لا يجعلنا خارج ورطة العواقب السلطوية فورا للعجز الأناركى إذ يصبح من الممكن الاقتراب من التجربة التاريخية برمتها للحركة الثورية في إطار من العقل أكثر بكثير من الاعتقاد بأننا الأقوم.
مرة واحدة ونحن نعترف بالفشل التاريخي للأناركية (فإننا لا ننبذ نقدنا اللاسلطوي للتيارات الثورية الأخرى ) وبالتالى يمكننا بدء العمل على إعادة بناء الحركة التحررية الثورية.
الأناركية والحركة الثورية
أعتقد أنه إذا أردنا أن نفهم هذه اللحظة فأننا بحاجة إلى فهم انفسنا كجزء من مشروع ثوري أوسع بكثير من تحرير الإنسان في كل مكان حول العالم سواء كان مهزوما أو في تراجع. لم يتم تعريف الحركة الثورية بتبنيها أيديولوجية معينة ، لكن بمرور الوقت الحركة الهادفة من المضطهدين لمقاومة اضطهادهم والنضال من أجل عالم خال من الاضطهاد اتخذت الحركة العديد من التقلبات والمنعطفات ، وأخيرا ، تفرعت في عدد من الاتجاهات الفكرية. وقد وجدت تعبيرها من خلال مجموعة متنوعة من أشكال الأيديولوجية (الأناركية والماركسية و النسوية والقومية الثورية ، لاهوت التحرير). الحركة الثورية احتوت في كل لحظة في تاريخها تناقضات المجتمع السلطوي الذي هو على الدوام يولد من جديد. لذا فقد ورد فيها على حد سواء كل تعبير نظري أوتنظيمي ثوري أومناهض للثورة ، تحرري أو قمعي ، مبرزا الجوانب والإمكانات التحررية أو السلطوية.
بينما كأناركيون نميل إلى تقسيم اليسار بدقة في معسكرى التحررية والسلطوية. فإنى أعتقد أن هذا التقسيم بشكل صحيح من حيث تحديد جوهر التناقضات يعود الى الظهور باستمرار في الحركة الثورية. لكنني أعتقد أيضا أن هناك اتجاها عاما لجعل هذا التقسيم ميكانيكيا. هناك ميل ، على سبيل المثال ، لعرض الانقسام بين ماركس وباكونين فى الدولية الأولى كإطار حاكم عندما نقوم بتحليل كامل التجربة التاريخية الفاصلة. بينما كورثة أناركية باكونين نتمسك بدعم كل الأعمال الجيدة لكل الأناركيين منذ ذلك الحين وكطقس شعائري نشجب تصرفات جميع الماركسيين في نفس الفترة. ونتيجة لهذا نتعامى عن العناصر المعادية للثورة في النظرية والممارسة الأناركية والإنجازات المشروعة للكثير من الماركسيين (أو التيارات السلطوية الأخرى).
في معارضة لهذا النهج الميكانيكي أو المدرسي أعتقد أننا ينبغي أن ننظر إلى كامل التجربة للحركة الثورية جدليا. نحن بحاجة إلى التعرف على جوانب الأناركية التي منعتها فى أن تكون بديل ذا مصداقية ثورية للماركسية بشكل فعال. نحن بحاجة لدراسة متى وكيف أن التيارات التحررية أكدت نفسها داخل الماركسية. نحن بحاجة الى ان ننظر في مختلف المسائل التي تميز التيارات المختلفة داخل الحركة الثورية. نحن بحاجة الى ان ننظر في هذه الأسئلة ليس بصورة مجردة ببساطة ولكن في الظروف التاريخية الحقيقية فى نشوئها وتطورها. نحن بحاجة الى ان ننظر ليس فقط في المرات القليلة التى لعب فيها الأناركيون دورا كبيرا في وضع ثوري ما ولكن في جميع الثورات في القرن الماضي.
كثير من الأناركيين ، بطبيعة الحال ، كانوا على استعداد لاحتضان حلقات معينة (مجالس العمال في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى فى أوروبا ، المجر 56، كومونة شنغهاي ، فرنسا مايو يونيو 68 ، البرتغال74) التي لم تكن القوى الأناركية من اللاعبين الرئيسيين فيها بوضوح ، وكجزء من التقاليد الثورية التحررية. من الواضح أن هذا يوسع نقاط المرجعية التاريخية لما فيه من فائدة. لكن تحديد الطبيعة قصيرة الأجل لكل من هذه الخبرات بلوم خيانة الستالينيين أو الديمقراطيين الاجتماعيين ، لا يعنى إنه من غير الممكن تجنب الإجابة عن أصعب الأسئلة التي طرحت بحدة في بعض الأحيان حول تلك الأحداث المعروفة التى لم تشارك فيها بوضوح القوى التحررية.
الشروط الموضوعية
من الناحية العملية ترى العقيدة الأناركية أن كل وضع ثوري لديه القدرة على أن يصبح ثورة تحررية حقيقية. وعلى أساس هذا الموقف فإن فشل أي موقف فى أن يتطور في هذا الاتجاه يكون نتيجة لسلطوية مختلف المنظمات والأحزاب الثورية ظاهريا.
يحسب للأناركيين الاقتراح الذي سخر من حجة “الظروف الموضوعية” بشكل روتيني التي تواجهها مختلف الحركات الثورية لأنها أخذت تتحول وببساطة إلى التماس الأعذار لجرائم تلك القوى السلطوية. وبالتأكيد لا يوجد نقص في الحالات التي تم فيها رفض قمع الحركة العمالية ، والإعدامات السياسية ، وسجن الثوريين المخلصين ، وهلم جرا مع إشارة عارضة إلى “الظروف الموضوعية”. ولكن هذا لا يعني أن الظروف الموضوعية لم تكن قد فرضت عقبات كأداء بالنسبة للحركة الثورية.
الأوضاع الثورية لا تقدم نفسها لنا إلا بعد أن نكون قد اتخذنا الاستعدادات الكاملة لها. ظهورها فجأة بينما النظام القديم غير قادر على الحفاظ على التحكم بها. فإنه سيكون من العجز عن تحمل المسئولية في مثل هذه الأوضاع عدم محاولة القيام بثورة تحررية اجتماعية شاملة. لكنها ليست بالضرورة الحالة الممكنة دائما في الواقع لنفوز بكل شىء نريده. في هذه الحالة سوف تواجه الثورة الاختيار بين أنواع مختلفة من الحلول الوسط أو أنصاف التدابير من اجل “البقاء “.
السؤال الذي يواجه الثوار ببساطة ليس ما إذا كان العمال (أو الفلاحين) قادرين على السيطرة على وسائل الإنتاج ، وإعادة تنظيم خطوط الانتاج على أسس الديمقراطية والتحررية (مثل تعاونيات العمال والفلاحين في اسبانيا). ولا هو حتى ما إذا كانوا قادرين على إقامة أجهزة الحكم الذاتي داخل المدن والقرى (كما في حالات كثيرة لمجالس العمال). من كومونة باريس إلى تمرد زاباتيستا، حيث نعرف ما يمكن أن تقوم به هذه الاشياء.
السؤال الدائم غا لبا هو ما إذا كان يمكن القيام بهذه الأشياء على مدى فترة طويلة من الزمن في ظل ظروف الحرب والانهيار الاجتماعي العام. تلك الظروف التي تكون فيها الفرص الثورية أكثر احتمالا فى حدوثها. فى ظل هذه الظروف تكشف الحركة الثورية عن حدودها بدقة.
الأناركيون غالبا ما يحبون وضع “الثورة الاجتماعية” على النقيض من “الثورة السياسية”المحضة. لغرض التمييز بين الاضطرابات الاجتماعية الحقيقية من مجرد انقلابات الدولة و هذا التمييز قد يكون مفيدا. ولكن ما يمكن أن ينتقد فيه هو أن كل “الثورات السياسية” تقريبا تنطوي في واقع الأمر على عناصر هامة متشابكة مع الثورة الاجتماعية فى الحقيقة. الأهم من ذلك أنه من المستحيل أن نتخيل “الثورة الاجتماعية” خالية من جميع سمات”الثورة السياسية”. إن الثورة حتميا هى صراع على السلطة ، وشأنا مشتركا. إذا لم نكن على استعداد لحقيقة أن أوضاع ثورية في المستقبل سوف تقدم لنا خيارات غير سارة فاننا إذن لسنا مهتمين حقا بصنع الثورة.
موقف ضبط التوقيت
أريد أن أطرح هنا عدة افتراضات متصلة بطبيعة المشروع الثوري حيث اعتقد أنها تتحدى بعض التحيزات الأناركية الأساسية.
الافتراض الأول هو أنه في عالم يتسم بالتفاوت الصارخ في مستوى التنمية الاقتصادية نتيجة للامبريالية فليس من الممكن ببساطة إسقاط الرأسمالية في معظم (إن لم يكن كل) البلدان الإمبريالية. الثورات في تلك البلدان رأسمالية بالضرورة و ثورات (عادة رأسمالية الدولة) التي كنست بعيدا بعض الملامح (القمعية الفظيعة) لما قبل الرأسمالية لتلك المجتمعات ، وإعادت إنتاج شروط الاستغلال الرأسمالي.
الافتراض الثاني هو أن تحقيق مجتمع لا طبقي لادولتى داخل الحدود الاقليمية لبلد واحد (أو على خلاف ذلك فى منطقة محددة) في عالم الدول القومية أمر مستحيل. الثورات التى تقتصر على التراب الوطني تصبح ثورات وطنية أو تسحق. الثورات الوطنية يمكن أن تنجز بعض الأمور ولكن ليس أكثر من ذلك. استبدال جهاز الدولة القديم مع دولة ثورية جديدة ظاهريا ضروري لتأمين العديد من تلك الإنجازات ولكن ينبغي أن لا يكون لدينا أية أوهام حول أن مثل هذه الدولة يمكن أن تضمحل من تلقاء نفسها. سيكون لها أيضا أن تكون محطمة. أحد الأشياء الرئيسية أن الثورات الوطنية تعطي الناس الخبرة في عملية صنع الثورة وفهم أعمق للديناميات المعقدة للثورات
الافتراض الثالث (وثيق الصلة بالثاني) أن الجيش النظامي لا يمكن هزيمته سوى بجيش آخر. الميليشيات أو أى أشكال أخرى غير نظامية من التنظيم العسكري وحدها ، قادرة على المقاومة البطولية ، ولكنها سوف تنهار في نهاية المطاف أمام الجيش النظامي. انهيار جيش وطني (دائما ما يدفع للهزيمة العسكرية) و يستطيع خلق فرصة للحركة الثورية. ولكن إذا لم تستطع الحركة خلق جيشها الخاص سوف يعيد النظام القديم تشكيل جيشه أو أن قوة أجنبية سوف تفعل ذلك من أجله.
الافتراض الرابع هو أن طبقة واحدة فقط لديها القدرة على إسقاط الرأسمالية هى الطبقة العاملة العالمية.ويجب أن تعمل جنبا إلى جنب مع غيرها من الطبقات والحركات الاجتماعية من اجل الفوز ومشاركة تلك القوى أمر حاسم لتنفيذ التغيير الأكثر جذرية اجتماعيا ، ولكن الطبقة العاملة المنظمة كطبقة ثورية هي القوة الوحيدة والتي بدونها فإن سقوط الرأسمالية مستحيل تماما. الكفاح ضد النظام الأبوي والقمع العنصري والوطني داخل الطبقة العاملة ضروري لتحقيق الوحدة داخل الطبقة.
وبقية هذه الورقة تتناول هذه الافتراضات الأربعة في ضوء تاريخ الثورات في القرن 20.
التطور اللامتكافىء
الرأسمالية نظام عالمى. إذا كانت بعض عناصر الرأسمالية ظهرت في البداية في عزلة نسبية في أماكن وطنية معينة ، إلا أنها أنبثقت لتشكل معا ما يمكن أن نقر به و هو أن الرأسمالية نتيجة لاندماج عالمي لا مثيل له بسبب التجارة التي بدأت في القرن 15 مع الغزو الأوروبي للأمريكتين والسيطرة على طرق التجارة في المحيط الهندي ، وإنشاء تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي و المزارع المركبة. أثرت بلدان معينة من نشأة الرأسمالية بها ومكنتهم من إحداث ثورة في الإنتاج من نهب وإخضاع الدول الأخرى للاحتياجات الاقتصادية للطبقات الحاكمة في الدول الإمبريالية الأم. أخذت هذه العلاقة في البداية شكل استخراج الثروة من مجتمعات مكتفية ذاتيا الى حد كبير. مع مرور الوقت تحولت الوضع في هذه البلدان إلى علاقة تبعية والتي لم تكن بلاد إمبريالية بل مصدرا للمواد الخام ولكنها أيضا حاسمة بالنسبة لأسواق السلع تامة الصنع. هذه التبعية كان معناها التدمير المتعمد لتحقيق الاكتفاء الذاتي للبلدان الإمبريالية وغير الإمبريالية. في الآونة الأخيرة أصبحت بعض البلدات غير الإمبريالية مراكز تصنيع داخل السوق العالمية. وقد تم الحفاظ على الاعتماد على المراكز الامبريالية حتى الآن من خلال السيطرة على الرأسمال التنموى (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) ، والتخصص في أنواع مختلفة من التصنيع في البلدان المختلفة.
الآثار المترتبة على هذا التطور غير المتكافئ على مشروع الثورة المضادة للرأسمالية ضخمة. حتى وقت قريب كان يتم استغلال جزء كبير من العالم الثالث من خلال أشكال اقتصادية ما قبل الرأسمالية (تسمى عادة شبه اقطاعية بشكل غير دقيق) موصول بالعالم للسوق العالمى الرأسمالي وتابعة له. هذا يعني أن العداء بين الرأسمالية والمنتجين في أنحاء كثيرة من العالم اتخذت شكل فوري من التوزيع غير المتكافئ للأرض والنتيجة العلاقات فائقة الاستغلالية بين المؤجرين والمستأجرين.
الصين مثال جيد على ذلك. في مناطق أخرى كان يتم استخدام العمل الجبرى (كما هو الحال في أجزاء كثيرة من افريقيا تحت الاستعمار) أو زراعة المزرعة الرأسمالية الموجودة جنبا الى جنب مع الاقتصاد الفلاحي (كما في كوبا). أشكال الإنتاج الرأسمالي شكلت جزء صغير من الاقتصاد ، وشملت على نسبة أصغر من السكان. وعلاوة على ذلك فإن العديد من الرأسماليين العاملين في هذا القطاع الصغير فهموا أن الهيكل شبه الإقطاعي للمجتمع وهيمنة الدولة الامبريالية على بلادهم كان عائقا لمصالحهم الخاصة. ومن ثم كانوا حلفاء محتملين لأي حركة فلاحين للاستيلاء على الأرض وطرد سادة الأرض.
يجب أن تفهم الثورة الصينية في هذا السياق. فقد كانت ثورة فلاحين رائعة دمرت النظام القديم الفاسد جدا، وإعادت توزيع الأراضي ، وأنشأت الصين المستقلة اقتصاديا نسبيا عن الهيمنة الإمبريالية. و أجريت هذه المهام الأساسية مرة واحدة فقط بناء على ذلك و حتى يصبح ممكنا للحزب الشيوعي الصيني الحديث حول ما يجب فعله مع القطاع الرأسمالي الضئيل للصين. تمت السيطرة على المدن من قبل حزب الكومينتانغ والمنطقة الصناعية الهامة فى منشوريا كانت تحت السيطرة اليابانية. البروليتاريا الصناعية ، مثلما كانت ، لم يكن لديها لا الخبرة أو التنظيم لتولي زمام الأمور بأيديها. ومن هنا فكان أي تحرك للقيام بذلك في حاجة إلى الدعم النشط إن لم يكن من الفلاحين ، فمن الحزب الشيوعي.
كان تطوير الصناعة حاسما في حل عدد من المشاكل الأكثر إلحاحا في الصين. نقص وسائل النقل والمواصلات كان يعني أنه كان من الصعب التوصل لإغاثة مناطق تعاني من المجاعة. وتقنيات الإنتاج الضخم اللازمة لتلبية الطلب الكبير لأبسط الأدوات الزراعية (المحاريث والعربات) ورفع الإنتاجية الزراعية بما يكفي لكسر الحلقة المستمرة من المجاعة. قد تبدو هذه الحجة لتبرير وجود مشكلة مع الأسباب الهيكلية الاجتماعية (المجاعة) وليس المطلوب سوى سوى الحل التكنولوجي ظاهريا. لكن الأسباب الاجتماعية البنيوية ( البنية الإقطاعية للأرض والاعتماد على المصنوعات الأجنبية) عبرت عن نفسها بشكل ملحوظ في المستوى التكنولوجي المنخفض للزراعة الصينية. ببساطة الأرض لا يمكن أن تمد عدد سكانها الحالي بدون التكنولوجيا فضلا عن الثورة الاجتماعية.
في هذا السياق كان قسم من الرأسماليين الذين انحازوا الى صف الثورة الزراعية حاسما. وقد راكموا الخبرات الفنية والإدارية التي كان من المستحيل بدونها تطوير الصناعة الجديدة. وكانت مصادرة ملكيتهم سوف يحملهم ببساطة لأحضان حزب الكومينتانغ. هل كان يمكن للعمال الذين عملوا لديهم أن يتهاونوا فى تولي المهمة وتشغيل المشاريع القائمة؟ إلى حد ما. لكن ينبغي أن يوضع في الاعتبار أنه في أعقاب الحرب الأهلية فإن العديد من الشركات كانت تعمل بشكل متقطع والعمال من ذوي الخبرة الفنية للتشغيل كان ليس من السهل العثور عليهم بالضرورة. الأهم من ذلك هو أن البروليتاريا الصينية كانت طبقة ناضجة بالكاد مع تجربة طويلة للنضال المشترك يشكل نشاطها الذاتي.
ولكن السؤال لم يكن ببساطة من يشغل المشاريع القائمة ، بل كان من يوسع وبشكل كبير القاعدة الصناعية على الفور لمنع المجاعة وكانت الإجابة أنه لا غنى فى ذلك عن خبرة الطبقة الرأسمالية الصغيرة.
الوقت قد حان للجوهر. كان التوسع في الصناعة ضروري أيضا لمنع الجماهير من الفلاحين المعدمين الذين كانوا في المدن المزدحمة نتيجة للمجاعة والحرب من العودة إلى الريف الذي لم يكن مستعدا لاستيعابهم. وعلاوة على ذلك كان هناك تهديدا كبيرا من غزو أجنبي أو غزو الكومينتانغ فى تايوان المدعوم من الولايات المتحدة. حيث أن ماك آرثر هدد علنا بغزو الصين خلال الحرب الكورية.
وعلاوة على ذلك نحن بحاجة لمواجهة حقيقة القدرات السياسية المحدودة للفلاحين. إذا تركنا جانبا للحظة الدور الحاسم للحزب الشيوعي في هذه الإنجازات كان على الفلاحين إنجاز الكثير من الامور فهل كان يمكن للفلاحين الصينيين إلغاء العلاقات الرأسمالية (العمل المأجور على وجه الخصوص) والشروع فى عملية للتنمية غير الرأسمالية لحل مشاكلهم الكبيرة؟. على مستوى القرية كانوا قد سيطروا على ادارة شؤون القرية بدلا من النخب المالكة الفاسدة، وتمت عملية إعادة توزيع هائلة للأرض. ملاحظة أن سيطرة الفلاحين على الإدارة امتدت إلى درجة أكبر وأقل صعودا إلى مستوى المقاطعة أو حتى المحافظات.ولكن عندما يتم التحرك صعودا في التسلسل الهرمي فإن الاعتماد أكثر فأكثر يكون على كوادر الحزب الشيوعي ، والاعتماد أكثر فأكثر على الكوادر المتعلمة القادمة من الخلفيات غير الفلاحية.
ويمكن لنا أن نفسر هذه الحقيقة بطريقتين. من ناحية هو تعبير عن الهيمنة المطلقة للحزب الشيوعي ونظامه من قبل حفنة من المثقفين من الطبقة المتوسطة أو الخلفيات المالكة نسبيا. من جهة أخرى هو انعكاس بسيط لحقيقة أن الأغلبية الساحقة من الفلاحين الصينيين كانوا أميين ومتعلميهم من أنصار الثورة (سواء كان من غير الخلفية الفلاحية أو يتعلمون القراءة من قبل الحزب أو جيش التحرير الشعبية) كانت في الحزب. هذه الطرق المختلفة للنظر إلى الواقع نفسه ليست متناقضة. فهى معا تكشف عن الطابع الطبقي للثورة الصينية ، وكذلك كان من المحتمل أنه لم يكن لديه أي خيارات أخرى.
الشيوعي المجالسى انطون بانيكوك في مقاله “لماذا فشلت الحركات الثورية السابقة ” عام 1940 كتب أن طبيعة الرأسمالية بطبيعتها المتأصلة ربطت الثورات في المحيط بمشاكل الثورة البروليتارية في المراكز الامبريالية. وجادل بأن تخلف روسيا كان يعني أن هناك ثورة رأسمالية لا يمكن أن تقوم بها البرجوازية ، بل من قبل الطبقة الرأسمالية البيروقراطية الجديدة المستمدة أساسا من المثقفين. هذه الطبقة الرأسمالية الجديدة رفعت من مكانتها لتحبط الثورة البروليتارية في روسيا للسيطرة على الحركة العمالية الثورية في الغرب وبالتالي حرفت التنظيم الذاتي للبروليتاريا في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما هذه هى الطريقة التي أسفر بها التطور غير المتكافئ للرأسمالية عن تطور غير متكافئ للحركة الثورية. بانيكوك لا يتعامل هنا مع دور الأرباح الخارقة للامبريالية في شراء جزء من الحركة العمالية على الأقل فعليا ، ولكن هذه الحقيقة أيضا يجب أن تتيح لنا فهم لماذا اتسم القرن 20 ليس بالثورة البروليتارية العالمية ولكن بالثورات الرأسمالية الوطنية القائمة على قاعدة فلاحية.
يمكن بالتجريد فقط أن تكون الحرية مطلقة. لكن الحرية في العالم الحقيقي مشروطة دائما في السياق الاجتماعي الموجود.الحرية لا يمكن أن تعرف ببساطة من حيث عدم وجود قيود ولكن يجب نسبها أيضا إلى القدرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر على الحياة. فمن المستحيل أن تحكم المجتمع إذا كنت لا تفهم كيف يعمل.، ففي مجتمع الصيد وجمع الثمار كان هناك نوع من السلطة يعتمد على أشياء مختلفة من تلك التى تفعل في المجتمع الصناعي. هناك ميزة حاسمة فى المجتمعات الطبقية هى أنهم ينكرون على الطبقات المستغلة الوصول إلى الأشياء التي تحتاج إليها للحكم. الثورات بمعنى ما هي العملية التي تحصل بها الطبقة المضطهدة على تلك الأشياء. ولكن ، لأن المجتمعات الطبقية تجمع بين الأساليب القديمة والجديدة من الاستغلال حتميا، فإن الطبقات المضطهدة المختلفة في وضع أفضل لتحقيق قفزة ثورية والسيطرة على المجتمع.
في ظل المستوى التكنولوجي للمجتمع فى القرن 13 كان يمكن للمرء أن يتخيل سيطرة الفلاحين على المجتمع ككل ، واقامة نوع ما من الشيوعية الزراعية. أما في القرن 20 فهومستحيل (على الرغم مما أعطاه بول بوت من مثال). النظام العالمي للرأسمالية أوقع الفلاح في الشرك ، وحجب أعمق أساليب العمل من وجهة نظر الحياة في قرية صغيرة. في المقابل فإن العمال في المناطق الحضرية يتعرضون بألف طريقة للعمليات المعقدة للنظام العالمي. المشكلة بالطبع هي أنه نتيجة للوضع غير المتكافئ للرأسمالية في جميع أنحاء العالم ، فقد كانت ظروف حياة الفلاحين وليس البروليتاريا هى التي أشعلت الثورات الكبرى في هذا القرن. ولكن لأن الفلاحين كطبقة ضعيفة الإعداد لإدارة المجتمع الرأسمالي (يعادل مجتمع متخلف) على وجه التحديد ، فأن تلك الثورات حملت في نهاية المطاف طبقات أقلية حاكمة جديدة إلى السلطة.
أناركية في بلد واحد؟
الثورة الاسبانية وبقمعها كشفت في ابرز تعبير عن واحدة من المشاكل الرئيسية للأناركية. الثورة الإسبانية لم تكن مجرد نتاج للصراع الطبقي العالمي ، ولكن من معالمه ولا سيما في اسبانيا. سلسلة خاصة من الأحداث التي عكست الطابع الخاص لتاريخ اسبانيا انتهت إلى اللحظة التى استطاع فيها الفلاحين والعمال الإسبان السيطرة على المصانع والحقول وورش العمل.كل ثورة تنشأ من عدم قيام دولة معينة في لحظة معينة. في اسبانيا انهارت الحكومة الجمهورية في أعقاب تمرد فرانكو العسكري . وكانت السلطة ملقاة في الشارع ، وحركة أناركية ، وأحاطت بها أقوى قوة في صفوف العمال والفلاحين ..
انا مع التشديد على الطابع الاسباني الخاص الثورة الإسبانية حيث أوضح حقيقة بسيطة وهي أن الثورة في حين كانت قادرة على الاعتماد على مقدار معين من التضامن الدولي ، إلا أن الظروف التي أنتجت الثورة لم تكن موجودة في مكان آخر ، وبالتالي فإن توقعات نشر الثورة كانت محدودة. لكن ذلك لا يعني أن الثورة جرت في عزلة. بعثت الفاشية الإيطالية والألمانية الكتائب والأسلحة والطائرات لدعم جيوش فرانكو. نفوذ الاتحاد السوفياتي شدد دعمه للجمهورية لإنشاء والسيطرة على جيش ثورة مضادة نظامى. إذا كانت الحكومة الجمهورية لم يمكنها اخضاع الثورة والفاشيين حيث كان لا يمكنهم اغراقها في الدم فإنه لا يوجد سبب لتوقع أن القوى الأجنبية الأخرى لن تتدخل. هناك على المدى القصير مصالح في استعادة السيطرة على المؤسسات المصادرة ومصالحها طويلة الأجل في منع الثورة من أن تصبح مثالا دوليا وهذا يعنى أنه لن يكون لهم أي خيار سوى التدخل عسكريا.
هناك سببان أساسا لاستحالة خلق مجتمع لا طبقي لادولتى داخل حدود بلد واحد. الأول هو اقتصادي ، والثاني عسكري.
لأسباب اقتصادية هامة. كما نوقش أعلاه الرأسمالية هي النظام العالمي. وهذا يعني أنه لا يوجد بلد مكتف ذاتيا. ومن الواضح أن بعض البلدان لديها إمكانات أكثر أو أقل لتحقيق الاكتفاء الذاتي ، ولكن هناك بعض المشاكل ذات طابع عالمي فعال. بعض البلدان ، نتيجة لسكانها ، ببساطة لا يمكن أن تأمل في تلبية احتياجاتهم الغذائية. هذا هو الحال بالنسبة للعديد من أصغر البلدان الصناعية ذات الكثافة السكانية العالية. بعض البلدان ، نتيجة للتخلف في ظل الاستعمار ، لا تملك الوسائل لإنتاج السلع المصنعة (الملابس ، والجرارات ، الخ…) التي تعتمد عليها. وعمليا كل الدول تعتمد على المعادن الاستراتيجية القليلة التي ليست موجودة داخل حدودها. الكروم ، على سبيل المثال ، أمر ضروري لجميع أنواع قطع غيار الآلات. وهو يتركز بشكل كبير في جنوب أفريقيا. وبالمثل الكثير من دول العالم تعتمد على النفط الأجنبي.
المهم هنا أنه لا يمكن لأحد أن يتصور في نهاية المطاف خلق اقتصاد الاكتفاء الذاتي داخل بلد معين ، ولكن بدلا من ذلك فأن الاقتصادات التي يرثها الثوريين ليست مكتفية ذاتيا ومقطوعة التجارة الدولية ( سواء بواسطة القوى الثورية أو من قبل القوى الأجنبية) والتى ستكون لها انعكاسات مدمرة للغاية. و هي ذات وجهين. أولا ، سوف تتوقف الصناعات التي تعتمد على المواد الأجنبية عن العمل والناس لن تكون لديهم فرص للحصول على السلع التي لا تتوفر إلا من الخارج. الثانية ، سوف تتوقف القطاعات الاقتصادية التي تنتج للسوق الدولية ، إما عن الإنتاج أو أنها سوف تنتج البضائع التي لا يوجد عليها طلب محلي.
حالة كوبا مفيدة هنا. كان هناك العديد من المشاكل الاقتصادية التي واجهت الثورة الكوبية مثلما سوف تواجه كل ثورة تحررية الطابع. كان اقتصاد كوبا يعتمد تقليديا على السكر والسياحة في جلب الاموال التي يتم بها شراء السلع الأجنبية بما في ذلك الغذاء والدواء والكساء والنفط والسيارات. في السنوات ال 37 التالية للثورة نتيجة مروعة لتطوير العلاقات مع الاتحاد السوفياتي حيث لم يتم تحويل القطاع الزراعي فى كوبا لتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء. والنتيجة هي أن كوبا تواجه الآن نفس المشكلة التى واجهتها حينذاك : كيف يتم هذا التحويل دون الحصول على رأس المال الأجنبي. والتكنولوجيا المستخدمة في زراعة وحصاد ومعالجة السكر ليست هي نفسها التي تشارك في انتاج الأرز. انها ليست مسألة بسيطة أن تدمر قصب السكر وتبدء فى زراعة الحبوب والخضروات. الحصول على نوع جديد كليا من الزراعة المستمرة سوف يستغرق وقتا طويلا. كيف يمكن للناس الذهاب لتناول الطعام في هذه الأثناء؟
الجواب العملي هو حتما أنه لا يمكن الاعتماد على السوق العالمية يمكن تقليل الخطوات. ولكن يمكن القول أنه طالما الناس تنتج للسوق العالمية فلا يمكن القول بأن المجتمع الطبقي قد حطم تماما — فهي لا تزال تستغل من قبل الطبقة الرأسمالية الدولية. ومما يزيد الطين بلة رفض أجزاء من السوق العالمية للتجارة (كما في حالة من الحصار الأميركي لكوبا) والتى تخفض أسعار السلع التي سوف تفرض على السوق العالمية. الطريقة الوحيدة لاسترداد تلك الأرباح المفقودة هو رفع مستوى استغلال المنتجين(لأنه ليس هناك جدوى من المشاركة في التجارة الدولية اذا لم يتم توليد الأرباح التي يمكن استثمارها في جعل البلد مكتفية ذاتيا) الأسوأ من ذلك ، هو الجهاز الإداري للنظام الثوري ، سواء سمي “دولة العمال” أو “اتحاد التعاونيات الحرة” و هي الهيئة التي يجب عليها القيام بالاستغلال. النوايا الحسنة فى حماية الضعيف ضد منطق السوق العالمية. كيف يمكن للجهاز الاستجابة بينما المنتجين تماما في روح الثورة ، ويقول أنه لن يمكن استغلالهم ويضربهم؟ .
هذه هى بالضبط الورطة التي واجهت كل ثورة صمدت أكثر من سنة. من يقروا بالدولتية مثل الماركسيين فأنها ليست ورطة كبيرة ولكنها عميقة عند الأناركيين.
والعقبة الثانية في خلق مجتمع لا طبقي لادولتى في بلد واحد هو الجيش. الثورات الاجتماعية جذرية ، حتى لو شملت بلد واحد ، فهى تشكل تهديدا عميقا للنظام الرأسمالي الدولي. مثل هذه الثورة التي لم يتم سحقها داخليا سوف يكون عليها أن تواجه قدرا من التدخل العسكري الأجنبي. الدوافع المنفردة للدول لا تعادل أن تكون بعيدة النظر وذلك لصيانة النظام الرأسمالي العالمي. كثيرا ما يكفي للثورة أن تهدد الاستثمارات الأجنبية حتى تقرر قوة أجنبية أنه يجب الدفاع عنها. حتى عندما لا تكون هذه الحالة من الاضطراب الثورى يمكن أن تبدو وكأنها فرصة ذهبية لقوة أجنبية لإنشاء أو توسيع موطئ قدم لها في بلد ما.
ليس هناك من سبب لافتراض أنه إذا كان للثورة الروسية قد اتخذت مسارا مختلفا (لو كان الأناركيين حصلوا على الفرصة ، أو إذا كان السوفيتات قد تمكنت من مقاومة التبعية لهيكل الحزب البلشفي) ، أن الثورة لم تكن لتواجه غزوات 14 قوى أجنبية لدعم البيض في الحرب الأهلية.
و فى هذا الصدد أنه من المستحيل أن يصد غزو أجنبي من دون قوة عسكرية. صنع الحرب ، وحتى حرب المقاومة ، لديها بعض المنطق السلطوي. الحرب على وشك قتل الناس وارسال بعض الناس للخروج للموت حتى يتمكن الآخرون من العيش. وهو ، للأسف ، ليس قتل العدو الطبقي ، بل قتل أناس آخرين مظلومين ، المجندين في كثير من الأحيان ، الذين يشكلون جيش الأعداء. حتى لو كانت الاستراتيجية تعتمد على أو تمرد انشقاق كبير داخل جيش الأعداء فإنه لا يزال من الضروري قتل الناس. السبب بسيط. تمرد الجنود أو فقط خلل في عدد كبير بينما التعرض لخطر القتل في معركة معقول أكثر من خطر التعرض للقتل بسبب تمردهم. هذا هو الشيء الذكى للقيام به. لذلك تحافظ الجيوش على الانضباط الداخلي في جزء من قواتها مقنعة الجنود بأن اطلاق النار عليهم بسبب تمردهم أمر يقينى. الجيش المنهار يجب أن يواجه نوعا من الهزيمة العسكرية.
الأناركيون يدعون في بعض الأحيان أن لا مركزية ولا سلطوية الهياكل هي بطبيعتها أكثر فعالية بكثير من السلطوية المركزية ومن ذلك ينبغي أن تطبق هذه المبادئ على العمليات العسكرية. هذا هو الطريق للتعبير عن استشهاد الأناركية. هناك مشكلة اذا المبادئ الأناركية يمكن أن تستوعب تحول جماعات من البشر إلى آلات قتل ذات كفاءة. ولكن اذا لم يتمكنوا فإن هناك مشكلة أخرى. هذا هو الموقف الثاني الذي نواجهه : صنع الحرب تعني تعريض المبادئ اللاسلطوية للخطر. بقدر ما لقوات الجيش وهدفها هزيمة قوات عسكرية أخرى داخل إقليم معين هو العمل على خلق احتكار العنف المنظم — وهي السمة المميزة للدولة. هل من الممكن إنشاء بنية عسكرية لاسلطوية حقا تتوافق مع اللامركزية النسبية للمجتمع التحرري وقادرة على الدفاع عن هذا المجتمع من التهديدات العسكرية الخارجية (أو الداخلية) ؟ سوف أحاول أن أجيب عن هذا السؤال في المقطع التالي.
الجيش الثوري
الحركة الأناركية بشكل أساسى لديها اثنين من التجارب الكبيرة مع محاولة تنظيم قوتها العسكرية في الدفاع عن مكاسبها الثورية : في اوكرانيا واسبانيا.
الكتابات الأناركية عن التجربة الأوكرانية أقل اتساعا بكثير من تلك التي كتبت على التجربة الاسبانية ، ولكن هناك نقطتين حول هذا الموضوع. في حين أن جيش المتمردين الثوري لأوكرانيا(الماخنويين) وجه تشاركيات هائلة فى الأراضي في مناطق سيطرته ، لكن لم يكن الفلاحين الأوكرانيين مشبعين بشكل كبير بالفكر الأناركى. وصعدت حركة الماخنوفية نتيجة الوصول لاتفاق بريست ليتوفسك و التي تخلى فيها البلاشفة عن أوكرانيا للامبرياليتين النمساوية والألمانية. ولكن مثل بقية الإمبراطورية الروسية القديمة أوكرانيا كانت في خضم ثورة اجتماعية كما كان الفلاحون قد قاموا بالاستيلاء على الأراضي.ورأى الاتحاد الاوكراني للمنظمات الأناركية (النبات) في هذا الوضع فرصة لبناء الأناركية تحت قيادة قوة عسكرية وأنه يمكن المضي قدما في تنفيذ الثورة وطرد الامبرياليين الأجانب. وهذا هو بالضبط ما فعلوه قبل أن يتم سحقهم من قبل الجيش الأحمر البلشفي.
احتضن الفلاحون الأوكرانيون الأناركية الجيش الأناركى بقدر يمكن حماية ما فازوا به في الثورة. وكان الجيش المتمردين جيش عصابات. عملياته داخل منطقة قطرها حوالي 150 كيلومتر ، و يسكنها 7000000 شخص. المنظمة وقفت في منتصف المسافة بين هذا النوع من التشكيلات الأصلية “العصابات” التي تنشأ دائما من الفلاحين في المناطق النائية أو غير المستقرة والجيش الثوري الناضج ، و ما سوف أحدده في وقت لاحق. لم يكن لديها نفس البنية اللاسلطوية التى عملت وفقها وبدأت بها الميليشيات الأناركية في اسبانيا.
ذات مرة هزم الماخنويين قوات البيض لدانكين ورانجل كان بدوره هزم على يد الجيش الأحمر. كانت الأراضي التي يسيطر عليها الماخنويين مستقرة إلى حد كبير. كانت تخضع للاحتلال الدوري من قبل قوات الجيش الابيض والجيوش الخارجية. تماسك مقاومة الماخنويين أد إلى تفكك قوات الجيش الابيض وانسحاب القوات الأجنبية. ولكن الجيش الأحمر ضرب من أسفل واستوعب القوات غير النظامية للفلاحين في جميع أنحاء الامبراطورية الروسية السابقة. و أثبتت قوات ماخنو أنها الأكثر صعوبة في هزيمتها ، ولكنها في النهاية تراجعت أيضا.
لأسباب عسكرية واضحة. القوات غير النظامية مثل قوات ماخنو يمكن أن تكون قادرة على إعالة نفسها وربما إلى أجل غير مسمى في المناطق النائية البعيدة جغرافيا. ولكن لم تكن أوكرانيا هذه المنطقة. اتفاق بريست ليتوفسك و الانهيار الاجتماعي العام فى روسيا أنشأ طريق مفتوح لتسير قوات ماخنو. ولكن توطيد سيادة البلشفية في روسيا وقرار الإمبرياليين التخلي عن أوكرانيا كان معناهما إغلاق هذا الطريق. ومن المهم أن نلاحظ أنه على الرغم من كل الشعارات فإن برنامج الماخنويين في الممارسة لا يختلف كثيرا عن الثورات الفلاحية في وقت لاحق (مثل الصين) ، وهما : إعادة توزيع الأراضي ، والعمل الجماعي التطوعي أكثر أو أقل ، وطرد الامبرياليين (الاستقلال الوطني).
إذا كان هناك أي شك في أن الثورة الأوكرانية كانت محدودة في ما يمكن أن نأمل في تحقيقه داخل حدودها عبارة عن دعوة (نبات) لإنشاء جيش المتمردين وينبغي حسم هذه المسألة :
فيما يتعلق بالهجوم الخارجي على الثورة الاجتماعية نموذج الجيش الأحمر المنظم ، ولا حتى حرب على المتمردين ، ولكن على الانهيار الحتمي للإمبريالية وقواتها المسلحة من خلال انتشار الثورة في جميع أنحاء العالم “وينبغي أن لا يكون من الضروري أن نلاحظ أن ليس هناك أى شيىء حتمي فيما يتعلق بانهيار الامبريالية التى عول عليها التي الأناركيين الأوكرانيين.
كانت الثورة الإسبانية لها طابع مختلف نوعا ما. فقد كان هناك ما يقرب من 70 سنة من التعليم والتحريض الأناركى أدى لاستعداد قطاعات كبيرة من الطبقة العاملة والفلاحين الاسبان للثورة التحررية. عندما جاءت لحظة يوليو 1936 كان في عقول ملايين من الاسبان إعادة التنظيم الأناركى للمجتمع و ما من شأنه أن يستتبع ذلك. وطبقت نفس المبادئ التحررية للتشكيلات العسكرية التي تم إنشاؤها : الميليشيات.
تشكلت الميليشيات من المصانع المختلفة أو الأحياء أو القرى وكل واحدة كان لها هوية مميزة وفقا لأصولها. نظمت الميليشيات في سرايا و التي بدورها انتخبت المندوبين الذين قاموا بتنفيذ بعض مهام الضباط ، ولكن من دون سلطة تلقائية مثلما يقود الضباط فى الجيوش. والأناركيون لم يكونوا الوحيدين الذين نظموا المليشيات. العمال الاشتراكي للUGT ، والأحزاب المختلفة مثل POUM نظموا مليشيات أيضا.
الميليشيات ، كانت تجسد اللامركزية واللاسلطوية، على الأقل في البداية. وكانت العواقب وخيمة عسكريا.حسابات الأناركيين لعمليات الميليشيات بالسلاح تغالي فى تقدير انتصارات بطولية عرضية وتقلل من شأن الهزائم المتكررة أو تكتفى بتوجيه اللوم لقوى أخرى لمجرد رفضهم لتزويدهم بالأسلحة التي يحتاجونها. لكن في حين أن الميليشيات حاربت بشجاعة بالتأكيد ، كانت اللامركزية وعدم الانضباط سببت سقوطهم وليس “خيانة” للمنظمات الأخرى التي لا ينبغي أن يكون موثوق بها في المقام الأول.
ينبغي على الأناركيين حينما يدرسون أسبانيا أن يكونوا حذرين بشأن اتخاذ الدعاية الخاصة بها على محمل الجد. غياب الانضباط الداخلي ورطهم فى أعمال الغباء الهائل من وجهة النظر العسكرية. وأفراد الميليشيات تخلوا عن مواقعهم بانتظام عند الملل. تعيين عدم وجود أي نوع من هيكل قيادى موحد كان معناه ان كل عمل عسكري مقترح منسق يشمل مختلف الميليشيات ، لابد من مناقشته وتعديله والموافقة عليه قبل أن يمكن الاضطلاع بها ناهيك عن تلك المليشيات التابعة للاتجاهات السياسية المختلفة. وغالبا ما يضيع الوقت في هذه العملية الحاسمة و تضيع الفرص العسكرية. عندما تم تنفيذ اجراءات منسقة في كثير من الأحيان إلى تعديل خطط تخفض بشكل كبير من حيث الحجم ، وغالبا الى حد يجعلها غير ذات صلة. ورفض الميليشيات لتبادل المواد مع بعضها البعض بغيرة. ولفت نظر المراقبون من جميع وجهات النظر كيف كانت الميليشيات في كل منظمة تنتابها فرحة معينة عند الهزائم التي لحقت بالميليشيات من المنظمات الأخرى.
الحقيقة البسيطة في هذه المسألة هي أنه لا يمكن كسب الحروب بهذا السبيل. يمكن للميليشيات أن تلعب دورا هاما في الدفاع عن مكاسب الثورة ، في تنظيم الحرب غير النظامية داخل منطقة محصورة ، والقمع الثورى للنشاط المعادي للثورة داخل المنطقة. ولكن بدون جيش نظامي لثورتها لم يمكن كبح تقدم الجيش الغازي.
أسباب بسيطة ، ويوضع بها كل تاريخ الصراع العسكري. جيش بقيادة موحدة ضد صعود قوة “لامركزية” سوف يحدد الوحدات الاضعف ، ويركز أول هجوم له عليها تبعا لذلك. فإن القوات الميدانية التي تفتقر إلى قيادة موحدة تكون غير قادرة على نقل القوات بسرعة إلى منطقة ضعفها في بنفس الطريقة التي يمكن بها ذلك للجيش نظامي أن يفعلها. وبالمثل عندما يكون هناك هجوم منسق فإنه فى ظل الاحتياجات التي يتعين الاضطلاع بها توضع بعض القوات في خطر أكبر بكثير من غيرها. في البنية اللامركزية فإن مثل هذه القرارات تخضع للرفض من قبل وحدات (أو حتى بعض) الأرجح أنه يمكن أن تتعرض لأفدح الخسائر. هذا يعني أن الهيكل اللامركزي العسكري يمكن نشر وحداته الأكثر شجاعة أو نكرانا للذات في مثل هذه الحالات فقط. ، ليس من الصعب رؤية كيف يمكن أن تكون هذه الممارسة من شأنها أن تؤدي إلى الإضعاف السريع للبنية اللامركزية بينما تضحي بأفضل القوات أو الخروج من المعارك التي لا يمكن كسبها. على العكس من أسوء وحدة في قوة لا مركزية فمن المرجح أن يستهلكوا أنفسهم في أعمال بطولية ولكن في النهاية لا طائل من التضحية بالنفس.
هناك سبب فى أن تهيمن الجيوش النظامية على العالم بهياكل قيادة موحدة. فإنه ليس بسبب أن دول العالم تجد ببساطة شكلها السلطوي أكثر قبولا وعلى الرغم من عدم الكفاءة العسكرية النسبية وإذا كان الأمر كذلك فسوف تسعى الدول باستمرار للحصول على فوائد اللامركزية في المسائل العسكرية (كما يفعلون في بعض الأحيان في المسائل الأخرى حيث أنه في الواقع اللامركزية أكثر كفاءة). لكن الجيش يبقى المؤسسة الأكثر مركزية فى أى مجتمع، بمقارنة نموذجه السلطوي بالمؤسسات الأقل مركزية.
يمكن للمرء بالطبع تصور بنية عسكرية لامركزية تعمل على نحو مثالي حيث تستوعب العلوم العسكرية ولذلك تنتشر بشكل متوازن إلى الحد أنه لا يجعل هناك أخطاء ومن ثم تنتصر . ولكن في العالم الحقيقي تواجه جميع هذه الخطط الاحتكاك بناس من لحم ودم من المفترض أن عليهم تنفيذها. و قد فاز بالحروب ليس اولئك الذين يعدون خطط الكمال ، ولكن بدلا من تلك نجحت الخطط القادرة على استيعاب أفضل عواقب النقص الخاصة بهم في المسائل العسكرية، فإن هيكل قيادة موثوق به يتمكن من الاستجابة السريعة لمعظم النكسات.
إذا كنا على استعداد للتنازلات التي تنطوي على المساس بالمبادئ اللاسلطوية لصنع الحرب(كما فعل في نهاية المطاف الأناركيين الاسبان) فنحن بحاجة الى ان ننظر في وجه التحديد ما هي التدابير الواجب اتخاذها لمنع تلك التنازلات من التراجع عن المشروع الثوري برمته. يبدو أن هناك عددا من الأمور الأساسية هنا : انتخاب الضباط ، والقضاء على الفوارق الاجتماعية التى لا لزوم لها بين الضباط وجنودهم ، الالتزام بتطوير المهارات القيادية للجنود والتشكيلات وذلك فى معارضة مع مبدأ الاعتماد على الضباط من النظام القديم وما شابه ذلك. لكن هذه الأمور لا يمكنها إخفاء الطبيعة الاستبدادية أساسا للجيش : التبعية المطلقة لهيكل القيادة ، والتدريبات التي تعد الجنود نفسيا لتلقي الأوامر ، وتعليق الحقوق الديموقراطية الأساسية في سياق الاشتباكات العسكرية وهلم جرا.
الاعتراف بضرورة الجيش لا يعني القبول بأى جيش قديم. واحدة من القضايا المركزية للثورة الأسبانية كانت محاولة دمج الميليشيات في الجيش الجمهوري النظامى الجديد. وجاء الكثير من الزخم لهذه العسكرة من الحزب الشيوعي ، والذي بحكم علاقاته مع الاتحاد السوفياتي ، كان على استعداد للسيطرة على قيادة جيش من هذا القبيل. قاومت الميليشيات الأناركية وPOUM هذه العملية بدرجات متفاوتة. في نهاية المطاف كانت معظم الميليشيات الأناركية إما أدرجت في الجيش الجديد أو أنحلت بواسطته. فى حين كانت مجموعة واحدة عسكرية قاومت العسكرة و هى الميليشيات على جبهة غاليسيا. فبدلا من الانضمام إلى الجيش عادوا إلى برشلونة ، وشكلوا أنفسهم فى جماعة أصدقاء ديوارتى. لعبت أصدقاء ديوارتى دورا محوريا في أحداث مايو 1937 في برشلونة ، داعية القوى الأناركية للحفاظ على مترايسها عندما كانت قيادة الاتحاد الوطنى للشغل اللاسلطوية تعظ بالتوافق مع الشيوعيين. بعد هذه الأحداث أصدر أصدقاء ديوارتى كتيب “نحو ثورة جديدة” الذي حلل هزيمة الثورة الإسبانية وطرح مقترحات لتجددها. وعلى عكس الأناركيين اليوم الذين يرون في الميليشيات الاسبانية نموذج للتنظيم العسكري الأناركى، يرى أصدقاء ديوارتى ، ويقترحوا إما معارضة الجيش الجمهوري أو الاعتماد الحصري على ميليشيات جيش ثوري :
“وفيما يتعلق بمشكلة الحرب ، عدنا لفكرة الجيش الذي يخضع لسيطرة مطلقة من الطبقة العاملة. الضباط مع أصولهم في النظام الرأسمالي لا يستحقون أدنى الثقة منا. التسريبات كانت عديدة و يمكن الاستغناء أكثر عن الكوارث التي واجهتنا وصولا الى الخيانات الواضحة من قبل ضباط في الجيش ، بفيما يتعلق بالجيش نحن نريد جيش ثورى بقيادة العمال حصرا ؛ وإذا كان ينبغي الابقاء على أي ضابط ، فإنه يجب أن يكون تحت رقابة صارمة “.
في هذا الاقتباس مراوغات الأناركية المعتادة. هزائم الميليشيات نتيجة للخيانات ، ولذلك فالحل هو جيش ثوري.نريد العمال في السيطرة ولكن نحن نعلم أننا سوف نحتاج إلى الخبرة من الموظفين الفنيين. إلا أن ذلك تحسنا كبيرا عن الاحتفال الساذج بالميليشيات الذي يمر به التفكير الأناركى العسكري اليوم.
السؤال عن طابع الجيش الثوري الحقيقى هو المهم. أصدقاء ديوارتى تعرفوا بشكل صحيح على الطابع الطبقي للجيش وقيادته و في تحديد دوره الحاسم في الثورة. حتى الآن كنا نتحدث عن الجيش تماما في دوره كمدافع عن المكاسب التي تحققت بالفعل من قبل الثورة. السؤال الواضح التالى هو ما هو الدورالذى يمكن أن يلعبه الجيش الثوري في توسيع المنطقة الثورية ، تحقيق الثورة فى مناطق جديدة في الواقع. وهذا بالتأكيد ما قد تم سؤال عنه ما إذا كان الجيش الثوري في اسبانيا قد تمكن من هزيمة قوات فرانكو ، واجتاح الاراضي التي كانت حتى ذلك الوقت لم تطرق من قبل الثورة.
تاريخيا ، بدأت العديد من الجيوش مع الأهداف الثورية. كتاب الجيوش في الثورة ل جون إليس ، هو معالجة قيمة لتلك التجربة من وجهة نظر مؤرخ عسكري. اليس يقول ان كل جيش ثوري من جيش أوليفر كرومويل هو نموذج جيش جديد بما في ذلك الجيش الأحمر السوفياتي الذى كان جيشا في خدمة طبقة الأقلية. انه يدعم إنجازات جيش تمرد ماخنو في مواجهة انتقادات له من قبل البلاشفة. انه لا يتعامل مع الثورة الإسبانية (ربما لأنه لا يقدم أي مثال على الجيش الثوري الحقيقى). وأخيرا يشير الى الجيش الشعبي لتحرير في الصين كمثال واحد من الجيوش التي نفذت برنامج الطبقة الثورية الأغلبية المضطهدة ، أي إعادة توزيع شامل للأراضي على الفلاحين الفقراء. لقد جادلت في وقت سابق ان الثورة الصينية ثورة رأسمالية في نهاية المطاف ، وأنا أزعم أن جيش التحرير الشعبى الصينى نفذ ، على الأقل حتى 1949 ، البرنامج الذي يتفق مع المصالح المشتركة للفلاحين و الطبقة الرأسمالية الجديدة التي يمثلها قادة الحزب الشيوعي. و على الرغم من هذه المؤهلات أود القول بأن التجربة الصينية لا تزال مسألة هامة من وجهة نظر تمحاولات وضع الاستراتيجية العسكرية الثورية التحررية.
الطبقة الثورية
المشاكل التي تثيرها التجربة الصينية هي في الأساس نتاج تخلف الصين والواقع أن الطبقة الوحيدة التي يمكن أن نأمل في أن تستطيع قلب الرأسمالية ، وهى البروليتاريا ، كانت غائبة تقريبا عن الساحة السياسية الصينية. لقد أشرت من قبل إلى المشاكل التي تطرح على الطبقة التي وضعت تاريخيا تحت الظروف ما قبل الرأسمالية بعد الاستيلاء على الاقتصاد الوطني الذي يكون متكاملا بالفعل في الرأسمالية العالمية. هناك بعض الميل الأناركى لدعم ثورات الفلاحين مع تجنب الحدود الملازمة لها. وينبغي مهما كان الوضع أن يكون واضحا الآن أنه باسم العولمة الرأسمالية يتم تسارع الخروج من سيطرة رأسمال وطني واحد، أي أن الطبقة الوحيدة التي لديها الأمل في أن تنقلب على هذا النظام هي الطبقة العاملة العالمية.
التكوين الساحق للحركة الأناركية من الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة ، والتمسك العقائدي من جانب الطبقة العاملة بمختلف الطوائف الماركسية ، جعل العديد من الأناركيين مترددين في اتخاذ موقف واضح لصالح اتجاه الطبقة العاملة. بدلا من ذلك ينظرون إلى الطبقة العاملة باعتبارها واحدة من العديد من نقاط مرجعية أو “الهويات” التي تسير معا لتنفيذ العملية الثورية. التعددية في هذا الموقف هو فضلها الفريد. ولكن معالجة الطبقات الاقتصادية بالطرق نفسها التي نعامل بها هويات عرقية أو جنسية فإننا نغفل عن حقيقة أن الرأسمالية تمارس القهر والاستغلال المزدوج لتوليد الأرباح التي تغذي التوسع المستمر والحيوية في مناطق جديدة ومجالات جديدة لحياتنا (بما في ذلك الهوية العرقية والجنسية).
الهجرة وحركات رؤوس الأموال العابرة للحدود على نحو متزايد جعلت المفهوم المجرد عن البروليتاريا العالمية واقع يعيشه مئات الملايين من الناس. والتحضر السريع في العالم الثالث يعني بصورة متزايدة أن البروليتاريا وليس الفلاحين في تلك البلدان هي التي في وضع أفضل لمواجهة الاستعمار الجديد. لا ينبغي أن ينظر إلى البروليتاريا ككيان متآلف يمثله حزب واحد (على غرار مختلف التيارات الماركسية) ، بل بوصفها الهيئة التي يتوقف على وحدة وحرية أجزائها المختلفة للقتال من أجل مصالحهم داخلها. الكفاح من أجل تحرير المرأة أو الاعتراف بحقوق الجماعات العرقية المختلفة ليست معارك تؤجل بعد أن تستولي البروليتاريا على السلطة في العالم ، ولكنها السلائف اللازمة لهذا الاستيلاء على السلطة التي توضح اتجاه الثورية للبروليتاريا.
استنتاج
لقد سعيت في هذه الورقة إلى استخلاص بعض الإخفاقات للحركة الأناركية. أنا هنا لست مجادلا للتخلي عن التوجه اللاسلطوى عموما ، ولا تعديل في الأهداف النهائية للأناركية. ومع ذلك أنا اجادل أن صلاحية هذه الأهداف يتوقف على عدد من العوامل حيث قاوم الأناركيين مواجهة هذه الحقائق السياسية ونتيجة لذلك فإن الأناركية ذبلت كبديل ثوري ذا مصداقية للايديولوجيات الفاشلة الماركسية والقومية المختلفة.
ليس من الواضح لي أن الأناركية ، كما تم تعريفها من خلال الممارسة التاريخية على مدى القرن الماضي ، تقدم إطارا ملائما لاعادة بناء المشروع على أسس ثورية تحررية. فمن الواضح بالنسبة لي أنه في حين أن التجربة التاريخية للماركسية لا تقدر بثمن ، وبينما الماركسية تقدم الأدوات التحليلية الهامة لفهم العالم الذي نعيش فيه ، أن الماركسية باعتبارها إطارا فلسفيا شاملا أثبتت أن السلطوية لا يمكن استرجاعها.
هناك حاجة ملحة لتطوير مجموعة جديدة من نظرية ثورية تقطع بشكل حاسم مع الدوغمائية والسطحية السياسية الأناركية وكذلك مع جوهر الماركسية الاستبدادي.
يجب على أي نهج نظري جديد لهذا المشروع الثوري مواجهة ليس فقط التجارب التاريخية الهامة التي تناولتها تلك الورقة ولكن أيضا الظروف الجديدة التي نواجهها ، ولا سيما احتمالات جديدة لبناء منظمات ثورية دولية حقيقية متجذرة في الطبقة االعاملة العالمية على نحو متزايد .
يتعالى السياسى الإصلاحى على ما توقعته الجماهير من نجاح الانتفاضة الثورية بمصر فى اسقاط رأس النظام، وهو أن تنخفض أسعار السلع والخدمات أو تستقر على الأقل، وأن ترتفع الأجور، وكأن الجماهير كانت لابد وأن تنتفض فقط لكى يمكنه أن يتداول التسلط عليها مع منافسيه من الساسة الآخرين بحرية ونزاهة فيما يسمى بالديمقراطية البرلمانية، ولكن الحقيقة أن خروج الملايين للشوارع كان بسبب احتياجها للخبز فبدونه لا حياة لهم، وبدونه أيضا لا حرية لهم فى أن يختاروا من بين هؤلاء الساسة من سوف يكون عليه الدور ليحكمهم كل عدة سنوات، فالجائع لا يمكن أن يعرف معنى الكرامة قبل أن يسد حاجة المعدة، وطالما أن الأجور لا تلبى احتياجات الفقراء المادية، فهم إما إن يطالبوا برفعها، أو باستقرار الأسعار أو خفضها، أو أن ينتفضوا ضد من يعوق تحقق أحلامهم البسيطة، وهو ما حدث بالفعل.
لا يدرك معظم الناس أن الأسعار التى يدفعونها فى السلع والخدمات حاليا هى أكبر بأضعاف مضاعفة من تكلفتها الحقيقية، وأن ما يجب أن يدفعوه فى الخدمات فى كثير من الأحيان لابد وأن يكون رمزيا أو بلا مقابل، وذلك لسببين الأول أن هناك تضخم هائل فى حجم الأموال المتداولة فى سوق الأموال العالمى، يبلغ تقريبا تسع أضعاف الناتج الإجمالى العالمى فى الاقتصاد الإنتاجى، والثانى أن هناك جشعا رهيبا فى تسعير السلع والخدمات نتيجة الاحتكارات والأوضاع الاحتكارية، وهذا ليس شأنا محليا على الإطلاق، يمكن إصلاحه بتغيير النظام فى مصر، و لا بتغيير الحكومات، أو بتداول السلطة بين السياسيين الإصلاحيين الذين لا يملكون إلا تسويق الشعارات، والحلول الوهمية قبل وصولهم للحكم، ليعجزو عن الوفاء بما وعدوا به عندما يحكمون، فلا يستطيعون أن يفعلوا سوى اعطاء المسكنات لأعراض الداء.
ما نحن بصدده ظاهرة عالمية، بدأت مع بدايات القرن الماضى، بسبب سيطرة رأسالمال المالى على الاقتصاد العالمى، ونمت إلى هذا الحجم المخيف الآن مع اوائل القرن الواحد والعشرين، ولا شك أن تفاقمها على هذا النحو أحد الأسباب المفجرة لتلك الموجة الثورية العالمية الحالية، المندلعة فى العديد من البلاد، تحت ضغط الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، وثيقة الصلة بتلك الظاهرة.
النقود مجرد وسيلة للتبادل لاقيمة لها فى حد ذاتها، و هى مجرد تعبير رمزى عن الثروات فى الواقع من سلع وممتلكات، ومن ثم فلابد وأن تكون قيمة النقود مساوية لقيمة الإنتاج المحلى، وفق القواعد المستقرة فى المالية العامة، والتى اعتبرت أنه من الجنون أن تطبع الحكومة نقودا تزيد عن تلك القيمة، فالأثر المرعب لهذا الفعل هو زيادة الطلب على العرض، ومن ثم زيادة الأسعار فيما يعرف بالتضخم، ولذلك تم تشريع العقوبات فى مواجهة تزييف النقود، وهذا ما يلاحظه الناس مثلا عند أى زيادة حكومية للأجور، فإنه يتلوها ارتفاع فى الأسعار، والتى لا يمكن كبحها فى ظل السوق الحرة إلا بتسعيرالسلع والخدمات جبريا.
النقود مجرد أوراق تملك قيمتها من كونها ضمان للدفع محمى بقوة القانون، الذى تشرعة وتراقب تنفيذه الدولة التى أصدرتها، و لابد وأن تكون مغطاة بالإنتاج الذى يتم تدواله عبر النقود كوسيط للتبادل، فإذا قلت النقود عن قيمة الإنتاج فسوف يحدث ركود، وتنخفض الأسعار، وإذا زادت النقود حدث التضخم وزادت الأسعار، فالنقود المتداولة فى السوق لابد وأن تساوى فى النهاية قيمة ما تتوسط بينه فى عمليات الشراء والبيع، هذا ما كان يحدث قديما حتى جرت مياة فى نهر الاقتصاد العالمى، أزالت القداسة عن تلك القاعدة التقليدية.
فيما يتعلق بأثر الإلتزام بهذه القاعدة والإخلال بها، لو أخذنا مصر كنموذج، فسوف نجد أنها خرجت من الحرب العالمية الثانية، وحجم ديونها الخارجية صفر تقريبا، بل ودائنة لبريطانيا التى أنهكت فى الحرب، وكانت قيمة الجنية الذهب فى ذلك الوقت أقل قليلا من قيمة الجنية الورقى، أما الآن فى ظل الظروف الاقتصادية الجديدة، فحجم الدين المحلى يقترب من حجم الإنتاج الإجمالى المحلى، حيث يبلغ 89% منه تقريبا، وبالإضافة إلى الدين الخارجى فسيتضح أن مصر تنتج ما يقل كثيرا عن ما عليها سداده من ديون، و من ناحية أخرى وصل سعر الجنية الذهب إلى ما يزيد عن 2500 جنية ورقى، و يوحى هذا الرقم بالحجم الرهيب فى ارتفاع أسعار السلع عبر السبع عقود الماضية، الأمر الذى لم تلاحقه زيادة الأجور بنفس المعدل، و قد وصل سعر صرف الدولار الأمريكى إلى ستة أضعاف سعر الجنية بعد أن كان الجنية خمس أضعاف سعر الدولار فى سوق الصرف، ذلك لأن الدولار الأمريكى لم يكن عملة الصرف المعتمدة فى التجارة الدولية فى تلك الأيام.
ما يهمنا هنا أن نعرف أن ما حدث ليس له علاقة جوهرية بنظام ما قبل 52 ولا بنظام ما بعد 52، و لا شأن لفاروق، أو عبد الناصر أو السادات أو مبارك و لا من سوف يأتى بعدهم بالموضوع، لأنهم أشخاص مفعول بهم لا فاعلين، حتى ولو كان لهم هامش مناورة و حركة محدود بقيمة اقتصادهم القومى فى الاقتصاد العالمى، حتى و لو كانوا أسود على شعوبهم فهم فى النهاية مجرد نعاج أمام رغبات الرأسمال العالمى، فحريتهم فى الحركة عالميا لا تتجاوز هامش النظام العالمى لا مركزه، وهم يتحركون من موقع التبعية للمركز شاءوا أم أبوا، أما ما يروج له الساسة والنخب بين الجمهور من عنتريات ما قتلت يوما ذبابة، حول أوهام الاكتفاء الذاتى، والتحرر الوطنى، والتنمية المستقلة، طلبا للمشجعين لهذا الرئيس أو ذاك، أو هذا الحزب أو ذاك، فهو من قبيل الدعاية الأيديولوجية، والثرثرة الفارغة، لا علاقة لها بحقيقة المسألة، ولا غرض منها سوى رغبة الساسة فى التسلط على الجماهير ببيع الأوهام لها، و فيما يتعلق بتفكير الجماهير فهم أقرب لتفكير الفلاح القرارى الذى لا يتجاوز عالمه حدود قريته، غير مدرك المدى الهائل لتأثير ما يحدث فى المدينة، و ما وراء حدود بلاده على مصيره.
العوامل المؤثرة فى القصة ليست الطباع الشخصية والقرارات السياسية للرؤساء والملوك، الذين تتابعوا على حكم مصر، ولكنها حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية، خرجت من الحرب الثانية، باستثناء الكتلة السوفيتية، وهى أكبر الدول الصناعية الدائنة إن لم تكن الوحيدة، وصاحبة أكبر احتياطى محلى من الذهب، وتنتج بمفردها ما يزيد عن نصف الإنتاج الإجمالى العالمى، الذى كان فى معظمه عندئذ إنتاج سلعى، حيث لم يكن كل من الاقتصاد المالى و الاقتصاد الخدمى قد بلغا هذا الحد من التغول حينذاك، فى حين أن كل الدول الصناعية غربا وشرقا، خرجت مفلسة و مدينة ومدمرة، و بناء على ذلك تم عقد اتفاقية بريتون وودز عقب الحرب الثانية التى تم الاتفاق فيها على أن يكون الدولار الأمريكى هو عملة التدوال المعتمدة فى التجارة الدولية بضمان احتياطى الذهب الأمريكى، جدير بالذكر أن أيام عبد الناصر كان جزءا كبيرا من التجارة الخارجية مع الكتلة السوفيتية، ولذلك لم يتجاوز سعر الصرف للدولار نصف جنيه، وازداد السعر مع عصر انفتاح السادات، وتفاقم على عهد مبارك مع انهيار الكتلة السوفيتية.
بعد الحرب العالمية الثانية أخذ الدولار الأمريكى يغزو جيوب المقترضين والمتعطشين للاستثمار والاستهلاك، عبر العالم، دولا ومؤسسات وأفراد، وشهد العالم فترة رواج طويلة الأمد، بدعم فيض القروض الأمريكية، ودعم الكتلة السوفيتية، فيما عرف بربع القرن المجيد الذى امتد حتى أوائل السبعينات، والتى نهضت فيه الدول الصناعية التقليدية مجددا، لتدخل عملاتها الحرة سوق التجارة الدولية، و كان من الطبيعى أن تعقب فترة الرواج الطويلة فترة كساد بعد أن تشبع السوق بالسلع، و التى كان لابد وأن تنخفض أسعارها إلا أن ما حدث هو العكس تماما إذ أخذت الأسعار تزيد رغم استمرار الركود، مخالفة بذلك القواعد الاقتصادية.
والسبب فى ذلك أنه فى مواجهة الركود فى الإنتاج السلعى الذى لحق بالدول الصناعية المتقدمة، تم إلغاء إتفاقية بريتون وودز، وأصبح الدولار وباقى عملات السوق الحرة، بلا غطاء سلعى يحميها و يضمنها إلا القوة العسكرية ذاتها لتلك الدول، حيث لم يعد حجم عملات السوق الحرة يعبر عن حجم الإنتاج المحلى للدول التى تصدرها، و أخذت الدول الصناعية المتقدمة تطبع المزيد من العملات، وتصدر المزيد من السندات المالية للتداول فى السوق العالمية، متجاوزة القاعدة القديمة، مشجعة المقترضين على المزيد من الاقتراض، ومحفزة المستثمرين على شراء سنداتها، وعملاتها، والاحتفاظ بها، والمضاربة عليها، والمتاجرة فيها، ولما كانت السندات هى ديون علي الدول والمؤسسات التى أصدرتها، فإنها عند العجز عن تسديدها أو دفع فوائدها، فإنها تصدر المزيد من السندات لسداد ديونها وفوائدها، وتحولت بذلك لدول مدينة لحاملى سنداتها من دول ومؤسسات وأفراد عبر العالم، والأخطر أن قيمة الديون وفوائدها المتراكمة تحمل على سعر السلع التى يستهلكها المستهلك دون أن تكون له أى علاقة بالديون.
والجدير بالذكر أن تلك القروض التى تراكمت لدى الدول المدينة كثيرا ما كانت نتيجة لسداد الديون القديمة وفوائدها أو لشراء سلع استثمارية أو استهلاكية، كشكل من أشكال التصريف الإجبارى لمنتجات الدول الدائنة، والمثال الفج على ذلك ما تشتريه سنويا دول الخليج العربى من أسلحة تنتجها الدول الصناعية التقليدية، لا تمكنها كثافتها السكانية من استخدامها الفعلى، فتتركها للصدأ، وتستدعى جيوش نفس الدول لتحميها عند تعرضها للخطر، كما حدث فى حرب الخليج، وفى تطور لاحق أصبح ما تصدره حديثا الدول الدائنة للدول المدينة، ليس سلعا فحسب بل خدمات تأمين وقروض وسندات وأوراق مالية، وحقوق ملكية فكرية وحقوق تصنيع وتجميع وعلامات تجارية وخلافه، تزيد من أسعار السلع المحملة بتكلفة تلك الخدمات.
ومع زيادة الطلب على الدولار وباقى عملات السوق الحرة، والسندات المالية، والمضاربة عليها، والمتاجرة فيها، أخذ حجم النقود والأوراق المالية، يزيد بشكل متضاعف فى العالم عن حجم الإنتاج العالمى الحقيقى، مما تسبب فيما يسمى بالركود التضخمى، وكان هذا هو الحل الذى طبقته الدول الصناعية المتقدمة فى مواجهة أزمة الركود، و هو تشجيع الناس على المزيد من الاستهلاك، والمزيد من الاقتراض، بالمزيد من طباعة النقود، و اصدار السندات، والتشجيع على تداولها بينهم، و تحفيزهم على المتاجرة فيها، والمضاربة عليها، ليزيد سعرها أو يقل، مع تقلبات سوق المال، و التى لم تعنى فى النهاية سوى المزيد من الديون، على الدول المصدرة للسندات والعملات والدول المستوردة لها على السواء.
والسؤال هنا لماذا لم يتم اتباع سياسات زيادة الطلب العام على السلع والخدمات، بتشغيل العمالة لزيادة الاستهلاك، لمواجهة كساد السبعينات، بعد أن ثبت نجاح تلك السياسة فى مواجهة أزمة الثلاثينات، والإجابة هى أن السياسات نفسها وعلى المدى الطويل من تطبيقها، تسببت فى التضخم الحادث، فقد وفرت حالة رواج ما بعد الحرب الثانية، تشغيل شبه كامل للعمالة، وتوسع سوق الخدمات فيما يسمى بدولة الرفاهية، والرعاية الاجتماعية، وتشجيع الأفراد على انماط كمالية وترفية من الاستهلاك للسلع والخدمات، وهذا أدى لزيادة التكلفة الإنتاجية فى الدول الصناعية المتقدمة نتيجة ارتفاع الأجور، التى كانت تعنى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار، مما تسبب فى هجرة الصناعة كثيفة العمالة من الدول الصناعية المتقدمة فى مرحلة لاحقة للدول الصناعية الحديثة، هربا منها للأيدى العاملة الرخيصة، لتتحول الدول الصناعية المتقدمة إلى دول مستوردة للسلع المصنعة، و مصدرة فى نفس الوقت للخدمات، فضلا عن السلع عالية التقنية، وهو ما احتفظت به لنفسها، وليتركز الدولار وغيره من عملات السوق الحرة أكثر فأكثر فى يد الدول الصناعية الحديثة، فتصبح إحداها، وهى الصين بمفردها نتيجة هذه السياسة، منتجة لنصف الإنتاج السلعى العالمى، وأكبر دائنة للولايات المتحدة، دون أن تفكر فى التخلى عن الدولار كوسيط للتبادل فى التجارة الدولية، حتى لا تنهار أسعار صرفه، و تفقد بذلك قيمة ديونها لدى الولايات المتحدة، وتخسر احتياطها من النقد الأجنبى، برغم أن ما تحوزه من دولارات وسندات أمريكية لا قيمة فعلية تستند عليها، كم أنه على الجانب الآخر يمكن للولايات المتحدة سحب دولاراتها من الصين فتمتص ثروات الصين من النقد الأجنبى، ولكن هذا يعنى انهيار سعر الدولار فى الأسواق، فالوضع فى التجارة الدولية هو لعبة عض أصابع متبادل بين دائنين ومدينين فى نفس الوقت، و لا أحد يريد أن يصرخ مفلتا أصبع الآخر من فمه، و لا أحد يريد أن يقطم أصبع الآخر، مفضلين حالة التوازن المؤلم بينهم.
يكتسب قطاع الخدمات إذن كل هذه النسبة الهائلة التى تدور ما بين 70% و 80% فى إجمالى الناتج المحلى فى اقتصاديات الدول عالية النمو ليس على أساس من قيمة الخدمات الفعلية فى الاقتصاد، إذ تكمن مكاسبها الهائلة فى معظم الأحيان من احتكار مقدمى الخدمات، على حساب نقص ما يربحه منتجى القيمة الفعلية التى يتم إنتاجها فى الاقتصاد السلعى، فسعر السلعة محمل بتكلفة خدمات الإعلان والنقل والتغليف وفوائد القروض وقيمتها و أقساط التأمين وتكلفة الأمن والتخزين وغيرها من خدمات دونما علاقة لهذه الخدمات بتحديد قيمتها الحقيقية، وإن كانت فى نفس الوقت ترفع من سعرها فى السوق، فيدفع المشترى ثمن ما لا يستهلكه من خدمات، وهذا نوع من اللصوصية يتحمله المستهلك، وهو لا يدرى.
نتيجة حرصها على تشجيع أنماط الاستهلاك المسرفة، والحفاظ على مستويات المعيشة المرتفعة، التى اعتاد عليها المواطن هناك، تحولت الولايات المتحدة مثلها مثل الدول الصناعية التقليدية، من أكبر الدول الدائنة إلى أكبر الدول المدينة فى العالم، بقيمة الأوراق المالية التى صدرتها للعالم وفوائد هذه الأوراق المالية ، ومن أجل سداد هذه الديون وفوائدها مازالت تصر على إصدار سندات جديدة لسداد قيمة وفوائد السندات القديمة، والديون كلها مجرد ورق مضمون بالقوة العسكرية للولايات المتحدة لاعلاقة له بالاقتصاد الحقيقى، و لا بما تنتجه تلك البلاد من سلع.
والنتيجة النهائية لتلك العملية ضخ المزيد من النقود فى سوق التداول، والمزيد من زيادة الطلب، والمزيد من ارتفاع الأسعار، وتسرى نفس النتيجة على الدول المدينة أيضا بما سحبته من قروض من الدول الدائنة، لتشترى سلعها وخدماتها، وهى بدورها تستمر فى الاقتراض، واصدار السندات لسداد القروض القديمة وفوائدها المتراكمة، لتزيد فى النهاية حجم ديونها .
كما إنه من نافل القول أن الاحتكارات والأوضاع الاحتكارية وشبه الاحتكارية، تفرض ما يسمى بالسعر الاحتكارى على السلعة بما يزيد كثيرا عن تكلفتها، وهو وضع تستفيد منه الشركات متعدية الجنسية.
الحقيقة أن الاقتصاد العالمى أصبح فى معظمه بعيدا تماما عن الاقتصاد الإنتاجى الحقيقى، و الذى يبلغ حجمه عشر الاقتصاد العالمى، أما الاقتصاد المالى الرمزى فيستحوزعلى 90% من الأموال برغم أنه مجرد عمليات تداول للديون الموجودة فى شكل أوراق مالية من نقود وسندات وأسهم، والمضاربة عليها، مما يزيد من أسعارها، والنقود الزائدة نفسها، والناتجة عن هذه العملية تزيد من الطلب على السلع والخدمات فى السوق، ومن ثم ترتفع أسعارها.
ونظرا لأن الأرباح فى الاقتصاد الرمزى أعلى منها فى الاقتصاد السلعى، و أقل مخاطرة وأقل طلبا للجهد والعمل، فإن هذا اللون من الاستثمار يحجز 90% من الأموال بعيدا عن الاستثمار فى إنتاج السلع الضرورية لحياة الناس، وهذا بدوره يحافظ على الأسعار فى هذا المستوى المرتفع بدلا من الانخفاض المتوقع فى حالة الاستثمار الواسع فى الإنتاج السلعى، ولك أن تتخيل مقدار ما يمكن أن تبنية تلك الأموال المجمدة من مصانع، وما يمكن أن تستصلحه من أراضى، وما يمكن أن توظفه من عمالة، وتأثيرها على ارتفاع مستوى رفاهية سكان الأرض، وتخفيض عدد ساعات العمل، والقضاء على الندرة والبطالة بينهم.
هل يمكن الخروج من تلك الدائرة الجهنمية، بأن تنخفض أسعار السلع والخدمات كما توقعت تلك الجماهير وخرجت لأجله فى انتفاضتها، على نطاق محلى كما يعدها بهذا الساسة الإصلاحيون، من الواضح أن الخروج من المأزق العالمى الطابع لن يكون إلا على نطاق عالمى لتصفية اقتصاد الإقراض والوساطة التجارية والسمسرة و المضاربات والمتاجرة فى الديون، فكل تلك الأموال المستثمرة فى الاقتصاد الرمزى تعبر الحدود بسهولة، ويحوز ملاكها سلطات تفوق أقسى الحكومات سطوة، ويخضع لإرادتهم كل الساسة الإصلاحيين، والذين يجب و أن يلبوا أوامرهم لا أوامر الجماهير التى انتخبتهم، و مهمة التخلص من تلك الديكتاتورية فوق الحكومية، لن تنجزها دولة بحجم مصر الاقتصادى، و لا الدول العربية مجتمعة كما يبشر بهذا القوميون العرب، و لا الدول الإسلامية مجتمعة كما يبشر بهذا الإسلاميون، أنها مهمة عالمية تتجاوز حدود كل الدول مهما كبرت، بما فيها الولايات المتحدة بذاتها، ولذلك فهناك خيوط قوية تجمع بين ما حدث فى مصر وتونس وليبيا، وبين ما يحدث فى اليونان وأسبانيا والولايات المتحدة، فالقضية واحدة ، والمقاومة واحدة، وإن كان الوعى بأبعاد القضية وحلها مازال محدودا للغاية، والسبب فى هذا هم الساسة الإصلاحيين محدودى الأفق الذين يعوقون تطوير العملية الثورية، بإدعاءتهم الواقعية، و بما يسوقوا له من أوهام إصلاحية بين الجماهير، والمشكلة أيضا فى الجماهير التى مازلت تفكر كالفلاح القرارى، الذى لا يتجاوز أفقه حدود قريته.
من يملكون الأموال المستثمرة فى الاقتصاد المالى، لا يمكن إلزامهم بدقة بدفع الضرائب لأنهم ببساطة يستطيعون تحويل أموالهم عبر الحدود، وتهريبها إلى الجنات الضريبية، ولا يمكن مقاومة جشعهم للربح، بالنضالات العمالية التقليدية، ولذلك فكل الوسائل التقليدية للدولة القومية لن تفلح فى استئصالهم، ما يمكن أن يفلح فقط هو اسقاط الشرعية القانونية، والحماية الدولية عن ما يمتلكوه من أوراق مالية وسندات ونقود، لتعود مرة أخرى مجرد أوراق لا قيمة لها، أو أن يجبروا على استثمارها فى الاقتصاد الحقيقى، ولما كانت كل الحكومات متورطة فى إضفاء الحماية الشرعية والدولية على ما يملكوه، فإنه لا حل للمشكلة إلا باسقاط كل الحكومات التى تحميهم، وبناء ديمقراطية مباشرة حقيقة على كل الأرض، و فى كل الوحدات السياسية والإدارية و فى كل منشئات العمل والسكن، بدلا من تلك الديمقراطية البرلمانية المزيفة التى تعبر عن سلطة الرأسماليين والبيروقراطيين والساسة المهيمنين على الكوكب، و فيما يتعلق بإمكانية التطبيق العملى للديمقراطية المباشرة الآن وليس غدا، عالميا ومحليا رجاء الإطلاع على كتاب سياسة بلا سياسيين ل (عكيفا أور) على الرابط
http://www.abolish.power.org
فالديمقراطية المباشرة هى ما يمكن أن تحقق تطلعات الجماهير المنتفضة، لا دوامة الديمقراطية البرلمانية العبثية.
و يمكن اقتراح العديد من الإجراءات على الجماهير فى حالة حصولهم على السلطة لتحقيق أمالهم، و يمكن طبعا تطبيق هذه الإجراءات بعضها أو كلها، كليا أو جزئيا، محليا أو عالميا، وفق توازنات القوى، وما سوف تؤول إليه الأوضاع فى المستقبل، و وفقا لإجابة التاريخ على سؤال اللحظة، هل نحن بصدد المناوشات الأولية لثورة عالمية قادمة، سوف تقلب النظام القائم رأسا على عقب، أم مجرد سلسلة انتفاضات ثورية سوف تؤول لإصلاحات محلية، تحافظ على جوهر النظام؟، مع الإقرار بأن الحل النهائى والكامل لن يكون إلا فى إطار ثورة عالمية.
الاجراءات المقترحة التى يمكن أن تحقق انخفاض حاد فى أسعار السلع والخدمات لصالح المستهلكين يمكن تلخيصها فيما يلى:
1. إلغاء الديون والرهون وفوائدها المتراكمة.
2. تجريم ومنع المضاربة على السندات والنقود والأوراق المالية والأسهم والسلع والمعادن والمقتنيات الثمينة والعقارات.
3. إلغاء العوائد المالية لحقوق الملكية الفكرية و التصنيع و التجميع و العلامات التجارية والرخص التجارية.
4. إلغاء استخدام عملات السوق الحرة كعملات التدوال المعتمدة فى التجارة الدولية، واستخدام وسيط آخر للتبادل الدولى بشرط أن يكون إصداره وحمايته وضمانه غير مرتبط بدولة معينة.
5. تفكيك الاحتكارات وتصفية الأوضاع الاحتكارية فى كل القطاعات الاقتصادية.
6. تخفيض عدد ساعات العمل فى كل القطاعات بما يسمح بتشغيل كل المتعطلين عن العمل، وصولا للتشغيل الكامل للعمالة، مع الحفاظ على نفس مستوى الأجور من الانخفاض.
7. حرية الهجرة والإقامة والعمل مقابل حرية التجارة وتدفق الاستثمارات.
8. ربط الأجر بالإنتاجية ووقت العمل الفعلى.
9. تركيز الاستثمارات فى قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات الاجتماعية الضرورية.
10. تعميم التعاونيات الاستهلاكية لتكون أداة التبادل الوحيدة بين المنتجين المباشرين للسلعة والمستهلكين المباشرين للسلعة.
11. تعميم التعاونيات الإئتمانية والتأمينية، فى قطاعات الإئتمان والتأمينات،.
12. أن تتم كل عمليات البيع والشراء عبر حسابات جارية بلا فوائد، للأفراد والمؤسسات بالبنوك التعاونية و ببطاقات الإئتمان، وتجريم ومنع التداول خارج هذا النظام.
13. التسعير الاجتماعى للسلع والخدمات بناء على التوافق بالتفاوض الجماعى بين المنتجين والمستهلكين.
14. منح حق الإنتفاع بالعقارات غير المشغولة و لا المستخدمة، للمحرومين من المساكن والأراضى لاستخدامها، بمقابل رمزى.
15. تحرير البحث العلمى والتكنولوجى من سيطرة الشركات الرأسمالية والحكومات، ليخضع للإرادة الشعبية فى توجيه سياسته لتلبية مصالح البشر فى التقدم والرفاهية لا تحقيق الأرباح للرأسماليين والبيروقراطيين، وتوفير ما يلزمه من تمويل بعيدا عن الحكومات والشركات.
16. الإلتزام بأعلى مستوى ممكن من الجودة للسلع والخدمات وفق أعلى مستوى ممكن من التكنولوجيا المتاحة.
17. نزع السلاح من العالم، وحل كل الجيوش، والاكتفاء بقوات للشرطة خفيفة التسلح لحفظ الأمن، وإلغاء الإنفاق العسكرى، وتوجيه صناعة السلاح للأغراض السلمية لرفاهية البشر.
مازن كم الماز
– أولا أعتذر بشدة لتأخر ردي على تعليقاتكم و هواجسكم بسبب ظروفي الخاصة
– الحقيقة أن انعدام الوضوح هو صفة ملازمة لأية ثورة , إن لم يكن لأي تغيير , لكن هذا لا يمكن أن يعتبر عائقا أمام التغيير نفسه , خاصة إذا كان بإلحاحية و حجم التغيير المطلوب عربيا و سوريا , صحيح أنه يمكن أن يحل شكل جديد من الاستبداد و الاستغلال محل الشكل القائم , لكن هذا يشكل سببا و دافعا للنضال مع الجماهير ضد مثل هذا الاحتمال , و ليس للاستسلام لأنظمة الاستبداد و الاستغلال القائمة أو القادمة
– أيضا لا يمكن لتخويف النظام السوري , و أي نظام آخر على وشك السقوط , من بدائل شمولية محتملة له أن يعتبر أيضا سببا لاعتبار الخضوع و الاستسلام للقهر و الظلم و القمع الذي يمارسه و يجسده النظام القائم و لرفض الانخراط في عملية التغيير التي يقودها الشارع , واضح أن الشارع الثائر لا يلقي بالا لمثل هذا التخويف المنهجي لأنظمة الاستبداد من العيش بحرية أو من دونها … هل كان سيكون هناك أي معنى لمطالبة الفلاحين و فقراء المدن الفرنسيين في 1789 بالاستسلام لاستبداد لويس السادس عشر بتخويفه من ديكتاتورية بونابرت القادمة , أو مطالبة الجماهير الإيرانية بالاستسلام لسافاك الشاه بتخويفه من الحرس الثوري و باسيج ديكتاتورية الخميني القادمة ,
– لا أدري إن كان بمقدوركم تصديق هذا أم لا , لكني شخصيا لا أعتقد أن أي نظام سيأتي بعد نظام الأسد سيكون أسوأ منه ,
– ذكرنا البعض بالنقد القاسي الذي مارسه التحرريون السوريون تجاه اليسار السلطوي اللبناني الذي أيد دون تحفظ القيادات الإسلامية التقليدية و القوى السياسية التي تعبر عن الإقطاع السياسي لدى الطوائف الإسلامية أو غير المارونية في الحرب الأهلية و الذي طمس معالم خيار اليسار و الأهم معالم خيار الجماهير المستقل عن النخب الطائفية و الاجتماعية السائدة , لكننا اليوم لا نقف إلى جانب القوى الإسلامية في المعارضة السورية و لا إلى جانب المعارضة نفسها , إننا نقف إلى جانب خيار الجماهير و ننبهها باستمرار إلى أن هذا الخيار ليس فقط مستقل و نقيض لخيار استمرار النظام السوري القائم بل أيضا لخيارات القوى الشمولية في المعارضة نفسها إن لم يكن للمعارضة بأسرها , إننا نميز هنا بين قوى الإسلام السياسي و بين الجماهير المؤمنة أو حتى المتدينة من المضطهدين التي تشارك في صنع الثورات الحالية , نحن لا نتزلف لهذه الجماهير , لا نؤلهها , و أيضا لا نرغب بممارسة دور المعلم أو الملقن و الموجه معها , إننا باختصار معها في نضالها , ننتقد الظواهر السلبية في هذا النضال , نقدر شجاعتها و إصرارها على انتزاع حريتها , و نحاول أن نشرح مفهومنا التحرري عن هذه الحرية , على كل الصعد الاجتماعية و السياسية و الفكرية و العقيدية , يخطآ من يعتقد أن الجماهير التي منحت النهضة في تونس بعد الثورة مثلا الغالبية في المجلس التأسيسي تنتظر استبدال مدائح الطاغية الهارب بمدائح نبوية أو للصحابة أو الأئمة , تنتظر الجماهير حرية حقيقية و ان تحصل على عمل و مستقبل جدير بتضحياتها , هل سيكون الإسلام السياسي قادرا على ذلك بكل إرثه المثقل بالاستبداد و تبريره و تبرير الاستغلال , و بمؤسساته الهرمية و إيديولوجيته الإقصائية التي كرست و تكرس الاستبداد و الظلم و القهر الاجتماعي فكريا , أعتقد أن الجماهير التونسية و العربية عموما ستحتفظ بكمون ثوري عالي لفترة طويلة , كما أعتقد أن ألاعيب الساسة و ألاعيب السياسة النخبوية الفوقية بين من فازوا و سيفوزون في الجولة الأولى من الانتخابات في تونس و مصر ستكشف عن مرحلة جديدة من الأزمة في النظام و الثقافة السياسية السائدين , بين تلك الألاعيب التي تقوم على المحاصصات و المساومات التي تقوم على المصالح الأنانية الضيقة للساسة و أحزابهم و تكريس علاقات الإنتاج و الملكية القائمة على استغلال قلة للغالبية العظمى “كما صرح بذلك الغنوشي صراحة” و أيضا تكريس علاقات التبعية تجاه مراكز الميتروبول الرأسمالية التقليدية , و بين أحلام و رغبات الجماهير المنتفضة في حرية و عدالة حقيقيتين و في وضع حد للاستغلال و الظلم الاجتماعي , هذه المرحلة القادمة من أزمة النظام السياسي و الاجتماعي السائد هي التي ستطرح على الجماهير تطوير ثوراتها باتجاه تحرري فعلا و تجاوز أشكال السلطة النخبوية التي تنتجها “صناديق الانتخابات” و ستطرح على النخب الحاكمة الجديدة إعادة إنتاج أدوات و أساليب القمع القديمة و خلق أدوات و أساليب أخرى جديدة لاحتواء تطلعات الجماهير هذه و إعادة لاستقرار للنظام السياسي و الاجتماعي القائم بقمع و سحق الموجة الثورية , باختصار , أعتقد أنه كان في أية ثورة و هذا أيضا يوجد في الثورة السورية , خيار آخر إلى جانب خيارات القوى السلطوية المتنافسة التي تعبر عن الطبقات الاجتماعية المستغلة المهيمنة أو التي تنافسها على الهيمنة , هذا هو خيار المضطهدين , خيار الجماهير المهمشة و المستغلة و المستلبة , هذا هو خيارنا ,
– هناك الآن فرز واضح و شبه نهائي في صفوف اليسار العربي , هناك من ينوح على أطلال الأنظمة الشمولية التي تتهاوى تحت أقدام الشعوب , و من يرثي الطغاة الذين يتساقطون و سينضم إليهم قريبا ما تبقى من القوميين العرب الذين يتقمصون هذه الأيام وضعية ستالينيي الثمانينات و التسعينيات الذين لم يجدوا بعد سقوط الأنظمة الستالينية في شرق أوربا إلا البكاء على الأطلال و التشفي بالحركة الشعبية التي أسقطت تلك الأنظمة فقط لتقع تحت سيطرة نخب جديدة قديمة جاء بعضها من البيروقراطية الحاكمة سابقا و التي مارست و تمارس هي أيضا التهميش تجاه الناس و تستغلهم بشكل قد يكون أكثر لطافة لكنه بكل تأكيد ليس أقل همجية من أنظمة رأسمالية الدولة البيروقراطية الستالينية , و هناك بالمقابل من يدعم الموجة الثورية الحالية بدرجات مختلفة , أعتقد أنه إذا كان من الممكن التعايش بين هذه القوى تحت شعارات تجمع الفهم الستاليني للبديل الطليعي أو النخبوي و بين الفهم التحرري للبديل الجماهيري الديمقراطي “القائم على الديمقراطية المباشرة البروليتارية حقا” فإن هذا يصبح أكثر استحالة اليوم , هذا نشاهده بكل وضوح سوريا , في طرف مجموعتي فيصل أو النور و بكداش “المتحالفين” مع النظام و معهما تيار قاسيون “المعارض” على طريقة المنحبكجيين , و من جهة قوى يسارية صغيرة مختلفة تعلن التصاقها مباشرة بالانتفاضة و في الوسط بينهما يوجد تجمع اليسار الماركسي و حلفاؤه في هيئة التنسيق ,
– يعني ما يقوله أتباع النظام و من يسير على نصيحتهم من “اليساريين” العرب , القول للجماهير السورية – أنتم غير ناضجين بعد لكي نحكمكم , لستم “علمانيين” و “تقدميين” بما فيه الكفاية لنحكمكم , أو بالنسبة للأقل ستالينية , أنتم غير ناضجين بعد لتحكموا أنفسكم , ابقوا خاضعين للديكتاتورية و سنحاول أن نقنع الديكتاتور بضرورة أن يغير شيئا ما في طريقة استعبادكم و استغلالكم , أنتم غير ناضجين بعد لأي درجة من الحرية , و عليكم لذلك أن تبقوا عبيدا حتى ذلك اليوم المشهود
– من قال أن الجماهير غير ناضجة , عمال بتروغراد و روسيا و فلاحو أوكرانيا الذين كانوا قبل شباط فبراير لا “يفقهون” في السياسة “طبعا بشكلها السلطوي و النخبوي” و ربما في أي شيء آخر إلا القليل جدا بسبب الأمية و التجهيل كانوا هم من أسقطوا واحدة من أشرس و أقدم الملكيات على الأرض و شكلوا مؤسسات السوفييتات و لجان المصانع و القرى و الأحياء ليديروا حياتهم من دون وصاية من اية نخبة , ربما كان للعمال و الفلاحين الإسبان في عام 1936 تجربة مجالس العمال في روسيا و ألمانيا و إيطاليا , لكن العمال و الفلاحون و الجنود الروس أنفسهم تصرفوا في عامي 1905 و 1917 بمبادرتهم الذاتية فقط , من هو غير ناضج اليوم لمثل هذه الحرية الحقيقية للجماهير هو اليسار السلطوي و الستاليني بالتحديد , إننا نرفض الموقف اللينيني النفعي أو حتى الانتهازي من شعار كل السلطة للسوفييتات الذي كان يفترض أن يعني كل السلطة للجماهير , لكن لينين و القيادة البلشفية أيدت هذا الشعار فقط عندما كان يعني هيمنة القيادة البلشفية نفسها و حرمان الجماهير من أي سلطة فعلية , بالمناسبة فإن بعض اليساريين التحرريين السوريين اقترح شعار كل السلطة للجماهير , كل السلطة للتنسيقيات , لكن بالنسبة لنا تعني سلطة المجالس الشعبية و العمالية , تعني شيئا واحدا فقط – كل السلطة للجماهير , فقط لا غير
– لا يمكن في الثورات أن تشترط على القوى العفوية و الواعية , الموضوعية و الذاتية التي تتحرك بفعل دينامية خاصة معقدة , من فعل عوامل الثورة و التغيير و الردة و الرجعية و الحفاظ على الأمر الواقع , المهم جدا إلى جانب محاولة فهم هذه الدينامية و هي عملية بطيئة خوض غمارها بكل قوة مع أكثر القوى الجماهيرية إصرارا و وعيا و ثورية في مواجهة الواقع القائم و قواه
– لا يمكن لأحد أن يتنبأ بالمستقبل أو حتى أن يوصف اللحظة الحالية في التاريخ كما كانت الرواية الرسمية في اليسار العربي و العالمي تردد عن “قديسيها” أو “أنبيائها” , أين نحن الآن , في عام 1848 أوروبيا , أم 1905 أو 1917 روسيا , أم 1979 إيرانيا , أم 1989 في شرق أوروبا , من يملك الجواب هو الغد فقط , لكن الأكيد أن تطور الإنسان باتجاه تحقيق أحلامه في الحرية و العدالة و المساواة لم يبدأ بتخيل عبقري ما يعيش في برج عاجي لمخطط مستقبلي ما , لقد بدأ كل شيء بثورة , هذا ما تفعله الجماهير اليوم و هذا ما علينا أن نخوضه معها بكل حماسة و قوة حتى ذلك الغد القادم
مازن كم الماز
كان إعلام حافظ الأسد يصف “إعادة انتخابه” كديكتاتور بوصف تراثي قح “تجديد البيعة” , ظهرت كلمة البيعة تاريخيا بعد سقيفة بني ساعدة و بعد أن كانت تقتصر على قلة سميت بأهل الحل و العقد مسخت نهائيا مع وصول معاوية للسلطة لتصبح بيعة شكلية , كان هذا أيضا حال السوريين على امتداد عقود حكم الأسد الأب , رغم أن النظام لم يقصد هذا بالطبع لكن هذه العبارة كانت بالفعل أفضل وصف لعلاقة السوريين بسادتهم الجدد , وصل الأسد الأب إلى السلطة على ظهر دبابة , أما بشار الأسد فقد “انتخبه” والده المرحوم فقط و هو أيضا يريد أن يحتفظ بالسلطة التي ورثها عنه باستخدام الدبابات أيضا ( النظام و أزلامه يعتبر فرض ديكتاتوريته بالدبابات عمل “وطني” و يخون فقط من يريد الوصول إلى السلطة على ظهر دبابة أمريكية ) , كان من الصعب بالتالي اعتبار أن هذا الزواج الكاثوليكي بين الديكتاتور و الشعب السوري يقوم على أساس الحب .. لا يوجد أي شيء عقلاني في توصيف علاقة الديكتاتور بشعبه , و لا في الصورة التي تعمل أجهزة إعلامه و تلميعه على خلقها بين الجماهير التي يحكمها , إنها مضطرة لأن تعكس حقيقة وجود الديكتاتور ككائن فوق البشر الآخرين , كسيد , لم يختره أحد , هذه في الحقيقة ميزة أحيانا , فهذا يفتح المجال أمام خيالات ميتافيزيقية عن القضاء و القدر , عن قدر الديكتاتور و قدر الشعب في نفس الوقت , إن أسهل الأشياء في الدنيا و أعقدها هي محاولة تبرير علاقة السيد – العبد التي توجد بين الديكتاتور و شعبه , كل هذه التبريرات , قديمها و جديدها , الدنيوي منها و الديني , “العلمي” منها و الميتافيزيقي , كلها تقوم على نقطة مركزية لاعقلانية و غبية أيضا تقدم على أنها بديهية : “وحدانية” الديكتاتور , “تفرده” ليس فقط كديكتاتور مفروض بالقوة و القمع كما هو الحال في الواقع , بل ككائن فوق إنساني , فوق الآخرين , سيدهم , الديكتاتور هنا لا يشبه الأنبياء و لا القديسين و لا رجال الدين , إنه بشكل ما فوق الدين أيضا , إنه من يختار دين شعبه , يمكن هنا أن نذكر كل تلك القصص عن تنصر الرومانيين مثلا بقرار من إمبراطورهم , تحول إمارة كييف و موسكو إلى المسيحية بتنصر أميرها , تحول شعب الخزر إلى اليهودية بقرار من ملكهم , لكن أبعد من هذا , فإن عبادة الديكتاتور هي الدين الفعلي في دولته , المفروض على شعبه , ليس من حل لهذه القضية إلا في تصوير الديكتاتور , بشكل مباشر أو غير مباشر , على أنه إله , فعلي , حقيقي , في محاولة تبرير حالته فوق البشر الآخرين , فوق العقل و فوق النقد , كما هو في الواقع الفعلي بقوة القمع و الخداع , لكن هذه المرة باستخدام تبرير ما , “فكري” “إيديولوجي” , ميتافيزيقي لاهوتي أيضا و إن استخدم في بعض الأحيان أفكارا معادية للدين .. لذلك لا بد أن يترافق سقوط الديكتاتور بسقوط التبرير الميتافيزيقي لديكتاتوريته , و لذلك يتسبب بنوع من الاضطراب و الفراغ الفكري و الإيديولوجي أو “الروحي” بالضرورة , أو أنه قد يأخذ شكل صراع بين الخطاب الميتافيزيقي لديكتاتوريته و بين خطابات أخرى بديلة , ميتافيزيقية أو غير ميتافيزيقية , يكفي أن نذكر عملية خلق و تشكيل الخطاب الديني و الفكري الرسمي للسلطة العباسية بعد إسقاطها للسلطة الأموية , من فرقة شيعية محسوبة على الشيعة الكيسانية , ظهرت فيها هي أيضا نزعات للغلو شاهدناها في تأليه بعض أفرادها للخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور , إلى تبني خطاب المعتزلة العقلاني لدرجة محاولة فرضه على كامل المؤسسة الدينية يومها بالقوة إلى العودة مرة أخرى إلى فكر إرجائي تسليمي تكفيري للفرق المعارضة يقول بأحقية الجماعة المتمحورة حول فكرة السلطة المركزية يشبه تماما الفكر الرسمي للدولة الأموية .. يتعلم السوريون اليوم السياسة مرة أخرى , إنهم يتجاوزون بسرعة هائلة تراث عقود من الصمت و العزلة و الانكفاء , طبيعي أن يجرب الشباب الثائر اليوم كل شيء , هذه الثورة هي المدرسة الحقيقية لنا جميعا , و نحن اليوم جميعا نحاول أن نجيب عن سؤالين أساسيين يتوقف عليهما حاضرنا و مستقبلنا : كيف نهزم الديكتاتورية , و بأي شيء نستبدلها ؟ طبيعي أن نبدأ بالبحث بين ركام الأفكار السائدة , السلطوية في معظمها , لكن القضية الأساسية هنا هي كيف نصل هذه المرة إلى حريتنا الحقيقية , حرية هذا الشباب و حرية كل السوريين , أشك شخصيا في أن تقدم لنا الخطابات السائدة شيئا أكثر من مشاريع لديكتاتوريات جديدة , لكن لكي ننتزع حقنا هذا في أن نجرب الأفضل لنا جميعا انتفضنا , في سبيل الحرية , حريتنا , في أن نعيش من دون ديكتاتور
سامح سعید عبود
شهد مركز هشام مبارك للقانون يوم الجمعة الماضى 7 أكتوبر أول لقاء فكرى للمنتمين للتيار الاشتراكى التحررى فى مصر، ومن هنا يتقدم منظموا الملتقى بالشكر الجزيل لإدارة المركز عامة، والاستاذة نورهان ثروت خاصة على الجهد المبذول فى تجهيز المكان وتوفير سبل نجاح الملتقى.
برغم فرادة الحدث و أهميته حيث أنها المرة الأولى الذى يجتمع فيها كل هذا العدد من الاشتراكيين التحرريين فى مصر معلنين وجودهم كتيار متميز عن التيارات اليسارية والليبرالية والقومية والدينية فى مصر، فإن الملتقى لم يحظ بأى تغطية إعلامية مقروءة أو مسموعة أو مرئية ربما لأن منظمى الملتقى لم يهتمو بدعوة أى إعلامى من أى نوع بصفته الإعلامية، فردا كان أو مؤسسة، مكتفين بالدعوة العامة للملتقى عبر الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك والتويتر.
تجلت فرادة الملتقى فى أن كل الحضور بمن فيهم المنظمين والمتحدثين الرئيسيين ليسوا من نجوم الفضائيات ومشاهير النخبة الثقافية والإعلامية، وليسوا من محترفى الندوات والمؤتمرات، وبرغم ذلك فقد تميز الملتقى بدرجة دقيقة من التنظيم حيث بدأت الجلسات وانتهت فى مواعيدها المقررة،واتيحت الفرصة للمتحدثين الرئيسيين والضيوف للتعليق والتعقيب بدرجة عالية من الانضباط.
حضر الملتقى على مدى اليوم ما بين خمسين وستين شخص، فكان هناك من يحضرون وينصرفون، كما أن هناك من استمر من بداية المؤتمر لنهايته، والملاحظة الجديرة بالذكر أن معظم الحضور كانوا شبابا فى العشرينات من عمرهم أما من تجاوزوا الخمسين فلم يزيدوا عن أربع أشخاص، ومن واقع تسجيل الحضور فهم إما مهنيين أو طلبة فى الغالب، ولم يحضر فقط الاشتراكيين التحررين المؤتمر بل حضر ضيوف ينتمون لتيارات سياسية أخرى كما حضر رفيق من انجلترا ليعلن تضامنه مع الاشتراكيين التحرريين فى مصر.
بدء الملتقى فى العاشرة صباحا لتسجيل الحضور والتعارف،وفى الحادية عشر إلا الربع تم افتتاح الملتقى بكلمة افتتاحية ثم بدءت الجلسة الأولى فى الحادية عشر عن تعريف الاشتراكية التحررية وكان المتحدث الرئيسى فيها ياسر عبدالله الذى اعطى فكرة ونبذه تاريخية عن الاشتراكية التحررية وكيف أنها تتميز عن الاشتراكية السلطوية الدولتية بجناحيها الثورى والإصلاحى كما تتميز عن الأشكال الأخرى من التحررية الفردية والرأسمالية على وجهة الخصوص.
وفى الثانية عشر كانت الجلسة الثانية بعنوان التنظيم التحررى لماذا؟ وكيف؟، وكان المتحدث الرئيسى سامح عبود الذى تكلم فيها عن أهمية التنظيم والدعاية والتثقيف باعتبارهم الأدوار الملقاة على عاتق مجموعات الدعاية وشرح ما يتميز به التنظيم التحررى من حيث أنه تنظيم لا مركزى ولا هرمى يدار بالديمقراطية المباشرة بلا قيادة ولا زعامة مختلفا فى هذا عن التنظيم اللينينى المتميز بالهرمية والمركزية وما يسمى بالمركزية الديمقراطية.
وفى الواحدة كان موعد الجلسة الثالثة التى تناولت تجربة المجلس المحلى الشعبى بمدينة الأسكندرية وكان المتحدث الرئيسى فيها ياسر عبد القوى من مدينة الأسكنرية وقد دار نقاش ثرى بين الحضور لفهم التجربة وكيفية تطويرها، وخصوصا على خلفية الأوضاع الحالية فى المدينة التى أوضحها ياسر حيث أن الإدارة المحلية غائبة تقريبا منذ انتفاضة 25 يناير.
وبعد استراحة غذاء استمرت لساعة استأنف الملتقى أعماله بالجلسة الرابعة عن النقابات الإصلاحية البيروقراطية إلى النقابات الثورية التحررية وكان المتحدث الرئيسى فيها تامر موافى الذى أوضح فيها الفروق بين النقابات الثورية والإصلاحية من حيث الممارسة فضلا عن الفروق بين النقابات البيروقراطية الهرمية المركزية السلطوية وبين النقابات التحررية من حيث البنية التنظيمية، ودور النقابات نفسها فى التغيير الثورى للمجتمع والإدارة الذاتية للمنشئات والتعاونيات والكوميونات.
ثم بدأت الجلسة الخامسة عن الإدارة الذاتية العمالية للمنشئات، وكان المتحدث الرئيسى فيها سامح عبود الذى تحدث فيها عن تاريخ الإدارة الذاتية التى قام بها العمال فى العالم سواء أثناء الثورات ككميونة باريس والثورة الروسية وحركة احتلال المصانع فى ايطاليا وأثناء الثورة الأسبانية أو أثناء الأزمات الرأسمالية حين يهرب الرأسماليين من ديونهم تاركين المنشئات للعمال مثلما حدث فى الأرجنتين وفنزويلا وأسبانيا وفرنسا ثم تحدث عن تجربة الإدارة الذاتية فى مصنع المصابيح الكهربية فى العاشر من رمضان فى مصر.
وفى الخامسة بدأت الجلسة السادسة حول أهمية تأسيس نادى للفكر اللاسلطوى وكان المتحدث الرئيسى فيها ياسر عبد الله والذى أوضح فيها كيف أن الطبقة السائدة تسيد أفكارها ووعيها على الجميع وهو ما يحتاج من الاشتراكيين التحررين لمقاومة عناصر الثقافة السائدة كمهمة ضرورية تفتح المجال أمام التغيير الاجتماعى مقترحا العديد من الاقتراحات العملية ، وقبل الجلسة الختامية التى كانت بعنوان حوار مفتوح حول دور الاشتراكيين التحررين فى الثورة المصرية طلب من الضيوف من التيارات الأخرى الأنصراف ليبقى فقط الاشتراكيين التحرريين الذين انخرطوا فى جلسة عصف ذهنى انتهوا منها إلى ضرورة إعلان عن الحركة وتنظيمها.
پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.