تلكؤ الوقت بين الوعي الذاتي والواقع الموضوعي هو ثابت في التاريخ. الأناركيون الروس وهؤلاء الذين شهدوا التمثيلية الروسية وضعوا درسا مبكرا في 1920 والذين لم يعرف، يقر به، ويتشارك إلا بعد عدة سنوات. الثورة العمالية الأولى في انتصارها على سدس العالم امتكلت هيبة وتألقا حتى أن الحركة العمالية بقيت فترة طويلة منومة مغناطيسيا في إجلال نموذج. “المجالس” في هيئة السوفييتات الروسية نمت في كل مكان، ليس فقط في ايطاليا، كما رأينا، بل في المانيا، النمسا، والمجر. في المانيا نظام المجالس كان عنصرا أسياسيا في برنامج عصبة سبارتاكوس لروزا لكسمبورغ وكارل يبكنخت.
في 1919 الرئيس الجمهورية البافارية، كورت إيسنر، أغتيل في ميونيخ. الجمهورية السوفييتية أعلنت عندها تحت قيادة الكاتب التحرري غوستاف لاندور، الذي اغتيل بدوره من الثورة المضادة. صديقع ورفيقه في النضال، الشاعر الأناركي إيريش موهسام، ألف “نشيد المجالس”، الذي دعا العمال للنضال ليس بتشكيل كتائب منظمة بل مجالس على النموذج الروسي والمجري، ومن أجل القضاء على قرون من عبودية العالم القديم.
في ربيع 1920 مجموعة معارضة ألمانية دعمت شيوعية المجالس غادرت الحزب الشيوعي لتشكل حزب العمال الشيوعي الألماني. فكرة المجالس الهمت مجموعة مشابهة في هولندا قادها هيرمان غورتر وأنطون بانيكوك. خلال حياته الجدلية مع لينين، الأول لم يكن خائفا على الرد، بنمط تخرري نقي، على القائد المعصوم للثورة الروسية: “إننا ما زلنا نسعى لقادة حقيقيون لن يهدفوا للسيطرة على الجماهير ولن يغدروا بهم. طالما لا نكلكهم إننا نريد لكل شيء أن ينجز من الأسفل للأعلى وبدكتاتورية الجماهير على أنفسهم. إذا امتلكت مرشد جبال وقادني نحو الجرف، فإنني أفضل فعل هذا بدونه”. بانيكوك ادعى أن المجالس لم تكن شكلا من الحكم الذاتي التي سوف تستبدل أشكال الحكومة للعالم القديم، كما غرامشي فهو لم يرى فرقا بين الأخيرة و”دكتاتورية البلاشفة”.
في أماكن عديدة، خصوصا في بافاريا، المانيا، وهولندا، الأناركيون بعبوا دورا ايجابيا في التطوير النظري والعملي لنظام المجالس.
نفس الشيء، في اسبانيا الاناركيون النقابيون انبهروا بثورة تشرين الأول. مؤتمر مدريد للكونفدرالية الوطنية للعمل (10 – 20 كانون الأول 1919)، تبنى بيانا أعلن أن “المحلمة البطولية للشعب الروسي كهربت البروليتاريا العالمية”. مرحبة، “دون تحفظ، كجميل تقدم نفسها للرجل الذي تحب”، المؤتمر صوت مؤقتا للانضمام إلى الأمنية الشيوعية بسبب خاصيتها الثورية، موضحا الأمل أن مؤتمر العمال العالمي سوف يسمى لتحديد المبادئ التي يمكن أن تنبى أممية عمالية حقيقية عليها. أصوات هائبة قليلة للمخالفين سمعت أن الثورة الروسية كانت ثورة “سياسية” زلم تتبنى الهدف التحرري. المؤتمر لم يأخذ علما وقرر إرسال مندوب للمؤتمر الثاني للأممية الثالثة الذي افتتح في موسكو في 15 تموز 1920.
حينئذ، رابط الحب كان بالفعل في الطريق للانكسار. المندوب يمثل النقابية الأناركية الاسبانية كانت تضغط لأخذ دور في مركز النقابة الثورية الأممية، لكنه انحرف عندجما قدم مصا نوه فيه ب”الاستيلاء على السلطة السياسية”، “دكتاتورية البروليتاريا”، واقترح علاقات عضوية بين النقابات والأحزاب الشيوعية التي موهت بدقة علاقات خضوع للأول على الأخير. في الاجتماعات القادمة للأممية الشيوعية المنظمات النقابية للأمم المختلفة سوف تمثل عبر مندوبين نت الأحزاب الشيوعية للبلدان المعنية؛ والأممية النقابية الحمراء المقترحة سوف يسيطر عليها بالكامل من الأممية الشيوعية وأقسامها الوطنية. آنجل بيستانا، المتحدث الاسباني، وضع المفهوم التحرري للثورة التحررية وأعلن: “الثورة ليسا، ولن تكون، عمل حزب. أكثر ما يمكن أن يفعله حزب ما هو اثارة الانقلاب. لكن الانقلاب ليس ثورة”. وخلص: “أنتم تخبرونا أن الثورة لا يمكن أن تأخذ مكانا بدون حزب شيوعي وأنه بدون الاستيلاء على السلطة السياسية التحرر هو غير ممكن، وأنه بدون دكتاتورية لا يمكن تدمير البرجوازية، وكل هذه التأكيدات ليست ضرورية أبدا”.
في ضوء ما أعلنه مندوب الكونفدرالية الوطنية للعمل، قام الشيوعيين بتعديلات على القرار دون المس ب”دكتاتورية البروليتاريا”. الزعيم النقابي الروسي لوزوفسكي مع ذلك نشر النص في نهاية المطاف في نسخته الأساسية دون التعديلات التي أدخلها بيستانا، ولكنه حمل توقيعه. من على المنصة، هاجم تروتسكي المندوب الاسباني لحوالي الساعة وعندما طلب بيستانا وقتا كافيا للرد على هجومه أعلن الرئيس قفل باب المناقشة.
أمضى بيستانا في موسكو عدة أشهر، وغادر روسيا في 6 أيلول 1920، مصابا بخيبة أمل عميقة بسبب كل ما شاهده خلال تلك الفترة. في زيارة لاحقة إلى برلين، وصف بيستانا لرودولف روكر بأنه “إنسان نجا من الغرق”. وقال أنه لا يملك القدرة على اخبار رفاقه الاسبان بالحقيقة، حيث بدا له أنه “قتل” قد يدمر الأمل الكبير الذي أثارته الثورة الروسية في نفوسهم. بمجرد أن عبر الحدود الاسبانية القي به في السجن، واعفي من الواجب المؤلم في أن يكون أول المتحدثين عن الحقيقة.
في صيف 1921 شارك وفد من الكونفدرالية الوطنية للعمل بطريقة مختلفة في المؤتمر التأسيسي للأممية النقابية الحمراء، كان من بين المندوبين التلامذة الصغار للبشفية الروسية، منهم مورين خواكين ونين اندريس، زكان هناك الأناركي الفرنسي غاستون ليفال، الذي كان رأس الوفد. تولى المخطارة باتهمامها أنها “تلعب دور البرجوزاية” و”مساعدة الثورة المضادة” فضلا عن السكوت في إخبار الجماهير أن ما أفشل روسيا ليس الثورة، بل الدولة، ولم “تريهم أنه في ظهر الثورة المفعمة بالحياة، الدولة التي شلتتها وقتبتها”، كانت أسوأ من الصمت. استخدم هذه الكلمات، في التحررية في تشرين الثاني 1921. ظن أن “أي تحالف أمين وصادق” مع البلاشفة أصبح مستحيلا و، في عودته إلى اسبانيا، أوصى الكونفدرالية الوطنية للعمل أن تنسحب من الأممية الثالثة وتحالفها النقابي الزائف.
مع بداية هذا، قرر بيستانا نشر أول تقاريره، ومن ثم، تبعه بالثاني الذي أبدى الحقيقة الكاملة حول البلشفية:
مباجئ الحزب الشيوعي كانت متعارضة تماما لتلك التي أكدت وصرح بها خلال الساعات الأولى للثورة. المبادئ، الأساليب، والأهداف النهائية للحزب الشيوعي هي تماما تتعارض مع مبادئ الثورة الشيوعية … حالما حصل الحزب الشيوعي على تلسلطة المطلقة، الزن أن أي شخص لا يفكر كشيوعي (وفقا لتعريفه الخاص* لا يملك الحق بالتفكير على الاطلاق … الحزب الشيوعي أنكر على البروليتاريا الروسية كل الحقو ق المقدسة التي منحتها الثورة.
بيستانا، طرح اشتباها عن فعالية الأممية الشيوعية: توسع بسيط للحزب الشيوعي الروسي، لا يمكنها أن تمثل الثورة بعيون البروليتاريا العالمية.
المؤتمر الوطني للكونفدرالية الوطنية للعمل المنعقد في سرقسطة في حزيران 1922 تلقى هذا التقرير وقرر الانسحاب من الجبهة النقابية، الأممية النقابية الحمراء. كما قرر أيضا ارسال مندوبين إلى مؤتمر أناركي نقابي أممي منعقد في برلين في كانون الأول، الذي أنتج “جمعية العمال الدولية”. لم تكن هذه أممية حقيقية، بما أنه بعيدا عن المجموعة الاسبانية، لقيت دعم عدد صغير جدا من البلدان.
منذ ذلك الوقت لهذا الخرق، موسكو حملا بغضا عميقا للأناركية الاسبانية. خواكين مورين وأندرس نين طردا من الكونفدرالية الوطنية للعمل وغادراها لتأسيس الحزب الشيوعي الاسباني. في أيار 1924 نشر مورين كتيبا أعلن فيه حربا حتى الموت على رفاقه السابقين: “التصفية الكاملة للأناركية هي مهمو صعبة في بلاد حيث الحركة العمالية دؤبت على مر خمسين عاما على الدعاية الأناركية. لكننا سوف نحصل عليهم”. تهديد تم تنفيذه لاحقا.
تبع الأناركيون الأيطاليين نموذج الأحداث في روسيا، وذهبوا مع الفلاحين لسطة المجالس في الفترة المباشرة التي تبعت الحرب العالمية. الثورة الروسية وصلت بتعاطف كبير العمال الايطاليين، خصوصا من طليعتهم، عمال المعجن في الجزء الشمالي من البلاد. في 20 شباط 1919، الاتحاد الايطالي لعمال المعدن حقق اتفاقية لانتخابات “اللجان الداخلية” في المصانع. حاولوا فيما بعد تحويل هذه هيئات التمثيل العمالي هذه إلى مجالس صناعية مع دور اداري، عبر الدعوة لسلسلة من الاضرابات والاحتلالات للمصانع.
آخر هذه كان في أواخر آب 1920، بدأت في وقف العمال من قبل ارباب العمل. عمال المعدن كلهم قرروا متابعة الانتاج بأنفسهم. حاولوا الاقناع والقيد بالتناوب، لكنهم فشلوا في كسب التعاون مع المهندسين والمشرفين. ادارى المصانع استمرت عبر لجان عمالية ادارية وتقنية. الادارة الذاتيةذ ذهبت في طريق طويل: في المرحلة المبرة الامداد كان يحصل من البنوك لكن عندما سحب نظام الادارة الذاتية صادر من ماله الخاص لدفع اجور العمال. كان المطلوب انضباط ذاتي صارم جدا، منع استخدام المشروبات الكحولية، والدوريات المسلحة نظمت للدفاع الذاتي. تضامن شديد جدا نشأ بين المصانع المدارة ذاتيا. الخام والفجم وضعوا في التصرف المشترك، وتقاسموا بشكل متساو.
الجناح الاصلاحي للاتحادات النقابية فضل التسوية مع أرباب العمل. بعد أسابيع من الاحتلال الاداري، كان على العمال ترك المصانع في مقابل وعد لتوسيع سيطرة العمال، وعد لم يتم الابقاء عليه. الجناح اليساري الثوري، المكون من الأناركيين والاشتراكيين اليساريين، نبه للخيانة، ولكن عبثا.
الجناح اليساري هذا كان له نظرية، متحدثين باسمه، ونشرة. “النظام الجديد” الأسبوعية ظهرت أولا في تورين في 1 أيار 1919. كان تحرر من قبل الاشتراكي التحرري، انطونيو غرامشي، يعاونه دكتور الفلسفة في جامعة تورين بالأفكار الأناركية، ويكتب تحت اسم مستعار هو كارلو بيتري، وكذلك مركز تورين للتحرريين. في المصانع، مجموعة “النظام الجديد” كانت مدعومة من عدد من الناس، خصوصا الناشطين الأناركيين النقابيين للنقابات المعدنية، بييترو فيريرو ومورزيو غارينو. بيان النظام الجديد وقع من قبل الاشتراكيين والتحرريين معا، موافقين على احترام مجلس المصنع كهيئة تتلاءم مع الادارة الشيوعية المستقبلية لكل من المصامع الفردية والمجتمع ككل.
النظام الجديد أرادت استبدال الاتحادية النقابية التقليدية بهيكلية من مجالس المصنع. لم تكن عدائية للاتحادات النقابية، التي اعتبرتها كـ”عمود فقري قوي لجسد البروليتاريا العظيم”. لكن، في أسلوب مالاتيستا في 1907، كان نقديا لانحطاط الحركة النقابية الاصلاحية والبيرقراطية، التي أصبحت جزءا مكملا للمجتمع الرأسمالي؛ استنكر عدم قدرة الاتحادات النقابية على العمل كأداة للثورة البروليتارية.
من ناحية أخرى، النظام الجديد نسبت كل ميزة لمجالس المصانع. اعتبرتهم كوسائل لتوحيد الطبقة العاملة، الهيئة الوحيدة التي يمكن أن تنمي للعمال بعيدا عن الاهتمامات الخاصة للنقابات المختلفة وتربط “المنظم” مع “الغير منظم”. لقد أعطت المجالس تصريحا لانتاج سيكولوجيا المنتجين، تحضيرهم للادارة الذاتية العمالية. بفضلهم الاستيلاء على المصنع أصبح توقعا ثابتا للعمال المتواضعين، ضمن ما يصلون. المجالس عدت التصور المسبق للمجتمع الاشتراكي.
الأناركيون الايطاليون كانوا أكثر واقعية واقل اطنابا في أفكارهم من انطونيو غرامشي، وأحيانا اطلقوا تعليقات تهكمية على الاسراف “السحري” في المواعظ في صالح مجالس المصنع. طبعا كانوا يعون لأهليتها، لكنهم توقفوا عن المبالغة. غرامشي أعلن أن اصلاحية الاتحادات النقابية، ليست بدون سبب، لكن الأناركيون النقابيون أشاروا أنه في مرحلة غير ثورية، مجالس المصنع، أيضا، قد ينحرف في هيئات تعاون طبقي. هؤلاء الأكثر قلقا من النقابية أيضا ذهبوا إلى أنه من الجائر أن “النظام الجديد” هاجمت عشوائيا ليس فقط النقابية الاصلاحية بل النقابية الثورية في مراكزهم، الاتحاد النقابي الايطالي.
أخيرا، والأهم، الأناركيون كانوا قلقين نوعا ما حول تأويلات متناقضة وغامضة التي “النظام الجديد” وضعتها النموذج الجديد لمجالس المصنع، السوفييتات. بدون ريب غرامشي غالبا استخدم مصطلح “التحررية” في كتاباته، واشتبك بالسلطوي العريق أنجيلو تاسكا، الذي اقترح مفهوما غير ديمقراطي عن “دكتاتورية البروليتاريا” التي سوف تخفض مجالس المصنع إلى أدوات مجردة للحزب الشيوعي، وحتى هاجم غرامشي متهما اياه بالبرودونية. غرامشي لم يعلم بما فيه الكفاية عن الأحداث في روسيا للتمييز بين السوفييتات الحرو في الأشهر الأولى من الثورة والسوفييتات الدجنة للدولة البلشفية. هذا قاده لاستخدام صيغة غامضة. رأى أن مجلس المصنع ب”نموذج للدولة البروليتارية”، التي توقعها أن تندمج في النظام العالمي: الأممية الشيوعية. لقد ظن أنه يمكنه استرضاء البلشفية بذبول الدولة والتأويل الديمقراطي ل”دكتاتورية البروليتاريا”.
الأناركيون الايطاليين بدؤوا بالترحيب بالسفيتات الروسية مع حماسة ضعيفة التمييز. في 1 حزيران 1919، كاملو بيرنيري، أحدهم، نشر مقالا بعنوان “الديمقراطية الآلية” مرحبا بالنظام البلشفي ك”أكثر تجربة عملية للديمقراطية الصحيحة على مقياس كبير حتى الآن”، و”النقيض لاشتراكية الدولة المركزية”.
لكن، بعد سنة، في مؤتمر الاتحاد الأناركي الايطالي، موريزنو غارينو تحدث على الاختلاف البعيد: السوفييتات التي زضعها البلاشفة في روسيا كانت مختلفة كليا عن الادارة العمالية الذاتية التي يريدها الأناركيون. لقد شكلوا “أسس الدولة الجديدة، المركزية والسلطوية حتما”.
الأناركيون الايطاليون وأصدقاء غرامشي كانوا لاحقا من أتباع طرقات مختلفة. الأخيرين في البداية أكدوا أن الحزب الاشتراكي، مثل الاتحادات النقابية، كان منظمة مندمجة في النظام البرجوازي وأنه، لذلك لم يكن من المهم أو من المرغوب دعمه. لاحقا خلقوا “استثناء” للمجموعات الشيوعية ضمن الحزب الاشتراكي. بعد الانشقاق في ليفورنو في 21 كانون الثاني 1921، هذه المجموعات شكلت الحزب الشيوعي الايطالي، مندمجة في الأممية الشيوعية.
التحرريون الايطاليون، بدورهم، تخلوا عن بعض أوهامهم وانتبهوا أكثر للرسالة التنبؤية لمالاتيستا لهم في بداية صيف 1919. هذه حذرتهم من “الحكومة الجديدة التي عينت نفسها (في روسيا) على الثورة بهدف لجمها والخضوع لأغراض حزب محدد … أو على الأصح قادة الحزب”. الثوري القديم أكد بشكل تنبؤي أنها كانت دكتاتورية، بقراراتها، عقوبتها الجزائية، أدواتها التنفيذية، وفوق كل هذا، قواتها المسلحة التي استخدمت في الدفاع عن الثورة ضد التدخل الخارجي، لكن غدا سوف تستخدم في فرض ارادة الطغاة على العمال، التحقق من مسار الثورة، لتعزيز الاهتمامات الناشئة حديثا، والدفاع عن الطبقة المتميزة الجديدة ضد الجماهير. لينين، تروتسكي، ورفاقهم هم قطعا ثوريين مخلصين، لكنهم يحضرون الكادر الحكومي الذي سوف يؤهل خلفائهم للاستفادة من الثورة وقتلها. إنهم سوف يكونون ضحية قواعدهم.
عامين لاحقا، الاتحاد الأناركي الايطالي يجتمع في مؤتمر في أنكونا في 2 – 4 تشرين الثاني 1921، ويرفض اعتبار الحكومة الروسية ممثلة للثورة، ولكنه يعلنها “عدو رئيسي للثورة”، “المضطهد والمستغل للبروليتاريا التي تدعي أنها تمارس السلطة باسمها”. والكاتب التحرري لويجي فاباري في نفس العام استنتج أن “دراسة نقدية للثورة الروسية هي ضرورة هائلة … لأن الثوريون الغربيون يمكن أن يوجهوا أعمالهم في طريقة ما لتجنب الأخطار التي ظهرت في ضوء التجربة الروسية”.
مع الاجتماع العام للعمال أو المجلس العام لفرع معين من الصناعة (تكون من 4 ممثلين عن لجان الادارة، 8 من الاتحادات النقابيين، و4 تقنيين عينوا من قبل منظمة رقابية). هذا المجلس العام خطط للعمل وحدد تقسيم الأرباح، وقراراته كانت الزامية. في هذه المشاريع التي بقيت كملكية خاصة لجان عمالية منتخبة سيطرت على عملية الانتاج وظروف العمل في “تعاون وثيق مع أرباب العمل”. نظام الأجور بقي سليما في المصانع المؤممة. مكل عامل كان يتلقى أجرا ثابتا. الأرباح لم يقسموا على مستوى المصنع والأجور زادت قليلا جدا بعد التأميم، في الحقيفة أقل من القسم الذي بقي خاصا.
لم يلعب الأناركيون أي دور مباشر في انتفاضة كرونشتادت، لكن النظام استغلها لسحقها ووضع نهاية للأيديولوجية التي استمرت في محاربته. في 8 شباط قبل بضعة أسابيع، المسن كروبوتكين توفي على التراب الروسي، وشيع جثمانه في موكب مهيب، الذي تبعه موكب كبير من حوالي 100 الف شخص. فوق روؤس الحشد، بين الرايات الحمر، يمكن كان مشاهدة الشعارات السوداء للمجموعات الأناركية خكت في حروف من نار: “حيث توجد السلطة لا توجد الحرية”. وفقا لكتاب سيرة كروبوتكين، كانت هذه “آخر مظاهرة ضخمة ضد الاستبداد البلشفي، والعديدين كانوا جزءا منها للمطالبة بالحرية ثم للاشادة بالأناركي العظيم”.
مئات الأناركيون اعتقلوا بعد كرونشتادت، وفقط بعد بضعة أشهر، التحرري فاني بارون وثمانية رفاق أعدموا في أقبية سجن التشيكا في موسكو. الأناركية المناضلة تلقت ضربة قاتلة. لكن خارج روسيا، الأناركيون الذين عاشوا خلال الثورة الروسية باشرةا بأعمال ضخمة من النقد والمراجعة النظرية التي جددت الفكر التحرري وجعلته أكثر تماسكا. في بداية أيلول 1920، مؤتمر المنظمات الأناركة في أوكرانيا، نابات، رفض بشدة مصطلح “دكتاتورية البروليتاريا”، حيث رأى أنها سوف تقود بالنهاية إلى دكتاتورية فوق الجماهير تكسر الطبقة العاملة المتحصنة بالحزب، عبر المسئولين وبعضة قادة. فقط قبل وفاته كروبوتكين كتب “رسالة إلى عمال الغرب” حيث أعلن بحزن صعود “البيروقراطية المرعبة”: “يبدو لي أن هذه المحاولة لبناء الجمهورية الشيوعية على أسس الدولة المركزية جدا، تحت القانون الحديدي لدكتاتورية الحزب الواحد، انتهت إلى اخفاق رهيب. روسيا علمتنا أن لا نفرض الشوعية.
نداء محزن من النقابيين الأناركيين للبروليتاريا العالمية صدر في 14كانون الأول 1921، في الجيدة الفرنسية “التحررية”: “الرفاق، ضعوا حدا لسيطرة برجوازيتكم كما فعلنا هنا. لكن لا تكرروا الأخطاء؛ لا تدعوا شيوعية الدولة تشكل نفسها في بلدانكم!” في 1920 الأناركي الألماني، رودولف روكر، الذي عاش وتوفي في الولايات المتحدة، كتب “افلاس شيوعية الدولة”، الذي ظهر في 1921. كان هذا أول تحليل يصنع عن انحدار الثورة الروسية. في رؤيته “دكتاتورية البروليتاريا” الشهيرة لم تكن تعبيرا عن ارادة طبقة واحدة، بل دكتاتورية الحزب الذي يدعي الحديث باسم الطبقة ويبقى في السلطة بقوة حربته. “في ظل دكتاتورية البروليتاريا في روسيا الطبقة الجديدة تطورت، البيروقراطية، التي تضطهد الجماهير العريضة كما كان يفعل النظام القديم”. بشكل منظم طوعية كل العوامل في الحياة الاجتماعية لحكومة كلية القوة لها الأولوية في كل شيء، الواحد “لا يمكن أن يفشل في إنهاء هرمية المسئولين التي أثبتت هلاكها إلى التطور في الثورة الروسية”. “لم يفعل البلاشفة فقط أن استعاروا أدوات الدولة من المجتمع السابق، لكنهم أعطوها سلطة شاملة لا تملكها أي حكومة أخرى لنفسها”.
في حزيران 1922 مجموعة من الأناركيين الروس نفيوا إلى المانيا نشروا كتابا صغيرا تحت اسم ا. غوريليك، أ. كوموف، وفولين، “اضطهاد الأناركية في روسيا السوفييتية”. فولين كتب الترجمة الفرنسية التي ظهرت في 1923. احتوت على لائحة مرتبة أبجديا لشهداء الأناركية الفرنسية. في 1921 – 1922، الكسندر بيركمان، وفي 1922 – 1923، ايا غولدمان نشروا سلسلة من الكتيبات عن الأحداث المأساوية التي شهدوها في روسيا.
عملين كلاسيكيين عظيمين عن الثورة الروسية، المقصلة في العمل: عشرين عاما من الارهاب في روسيا بقلم ج.ب. ماكسيموف والثورة المجهولة بقلم فولين، الذي أتى لاحقا، خلال الحرب العالمية الثانية، وكتبا مع نضوج الفكر ما جعله محتملا بعد سنين.
بالنسبة لماكسيموف، الذي ظهرت أهمته في أميركا، الدروس من الماضي جعلته يتوقع بشدة مستقبلا أفضل. الطبقة الحاكمة الجديدة في الاتحاد السوفييتي لا يمكن ولن تبقى دائمة، وسوف يتبعها الاشتراكية التحررية. الظروف المدركة سوف تؤدي في هذا التظر للأمام: “هل من الممكن … أن العمال سوف يرغبون في عودة الرأسماليين إلى شركاتهم؟ أبدا! لذا سف يثورون خصوصا ضد استغلال الدولة وبيرقراطييتها”. ما يرغب به العمال هو استبدال الادارة السلطوية للانتاج بمجالسهم الصناعية الخاصة، وتوحيد هذه المجالس في اتحاد وطني واسع. ما يرغبون به هو الادارة الذاتية العمالية. بنفس الطريقة، الفلاحين فهموا أنه لا يوجد سؤال في العودة للاقتصاد الفردي. الزراعة الجماعية هي الحل الوحيد، بالتعاون بين الجماعيات الريفية ومجالس العمال واتحادات العمال، باختصار، سوف يتطور برناج ثورة تشرين الأول في حرية كاملة.
أكد فولين بشدة أن أي تجربة على النمط الروسي قد تقود فقط إلى “رأسمالية الدولة القائمة على الاستغلال الكريه للجماهير”، “الشكل الأسوأ للرأسمالية والذي لا يمكنه انجاز أي شيء في تطور البشرية نحو المجتمع الاشتراكي”. لا يمكنها انجاز أي شيء غير تعزيز “دكتاتورية الحزب الواحد التي سوف تقود حتما لكبت الحريات من الكلام، الصحافة، التنظيم والعمل، وحتى النزعات الثورية، استثناء وحيد للحزب في السلطة”، و”للاستعلام الاجتماعي” الذي سوف يخنق ” انفاس الثورة”. فولين ذهب للتأكيد أن ستالين “لم يأتي من القمر “. ستالين والستالينية بوجهة نظره، النتائج المنطقية للنظام السلطوي الذي نشأ بين 1918 و1921. “هذا درس يجب أن يتعلمه العالم من التجربة البلشفية الحاسمة والمروعة: درس سوف يعطي الدعم القوي للطرح التحرري والذي أحداثه سوف تجعل أكثر وضوحا لفهم كل هؤلاء الذين يعانون، يكتئبون، يفكرون، ويناضلون”.
في شباط-آذار 1921، عمال وملاحي بيروغراد في حصن كرونشتادت دفععوا للثوران، الطموح الذي الهمهم كان مشابها للفلاحين الثوريين الماخنويين.
الشروط المادية للعمال المدنيين أصبحت لا تطاق بسبب النقص في الغذاء، الوقود، والنقل، وأي تعبير عن السخط كان يتم سحقه بنظام أكثر شمولية وأكثر دكتاتورية. في النهاية بدأت اضرابات شباط في بيتروغراد، موسكو، وعدد من المراكز الصناعية الكبيرة. العمال طالبوا بالخبز والحرية؛ ساروا من مصنع لآخر؛ مغلقينها؛ جاذبين عمالا معارضين جدد في مظاهراتهم. السلطات ردت باطلاق النار، وعمال بتروغراد بدورهم دعوا للقاء احتجاج شارك فيه حوالي 10 آلاف عامل. كرونشتادت كانت قاعدة بحرية جزرية عيدة حوالي 84 ميلا عن بيروغراد في خليج فنلندا الذي كان يتجمد خلال الشتاء. كان يسكنه الملاحون وعدة آلاف من العمال في الترسانة البحرية. كان ملاحو كرونشتادت في طلية الأحداث الثورية بين 1905 و1917. كما وضع تروتسكي، كانوا يملكون “فخر وانتصار الثورة الروسية”. المدنيين القاطنين في كرونشتادت شكلوا كومونة حرة، مستقلة نسبيا عن السلطات. في وسط الحصن حي عام ضخم أصبح يعمل أنه منتدى شعبي يضم حوالي 30 ألف شخص.
في 1921 الملاحون بدون ريب لم يملكوا نفس البنية الثورية ونفس المجموع كما في 1917؛ هم كانوا من الفلاحين أكثر ممن سبقوهم؛ لكن رواح النضال بقيت وكنتيجة لعملهم السابق كان السباقين لأخذ دور نشط في لقاءات العمال في بيروغراد. عندما عمال الرأسمالية السابقة خرجوا في اضراب ارسلوا موفدين تراجعوا بقوة الأوامر. خلال اجتماعين جماهيريين عقدا في المربع الرئيسي انخرطوا وكأنهم يحملون مطالب المتظاهرين. ستين ألف ملاح، عامل، وجندي ذهبوا للاجتماع الثاني في 1 آذار، كما فعل رأس الدولة، كالينين، رئيس اللجنة التنفيذية المركزية. بغض النظر عن وجوده مرروا قرارا يطالب العمال، الجنود الحمر، وملاحي بيتروغراد، كرونشتادت، ومقاطعة بيتروغراد أن يجتمعوا خلال الأيام العشر القادمة في مؤتمر مستقل عن الأحزب السياسية. دعوا إلى إنهاء “الضباط السياسيين”، داعين أنه لا يجب أن يكون لأي حزب سياسي أي امتيازات، وكذلك الكتائب الشيوعية في الجيش و “الحرس الشيوعي” في المصانع يجب أن يحلوا.
لقد كان احتكار السلطة من الحزب الحاكم هو ما يهاجمونه. ثوار كرونشتادت تجرأ على تسمية هذا الاحتكار “اغتصاب”. دعوا الملاحون الغاضبين يتحدثون عن أنفسهم، ونحن نتصفح صفحات الجريدة الرسمية لهذه الكومونة الجديدة، ازفستيا من كرونشتادت. وفقا لها، منذ استلامه السلطة والحزب الشيوعي له هم واحد: الحفاظ عليها بكافة الوسائل. لقد خسر التواصل مع الجماهير، وأثبت عدم قدرته على اخارج البلاد من حالة الانهيار العام. لقد أصبح بيروقراطيا وخصر ثقة العمال. السوفييتات، خسرت كل سلطتها الحقيقية، لقد تطفل، هيمن عليها، واحتكرها، الاتحادات النقابية أصبحت وسيلة بيد الدولة. الشرطة الكلية الوجود أدوات ثقيلة على الناس، تفرض قوانينها عبر اطلاق النار واستخدام الارهاب. الحياة الاقتصادية لم تعد الاشتراكية الموعودة، القائمة على العمل الحر بل رأسمالية الدولة القاسية. العمال كانوا ببساطة متقاضي أجر تحت هذه الائتمان الوطني، مستغلين كما السابق. الأشخاص الغير محترمين من كرونشتادت ذهبوا بعيدا في شرح الشكوك حول عصمة القادة الأعلى للثورة. لقد هجوا تروتسكي، وحتى لينين، بدون توقير. مطالبهم المباشرة كانت إعادة كل الحريات والانتخابات الحرة لكافة هيئات الديمقراطية السوفييتية، لكن إلى ما بعد هذا كانوا يريدون هدفا بعيدا أكثر مع محتوى أناكي واضح: “ثورة ثالثة”.
الثوار تعمدوا العمل ضمن هيكلية الثورة وباشروا في مشاهدة انجازات الثورة الاجتماعية. لقد صرحوا أنهم لا يملكون أي شيء مشترك مع هؤلاء الذين يريدون “العودة إلى سوط القيصرية”، ولكنهم لا يخفون غرضهم من تجريد “الشيوعيين” من السلطة، هذا لم يكن بهدف “إعادة العمال والفلاحين للعبودية”. علاوة على هذا، لم يقعوا امكانية التعاون مع النظام، آملين “القدرة على إيجاد لغة مشتركة”. أخيرا، حرية التعبير التي طالبوا بها لم تكن لأي شخص، بل فقط للمؤمنين المخلصين بالثورة: الأناركيين و”الاشتراكيين اليساريين” (من أجل استثناء الديمقراطيين الاجتماعيين أو المناشفة).
وقاحة كرونشتادت كانت أكثر بكثير مما قد يحتمل لينين أو تروتكسي. القادة البلاشفة ربطوا الثورة نهئيا بالحزب الشيوعي، وأي شيء ضد هذه الخرافة يجب، بنظرهم، أن يصور أنه “ثورة مضادة”. لقد رؤوا أن المعتقد الماركسي اللينيني في خطر. كرونشتادت أخافتهم كثيرا، حيث أنهم كانوا يحكمون باسم البروليتاريا، وثم سلطتهم كانت محل جدل من حركة التي يعرفون أنها عمالية أصيلة. لينين حمل الفكرة الأكثر بساطة أن اعادة القيصرية كانت البديل الوحيد عن دكتاتورية حزبه. رجال السياسة من الحكومة الروسي في 1921 تجادلوا بتفس الطريقة، ولاحقا في خريف 1956: كرونشتادت كانت بشير بودابست.
تروتسكي، الرجل ذو “القبضة الحديدية”، باشر في أن يكون مسؤولا شخصيا عن الكبت. “ما دمتم مصرين، سوف يطلق عليكم النار من اخفاء كما الحجل”، أعلن “للمتمردين”. الملاحون عوملوا على أنهم “الحرس الأبيض”، المشاركين في تدخل القوى الغربية، و”بورصة باريس”. لقد أجبروا على الخضوع بقوة السلاح. لقد كان سدى أن الأناركيين إيما غولدمان وألكسندر بيركمان، الذين وجدوا مأوى في وطن العمال بعد أن نفيوا من الولايات المتحدة، أرسلوا رسالة حزية إلى زينوفيف، مصرين أن استخدام القوة سوف يكون يحدث “ضررا كبيرا على الثورة الاجتماعية” ومناشدين “الرفاق البلاشفة” حل الخلاف عبر المفاوضات الأخوية. عمال بيروغراد لم يستطيعوا أن يعاونوا كرونشتادت لأنه تم ترهيبهم، وخضعوا للقانون العسكري.
شكلت القوى الاستطلاعية منظمة بهناية من فرقة مختارة بعناية، للعديد من الجنود الحمر كانوا مرغمين على اطلاق النار على أخوتهم الطبقيين. هذه القوة وضعت تحت أمر ضابط قيصري سابق، المارشال المستقبلي توكاتشيفسكي.قصف الحصن بدأ في 7 آذار. تحت عنوان “دعوا العالم يعرف!” القاطنين المحاصرين أطلقوا نداؤهم الأخر: “ربما دماء الأبرياء يظهر سعي الشيوعيين، المجنون، الثمل والجياش للسلطة. تعيش سلطة السوفييتات!” القوة المهاجمة انتقلت لخليج فنلندا المتجمد في 18 آذار وثمعت “الثورة” بطقوس من القتل.
الأناركيون لم يلعبوا دورا في هذه المسألة. لكن، اللجنة الثورية لكرونشتادت دعت تحرريين اثنين للانضمام لها: يارتشوك (مؤسس سوفييت كرونشتادت ل 1917) وفولين؛ عبثا حيث أنهم اعتقلوا بعد فترة من البلاشفة. إيدا مت، مؤرخ انتفاضة كرونشتادت (في كومونة كرونشتادت) علق أن “النفوذ الأناركي كان محمولا فقط لحد أن الأناركية نفسها روجت للديمقراطية العمالية”. الأناركيون لم يلعبوا دورا في الأحداث، لكنهم ربطوا أنفسهم بها. كتب فولين لاحقا: “كرونشتادت كانت أول محاولة مستقلة بالكامل للناس لتحرير أنفسهم، بدون “رعاة سياسيين”، “بدون قادة”، أو “معلمين”. الكسندر بيركمان أضاف: “كرونشتادت طيرت عاليا أسطورة الدولة العمالية؛ أثبتت أن دكتاتورية الحزب الشيوعي والثورة أنهما متعارضان”.
كانت تصفية الأناركيين سهلة نسبيا في مراكزهم الصغيرة والضعيفة في المدن، لكن الأشياء كانت مختلفة في أوكرانيا، حيث الفلاح نستور ماخنو بنى منظمة أناركية قروية قوية، اقتصاديا وعسكريا. ماخنو ولد من فلاحين أوكرانيين فقيرين وكان في سن العشرين من عمره في العام 1919. كطفل، رأى ثورة 1905 ولاحقا أصبح أناركيا. النظام القيصري حكم عليه بالاعدام، استبدلت بالسجن لثماني سنوات، التي قضاها، غالبا في سجن بوتيركي، المدرسة الوحيدة التي ارتادها. ملأ على الأقل بعض الفجوات في ثقافته مع مساعدة زميله في السجن، بيتر أرشينوف.
مباشرة بعد ثورة تشرين الأول، ماخنو أخذ المبادرة في تنظيم جماهير الفلاحين في اقليم مستقل ذاتيا، مساحة دائرية تقريبا 480 ب 400 ميل، مع حوالي 7 ملايين قاطن. الجنوب ينتهي في بحر آزوف عند ميناء بيرديانسك، ومركزها غولاي بويلي، القرية الأكبر من 20 ألف إلى 30 ألف قاطن. كانت هذا اقليم ثوري تقليديا الذي رأى عمليات عنف في 1905.
القصة بدأت عندما الجيوش الألمانية والنمساوية المحتلة فرضت نظام الجناح اليميني الذي سرع في عودة الملاك السابقين للأراضي التي استولي عليها من الفلاحين الثوريين. عمال الأرض أعلنوا الدفاع المسلح ضد المحتلين الجدد. قاوموا الرجعية لكن أيضا تدخلت مفوضيات البلاشفة وضرائبهم الباهظة. هذه الانتفاضة الواسعة استلهمت ب”محب للعدالة”، نوع ما من روبين هود أناركي سمي “الأب” نستور ماحنو من قبل الفلاحين. عمله الأول مع المسلحين كان الاستيلاء على غولاي بويلي في منتصف أيلول 1918. هدنة 11 تشرين الثاني أدت إلى انسحاب القوات النمساوية الألمانية، وأعكت ماخنو فرصة فريدة لبناء احتياط من السلاح والمؤن.
لأول مرة في التاريخ، مبادئ الشيوعية التحررية طبقت على أوكرانيا المحررة، والادارة الذاتية وضعت في قيد التنفيذ قدر الامكان بسبب ظروف الحرب الأهلية. الفلاحين اتحدوا في “كومونات” أو “سوفييتات العمل الحر”، وفلحوا بشكل مشترك الأرض التي حاربوا من أجلها الملاك السابقين. هذه المجموعات احترمت مبادئ المساواة والأخوية. كل رجل، امرأة، وطفل كان يجب أن يعمل وفقا بالتناسب مع قوته أو قوتها، ورفاق انتخبوا لأدوار ادارية مؤقتة ومن ثم يعودون لأعمالهم الاعتيادية إلى جانب باقي أعضاء الكومونات.
كل سوفييت كان ببساطة المنف لإرادة الفلاحين في المحلية التي انتخب منها. الوحدات الانتاجية اتحدت في المناطق، والمناطق في الأقاليم. السوفييتات اندمجت في نظام اقتصادي عام قائم على المساواة الاجتماعية؛ كانت مستقلة عن أي حزب سياسي. لا يمكن لأي سياسي أن يملي إرادته عليهم تحت غطاء سلطة السوفييت. الأعضاء يجب أن يكونوا عمالا حقيقيين في خدمة الجماهير العاملة.
عندما انتقل الفلاحين الماخنويين إلى منطقة ما وضعوا بوسترات كتب عليها: “حرية العمال والفلاحين هي ملك لهم، ولا تخضع لأي قيود. إنه يعود فقط للعمال والفلاحين أن ينشطوا، أن ينظموا أنفسهم، أن يوافقوا فيما بينهم على كافة مظاهر حياتهم، وفقا لما يرونه مناسبا ورغباتهم … الماخنويين لا يمكنهم القيام بأكثر من تقديم المعونة والنصيحة … لا يمكنهم في أي حال من الأحوال ولا يرغبون في أن يحكموا”.
في 1920، عندما أجبر الماخنويين على التفاوض مع البلاشفة، فعلوا هذا على قدم المساواة، وأبرموا اتفاقا سريع الزوال معهم، الذي أصروا على أن يذيل بالملحق التالي: “في المنطقة التي يعمل فيها الجيش الماخنوي السكان من العمال والفلاحين سوف يكونوت مستقلين ذاتيا ومرتبطين اتحاديا باتفاقات مع الهيئات الحكومية للجمهوريات السوفييتية”. المفاوضون البلاشفة أذهلوا وفصلوا الملحق عن الاتفاقمن أجل العودة لموسكو، حيث اعتبرت طبعا “مرفوضة كليا”.
إحدى نقاط الضعف النسبية في الحركة الماخنوية كان افتقارها للمثقفين التحررين، لكنها استقبلت بعض المعونة المتقطعة من الخارج. هذا أتى أولا من خاركوف وكورسك حيث الأناركيين، المتأثرين بفولين، شكلوا في 1918 اتحادا تحت اسم النابات (ناقوس الخطر). في 1919 عقدوا مؤتمرا أعلنوا أنفسهم “معارضين بشكل قطعي ونهائي لأي شكل من المشاركة في السوفييتات، التي تحولت إلى هيكليات سياسية صرفة، منظمة وفقا للقواعد الدولتية، المركزية، السلطوية”. الحكومة البلشفية اعتبرت هذا البيان اعلان حرب وأجبرت نابات على وقف كافة نشاطاتها. لاحقا في تموز، فولين وصل إلى مراكز ماخنو وانضم بيتر أرشينوف اليهم ليتولوا الجانب الثقافي والتعليمي من الحركة. عقد مؤتمر في تشرين الأول في الكسندروفسك، حيث “الطروحات العامة” قد أتت بتبني مذهب “السوفييتات الحرة”.
المنتدبين الفلاحين والمناصرين أخذوا دورا في هذه المؤتمرات. ي الحقيقة، المنظمة المدنية كانت توسعا للجيش الفلاحي المنتفض الذي يمارس تكتيك حرب العصابات. هذا الجيش كان جوالا على نحو رائع، يغطي حوالي 160 ميل في اليوم الواحد، طبعا ليس فقط بفضل فرسانه بل أيضا مشاته، الذين تنقلوا في عربات الخيل الخفيفة في الربيع. كان هذا الجيش منظما وفقا للأسس التطوعية والتحررية. المبدأ الانتخابي كان مطبقا على كل المستويات والانضباط كان يتم الموافقة عليه بشكل حر: القواعد الأخيرة كانت توضع من لجان المؤيدين، ثم توثق من الجمعيات العامة، وكان يتم مراقبتها بصرامة من قبل الجميع.
سببت الحركة السريعة للماخنويين العديد من المشاكل للجيوش البيضاء. وحدات الحرس الأحمر البلشفي، بدورهم، لم يكونوا مؤثرين جدا. لقد قاتلوا فقط على طول السكة الحديد ولم يذهبوا أبعد من قطاراتهم المدرعة، التي انسحبت عند أول انتكاسة، أحيانا بدون أن تأخذ كل مقاتليها. هذا لم يعطي الثقة الكاية للفلاحين الذين كانوا أقل تسليحا ومعزولين في قراهم والذين أصبحوا تحت رحمة عناصر الثورة المضادة. أرشينوف، مؤرخ الماخنوية، كتب “إن شرف تدمير الثورة المضادة لدينيكن في خريف 1919 كان يعود إلى الثوار الأناركيين”.
لكن بعد أن تحولت وحدات الحرس الأحمر في الجيش الأحمر، أمعن ماخنو في رفض وضع جيشه تحت الأوامر العليا لقائد الجيش الأحمر، تروتسكي. هذا الثوري العظيم اعتقد أنه من المهم الانقلاب على الحركة المنتفضة. في 4 حزيران 1919، كتب مسوجة قرار في منع المؤتمر الوشيك للماخنويين، متهمهم بالوقوف ضد سلطة السوفييت في أوكرانيا. لقد وصف المشاركة في المؤتمر أنه عمل “خيانة عظمى” ودعا لاعتقال المندوبين. رفض إعطاء السلاح للمقاتلين الماخنويين، فشل في واجبه في مساندتهم، وأخيرا اتهمهم بالخيانة والسماح لأنفسهم بالهزيمة من قبل القوات البيضاء. على نفس النهج سار الستالينيين الاسبان ضد الألوية الأناركيى بعد 18 عاما.
الجيشين عقدا مجددا اتفاقا، في مناسبتين، عندما الخطر العالي بسبب التدخل الأمر الذي دفعهما للعمل معا. هذا حصل في آذار 1919، ضد دينيكين، الثاني خلال صيف وخريف 1920، قبل تهديد القوات البياضء في رانجل حيث دمرت نهائيا من قبل ماخنو. لكن كلما مرت فترة الخطر يعود الجيش الأحمر لعملياته ضد الماخنويين، الذين يردون الهبة بهبة.
في نهاية تشرين الثاني 1920 هؤلاء الذين في السلطة ذهبوا بعيدا في التحضير للكمين. البلاشفة دعوا ضباط الجيش الماخنوي في كريمين لأخذ دورهم في المجلس العسكري. هناك اعتقلوا مباشرة من قبل التشيكا، الشرطة السياسية، وقتلوا بينما نزع سلاح مناصريهم. في نفس الوقت الهجوم الدوري اطلق نحو غولاي بويلي. تنامي الصراع الغير متساوي بين التحرريين والسلطويين استمر لتسعة شهور. في النهاية، اضر ماخنو لوقف القتال بسبب مجيء المزيد من القوات القوية عددا وعديدا. اضطر للجوء إلى رومانيا في آب 1921، ولاحقا وصل إلى باريس، حيث مات بعدها بكثير بسبب المرض والفقر. كانت هذه نهاية الملحمة البطولية للمنظمة الماخنوية. وفقا لبير أرشينوف، كانت نموذجا أصيلا عن الحركة المستقلة للجماهير العاملة ومصدرا للالهام المستقبلي للعمال حول العالم.
هذا التحالف الجريء بين موهبة الجماهير ومزاجهم الجريء ربما نجح في إعطاء البلاشفة السيطرة على الثورة، لكن لم يكن لديهم نا يفعلوه بأيديولوجيتهم التقليدية أو أهدافهم الحقيقية. لقد كانوا سلطويين لفترة طويلة، وشربوا مع أفكار الدولة، الدكتاتورية، الحزب الحاكم، ادارة الاقتصاد من الأعلى، كل شيء كان في تناقض فظيع مع المفهوم التحرري الحقيقي للديمقراطية السوفييتية.
الدولة والثورة كتبت قبيل انتفاضة تشرين الأول والمرايا الثنائية لأفكار لينين. بعض الصفحات يمكن أن تكون قد كتبت من قبل تحرري، وكما رأيناها في الأعلى، ائتمان قليل على الأقل مقدمة للأناركيين. مع ذلك، هذه الدعوة للثورة من الأسفل كانت مساوية لبيان حالة الثورة من الأعلى. مفاهيم نظام الدولة المركزية والهرمية لم تختفي بالكامل لاحقا لكن، بالعكس، عبر عنها بصراحة: الدولة سوف تعيد الاستيلاء على السلطة من قبل الطبقة العاملة وسوف ترمى بعيدا عقب المرحلة الانتقالية. كم من الوقت قد تصمد هذه الطهرية. هذا ليس خفيا؛ يقال لنا في الواقع وبأسف أن هذه العملية سوف تكون “بطيئة” و”طويلة الأمد”. تحت ستار سلطة السوفييت، الثورة سوف تأتي ب “دولة العمال”، أو “دكتاتورية البروليتاريا”؛ الكاتب بزلة لسان يقول “دولة برجوازية بدون برجوازية”، فقط عندما يكتشف أفكاره العميقة. الدولة الملتهمة سوف تسيطر طبعا على كل شيء.
أخذ لينين درسا من رأسمالية الدولة الألمانية المعاصرة، اقتصاد الحرب. مثال آخر عنه كان تنظم الصناعة على نطاق واسع من قبل الرأسمالية، مع “نظامها الحديدي”. كان مفتونا جدا باحتكارية الدولة كالبريد والتلغراف وأعلن: “أي الية مثالية جدير بالاهتمام! الحياة الاقتصادية كاملة منظمة كالخدمات البريدية … حيث الدولة، التي هي القاعدة الاقتصادية التي نحتاجها”. أن نهدف للعمل بدون “سلطة” و”اخضاع” هو “حلم أناركي”، هذا ما استنتجه. في نفس الوقت هو بدا متحمسا لفكرة ائتمان الانتاج والتبادل للجمعيات العمالية وللادارة الذاتية. لكن هذا خطأ. اليوم لم يخفي وصفته السحرية: كل المواطنين أصبحوا “عمال ومستخدمين لثقة دولة واحدة رسمية شاملة”، المجتمع كله تحول إلى “مكتب واحد عظيم ومصنع واحد عظيم”. إنه سوف يكون هناك سوفييتات، طبعا، لكن تحت سيطرة حزب العمال، حزب دوره التاريخي هو “توجيه” البروليتاريا. الأناركيون الروس الأكثر فهما لم يضللوا بهذه الفكرة. في ذروة مرحلة لينين التحررية كانوا يحذرون العمال من أن يكونوا حرسهم: في جريدتهم، صوت العمال، في الأشهر الأخيرة من 1917 وبداية 918 كتب فولين هذا التنبيه التنبؤي:
“عندما يعززون ويشرعون سلطتهم، البلاشفة، الذين هم اشتراكيين، سياسيين، ومؤمنين بالدولة، دعونا نقول، أشخاص سلطوين ومركزيين في العمل، سوف يبدؤون ترتيب حياة البلاد والناس عبر الوسائل الحكوماتية والدكتاتورية المفروضة من المراكز …. سوفييتاتكم …. سوف تتحول تدرييا إلى هيئات تنفيذية بسيطة لإرادة الحكومة المركزية … أدوات الدولة السياسية السلطوية سوف تركب، وتعمل من الأعلى، إنها سوفل تهدف لسحق كل شيء بقبضتها الحديدية … وويل لأي شخص لا يتوافق مع السلطة المركزية.
“كل السلطة للسوفييتات سوف تصبح تحت تأثير سلطة زعماء الحزب”.
كانت وجهة نظر فولين أن النزعات الأناركية المتنامية بين الجماهير هي التي أجبرت لينين على العدول عن طريقه الأصلي لمدة. إنه سوف يسمح للدولة، الدكتاتورية، البقاء فقط للحظة، لفترة قصيرة. ثم سوف يحقق “الأناركية”. “لكن، بحق الله، ألا تدرك … ما سيقوله لينين عندما تسلمه السلطة الحقيقية ولقد أصبح مستحيلا أن يسمع بعد الآن لصوت الجماهير؟” ثم سوق يعود مجددا للطريق المهزوم. سةف يخلق “دولة ماركسية”، من النوع الأكثر كمالا.
إنه، طبعا، سوف يكون خطرا التأكيد أن لينين وفريقه وضعوا بوعي فخ للجماهير. كان هناك ثنائية مذهبية أكثر من ازدواجية المواقف. التناقض بين كلا الطرفين في الفكر كان واضحا جدا، معلنا للغاية، لقد كان من الممكن رؤيته أنه سوف يصطدم بالأحداث. سواء التوجه الأناركي وضغط الجماهير سوف يجبر البلاشفة على نسيان المظهر السلطوي لمفاهيمهم، أو، بالعكس، تماسك سلطتهم، المتطابق مع ارهاق النهوض الثوري للشعب، سوف يقود إلى وضع أفكارهم الأناركية الانتقالية جانبا.
العامل الجديد الذي جعل ظهورها، مقلقا لتوازن القضايا في مسألة: النتائج الكارثية للحرب الأهلية والتدخل الخارجي، إرباك النقل، عجز التقنيين. هذه الأشياء قادت زعماء البلاشفة لمواقف طارئة، للدكتاتورية، للمركزية، للاستعانة ب “القبضة الحديدية”. الأناركيون، مع ذلك، أنكروا أن هذه كانت ببساطة نتيجة قضايا موضوعية منفصلة عن الثورة. في رأيهم كانت هذه تعود للمنطق الداخلي للأفكار السلطوية للبلاشفة، إلى ضعف السلطة البيروقراطية المفرطة والمركزة جدا. وفقا لفولين، كانت، بين عدة أشياء، عجز الدولة، ورغبتها في السيطرة والتحكم بكل شيء، هذا جعلها غير قادرة على إعادة تنظيم الحياة الاقتصادية في البلاد وقادت إلى “الانهيار” الحقيقي؛ هذا، للعجز الصناعي، الدمار الزراعي، ودمار كل الروابط بين الفروع المختلفة للاقتصاد.
مثلا، فولين قال قصة عن مصفاة نفط سابقة. لقد تركت من قبل ملاكها فقرر العمال 4000 إدارتها جماعيا. أرسلوا خطابا أنفسهم للحكومة البلشفية عبثا. ثم حاولوا وضع خطة عمل من مبادرتهم الخاصة. قسموا أنفسهم في مجموعات جوالة وحاولوا إيجاد الوقود، المواد الأولية، المخرج، ووسائل النقل. فيما يتعلق بالتالي بدؤوا حقا مناقشات مع رفاقهم في السكة الحديد. الحكومة أصبحت غاضبة، لأنها شعرت أن مسئوليتها في البلاد تمنعها من السماح لأي مصنع من العمل باستقلالية. مجلس العمال ثابر ودعا لجمعية عامة للعمال. المفوض الشيوعي للعمل أوكل توجيه التحذير الشخصي للعمال ضد “عمل خطير من العصيان”. عنف توجههم على أنه “أناركي وأناني”. هددهم بالطرد بدون أجر. العمال ردوا أنهم لم يسألوا عن أي امتيازات: الحكومة يجب أن تترك للعمال والفلاحين حول البلاد يتصرفون بنفس الطريقة. كله عبثا، الحكومة تشبثت برأيها وتم إغلاق المصنع. شيوعية واحدة أكدت على تحليل فولين: الكسندرا كولونتاي. في 1921 تذمرت أن أمثلة عديدة عن المبادرات العمالية تحولت غما وسط عمل كتابي لانهائي ومناقشات ادارية عديمة الجدوى: “كم من المرار هناك بين العمال … عندما يرون ما يمكنهم الوصول له إذا أعطي لهم الحق والحرية بالنشاط … المبادرة تصبح ضعيفة والرغبة بالعمل تتهاوى”.
في الحقيقة سلطة السوفييتات فقط بقيت أشهرا قليلة، من تشرين الأول 1917 إلى ربيع 1918. مجالس المصنع عاجلا ما عريت من سلطاتها، تحت ذريعة أن الادارة الذاتية لم تأخذ في حسابها الاحتياجات “العقلانية” للاقتصاد، أنها تحتوي على أنانية الشركات المنافسة لبعضها البعض، الجشعة للموارد النادرة، تريد البقاء بأي ثمن حتى لو أن باقي المصانع كانت مهمة “للدولة” وأفضل تجهيزا. خلاصة القول، وفقا لآنا بانكراتوف، الوضع كان يسير نحو تجزئة الاقتصاد في “اتحاد المنتجين المستقلين من النوع الذي حلم به الأناركيون”. بدون أدنى شك تبرعم الادارة الذاتية العمالية لم يكن فوق النقد. لقد حاولت، بشكل مزعج ومؤقت، أن تخلق أشكال جديدة للانتاج الغير موجودة في العالم. لقد ارتكبت الأخطاء وتلقت عواقبها. كان هذا ثمن التدرب. كما استنتجت الكسندرا كولونتاي، الشيوعية لا يمكن أن “تولد إلا عبر عملية من البحث العملي، ربما مع الأخطاء، لكنها تبدأ من القوى الخلاقة للطبقة العاملة نفسها”.
زعماء الحزب لم يحملوا هذه النظرة. كانوا فقط مسرورين جدا في استرداد السلطة من لجان المصنع التي لم يكونوا في صميم قلوبهم راضين على تسليمها. في بداية 1918، أعلن لينين تفضيله “الارادة المفردة” في إدارة المشاريع. العمال يجب أن يتبعوا “بدون شروط” الارادة المفردة لموجهي عملية العمل. تقول لنا كولونتاي أن كل زعماء البلاشفة كانوا “مشككين في القدرات الابداعية للجماعيات العمالية”. علاوة على ذلك، الادارة اجتيحت بعدد كبير من من البرجوازية الصغيرة، متخلين عن الرأسمالية الروسية القديمة، التي تبنوها كلها بسرعة شديدة لمؤسسات من النوع السوفييتي، وجعلوا أنفسهم في مواقع المسؤولية في المفوضيات المختلفة، مصرين أن الادارة الاقتصادية يجب أن تعهد لهم وليس لمنظمات العمال.
بيروقراطية الدولة لعبت دورا متصاعدا في الاقتصاد. من 5 كانون الأول 1917، الصناعة وضعت تحت المجلس الأعلى للاقتصاد، المسؤلية عن التنسيق السلطوي للنشاط لكافة الهيئات الانتاجية. من 5 أيار إلى 4 حزيران 1918، انعقد مؤتمر المجالس الاقتصادية وقرر أن مجلس الادارة لكل مشروع يجب أن يكون ثلثي أعضائه معينين من المجالس الاقليمية أو المجلس الأعلى للاقتصاد وفقط الثلث سوف ينتخب من عمال المشروع. قرار 28 أيار 1918، وسع الجمعنة للصناعة ككل لكن، بنفس الطريقة، تحولت الجمعنة العفوية للأشهار الأولى للثورة إلى تأميم. المجلس الأعلى للاقتصاد كانت مسؤولة عن ادارة الصناعات الوطنية. الطاقم الاداري والتقني بقي في مواقعه معينا من الدولة. في المؤتمر الثاني للمجلس الأعلى للاقتصاد في نهاية 1918، مجالس المصانع عوقبت على نحو دائم من قبل مقرر اللجنة في محاولة لتوجيه المصانع من قبل مجلس إدارة.
في سبيل المظاهر، الانتخابات للجان المصانع استمرت لتأخذ مكانها، لكن أعضاء الخلية الشيوعية كانوا يسمون لائحة المرشحين الموضوعة مسبقا والتصويت كان برفع الأيدي بحضور “الحرس الشيوعي” المسلح للمشروع. أي شخص يبدي معارضته للمرشحين المقترحين أصبحت تخضع للعقوبات الاقتصادية (اقتطاع الأجر، …). كبيتر أرشينوف ذكر، الابقاء على سيد واحد كلي الوجود – الدولة. العلاقات بين العمال والسيد الجديد أصبحت متشابهة لهؤلاء الذين يملكون وجودا مسبقا بين العمل والرأسمال.
دور السوفييتات أصبحت شكليا تماما. تحولت في مؤسسات للسلطة الحكومية. “يجب أن تصبح الخلايا الأساسية للدولة”، قال ليين في مؤتمر مجالس المصنع في 27 حزيران 1918. كما فسرها فولين، خفضوا دورها “لهيئات التنفيذية والادارية لمسؤولية عن الشئون المحلية الصغيرة والغير مهمة وكلها خضعت لتوجيهات من السلطات المركزية: الحكومة والهيئات القيادية للحزب”. لم يعودوا حتى يملكون “ظل السلطة”. في المؤتمر الثالث للاتحادات النقابية (نيسان 1920)، مقرر اللجنة، لوزوفوسكي، قررت: “إننا نتخلى عن القواعد القديمة للسيطرة العمالية ونحافظ على المبدأ الوحيد لسيطرة الدولة”. من الآن هذه “السيطرة” كانت نشطت كهيئة من الدولة: هيئة تفتيش للعمال والفلاحين.
الاتحادات الصناعية التي كانت مركزية في هيكليتها، في المرتبة الأولى، ساعدت البلاشفة في امتصاص واخضاع لجان المصنع التي كانت اتحادية وتحررية في طبيعتها. من 1 نيسان 1918، الاندماج بين نوعين من المنظمات كانت حقيقة مكتملة. من حينها الدور الانضباطي الذي لعبته النقابات العمالية تحت رقابة الحزب. اتحاد العمال في صناعات المعدن الثقيلة في بيروغراد حظرت “المبادرات التمزيقية” من مجالس المصنع وخضعت لنزعتهم “الأكثر خطورة” لوضع هذا المشروع أو ذلك في يد العمال. هذه كانت الطريقة الأسوأ لتقييد التعاونيات الانتاجية، “الفكرة التي كانت لفترة طويلة منذ الافلاس” والتي “ما كانت لتفشل في تحويل ذاتها في مشاريع رأسمالية”. “أي مشروع تخلي عنه أو خرب من قبل الصناعي، المنتج الذي كان مهما للاقتصاد الوطني، الذي كان موضوعا تحت سيطرة الدولة”. “لم يكن مسموحا” للعمال بالسيطرة على المشاريع بدون موافقة منظمة النقابة العمالية.
بعد هذه العملية السيطرة التحضيرية، النقابات العمالية بدورها دجنت، عريت من أي استقلالية؛ أجلت مؤتمراته، أعتقل أعضاؤها، حلت منظماتها أو دمجت في واحدات أكبر. في نهاية هذه العملية أي نزعة أناركيو نقابية قد طمست، الحركة النقابية طوعت بشكل كامل للدولة والحزب الواحد.
الشيء نفسه حسصل مع تعاونيات المستهلكين. في المراحل الأولى من الثورة نمت في كل مكان، تزايدت أعدادها، واستحدت فيما بينها. مهاجمتهم كانت لأنهم كانوا خارج سيطرة الحزب وعدد من الديمقراطيين الاجتماعيين (المناشفة) قد جندوها. أولا، المتاجر المحلية جردت من المؤن ووسائل النقل تحت ذريعة “التجارة الخاصة” و”المضاربة”، أة حتى بدون أي ذريعة. ثم، كل التعاونيات الحرة أغلقت بضربة واحدة وحلت محلها تعاونيات الدولة البيروقراطية. قرار 20 آذار 1919، وضع تعاونيات المستهلك في تعاونيات المنتجين الصناعيين ومفوضية المؤن الغذائية ثم في المجلس الأعلى للاقتصاد. العديد من أعضاء التعاونيات وضعوا في السجون.
الطبقة العاملة لم تتصرف لا بسرعة كافية و لا بقوة كافية. لقد فرقت، عزلت في رجعية هائلة، وبالنسبة للقسم الأكبر من البلد الزراعي فقد استنزفته الفاقة والنضال الثوري، وبقي مربكا وسيئا. أخيرا، أعضائها الأفضل تركوها من أحل جبهات الحرب الأهلية أو اندمجوا في أدوات الحكومة والحزب. بالرغم من هذا، عدد لا بأس به من العمال شعروا إلى حد ما أنه قد سلب منهم ثمار انتصاراتهم الثورية، جردت منهم حقوقهم، وخضعوا للوصاية، ذلوا من قبل السلطة المغرورة والمتكبرة للأسياد الجدد؛ وهؤلاء أصبحوا مدركن للطبيعة الحقيقية “للدولة العمالية” المزعومة. هذا، وخلال صيف 1918، العمال المستائين في مصانع موسكو وبيتروغراد انتخبوا مندوبين من بين أعدادهم، محاولين بهذه الطريقة معارضة “مجالسهم المنتدبة” الأصلية لسوفييتات المشاريع المسلوبة من قبل السلطة. كولونتاي شهجت بقوة أن العمال شعروا بالألم وأحسوا أنه تم رميهم جانبا. يمكنهم المقارنة بين نمط الحياة للسوفييت التي عاشوها، على الأقل نظريا، مع ما قامت عليه “دكتاتورية البروليتاريا”.
مع الوقت العمال شاهدوا نورا متأخرا. السلطة كان عندها الوقت لتنظيم ذاتها بقوة وتملك تحت تصرفها قوات قمعية قادرة بشدة على سحق أي محاولة للعمل المستقل من قبل الجماهير. وفقا لفولين، نضال اليم ولكنه متفاوت استمر لمدة ثلاث سنوات، ولك يكن معروفا أبدا خارج روسيا. فيه طليعة الطبقة العاملة عارضت أدوات الدولة المصممة على رفض التقسيم الذي تطور بينها وبين الجماهير. من 1919 حتى 1921، تصاعدت الاضرابات في المدن الكبرة، خصوصا بتروغراد، وحتى في موسكو. لقد كبتوا بقسوة، كما سنرى حقا.
ضمن الحزب الموجه نفسه تنامت المعارضة العمالية التي طلبت العودة لديمقراطية السوفييتات والادارة الذاتية. في المؤتمر العاشر في آذار 1921، واحدة من الناطقين باسمها، الكسندرا ولونتاي، وزعت كتيبا دعت فيه لحرية المبادرة والتنظيم للاتحادات النقابية وال”مؤتمر المنتجين” من أجل انتخاب هيئة ادارية مركزية للاقتصاد الوطني. تم مصادرة الكراس وحظره. كان لينين مقتنعا أن المؤتمر كله قد صوت على قرار يعرف فيه الطروحات من قبل المعارضة العمالية ب”انحراف البرجوازية الصغيرة والأناركية”: “النقابية”، “الشبه أناركية” للانهازيين كانت في عينيه “خطرا مباشرا” لاحتمار السلطة الممارس من قبل الحزب باسم البروليتاريا. منذها، كل المعارضة ضمن الحزب أصبحت محظورة وتحت الطريق نحو “الاستبدادية”، كما أقر بذلك لاحقا تروتسكي.
اتمر النضال ضمن القيادة المركزية للاتحادات النقابية. تومسكي وريازانوف نفيا من الديوان الأعلى لرئاسة السوفييت وارسلا للمنفى، لأنهم وقفوا من أجل استقلالية الاتحادات النقابية عن الحزب. زعيم المعارضة العمالية، شليابايو، لاقى نفس المصير، وتبعه بسرعة المحرك الرئيسي لمجموعة معارضة أخرى: مياسنيكوف، عامل أصيل نفذ الموت بالدوق الكبير ميشال في 1917. كان عضوا في الحزب منذ 15 عاما، قبل الثورة، قضى 7 سنوات في السجن و75 يوما في اضراب عن الطعام. في تشرين الثاتي 1921، تجرأ على الاعلان في كراسة أن العمال قد فقدوا ثقتهم في الشيوعيين لأن الحزب لم يعد يملك اللغة المشتركة مع الشعب وأصبح الآن يستخدم المعايير القمعية ضد الطبقة العاملة التي استخدمها البرجوازيون بين 1918 و1920.
نقطة انطلاق ثورة 1917 كانت في 1905، حيث أنو نوعا جديدا من الهيكلية الثورية بدأ بالتكون: السوفييات. نشؤوا في المصانع في ساينت بطرسبورغ خلال الاضراب العام العفوي. في غياب كامل للحركة النقابية وتقليدها، السوفييتات ملؤوا الفراغ عبر تنسيق نضال المصانع في الاضراب. الأناركي فولين كان في مجموعة صغيرة الاي حملت فكرة تشكيل السوفييت الأول، في ارتباط وثيق مع العمال واقتراحاتهم. شهادته تبرهنت مع تروتسكي، الذي أصبح رئيس السوفييت لبضعة شهور لاحقا. في تقريره عن 1905، كتب، بدون أي غاية ازدرائية، بالعكس تماما: “نشاط السوفييت مث تنظيم الأناركية (اللاسلطوية). وجودها وتطورها اللاحق اتسم بتماسك الأناركية”.
هذه التجربة صنعت كلامة دائمة في وعي الطبقة العاملة وعندما بدأت الثورة الروسية الثانية في شباط 1917، قادتها لم يملكوا شيئا لاكتشافه. العمال سيطروا على المصانع عفويا. السوفييتات تجددت في بديلهم. مجددا، وضعوا الثوريين المحترفين تحت الصدمة. باعتراف لينين، جماهير العمال والفلاحين كانوا “أكثر بمئة مرة في اليسار” من البلاشفة. مقام السوفييتات كان هكذا حتى أنه كان في اسمهم فقط، وفي دعوتهم للتمرد في اطلاق ثورة تشرين الأول (أوكتوبر).
بغض النظر عن قوتهم، كانوا يفقرون للتجانس، التجربة الثورية، والتحضير الثوري. هذا ما جعلهم فريسة سهلة للأحزاب السياسية مع أفكار ثورية غير محددة. بالرغم من كونه منظمة الأقلية، الحزب البلشفي كان القوة الثورية الأكثر انتظاما الذي كان يعلم إلى أين يتجه. لم يكن له منافس في اليسار المتطرف سواء في حقل السياسية أو النقابة العمالية. كان عنده كوادر الدرجة الأولى في صفوفه وتسييره، كما أقر فولين، “نشاط ضارٍ، ساحق، محموم”.
الآلية الحزبية، التي كان ستالين وقتها حلية مجهولة، كانت دائما تراعي السوفييتات بريب كمنافسين مخجلين. مباشرة بعد استجوازهم على السلطة، النزعة العفوية والغير مقاومة نحو جمعنة الانتاج كانت، بالدرجة الأولى، موجهة عبر سيطرة العمال. القرار في 17 تشرين الثاني شرع مشاركة العمال في ادارة الشركات وتحديد الأسعار؛ لقد أسقطت الأسرار التجارية، وأجبرت أرباب العمل على نشر مراسلاتهم وحساباتهم. وفقا لفيكتور سيرج، “قاجة الثورة لم يتعمدوا التوجه لهذا”. في نيسان 1918، “كانوا ما زالوا يعمدون إلى شركات مختلطة مع حصص، في دولة السوفييت وروسيا والرأسمال الأجنبي كلهم سوف يتشاركون”. “البديل اجراء التجريد من الملكية أتى من الجماهير وليس من السلطة”.
في 20 تشرين الأول 1917 في المؤتمر الأول لمجالس الصناعة، حركة مستلهمة من الأناركية بدأت بالظهور. هدفت إلى “السيطرة على الانتاج، وأن لجان السيطرة يجب أن تكون ببساطة هيكليات استقصائية، بل … من هذه اللحظة خلايا المستقبب تتحضر لنقل الانتاج إلى يد العمال”. “في الأيام الأولى لثورة تشرين الأول”، آنا بانكراتوفا وضعت تقريرا، “النزعات الأناركية كانت الأكثر ظهورا بنجاح وسهولة، لأن الرأسماليين رفعوا المقاومة النشطة إلى فرض القرار على سيطرة العمال وواقعا رفضةا مشاركة العمال بالانتاج”.
تأثير سيطرة العمال أظهر بسرعة نفسه ليكون أقل قسوة، عرجا وأكثر كفاءة. عطله أرباب العمل، مخفين أموالهم، تحدوا وطردوا العمال؛ أحيانا استخدموا لجان المصنع كوكالات بسيطة أو متعاونة للإدارة؛ حتى أنهم ظنوا أنه أكثر ربحا أن يحاولوا أن يؤمموا شركاتهم. العمال ردوا على هذه المناورات عبر السيطرة على المصانع وإدارتها لمنفعتهم الخاصة. “إننا لن نرسل الملاك بعيدا”، قال العمال في قرارهم، “لكننا سوف نكون مسؤولين عن الانتاج إذا لم يضمنوا عمل المصانع”. آنا بانكراتوفا أضافت، في هذه المرحلة من الجمعنة “الفوضوية” و”البدائية”، مجالس الصناعة “استولت مرارا على ادارة المصانع التي طرد ملاكها أو فروا”.
سيطرة العمال أفسحت عاجلا المجال للجمعنة. لينين قام حرفيا بعنف لأكثر الملازمين له رهبة عبر رميهم في “محنة الابداع الشعبي الحي”، عبر اجبارهم على الحديث بلغة تحررية أصلية. أسس إعادة البناء الثوري كانت الادارة الذاتية للعمال. إنها فقط بامكانها استنهاض في الجماهير مثل هذه الحماسة الثورية حيث المستحيل يصبح ممكنا. عندما آخر عامل يدوي، أي شخص عاطل، أي طاع، يمكن أن يرى المصانع، الأرض، الإدارة بيد جمعيات العمال، الموظفين، المستخدمين، الفلاحين؛ تقنن بيد اللجان الديمقراطية، الخ. كلها خلقت عفويا من قبل الناس، “عندما يرى الفقير ويشعر أنه، لا يوجد قوة قادرة على هزيمة الثورة الاجتماعية”. المستقبل يبدوا مفتوحا لجمهورية من نوع كومونة 1871، جمهورية السوفييتات.
وفقا لتقرير فولين، “من أجل ادراك خيال الجماهير، فز بثقتهم وتعاطفهم، أعلن الحزب البلشفي …. شعارات سطحية تحمل خصائص الأناركية”. كل السلطة للسوفييتات كان شعارا فهمته الجماهير بحدسها في الحس التحرري. بيتر أرشينوف كتب تقريرا أن “العمال فسروا فكرة سلطة السوفييت على أنه حقهم في إدارة أنفسهم اجتماعيا واقتصاديا”. في المؤتمر الثالث للسوفييتات، في بداية 1918، أعلن لينين: “الأفكار الأناركية أخذت اليوم شكلا حي”. بعدها بقليل، في مؤتمر الحزب السابع، في 8 آذار، اقترح تبني أطروحات تبحث من بين أشياء أخرة مع جمعنة الانتاج المدار من قبل منظمات العمال (النقابات، اللجان الصناعية الخ)؛ اسقاط المسئولين الاداريين للصناعة اليدوية، الشرطة، والجيش؛ المساواة في الأجور والتعويضات؛ مشاركة كل أعضاء السوفييتات في ادارة وتوجيه الدولة؛ الازالة الكاملة تدريجيت للدولة واستخدام المال. في مؤتمر النقابات العمالية (ربيع 1918)، لينين قدم المصانع أنها “كومونات محكومة ذاتيا للمنتجين والمستهلكين”. الأناركي النقابي ماكسيموف ذهب إلى حد القول أن “البلاشفة لم يتخلوا عن نظرية الدمار التدريجي للدولة فقط، بل النظرية الماركسية عموما. لقد أصبحوا نوعا ما من الأناركيين”.
الأناركية وحدت هبوبها الثاني في النقابية الثورية؛ الثورة الروسية قدمت لها الهبة الثالثة. هذه الحالة من الممكن في البداية أن تفاجئ القارئ، الذي اعتاد التفكير في أن الحركة الثورية العظيمة لأوكتوبر 1917 كانت من عمل وملك البلاشفة منفردين. الثورة الروسية في الحقيقة كانت حركة جماهيرية عظيمة، موجة نهضوية من الناس الذين تجاوزوا وتخطوا التشكيلات الأيديولوجية. إنها لا تنتمي لأحدا، عدا الناس. بقدر ما كانت ثورة أصيلة، آخذة حافزها من الأسفل للاعلى وأنتجت عفويا هيكليات الديمقراطية المباشرة، لقد قدمت كل خصائص الثورة الاجتماعية مع النزعات التحررية. لكن، الضعف النسبي للأناركيين الروس منعهم من استغلال الوضع الذي كان مفضلا بشكل استثنائي لانتصار أفكارهم.
الثورة صودرت في النهاية وحرفت عبر السيطرة، من قبل بعض (البارعين وفقا للآخرين) فريق ثوري محترف قاده لينين. لكن هزيمة كل من الأناركية والثورة الشعبية الأصيلة لم يكن عقيما تماما بالنسبة للفكر التحرري. في الدرجة الأولى، الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج لم تعد محط جدل، وهذا أمن الأرضية للاشتراكية من الأسفل التي في يوم ما ربما تنتصر على أنظمة الدولة؛ عجا أن، التجربة الروسية قد وفرت لبعض الأناركيين الروس والغير روس استخلاص الدروس المختلفة لدروس الهزيمة المؤقتة التي بدا أن لينين ذاته قد أصبح واعيا لها قبل وفاته. في هذا السياق يمكنهم اعادة التفكير في كامل قضية الثورة والأناركية. وفقا لكروبوتكين، كما ردد فولين، لقد علمتهم، ما يجب أن يعرفوه، كيف يجب أن لا نصنع الثورة. بعيدا عن اثبات أن الاشتراكية التحررية غير عملية، التجربة السوفييتية على النقيض أكدت صواب وجهات نظر مؤسسي الأناركية، تحديدا في نقد الاشتراكية السلطوية.
إنه جدير بالاهتمام أن الاستخلاص المنطقي قاد أصحاب الفكرة الاتحادية إلى استبقاقات تنبؤية لمشاكل الاستعمار. برودون ميز الوحدة “القائمة على السيطرة” عن “الوحدة العقلانية” وراى أن “كل تنظيم يتجاوز حدوده الحقيقية ويهدف لاتباع أو غزو باقي التنظيمات يخسر في القوة ما يربجه في الحجم، ويتحرك باتجاه الانحلال”. كلما توسعت المدينة (مثل الأمة) سكانيا أو اقليميا، كلما اصبحت أقرب للتعسف وأخيرا التمزق:
“إذا ركبت تبعيات أو مستوطنات على مسافة ما، هذه التبعيات أو المستوطنات سوف، عاجلا أو آجلا، تتحول إلى مدن جديدة تبقى مرتبطة بالمدينة الأم فقط عبر الاتحاد وليس الا …
عندما تصبح المدينة الجديدة جاهزة لتمويل نفسها فإنها سوف تعلن أنها مستقلة: بأي حق يجب على المدينة الأم أن تتجرأ على معاملتها كتبعية، كملكية للاستغلال؟
في وقتنا هذا رأينا الولايات المتحدة تعتق ذاتها عن انكلترا؛ وكندا كذلك في الواقع، ليس فقط بالأسماء؛ استراليا وضعت على طريق الانفصال عبر الاستفتاء، ومع قبول البلاد الأم فقط. في ذات الطريقة، الجزائر عاجلا أو آجلا، ستعلن نفسها كفرنسا الافريقية عدا إذا بسبب المشاعر البغيضة والأنانية أبقيناها في وحدة واحدة عبر القوة والاعالة”.
باكونين كان له نظرة عن البلدان النامية وشكك في إذا كا “أوروبا الامبريالية” سوف تبقي 800 مليون آسيوي في عبودية. “ثلثي البشرية، 800 مليون آسيوي في عبوديتهم سوف ينهضون بالضرورة ويبدؤون حراكهم. لكن في أي اتجاه وإلى ماذا؟” إنه يعلن “التعاكف القوي مع اي انتفاضة وطنية ضد أي شكل للاضطهاد” وأثنى على مادة الشعوب المثال الآسر في الانتفاضة الاسبانية ضد نابليون. بالرغم من التفاوت الخيالي بين الجيوش الامبريالية والفدائيين المحليين، فشلت الفوة المحتلة في اخضاعهم، وأجبرت فرنسا على الانسحاب من اسبانيا بعد نضال خمس سنوات.
كل شعب “له الحق في أن يكون ذاته ولا أحد مخول أن يفرض عليه لباسه، عاداته، لغته، رأيه، أو قوانينه”. مع ذلك، باكونين أيضا آمن أنه يمكن أن يكون هناك اتحادية حقيقية بدون اشتراكية وتمنى أن التحرر الوطني يمكن الوصول له “في الاهتمامات الاقتصادية كما السياسية للجماهير” و”ليس مع طموح يهدف لإنشاء دولة قوية”. أي ثورة للاستقلال الوطني “سوف تكون ضرورية ضد الشعب … إذا ما حصلت دون الشعب ويجب عندها فقط أن تعتمد في نجاحها على الطبقة المتميزة”، وهكذا سوف تصبح “حركة ثورة مضادة، رجعية، كارثية”.
إنه سوف يكون مؤسفا إذا ما البلدان التي كانت مستعمرة إذا ما نزعت النير الأجنبي فقط للوقوع في عبودية دينية أو سياسية. إن اعتاقهم يتطلب أن “كل ايمان بأي سلطة دينية أو الهية يجب أن ينتهي بين الجماهير”. القضية الوطنية تاريخيا الثانية في القضية الاجتماعية والخلاص يعتمد على ثورة اجتماعية. الثورة الوطنية المنعزلة لا يمكن أن تنجح. الثورة الاجتماعية ستتحول حتما إلى ثورة عالمية.
رأى باكونين أن انهاء الاستعمار سوف يتبعه اتحاد واسع للجماهير الثورية: “المستقبل يرتكز أساسا في خلق وحدة أممية اميركية أوروبية. لاحقا هذه الأمة الأوروبية الأميركية سوف تندمج مع الوحدات الآسيوية والأفريقية”.
هذا التحليل ياتي بنا مباشرة إلى منتصف القرن العشرين.
الفكرة الاتحادية تقود منطقيا إلى الأممية، هي القول، “تنظيم الأمم على الأساس الاتحادي في “اتحاد أخوي كبير للجنس البشري”. مجددا باكونين يظهر أن الخيالية البرجوازية للفكرة الاتحادية لم ترتكز على الاستراكية الثورية والأممية. مستبقا لوقته، هو كان “أوروبيا”، كما يقول الناس اليوم؛ هو نادة ورغب بولايات متحدة أوروبية، الطريقة الوحيدة “لجعل الحرب الأهلية بين الشعوب في العائلة الأوروبية مستحيلة”. لكنه كان حذرا في موضوع التحذير ضد أي اتحادية أوروبية تقوم على الدول “كما هم في الشكل الحالي”.
لا الدولة المركزية، ولا البيروقراطية، ولا حتى العسكرية، يمكن أن تدخل جديا أو باخلاص في اتحاد دولي في دستورها الفعلي، كما الدولة سوف تبقى دائما ناكرة بشكل مكشوف أو مغطى للحرية الداخلية، ومن هنا، بالضرورة، الاشهار الدائم للحرب، تهديد وجود البلدان المجاورة”. أي تحالف مع الدولة الرجعية سوف يكون “خيانة للثورة”. الولايات المتحدة لأوروبا، عاجلا أو آجلا، للعالم، يمكن فقط أن يركب بعد إسقاط النظام القديم الذي يقوم من الأعلى إلى الأسفل على العنف ومبدأ السلطة. من ناحية أخرى، إذا الثورة الاجتماعية تأخذ مكانها في أي بلد منفردة، اي بلد خارجية الذي صنع ثورة على نفس الأسس يجب أن تستقبل في اتحاد ثوري بغض النظر عن الدول الموجودة المتاخمة.
الأممية الحقيقية تقوم على حق تقرير المصير، الذي يضمن الحق بالانفصال. متابعا لبرودون، باكونين اقترح أن “كل فرد، كل جمعية، كومونة، أو مقاطعة، كل اقليم أو أمة، لها الحق المطلق في تقرير مصيرها، أن تندمج مع الآخرين أو لا، أن تحالف ذاتها مع من تريد، أو تكسر أي تحالف، بغض النظر عن ما يسمى الأهداف التاريخية أو موافقة جيرانها”. “الحق في الاتحاد بشكل حر والانفصال مع نفس الحرية هو الأكثر أهمية لكل الحقوق السياسية، دون ما يضعه الاتحاد دائما أي المركزية المقنعة”.
الأناركيون على أية حال لا يحترمون هذا المبدأ كتوجه نحو الانعزال أو الانفراد. بالعكس، إنهم يؤكدون أن “الاقتناع بالحق في الانفصال معترف به، الانعزال، في الحقيقة، سوف يكون مستحيلا لأن الوحدات الوطنية سوف تنشأ بشكل حر ولن تكون نتاج العنف والزور التاريخي”. عندها فقط، وفقط، سوف تصبح “قوية، مثمرة، ودائمة حقا”.
لاحقا، لينين، وفي المؤتمرات الأولى للأممية الثالثة، تبنى هذا المفهوم عن باكونين، والبلاشفة جعلوه مؤسس سياستهم عن القوميات والاستراتيجية المناهضة للاستعمار، حتى أخيرا ناقضوه لصالح المركزية السلطوية والامبريالية المقنعة.
پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.