ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی

إلى الرفاق الاشتراكيين الثوريين في مصر : ملاحظة سريعة على مشروعكم لبرنامج استكمال الثورة

 

مازن كم الماز

تتعلق الملاحظة بشكل أساسي باللغة المترددة أو غير الواضحة أو غير القاطعة في تبنيكم لفكرة التنظيم الذاتي للعمال و سائر الكادحين , و في القطع النهائي و الحاسم مع المفهوم الستاليني عن ديكتاتورية الحزب الطليعي أو بيروقراطية هذا الحزب “كتجسيد” “لديكتاتورية البروليتاريا … عندما يتطرق مشروع برنامج الاشتراكيين الثوريين لاستكمال الثورة المصرية إلى تلبية احتياجات الجماهير فإنه يعود للحديث “اليساري التقليدي” ( الذي هو من بقايا الستالينية ) عن أن ذلك لا يمكن إلا “من خلال دولة تقوم بالدور الرئيسي في الاقتصاد , دولة تكون مسئوليتها الرئيسية ليس تنمية أرباح رجال الأعمال بل تنمية الموارد لتحسين وتطوير معيشة الأغلبية” , إذا أخذنا هذا الكلام بمعزل عن بقية البرنامج فإننا أمام مشروع جديد لرأسمالية الدولة ( البيروقراطية ) التي أنتجت الديكتاتورية الستالينية من قبل , يجب هنا أن نستدرك لنقول أن الاشتراكيين الثوريين يعرفون الدولة العمالية في وثيقتهم “أسس الاشتراكية التي نتبناها” بأنها : “دولة يقرر فيها الكادحون من خلال مجالسهم القاعدية المنتخبة , مصيرهم و مستقبلهم” , إن هذا التعريف يعني شيئا مختلفا بالمطلق عن مشروع رأسمالية الدولة البيروقراطية الستاليني الذي يبدو أن الفقرة المذكورة في مشروع برنامجهم تلمح إليه , هناك فرق هائل جدا بين أن تصبح الدولة هي المالك الأكبر أو الوحيد لوسائل الإنتاج أي الرأسمالي الأكبر أو الوحيد ( أي نظام رأسمالية الدولة كما كان عليه الحال في الاتحاد السوفيتي السابق ) و بين أن تكون ملكية وسائل الإنتاج بيد المنتجين أنفسهم بشكل مباشر , من المؤكد أنه عندما يملك المنتجون وسائل الإنتاج مباشرة فإنهم يستطيعون في هذه الحالة أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم فعلا من خلال “مجالس قاعدية منتخبة” , بينما عندما تكون الدولة هي الرأسمالي الأكبر , عندها تكون البيروقراطية هي التي تسيطر على وسائل الإنتاج و في نفس الوقت على توزيع إنتاج العمال و هي من تقرر عنهم أيضا فإنها تصبح طبقة حاكمة و مستغلة جديدة ليس إلا , هذا هو الفرق العملي بين رأسمالية الدولة و بين التنظيم الذاتي الحر للعمال و للمنتجين … مثل هذه الميوعة و هذا التردد في التبني الكامل لفكرة التنظيم الذاتي للعمال أو المنتجين كمضمون لمصطلح “الدولة العمالية” تتكرر أيضا في فصول أخرى كالفصل المخصص للحرية الذي تتردد مطالبه بين المطالبة بديمقراطية برلمانية أفضل و بحريات “ليبرالية” أوسع و بين الدعوة إلى “خلق ديمقراطية شعبية مباشرة من خلال اللجان الشعبية في الأحياء والمصانع والقرى لتكون أداة ضغط على البرلمان ومع تطورها بديلاً له” , حتى عندما تتحدث الوثيقة عن الديمقراطية الشعبية المباشرة فإنها تتردد في إعلانها بديلا صريحا عن نظام الهيمنة البرجوازية أي الديمقراطية البرجوازية و أيضا عن نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية .. من أفضل الأمثلة على مثل هذا التردد الذي يظهره التروتسكيون في تبني خيار التنظيم الذاتي للعمال و الكادحين في مواجهة رأسمالية الدولة الستالينية هو برنامج الأممية الرابعة التروتسكية الذي صادق عليه مؤتمرها ال 12 عام 1985 بعنوان “ديكتاتورية البروليتاريا و الديمقراطية العمالية” , يبدو في بعض أجزاء هذا البرنامج و كأن تروتسكيو الأممية الرابعة قد حزموا أمرهم إلى جانب الديمقراطية العمالية أي التنظيم الذاتي الحر للعمال و المنتجين , عندما يتحدثون عن أن “الماركسيون الثوريون ( يدركون ) أن ظفر البروليتاريا بالسلطة يستلزم تدمير جهاز الدولة البورجوازي وفي المقام الأول جهاز القمع البوليسي والعسكري” و “أن الطبقة العاملة لا يمكن أن تمارس سلطة الدولة مباشرة إلا في إطار مؤسسات دولة من نوع مغاير للدولة البورجوازية، ألا وهي مؤسسات مبنية على مجالس عمال (سوفييتات) ذات سيادة ومنتخبة وممركزة ديموقراطيا وحسب خصائصها الأساسية كما دققها لينين في “الدولة والثورة”: انتخاب كافة الموظفين والقضاة وقادة الميليشيا العمالية (أو العمالية والفلاحية) وكافة المندوبين الممثلين للعمال في مؤِسسات الدولة. وتعاقب المنتخبين وتحديد دخلهم في أجرة عامل مؤهل وقابلية عزل كافة المنتخبين طبقا لإرادة ناخبيهم” , لكن رغم ما يبدو أنه رغبة قاطعة في تبني هذا الشكل الحر الذاتي من تنظيم العمال لحياتهم فإن واضعو برنامج الأممية الرابعة يستمرون في نقاش طويل و في لف و دوران في محاولة أيضا لتبرير شكل آخر من تنظيم السلطة , إنهم لا يدافعون نظريا فقط عن شعار “ديكتاتورية البروليتاريا” نفسه الذين يصرون على تبنيه إلى جانب الديمقراطية العمالية , بل إنهم في الواقع يحاولون تبرير دولة لينين و تروتسكي الفعلية التي لم يكن قضاتها و قادة ميليشياتها ( بما في ذلك التشيكا سيئة السمعة ) و لا موظفي هذه الدولة الآخرين , لم يكونوا منتخبين بشكل حر من القاعدة العمالية و لم يكون بمقدور هذه القاعدة أن تحاسبهم و تغيرهم عندما تريد و لم تقف أجورهم عند حد أجر عامل مؤهل , بل لقد جرى تعيينهم بقرار من المركز و كان هذا المركز وحده من يحاسبهم و يحدد رواتبهم – هذا المركز الذي تولى منذ البداية تسيير كل صغيرة و كبيرة في البلاد و أصبح عمليا مركز لبيروقراطية جديدة , بدأ صراع تروتسكي ضد هذا المركز فقط عندما حاول خصومه إبعاده عن هذا المركز , إن تردد التروتسكيين هذا يدفعهم لمحاولة تلفيق أرضية ما بين ديكتاتورية ما ( هي بالتعريف ديكتاتورية أقلية لأنه لا معنى لديكتاتورية الأغلبية في الواقع أو لممارستها الديكتاتورية ) و بين ديمقراطية قاعدية عمالية و شعبية حقيقية , إنهم مضطرين في دفاعهم عن نظام لينين – تروتسكي البيروقراطي المركزي هذا ينتقلوا من تناقض لآخر , من مطب لآخر , مثلا بين فكرة أنه “يتوجب على الحزب اللينيني الجماهيري أن يقود العمال في جهودهم لممارسة سلطة الدولة وبناء مجتمع جديد” و بين فكرة “يرفض الماركسيون الثوريون الإنحراف الإستبدالي و النخبوي والأبوي والبيروقراطي عن الماركسية الذي يرى في الثورة الإشتراكية والظفر بالسلطة وممارسة السلطة في ظل ديكتاتورية البروليتاريا مهمة للحزب الثوري الذي يعمل “باسم” الطبقة” ” , و يستمر التناقض أيضا و أيضا : “ومع أن مبدأ الماركسيين الثوريين هو تنظيم الطبقة العاملة في نقابة ديموقراطية واحدة، فإنه لا يمكن رفض التعددية النقابية” , الخ , يريد التروتسكيون أن يعارضوا البيروقراطية الستالينية و مفاهيمها في ديكتاتورية أقلية نخبوية أو طليعية على الجماهير لكنهم لا يريدون في نفس الوقت معارضة و تحدي كل إرث البيروقراطية الحزبية النخبوية اللينينية الماركسية التي أنتجت البيروقراطية الدولتية الستالينية , إنهم ملتزمون بالدفاع عن أستاذ ستالين و تروتسكي , لينين و من قبله ماركس , عن كل المواقف السلطوية التي دعا إليها لينين و ماركس و مارسوها و التي أخذت شكلها الأكثر نضجا في الستالينية , في الحقيقة إن نفس العنوان الذي اختاره واضعو برنامج الأممية الرابعة لبرنامجهم يلخص حقيقة هذا التناقض “ديكتاتورية البروليتاريا و الديمقراطية العمالية” , يريد التروتسكيون للأسباب التي تتعلق بظهورهم كتيار في الحركة الثورية و تتعلق بتاريخ معلمهم الشخصي أن يحلوا ( أو يلفقوا حلا ل ) التناقض المستحيل بين “ديكتاتورية البروليتاريا” و “الديمقراطية العمالية” , إن الخلاف بين المركزية ( اللينينية و التي تجد تجسدها الأمثل في الستالينية ) و بين اللامركزية ( التي عبر عنها واضعو برنامج الأممية الرابعة بشكل رائع بقولهم : “مجموعة اشتراكية دون طبقات من منتجين/ مستهلكين يسيرون أنفسهم ذاتيا” ) هذا الخلاف أو الصراع هو صراع عميق و جذري لا يمكن حله إلا بانتصار أحد النموذجين كما جرى في الثورة الروسية عندما تواجه المشروعين : مشروع البيروقراطية الحزبية – الدولتية بمؤسساتها الهرمية الفوقية البيروقراطية و مشروع جماهير الشغيلة التي أقامت سوفييتاتها و لجانها في المصانع و الأحياء و القرى … صحيح أنه من الضروري مواجهة خطر الانتهازية في اليسار المصري و العربي التي أساءت لهذا اليسار و حولت قسما كبيرا منه من عدو لا يساوم ضد أي طغيان و استغلال إلى مشارك بالصمت في جرائم الأنظمة القائمة لكن هذا لا يكون فقط ببلاغة ثورية تعيد إنتاج هرمية حزبية و أصولية فكرية تعني شيئا واحدا : فتح الطريق أمام ستالين جديد و ستالينيات جديدة , أمام اضطهاد و قمع و استغلال جديدان , هذه المرة ليس لصالح برجوازية تقيليدية بل صالح نخبة أو فئة بيروقراطية جديدة , مرة أخرى هذا لن يكون انعتاقا لجماهير الشغيلة بل استلاب جديد , إن التردد بين التنظيم الذاتي الحر و القاعدي للعمال و المنتجين و بين الشكل البيروقراطي الهرمي للتنظيم , الحزبي أولا ثم لمؤسسات الدولة و المجتمع , يعني شيئا واحدا في الممارسة : تغليب التوجه نحو البيروقراطية و إعادة إنتاج ديكتاتورية البيروقراطية الحزبية – الدولتية و رأسمالية الدولة البيروقراطية التي مثلت وصمة عار في تاريخ الحركة الثورية العالمية و كانت مسؤولة عن كثير من هزائم هذه الحركة و من هزائم الحركة العمالية المعاصرة أمام رأس المال , و حتى عن كثير من الجرائم بحق الطبقة التي زعمت تمثيلها و تحريرها : العمال …..

برنامج الأممية الرابعة :

http://www.marxists.org/arabic/archive/trotsky/4th/1985_dictatorship_proletariat_social_democracy.htm#2

مازن کم الماز

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=likes

 

اللاسلطوية ( الأناركية ) كما نراها

الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) – بريطانيا

مقدمة

العالم الذي نعيش فيه عالم غير معقول ( لا يخضع للعقل ) . حيث يجوع الملايين في العالم الثالث بينما يراكم المجتمع الاقتصادي الطعام الذي لا يجد من يشتريه . يستخدم قادة العالم العنف لتعزيز السلام . تقاتل الشعوب الصغيرة جيرانها في سبيل أجزاء صغيرة من الأراضي . تضع الحكومات المكاسب قصيرة الأمد قبل الحفاظ على موارد الكوكب . تكدح الغالبية العظمى من العالم من أجل البقاء بينما تعيش قلة صغيرة في ترف بلا حدود . الفقراء مضطهدون في كل مكان من العالم ، بينما يواجه النساء و السود اضطهادا و صعوبات إضافية .

في مواجهة هذا الجنون تقترح الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) عالما مختلفا بالكامل . عوضا عن النهب ندافع عن التعاون . و يجب استبدال الفقر المصطنع بالوفرة للجميع . يجب أن نعيش في تناغم مع الكوكب ، لا ضده . نظام الحكومة و الاستغلال الذي اعتبر بديهيا يجب التخلص منه . إن عالما أفضل ممكن . نريد هنا أن نشرح ما هو البديل الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) ، فعوضا عن أن يكون مجرد حلم طوباوي ، إنه في الواقع يقدم أفضل حل ممكن ، عقلاني و عاقل لمشاكل العالم .

1 – نظام عفن

نعيش في عالم غني و مزدهر . عندما تفكر في الفقر في هذا العالم يبدو من الصعب تصديق أنه يوجد هناك أكثر مما يكفي للجميع . ينتج من الغذاء ما يكفي في الواقع ليطعم كل العالم 3 مرات أكثر مما هو عليه الآن . لكن ما يزال هناك أناس لا يحصلون على هذا الغذاء ، بينما يستطيع البعض إنفاق الملايين على الحفلات و المآدب لأصدقائهم الأثرياء . حقيقة أننا نعيش في عالم تسيطر عليه طبقة واحدة شيء واضح لكل شخص . لكن ما الذي نعنيه بالطبقة ؟ بأبسط ما يمكن ، هناك طبقتان : أولئك الذين يلعبون دورا رئيسيا في السيطرة على ثروة و موارد العالم ، طبقة السادة الرأسماليين و أولئك الذين عليهم أن يعملوا أو أن يحصلوا على المعونات لكي يبقوا على قيد الحياة ، أي الطبقة العاملة .

النظام الطبقي هو جزء ضروري و أساسي من النظام الاقتصادي الذي يؤثر على حياة كل شخص بسيط في العالم . يسمى هذا النظام ب”الرأسمالية” و رغم أنه يغير شكله من وقت لآخر ، فإنه قد أصبح القوة المهيمنة في المائتي سنة الأخيرة . ذات قدرة عالية على التكيف ، و فاسدة و تمتد لتشمل لكل شيء في نفس الوقت فإن الرأسمالية ترى من قبل كل شخص تقريبا على أنها طبيعية و حتمية . لكن الأمر ليس كذلك .

رغم أن الرأسمالية نظام عالمي للاستغلال و اللصوصية حيث تعمل الشركات متعددة الجنسيات في كل مكان ، فإن أساسه بسيط جدا . حيث ينتج الثروة في الأساس الناس الذين يستخدمون الأدوات ليحولوا المواد الخام المأخوذة من الطبيعة . فقط لكي يبقوا على قيد الحياة يجبر العمال على أن يبيعوا عملهم ( ما يسمى “بعبودية العمل المأجور” ) و ذلك بسعر السوق . في أثناء عملهم يصنع العمال البضائع التي هي جزء من الحياة اليومية و يوفرون الخدمات . لكن المكافأة التي يحصل عليها العمال بشكل أجور أقل من قيمة المنتجات و الخدمات التي أنتجوها .

الفرق في القيمة بين ما أنتجه العمال و ما يكسبونه هو أساس الربح الذي يذهب إلى الرأسمالي . بهذه الطريقة يتعرض العمال في كل مكان للسرقة من حصتهم في موارد الأرض و من قيمة عملهم . بهذا المعنى فإنهم يتعرضون للاستغلال . من خلال تجميع قيمة ( فضل قيمة – المترجم ) عمل ملايين العمال ، يزيد الرأسماليون من ثروتهم و قوتهم .

الرأسمالية هي نظام للمنافسة الشديدة ( العنيفة ) و هي نظام غير مستقر إلى حد كبير . تقود الرأسمالية إلى أزمات اقتصادية متكررة يمكن فيها للرأسماليين فقط أن ينجوا ( يبقوا ) على حساب العمال . عندما تتراجع الأرباح ، يطرد العمال ، و تتشكل حالة من البطالة الجماعية التي هي ميزة واسمة لحياتنا اليوم .

تنتج الرأسمالية الأشياء مقابل الربح عوضا عن أن تفعل ذلك في سبيل الحاجة ( لتلبية الحاجات ) . لذلك عوضا عن أن تنتج عددا قليلا من المنتجات المفيدة ، تحاول الشركات باستمرار أن توسع عدد منتجاتها في سبيل الربح . لذلك نجد في الأسواق المركزية ( السوبرماركت ) دزينات من مزيلات الروائح ، معاجين الأسنان ، بودرة الغسيل . الأسواق المركزية ( سوبرماركت ) مثل تيسكو ، سينسبري و أسادا جمعها تبيع نفس المنتجات تقريبا و لجميعها نفس الحافز : أن تجعل المستهلكين يشترون بضائعها . عوضا عن أن تهتم بتوفير الأشياء الضرورية لبقائنا فإنها تهتم فقط بجني الأرباح . لا يكفي أن تكون جائعا ، يجب أيضا أن تملك المال و سيفضل صانعو الأرباح ترك الطعام يتعفن من أن يطعموه للجوعى و الفقراء ( مجانا – المترجم ) .

هذا يصبح صارخا ( واضحا ) أكثر عندما تكنز دول المجموعة الأوروبية جبالا من اللحم و الزبدة و الحبوب بينما تضرب المجاعة الرهيبة أجزاءا كبيرة من أفريقيا . في هذا السياق فإن كل الأفعال الخيرية غير ذات أهمية . إن خلق جبال الغذاء هو نتيجة للنقص المفروض ، الذي يعني في السوق ، أسعارا أعلى و أرباحا أكثر . يفضل بيروقراطيو المجموعة الأوروبية رمي جبال الغذاء هذه في البحر عن أن يهددوا الربحية أو الأرباح . هذا الشيء يحدث في كل العالم .

بحثا عن الأرباح انتقلت الرأسمالية إلى عصر الاستهلاك . يطلب إلينا أن نشتري و نشتري و نشتري . حتى الأطفال ليسوا آمنين من المعلنين الذين يقتحمون بيوتنا و يغطون كل بقعة متاحة بلوحات إعلاناتهم و شعاراتهم و شارات متاجرهم . لا تستطيع الصحف و المجلات البقاء ما لم تحشى بالإعلانات . بمساعدة المصادر التكنولوجية الهائلة تخلق الرأسمالية منتجات جديدة تتفوق على السابقة . انظر فقط إلى تغير تكنولوجيا الكاميرات على مر السنين . إن أعجوبة السنة الماضية التكنولوجية قد أصبحت لاغية اليوم . علينا أن نشتري آخر منتج ، أفضل منتج .

نزعة استهلاكية كهذه لا تقتصر على البلدان الغربية “المتقدمة” . حتى أفقر المدن الأفريقية تغطيها الإعلانات التي تحث الناس على شراء منتجات غير نافعة و حتى خطيرة . لكنها الطبقة العاملة في العالم الثالث هي التي تعاني أشد من غيرها بسبب الرأسمالية العالمية ، بينما تحصل الطبقة الحاكمة هناك على نصيبها من الثروة . فمواردها منهوبة – انظر إلى قتل الغابات المطرية – ، و يجبر عمالها على الحياة بمستوى يسمح لهم فقط بالبقاء على قيد الحياة . أجزاء كثيرة من أفريقيا لا تستطيع أن تطعم شعوبها ، لكنها تزرع الغذاء لغايات التصدير . أصبح جنوب شرق آسيا مكان العمل الشاق للعالم و مبغى العالم في نفس الوقت . في كل مكان ، تخترق الرأسمالية كل جوانب الحياة . الكوكا كولا و سندويشات همبرغر ماكدونالد هي رموز حقيقية “للنظام العالمي الجديد” .

2 – السيطرة الاجتماعية

نتيجة للحياة في ظل نظام كهذا ، يصاب كثير من العمال بالحيرة ( التشوش ) بشكل طبيعي ، لدرجة أو أخرى ، في معظم الوقت . للحفاظ على السلام و النظام في المجتمع ، ظهرت مجموعة كاملة من الأساليب للسيطرة على البشر . أكثرها قوة هي الدولة ، مع ذلك توجد تقنيات السيطرة الاجتماعية في كل مستويات المجتمع .

تعمل الدولة متحالفة مع الرأسمالية ، التي تتقاسم معها كثيرا من المصالح المشتركة . تقدم الرأسمالية للدولة نظاما اقتصاديا يمولها من خلال الاستغلال . الدولة بدورها توفر نظاما يسمح للرأسمالية بالقيام بأعمالها بشكل جيد . في بلدان مثل الصين ، كوبا ، كوريا الشمالية ، الخ ، فإنهما تندمجان في نظام واحد ، إن أفضل وصف له هو “رأسمالية الدولة” .

الدولة هي في الأساس نظام للعنف المنظم للحفاظ على هيمنة الطبقة الرأسمالية الحاكمة . لكن النظام أفضل ما يحقق من خلال قبول الناس ، أكثر منه من خلال القوة العارية ( المباشرة ) . بالنتيجة ، تحتوي الدولة المعاصرة على عناصر تهتم بمحاولة جعلنا نفكر بطرق معينة و نتصرف كمواطنين مطيعين . للدولة أيضا وجه لطيف ظاهريا في أنها توفر منافع رفاهية يفترض أن تكون لمساعدة الفقير ، المريض و المتقدم بالسن .

عبر أساليب الحكومات التي تعمل داخل النظام البرلماني و الخدمة المدنية ، تسيطر الدولة على عملياتها . القوات المسلحة ، م آي 5 ( اختصار للمخابرات العسكرية البريطانية ، القسم أو الفرع 5 – المترجم ) ، م آي 6 ( المخابرات البريطانية الخارجية – المترجم ) ، قوة الشرطة ، المحاكم و السجون ، جميعها تعمل لتسيطر علينا جسديا ( ماديا ) . إنهم عملاء وحشيون ( قساة ) يوقعون العقاب بنا إذا حاولنا مناقشة “حقهم” في حكمنا . إن الدولة و قوات القمع التابعة لها ليست محايدة بأي حال من الأحوال و تعارض بقوة النضال في سبيل التحرر .

دولة الرفاه ، منظومة المدارس و العمال الاجتماعيين ، الخ ، يبدو أنهم جميعا يحملون مصالحنا في قلوبهم . لكنهم في الواقع أشكال مختلفة و أكثر تخفيا فقط للسيطرة أو أنها قد أصبحت ضرورية لأسباب اقتصادية .

توجد الخدمة ( الرعاية ) الصحية أساسا للحفاظ على قوة عمل جيدة الصحة لكن فقط للدرجة التي يحتاج فيها النظام إلى عمال أصحاء ليعملوا . تناول الكحول و السجائر سببان هامان للمرض ، لكنهما يمنحان للدولة قدرا كبيرا من المال بشكل ضرائب . و لذلك لم تكن هناك أية محاولة جدية لتقويض ربحية هاتين الصناعتين . الأرباح تأتي قبل الصحة .

بشكل مشابه ، فإن منظومة التعليم ، بطريقة أكثر وضوحا ، تنظم لتؤمن قوة عمل يمكن أن تقرأ و تكتب و تقوم بالحسابات الأساسية ، إضافة إلى تعلم كيف تطيع الأوامر و تقبل السيطرة من الأعلى . يملأ المعلمون رؤوس تلامذتهم الصغار بالأفكار المقبولة من طرف الطبقة الحاكمة .

هذه الأفكار تعززها وسائل الإعلام الجماهيرية بما في ذلك التلفزيون ، الراديو ، صناعة الأفلام ، و المجلات . يقومون فيم بينهم بخلق منظومة أفكار تعرف عادة ب”الحس ( الرأي ) العام” . الحس ( الرأي ) العام هي منظومة القيم الدارجة للطبقة المستغلة التي تقف في مواجهة الطبقة العاملة . هكذا فإن القومية ، الدين ، الوطنية ، العنصرية و التمييز الجنسي التي تضعف من تضامن الطبقة العاملة تصبح شائعة بين الطبقة العاملة ذاتها .

كل هذه العوامل تساهم في الوهم بأن هناك حرية ، عدالة ، مساواة و ديمقراطية بينما تقوي في الحقيقة قبضة الرأسمالية و الدولة . خذ “الديمقراطية” كمثال . أيا كان الحزب الذي “يربح” الانتخابات العامة ، فإن الرأسمالية و الدولة تبقيان بمنأى عن أي تأثير أو تغيير إلى حد كبير . ستبقى الطبقة العاملة عرضة للاستغلال و الاضطهاد و سيحتقظ الأغنياء و الأقوياء بامتيازاتهم . بما أن حزب المحافظين منخرط بشكل أكثر مباشرة في إقامة الهيمنة ، فإنه في موقع أفضل للنجاح في الانتخابات . أما حزب العمال ، حتى عندما يعطى فرصة الحكم ، فإنه يتصرف مثل عميل أليف للرأسمالية .

خارج الدولة توجد منظمات تدعي تمثيل مصالح الطبقة العاملة بينما تساعد في حقيقة الأمر في الحفاظ على منظومة الاضطهاد و الاستغلال . النقابات هي أمثلة على هذه المنظمات . أولا إنها تضعف أي إحساس بالهدف و التضامن داخل المعامل و الصناعات بتقسيم العمال حسب مستوى مهارتهم . هذا يؤبد الاختلافات في الدخل و الوضعية ( الاجتماعية ) داخل الطبقة العاملة و يخلق “أرستقراطية عمالية” . ثانيا تنظم النقابات غالبا على أساس الصناعات و بهذا فإنها تقسم النضال . كم مرة كسرت الإضرابات في صناعات مختلفة ، فقط لكي يستفرد بها واحدة تلو الأخرى ؟

النقابات هي أيضا منظمات بيروقراطية ذات مصالح منفصلة عن مصالح العمال الذين تدعي قيادتهم . يريد أعضاء النقابات أن ينتصروا في الإضرابات ، يريد قادة النقابات أن يحافظوا على نمط حياتهم المريح . عندما يتعارض هذان الاثنان ، يتعرض العمال للخيانة . بيروقراطيات النقابات منخرطة بشكل عميق في الرأسمالية من خلال استثماراتها ، ملكيتها الخاصة ، الخ .

كل عملية التفاوض بين النقابات و الإدارة ( التي تعرف بالمفاوضة الجماعية ) تخدم فقط في أفضل الأحوال حصول العمال على بعض الفوائد الإضافية بينما تحافظ على منظومة الاستغلال سليمة .

على مستوى آخر تتصرف العائلة كعدو هام جدا في أيدي من يسيطرون علينا . يتعلم الأطفال غالبا من آبائهم ( كما فعلوا هم من آبائهم أيضا ) أفكار سيطرة الذكر ، العنصرية ، الوطنية و ضرورة الهيمنة و الخضوع . الطرق التي يقدم فيها الناس لبعضهم البعض تعزز غالبا من هذه المظالم الفردية التي يجب تحديها .

3 – تغييرها كلية

عندما تكون قد قرأت كل ما سبق قد تكون الآن تتساءل ما الذي يمكن فعله للإطاحة بأنظمة السيطرة و الاستغلال التي تسيطر على كل جانب من حياتنا . هل التغيير ممكن حقا ؟

الجواب هو نعم بالتأكيد ! توجد الدولة و سائر المنظمات ( التنظيمات ) القمعية بالتحديد لأن هذا التغيير ممكن . إن النظام الرأسمالي في حالة دائمة من الأزمة . لدرجة ما فإن الصيرورة ( الحركة ) المستمرة من الازدهار و الركود هي جزء من كيفية عمل الرأسمالية التي تساعدها بتأكيد البقاء للأصلح فقط . من جهة أخرى فإنها تعني عدم الاستقرار الدائم و احتمال قيام انتفاضات العمال مع تزايد فشل الرأسمالية في الوفاء بوعودها .

كانت بريطانيا في الثمانينات و التسعينيات تتميز بانتفاضات محلية دورية ضد الشرطة ، و البطالة ، ضد الملل و ضريبة الفرد . لكن هذه محدود مقارنة بما حدث في الماضي و ما يمكن أن يحدث في المستقبل . داخل هذه العملية من التغيير الاجتماعي الراديكالي تقع الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) . لكن ما هي الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) ؟

باختصار ( سنشرحها أكثر في الفصل التالي ) ، يريد الشيوعيون اللاسلطويون ( الأناركيون ) أن يروا تدمير النظام الحالي الذي يخدم الغني و القوي . نريد خلق عالم ينظم لتلبية الحاجات الأساسية لكل البشرية ، حيث تعود كل منتجات عمل الجميع للجميع ( أي الشيوعية ) . نريد أيضا أن نرى إلغاء سلطة الطبقة الحاكمة . ستتم السيطرة على المجتمع من قبل جميع البشر من خلال منظماتهم الخاصة ( اللاسلطوية أو الأناركية ) . لكن أليس هذا كله حلم جميل ؟

إرث الطبقة العاملة

ليست اللاسلطوية ( الأناركية ) نتاج عقول بعض المفكرين الذين لا تواصل بينهم و بين الجماهير العريضة من البشر . إنها تنشأ مباشرة من نضالات العمال و المضطهدين ( بفتح الهاء ) ضد الرأسمالية ، من حاجاتهم و كل رغباتهم غير المتحققة للحرية ، و للمساواة ، للسعادة و الإشباع الذاتي . في الماضي في كل مكان حدثت فيه الثورات ضد السادة ، ظهرت الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) و أشكالها للتنظيم ، و لو لبعض الوقت فقط ، غالبا دون أن تسمي نفسها لاسلطوية ( أناركية ) .

في الثورة الانكليزية للقرن 17 ، فإن جماعات مثل المساواتيين ( مجموعة سياسية ظهرت أثناء الحرب الأهلية الانكليزية دعت إلى المساواة و إلى التسامح الديني – المترجم ) ، المفرطين ( المفرطون في الكلام هو الترجمة الحرفية لهذه الفرقة المسيحية التي ظهرت في القرن 17 و اعتبرتها الكنيسة فرقة مهرطقة ، دعوا إلى وحدة الوجود و أعلنوا ان المؤمن متحرر من كل قيد تقليدي و أن الخطيئة نتاج للمخيلة فقط و أن الملكية الخاصة خاطئة ، اعتبرتهم الحكومة يومها تهديدا للنظام الاجتماعي – المترجم ) ، الحفارين ( مجموعة من الشيوعيين البروتستانت الانكليز الزراعيين ، دعوا إلى المساواة و إلغاء الملكية الخاصة ، ظهرت في القرن 17 – المترجم ) طوروا فكرة الحرية ، المساواة و العدالة . أما أثناء الثورة الفرنسية فإن العمال و الحرفيين الذين طوروا وعيهم الطبقي الخاص بدؤوا بتطوير الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) ( الغاضبون ) . في كومونة باريس عام 1871 خلق العمال الفرنسيون في الواقع تنظيمات السلطة الجماهيرية التي تحدت النظام القديم لفترة محدودة من الوقت قبل أن يجري إغراقها في الدماء . في الثورات الروسية لعامي 1905 و 1917 طور العمال و الفلاحون بنى شبيهة لتلك من السلطة الديمقراطية المباشرة مثل مجالس العمال و لجان المعامل . ليس لهذا بالمناسبة أي علاقة باستيلاء البلاشفة على السلطة في أكتوبر تشرين الأول 1917 . بنفس الطريقة أقام العمال في الثورة الهنغارية لعام 1956 مجالس العمال عندما واجهوا مضطهديهم “الشيوعيين” . في أيام مايو أيار من عام 1968 في فرنسا تم الاستيلاء على المعامل و الجامعات و في كثير من الحالات أديرت هذه وفق قواعد قريبة من القواعد اللاسلطوية ( الأناركية ) .

من حركات العمال ( الشغيلة ) هذه تطورت اللاسلطوية ( الأناركية ) كقوة بين أكثر العمال وعيا طبقيا . بدأت في القرن 19 في الأممية الأولى ، حيث ظهر تيار لاسلطوي ( أناركي ) متمايز ، تحت تأثير الثوري الروسي ميخائيل باكونين و أصدقائه و رفاقه .

منذ ذلك اليوم كان للاسلطوية ( الأناركية ) تأثير هام على حركات الطبقة العاملة على امتداد العالم ، من أمريكا اللاتينية إلى ألمانيا و السويد ، إلى الصين و اليابان . و أصبحت متجذرة عميقا و مؤثرة في منظمات النضال الطبقي للعمال في إيطاليا ، إسبانيا و البرتغال . و لعبت دورا في كل الثورات المعاصرة الكبرى .

دافع اللاسلطويون ( الأناركيون ) و ناضلوا دوما عن حاجة العمال ( الشغيلة ) لتولي زمام المجتمع و إدارته ، و أن يأخذوا في أيديهم السيطرة على معاملهم . و حذروا من إمكانية تسلق أي حزب أو آخرين إلى السلطة على ظهور الطبقة العاملة أثناء هذه الفترات الثورية .

أثناء الثورة الروسية عام 1917 ما حذر منه اللاسلطويون ( الأناركيون ) من أن النضال قد جرى اختطافه من قبل المحترفين و السياسيين المحترفين قد ثبت أنه حقيقي . لعب المناضلون اللاسلطويون ( الأناركيون ) دورا فاعلا و هاما بين الجنود المجندين ، الذين رفضوا مواصلة القتال في الحرب العالمية و شاركوا في الاحتجاجات في المدن و الريف . و ساعدوا في إسقاط النظام القيصري و حكومة سياسيي الطبقة الوسطى التي جاءت بعده .

مع تقدم عام 1917 أصبح العمال أكثر كفاحية و راديكالية . و استولوا بحماسة على إدارة المعامل و طالبوا بوضع نهاية لنظام الهيمنة القديم . و استولى الفلاحون على الأرض و عاد الجنود من العمال و الفلاحين إلى بيوتهم . الشعار اللاسلطوي ( الأناركي ) “الأرض لمن يعمل بها ، المعامل لمن يعمل فيها !” و “كل السلطة للسوفييتات ( و هي مجالس العمال )” أخذها منهم الحزب البلشفي ( الشيوعي ) . بطريقة ماهرة و سريعة خدع لينين الجماهير ليستولي على السلطة . أصبح العمال خاضعين لديكتاتورية الحزب على الفور تقريبا هذه الديكتاتورية التي أصبحت أكثر وحشية بشكل متزايد مع مر السنين .

كانت الحركة اللاسلطوية ( الأناركية ) أيضا ضحية للقمع البلشفي و أعدم كثير من اللاسلطويين ( الأناركيين ) ، و سجنوا أو تم نفيهم . خاف البلاشفة من التأثير المتزايد للاسلطويين ( الأناركيين ) بين الجماهير – كان اللاسلطويون ( الأناركيون ) في الخط الأمامي لإقامة لجان المعامل لإدارة المصانع .

في أوكرانيا لعبت الحركة الماخنوفية ، تحت قيادة المناضل اللاسلطوي ( الأناركي ) نستور ماخنو ، دورا رئيسيا في هزيمة الجيوش البيضاء ( القيصرية ) ، التي كانت تتقدم في طريقها لسحق الحكومة البلشفية في بتروغراد . لقد أنقذت حياة النظام البلشفي حرفيا . لكن هذا لم يعفهم من هجمات لينين و تروتسكي . أجبر الماخنوفيون على القتال على عدة جبهات ضد الأعداء المتفوقين و هزموا في نهاية المطاف . لكن على الرغم من ذلك و في ظروف حربية صعبة للغاية ، حاولوا تحقيق الملكية الجماعية للأرض في المنطقة التي كانت تحت سيطرتهم .

أيضا في قاعدة كرونشتادت البحرية ، وصم البحارة و الجنود الثوريون ، الذين وصفوا في عام 1917 بأنهم “زهرة الثورة” من قبل القيادة البلشفية ، في عام 1921 على أنهم من “الثورة المضادة” و “حراس بيض” . ما كانت جريمتهم ؟ لقد انتقدوا ببساطة الديكتاتورية البلشفية على السوفييتات التي كانت قد أصبحت الآن أشكالا فارغة عوضا عن أن تكون منظمات للسلطة العمالية . بحارة كرونشتادت ، بردة فعلهم على الوحشية الرهيبة للسياسات البلشفية ، و فساد الدولة و مقننات الجوع ، كانوا في الحقيقة يحيون القضية اللاسلطوية ( الأناركية ) ضد الدولة . و بسبب هذه الجرأة تعرضوا للمذبحة ( للمجرزة ) .

في إسبانيا عام 1936 واجهت الحركة اللاسلطوية ( الأناركية ) واحدة من أعظم تحدياتها و فتحت المجال أمام ثورة تلهمها الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) . النقابة اللاسلطوية ( الأناركية ) الجماهيرية ، الكونفيدرالية الوطنية للشغل ، و المنظمة اللاسلطوية ( الأناركية ) الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) الإيبيرية ( في شبه الجزيرة الإيبيرية ) ( أو الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية ) ، كانوا في الخط الأول للقتال عندما حاول فرانكو ( مدعوما من الجيش ، و الفاشيين ، و الملكيين و الكنيسة الكاثوليكية ) الإطاحة بالحكومة الجمهورية . في العديد من المناطق هزمت قوات فرانكو أول الأمر من قبل العمال و الفلاحين المسلحين . في مناطق ككتالونيا و آرغون ، سيطر العمال و الفلاحون على شؤون حياتهم ، و أصبحت الارض و المعامل ملكية جماعية بينهم . لكن اللاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية ، التي كانت قد أسست أساسا حول النقابات ، كان يعوزها الإدراك السياسي و سرعان ما كانت عرضة لتلاعب سياسيي الحكومة الجمهورية و “الشيوعية” . أدى هذا للأسف إلى المساومة على الكثير من الموقف و السياسات اللاسلطوية ( الأناركية ) . هزمت اللاسلطوية ( الأناركية ) الإسبانية ليس فقط من قبل الفاشيين و رأس المال الكبير بل أيضا من قبل الستالينيين و بسبب ضعف سياساتها الداخلية نفسها .

خلاصة تطور اللاسلطوية ( الأناركية ) المسجلة هنا تظهر أن التغيير الحقيقي يمكن أن يحدث فقط من قبل العمال الذين تلهمهم اللاسلطوية ( الأناركية ) . اللاسلطوية ( الأناركية ) ليست حلما طوباويا . إنها تيار تحتي ( قاعدي ) دائم الوجود في ممارسة الطبقة العاملة ، المهمة المطلوبة هي في جعله التيار الرئيسي . بينما قد يسعى العمال إلى الحلول التحررية لمشاكلهم في الفترات الثورية ، فهناك آخرون مثل التروتسكيين و سياسيي الطبقة الوسطى الذين يحاولون استخدامهم لكي يتسلقوا إلى السلطة .

كان اللاسلطويون ( الأناركيون ) سذجا في الماضي . رأوا أعداءهم الرئيسييين ( عن حق ) على أنها الرأسمالية الكبيرة و الدولة لكنهم لم يكونوا واعين بما يكفي للمخاطر التي يمثلها أولئك الذين يدعون أنهم جزء من حركة العمال . لهذا السبب نحتاج إلى منظمة لاسلطوية ( أناركية ) كبيرة حسنة التنظيم و واعية سياسيا . منظمة كهذه ستقدم رؤى بديلة للمستقبل ، و ستطور الأفكار اللاسلطوية ( الأناركية ) و تقدم حججا ( دفاعات ) معارضة للاشتراكيين الدولتيين و الليبراليين و بقية الأصدقاء المزيفين للطبقة العاملة . إن أعداء اللاسلطوية ( الأناركية ) جيدو التنظيم ، و لذلك تحتاج اللاسلطوية ( الأناركية ) لأن تكون أفضل تنظيما . المساعدة بإقامة مثل هذه المنظمة هي مهمة الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) .

4 – اللاسلطوية ( الأناركية ) – مستقبل ممكن

سيكون المجتمع الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) مختلف جذريا عن الطريقة التي نعيش بواسطتها اليوم . لقد غيرت الرأسمالية العالم أبعد من أي خيال أو تصور في المائتي سنة الأخيرة . حاول الرأسماليون و “الشيوعيون” ( رأسماليو الدولة ) الهيمنة على الطبيعة و عند قيامهم بهذا جعلونا أقرب إلى كارثة بيئية . إن أوضاعا كابوسية وشيكة جدا مع إخضاع الطبيعة للتصنيع ، و الطاقة النووية ، و إطراح غاز ثاني أوكسيد الكربون ، إزالة الغابات ، الزراعة الصناعية ، الخ .

ستعني الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) إعادة تفكير جذرية ( راديكالية ) في كيف ندير حياتنا . سيتعين علينا أن نعيش في تناغم مع الطبيعة ، و ليس في مواجهتها . هل نحتاج بالفعل للكثير من السيارات ؟ هل نحتاج بالفعل لعشرين نوعا من معاجين الأسنان ؟ أليست هناك أشكال خالية من التلويث لتوليد الكهرباء ؟ هذه القضايا البيئية و أخرى لا حصر لها يتعين علينا مواجهتها إذا كان للبشر أن يكون لهم مستقبل .

إضافة إلى تغيير علاقتنا بالطبيعة ، سيكون علينا أن نغير الطريقة التي نرتبط فيها بعضنا ببعض . كل جوانب حياتنا الآن تخضع للسيطرة من الأعلى ( سيطرة من هم في الأعلى ) . الآلاف يقومون بوظائف السيطرة على البشر من حولهم و تقييد حريتهم . الشباب ، الزنوج ، المثليون جنسيا ، و غير المتكيفين خاصة هم عرضة لتحرش الشرطة . ما أن تدخل المعمل حتى يغيب أي مظهر لسيطرتك الذاتية لصالح الإدارة التافهة و تنمرها ( إرهابها ) . بالنسبة لكثير من النساء و الأطفال فحتى بيوتهم غير آمنة في وجه العنف الأسري .

اللاسلطوية ( الأناركية ) تعني الحرية . يجب ألا يخضع الأفراد لتدخل خارجي طالما أنهم لا ينكرون حرية الآخرين . لكن الحرية لا تكمن فقط في أن تترك لتهتم بشؤونك بنفسك . لكي توجد الحرية الحقيقية يجب أن يكون لدى الناس أمان ، بيئة آمنة و حانية ( أو مهتمة ) و وسائل تحقيق كامل الكمون البشري ( الإمكانيات البشرية ) . الحرية تعني إذن أفضل تعليم و رعاية صحية ممكنة لتسمح لنا بأن نحصل على أفضل ما يمكن من حياتنا .

ستتعزز الحرية بأفضل ما يمكن مع تطوير الجماعات ( المجتمعات ) التي يمكن للناس فيها أن يديروا حياتهم بأنفسهم . في ظل الرأسمالية تختفي هذه الجماعات لأن الأفراد و الأسر تغلق على نفسها في بيوتها منعزلة عن الآخرين . في مجتمع لا سلطوي ( أناركي ) ستظهر جماعات ذات أشكال مختلفة ، غالبا على أساس العمل أو مكان السكن . هذه الجماعات ستنضم طوعا مع بعضها البعض لتخلق شبكةhttps:// من المنظمات المستقلة لكن المتعاونة فيم بينها و التي ستدير المجتمع .

هذا النظام المعروف بالفيدرالية سينضم مع مجموعات أخرى من المستوى المحلي إلى العالمي . بإقامة التنظيم الاجتماعي على معاني التضامن و التعاون يمكن للأفراد أن يشاركوا في إدارة شؤون حياتهم بأنفسهم ، و أن يشاركوا في توسيع حريتهم .

لذلك سيأخذ البشر ، لأول مرة في التاريخ ، السيطرة الكاملة على حياتهم . لن يكون هناك مكان لقيادات ( زعامات ) ، أو لسادة ، و لسياسيين محترفين و موظفين حكوميين . سيقوم الناس بهذه الوظائف بحيث يكون من يمارسها عرضة للاستدعاء الفوري من قبل الناس الذين يخدمونهم .

ستكون اللاسلطوية ( الأناركية ) نهاية “القانون و النظام” كما نعرفه . النظام القانوني الذي يتضمن الشرطة ، القضاة ، و السجون كوسائل لحماية الأغنياء و الأقوياء من الجمهور العريض للبشر . بعد تدمير انعدام المساواة و الحكومة فإن أجهزة كهذه ستحل . ستدمر السجون ، و يتقاعد القضاة و سيعاد تشغيل ضباط الشرطة في أعمال مفيدة اجتماعيا . معظم الجرائم تقع ضد الملكية و سببها انعدام المساواة في الثروة . عندما تصبح الملكية جماعية و يختفي انعدام المساواة ، ستختفي الجريمة أيضا . ستبقى هناك عناصر معادية للمجتمع لكن سيجري التعامل مع هؤلاء من قبل تلك الجماعات نفسها على أساس عادل و إنساني .

لقد شوهت الرأسمالية و أفسدت كل علاقة إنسانية . الجشع ، البحث عن الثراء ، و التقدم في الوظيفة، اختزال البشر إلى وحدات اقتصادية ، عزل الأفراد ، و ما إلى ذلك ، هي كلها نتيجة مباشرة لوضع النقود قبل البشر .

ستلغي الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) الرأسمالية و الملكية الخاصة و تضعها ( أي الملكية ) في أيدي الناس . المباني العامة ، المتاجر ، المكاتب و المعامل ، المستودعات و الأرض ستمتلكها الجماعات لتطورها في صالح الجميع . لكن هذا لن يعني نهاية الممتلكات الشخصية .

تتطلب الشيوعية إلغاء النقود ، و إذا سمحت الظروف ، توزيع البضائع و الخدمات بحرية على أساس الحاجة الشخصية . بكلمات أخرى سيكون بمقدور الناس أن يحصلوا على أي شيء يريدونه عندما يحتاجونه . إذا كان الإنتاج غير كافي لتوفير هذه الوفرة الضرورية ، عندها سيجري التشارك في هذه البضائع و الخدمات بالتساوي لتأكيد توزيعها العادل . أخذا بالاعتبار تكنولوجيا الكومبيوتر الحديثة ستكون هناك القليل من الصعوبات في تخطيط الإنتاج و التوزيع ليتناسبان مع حاجات كل فرد ، خاصة إذا لم يكن هناك زيادة ضائعة في الإنتاج التي تميز النظام الحالي .

في الوقت الحاضر فإن العمل بالنسبة لمعظم البشر شيء يراد تجنبه أكثر ما يمكن لكنه أيضا ضروري لتوفير مستوى مقبول للحياة . في الاقتصاد الشيوعي اللاسلطوي ( الأناركي ) سيجري إلغاء العمل غير الضروري و سيخفض العمل الضروري إلى أدنى حد ممكن ليتناسب مع رغبات البشر . عندها إما أن يقسم العمل غير الممتع بعد أن يخفض إلى أدنى حد ممكن من خلال التكنولوجيا الملائمة أو أن يقوم به أولئك الذين يجدون في أنفسهم الميل لتلك الأعمال . التمييز بين العمل و اللاعمل سيلغى ما أن يمارس البشر مرة أخرى طريقة تناغمية ( منسجمة ) للحياة .

لكن الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) ليست فقط طريقة لنوع جديد من الاقتصاد أو أسلوب جديد للتنظيم الاجتماعي . كعملية ( صيرورة ) مستمرة فإنها تبدأ قبل الثورة و تتطور بعدها ، توجد هناك حاجة لمهاجمة كل المعتقدات ، الأفكار ، المؤسسات و الممارسات التي تحد من الحرية و العدالة . الدين ، التمييز الجنسي ، التمييز حسب العمر ، العنصرية ، الوطنية ، الجشع و الاستغراق في الذات ، جميعها تحتاج لأن يجري التخلص منها ، و إلا فإن الثورة لن تكون ذات جدوى . لكن لا يمكننا القيام بما هو أكثر من تلخيص بعض التطورات التي ستحدث ( أو تتلو ) . كثير من الأشياء التي قد تظهر لا يمكننا أن نتنبأ بها الآن و لذلك فإن هذا التلخيص للمجتمع اللاسلطوي ( الأناركي ) ليس بأي حال من الأحوال مخططا “مقدسا” و غير قابل للتغيير .

5 – العالم بين يديك

إذا نظرت للعالم كما هو عليه اليوم بالفعل ، مقارنة بالنظام الذي نريد نحن الشوعيون اللاسلطويون ( الأناركيون ) أن نراه ، عندها – لنقولها بطريقة معتدلة – نكون قد حددنا حجم عملنا المطلوب ! أن نحدث تغييرا كهذا قد يبدو مهمة هائلة للغاية .

لكن قبل أن نبدأ بالشعور بشيء من الخوف بسبب هذا ، تذكر أننا نعيش في عالم يتغير بسرعة . العالم الذي نعيش فيه اليوم لم يكن من الممكن تخيله قبل 20 سنة فقط . في الواقع ، لقد تغير العالم في الخمسين سنة الأخيرة أكثر مما تغير في الخمس مائة سنة الماضية .

أشياء كالاقتصاد و التكنولوجيا تلعب دورا في تشكيل العالم لكن في نهاية المطاف البشر هم الذين يغيرون الأشياء بالفعل . ذكرنا سابقا دولة الرفاه كشكل من أشكال السيطرة . لكن من جهة أخرى فإن أشياء مثل الرعاية الصحية الأساسية وجدت فقط لأن الطبقة العاملة حاربت من أجلها ( رغم أن السياسيين قد ينسبوا الفضل لأنفسهم ) . من دون التهديد بالتحرك لم نكن لنفوز بتلك الأشياء أبدا . الإضرابات أو التهديد بها يساعد في تحسين الأجور و ظروف العمل . من دون الأعمال من جانب طبقتنا فإن الأشياء ستصبح أسوأ فقط . كذلك فإن الضريبة الفردية ألغيت فقط لأن الناس حاربوا و رفضوا أن يدفعوها .

حتى اليوم لدينا القدرة على التغيير إذا عملنا سوية . قوة تحويل المجتمع تكمن في أيدي من يخلقون كل شيء – أي الطبقة العاملة . هذا هو مصدر قوتنا ، إذا ما استخدمناه ، يمكن لهذه القوة ألا تحقق بعض الإصلاحات فقط بل أن تغير النظام بأكمله ، أن تخلق ثورة اجتماعية .

اليسار

ليس الشيوعيون اللاسلطويون ( الأناركيون ) وحدهم من يتحدث عن الثورات . كان هناك الكثير من “الثورات” في الماضي ، لكن الرأسمالية ما تزال موجودة . لم توجد الشيوعية الحقيقية في أي مكان بعد ، الاتحاد السوفيتي السابق في عنفوان “اشتراكيته” لم يكن شيئا من هذا القبيل . بقيت “شيوعية” الدولة أحد أشكال الرأسمالية ( رأسمالية الدولة ) حيث كان الحزب الشيوعي هو السيد و بيروقراطي و الحزب هم أصحاب الامتيازات .

مع انهيار “شيوعية” الدولة ( رأسمالية الدولة ) في أوروبا الشرقية ، قد يفاجئنا أن نجد مجموعات ما تزال موجودة في بريطانيا تريد ان تسير على نموذج الاتحاد السوفيتي . لكن منظمات مثل المناضل و حزب العمال الاشتراكي تستمر في الوجود حاملة نفس الرسالة القديمة ، يقولون أن “العمال متخلفون” ، “و يحتاجون إلى قيادة منظمات كمنظماتنا” ، و يواصلون “هناك أزمة قيادة ، نحن فقط نعرف الطريق إلى الأمام … نحتاج إلى الانضباط الحزبي .. إلى حزب يتألف من القادة و ممن يقادون ..” ، و ما إلى ذلك .

نموذج الاتحاد السوفيتي السابق لما يسمى بالاشتراكية كان كارثة على الطبقة العاملة في كل العالم . سواء كانت هذه الدول تتبع تعاليم لينين ، تروتسكي ، ستالين أو ماو ، فالواقع هو أن هؤلاء الأنبياء أثبتوا أنهم خصوم وحشيون للطبقة العاملة الحقيقية ( التي تتناقض مع خيالاتهم عن الطبقة العاملة ) . الرسالة واضحة : الطبقة العاملة و المضطهدون ، إذا كان من الممكن أن يكونوا أحرارا على الإطلاق ، يحتاجون لأن يقوموا بالعمل بأنفسهم ، دون هؤلاء القادة الذين نصبوا أنفسهم بأنفسهم .

لو أن هؤلاء الأشخاص كانوا ناجحين هنا أيضا ( أي في بريطانيا – المترجم ) لجاؤوا بأشكال جديدة من الاستغلال و الاضطهاد . سيصرخون عن الاشتراكية و العالم الجديد الشجاع لكنهم هم من سيكون في موقع السيطرة و ليس المظلومين . الاسم الذي يعطونه للنظام سيتغير لكن الاستغلال و الاضطهاد سيستمران .

يستخدم حزب العمال أحيانا كلمة “الاشتراكية” لوصف سياساته ، لكن ليس كثيرا ! مرة أخرى فإن حزب العمال لم و لن يكون اشتراكيا على الإطلاق . يوفر حزب العمال عدة مئات من الوظائف لمحترفي الطبقة الوسطى لكنه لم يقدم أي فائدة حقيقية لأي بشر آخرين . رغم قيام عدة حكومات لحزب العمال ( قبل سنوات كثيرة ؟ ) لم يتغير أي شيء . ما تزال هناك بطالة هائلة ، اقتطاعات من نفقات الرفاهية ، العنصرية و ما إلى ذلك . كانت الرأسمالية تعمل تماما كما كان عليه الحال من قبل .

البديل اللاسلطوي ( الأناركي ) – الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية )

أسست الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) للمساعدة في النضال في سبيل عالم أفضل – عالم دون سياسيين و جنرالات ، دون كهنة و سادة . بينما لا نرى أنفسنا على أننا مجموعة من المعلمين الذين يملكون كل الأجوبة ، فإننا نعتقد أنه لدينا بعض الآراء و الأفكار المفيدة التي يمكن للطبقة العاملة أن تستخدمها . لدينا أيضا رؤية واضحة عن كيف نحقق عالما ليس فيه استغلال .

في الوقت الراهن فإننا نحاول أن ننشر أفكارنا بين الطبقة العاملة . هذا يعني إنتاج المجلات ، الكراسات ، الكتيبات ، البوسترات ، شرائط الكاسيت ، الخ ، لإيصال الرسالة اللاسلطوية ( الأناركية ) إلى أوسع جمهور ممكن . لكن الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) لا تتعلق فقط بالأفكار الجيدة . الأفكار لوحدها عديمة الفائدة ، يجب أن يصار إلى تطبيقها . لذلك تنخرط الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) في الدعم النشيط للمضربين ، سكان البيوت ، المستأجرين و السجناء ، التظاهرات ، الاعتصامات ، الاحتجاجات ، الخ . نحن لا ننخرط فحسب لننشر أفكارنا بل لأننا نؤمن بأن نضالات كهذه و ربطها بالحركات الاجتماعية سيخلق ثقة طبقية في قدرتنا على تغيير الأشياء . إن تعزيز مثل هذه الثقة مهم لأنه يعني أن انتصارا صغيرا اليوم يمكن أن يؤدي إلى انتصار أكبر في الغد .

إننا ننخرط في هذه الأمور كشيوعيين لاسلطويين ( أناركيين ) ، بكلمات أخرى إننا ندفع فكرة أن كل النضالات يجب أن يقودها أولئك المنخرطين فيها مباشرة و ليس من قبل أحزاب من السادة أو المحرضين أو بيروقراطيي النقابات ، أو قادة المجتمع الذين ينصبون أنفسهم بأنفسهم .

إننا ندعم خلق منظمات قاعدية في كل جوانب المجتمع ، مثل مجموعات الطبقة العاملة و المجموعات المستقلة ذاتيا ( المسيرة ذاتيا ) لمحاربة الاضطهاد الجنسي . أيضا فإننا ندعم مجموعات الطبقة العاملة المستقلة ذاتيا من الزنوج و نشارك في النضال ضد العنصرية و الفاشية . في أماكن العمل ندعو إلى الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) – بريطانيابناء حركة مستقلة قوية خارجة عن سيطرة النقابات و الإدارة . في نفس الوقت نسعى لخلق مجموعات لاسلطوية ( أناركية ) ثورية في الصناعات لكي تنشر الرسالة اللاسلطوية ( الأناركية ) . في كل الحالات فإن النضال في سبيل الحرية هو في نفس الوقت نضال ضد الرأسمالية .

تحاول الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) ألا تجعل لأية قضية أو نضال أولوية على القضايا الأخرى . لأنه لوقت طويل كانت الطبقة العاملة مقسمة و محكومة . من الهام جدا ربط كل نضالات الطبقة العاملة لكي نخلق حركة جماهيرية اجتماعية ضد النظام القائم .

و هدفنا على المدى المتوسط هو خلق حركة تضامن هائلة من المقاتلين ضد اضطهاد الطبقة الحاكمة .

ثقافة مقاومة الطبقة العاملة

الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) – بريطانيا

من المهم خلق الوسائل و وضعها بيد طبقتنا للرد على الهجمات . هذه الأيام لأن النضالات ترى غالبا منفصلة عن بعضها البعض ، يجري الاستفراد بها واحدة تلو الأخرى . إن خلق وحدة حقيقية للطبقة العاملة يعني أن الهجوم على أي جزء من طبقتنا سيرى على أنه هجوم عليها كلها .

إننا لا نقول أن حركة كهذه يجب أن تكون دفاعية . إننا من خلال بناء الثقة في أنفسنا كطبقة فإننا نخلق الوسائل لنبدأ بالهجوم الفعلي ضد النظام .

و بالبدء بالهجوم نعني خلق حركة جماهيرية منظمة ذاتيا و خلق مجالس العمال كأسلوب لسلطة الطبقة العاملة و تنظيمها الذاتي . يضاف إلى هذا منظمات المجتمع و السكان الجماهيرية التي تقع تحت سيطرة أولئك المنضوين في و الداعين إلى إضرابات جماعية عن دفع الإيجارات ، التظاهرات ، الاحتجاجات ، و الاضطرابات الاجتماعية . حركة كهذه ستملك القوة لكي توقف آلة الطحن الرأسمالية .

إن طبقة السادة سعيدة بالأشياء كما هي ( حتى مع التأرجحات الاقتصادية الحادة ) . إنهم مرعوبون من أفكار الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) . و عندما نتحدث عن خلق حركة اجتماعية جماهيرية للمقاومة ستقوم بمهاجمة أسس النظام الرأسمالي ذاتها ، نعرف عندها من التاريخ أن الرأسماليين سيستخدمون كل قوى الدولة ليوقفوها . هذا لأننا نتحدث عن ثورة اجتماعية . سيحاولون إدخال ليس فقط الشرطة بل الجيش أيضا ( إذا بقي مواليا للنظام ) . سيستخدمون مجموعات الفاشيين ، الجواسيس ، العناصر الاستفزازية ، المرتزقة ، أي شيء ليوقفونا .

لهذا فمن المحتمل أن يتلو أي ثورة اجتماعية محاولة للقيام بثورة مضادة من طبقة السادة و طفيلييها . لذا ستتطلب أية حركة اجتماعية انتفاضة مسلحة ضد طبقة السادة . الصراع الطبقي تحت سلطة العمال يمكن أن يضع في الممارسة عدة جوانب من الشيوعية اللاسلطوية ( الأناركية ) ، لكن قد تكون هناك حاجة لإقامة ميليشيات عمالية لكي يدافع العمال عن أنفسهم و ليهزموا الرأسمالية في نهاية المطاف و يدمروها بشكل كامل .

قد يبدو هذا شيئا صعبا شيئا ما ، لكن مع اندفاع الرأسمالية نحو المزيد من انعدام الاستقرار الاقتصادي ، و الحروب النووية و “التقليدية” ، و تدمير البيئة ، فإن الأوقات السيئة موجودة بالفعل و هي تصبح أسوأ مع كل دقيقة .

الوسائل و الغايات

إننا نريد مستقبلا لأنفسنا و لأطفالنا – مستقبلا يعد بأقصى درجة من الحرية و من دون استغلال اقتصادي . إننا نؤمن بأننا قد وضعنا الأساس لذلك اليوم . تناضل الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) في سبيل مستقبل كهذا . إننا ننظم أنفسنا اليوم بطريقة تعكس هدفنا النهائي . نحن لسنا بيروقراطية متصلبة ( مثل المنظمات اليسارية ) تدار و تخضع لتلاعب سادة الحزب . في الواقع ليس لدينا موظفون دائمون أو موظفون طوال الوقت و لا لجان مركزية ، لا قادة و لا من يقادون . مواقفنا فيما يتعلق بالعديد من القضايا و الأفعال نقررها بالمشاركة المتساوية ( طالما اختار الناس المشاركة ) بطرق متعددة . تتضمن هذه المناقشات المطبوعة في نشرة داخلية ، و الكونفرانسات السنوية ( المفتوحة أمام جميع الأعضاء ) ، و اجتماعات المندوبين ( المكونة من المندوبين المؤقتين للمجموعات المحلية و الأعضاء الأفراد ) و المدارس النهارية المنتظمة . كل “الموظفين” ( مثل أمناء الصندوق ) ينتخبون لفترات محددة و يمكن تغييرهم من قبل الكونفرنس ( المؤتمر ) أو اجتماعات المندوبين إذا تصرفوا بطريقة غير مناسبة .

الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) ، كما يقترح اسمها ، هي فيدرالية . المقصود من الفيدرالية أن تعمل بطريقة موحدة لتحصل على أكبر تأثير داخل الطبقة العاملة . لذلك فإن أعضاءها المنضمين إليها يقبلون عددا من الأهداف و المبادئ الأساسية ( المطبوعة في آخر هذا الكراس ) . يشارك الأعضاء أيضا في رسم سياساتنا ، و يتحملون مسؤولية مساعدة وضعها في التطبيق . لكن هذا يعني أن المجموعات المحلية و الأعضاء الأفراد سيضعون أهدافهم و أفعالهم في هذا السياق .

تقع مسؤولية إدارة الفيدرالية اللاسلطوية ( الأناركية ) بيد كل أعضائها . إننا نريد أن خلق عالما توجد فيه السلطة بأيدي كل البشر

Anarchism in Arabic

التعاون الإسكانى والحق فى السكن

سامح سعيد عبود

الإسكان التعاونى فى مصر هو أبعد أشكال التعاون عن القيم والمبادىء التعاونية وهو الأقرب للرأسمالية والدولة وبيروقراطيتها من القطاعات التعاونية الأخرى من زوايا عديدة، هى:

الجمعيات التعاونية الإسكانية، فى الحقيقة هى مجرد شركات رأسمالية تستفيد من الإعفاءات الضريبية والجمركية، والدعم الحكومى، على عكس الشركات العقارية التجارية، ومن ثم تتضاعف مكاسب أعضائها، مقارنة بأصحاب الشركات الرأسمالية.

ينتج التعاون الإسكانى سلعه العقارية المختلفة، أرضى، شقق، فيلات، محلات، باستخدام العمل المأجور المتمثل فى عمال البناء والتشييد، العاملون غالبا فى شركات مقاولات مملوكة للرأسماليين، أو لدى مقاولين أفراد، ومن ثم لا تلتزم تلك الجمعيات بمبدأ الاستقلالية عن الرأسمالية والدولة، و الموقف التعاونى الصحيح أن لا تتعامل جمعيات الإسكان التعاونية إلا مع جمعيات تعاونية إنتاجية للبناء والتشييد،أوجمعيات تعاونية لليد العاملة من عمال البناء والتشييد، وإن لم يكن هذا متاحا لها فعليها أن تساعد فى إنشاء تلك الجمعيات، أولا عبر الإتحاد الإسكانى التعاونى قبل أن تبدأ فى ممارسة نشاطها، أو تتحول هى لجمعيات تعاونية إنتاجية للبناء والتشييد.

تبيع الجمعيات التعاونية الإسكانية هذه السلع العقارية ، أحيانا للأفراد بأسعار السوق الرأسمالى، أو تشتريها منها الدولة، بأسعار الجملة، لتبيعها بنفسها بأسعار مدعمة للمستهلكين، عبر الهيئة العامة للتعاونيات، وهى هيئة حكومية، وبأقساط طويلة الأجل يتم سدادها وفق نظام للقرض التعاونى.

من النقطة السابقة تحديدا، تتحول العقارات التعاونية المباعه، لسلع يتم المضاربة عليها من قبل المشترين الذين يشترون الوحدات، ويتركونها بدون استخدام لفترات متفاوتة، فترتفع أسعارها، ويبيعونها ، أو يؤجرونها، وفق أسعار السوق الرأسمالى، وتتحول أحيانا لنوع من أنواع الإدخار، المحجوز من التداول والاستفادة منه لسنوات طويلة، ونتيجة لذلك أصبح لدينا 6 مليون وحدة عقارية بنسبة 20% من إجمالى عدد الوحدات، مغلقة و معدة للمضاربة و الادخار، و تشكل الوحدات التعاونية الأصل نسبة كبيرة منها، بسبب رخص أسعار شراءها، والمكاسب الهائلة من المضاربة عليها، بمقارنتها بأسعار الوحدات الرأسمالية.

الوضع السابق مطابق تماما لما يحدث فى الوحدات السكنية المدعمة التى تنشئها الدولة لمحدودى الدخل، والتى يتم تمليكها لهم فور الشراء أو بعد فترة من سداد الأقساط، لكن حجز الوحدات وشراءها، والاستثمار فيها بالبيع أوالتأجير، نشاط استثمارى هائل، معفى من الضرائب، وأداة هامة لغسيل الأموال، و هو ينتمى للاقتصاد غير الرسمى.

نتيجة عشوائية الاستثمار الرأسمالى المضارب الصغير، ونتيجة كل من الثقافة الفردية التى لا تحترم مفهوم الملكية العامة، والتسيب والفساد الحكومى، يتم تشويه العقارات بأعمال فردية تغير من طبيعة استخدامها، وتعتدى على حقوق الملكية العامة ،مما يشوه من مظهرها الحضارى والصحى، ليحولها فى بعض الأحوال لعشوائيات.

الحل الأمثل لوقف هذه النتائج، هو التوقف تماما عن فكرة بيع الوحدات العقارية، على أن يتم تأجيرها للمستأجرين الذين ينتفعون من استخدامها فعليا، بعقود طويلة الأمد لمدد من أربعين إلى ستين عام، ومنعهم من تأجيرها من الباطن.

بعيدا عن هذا الشكل التعاونى الزائف والمشوه، يمكن للفكرة التعاونية ومع الإلتزام بمبادئها وقيمها، أن تحل مشكلة السكن لمحدودى الدخل، بعيدا عن الدولة والبقرطة والرسملة،إذ يمكن لمجموعة من الأفراد والأسر، أن ينتجوا لأنفسهم وحداتهم العقارية ، وبهدف استخدامها الفعلى لسكنهم بعيدا عن فكرة الاستثمار سواء بالبيع أو التأجير.

و يمكن أن يستفيدوا من نموذج الإسكان الفندقى،الذى أصبحت تفضله قطاعات كبيرة من الطبقة البرجوازية العليا، لكن بدلا من الشقق الفندقية الفاخرة ، يمكن أن يبنى محدودوا الدخل ما هو أرخص وأقل رفاهية، وهذا يعنى أن يتم تصميم العقار بحيث يوفر غرف وأجنحة بملحقاتها التى توفر الخصوصية للأفراد و للأسر وفق عدد أفرادها، على أن تكون كثير من الخدمات مشتركة فى العقار كالمطابخ والمغاسل والمطاعم وغيرها من الخدمات،على أن يتفق أعضاء التعاونية على تقسيم العمل المشترك لتوفير وتلبية تلك الخدمات، وهذا سوف يحقق وفر هائل لهم فى نفاقات تجهيز المساكن فلن يحتاج كل منهم لتجهيز مطابخ خاصة بكل ما تحتاجه من أجهزة كهربائية ومواقد و أدوات للطعام وذلك على سبيل المثال، كما أنه يمكنهم توفير احتياجتهم الاستهلاكية المختلفة وفق التعاون الاستهلاكى، وهذا يمكن أن يخفض للغاية من نفقات المعيشة بالنسبة لهم، بل وإنتاج بعض هذه الاحتياجات الاستهلاكية جماعيا خصوصا فيما يتعلق بالغذاء وذلك بشراءها من المنتجين المباشرين بسعر الجملة ، وبالطبع لو كان مكان البناء بعيدا عن المدن حيث الأرض أرخص يمكن أن يضاف للعقار مزرعة صغيرة لتوفير الاحتياجات الغذائية لملاك التعاونية.

التعاون فى النهاية هو الحل كالملائم لتوفير الحق فى السكن الصحى والملائم، ومن المؤكد أنه لا الدولة و لا بيروقراطيتها الفاسدة والطفيلية، و لا الرأسمالية باستغلالها للعمال والمستهلكين، يمكن أن يقدما حلولا لمحدودى الدخل طالما كان منطق الربح والسيطرة هو منطقهما،المشكلة الحقيقية التى تعوق تحقيق هذه الفكرة على أرض الواقع، هى فى العقليات المحافظة والثقافة الفردية السائدة.

العائق ليس فى التمويل، حيث يمكن توفير أرض رخيصة، والبناء بمواد رخيصة وفق التصميمات الهندسية التى صممها المهندس المعمارى حسن فتحى لقرية القرنة، بالحجر الجيرى وبدون استخدام الخرسانة المسلحة، و الذى مات دون أن يسمع أحد كلامه، كعادتنا شعبا وحكومة مع كل مبدع ومفكر، ومختلف عن القطيع، واعتباره مجنونا، فكانت النتيجة أن تحولت مساكنا ومدننا وقرانا لغابات من الأسمنت والطوب الأحمر الذى استهلكنا بسببه التربة الزراعية المحدودة أصلا و أفقرناها وبورناها للأبد، لنكسب بدلا منها مساكن قبيحة وغير صحية، وغير صالحة للسكن ، لا تتناسب و مناخنا الحار والرطب فى الصيف، مع كل ما ترتب على ذلك من آثار أخلت فى النهاية بحق المواطن المصرى فى السكن الصحى.

https://www.facebook.com/SamehSAbod

حان الوقت لكي نقول ما نرى

مازن كم الماز

أعتقد أنه قد فات الوقت على محاولات رش السكر على الطعم المر للواقع , على تغطية الجرح بينما يكاد صراخ ألمه يمزق آذاننا بالفعل , أعتقد أنه قد حان وقت أن نعترف بعمق الجرح الذي خلفه الاستبداد , المحلي و الإقليمي و الدولي , الحاضر الأسدي و السابق منذ ما قبل أيام الحجاج و يزيد , داخل مجتمعنا , داخلنا , و داخل الناس الفقراء , بحيث أنه يدمر ليس فقط حاضرنا , بل و إلى حد كبير , مستقبل أطفالنا أيضا , هذه صيغة اعترافي الشخصي , أو “…” أميات هذا الزمان , كما عبر عنها نجيب سرور , عن مأزق أو أزمة الثورة السورية , عن أزمة أكبر إنجاز بدا قريبا ذات لحظة : أعني حرية الفقراء السوريين

– إن العرعور هو المكافئ السني لبشار الأسد العلوي , إن العرعور سني فقط بنفس درجة علوية بشار الأسد

– لقد نجحت عملية تأسيد – عرعرة مجتمعنا إلى حد كبير , يجب أن نعترف أننا نحن , الحالمون بالحرية و معنا كل الفقراء , أصبحنا اليوم محاصرين , عالقين بين هذين العدوين المتشابهين لدرجة التطابق , بين جنونهما و استهتارهما بنا و كرههم العميق لنا كبشر و كفقراء و لحريتنا.

– كما أن هوس بشار الأسد بالسلطة الذي يأخذ الشكل الطائفي أنتج شبيحة علويين فإن عرعرة الثورة السورية و تطييفها و عسكرتها الناجحة نسبيا قد أنتجت أيضا بالضرورة شبيحتها السنة , و إن كان يصعب مساواة كل الجيش الحر بهذا النمط من القتلة قساة القلوب , لكن كما قال أمل دنقل , إن جنس العسكر جنس مشوه حتى النخاع , مهووس بالسلطة و بالقتل حتى النخاع , جنس يجب العمل على إلغائه من الوجود بمحاولة إعادته إلى حياة طبيعية إنسانية , بتحريره من سلاحه لا إعادة إنتاجه مرة أخرى

– لقد صدمنا الفقراء السوريين فعلا , مرة عندما ثاروا و مرة عندما أضاعوا ثورتهم ( أو على وشك إضاعتها لنترك مجالا لشيء من التفاؤل ) , صدمنا الفقراء العلويين و هم ينفذون أوامر الديكتاتور بالقتل الجماعي , بالاغتصاب و الذبح الهستيري على الهوية الطائفية دفاعا عن نظام استبدادي استغلالي كنظام الأسد و عندما خروا يسجدون لديكتاتور تافه كبشار الأسد , و صدمنا الفقراء السنة بأن قبلوا أن يسجدوا لإله العرعور الذي يتفرج على مذبحتهم منذ 14 شهرا , ثم أن يقتلوا باسم إله العرعور بنفس طريقة شبيحة النظام , صدمنا الفقراء و هم يذبحون بعضهم بعضا لصالح قوى تستهتر بهم , تريدهم إما موتى أو عبيدا , و هم يذبحون بهذا أيضا حلمنا , و الذي يفترض أن يكون أيضا حلمهم , فرصتهم النادرة جدا , بالحرية لهم و لأطفالهم , حلمنا بالعدالة و المساواة , بعالم و سوريا جديدة

– لا أعتقد أنه يمكن اليوم تجميل الواقع فقط بنسبة كل الشرور للنظام , صحيح أن النظام يستحق نصيب “الأسد” من هذه الشرور و الأهوال , لكن القسم الذي يرتكب باسم طائفية معادية للنظام من الشرور يكفي لرفض محاولة تزويق هذه الشرور بهذه الطريقة , إن تزويق القتل , الذبح , بما في ذلك ذبح الأطفال , ليس فقط خيانة , إنها مشاركة أيضا في المذبحة , في القتل , في قتل الفقراء لبعضهم البعض , صحيح أننا أمام ضحية لكننا أمام ضحية على وشك أن تتحول أو تمسخ هي ذاتها إلى قاتل , إلى شبيح , لا تنسوا أن الشبيح هو أيضا ضحية لظروفه , لفقره , لغبائه , و لضعفه أيضا , هناك فرق هائل بين العدالة و الانتقام , ليس فقط على المستوى القيمي , بل أيضا على مستوى النتيجة , العدالة تنتج مجتمعا من دون قتل أو اضطهاد , من دون جلادين و شبيحة , الانتقام ينتج في أفضل الأحوال نسخة , جديدة , مختلفة طائفيا فقط من الجلادين و الشبيحة , و من سادتهم بالضرورة , عندما استخدم القذافي أهل تاغوراء ذوي البشرة السمراء ضد جارتها مصراتة و دفع لهم ليقتلوا و يغتصبوا و يسرقوا أهلها , انتهت اللعبة بأن قام أبطال مصراتة بتدمير تاغوراء و تهجير كل سكانها و ملاحقتهم في كل شبر من ليبيا , تعذيبهم و قتلهم و اغتصاب نسائهم , إننا أمام حلقة مفرغة من الانتقام و الانتقام القادم , عندما تصبح الضحية جلادا فتنتج ضحية جديدة تتحول إلى جلاد …….

– الجميع يبدو أنه يستثمر و يحاول الربح من تطييف الصراع بين الديكتاتورية و الجماهير المفقرة و المهمشة , ليس فقط النظام الذي يجد في استخدام الفقراء العلويين كقتلة ملجأه الأخير , المعارضة أيضا , بشقيها الإسلامي و الليبرالي , تريد أيضا أن تلعب نفس لعبة النظام , إنها تريد أن تظهر , خاصة أمام الغرب الذي يبدو لها أقرب الطرق إلى السلطة في سوريا الغد , على أنها “صمام أمان” لحشد منفلت طائفيا تعمل هي على تأجيج غرائزه الطائفية , و أنها قادرة أيضا , كما اعتاد النظام على القول , على السيطرة على القوى الأكثر تطرفا , و في نفس الوقت أن تبدو و كأنها تلعب دورا مناسبا , كيلا نستخدم كلمة جارحة , للمصالح السعودية ( و ربما التركية و حتى الغربية ) في سوريا , تتبادل السعودية و إيران المواقع في سوريا و البحرين , يستخدمان التطييف تارة ضد النظام القائم و تارة دفاعا عن النظام القائم , لكن بكل تأكيد ليس بغرض تحرير الشعبين السوري أو البحريني , بل بقصد التلاعب بدماء أبنائهما و مصيرهما لتحقيق نقاط هامة في صراعهما ضد بعضهما البعض

– الطائفية الشرقية هي المكافئ الشرقي للعنصرية الغربية , الشكل اللاعقلاني لتبرير الأزمات التي يعيشها الفقراء , و لتقسيمهم و لإبقائهم عبيدا لمن يستغلهم و حتى لاستخدامهم كقتلة مأجورين لمن يستغلهم ضد فقراء مثلهم “مختلفين” عنهم

– في سوريا اليوم ما هو أقل من حرب طائفية لكن فقط لأن حلب و دمشق لم تنضما بعد للمجزرة ,

– كنت أعتقد في بداية الثورة أن ضعف و انتهازية اليسار السوري قد لعبت دورا حاسما في كل الظواهر السلبية في الثورة السورية , لكني أعتقد اليوم أن اليسار لا يمكن أن يلعب دورا حقيقيا في فعل عفوي كالثورة , صنع العمال و الجنود و الفلاحون الروس ثورتهم ثم قفز عليها البلاشفة فقط ليمسخوها ديكتاتورية شمولية ستالينية , و كانت مبادرتهم بتنظيم أنفسهم سابقة على أي تنظير يساري و جرت بشكل عفوي كامل أحيانا على الضد من نصائح القوى اليسارية , و كنت أعتقد أن هذه الظواهر السلبية هي نتيجة مباشرة لطبيعة و بنية و سياسات النظام , لكني أعتقد أن الأحداث قد أثبتت لنا إلى حد كبير أن سلبيات الثورة السورية ليست فقط تعبيرا عن طبيعة النظام الهمجي و الدموي بل هي إلى حد كبير تعبير عن السلبيات الكامنة سواء في المعارضة أو حتى في المجتمع خاصة في الطبقات الأكثر إفقارا و تهميشا , إن التطور الشخصي لشخص مهمش لم يكن طائفيا أو مهووسا بتكفير الآخر قبل الثورة كالساروت هو نموذج هذه الثورة الفعلي , إنه نموذج لصعودها و بداية انحطاطها

– هناك اليوم أيضا يسار عرعوي – أسدي طائفي , يشارك في حالة التجييش الطائفي و الترويج لمسخ الثورة إلى صراع طائفي لكن بنجاح أقل من النسخة العرعورية – الأسدية الأصل , ربما لأنه يفتقد لفضائية مثل الدنيا أو وصال , ربما لأن السنة منهم مثلا يفتقدون لحية العرعور أو شاربه المحلوق على الطريقة السلفية أو غترته السعودية , أو لأن العلويين منهم لا يمارسون السجود للاسد أو ذبح الفقراء السنة , يسار أصبح ملالي حزب الله أو موظفو آل سعود أو صحفيوهم هم من ينظر لهم ما تعنيه السياسة , الوطنية أو الثورة اليوم , يجب ان أعترف أني اجد صعوبة الآن في المفاضلة أيهما أكثر سوءا : هذا النوع من اليسار أم اليسار الانتهازي الواقف إلى جانب الديكتاتور , أتحرج عن ذكر الاسماء التي أقصدها , من المناضلين الكبار , فقط كيلا أفاقم خيبة الأمل لا حبا في هؤلاء المناضلين

– الحرية , تبقى هذه اللعينة أجمل الجميلات , تبقى حلما جميلا يريد الكل تقريبا أن يغتاله أو أن يحوله كابوسا , إذا كانت الحرية كابوس الديكتاتور بالفعل , فإنها بالنسبة لأفضل شخوص “المعارضة” لا تعني إلا كرسي السلطة , قد يبدو في نهاية المطاف صحيح تماما ما قاله الثوار الفرنسيون و فعلوه قبل أكثر من مائتي سنة عندما رفعوا و مارسوا شعار : سنشنق آخر ملك بأمعاء آخر كاهن , نحن سنواصل الدفاع عن حلمنا حتى النهاية , و عن ما نفترض أنه حلم الفقراء و كل المضطهدين على هذه الأرض و في وطننا , لكن قد يكون على جيل قادم من الفقراء و المضطهدين أن يفعلها مرة أخرى , في تلك المرة سيكون عليه ألا يقتل بعضه بعضا , ألا يذبح أطفال جاره الفقير من الطائفة الأخرى أو يغتصب ابنته , بل أن يفعل مثل ثوار باريس , أي أن يشنق آخر أسد بأمعاء آخر عرعور.

https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

” الفصل و التكافؤ ” – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة / 5

تاريخ (موخيريس ليبريس) و هي منظمة نسائية أناركية تأسست في إسبانيا – مايو 1936 و تهدف لوضع نهاية لثلاثية استعباد المرأة . . الجهل – رأس المال – التبعية للرجال

استنتاجات

و قد وافقت نساء “المرأة الحرة” بقية الأناركيين أن الإلتزام بالعمل المباشر يعني معارضة أشكال التنظيم الهرمي . لكنهن اخترن التركيز على العنصر الآخر من استراتيجية العمل المباشر . و الذي أطلقنا عليه مصطلح “النظام العفوي ” . فالناس تنظم أنفسها حول تلك القضايا التي تشكل مصدر قلق فوري لحياتهم , و سيفعلون ذلك دوما . و بمجرد أن يبدأوا في في إجراء التغييرات و يعترفون بقوتهم و قدراتهم , فسيصبحون أكثر “استعدادا” للمشاركة في أنشطة أخرى للتغيير الإجتماعي . و قد أصرت نساء “المراة الحرة” على أنه – على الأقل في حالة المرأة – فإن منظمة مستقلة قد تكون ضرورية لهذه المهمة .

و يبدو هذا المنظور مناسبا و بخاصة في الحالة الإسبانية . فاستراتيجية الـ CNT لم تمس نسبة كبيرة من النساء الإسبانيات بأي شكل من الأشكال . إذ لم تعمل نسبة كبيرة منهن في المصانع , و لم تجد النسبة الصغيرة من النساء العاملات وقتا للإنخراط في النضالات النقابية بسبب المسئوليات المنزلية . و من الملاحظ أيضا أن كثير من الرجال أيضا – أولئك الذين انتظموا في أعمال ليس لها نقابة – قد جرى استبعادهم من المشاركة الفعالة في الحركة الأناركية لأسباب مماثلة . . و من الواضح أن “المرأة الحرة” قد أوضحت من خلال حالة المرأة أن هناك مشكلة أعمق جذورا بالنسبة للتنظيم الثوري .

و قد وجدت النساء دعما لآراءهم في إطار التقاليد الأناركية . لكن دعوتهم لفصل النضال نبعت مما هو أبعد من مجرد الإلتزام بالعمل المباشر و تلبية احتياجات الناس على شروطهم . بل نبعت من تحليل الطبيعة الخاصة للمجتمع الإسباني و تأثير هذه الطبيعة على الحركة الأناركية . و قد أصرت “المرأة الحرة ” أنه – في إطار المجتمع الإسباني – لن يؤدي العمل المشترك بين المرأة و الرجل إلا إلى تدعيم الأنماط الحالية لهيمنة الذكور .  كان النضال المنفصل لازما في هذه الحالة إذ كان السبيل الوحيد سواء لجعل تحضير المرأة ممكنا أو لتحدي التمييز على أساس الجنس الذي مارسه الرجال الأناركيون .

لم تكتف “المراة الحرة” بمحاولة تمكين المراة , لكنها شكّلت أيضا تحديا مستمرا للرجال الأناركيين . و ذكّرهم وجودها دائما بالحاجة إلى التغلب على هيمنة الذكور داخل الحركة . وقد وجهت معظم أنشطة “المرأة الحرة” للنساء , لكنها واجهت الرجال الأناركيين في مناسبات عديدة , منفردين أو في ظل الحركة الأناركية المنظمة . و حاولت إجبار الرجال (و النساء!)  على الاعتراف بشرعية  و أهمية القضايا التي تهم المرأة بصفة خاصة . و أعطى وجود المنظمة الدليل على القوة الإستقلالية الكامنة في النساء . و تشير درجة المعارضة التي أثارتها “المرأة الحرة ” داخل الحركة الأناركية إلى أن بعض أعضاء الـ CNT قد أخذ هذه القوة المحتملة على مأخذ الجد . (45). و قد دعم برنامج “المراة الحرة” و خبراتها الإدعاء بأن صحة المنطق القائل بأن ممارسة العمل المباشر قد تتطلب “تجميع قوات” بصورة منفصلة و مؤقتة . و كما رأين فغن نساء “المرأة الحرة” لم يعرّفن أنفسهن على أنهن مجموعة من النساء اللاتي يناضلن ضد الرجال , و لكن بإعتبار بإعتبارها واحدة من جماعات كثيرة كامنة تشارك في ائتلاف واسع من أجل التغيير الإجتماعي . (46) .

إن التغيير الثوري يتطلب تحالفا بين الرجال و النساء . لكن ما لم يكن هناك مساواة بين المتحالفين فليس هناك من ضمان لعملية المساواة الثورية , أو لمجتمع العدالة و المساواة . كما أن الالتزام بالعمل المباشر لا يعني سوى ذلك . و قد بدأت الفيمينست المعاصرات في الولايات المتحدة بالإعتراف بقضايا الفوارق الطبقية و العرقية و الثقافية , و لذلك من الممكن ألا يكون هناك عمل من أجل الآخر حتى في سياق منظمة ثورية . كما يجب على النشاط الثوري الاعتراف التجارب الحياتية . و قد أعربت “المرأة الحرة” عن أملها في جعل الوحدة ممكنة . و إذ آمنوا بتفسيراتهن للتقاليد الأناركية , فقد أصررن على أن استراتيجية تحقيق هذه الوحدة تتطلّب الإعتراف بالتنوع .

تأليف : (مارثا أ. آكلزبرج) Martha A. Ackelsberg .

ملاحظات

1. See Colin Ward, Anarchy in Action (New York: Harper & Row, 1973), chaps. 2 and 4; also Daniel Guerin, Anarchism: From Theory to Practice, Introduction by Noam Chomsky, translated by Mary Klopper (New York: Monthly Review Press, 1970); and Peter Kropotkin, The Conquest of Bread (London: Chapman & Hall, 1913).
2. For a powerful contemporary example of the impact of such activity, see Wini Breines’ discussion of changing consciousness in the civil rights movement in the United States, “Personal Politics: The Roots of Women’s Liberation in the Civil Rights Movement and the New Left, by Sara Evans: A Review Essay,” Feminist Studies 5 (Fall 1979): 496-506.
3. A slightly different version of the following summary and analysis was originally developed in Kathryn Pyne Parsons and Martha A. Ackelsberg, “Anarchism and Feminism,” MS, 1978, Smith College, Northampton, Mass.
4. Matilde, interview with author, Barcelona, 16 Feb. 1979.
5. See, for example, the statement of the Zaragoza Congress of the Spanish movement of 1870, cited in Anselmo Lorenzo, El proletariado militante, 2 vols. (Toulouse: Editorial del Movimiento Libertario Español, CNT en Francia, 1947), 2: 17-18.
6. Mariano R. Vazquez, “Avance: Por la elevacibn de la mujer,” Solidaridad Obrera, 10 Oct. 1935, 4; see also Jose Alvarez Junco, La ideologia politica del anarquismo español, 1868-1910 (Madrid: Siglo Veintiuno Editores, 1976), 302 n. 73; and Kahos, “Mujeres, Emancipaos!” Acracia 2 (26 Nov. 1937): 4.
7. Federica Montseny, “Feminismo y humanismo,” La revista blanca 2 (1 Oct. 1924): 18-21; see also “Las mujeres y las elecciones inglesas,” ibid. 2 (15 Feb. 1924): 10-12.
8. Carmen Alcalde, La mujer en la Guerra civil española (Madrid: Editorial Cambio 16, n.d.), 176. See also Federica Montseny, “La mujer: problema del hombre,” in La revista blanca, 2, núm 89, February 1927; and Mary Nash, “Dos intelectuales anarquistas frente al problema de la mujer: Federica Montseny y Lucía Sanchez Saornil,” Convivium (Barcelona: Universidad de Barcelona, 1975), 74-86.
9. Igualdad Ocaña, interview with author, Hospitalet (Barcelona), 14 Feb. 1979.
10. Soledad Estorach, interview with author, Paris, 4 Jan. 1982.
11. Emma Goldman, “Woman Suffrage” (224) and “The Tragedy of Woman’s Emancipation” (211), both in Anarchism and Other Essays (New York: Dover Press, 1969).
12. Sheila Rowbotham, Women, Resistance, and Revolution (New York: Vintage Books, 1972), and Woman’s Consciousness, Man’s World (Hammondsworth, Middlesex, England: Pelican Books, 1973).
13. Ellen Carol DuBois, Feminism and Suffrage: The Emergence of an Independent Women’s Movement in America (Ithaca: Cornell University Press, 1978), 78-81, 164, 190-92, 201.
14. Suceso Portales, interview with author, Móstoles (Madrid), 29 June 1979. A similar story was reported with slight variations, by Mercedes Comaposada, Soledad Estorach, and others in interviews in Paris, January 1982. The analysis to follow relies heavily on interviews and conversations I have had with Spanish anarchist women who were engaged in these debates and activities at the time of the Civil War. The interviews were conducted in Spain and France during the spring of 1979, summer 1981, and winter of 1981-82.
15. Lucía Sanchez Saornil, “La cuestión femenina en nuestros medios, 5,” Solidaridad Obrera, 30 Oct. 1935, 2.
16. “‘Mujeres Libres’: La mujer ante el presente y futuro social,” in Sídero-metalurgía (Revista del sindicato de la Industria Sídero-metalúrgica de Barcelona) 5 (November 1937): 9.
17. Mary Nash, ed., “Mujeres Libres” España, 1936-39, Serie los libertarios (Barcelona: Tusquets editor, 1976), 21.
18. See, among others, Verena Stolcke, “Women’s Labours,” in Of Marriage and the Market, ed. Kate Young, Carol Wolkowitz, and Roslyn McCullagh (London: CSE Books, 1981); Jean Gardiner, “Political Economy of Domestic Labour in Capitalist Society,” in Dependence and Exploitation in Work and Marriage, ed. D.L. Barker and S. Allen (New York: Longman, 1976), 109-20; Sherry Ortner, “Is Female to Male as Nature is to Culture?” (67-88) and Michelle Zimbalist Rosaldo, “Women, Culture, and Society: A Theoretical Overview” (17-42), in Woman, Culture, and Society, ed. Michelle Zimbalist Rosaldo and Louise Lamphere (Stanford: Stanford University Press, 1974). For particular discussion of the impact of woman-only mothering, see Isaac Balbus, Marxism and Domination (Princeton: Princeton University Press, 1981); Nancy Chodorow, The Reproduction of Mothering: Psychoanalysis and the Sociology of Gender (Berkeley: University of California Press, 1978); Dorothy Dinnerstein, The Mermaid and the Minotaur: Sexual Arrangements and Human Malaise (New York: Harper & Row, 1976); and Adrienne Rich, Of Woman Born: Motherhood as Experience and Institution (New York: W.W. Nor-ton, 1976).
19. Amparo Poch y Gascón, “La autoridad en el amor y en la sociedad,” Solidaridad Obrera, 27 Sept. 1935, 1; see also her La vida sexual de la mujer, Cuadernos de cultura: Fisiologia e higiene, no. 4 (Valencia: 1932): 32.
20. Lucía Sanchez Saornil, “La cuestión femenina en nuestros medios, 4,” Solidaridad Obrera, 15 Oct. 1935, 2; for a contemporary parallel, see Rich.
21. For an example of an appeal, see Nash, “Mujeres Libres,” 186-87.
22. Poch y Gascón, La vida sexual, 10-26.
23. See Alcalde, 122-40; and Nash, “Mujeres Libres,” 76-78.
24. Nash, “Mujeres Libres,” 86, 96, 205-6.
25. See Alcalde, 142-43; “Estatutos de la Agrupación Mujeres Antifascistas,” Bernacalep, 26 May 1938 (document from Archivo de Servicios Documentales, Salamanca, Spain, Sección político-social de Madrid, Carpeta 159, Legajo 1520); and Mary Nash, “La mujer en las organisaciones de izquierda en España, 1931-1939” (Ph.D. diss., Universidad de Barcelona, 1977); chap. 9. Parallels with the experience of women in the United States, and elsewhere in Western Europe, during both the First and Second World Wars are, of course, evident. Similar experiences in the contemporary period have convinced many women of the necessity of separate organisations committed to women’s emancipation, which will not subordinate the needs of women to those of the men with whom they are, presumably engaged in joint struggle. See, for example, Margaret Cerrullo, “Autonomy and the Limits of Organisation: A Socialist-Feminist Response to Harry Boyte,” Socialist Review 9 (January-February 1979): 91-101; Sara Evans, Personal Politics: The Roots of Women’s Liberation in the Civil Rights Movement and the New Left (New York: Alfred A. Knopf, 1979); and Ellen Kay Trimberger, “Women in the Old and New Left: The Evolution of a Politics of Personal Life,” Feminist Studies 5 (Fall 1979): 432-50.
26. Cited in Alcalde, 154.
27. In this respect, Mujeres Libres’ position seems exactly to parallel the position of the anarchist movement with respect to the social revolution and the war more generally: the anarchists differed from the Communist party, for example, in insisting that social revolutionary gains need not await the end of the Civil War.
28. “Capacitation” is not, obviously, a normal English word. It does capture the sense of developing potential which is connoted by the Spanish capacitación. “Empowerment” is another possible translation.
29. Ilse, “La doble lucha de la mujer,” Mujeres Libres, 8 mes de la Revolución, cited in Nash, “The Debate over Feminism in the Spanish Anarchist Movement,” MS, Universidad de Barcelona, 1980.
30. Breines, 496-97, 504.
31. See, for example, Evans, on which Breines draws; also William Chafe, Women and Equality (New York: Oxford University Press, 1977); and Frances Fox Piven and Richard A. Cloward, Poor People’s Movements (New York: Vintage Books, 1979).
32. Estelle Freedman, “Separatism as Strategy: Female Institution Building and American Feminism, 1870-1930,” Feminist Studies 5 (Fall 1979): 514-15, 524-26.
33. For details on the early development of Mujeres Libres see Nash, “Mujeres Libres,” 12-16; Temma Kaplan, “Spanish Anarchism and Women’s Liberation,” Journal of Contemporary History 6 (1971): 101-10; and Kaplan, “Other Scenarios: Women and Spanish Anarchism,” in Becoming Visible: Women in European History, ed. Claudia R. Koonz and Renate Bridenthal (New York: Houghton Mifflin, 1977), 400-422.
34. Soledad Estorach, interview, Paris, 6 Jan. 1982. The word compañerita is the diminutive form of compañera, meaning “comrade,” or “companion.” In this context, it indicates an attitude of condescension on the part of the male.
35. Cited in Nash, “Mujeres Libres,” 101.
36. Azucena (Fernandez Saavedra) Barba, interview, Perpignan, France, 27 Dec. 1981.
37. Mercedes Comaposada, interview, Paris, 5 Jan. 1982.
38. Kathryn Pyne (Parsons) Addelson has found similar patterns, for example, in her study of a Chicago “marxist-leninist” organisation, Rising Up Angry. See also Evans; Trimberger; and Jane Alpert, Growing Up Underground (New York: Morrow, 1981).
39. The “libertarian movement” was another, more general, name for the anarcho-syndicalist movement. The term came into common usage only in 1937 and 38. The larger movement included within its ranks the CNT (the anarcho-syndicalist labour confederation), the FAI (the Iberian Anarchist Federation), and the FIJL (the youth organisation).
40. Nash, “Mujeres Libres,” 19.
41. On the issue of diversity within the contemporary women’s movement, see especially Audre Lorde, “Age, Race, Class, and Sex: Women Redefining Difference,” and “The Uses of Anger: Women Responding to Racism,” in Sister Outsider (Trumansburg, N.Y.: Crossing Press, 1984).
42. See Nash, Mujer y movimiento obrero en España, 1931-1939 (Barcelona: Editorial Fontamara, 1981), especially 99-106; and interviews with members of Mujeres Libres.
43. It should be noted that the Spanish anarchist movement had never been free of what might be termed “organisational fetishism.” The movement had often been split by controversy in earlier periods, and continues to be so today. A concern for “organisational loyalty,” then, was not unique to the opposition to Mujeres Libres. I wish to thank Paul Mattick, Molly Nolan, and other participants in the Study Group on Women in Advanced Industrial Societies of the Centre for European Studies, Harvard University, with whom I discussed these issues at a seminar on 9 May 1980.
44. Comaposada interview.
45. I am grateful to Donna Divine for clarifying this point for me.
46. Compare the debate over black power in the United States, especially Stokely Carmichael and Charles V. Hamilton, Black Power (New York: Random House, 1967); and Bayard Rustin, “Black Power and Coalition Politics,” Commentary 42 (September 1966): 35-40

http://anarchist-document.blogspot.fr/

” الفصل و التكافؤ ” – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة / 4

تحدي الحركة الأناركية

و أخيرا , و بالإضافة إلى تناول تجارب الحياة الخاصة بالمرأة , و توفير الإطار لوعي جديد بالذات , تحدّت “المرأة الحرة” التحيز ضد المرأة داخل المنظمات الأناركية . إذ نشأت كرد فعل لإدراك العضوات المؤسسات لعدم مبالاة الرجال داخل الحركة الأناركية للمشاكل التي تخص المرأة . (33) . بالإضافة لذلك فقد تحدّت “المرأة الحرة” المنظمات نفسها لأخذ عضواتهن من النساء على محمل الجد . أو كما أشارت إحدى الناشطات : ” إن الرجال أيضا قد لاحظوا أنه لم تكن هناك الكثير من النساء الناشطات . غير أن ذلك لم يزعجهم كثيرا . بل في الواقع إن كثيرا منهم كان سعيدا أن تكون رفيقته compañerita لا تعرف بقدر ما يعرف هو . و قد أزعجني ذلك كثيرا . و عمليا لقد تحولت إلى فيمينست متحمسة !! “. (34) . و كانت معارضة آخريات للتمييز , الذي مارسه الـ CNT على أساس الجنس , أقوى . ” هؤلاء القادمون من عهد سكان الكهوف و المتخفون في صورة أناركيين , هؤلاء الجبناء المسلحين جيدا , و الذين يطعنون من الخلف , هؤلاء “الشجعان” الذين يرفعون أصواتهم و يتعدّون بإيماءاتهم على النساء , يكشفون عن ألوانهم الفاشية الحقيقية , و هؤلاء يجب فضحهم “. (35)

و على الرغم من أن العديد من الرجال الأناركيين ربما قد تعهدوا بالمساواة بين الجنسين – و في بمجتمع قائم على المساواة في نهاية المطاف – إلا أن كثيرا من تعهداتهم كانت تنتهي عند مداخل النقابات أو عتبات البيوت . تنتقد إحدى النساء اللاتي ولدن و نشأن في بيوت أناركية هذا الأمر فتقول :” عندما كانت الأمور تصل إلى المنزل , لم نكن افضل من أي شخص آخر . . كان هناك الكثير من الكلام عن تحرير المرأة و الحب الحر و كل هذه الأمور . و تحدث الرجال من على المنصات حول هذا الموضوع , لكن في الواقع , تبنى عدد قليل جدا جدا نضال المرأة بإعتباره قضيته الخاصة في الممارسة العملية . . . . في بيوتهم نسوا كل شيء عن هذا الموضوع ” .(36).

تروي إحدى العضوات المؤسسات ل “المرأة الحرة” أنه في عام 1936 ، كانت قد سؤلت لحضور اجتماع في واحد من مكاتب الـ  CNT . و قد أراد منها النقابيين المحليين تدريس كورسات مصغرة و المساعدة في “تحضير” العمال. “لكن هذا كان ضربا من المستحيل بسبب موقف بعض الرفاق، الين لا يأخذون النساء على محمل الجد. ظنوا أن ما جميع النساء في حاجة للقيام به هو الطهي و الخياطة… كلا. كان الأمر مستحيلا. و قلما جرؤت النساء على الكلام في هذا السياق “. (37). إذا لم تنتهي هذه الممارسات — و يبدأ الرجال الأناركيون في أخذ النساء و قضاياهن على محمل الجد — فلا أمل في نجاح أي استراتيجية أو برنامج أناركي، و لاسيما في جذب النساء. كانت هذه إحدى المجالات التي تبدو فيها ممارسة الحركة “غير متزامنة” مع نظريتها.

و كانت الحركة الأناركية السينديكالية الإسبانية تراعي , على سبيل المثال , الحاجة لـ “إعداد” الناس للمشاركة في النشاط الثوري . لكن في حالة المرأة كان هذا المنظور غالبا ما يُنسى . و كثيرا ما تم تجاهل النساء اللاتي حضرن النقاشات أو حلقات الدراسة . و في الواقع كانت السخرية هي الخبرة الشائعة التي حدت بعدد من النساء لتأسيس “المرأة الحرة” في المقام الأول . و من الممكن أن يكون التعليم غير النظامي أداة قوية جدا لتنمية الثقة بالنفس , لكن فقط عندما يُعامل المنخرطون في هذه العملية بإحترام . و في حالة فشل هذا الشرط تتحول تجمعات التعليم غير النظامي لساحة أخرى لممارسة المزيد من قمع النساء .

أنشئت “المرأة الحرة” كم قبل عدد من النساء اللاتي علمتهن التجربة أن هذه المراعات غير متوقعة قبل الحركة الأناركية المنظمة . و كان السبيل الوحيد لضمان أن تؤخذ النساء على محمل الجد هو تأسيس منظمة مستقلة يمكنها أن تتحدى تلك المواقف و السلوك , من موقف قوة . .و قد تكررت هذه التجارب و وثّقت من قبل نساء الحركات الثورية وصولا إلى يومنا هذا . و من المؤكد أن هذه المشكلة لا تقتصر على المجتمع الإسباني . و أنها قد تكون أكثر حدة في تلك التنظيمات التي تدّعي التمسك بـ “خط الحزب” . و في هذه الحالة الأخيرة غالبا ما تتفاقم التراتبية الذكورية على الإناث بسبب التسلسل الهرمي الذي تفرضه “المعرفة” الأيديولوجية . (38) .

و كان تحدي “المرأة الحرة” للحركة الأناركية تنظيميا بمعنى آخر . ففي أكتوبر 1938 , طالبت “المرأة الحرة” بالإعتراف بها كفرع مستقل للحركة التحررية . مكافئة لتنظيمات مثل FAI و FIJL .(39) و كان رد فعل الحركة معقدا . تذكر (ماري ناش ) Mary Nash , أن إقتراح النساء قد رفض على أساس أن منظمة خاصة للنساء ستضخ عنصرا من الشقاق و عدم المساواة داخل الحركة التحررية , و ستكون له عواقب سلبية على اهتمامات الطبقة العاملة . (40) . و يجب أن يكون التوازي , بين تجارب النساء في حركة الإقتراع في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة , و الحركات السياسية المعاصرة , واضحا . و من الضروري أيضا ملاحظة التوازيات المؤلمة التى تعامل بها المرأة السوداء و نساء العالم الثالث و أعضاء الجماعات ذات الإحتياجات الخاصة . و كثيرا ما تم التعامل مع مشكلات كهذه داخل الحركة النسائية المعاصرة . (41) .

و قد حيرت هذه الاستجابة نساء “المرأة الحرة” . إذ رأين في منظمتهن مماثلا لتنظيم الشباب التحرري FIJL . و توقعن أن يتم الترحيب بأذرع مفتوحة . ولم يتفهمن أبدا لماذا تقبل حركة منظمة مستقلة في حالة و ترفض في أخرى . و كان رفض الاعتراف بـ “المرأة الحرة” – و الذي كان له تأثير في منع عضوات “المرأة الحرة” من الحضور على الرغم من حضورهن كعضوات في اتحادات الـ CNT – قد أكد التصور المبدئي لضرورة وجود تنظيم مستقل لمواجهة مثل هذه القضايا على أساس مستمر . (42)

على أن تحليلنا يمكن أن يقدم تفسيرا إضافيا . إذ أن الإدعاء بان منظمة مكرسة خصيصا لتلبية إحتياجات النساء غير ملائمة للحركة الأناركية يتناقض مع التزام الحركة الواضح بالعمل المباشر . و على وجه التحديد فإنه ينفى سياسة أن يستلهم التنظيم تجارب الفرد الحياتية و احتياجاته المتصورة . و إذا كانت التنظيمات مبنية على أساس من تجارب الناس الحياتية فإن لنا أن نتوقع أن التجارب المختلفة ستؤدي إلى منظمات مستقلة . كان قادة الحركة على استعداد لقبول هذا الاستنتاج عندما تعلق الأمر بالشباب , و قد دعموا بالفعل منظمة مستقلة للشباب . لكنهم كانوا غير مستعدين للقيام في حالة المرأة . لماذا ؟

الفرق الجوهري بين الحالتين كان مركزشاط التنظيم و ليس طبيعة أعضاءه . فعل الرغم من أن الـ FIJL قد كرست نفسها للشباب فقط إلا أن مشروعها كان هو المشروع الأناركي ذاته , على المديين القريب و البعيد , أما “المرأة الحرة” فكانت , كتنظيم مستقل للنساء , مختلفة . ليس فقط في كونها تكرّس نفسها على وجه التحديد للنساء , و لكن لأهافها المنفصلة المستقلة . كانت تحديا لهيمنة الذكور داخل الحركة الأناركية , على الأقل في المدى القريب , لخلخلة بنية و ممارسات المنظمات الأناركية القائمة . (43) .

فعلى سبيل المثال , في سنة 1937 ذهبت (مرسيدس كومابوسادا) Mercedes Comaposada زعيمة “المرأة الحرة” بصحبة (لوشيا سانشيز ساورنيل) Lucía Sanchez Saornil الأمينة الوطنية للتنظيم إلى (ماريانيت = ملريانو فيزكيز) Mariano Vazquez الأمين الوطني لـ CNT و القائد المؤثر في الحركة التحررية , لمناقشة الاعتراف بـ “المرأة الحرة” كمنظمة مستقلة في إطار الحركة . و بنص كلماتها : ” أوضحنا مرارا و تكرارا ما كنا نفعله : و أننا لا نسعى لسحب النساء بعيدا عن الـ CNT , بل في الحقيقة نحاول أن نخلق وضع يمكن من خلاله التعامل مع القضايا الخاصة بالنساء . بحيث يصبحن ناشطات فاعلات في الحركة التحررية . ” لكن في نهاية المطاف , فإن المشروع قد شكل تهديدا كبيرا . كما تتذكر من المناقشة .

و في النهاية قال ” حسنا , يمكنكن الحصول على كل ما تردن – بل و الملايين من البيزيتات من أجل التنظيم و التعليم إلخ – لأن خزينتنا ممتلئة , على شرط واحد , هو أن تعملن أيضا على القضايا التي تهمنا وليس فقط قضايا الاهتمام النسائي. ” عند هذا الحد هبّت (لوشيا) واقفة لتقول :” كلا , لأن هذا من شأنه أن يعيدنا مرة أخرى لنفس الوضع الذي بدأنا منه – السبب الذي من أجله بدأنا في إنشاء هذه المنظمة . الاستقلال أساسي , و إذا لم يسمحوا لنا به فسنفقد الهدف الأساسي للمنظمة ” .(44).

http://anarchist-document.blogspot.fr

” الفصل و التكافؤ ” – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة / 2

الإنتباه إلى حياة النساء

حددت المنظمة مصادر ثلاثة نختلفة لتبعية المرأة , الجهل (الأمية) و الاستغلال الإقتصادي و التبعية للرجل داخل الأسرة . و على الرغم من أن التصريحات الرسمية لم تحدد الأولويات بين هذه العوامل , إلا أن معظم أنشطة المنظمة قد تركزت حول الجهل و الإستغلال الإقتصادي . و قد أوضحت (لوشيا سانشيز ساورنيل) Lucía Sanchez Saornil , مؤسسة “المرأة الحرة” في مقالاتها حول “قضية المرأة” المنشورة بجريدة “تضامن العمال” Solidaridad Obrera  في 1935 . تقول : ” أعتقد و بكل تأكيد , أن الحل الوحيد لمشاكل المرأة المتعلقة بالجنس تكمن في العثور على حل للمشكلة الإقتصادية . الحل يكمن في الثورة . إذ أن أي شيء آخر لن يكون سوى مواصلة نفس الإستعباد تحت اسم جديد . ” (15)

و برمجيا , ركزت المنظمة معظم اهتمامها على الجهل , الذي اعتقدت انه قد ساهم في تبعية المرأة في كل مجالات الحياة . و هكذا شنت “المرأة الحرة” حملة مكثفة لمحو الأمية لتوفير الأساس اللازم لـ “تحضير” enculturation النساء . إذ أن التعليم سيمكن النساء من فهم مجتمعهن و موقعهن فيه على نحو افضل , و من النضال من أجل تحسينه . (16) . و تم تنظيم ثلاث مستويات من الفصول , المستوى الأول لأولئك الأميات اللواتي لا يقرأن و لا يكتبن , و المستوى الثاني لأولئك اللاتي يستطعن القراءة و الكتابة قليلا , و المستوى الثالث لمن تستطيع القراءة و الكتابة جيدا لكن تريد الزج بنفسها في قضايا أكثر تعقيدا . . و لم تساو “المرأة الجديدة” بين الأمية و بين عدم فهم الواقع الإجتماعي , بل أصرت على أن الحرج من تخلفهن الثقافي هو ما يمنع الكثير من النساء من المشاركة الفعالة في النضال من أجل التغيير الثوري . و قد اصبح الإلمام بالقراءة و الكتابة أداة لتطوير الثقة بالنفس و لتيسير المشاركة الكاملة في المجتمع و التغيير الإجتماعي .

و للتصدي لجذور التبعية في الاعتماد الإقتصادي , وضعت “المرأة الحرة” برنامج عمل شامل مع التركيز على التعليم . و قد أصر المنظمون أن اعتماد المرأة قد نتج عن التفرقة المبنية على الجنس في العمل مما هبط بمستوى النساء إلى وظائف أدنى أجرا في ظل أقسى الظروف القمعية . و قد رحبت “المرأة الحرة” بحرب المرأة المتصل خارج البيت للولوج إلى قوة العمل المأجور بما يفوق الترتيبات المؤقتة , و أعربت عن أملها في أن إدماج المرأة في قوة العمل سيكون على نحو دائم . مما سيساهم في استقلالها الإقتصادي . (17) .

و قد تناول برنامج العمل الخاص بـ “المرأة الحرة” المشاكل التي تواجه نساء الطبقة العاملة , و محاولة إعدادهم ليتبوأن مكانهن على قدم المساواة في الإنتاج . و قد عملت بشكل وثيق مع اتحادات الـ CNT و شاركت في رعاية و تنظيم الدعم و التدريب , و برامج التدريب المهني لدفع النساء إلى الدخول إلى القوة العاملة المأجورة . و في المناطق الريفية رعت “المرأة الحرة” برامج تدريب زراعية . كما أنشأت “المرأة الحرة” و أعدت و دعمت مرافق رعاية الأطفال , سواء في المصانع أو الأحياء السكنية . لتسمح للنساء بالوقت الكافي للعمل . كما حاربت “المرأة الحرة” من أجل تكافؤ الرواتب بين الرجال و النساء .

و مع ذلك , فقد وجهت “المرأة الحرة” القليل جدا من الاهتمام لتقسيم العمل على أساس الجنس , و لا إلى استكشاف الآثار المترتبة على المساواة بين الجنسين على الصورة النمطية للعمل , إذ تعتبر بعض الأعمال حصرا على النساء و بعضها الآخر حصرا على الرجال . و قد تطرقت الكثير من دراسات الفيمينيست حديثا إلى العلاقة بين الولادة و الزواج الأحادي و تربية الأطفال و تقسيم المشاركة في العمل , و أشارت إلى الآثار المترتبة على هذه العلاقات في خضوع المرأة . (18) . على أنه لا “المرأة الحرة” و لا أية منظمة نسوية إسبانية أخرى في ذلك الوقت , قد شككت في أن المسئولية الرئيسية عن تربية الاطفال و الأعمال المنزلية ستبقى مسئولية النساء .

و الحق أن منهج “المرأة الحرة” , تجاه تبعية النساء الثقافية للرجال الذين يسيطرون على المجتمع , كان غامضا . و قد جادلت بعض العضوات بأن الأخلاق البورجوازية تعامل المرأة باعتبارها ملكية خاصة . و قد انتقدت (أمبارو بوتش يي جاسكون) Amparo Poch y Gascón , إحدى العضوات المؤسسات لـ “المرأة الحرة” , الزواج الاحادي و إفتراض إمكانية أن يكون الزواج من الناحية العملية تعاقدا دائما . و أكدت على أنه لا يترتب على الزواج و لا على الأسرة نفي احتمالية “الزراعة” خارجه (19) . و قد اختلفت غالبية النساء في “المرأة الحرة” على الأرجح مع رفضها للزواج الأحادي . لكن المنظمة انتقدت الأشكال المتطرفة من السيطرة الذكورية على العائلة . فعلى سبيل المثال , رفضت (لوشيا سانشيز ساورنيل) Lucía Sanchez Saornil تعريف المجتمع لمرأة بكونها أما فقط , و جادلت بأن هذا التعريف قد ساهم في استمرار تبعية المرأة , تقول : ” إن مفهوم الأم قد استوعب مفهوم المرأة . و هذه الوظيفة قد بددت تفردها .” (20)

على أن العضوات كن أكثر استعدادا للموافقة على مظاهر خضوع المرأة الثقافية الأخرى . و قد عبرت الدعارة في رأيهن عن الصلة بين التبعية الإقتصادية و التبعية الجنسية . التبعيتان اللتان أدتا إلى انحطاط كلا من النساء اللواتي انخرطن فيها , و للنشاط الجنسي بشكل عام . بصورة مثالية , لا ينبغي لممارسة الجنس أن تعد سلعة , و من حق كل رجل و امرأة أن يمارس حياته الجنسية بشكل كامل و بحرية . و قد أدى بهم هذا التحليل إلى واحدة من أكثر الفكار ابتكارا , خطة – لم تنفذ فعليا على أرض الواقع نظرا للقيود التي تفرضها ظروف الحرب – لإعداد liberatorios de prostitución . . مراكز تدعم البغايا السابقات إذ يسترجعن أنفسهن من أجل حياة أفضل . و كان الأمل في أن الثورة الإشتراكية سوف تحدث تغييرا جذريا في طبيعة العمل المأجور بما في ذلك عمل المصنع , يستند إلى فرضية أن العمل المنتج أقل مهانة من الاتجار بالجنس . و قد ناشدت المنظمة الرجال الأناركيين بعدم مناصرة البغايا . و أشارت إلى أن القيام بذلك يكرّس لإستمرار أنماط من الإستغلال كانوا , على ما يفترض , ملتزمين بالتغلب عليها . (21)

كما ركزت “المرأة الحرة” على الرعاية الصحية . فدربت الممرضات للعمل في المستشفيات و ليحلوا محل الراهبات اللاتي احتكرن سابقا الرعاية التمريضية . كما شنت حملة تثقيف واسعة و برامج نظافة في مستشفيات النساء . و خصوصا في (برشلونة) . و حاولت التغلب على جهل النساء بأجسادهن و برعاية و تنشئة الأطفال . و بصورة عامة حاولت “المرأة الحرة” التغلب على جهل النساء بالنشاط الجنسي , ة هو الجهل الذي نظر إليه على أنه أحد أسباب تبعية المرأة المؤسسة على الجنس . و على سبيل المثال , فقد أشارت (أمبارو بوتش يي جاسكون) Amparo Poch y Gascón إلى أن جهل النساء بوظائف الجسد و بطرق منع الحمل من العوامل التي تساهم في صعوبات المرأة المفترضة في استكشاف المتع الجسدية . و قد قرنت نداءها بمزيد من الانفتاح في هذا المجال مع إدعائها بأن الكبت الجنسي للنساء قد ساهم في الحفاظ على الهيمنة الذكورية .

و قد وضعت “المرأة الحرة” برامج تعليمية موسعة للتغلب على التبعية الثقافية , شملت الأطفال و النساء البالغات . و تضمنت دورات تربية الطفال للأمهات لتمكينهن من إعداد أبنائهن بصورة أفضل للحياة في مجتمع تحرري . و قد طورت أشكال جديدة من التعليم للأطفال , بهدف تحدي القيم البورجوازية و الأبوية , و إعداد الأطفال لتطوير رأي نقدي خاص بهم . و أخيرا فقد ساهمت المنظمة في تطوير نواة جديدة من المعلمين و المناهج و الهياكل التعليمية غير الهرمية .

و عى الرغم من وضوح افتجاه العام لهذه البرامج , فإن برامج “المرأة الحرة” قد عكست التناقض حول دور المرأة في المجتمع و دورها في النضال الثوري . و على الرغم من الإصرار على أن تبعية المرأة مشكلة يمكن معالجتها بفعالية أكبر من قبل النساء و على الرغم من استحقاقها الشرعية و الاعتراف داخل الحركة الأناركية نفسها , فإن “المرأة الحرة” قدمت نفسها في بعض الأحيان بوصفها منظمة دعم . (23) . و كان هناك تناقض أيضا في تحدي الأدوار التقليدية للأسرة . فقد كانت بعض نداءات الحث على العمل و الاستفادة من مرافق الرعاية النهارية للأطفال التي أقيمت في المصانع تشير إلى أن هذه “التضحية” من الواجب أن تكون مؤقتة . (24) .

و مع ذلك , فقد كانت اختلفت دعاية “المرأة الحرة” عن غيرها من المنظمات النسوية في إسبانيا في ذلك الوقت . و التي كانت في معظمها مجرد امتدادات نسوية لمنظمات حزبية مختلفة . و اقتصرت أدوارها على أن شجعت النساء على الإضطلاع بادوار الدعم التقليدية , و زينت لهن العمل في المصانع حتى يعود الرجال . (25) . و على النقيض من ذلك فإن “المرأة الحرة” كما كتبت ذات مرة تذكّر القراء : ” في خضم كل التضحيات , و مع الإرادة و المثابرة , فإننا نعمل لنجد أنفسنا , و نضع أنفسنا في الجو الذي حتى يومنا هذا قد انتفى علينا . . جو العمل الإجتماعي . (26) . و قد واصلت “المرأة الححرة” الجدال بأن تحرير المرأة لا يحتاج انتظار حتى تنتهي الحرب , و أن بإمكان النساء مساعدة أنفسهن و المساعدة في جهود الحرب من خلال الإصرار على المساواة و المشاركة الكاملة قدر افمكان في الصراع الدائر . (27)

و قد شنت “المرأة الحرة” هجماتها على الأمية و التبعية الإقتصادية و الإستغلال الثقافي – الجنسي , و حتى في سياق الحرب . و حدد برنامجها مصادر تبعية المرأة في المجتمع الأسباني . و حسب وجهة نظر المنظمة , كان التحدي المباشر لهذه المشاكل هو ما سيسمح للنساء بالتغلب على هذه التبعية , و على المشاركة الكاملة في الحركة اللإشتراكية الثورية . و أن تنظيما من النساء و لأجل النساء هو وحده , بما لديه من اهتمام و مصلحة و قدرة , القادر على الإضطلاع بمثل هذا التحدي .

http://anarchist-document.blogspot.com/

الفصل و التكافؤ ” – المرأة الحرة (موخيريس ليبريس) و الإستراتيجية الأناركية لتحرير المرأة / 1

تاريخ (موخيريس ليبريس) و هي منظمة نسائية أناركية تأسست في إسبانيا – مايو 1936 و تهدف لوضع نهاية لثلاثية استعباد المرأة . . الجهل – رأس المال – التبعية للرجال

أدى إصرار الأناركية , على أن تطور الحركات الثورية لا يمكن أن يتم على نحو فعال إلا إذا نبعت من واقع حياة الناس , إلى استنتاج منطقي مفاده أن الحركة الثورية الحقيقية يجب أن تكيف نفسها مع الاختلاف . كما يجب أن تعكس تفهما للتجارب الحياتية لأولئك الذين يشاركون فيها , كخطوة أولى لإشراكهم في العملية الثورية . كانت هذه الحاجة , للتكيف و التفهم , ماسة بشكل خاص , و كانت القضايا الإستراتيجية معقدة بشكل خاص بخصوص وضع المرأة , و التي كانت تجارب حياتها اليومية , في كثير من المجتمعات , و لا تزال , مختلفة عن تجارب الرجال .

صاغ الأناركيون الأسبان , رجالا و نساءا , في السنوات الأولى من القرن العشرين , رؤية غير هرمية , شيوعية لمجتمع تقف فيه المرأة مع الرجل على قدم المساواة . على أنه في مجتمع ما قبل الحرب الأهلية , كانت معظم النساء أبعد ما يكن عن الإستعداد للمشاركة على قدم المساواة مع الرجال في النضال من أجل تحقيق هذه الرؤية . و على الرغم من أن الحركة الأناركية النقابية Confederación National del Trabajo – CNT قد كرست نفسها في الأساس من أجل نضال العمال , إلا أن غالبية النساء الإسبانيات لم ينتظمن بالعمل في المصانع , بل عمل معظم من انخرط في عمل منهن مقابل أجر في منازلهن , عملا مأجورا بالقطعة . و واصلت النساء العاملات من ذوات الأسر القيام بـ ” واجب مزدوج ” كربات بيوت و أمهات . و قد أبقت أشكال معينة من اضطهاد النساء في إسبانيا المرأة تابعة للرجل حتى في سياق الحركة الأناركية الثورية .

و إذ كان على المرأة المشاركة بنشاط في النضال الثوري الاشتراكي , فقد احتاجت ” إعدادات ” خاصة , و إهتماما خاصا لواقع تبعيتها و تجاربها الحياتية الخاصة . و في مايو 1936 أسست مجموعة من النساء الأناركيات منظمة ” المرأة الحرة ” Mujeres Libres , أول منظمة نسائية بروليتارية مستقلة في إسبانيا . و كان هدفها وضع حد لثلاثية استعباد المرأة : الجهل و رأس المال و التبعية للرجال . و في حين أن بعض العضوات المؤسسات كن من النساء المحترفات أو شبه المحترفات , فإن الغالبية العظمى من العضوات – و اللاتي بلغ عددهم عشرين ألفا بحلول تموز 1937 – كن من نساء الطبقة العاملة . و هدفن إلى التغلب على الجهل و قلة الخبرة اللذين وقفا عائقا أمام المشاركة الفعالة للمرأة على قدم المساواة مع الرجل من أجل بناء مجتمع أفضل من ناحية , و من ناحية أخرى من أجل التصدي لهيمنة الرجل على الحركة الأناركية نفسها .

و قد عارض التيار الأناركي الفصل النضالي و الفصل التنظيمي الذي انتهجته منظمة ” المرأة الحرة ” على أساس الإلتزام بالعمل المباشر و المساواة . لكن ” المرأة الحرة ” دعت إلى فصل النضال على أساس تفسير مختلف لهذا الالتزام نفسه . و كانت الصعوبات التي واجهتها هي تسليط الضوء على إشكالية دور المرأة في الحركات الثورية و تعقيدات الإعتبار الكامل لتجارب المرأة في عملية تصور و خلق المجتمع الجديد .

التزم الأناركيون بالمساواة . و قد عنت المساواة أن لا يؤخذ بتجارب مجموعة بعينها أساسا عياريا للجميع ,و أنه في مجتمع قائم على المساواة التامة فإنه لا يمكن أن توجد مؤسسات يستطيع من خلالها بعض الأفراد ممارسة سلطة سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية على الآخرين . و يحقق مثل هذا المجتمع التنسيق من خلال ما سماه أحد الكتاب المعاصرين بـ ” النظام التلقائي ” . حيث يجتمع الناس معا طوعا لتلبية إحتياجات محددة متبادلة , و تنسّق الأنشطة الواسعة النطاق من خلال الفيدرالية (1) .

هذا المنظور المناهض للتراتبية له عواقب هامة بالنسبة لإستراتيجية ثورية . و قد جادل الأناركيون بأن النشاط الثوري و التنظيمي يجب أن يبدأ من واقع حياة الناس . و أن العملية نفسها يجب أن تكون تحولية . و  أن الإلتزام بالمساواة في هذا السياق يعني أن تجارب مختلف المجموعات صالحة بالتساوي أن تكون نقطة انطلاق لنشاط ثوري و تنظيمي .

بالإضافة إلى هذه أصر الأناركيون أن الغاية لا يمكن فصلها عن الوسيلة , و أن الناس لن تتعلم العيش في مجتمع غير هرمي إلا من خلال الإنخراط في الأشكال غير الهرمية من النشاط الثوري . و في مقابل الإدعاء بأن التسلسل الهرمي أساسي للنظام , و بخاصة في الحالة الثورية , جادل الأناركيون بأن التنسيق يمكن أن يتحقق من خلال ” حملات دعائية عن طريق الأفعال ” أي جمع أتباع من قبل سلطة  المثال الإيجابي الذي يضربه . (2) . أو ” التنظيم العفوي ” الذي يعني تحديد أهداف و وسائل التنظيم من قبل الناس الذين يكونونه . (3).

و أخيرا , فقد أدرك الأناركيون أن الناس الذين تحرمهم ظروف الحياة من السيطرة و تضعهم في مواقع التبعية لا يمكنهم التحول بسهولة إلى أناس واثقين بأنفسهم قادرين على التسيير الذاتي . و أن ” تحضيرا ” واسع النطاق هو جزء أساسي من عملية التحول الشخصي , الذي هو بدوره جانب من جوانب المشروع الثوري الإجتماعي . و مثل هذا ” التحضير ” إذا لم يتخذ يكن ليتخذ شكلا هرميا تراتبيا , يمكن أن يتم من خلال تجربة الفرد في أشكال جديدة و مختلفة من التنظيم الإجتماعي . و قد حاولت الحركة الناركية الأسبانية إتاحة الفرصة لتجارب من هذا القبيل . من خلال المشاركة المباشرة في الفعاليات و الإضرابات . و من خلال المعرفة المكتسبة في البيئات التعليمية غير الرسمية , يتأهل الناس لمزيد من التحولات الثورية . لكن لكي تكون فعالة , فإن هذه ” التحضيرات ” يجب أن تستجيب لخبرات الناس الذين يتصدون لها .

و قد شكلت النساء مجموعة خاصة ذات احتياجات خاصة , في الحرب الأهلية الإسبانية . و كانت تبعيتهن الإقتصادية و الثقافية أكثر وضوحا من تبعية الرجال . و كانت معدلات الأمية بين النساء أعلى من مثيلاتها بين الرجال . و حصلت أولئك النساء اللاتي عملن بأجر على أجور أقل و عملن في ظروف أكثر قمعا من مثيلاتها بالنسبة للرجال . و في شهادة إحدى النساء على هذا الوضع قالت : أتذكر بوضوح تام كيف كانت الأمور عندما كنت لا أزال طفلة . . كان الرجال يشعرون بالخجل من أن يروا في الشارع بصحبة النساء . . و كان الرجال و النساء يعيشون حياة منفصلة تماما . . و قد حافظ كل جنس على مجتمعه الخاص لنفسه حصريا !! . (4)

و رغم أن هذه الاختلافات ينبغي أن تقدم دليلا صارخا على ضرورة وجود منظمة ثورية لمواجهة التبعية التي تعانيها النساء , رفض التيار الرئيسي للحركة الأناركية الاعتراف بخصوصية اضطهاد النساء أو شرعية النضال المنفصل للتغلب عليه . فقط “المرأة الحرة” هي من ربطت باتساق بين اعترافها بخصوصية تجربة المرأة و بين معالجتها لها .

و على الرغم من الالتزام ببناء مجتمع قائم على المساواة , تميز موقف الحركة الأناركية الأسبانية من قضية تبعية المرأة بالتعقيد . و جادل البعض بأن تبعية المرأة نابعة من تقسيم العمل حسب الجنس , و من “تدجين” النساء , و ما يترتب على ما يترتب على ذلك من الاستبعاد من قوة العمل المأجور . (5) . و للتغلب على ذلك كان على النساء الانضمام لقوة العمل كبقية العمال جنبا إلى جنب مع الرجال , و النضال من خلال الاتحادات العمالية لتحسين وضع جميع العمال . بينما أصر آخرون على أن تبعية المرأة كانت نتيجة ظاهرة ثقافية واسعة , و أن انخفاض شأن المرأة هو انعكاس لنشاط مؤسسات مثل العائلة و الكنيسة , و أن هذا الوضع سينتهي مع القضاء على هذه المؤسسات عندما يقوم المجتمع الأناركي .

و كانت قضية تبعية المرأة , في أحسن الأحوال , مصدر إزعاج بالنسبة للحركة أناركية ككل . فقد رفض معظم الأناركيون الإعتراف بخصوصية تبعية المرأة . و كان عدد قليل من الرجال مستعدا للتخلي عن السلطة على النساء , و التي تمتعوا بها طويلا . و كما كتب الأمين الوطني لـ CNT في 1935 ردا على سلسلة من المقالات حول تبعية المرأة : “نحن نعلم أن إعطاء الأوامر أكثر متعة من طاعتها , و أن هذا هو الأمر الواقع بين الرجال و النساء , و أنه مما يشعر الرجل بالرضا أن يكون له خادما يعد طعامه و يغسل ثيابه , هذا هو الواقع , و في مواجهة هذا الواقع فأن نطلب من الرجال التخلي عن “امتيازاتهم” هو نوع من الأحلام” .

و قد نفى البعض – و الذين يمثلون الأغلبية داخل الحركة – أن المرأة مضطهدة بطريقة تحتاج إلى اهتمام خاص . فعلى سبيل المثال , اعترفت (فيدريكو مونتسيني) Federico Montseny و الذي صارت فيما بعد وزيرة للصحة في حكومة الجمهوريين أثناء الحرب , بأن “تحرير المرأة مشكلة خطيرة في الوقت الراهن “. و أصرت على أن الهدف ليس وصول النساء للمواقع التي يشغلها الرجال , و لكن إعادة هيكلة المجتمع التي ستحرر الجميع . ليس إنتصارا لـ الفيمينيزم . بل إنتصارا للإنسانية !! . (7) . و إلى الحد الذي أدركت فيه وجود قهر ضد النساء , فإنها قد فهمت هذا القهر على تأسيس من الفردية . و جادلت بأن جذور أية مشكلة بين الرجل و المرأة إنما تكمن في “تخلف” المرأة من ناحية و من مقاومة الرجل للتغيير . و أن هذه المشاكل لا يمكن حلها من خلال النضال عبر التنظيمات .

على أن أقلية صغيرة داخل الحركة الأناركية قد اعترفت بأن المرأة تواجه مشكلة تبعية بسبب جنسهن , و أن هذه المشكلة تتطلب اهتماما خاصا . لكن العديد منهم قد أصر على أن الكفاح من أجل التغلب على هذه التبعية , سواء في المجتمع ككل أو داخل الحركة الناركية , لا يجب أن يجري في منظمات منفصلة . و قد ذكرت أحدى النشطاء : “نحن منخرطون في العمل لخلق مجتمع جديد , و يجب أن يتم هذا العمل في انسجام تام . و ينبغى أن نشارك في النضالات النقابية جنبا إلى جنب مع الرجال . أن نقاتل من أجل موطيء قدم لنا . و أن نؤخذ على محمل الجد” . (9) . و قد وجدوا في المنظور الأناركي للتغيير الإجتماعي داعما لموقفهم , و لاسيما من خلال التركيز على وحدة الوسائل و الغايات .

و قد جادل أولئك الذين عارضوا قيام التنظيمات النسائية المستقلة بأن الأناركية لا تتنافى فقط مع أشكال التنظيم الهرمي , و لكن أيضا مع أي تنظيم مستقل يمكن أن يقوض وحدة الحركة . و في حالتنا هذه , فإن هدف الحركة الأناركية هو خلق مجتمع قائم على المساواة , تقف فيه المرأة و الرجل على قدم المساواة , و إن النضال لتحقيق هذه الغاية يتطلب إشراك الرجال و النساء معا كشركاء على قدم المساواة . و قد خشي هؤلاء الأناركيون أن منظمة تكرّس خصيصا لإنهاء تبعية المرأة و تؤكد على أوجه الإختلافات بين الرجل و المرأة بدلا من أوجه التشابه بينهما ستجعل من الصعب تحقيق الغاية الثورية النهائية في المساواة . و إن الاستراتيجية المبنية على تنظيمات تستند إلى التجارب الحياتية لا تمتد إلى حد تبرير منظمة مستقلة موجهة لإحتياجات المرأة .

و بإختصار , فإنه على الرغم من أن بعض المجموعات داخل الحركة الأناركية قد اعترفت بالقمع الذي يمارسه الرجال ضد النساء و بالتمييز على أساس الجنس داخل الحركة نفسها , فإن التيار الرئيسي للحركة لم يول إلا أقل اهتمام للقضايا التي تهم المرأة , و نفى أي شرعية عن المنظمات المستقلة المكرسة للتعامل مع مثل هذه القضايا . أما النساء اللواتي أصررن على خصوصية وضع المرأة و قهرها , و على ضرورة فصل النضال للتغلب على هذه الخصوصية , فقد أنشأن منظمتهن الخاصة : “المرأة الحرة” Mujeres Libres .

و يمكن تتبع السوابق المباشرة لمنظمة “المرأة الحرة” وراءا , على الأقل إلى 1934 . عندما بدأت جماعات صغيرة من النساء الأناركيات في كل من (مدريد) و (برشلونة) و بشكل مستقل عن بعضها البعض , يشعرن بالقلق إزاء أعداد قليلة من النساء اللاتي شاركن بنشاط في CNT . . و قد لاحظن على حسب رواية إحداهن ما يلي :

“. . . و كانت النساء تحصلن على مقابلة واحدة فقط – أولئك اللاتي أردن الإنضمام – أواللاتي أتين على سبيل المثال إلى رحلات الأحد أو إلى مجموعات المناقشة – يحصلن على مقابلة واحدة و لا يلتفت إليهن بعد ذلك . . . حتى في الصناعة , حيث عملت الكثير من النساء في صناعة النسيج , كان هناك عدد قليل جدا من النساء اللاتي تحدثن في الإجتماعات النقابية . . و قد وصل إلينا الشعور بالقلق إزاء كل هؤلاء النساء اللواتي نخسرهن , لذلك فكرنا في إنشاء منظمة نسائية للتعامل مع قضاياهن . . و في عام 1935 أرسلنا الدعوة إلى جميع النساء في الحركة التحررية . . و إن كنا قد ركّزنا إهتمامنا على الرفيقات الشابات . . و أطلقنا على مجموعتنا هذه اسم : Grupo cultural femenino, CNT “. (10) .

و في البداية كانت هذه المجموعة من النساء مجموعة داخلية , أو على الأقل كانت تحت إشراف CNT , و كان غرضها الرئيسي تطوير المزيد من النساء ليكن عضوات ناشطات في الحركة الأناركية .

لكن في غضون فترة زمنية قصيرة , اتصلت نساء (مدريد) بنساء (برشلونة) , و كان ذلك في أواخر 1935 . . و قد قررن أن تطوير النساء الناشطات عملية معقدة . و أنهن يحتجن إلى الاستقلال إذا كانوا يريدون الوصول بالنساء إلى المستوى الذي يطمحون إليه . و في مايو 1936 أنشأن منظمة “المرأة الحرة” .

و قد جادلت مؤسسات “المرأة الحرة” بأن النساء يجب أن ينتظمن بصورة مستقلة عن الرجال سواء للتغلب على تبعيتهن الخاصة أو للنضال ضد مقاومة الرجال لتحرر النساء . و قد استند برنامج المنظمة على نفس التزامات العمل المباشر و الإعداد من أجل الحركة الأناركية الإسبانية الأوسع . و أصر البرنامج على أن إعداد النساء للإنخراط في العمل الثوري يجب أن يتطور من واقع تجارب حياتهن . و هي عملية تتطلب تغلب النساء على تبعيتهن المحددة بكونهن نساء , و بتطوير المعرفة و الثقة في النفس اللازمة للمشاركة في النضال الثوري , و التصدي لهيمنة الرجال على تلك المنظمات التي لم تأخذ النساء و خبراتهن على محمل الجد .

و قد جادلت (إيما جولدمان) في وقت سابق بأن ” التحرر الحقيقي لا يبدأ في الانتخابات و لا في المحاكم . بل يبدأ في روح المرأة . . . و أن تطورها و حريتها و استقلالها يجب أن يأتي من خلال نفسها ” . (11) . و قد طالبت المعلقات على حركات أخرى من أجل تحرير المرأة بنفس المطالب . فعلى سبيل المثال , أشارت (شيلا روبوثام) Sheila Rowbotham إلى الطرق التي قمعت بها الحركات الإشتراكية و الشيوعية مطالب النساء مرارا . (12) و قد اعتبرت (إلين دوبوي) Ellen DuBois تشكيل حركة مستقلة من أجل حق النساء في الاقتراع علامة على “سن النضج” في الحراك النسائي Feminism في الولايات المتحدة . في عرضها للنقطة الفاصلة التي أخذ النساء عندها مسألة التبعية بجدية كافية للنضال من أجل حقوقهن (13) . و قد تصرفت نساء “المرأة الحرة” بناء على إحساس مماثل من وعي متغير . و على حد تعبير إحدى العضوات : ” كان الأمين الوطني للـ CNT يدعمنا . و قد عرض علينا ذات مرة أن يقدم لنا كل المال و الدعم الذي نريد , إذا وافقنا على العمل كجزء من الـ CNT . لكننا رفضنا ذلك . لقد أردنا للمرأة أن تجد حريتها .” (14) .

كان شعور النساء بالقلق إزاء استقلالهن عظيما , يدل على ذلك اختيار اسم المنظمة نفسها . فعلى الرغم من حقيقة أن معظم المؤسسات قد نشأ وعيهن السياسي من خلال الحركة الأناركية النقابية و أعتبرن أنفسهن “تحرريات” إلا أنهن قد نبذن اسم “المرأة التحررية” Mujeres Libertarias كاسم للمنظمة و فضلن عليه اسم “المرأة الحرة” Mujeres Libres , من أجل توضيح استقلالهم التام عن أي تدخل مؤسسي أو تنظيمي , حتى من الـ CNT .

و قد انعكست تحليلاتهم , لوضع تبعية المرأة و الضروريات اللازمة للتغلب على هذا الوضع , على شكل التنظيم و برنامجه . فأولا : ركزت “المرأة الحرة” أكبر قدر من الاهتمام على المشاكل التي تهم المرأة بشكل خاص : الأمية و التبعية الإقتصادية و الإستغلال و الجهل و الرعاية الصحية و رعاية الأطفال و الجنس . و ثانيا : فقد أصرت “المرأة الحرة” على الإنخراط في النضال الذي يتطلب تغير الإحساس بالذات . و كانت الفكرة الأساسية أن النساء سيتمكن من تطوير و استبقاء مثل هذا الوعي فقط إذا عملن بمعزل عن الرجال من خلال منظمات تهدف إلى الحفاظ على ذواتهن الجديدة . و قد حاولت “المرأة الحرة” أن تكون الإطار الذي يتطور من خلاله هذا الوعي المتغير . و أخيرا فقد أعربت “المرأة الحرة” عن إعتقادها بان منظمة منفصلة و مستقلة أمر ضروري من أجل تحدي التمييز المبني على أساس الجنس و تراتبية الاستعلاء الذكوري في الـ CNT و في الحركة الناركية ككل . و كمنظمة , تولت “المرأة الحرة” هذا التحدي . .

http://anarchist-document.blogspot.com

الرجل ذو العصا الكبيرة

الرجل ذو العصا الكبيرة  *

ديفيد جرايبر *

ترجمة : مينا ناجي

يحب الأكاديميون أطروحة ميشيل فوكو التى تحدد المعرفة و القوة، و تؤكد على أن القوة الغاشمة لم تعد العامل الرئيسى فى السيطرة الاجتماعية. يحبونها، لأنها، تتملقهم : الصيغة النموذجية للناس الذين يحبون أن يروا أنفسهم ثوريين سياسيين، حتى و ان كان كل ما يفعلونه هو كتابة مقالات سيقرأها – فى الأغلب – بضع عشرات آخرين، داخل إطار البيئة المؤسسية .

لكن بالطبع لو أن أحدًا من هؤلاء الأكاديميين ترجل لمكتبتهم الجامعية ليراجع بعض كتب لفوكو، من دون أن يتذكر جلب بطاقة هوية سارية المفعول، ثم قرر أن يدخل على أية حال. لو أن أحدًا منهم فعل هذا، سوف يكتشف عاجلًا أن القوة الغاشمة ليست بعيدة الى هذا الحد الذى يحب أن يتخيله : رجل ذو عصا كبيرة – مدرب تماما بشأن كم سيكون قاسيًا ضرب الناس بها – يقوم بطرد الأكاديمى سريعًا.

فى الحقيقة، يتغلغل تهديد الرجل ذو العصا الكبيرة فى كل لحظة من عالمنا. حتى أن معظمنا تخلى عن التفكير فى عبور ما خلقه من حواجز و خطوط لا حصر لها. على هذا النحو، فقط، لم يعد علينا أن نذكر أنفسنا بوجوده. إن نظرت مثلًا لامرأة جائعة تقف على بعد ياردات من كوم ضخم من الطعام – و هو حدث يومى بالنسبة لمعظمنا، سكان المدن – سيكون هناك سبب يمنعك من التقاط بعض الطعام فقط و اعطائه اياها : أن رجلًا ذو عصا كبيرة سيأتى و من المحتمل جدا أن يضربك.

يجد اللاسلطويون سعادتهم – فى المقابل – فى تذكيرنا بمثل هذا الرجل. لسكان مجتمع كريستيانا، فى الدنمارك على سبيل المثال، طقوسًا لعيد الميلاد، يلبسون فيها على غرار بابا نويل و يأخذون لعبًا من المتاجر ليوزعونها على الأطفال فى الشارع، فقط – جزئيًا – لكى يستمتع الجميع بمرأى رجال الشرطة و هم ينهالون ضربًا على بابا نويل و يعيدوا الألعاب و قد انتزعوها من الأطفال الباكين.

هذا التأكيد النظرى يفتح الطريق لنظرية عن علاقة القوة – ليس بالمعرفة و انما بالجهل و الغباء. لأن العنف، خصوصصا العنف الهيكلى حيث تتركز القوة كلها فى جانب واحد، يخلق الجهل. ليس عليك أن تتكبد عناء اكتشاف ما الذى يظنه الناس بشأن سير الأمور، إن امتلكت القوة لأن تضربهم فوق رؤوسهم كلما أردت. الطريقة مضمونة النجاح، بالتالى، لتسطيح الترتيبات الاجتماعية – و تجاهل تلك اللعبة مدهشة التعقيد من وجهات النظر و الانفعالات والرؤى والرغبات والتفاهمات المتبادلة، التى تتكون منها فى حقيقة الأمر الحياة الانسانية – الطريقة مضمونة النجاح لذلك هو أن تضع قاعدة ثم تتوعد بمهاجمة من يكسرها.

العنف، لهذا السبب، هو الملاذ المفضل للكائن الغبى. العنف هو نوع من الغباء الذى يستحيل مواجهته – تقريبًا – برد ذكى. وهو أيضًا، بالطبع، أساس الدولة.

……………………………………………………………………………

1. النص، مقطع من كتاب (شذرات لإنثروبولوجيا لاسلطوية) الصادر فى 2004 عن دار نشر Prickly Paradigm Press صفحة 71- 73،  أما العنوان فمن وضع المترجم.

يمكن تحميل الكتاب من خلال هذا الرابط :

http://ifile.it/8ykor7/__Fragments_of_an_Anarchist_Anthropology.pdf

2. ديفيد جرايبر ( ولد فى 1961 ) : لاسلطوى و انثروبولوجى أمريكى. واحد من الملهمين – والمشاركين – فى حركة إحتلال الميادين. له العديد من الإسهامات فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة من وجهة نظر أناركية. أهم أعماله : شذرات لانثروبولوجيا لاسلطوية ، نحو نظرية انثروبولوجية للقيمة ، الدَيْن : الخمسة آلاف سنة الأولى .

 http://anarchisminarabic.blogspot.de/

الثورة الفرنسية العظمى

بيتر كروبوتكين

ترجمة مازن كم الماز

الثورة الفرنسية العظمى
بيتر كروبوتكين (1909)
ترجمة مازن كم الماز
مقدمة المترجم
هذان فصلان من كتاب بيتر كروبتكين عن تاريخ الثورة الفرنسية البرجوازية العظمى , يتمتع تحليل كروبوتكين بأهمية خاصة في أيامنا , إنه بقراءته للماضي , للتاريخ , لتاريخ ثورة سابقة , يساعد في قراءة الحاضر , حاضر ثوراتنا , و مستقبلها , و ضمنا مستقبل شعوبنا و ثوراتها و مستقبل البشرية أيضا ….
الفصل الأول
التياران الرئيسيان في الثورة
كان هناك تياران رئيسيان أعدا و قاما بالثورة الفرنسية العظمى . أحدهما و هو تيار الأفكار ( التيار الفكري ) الذي تركز حول إعادة التنظيم السياسية للدولة , جاء من الطبقات الوسطى , أما ( التيار ) الآخر , و هو تيار الأفعال , جاء من الناس ( الشعب People ) , من كل من الفلاحين و عمال المدن , الذين أرادوا أن يحصلوا على تحسينات فورية و محددة في أوضاعهم الاقتصادية . و عندما التقى هذان التياران و انضما معا كان ذلك سعيا وراء تحقيق هدف مشترك . عندما كان هذا الهدف مشتركا بينهما لبعض الوقت , و عندما ساعد أحدهما الآخر لبعض الوقت , كانت النتيجة هي الثورة .
قام فلاسفة القرن ال 18 منذ وقت طويل بتفنيد أسس مجتمعات القانون – و النظام في تلك الفترة , حيث كانت السلطة السياسية و القسم الأعظم من الثروة بيد الأرستقراطية و الكهنوت , بينما لم يكن جمهور الناس إلا حيوانات للحمل ( أو للنقل ) بالنسبة للطبقات الحاكمة . بإعلان سيادة العقل , و بالتبشير بالثقة في الطبيعة الإنسانية – التي جرى إفسادها كما قالوا من خلال المؤسسات التي اختزلت الإنسان إلى عبد , لكن مع التأكيد بأن سيستعيد كل مزاياه عندما يتنزع حريته – فقد فتح هؤلاء الفلاسفة مشاهد جديدة أمام البشرية . بإعلان المساواة بين البشر , من دون أي تمييز بسبب الولادة , و بمطالبة كل مواطن , سواء أكان ملكا أم فلاحا , بالانصياع للقانون , و افترضوا أنه لا بد من التعبير عن إرادة الشعب من قبل ممثليه , و أخيرا , بالمطالبة بحرية التعاقد بين بشر أحرار , و بإلغاء الضرائب و الخدمات الإقطاعية – بطرح كل هذه الأقوال , و ربطها معا مع نظام و أسلوب مميزين للفكر الفرنسي , فقد حضر الفلاسفة دون شك , على الأقل في عقول الناس , لسقوط النظام القديم .

لكن هذا وحده لن يكون كافيا ليؤدي إلى اندلاع الثورة . فما زال أمامها مرحلة الانتقال من النظرية إلى الفعل , من فكرة مثال ما أعلى إلى وضعه في التطبيق . و النقطة الأكثر أهمية في دراسة تاريخ تلك المرحلة هي أن نوضح الظروف التي جعلت من الممكن للشعب الفرنسي في لحظة معينة أن يتمكن من تحقيق ( تطبيق ) هذا المثال الأعلى – أي محاولة نقله من النظرية إلى الفعل ( التطبيق ) .

من جهة أخرى , قبل 1789 بوقت طويل , كانت فرنسا قد دخلت بالفعل في مرحلة ثورية . كان وصول لويس 16 إلى العرش في 1774 البداية لسلسلة كاملة من اضطرابات الجوع . استمرت هذه الاضطرابات حتى 1783 و بعدها جاءت مرحلة من الهدوء النسبي . لكن بعد 1786 و خاصة بعد 1788 انفجرت تمردات الفلاحين من جديد بقوة متجددة . كانت المجاعة هي السبب الرئيسي للاضطرابات الأولى , و بقي نقص الخبز دائما أحد الأسباب الرئيسية للانتفاضات . لكن رفض الفلاحين دفع الضرائب الإقطاعية كان هو الذي دفعهم إلى الثورة . أخذت الانتفاضات تتزايد في العدد حتى عام 1789 , في تلك السنة أصبحت هذه الانتفاضات عامة ( شاملة ) في الشرق و الشمال الشرقي و الجنوب الشرقي من فرنسا . بهذه الطريقة بدأ تقسيم الجسم الاجتماعي . لكن Jacquerie ( يمكن ترجمتها بالعامية أو الانتفاضة الفلاحية , أطلقت على انتفاضة الفلاحين الفرنسيين في شمال فرنسا عام 1358 التي قمعها النبلاء الفرنسيون بقسوة , عرفت الثورة بهذا الاسم لأن النبلاء اعتادوا على نعت فلاحيهم ب”جاك” , و من ثم أصبحت ترمز للثورات الفلاحية في أوروبا في أواخر العصور الوسطى عموما – المترجم ) ليست ثورة , حتى عندما تأخذ اشكالا رهيبة كما جرى في انتفاضة الفلاحين الروس في 1773 تحت راية بوغاتشوف . الثورة هي بالتأكيد أكثر من سلسلة من الانتفاضات في المدينة و الريف . إنها أكثر من مجرد صراع بين الأحزاب , مهما كان عنيفا , أكثر من مجرد حرب شوارع , و أكثر من مجرد تغيير في الحكومة , كما جرى في فرنسا عام 1830 و 1848 . الثورة هي إطاحة سريعة , في غضون عدة سنوات , بالمؤسسات التي احتاجت إلى قرون لكي تتغلغل في تربة المجتمع , و تبدو ثابتة بحيث أنه حتى أكثر المصلحين حماسة لن يجرؤ على مهاجمتها في كتاباته . إنها سقوط , انهيار و في وقت قصير , لكل ما كان يشكل حتى ذلك الوقت جوهر الحياة الاجتماعية , الدينية , السياسية و الاقتصادية في شعب ما . إنها تعني الإطاحة بالأفكار المكتسبة و المفاهيم المقبولة فيما يتعلق بكل من المؤسسات و العلاقات المعقدة للجماعة الإنسانية .
إنها باختصار ولادة أفكار جديدة تماما فيما يتعلق بالصلات المتفرعة في المواطنة – أفكار ستصبح في الرقيب العاجل حقائق , و تبدأ بعدها بالانتشار بين الشعوب المجاورة , هازة العالم بأسره و محددة للعصر القادم شعاره , مشاكله , علمه , و اتجاهات تطوره الاقتصادي و السياسي و الأخلاقي .
لنصل إلى نتيجة بهذه الأهمية , و لحركة يمكن اعتبارها جزءا من ثورة , كما جرى في انكلترا بين 1648 و 1688 و في فرنسا بين 1789 و 1793 , لا يكفي أن تظهر حركة فكرية مهما كانت هامة , بين الطبقات المثقفة , لا يكفي أن تحدث اضطرابات مهما كانت كبيرة أو عديدة في قلب الشعب . الفعل الثوري الذي يأتي من الشعب يجب عليه أن يتزامن مع حركة فكرية ثورية تأتي من الطبقات المثقفة . يجب أن يكون هناك اتحادا بين الاثنين .
لهذا وقعت الثورة الفرنسية , مثل الثورة الانكليزية من القرن الذي سبقها , في لحظة كانت فيها الطبقات الوسطى التي تشربت بعمق مصادر الفلسفة الراهنة لتصبح واعية بحقوقها , و لتضع مخططا جديدا للتنظيم السياسي . قوية في معرفتها و متحمسة لأداء مهمتها , شعرت هذه الطبقات بأنها قادرة على الاستيلاء على الحكومة بانتزاعها من أرستقراطية القصر التي كانت , بعجزها و طيشها و فجورها تدفع المملكة نحو الخراب . لكن الطبقات الوسطى و المتعلمة لم يكن بمقدورها أن تفعل أي شيء لوحدها لو لم يتحرك جمهور الفلاحين , نتيجة سلسلة طويلة من الظروف , و ابتداءا بسلسلة من الانتفاضات المتواصلة التي استمرت 4 سنوات , التي وفرت الفرصة للطبقات الوسطى الساخطة لمحاربة كل من الملك و البلاط , و لإزعاج المؤسسات القديمة و تغيير الدستور السياسي للمملكة .
ما يزال تاريخ هذه الحركة المزدوجة بحاجة لأن يكتب . لقد قيل تاريخ الثورة الفرنسية العظمى و أعيد مرات عديدة , من وجهة نظر أحزاب مختلفة , لكن حتى الآن حصر المؤرخون أنفسهم في التاريخ السياسي , تاريخ انتصار الطبقات الوسطى على حزب البلاط و المدافعين عن مؤسسات الملكية القديمة .
لذلك نعرف الكثير مثلا عن المبادئ التي هيمنت على الثورة و التي ترجمت إلى عمل قانوني . لقد أسعدتنا الأفكار العظيمة التي قدمتها الثورة إلى العالم , أفكار حاولت البلدان المتمدنة أن تضعها موضع التطبيق طوال القرن 19 . لقد درس التاريخ البرلماني للثورة , حروبها , سياستها و دبلوماسيتها , درس و حدد بالتفصيل . لكن التاريخ الشعبي للثورة ما يزال بحاجة لأن يقال . الدور الذي لعبه الشعب في الريف و المدن في الثورة لم يدرس أبدا و لم يرو بكليته . من بين التيارين الرئيسيين اللذين صنعا الثورة , فإن نعرف عن التيار الفكري , أما التيار الآخر , تيار الفعل الشعبي , فإنه لم يرسم بعد .
إنها مهمتنا , نحن ورثة أولئك الذين سماهم معاصروهم ب”اللاسلطويين” ( الأناركيين ) , دراسة التيار الشعبي و محاولة إعادة بناء صفاتها الرئيسية على الأقل .
الفصل الأخير
الخاتمة
عندما يرى المرء الجمعية الوطنية الفظيعة و القوية تحطم نفسها في 1794 – 1795 و الجمهورية القوية و الفخورة تختفي . بينما تسقط فرنسا بعد نظام المديرين ذا المعنويات المنهارة ( المحبطة ) (حكومة المديرين 1795 – 1799 , حيث تمثلت السلطة في 5 مدراء , ترافق لك أيضا باستبدال حق التصويت العام بالتصويت المحدود وفقا لملكية الشخص , واجهت حكومة المديرين كلا من الملكيين و اليعاقبة بالقوة , فيم بعد سيقوم جنرال الجيش بونابرت الذي نظم حملة القمع هذه بانقلاب في 18 برومير و هو أحد أشهر التقويم الجمهوري الموافق 9 ديسمبر كانون الأول 1799 ليقيم ديكتاتوريته الخاصة , أولا كقنصل ثم كإمبراطور – المترجم ) تحت النير العسكري لبونابرت , يجد المرء نفسه مدفوعا للتساؤل : “ما هو الجيد في الثورة إذا كان الشعب سيقع ثانية تحت نير الطغيان ؟” . تكرر هذا السؤال في سياق القرن 19 باستمرار و قد استخدمه الجبناء و المحافظون كحجة ضد الثورات عموما .
الصفحات السابقة تعطينا الجواب . أولئك الذين يرون في الثورات تغييرا في الحكومة فقط , أولئك الجاهلون بعملها الاقتصادي و التثقيفي , هؤلاء فقط يمكنهم طرح هذا السؤال .
فرنسا التي نراها في الأيام الأخيرة من القرن 18 في لحظة الانقلاب داخل القصر في 18 برومير , ليست هي فرنسا التي وجدت قبل 1789 . هل كان من الممكن لفرنسا القديمة , الفقيرة بشكل بائس و التي يعاني ثلث سكانها سنويا من الحاجة ( الجوع ) , أن تتحمل الحروب النابليونية , التي جاءت بعد وقت قصير من حروب الجمهورية بين 1792 و 1799 , بينما كانت أوروبا كلها تهاجمها ؟
الواقع هو أن فرنسا جديدة قد تشكلت منذ 1792 – 1793 . صحيح أن الندرة ( النقص – الشح ) استمر بالوجود في كثير من الأقسام , و يمكن الشعور بكل الرعب الناجم عن ذلك خاصة بعد انقلاب ترميدور ( ترميدور تعبير عن الردة الرجعية و الإرهاب الأبيض الذي وقع بعد إعدام روبسبير في يوليو تموز 1794 – المترجم ) , عندما ألغي الحد الأعلى لأسعار كل المواد الغذائية . كانت هناك بعض الأقسام التي لم تنتج ما يكفي من القمح لإطعام نفسها , و مع استمرار الحرب , و تخصيص كل وسائل النقل لصالح إمداداتها , كان هناك شح في هذه الأقسام أيضا . لكن كل شيء كان يثبت أن فرنسا كانت تنتج عندها من ضروريات الحياة من كل نوع أكثر بكثير مما كانت تنتجه في عام 1789 .
لم تشهد فرنسا أبدا مثل هذه الزراعة النشيطة . يخبرنا ميكيليت أنه في عام 1792 كان الفلاحون يحرثون الأراضي التي أخذوها من ملاك الأرض , و من الأديرة و الكنائس , و كان ينخز ( يحث ) ثوره و هو يصرخ : “ليسقط الألمان ! ليسقط النمساويون ! ” . لم يجر أبدا مثل هذا التنظيف للأرض من قبل – حتى الكتاب الملكيون يعترفون بذلك – كما في سنوات الثورة . أول محصول جيد في عام 1794 حمل النجدة لثلثي فرنسا – على الأقل في القرى , لأنه طوال ذلك الوقت كانت المدن مهددة بنقص الطعام . ليس أنها كانت شحيحة في فرنسا كلها , أو أن بلديات ( مجالس بلدية ) ذوي السراويل الطويلة Sans-culottes ( تعبير أطلق على الثوار ذوي الأفكار الراديكالية من الطبقات الدنيا – بروليتاريا المدن خاصة – و الذين شكلوا أساس الجيش الثوري الفرنسي في الأعوام الأولى للثورة و قد استمر نفوذهم في الثورة بين عامي 1792 و 1795 , كانوا يدافعون عن الديمقراطية الشعبية و المساواة الاقتصادية و الاجتماعية و المحافظة على أسعار معقولة للغذاء في متناول الجميع و رفضوا اقتصاد السوق الحر و دعموا اليسار “المتطرف” كمجموعة الغاضبين , تعرضوا للقمع الشديد في فترة الردة الرجعية في ترميدور – المترجم ) , تجاهلت أن تقوم بالإجراءات اللازمة لإطعام أولئك الذين لم يجدوا عملا , لكن من حقيقة أن كل حيوانات النقل التي كانت تستخدم في قد كرست لحمل الطعام و الذخيرة إلى جيوش الجمهورية ال 14 . في تلك الأيام لم تكن هناك سكك حديدية , و كل الطرق ما عدا تلك الرئيسية كانت في الحالة التي عليها اليوم في روسيا – مزرية جدا .
كانت فرنسا جديدة تولد أثناء تلك السنوات الأربعة من عمر الثورة . لأول مرة منذ قرون أكل الفلاح حتى الشبع , و رفع ظهره و تجرأ على الكلام . اقرأ التقارير التفصيلية فيما يتعلق بعودة لويس 16 إلى باريس , عندما أعيد مسجونا من فارني في يونيو حزيران 1791 من قبل الفلاحين , تقول تلك التقارير : “هل هذا ممكن بالفعل , مثل هذا الاهتمام بالشأن العام , لمثل هذا الحماس لهذا الشأن العام , و لمثل هذا الاستقلال في الحكم و العمل أن يكون ممكنا قبل 1789 ؟” . لقد ولد شعب جديد في هذه الأثناء , تماما كما نرى اليوم شعبا جديدا يولد إلى الحياة في روسيا و تركيا .
بفضل هذه الولادة الجديدة كانت فرنسا قادرة على الاستمرار في حروبها في ظل جمهورية نابليون و أن تحمل مبادئ الثورة العظمى إلى سويسرا , إيطاليا , إسبانيا , بلجيكا , هولندا , ألمانيا و حتى حدود روسيا . و عندما بعد هذه الحروب , بعد أن نتابع الجيوش الفرنسية إلى مناطق بعيدة مثل مصر و موسكو , عندما نتوقع أن نجد فرنسا في عام 1815 و قد أصبحت ترزح في بؤس مخيف و قد أصبحت أراضيها بورا , نجد عوضا عن ذلك أنه حتى في المناطق الشرقية و في جورا , أن الريف ( البلد ) مزدهر أكثر بكثير مما كان عليه عندما قام بيتشيون , مشيرا إلى لويس 16 , عند الضفاف الفاخرة للمارن , عندما سأله فيم إذا كان هناك في أي مكان في العالم مملكة أجمل من تلك التي لم يكن الملك راغبا بالحفاظ عليها .
هكذا كانت الطاقة الداخلية ( الموجودة في الذات ) التي خلقتها الثورة في القرى , بحيث أن فرنسا في عدة سنوات أصبحت بلد الفلاحين الأثرياء ( المرتاحين ) و سرعان ما اكتشف أعداؤها أنه على الرغم من كل الدم الذي قدمته و الخسائر التي تعرضت لها , فإن فرنسا فيما يتعلق بإنتاجيتها , كانت أغنى بلد في أوروبا . لكن ثروتها لم تأت من الأنديز أو من تجارتها الخارجية : لقد جاءت من تربتها نفسها , من حبها لهذه التربة , من مهارتها و صناعتها . كانت أغنى بلد , بسبب تقسيم ثروتها و و ما زالت الأغنى بسبب الإمكانيات التي فتحتها الثورة أمامها فيما يتعلق بالمستقبل .
هكذا كان تأثير الثورة . و إذا رأى المراقب العادي في فرنسا النابليونية حب المجد فقط , فإن المؤرخ يدرك أنه حتى عندما شنت فرنسا الحرب في تلك الفترة فإنها قد فعلت ذلك لكي تضمن الحفاظ على ثمار ( نتائج ) الثورة – لكي تحافظ على الأرض التي أخذتها من الإقطاعيين , و القساوسة و الأغنياء , و على الحريات التي انتزعتها من الاستبداد و البلاط . لو أن فرنسا كانت راغبة في تلك السنوات بأن تنزف حتى الموت فهذا كان لكي تمنع الألمان و الانكلز و الروس من فرض لويس ال 18 عليها , هذا لأنها لم ترغب في عودة النبلاء المهاجرين الذي كان سيعني أن النبلاء الموالين للملكية سيستردون الأرض التي رويت بالفعل بعرق الفلاحين , و سيلغون الحريات التي عمدت بدماء الوطنيين . و قد قاتلت فرنسا جيدا بالفعل طوال 23 سنة , و عندما أجبرت في النهاية على الخضوع لآل بوربون , كانت هي التي فرضت شروطها عليهم . استعاد البوروبون السلطة لكن الأرض بقيت بيد من استولوا عليها من أيدي الإقطاعيين , بحيث أنه حتى في أثناء الإرهاب الأبيض لآل بوربون لم يتجرؤوا أبدا على لمس هذه الأرض . لم يكن من الممكن إعادة النظام القديم ثانية .
كان هذا ما جرى كسبه من صنع ثورة كهذه .
هناك أشياء أخرى يجب الإشارة إليها . ففي تاريخ كل الشعوب يأتي وقت عندما يتحتم أن يجري تغيير جذري في كل الحياة الوطنية . كان الطغيان الملكي و الإقطاعية يموتان في عام 1789 , و كان من المستحيل إبقاءهما على قيد الحياة , كان عليهما أن يذهبا .
لكن بعد ذلك , فتح أمام فرنسا طريقان : الإصلاح أو الثورة .
في أوقات كهذه هناك دائما لحظة ما يزال الإصلاح فيها ممكنا , لكن إذا لم يتم استثمار تلك اللحظة , و إذا استمرت المقاومة الصلبة ( العنيدة ) معارضة متطلبات الحياة الجديدة , حتى اللحظة التي يبدأ فيها الدم يسيل في الشوارع , كما سال في 14 يوليو تموز 1789 ( يوم الاستيلاء على الباستيل – المترجم ) , عندها يجب أن تحدث الثورة . و ما أن تبدأ الثورة , حتى يصبح ضروريا أن تتطور لتصل إلى أبعد نتائجها – أي كما يمكن القول إلى أقصى نقطة يمكن أن تبلغها – و ذلك بشكل مؤقت فقط , في ظرف محدد معطى من الوعي الجماعي في تلك اللحظة .
إذا مثلنا التقدم البطيء لفترة التطور بخط يرسم على الورق , سنرى هذا الخط يرتفع تدريجيا و إن ببطء . بعدها تقع الثورة و يقوم عندها هذا الخط بقفزة مفاجئة للأعلى . في انكلترا سيكون الخط صاعدا حتى الجمهورية البوريتانية لكرومويل , في فرنسا سيرتفع حتى جمهورية أصحاب السراويل الطويلة لعام 1793 . لكن عند هذا الارتفاع لا يمكن المحافظة على التقدم , كل القوى المعادية ستجتمع معا ضده , و ستبدأ الجمهورية بالتراجع . خطنا سيبدأ بالانحدار بعد أن يكون قد وصل أقصى ارتفاعه , مع الردة الرجعية . بالنسبة للحياة السياسية في فرنسا فقد انحدر هذا الخط جدا بالفعل , لكنه يبدا بالصعود تدريجيا بعد ذلك , و عندما سيتم التوصل إلى السلم في عام 1815 في فرنسا , و في 1688 في انكلترا – سنجد أن كلا البلدين قد بلغا مستوى أعلى بكثير مما كانا عليه قبل ثورتيهما .
بعد ذلك , يستأنف التطور : يبدأ خطنا بالارتفاع ببطء و لكن إلى جانب أنه يبدأ من مستوى مرتفع جدا , فإن صعود الخط سيكون أسرع في كل حالة تقريبا مما كان عليه قبل فترة الاضطراب .
هذا هو قانون التقدم الإنساني , و أيضا قانون التقدم الفردي . يؤكد التاريخ الأقرب لفرنسا هذا القانون بإظهار كم هو ضروري أن نمر عبر الكومونة لنصل إلى الجمهورية الثالثة .
لا يقتصر عمل ( إنجاز ) الثورة الفرنسية فقط على ما حققته و ما بقي من هذا في فرنسا . بل سنجده أيضا في المبادئ التي أورثتها للقرن التالي – في الاتجاه الذي وجهت المستقبل نحوه .
إن الإصلاح هو دائما مساومة مع ( تنازل تجاه ) الماضي , لكن التقدم الذي يتحقق من خلال الثورة هو دائما وعد بتقدم مستقبلي . لو أن الثورة الفرنسية العظمى كانت تلخيصا لتطور استمر قرنا من الزمان , فإنها كانت بدورها برنامج التطور الذي كان يتعين إنجازه في سياق القرن 19 .
إن هذا هو قانون في تاريخ العالم أن تمر فترة 100 أو 130 عاما , تقريبا , تفصل بين ثورتين عظيمتين , تأخذ طابعها من الثورة التي بدأت هذه المرحلة بها . تسعى الشعوب لكي تحقق في مؤسساتها الإرث الذي ورثته من الثورة الأخيرة . كل الأشياء الجديدة التي لم يمكن وضعها بعد في الممارسة ( في التطبيق ) , كل الأفكار العظيمة التي جرى تداولها أثناء الاضطراب الأخير , و التي استطاعت الثورة أو لم تستطع أن تعرف كيف تطبقها , كل محاولات إعادة البناء الاجتماعية , التي ولدت أثناء الثورة , ستشكل مادة التطور أثناء الفترة التي ستتلو الثورة , مع إضافة تلك الأفكار الجديدة التي سيخلقها هذا التطور , عندما يحاول أن يضع في الممارسة البرنامج الذي حددته الثورة الأخيرة . عندها , ستقع هناك ثورة جديدة في شعب آخر , و هذا الشعب بدوره سيحدد المشاكل التي يجب حلها في القرن التالي . هكذا هو اتجاه التاريخ .
انتصاران عظيمان ميزا القرن الذي مر منذ 1789 – 1793 . كلاهما يدينان بأصلهما إلى الثورة الفرنسية , التي واصلت عمل الثورة الانكليزية فيم ضخمته و عززته بكل التقدم الذي صنعته منذ أن قامت الطبقات الوسطى الانكليزية بقطع رأس ملكها و نقل سلطته إلى البرلمان . هذان الانتصارين الكبيرين هما : إلغاء القنانة و إلغاء الملكية المطلقة , انتزع الفرد من خلالهما حرياته الشخصية , التي لم يكن القن يحلم بها في ظل الإقطاعي و لا التابع الخاضع للملك المطلق , بينما أدت في نفس الوقت إلى تطور الطبقات الوسطى و النظام الرأسمالي .
يمثل هذين الإنجازين العمل المبدئي للقرن 19 , الذي بدأ في فرنسا في عام 1789 و انتشر ببطء في كل أوروبا على امتداد القرن .
تحرير العبيد , الذي بدأه الفلاحون الفرنسيون في 1789 استمر في إسبانيا , إيطاليا , سويسرا , ألمانيا و النمسا من قبل جيوش ذوي السراويل الطويلة . لسوء الحظ بالكاد وصل هذا العمل إلى بولندا و لم يتمكن من الوصول إلى روسيا على الإطلاق .
إلغاء القنانة في أوروبا كان سيكتمل في النصف الأول من القرن 19 لو أن البرجوازية الفرنسية التي وصلت إلى السلطة في عام 1794 على أجساد و جثث اللاسلطويين ( كرس كروبوتكين فصلا من كتابه عن تاريخ الثورة الفرنسية العظمى عن اللاسلطويين فيها – المترجم ) , . Cordeliers( أعضاء جمعية سياسية فرنسية راديكالية – المترجم ) , اليعاقبة ( نسبة للنادي اليعقوبي 1789 – 1794 , ثوريون برجوازيون فرنسيون كانوا من دعاة جمهورية شديدة المركزية و عملوا على تحقيق أهدافهم غالبا بأساليب تآمرية , يعتبرون أسلاف الراديكاليين السلطويين فيما بعد – المترجم ) , لم تكبح الاندفاع الثوري , و تعيد الملكية و تسلم فرنسا إلى المشعوذ الإمبريالي نابليون الأول . هذا الذي كان في السابق من ذوي السراويل الطويلة ذات يوم , و الذي أصبح الآن جنرالا على ذوي السراويل الطويلة هؤلاء , بدأ بونابرت هذا بسرعة بدعم الأرستقراطية , لكن الدفعة كانت قد حدثت بالفعل , و كانت مؤسسة القنانة قد تلقت ضربة مميتة بالفعل . حيث ألغيت في إسبانيا و إيطاليا على الرغم من الانتصار المؤقت للرجعية . و تعرضت لضغط قوي في ألمانيا بعد عام 1811 و اختفت من هذا البلد تماما في عام 1848 . في 1861 أجبرت روسيا على تحرير أقنانها , و وضعت الحرب الأولى لعام 1878 نهاية للقنانة في شبه جزيرة البلقان .
اكتملت الآن الحلقة . لم يعد حق أصحاب الأراضي ( الإقطاعيين ) على شخص الفلاح موجودا في أوروبا , حتى في تلك البلدان التي جرى فيها التعويض عن المستحقات الإقطاعية .
هذه الحقيقة لا يقدرها المؤرخون بشكل كاف . كونهم منشغلين بالمسائل السياسية , فإنهم لم يفهموا أهمية إلغاء القنانة , التي كانت الميزة الضرورية للقرن 19 . المنافسة بين الشعوب ( الأمم ) و الحروب التي نتجت عنها , سياسات القوى العظمى التي تحتل الكثير جدا من اهتمام المؤرخ , جميعها نشأت من حقيقة واحدة عظمى – و هي إلغاء القنانة و تطور نظام العمل المأجور الذي حل مكانها .
الفلاح الفرنسي ( الذي حرر نفسه ) في ثورته قبل 120 عاما ضد الإقطاعي الذي كان يفرض عليه أن يضرب الاشجار كيلا يزعج نقيق الضفادع نوم سيده , قد حرر أيضا فلاحي أوروبا كلها . في 4 أعوام فقط أولا بإحراقه الوثائق التي تسجل خضوعه , ثم بإحراقه القلاع و بإعدامه ملاك الأرض ( الإقطاعيين ) الذين رفضوا الاعتراف بحقوقه كإنسان , كان الفلاح الفرنسي يؤثر في أوروبا كلها التي أصبحت جميعها اليوم حرة من مهانة ( ذل ) القنانة .
من جهة أخرى احتاج إلغاء السلطة المطلقة لأكثر قليلا من مائة عام ليعم أوروبا كلها . هوجمت لأول مرة في انكلترا في عام 1648 , و هزمت في فرنسا في عام 1789 لم تعد السلطة الملكية التي تقوم على الحق الإلهي آمنة في روسيا نفسها , فهناك أيضا هي في نزاعها الأخير . حتى دول البلقان الصغيرة و تركيا لديها الآن جمعيات تمثيلية , و روسيا تدخل نفس الدورة أيضا .
في هذا الصدد حققت ثورة 1789 – 1793 أيضا عملها . احتلت المساواة أمام القانون و الحكومة التمثيلية الآن مكانهما في كل تشريعات أوروبا . نظريا على الأقل لا يميز القانون بين البشر و لكل شخص الحق في المشاركة في الحكومة . لقد اختفى الملك – السيد المطلق على أتباعه , و الإقطاعي – السيد على أرضه و فلاحيه , بحق الولادة . إن الطبقات الوسطى تحكم أوروبا اليوم .
لكن في نفس الوقت ورثتنا الثورة العظمى بعض المبادئ الأخرى ذات أهمية أكبر بشكل لا يقارن , هي مبادئ الشيوعية . رأينا كيف أن الأفكار الشيوعية بقيت طوال الثورة العظمى تتقدم نحو المقدمة , و كيف أنه بعد سقوط الجيرونديين ( خصوم اليعاقبة و أنصار الحلول الأقل راديكالية و ثورية , هم من شجعوا بونابرت على تنفيذ انقلاب عسكري ضد الجمهورية و سهلوا نجاحه – المترجم ) جرت محاولات عديدة و أحيانا محاولات عظيمة في هذا الاتجاه . تنحدر الفوريية ( نسبة للاشتراكي الفرنسي شارل فورييه 1772 – 1837 , اشتراكي “طوباوي” فرنسي – المترجم ) بشكل مباشر من لانغي من جهة و من شاليير ( جوزيف شاليير 1747 – 1793 , يعقوبيا يساريا , أعدم عام 1793 – المترجم ) من جهة أخرى . كان بابوف ( فرانسو نويل – بابوف , 1760 – 1797 , منظر و سياسي و محرض فرنسي شيوعي , عارض اتجاهات حكومة المديرين و الردة الرجعية التي سبقتها , أعدم لدوره في مؤامرة EQUALS , الداعين إلى المساواة , وصف غودوين بارمبي أفكار بابوف بالشيوعية لأول مرة , يعتبر بابوف من أوائل الشيوعيين السلطويين – المترجم ) وريثا مباشرا للأفكار الذي أثرت في الجماهير بحماسة في عام 1793 , هو و بوناروتي ( فيليب بروناروتي 1761 – 1837 , اشتراكي إيطالي “طوباوي” , كلفه الثوريون الفرنسيون بتنظيم الثوريين الإيطاليين في فرنسا , اعتقل لمشاركته في مؤامرة الداعين إلى المساواة و نفي من فرنسا ليعود إليها بعد ثورة 1830 , أثر في بلانكي الاشتراكي السلطوي الفرنسي المعروف – المترجم ) و سيلفيان ماريشال ( 1750 – 1803 , شيوعي “طوباوي” , ملحد و مدافع عنيد عن الفقراء , لم يشارك في الصراع بين اليعاقبة و الجيرودنديين , شارك في مؤامرة الداعين إلى المساواة – المترجم ) قاموا فقط بتنظيمها ( منهجتها ) قليلا أو صاغوها في شكل أدبي فقط . لكن الجمعيات السرية التي نظمها بابوف و بوناروتي كانت هي أصل الجميعات الشيوعية المادية السرية التي نظم من خلالها بلانكي و باربيس مؤامراتهما ضد الملكية البرجوازية للويس فيليب . فيما بعد في عام 1866 ظهرت جمعية العمال العالمية الأممية كنتيجة مباشرة عن هذه الجميعات . إن “الاشتراكية” كما نعرفها اليوم , لقد أخذ هذا اللفظ يروج لتفادي كلمة “الشيوعية” التي أصبحت خطيرة لأن الجمعيات الشيوعية السرية الأولى هي جمعيات فعل و قد قمعتها البرجوازية التي كانت يومها في السلطة بقوة .
هناك لذلك صلة مباشرة بين مجموعة الغاضبين لعام 1793 ( مجموعة راديكالية على يسار اليعاقبة , آمنوا بالحرية للجميع في مواجهة الحريات الدستورية , دعمهم ذوي السراويل الطويلة – بروليتاريا المدن , بينما حاربوا ديكتاتورية روبسبير , سحقوا في فترة الردة الرجعية و الإرهاب الأبيض , فيما بعد أطلقت مجموعة من طلاب جامعة نانتير في فرنسا هذا الاسم عليها في عام 1968 – المترجم ) و مؤامرة بابوف عام 1795 و جمعية العمال العالمية الأممية بين عامي 1866 – 1878 .
هناك أيضا تتال مباشرة لأفكار أخرى . حتى الآن لم تضف الاشتراكية المعاصرة أي شيء على الإطلاق للأفكار التي انتشرت بين الفرنسيين ما بين عامي 1789 و 1794 , و التي حاولت أن تضعها موضع التطبيق في السنة الثانية من حكم الجمهورية . لقد نظمت ( منهجت ) الاشتراكية المعاصرة فقط هذه الأفكار و وجدت حججا في صالحها , إما بأن تحول ضد اقتصاديي الطبقة الوسطى بعضا من تعريفاتهم هم أنفسهم , أو بتعميم حقائق معينة لوحظت في سياق تطور الرأسمالية الصناعية في القرن 19 .
لكني أسمح لنفسي بالقول أيضا أنه مهما قد تكون غامضة و مهما كان محدودا الدعم الذي حصلت عليه من الحجج التي كانت ترتدي لباسا علميا و مهما كان محدودا استخدامها للغة العلمية العامية الكاذبة لاقتصاديي الطبقة الوسطى , فإن الشيوعية الشعبية للسنتين الأوليتين من الجمهورية كانت أكثر وضوحا , و ذهبت أعمق في تحليلها مما فعلت الاشتراكية المعاصرة .
و قبل أي شيء , كانت الشيوعية توجد في استهلاك ضرورات الحياة – و ليست في الإنتاج فقط , كان جمعنة ( جعله كومونيا ) و تأميم ما يعرفه الاقتصاديون بالاستهلاك – التي ركز جمهوريو 1793 اهتمامهم عليها , عندما حاولوا إقامة مخازن الحبوب و المؤن في كل كومونة , و عندما مضوا قدما في البحث الهائل لإيجاد القيمة الحقيقة للأشياء ذات الضرورة الأولوية و الثانوية و تثبيت تلك القيمة , و عندما ألهموا روبسبير ( 1758 – 1794 , برجوازي يساري سلطوي , قاد فترة الإرهاب المعادي للرجعية التي انتهت بإعدامه – المترجم ) ليعلن أن الغذاء الوفير فقط يجب أن يصبح موادا للتجارة , و أما هو ضروري فهو ملك للجميع .
بينما ولدت من الضرورات الضاغطة لتلك السنوات الصعبة , فإن شيوعية 1793 , مع تأكيدها على حق الجميع في البقاء ( المعيشة ) و في الأرض لينتجوا منها , و رفضها لحق أي شخص في أن يملك من الأرض أكثر مما يمكنه و أسرته أن يزرعها – أي ليس أكثر من مزرعة تبلغ مساحتها 120 هكتار – و محاولتها جمعنة كل التجارة و الصناعة – هذه الشيوعية ذهبت بشكل أكثر استقامة إلى قلب الأشياء من برامج الحد الأدنى في وقتنا , أو حتى من كل المقدمات القصوى لهذه البرامج * .
في كل الأحوال , ما نتعلمه اليوم من دراسة الثورة العظمى هو أنها كانت مصدر و منشأ كل المفاهيم الشيوعية , اللاسلطوية و الاشتراكية الحالية . لقد فهمنا على نحو سيء فقط أمنا المشتركة , و لكننا وجدناها اليوم ثانية وسط أصحاب السراويل الطويلة , و نرى أنه علينا أن نتعلم من دراستها .
لقد تطورت الإنسانية عبر مراحل متتالية و كانت علامة هذه المراحل لمئات عدة من السنين هي الثورات الكبرى . بعد هولندا جاءت انكلترا و ثورتها بين 1648 – 1657 , و بعدها كان الدور على فرنسا . كل ثورة كبرى كان فيها , إلى جانب سابقاتها , شيء خاص بها و أصلي . لقد ألغت كلا من انكلترا و فرنسا الملكية المطلقة . لكن عندما قامت انكلترا بذلك كانت مهتمة أساسا بالحقوق الفردية للفرد خاصة فيما يتعلق بأمور الدين , إضافة إلى الحقوق المحلية لكل أبرشية و تجمع . فيما يتعلق بفرنسا فقد ركزت اهتمامها على مسألة الأرض , و على الإطاحة النهائية بالنظام الإقطاعي و ضربت أيضا الثروات الكبيرة , و قدمت للعالم فكرة تأميم الأرض و تأميم التجارة و الصناعات الرئيسية .
( * ) أي من الشعوب سيأخذ على عاتقه المهمة المرعبة لكن المجيدة للثورة العظمى القادمة ؟ قد يعتقد المرء أن الدور سيكون على روسيا . لكن إذا كان عليها أن تدفع ثورتها أبعد من حدود القوة الإمبريالية , فعليها أن تقارب مسألة الأرض بروح ثورية – كم ستذهب بعيدا في ذلك ؟ هل ستعرف كيف تتجنب الخطأ الذي وقعت بها الجمعيات الفرنسية , و هل ستجمعن الأرض و تعطيها لأولئك الذين يريدون زراعتها بأيديهم ؟ نحن لا نعرف : إن أي جواب على هذا السؤال ينتمي إلى مجال التنبؤ فقط .
( * ) هناك شيء واحد أكيد , هو أنه أيا تكن الشعوب التي ستدخل في مسار الثورة في يومنا هذا , فإنها ستكون وريثة لكل ما فعله أسلافنا في فرنسا . إن الدم الذي أراقوه أريق في سبيل الإنسانية – و المعاناة التي تحملوها كانت ولادة لكل الجنس البشري بأسره , لقد أصبحت نضالاتهم , الأفكار التي قدموها للعالم , و الصدمة التي سببتها هذه الأفكار كلها أصبحت جزءا من إرث البشرية بأسرها . جميعها حملت ثمارا و ما تزال تحمل , ثمارا أحلى , و مع تقدمنا نحو الآفاق العريضة التي فتحتها أمامنا, حيث تضيء هذه الكلمات مثل مشعل يدل على الطريق : الحرية , المساواة و الإخاء .

نقلا عن http://dwardmac.pitzer.edu/anarchist_archives/kropotkin/frenchrev/conclusion.html