ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی

معلومات عن منظمة العمال الصناعيين في العالم Industrial Workers of the World

منظمة العمال الصناعيين في العالم هي اتحاد نقابي يديره أعضاؤه , اتحاد يكرس نفسه للتنظيم في العمل , في صناعاتنا و تجمعاتنا . ينظم أعضاء منظمة العمال الصناعيين في العالم أنفسهم ليحققوا ظروف عمل أفضل اليوم و ليبنوا عالما تسوده الديمقراطية الاقتصادية في الغد . إننا نريد أن تدار معاملنا لفائدة العمال و تجمعاتهم و ليس لصالح حفنة من أصحاب العمل و المدراء .
إننا منظمة العمال الصناعيين في العالم لأننا ننظم أنفسنا حسب الصناعة .
هذا يعني أننا ننظم كل العمال الذين ينتجون نفس السلع أو الذين يقدمون نفس الخدمات في نقابة واحدة , بدلا من تقسيم العمال حسب مهارتهم أو حسب مهنهم , بحيث يمكننا أن نجمع قوانا لنحقق مطالبنا معا . منذ تأسيس منظمة العمال الصناعيين في العالم عام 1905 , قدمنا مساهمات مهمة لنضالات العمال و كان لدينا تاريخ مشرف من تنظيم العمال عبر الحدود بين الجنسين و الإثنيات و الأعراق قبل زمن طويل من الوقت الذي أصبح فيه مثل هذا التنظيم مقبول شعبيا .
إننا ندعوك لتصبح عضوا في منظمتنا سواء كان لمنظمتنا ممثلين في معملك أم لا . إننا ننظم العمال و ليس الوظائف , و ندرك أن النقابات هي أمر لا يتعلق بشهادة حكومية أو موافقة أصحاب العمل بل في أن يجتمع العمال معا ليناقشوا مشاكلهم المشتركة .
هذا قد يعني أحيانا رفض العمل باستخدام آلات أو مواد كيماوية خطيرة .
أحيانا قد يعني الإضراب أو توقيع اتفاق ما . أحيانا قد يعني التحريض حول مسائل أو شكاوي معينة في المعمل أو الصناعة .
إن منظمة العمال الصناعيين في العالم هي اتحاد نقابي ديمقراطي مدار من أعضائه . هذا يعني أن الأعضاء هم الذين يقررون أية مسائل يجب مناقشتها , و أية تكتيكات يجب أن تستخدم , و نحن نصوت مباشرة على موظفي النقابة , من النقابيين في المعمل حتى النقابيين على المستوى الوطني . لم الانتظار ؟ انضم إلى منظمة العمال الصناعيين و تنظم في سبيل مستقبل أفضل .
للانضمام : http://www.iww.org/en/membership/5

مقدمة دستور منظمة العمال الصناعيين في العالم

لا يوجد أي شيء مشترك بين الطبقة العاملة و بين طبقة أصحاب الأعمال . لا يمكن أن يوجد هناك أي سلام طالما بقي الجوع و الحاجة بين ملايين العمال بينما القلة , التي تشكل طبقة أصحاب العمل , تملك كل الأشياء الجيدة في الحياة .
هناك صراع بين هاتين الطبقتين يجب أن يستمر حتى ينظم عمال العالم أنفسهم كطبقة , و يستولوا على وسائل الإنتاج , و يلغوا نظام العمل المأجور , و يعيشوا بانسجام مع الطبيعة .
إننا نجد أن تركز إدارة الصناعات في أيدي عدد أقل فأقل يجعل النقابات غير قادرة على التأقلم مع القوة المتزايدة باستمرار لطبقة أصحاب العمل . تعمل النقابات على تشكيل وضع سائد يسمح بتحريض جزء من العمال ضد جزء آخر من العمال في نفس الصناعة , بحيث تساعد في هزيمة بعضهم البعض في الحروب على رفع الأجور . أكثر من ذلك تساعد النقابات طبقة أصحاب الأعمال في خداع العمال بأن لديهم مصالح مشتركة مع سادتهم .
يمكن تغيير هذه الظروف و أن يجري الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة فقط بواسطة منظمة تتشكل بحيث أن كل أعضاء صناعة ما , أو كل الصناعات عند الضرورة , سيتوقفوا عن العمل معا عندما يكون هناك إضراب في أي من أقسامها , بذلك يكون الضرر الذي يلحق بأحدنا ضررا يصيب الجميع .
بدلا من الشعار المحافظ , “أجر عادل مقابل ساعات عمل عادلة” , علينا أن نكتب على راياتنا الشعار الثوري , “إلغاء العمل المأجور” .
إنها المهمة التاريخية للطبقة العاملة أن تتخلص من الرأسمالية . يجب تنظيم جيش الإنتاج , ليس فقط من أجل الصراعات اليومية مع الرأسماليين , بل أيضا من أجل مواصلة الإنتاج عندما ستجري الإطاحة بالرأسمالية . بتنظيم أنفسنا حسب صناعاتنا فإننا نشكل بنية المجتمع الجديد داخل قشرة المجتمع القديم .

منظمة العمال الصناعيين في العالم – ما يجب أن يعرفه كل واحد
أسئلة و أجوبة عن منظمة العمال الصناعيين في العالم

ما هي منظمة العمال الصناعيين في العالم ؟
إنها اتحاد نقابي نضالي يؤمن بأن مصالح العمال يمكن تلبيتها بأفضل ما يمكن فقط إذا اتحد العمال كطبقة . إنها تهدف لرؤية كل من يحمل نفس تصنيف العمل , كل من يعمل في نفس الصناعة , في نقابة واحدة , و كل من يعملون مقابل أجر في نقابة واحدة كبيرة .
تختلف منظمة العمال الصناعيين في العالم بشكل هائل عن مواقف بقية النقابات في أننا نؤمن بأن مشاكل الطبقة العاملة لا يمكن حلها باستجداء الفتات من أصحاب العمل أو طلب الإحسان من السياسيين . بينما تحارب منظمة العمال الصناعيين في العالم من أجل ظروف عمل أفضل اليوم , إلا أننا نصر على أنه للطبقة العاملة الحق في كل ما تنتج , عوضا عن حصولها على حصة ضئيلة .
سيبقى انعدام الإحساس بالأمان و الجوع بين أولئك الذين يكدحون طالما بقيت طبقة أصحاب العمل التي تستفيد من الأجور المنخفضة و ظروف العمل السيئة للعمال . ترى منظمة العمال الصناعيين في العالم أنه لا يمكن أن يكون هناك حل لضمان حسن سير الصناعات , و لا نهاية للظلم و الحاجة , حتى يلغى نظام الربح نفسه .
في سعيها لتوحيد العمال كطبقة في اتحاد نقابي كبير تسعى منظمة العمال الصناعيين في العالم أيضا إلى بناء بنية نظام اجتماعي جديد و أفضل داخل قشرة النظام القديم العاجز عن توفير حاجات الجميع .

من يمكنه أن ينضم إلى منظمة العمال الصناعيين في العالم ؟
أي كاسب للأجر يمكنه أن يحمل عضوية منظمة العمال الصناعيين في العالم . لا يستبعد أي عامل بسبب عرقه , دينه , قوميته , جنسه أو ميوله الجنسية .
لكنها ليست منظمة للضعفاء أو للجبناء , الذين يستبدلون الأفعال بالكلام . إنها لا تريد الأشخاص الذين يرضون بالسير وراء القادة دون أي اعتراض .
إن منظمة العمال الصناعيين في العالم هي نقابة أنشأها العمال للعمال , الأفضل و الأكثر ذكاءا , و إن أعدادا متزايدة من مثل هؤلاء العمال يحملون اليوم بطاقات عضوية في منظمة العمال الصناعيين . نريد أن نساعد في بناء نقابة ستعيد بناء العالم . إن منظمة العمال الصناعيين في العالم تحتاجهم و هم يحتاجونها .

نقلا عن http://www.iww.org/en

‫مازن كم الماز | Facebook‬

مجزرة الحول و القبير : انفلات جنون الديكتاتور

مازن كم الماز

الحقيقة أشعر بثقل هائل يجثم على قلبي في هذه اللحظة , إن مجزرة القبير تثبت شيئا واحدا فقط أن النظام يلجأ في محاولاته لسحق الثورة إلى أسلوب المجازر الذي قد يتصاعد مع الوقت لدرجات قد لا يتوقعها أكثر المتشائمين بالنظام , بعد مجزرة الحولة خطر لي أن أتأمل في كل ما نسميه مجازر في تاريخ شرقنا و في تاريخنا كبشر , لأحاول فهم كيف يمكن لشخص ما أن يقتل طفلا , مهما حاولت أن تتفهمن يبقى قطع رقبة طفل من الوريد إلى الوريد رغم كل شيء يبقى لغزا حقيقيا لأي إنسان يحاول أن يفهم كيف ممكن أن ننحط كبشر لهذا الحد , ليست مشكلتي هنا في بشار نفسه , واضح أن السلطة , الديكتاتورية أشبه بمرض عقلي يستحوذ على صاحب السلطة , ليس لدي شك في أن الرجل مريض بديكتاتوريته , مرض لا شفاء له منه حوله إلى وحش آدمي حقيقي و أن علاجه الوحيد هو المقصلة , مشكلتي الحقيقية هنا هي مع الشبيحة , مع وجود فقراء علويين مستعدين لتمزيق فقراء سنة , إخوة حقيقيين لهم في سبيل هذا المعتوه بدماء السوريين , كيف أمكن حدوث هذا ؟ … أول شيء يثير الدهشة هو موقف واحد من الضحية , موقف واحد متطابق بين كل القتلة يعتبر الضحية حالة لا ترقى بالمطلق لتكون “إنسانا” , اقل من إنسان , في إحدى مقاطع اليوتيوب يصف بشير الجميل و مقاتليه الجنود السوريين في لبنان آنذاك بأنهم “حوارنة” و بشكل طبيعي جدا يبادره أحد الجنود بسخرية بسؤال منطقي , كم مات من الحوارنة ؟ يجب هنا أن أؤكد , ككادح سوري أيضا هذه المرة و ليس فقط كشيوعي متطرف أناركي أو فوضوي , أن الجندي السوري , حوراني أو شامي أو حتى من بابا عمرو أو الحولة نفسها إن وجد من خدم من أهلها في لبنان في تلك الأيام , لم يكن ملاكا في لبنان , كان يد النظام الضاربة هناك و مارس هناك ما يفعله الشبيحة اليوم في قرى و أحياء حمص و حماة و ادلب , قتل الجنود السوريون و سرقوا و عاملوا اللبنانيين كالأغنام و سخروا منهم أيضا و أهانوهم كلما أمكنهم ذلك أو كلما أرادوا فعل ذلك , الغريب هو أنني في كل مرة أتحدث بهذا الموضوع مع أي سوري يستخدم آلية إنكار أو تطهر غريبة , يضع كل اللوم على الطاغية الأب و كأننا ضحية أيضا بينما كنا نمارس دور الشبيحة لصالح هذا الطاغية ضد اللبنانيين , هل يمارس الشبيحة اليوم نفس آلية الإنكار و الدفاع عن الذات و هم يقطعون رؤوس الأطفال في الحولة و القبير ؟ .. في 6 ديسمبر كانون الأول 1975 اكتشفت جثث أربعة شبان موارنة من حزب الكتائب , كان اليوم يوم سبت , انتشرت الحواجز فورا في بيروت بقيادة جوزيف سعادة , والد أحد أولئك الشباب و عضو حزب الكتائب , طلب المسلحون على تلك الحواجز هويات كل المارة , خلال ساعات كان مئات الفلسطينيين و اللبنانيين المسلمين قد قتلوا عدا عن عدد آخر اختطفوا رهائن و سيطلق سراحهم فيما بعد , بعضهم على الأقل , بعد دفع فدية , أصبح هذا يوم السبت الأسود , بعد ذلك اليوم بست اسابيع هاجم مقاتلو حزب الكتائب و بقية “التنظيمات و الميليشيات المسيحية” حي الكرنتينا الفقير الذي كان تحت سيطرة الفلسطينيين و عاش فيه لبنانيون و سوريون و فلسطينيون و اكراد , يقال أن 1000 إلى 1500 قتلوا هناك , بعد ذلك بيومين قام المقاتلون الفلسطينيون و اللبنانيون المسلمون و اليساريون بمهاجمة الدامور , المدينة الساحلية ذات الغالبية المسيحية ضعيفة الدفاعات , أعدم المنتصرون أولا 20 مقاتل من مقاتلي الكتائب ثم بدأ قتل المدنيين , وصل العدد حسب بعض التقديرات من 500 إلى 600 ضحية , حسب شهادة رجل دين ماروني منصور لبكي , كان المهاجمون يصرخون الله أكبر ! و بعضهم كان يصرخ , دعونا نقيم هولوكوست لمحمد ! يقال أن المهاجمون كانوا بقيادة أبي موسى , قائد فتح الانتفاضة فيما بعد , و كان من بين الضحايا أفراد من عائلة إيلي حبيقة و خطيبته , الرجل الخطير في جهاز أمن القوات اللبنانية يومها ! بعد ذلك بشهور في أغسطس آب نفس العام حققت القوات اللبنانية “المسيحية” أكبر انتصاراتها في الحرب ضد مخيم تل الزعتر , بتغطية و مشاركة مباشرة من مدفعية و دبابات الجيش السوري , اقصد جيش حافظ الأسد الذي خدمنا فيه جميعا , حوصر المخيم أربعة أشهر , يقال أن ميشيل عون كان واضع خطة الحصار و الهجوم هذه و من قدم التوجيه المباشر اليومي للمهاجمين , قتل الآلاف و اغتصبت آلاف النسوة , بعد أن نفذت الذخيرة من مسؤول الجبهة الشعبية قتل و سحلت جثته في شوارع المخيم , قال بعض مقاتلي و مسؤولي حراس الأرز تعليقا على شراسة المجزرة , نحن لم ننس الدامور بعد .. لكن طبيعة المجازر ستتغير مع الوقت , في 1980 ستقتل قوات بشير الجميل قرابة تسعين مقاتل “مسيحي” من قوات منافسه داني شمعون لفرض قيادة بشير الواحدة في المنطقة الشرقية , في سبتمبر أيلول 1982 دخلت قوات الجبهة اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة إلى مخيمي صبرا و شاتيلا بعد مقتل قائدها بشير الجميل , لم تخرج إلا بعد 36 ساعة , تاركة ورائها آلاف جثث الفلسطينيين غارقة بدمائها و على كثير منها آثار التعذيب الجهنمي , جان جينيه , الكاتب الفرنسي المتمرد , الذي عاش جزءا من شبابه صعلوكا لصا متسكعا أو في السجون بتهم السرقة و التسكع , الشاذ جنسيا و “أخلاقيا” , قال عن ما شاهده في صبرا و شاتيلا : إنّ قاتلين قد أنجزوا العملية ، لكن جماعات عديدة من فرق التعذيب هي ، في غالب الظنّ ، التي كانت تفتح الجماجم وتشرح الافخاذ ، وتبتر الأذرعة والأيدي والاصابع ، وهي التي كانت تجرّ، بواسطة حبال ، محتضرين معاقين ، رجالاً ونساءً كانوا ما يزالون على قيد الحياة” , كم كان استمتاع هؤلاء بحفلتهم الصاخبة على أنغام آهات و توسلات الضحايا .. في الأعوام الأولى بعد ظهور يسوع ثم موته , قام اليهود بملاحقة المسيحيين كفرقة هرطقية خارجة عن دينهم الصحيح حتى انقلبت الدولة الرومانية عليهم في وقت لاحق و قمعتهم هم أيضا , لكن الرد أو المجازر بالاتجاه الآخر , مجازر المسيحيين ضد اليهود تأخرت قليلا , بعد إعلان المسيحية دينا رسميا لروما بدأ اتجاه المجازر بالتغيير و تبادل القاتل و الضحية الأدوار , لكن المجازر الكبرى ضد اليهود على يد المسيحيين بدأت تقريبا مع الحروب الصليبية التي كان من ضحاياها أيضا المسلمين و المسيحيين الأرثوذوكس و أولئك الذين صنفتهم كنيسة روما على أنهم هراطقة و الوثنيين أيضا , و ستستمر في ممارسات محاكم التفتيش و بعدها في مجازر روتينية تقريبا تحدث بشكل دوري تعرض فيها اليهود للقتل و الطرد و التعذيب و نهب ممتلكاتهم , كانت إسبانيا الإسلامية أكثر تسامحا بكثير مع اليهود من جيرانها المسيحيين رغم أنها شهدت بعض أعمال العنف أحيانا ضدهم و للسخرية عانى المسلمون و اليهود من نفس القمع و الاضطهاد على يد حكام قشتالة الكاثوليك و من جاء بعدهم و على يد محاكم تفتيشهم بنفس الدرجة تقريبا .. اليهود أنفسهم , كثير منهم ممن قدموا للتو من معسكرات الموت النازية بدأوا حرب تطهير عرقي ضد الفلسطينيين , مسلمين و مسيحيين , مذابح حقيقية لا تقل بدرجة الوحشية عما تعرضوا له على يد النازيين , و واصلوا هذه الحرب حتى اليوم , اليونانيين الذين قاسوا طويلا من عسف العثمانيين استعادوا استقلالهم من خلال مجازر رهيبة بحق الأتراك و الألبان الذين كانوا يعيشون بينهم و كان قسما منهم فقط مرتبطا بشكل أو آخر بالحكم العثماني هناك , لاحظ اليهودي الأناركي الأمريكي من أصل تشيكي فريدي برلمان أن القاتل عادة ما يشعر أنه ضحية , لقد استخدم النازيون قصة المؤامرة اليهودية العالمية لكي يبرروا أنهم هم الضحية , ضحية من يقتلونهم و ليس العكس , و ليس صعبا أن تدرك أن هذا بالذات ما دفع القادمين للتو من معسكرات الموت النازية لذبح الأطفال و النساء الفلسطينيات , دائما تستخدم قصص المجازر السابقة فقط كحجة لمزيد من المجازر , الحقيقة أن كل مجزرة تستخدمها القوى السائدة كمبرر لمجازرها هي , المنطق السلطوي يؤكد نفسه باستمرار , الرد على المجزرة بالمجزرة , الشيء الأكيد هو أن هدفها ليس العدالة و لا حتى الانتقام للضحايا , يقتل الضحايا مرتين , مرة على يد قاتلهم و مرة أخرى على يد من يزعم أن يفتك بخصومه انتقاما لهم , يخطئ من يعتقد أني أريد تمييع مجزرة الحولة و القبير بإنزالها إلى مستوى حدث روتيني حدث من قبل و سيحدث في المستقبل , إننا أمام حدث استثنائي لا يعرف معناه الحقيقي إلا من عاش رعب اللحظات الأخيرة , من كتب عليه أن يكون هناك برهانا من لحم و دم على الرعب الذي يمكن للإنسان ان يخلقه بحنونه , إننا أمام حدث بالغ الأهمية و الاستثنائية لا يمكن أبدا تمريره بأي حال من الأحوال , إننا أمام حدث تاريخي أو فعل إنساني استثنائي يحاصر روحك , يقبض عليها بقسوة , إن أية محاولة للإفلات تبدو و كأنها تقودك فقط إلى جحيم آخر , هناك اليوم من يرقص طربا على جثث القتلى , و هناك اليوم شيئا اشبه بهستيريا الدم , طاغية مجنون بالسلطة و بالاستبداد قرر أن يقتل شعبه , جزءا من شعبه ليعيد الآخرين إلى بيت الطاعة , جان جينيه مرة أخرى , “لم أكن قد لاحظتُ ذلك ، فأصابع يديها كانت مروحية الشكل ، والأصابع العشر مقطوعة بمقصّ . لا شكّ أنّ جنوداً قد استمتعوا وهم يكتشفون هذا المقصّ ويستعملونه ، ضاحكين مثل أولاد وهم يغنون فرحين” , “كيف كان شكل ممارس التعذيب ؟ إنه يفقأ عيني و لن يكون له شكل سوى الشّكل الذي ترسمه وضعية أجساد الموتى، وإشاراتهم الخشنة ، وهم تحت الشمس ، تنهبهم أسراب الذباب” , من صبرا و شاتيلا إلى معسكرات الموت النازية و جحيم الحولة و القبير , إنها نفس القصة , كيف أصابت عدوى جنون الديكتاتور الفقراء العلويين , كيف أصبحوا مجانين بدم إخوتهم مثله , لا شك أن هناك سفلة , ببساطة , من يستطيع فعل أي شيء في سبيل بعض المال , هذا يكفيه , خاصة إذا كان “العمل” ممتعا , لكن لا شك أن هناك من كان يشعر أنه هو الضحية و هو يقطع أعناق أطفال الحولة , لسبب ما , بآلية كذب أو خداع ما للذات , بتماهي ما مع صورة فلاح علوي منهك الجسد على خازوق آغا إقطاعي سني أو ضابط عثماني , كان القاتل يبحث عن “انتقامه” هو أيضا , هذه المرة “دفاعا” عن آغا أو إقطاعي أو ضابط علوي , إنه في هذه المرة يلعب دور قاتل ذلك القريب المجهول الذي قضى ذات يوم , مرة أخرى النقطة الأهم في وعي الكثيرين اليوم للمجزرة هي أن تعدل و تعاد صياغتها لتمنح الضحية القوة الضرورية لتصبح جلادا ذات يوم , لتكر السبحة من جديد , إنه مرض حقيقي , عميق الجذور في وعينا و في رغباتنا الدفينة , إن الاقتراب من الموت يجعلنا شيئا أقرب للآلهة , شيئا يحق له أن يمارس الموت ضد الآخرين , لهذا قد يبدو طبيعيا أن يرتبط جنون العظمة بقوة بجنون الاضطهاد , في الفصام الزوري أو فصام جنون الاضطهاد يرتبط الذعر من مؤامرة ما بشعور مرضي بالعظمة , لا شك أن كل الأنبياء و مدعي الألوهية و المهدية كانوا كذلك أيضا , طغاة في عالمهم الخاص و مجانين في عظمتهم و إحساسهم بازدراء المجتمع أو اضطهادهم كأفراد ليس لهم أي وزن أو وجود فعلي ككل الفقراء , يقول الأناركي النقابي رودولف روكر في كتابه القومية و الثقافة “نفس القوميات التي لم تتوقف قبل الحرب العالمية الأولى عن الثورة على مضطهدها الأجنبي , كشفت عن نفسها اليوم بعد أن حققت الاستقلال كأسوأ مضطهد لتلك القوميات التي تحت سيطرتها و أوقعت بها نفس اشكال الاضطهاد الأخلاقي و القانوني التي تعرضت لها هي من قبل … هذا يجب أن يجعل واضحا حتى للأعمى أن الحياة بانسجام داخل إطار الدولة القومية أمر مستحيل .. هذه الشعوب التي هزت باسم تحررها نير الحكم الأجنبي البغيض لم تكسب شيئا .. في معظم الأحوال حصلت على نير جديد أكثر قمعية من السابق في كثير من الأحيان … إن تحول المجموعات البشرية إلى شعوب لدول قومية لم يفتح عهدا جديدا … إنه اليوم واحدا من أخطر العوائق أمام التحرر الاجتماعي … فإن تعبير “الوطني” يعني رغبة السيطرة لأقليات محدودة و المصالح الخاصة لطبقة أو فئة في هذه الدولة” … لا شك أنه هناك اليوم في سوريا حرب أهلية حقيقية بين نظام خرج جنونه عن السيطرة و بين شعب مسحوق يتلمس طريقه الصعب أو المستحيل نحو الخروج من سجن مظلم , لا شك أن الفقراء يقتلون بعضهم , لا شك أن الموت العبثي يصبح لكثير من السوريين اليوم نهاية لحياة عنوانها القهر و الاضطهاد , لا نعرف عن وجود الفقراء إلا عندما يقتلون , عندما يتألمون من الوحدة و الجوع و الحاجة يصم العالم آذانه عن أنينهم , فقط عندما يحتاج إلى إعادة كتابة فصول جديدة من جنونه بدمائهم يبحث عن موتاهم و ينبش قبورهم و يتذكر اسماءهم , اسماء بلا أجساد , صور بلا وجوه , لا لكي يمنحهم عدالة فقدوها و هم أحياء بل ليكرس انعدام العدالة على هذه الأرض , مالكو النفط في طهران و الرياض و موسكو و الدوحة يحسبون خسائرهم و أرباحهم المحتملة من المشاركة في حفل الشواء الحالي , لا يدخل الفقراء أبدا في حساباتهم هذه , إن دماء الفقراء أرخص بكثير من ذلك , إنه هولوكوستنا , فلنرقص طربا على أنغام القذائف و لنعد قبورا جديدة لموتى جدد , إنه هولوكوستنا , فلنقدم للسادة و لرجال الدين و للسياسيين مادة حمراء صافية ليتنافسوا عليها , باختصار شديد : يقتلنا دينكم و تقتلنا حضارتكم , في النهاية تكتشف أن هناك ارتباط عضوي جدا و متين جدا بين دم الفقراء و حريتهم , لن تتوقف طقوس التضحية ببعضهم بين الحين و الآخر إلا إذا اصبحوا أحرارا , سادة أنفسهم , عدا ذلك سيبقون يتبادلون دور الضحية و الجلاد لصالح سادة قد يتغيرون قد تتغير أديانهم و أعراقهم و طوائفهم لكن لن تتغير أبدا ملامح وجوههم السمينة الكريهة خاصة و هم يرثون ضحايا من الفقراء بقتل ضحايا جدد.

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

كل السلطة للخيال!.. ! دفاعا عن الخيال

سامح سعيد عبود

المقصود بالخيال هنا هو وضع تصورات ذهنية مسبقة بواسطة المخ لإحداث تغيرات بالواقع الطبيعى أو الاجتماعى، هذا الخيال المميز للرئيسيات عموما والعليا منها خصوصا وعلى رأسها الإنسان العاقل، هو السر الكامن وراء كل التطورات التقنية والاجتماعية التى حققها البشر عبر ملايين السنين، والافتقار إلي هذا الخيال لا معنى له سوى الجمود والتخلف،والمشكلة الحقيقية التى تعوق التطور هو أن الغالبية الساحقة من البشر تربى اجتماعيا بحيث تعادى هذا النوع من الخيال وتقاومه وتضطهد من يملكه ويمارسه، فالناس غالبا ما ينشدون استقرار الواقع على ما هو عليه، ويخافون مما يجهلون، وما يطرحه الخيال عليهم من تغيرات عما اعتادوا عليه، إلا انهم فى النهاية ينساقون لاستهلاك كل منتجات الخيال التى سبق وقد رفضوها من القلة الطليعية المبدعة التى تجرأت على تغيير الواقع، والسفر بهم للمجهول.

هذا النوع من الخيال هو ما جعل القرد يضع عصا طويلة فى عش النمل ليسهل عليه اصطياده، أو يسقط حجرا على ثمرة الجوز ليهشمها، وهو ما دفع بإنسان فى الغابة لأن يفكر فى شحذ الحجر لتكون له حافة حادة ليسهل عليه تقطيع لحم الفريسة، وليركب هذا الحجر على عصا ليسهل عليه طعنها من بعد، وهو هو نفس الخيال الذى جعل مايكروسوفت تبتكر نظام النوافذ ليسهل على الناس استخدام الكومبيوتر، بدلا من الدوس المعقد،وهو الخيال الذى جعل مجموعة عمال بسطاء فى قرية روتشدل عام 1844 لابتكار مؤسسة للتعاون الاستهلاكى حمتهم من ارتفاع أسعار السلع، وسرعان ما تحولت فكرتهم البسيطة لحركة عالمية لها منظماتها وقوانينها، وأصبحت أساسا لحركات سياسية واجتماعية تتبنى إقامة مجتمع قائم على أساس فكرة التعاون ومبادئه وأهدافه، وهو نفسه ما دفع صغار التجار والحرفيين المصريين لتطوير نظام الجمعية الشهرية لتمويل أعمالهم بعيدا عن القروض وفوائدها.

كبشر نولد جميعا ولدينا ملكة الخيال فضلا عن ملكات الفضول المعرفى، لكننا اجتماعيا نولد فى مجتمع، تتعمد مؤسساته السلطوية على قمع تلك الملكات،واستأصالها أحيانا، وتقليصها أحيانا أخرى فى الحدود التى تخدم مصالحها واستمرار تسلطها، فالسادة ولكى تستمر سيادتهم، من مصلحتهم أن يقتنع عبيدهم بطبيعية وضعهم وأنه من نواميس الكون،لا يمكن مخالفته، فلا يحلمون بامكانية التحرر من العبودية، ويظل غاية مرادهم، هو استخدام خيالهم لتحسين شروط عبوديتهم، فالمطلوب قطعة لحم أو جبنة على قطعة الخبز الجاف الذى يسمح لهم بها السادة. و من نتائج هذا الفقر فى الخيال، أن عمال شركات التى حكم بإلغاء خصخصتها، طالبوا بعودتها للقطاع العام، وهو ما رفضته الحكومة،وطعنت عليه، دون أن يتخيلوا أنه يمكنهم المطالبة بإدارتها ذاتيا، أو تحويلها لتعاونيات لصالح العاملين فيها.

هذا الفقر فى الخيال تخلقه مؤسسات التعليم التى تعتمد على التلقين والكتاب المكرر بل والإجابة النموذجية، وتقدر حفظ المعلومات واسترجاعها، وعدم تشجيع النقد والاختلاف والإبداع، وتخلقه مؤسسات الدين المنظم والعادات والأعراف الاجتماعية المحافظة التى تستنكر الخروج عن المألوف والمعتاد، ومن أسوء النماذج على ذلك ما يفعله دعاة السلفيين فى أتباعهم، حيث يحولونهم وفق مبدأ الطاعة العمياء لمجرد آلات مبرمجة على الفعل والقول، حيث تحول كل سلوك إنسانى تافه أو غير تافه لديهم ومن لحظة الاستيقاظ وحتى الدخول فى النوم، إلى نمط واحد من السلوك والكلام، من يخرج عليه فقد ارتكب أثما، وفقد ما يثقل من ميزان حساناته يوم الحساب، وتخلقه مؤسسات الإعلام والثقافة التى تحولنا جميعا لمجرد متلقين سلبيين لما تلقيه علينا من مواد، وما تتلاعب به من مشاعرنا، وتحشره فى عقولنا من معلومات، وما تلهينا به من استعراضات،تجعلنا نلهث وراءها دون أن تعطينا فرصة للفهم والتأمل.

ما سبق ذكره ضروري للرد على من يرفضون أى أفكار اشتراكية على أساس أن الاشتراكية فشلت وانهارت فى بلادها الأصلية، والرد على تساؤل غريب عن نموذج لبلد يطبق الأفكار الاشتراكية التحررية الأناركية كى يمكنهم الحكم عليها، لاحظ أن كثير من هؤلاء يحلمون بعودة الخلافة الإسلامية رغم سقوطها هى أيضا، و لا يلتفتون لنماذج حية فاشلة فعليا أمام ناظرينا للنموذج الإسلامى فى الصومال وأفغانستان والسعودية وإيران باكستان والسودان، إلا أنه الكيل بميكالين وهو يؤكد عيبا خطيرا فى طريقة التفكير والاستدلال.

فيما يتعلق بالنظم الاجتماعية لا يجوز النظر إليها بمنطق الفشل والنجاح، إذ أن هذه النظم تعبر عن مصالح طبقات و لا تعبر عن مصالح طبقات أخرى، فالرأسمالية برغم كل أزماتها ومآسيها واخفاقاتها ونجاحاتها ومميزاتها وعيوبها، هى التعبير عن مصالح الرأسماليين، وضد مصالح البروليتاريا، وسوف يظلون يدافعون عنها حتى رمقهم الأخير مثلما دافع الإقطاعيون عن الإقطاع،وسوف تظل البروليتاريا تناضل ضدها، أما الاشتراكية السلطوية التى انهارت فقد كانت تعبر عن مصالح البيروقراطيين، وقد قامت وانهارت لأسباب موضوعية لا مجال لذكرها فى هذا المقال القصير، أما الاشتراكية التحررية (الأناركية) فهى تعبر عن مصالح الغالبية الساحقة من البشر، و لحظات تحققها على نطاق واسع فى التاريخ كانت قصيرة فى روسيا وأسبانيا، وإن كانت تجربة اقليم تشيباس بالمكسيك مازالت قائمة منذ 15 عاما إلا أن هذا ليس مهما على الإطلاق لسببين أولهما أن الاشتراكية التحررية تقوم على أساس الممارسات التعاونية الطوعية والديمقراطية المباشرة، وهى ممارسات وعلاقات ومؤسسات موجودة فعليا فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى العالم كله، وإن كانت هامشية وليست سائدة،السبب الثانى مع افتراض أن الاشتراكية التحررية مجرد كلام نظرى لم يجد طريقه للتطبيق، ألا يستحق منا محاوله تحقيقه على أرض الواقع.

أعتقد أن مشكلات انتفاضات الربيع العربى ترجع فى جزء كبير منها لفقر مزمن فى الخيال فى مجتمعات تأكلها الرجعية والمحافظة والتقليدية وعبادة الشرعية ،والعقليات النقلية والنصية رغم أن الثورة هى الخروج عن المألوف والمعتاد والنقد الأكثر جذرية للواقع، هى الفرصة التى يخرج منها الخيال من قمقمه،و لامخرج من مشكلات الربيع العربى إلا بإعطاء كل السلطة للخيال، وذلك بأن يتخلى الناس عن طوباويتهم الإصلاحية، وأن يتحلوا بالواقعية ويطلبوا المستحيل.

 

http://www.facebook.com/SamehSAbod

تكتيكات اليسار و الثورات العربية

مازن كم الماز

ما زال اليسار العربي , حتى الثوري و التحرري منه , ينظر إلى الواقع , خاصة واقع الثورات العربية , من نظارته الإيديولوجية السميكة , يعتقد اليساريون أنهم يملكون “معرفة” ممتازة بكل ما يتعلق بالثورة .. إننا نتعامل مع الثورة كنموذج , كمخطط , يجب أن نحاول توجيهها في اتجاهها “الصحيح” , كي تتطور و تنتصر و تتقدم , عندما شارك اليسار المصري و السوري في دعوات الإضراب العام و العصيان المدني كنا نعتقد أن هذه تكتيكات فعالة مجربة , مستمدة من تجارب ثورية سابقة , لكن الاستجابة للدعوتين كانت محدودة , إن لم نقل محدودة جدا .. يجب أن نعترف هنا أن اليسار في أفضل الأحوال و في جميع الأحوال لن يشكل إلا أقلية من التي ندعوها جماهير , أقلية تعتبر نفسها “أكثر وعيا” , هنا يجب أن نعترف أننا أمام إشكاليتين : الأولى أن هذا التمايز بين الأقلية “الواعية” و الغالبية غير الواعية هو واقع موضوعي , نشعر به و نلمسه , إننا مثلا نجد أن الجماهير حتى و هي تقوم بثوراتها اليوم ما تزال ضعيفة جدا أمام تأثير قوى دينية أو رجعية و حتى فاشية , يحدثنا التاريخ أن أزمة أوائل الثلاثينيات في ألمانيا دفعت أقساما كبيرة من الطبقات الأفقر و الأكثر تأثرا بالأزمة , العمال و البرجوازية الصغيرة , إلى أحضان الخطاب الفاشي الشعبوي القائم على العرقية و العنصرية و ليس إلى مقاومة النظام الرأسمالي المسؤول الفعلي عن الأزمة , إن قسما كبيرا من الجماهير العربية الثائرة هو اليوم تحت تأثير قوى رجعية بل إن بعضها مغرق في الرجعية ليس فقط فكريا بل سياسيا و اجتماعيا , إن القضية الأخرى في علاقة الأقلية “الثورية الواعية” بالغالبية “غير الواعية” هي الإغراء الدائم بالدعوة إلى ديكتاتوريات نخبوية تلعب فيها الأقلية دور الزعامة , دور السيد المطلق , المستنير و التقدمي , ديكتاتوريات ستنتج دون أدنى شك حالات تتطابق أو قد تتجاوز ما كان سائدا في روسيا الستالينية و أوروبا الشرقية تحت اسم الاشتراكية , من الغباء المطلق اليوم الزعم بأن أية أقلية , مهما كانت “واعية” , ستتصرف بحكمة تجاه هذه الجماهير بينما هي على رأس ديكتاتورية شمولية تقوم أساسا على ازدراء و احتقار الجماهير , يجب أن نعترف أيضا أننا “كنخبة يسارية” بعيدين نسبيا , هذا في أفضل الأحوال , عن الجماهير , إن واقع قسم كبير من الجماهير البائسة اليوم , خاصة أكثرها بؤسا , لا يخفف منه إلا أفيون رجل الدين , خاصة السلفي الذي يجعله حاجة الجماهير لأفيونه و فعالية هذا الأفيون الأقرب إلى هؤلاء الناس من أي “مناضل” , هذا ليس واقعا قدريا لكن يجب التعامل معه بواقعية , ينتمي من أصبحوا يسمون بعد الثورات بالنشطاء أو الناشطين إلى طبقات أعلى في السلم الاجتماعي من جمهور الثورة الأعرض , في سوريا مثلا رأينا في إطار الثورة تمايز تيارين يتباعدان عن بعضهما باضطراد : تيار يمثله فقراء الأحياء المدينية المهمشة و الريف حول المدن الذي مارس تدينا شعبويا متزايدا و استمد مفاهيمه و أساليبه عن مقاومة الديكتاتورية من مخزونه الثقافي الشعبوي الذكوري الأبوي منتجا من جديد وعيا شعبويا دينيا ذكوريا شهدناه يبلغ ذروته في الدعوات لعسكرة الثورة و في تحويل مقاتل الجيش الحر الملتحي إلى أيقونة للثورة , و هو رمز ذكوري فاقع اللون , يرتبط بالعنف كمعيار للذكورة و للسلطة و القدرة على الفعل , مع ذلك لا يمكن إلا لمدعي أو تافه أن يصف الثورة السورية بأنها إسلامية , لم يلعب رجال الدين أو عناصر المنظمات الإسلامية المعروفة أي دور حقيقي في الثورة , و لم يقدموا أية تضحيات جدية في الثورة , بالتأكيد ليس أكثر من الجانب المدني المتعدد الطوائف من الثورة و المناهض لعسكرة و أسلمة الثورة , مع ذلك فقد اكتسبت أطروحاتهم “الدينية” و تفسيراتهم “الطائفية” للصراع بين الديكتاتورية و الشعب المفقر و المهمش شعبية واضحة , غالبة في بعض المناطق , دون أي جهد حقيقي من طرفهم , المساهمة الوحيدة التي قدمها رجال الدين و السياسيون الإسلاميون لم تتجاوز تكرارهم للوعد الإلهي , نفس الوعد الذي خاض نصر الله حربه ضد إسرائيل قبل سنوات , لجماهير كانت تواجه وحدها و بشجاعة نادرة واحدة من أكثر ماكينات القمع و القتل المنظم انفلاتا و شراسة و دموية , إن أي موقف عقلاني من هذه الجماهير من كلام أو تخاريف رجال الدين هذه كان يجب أن يعني تحولها الفوري إلى الإلحاد , هذا الشيء لا يفهمه رجال الدين أنفسهم و لا السياسيون الإسلاميون و هم يفسرونه على أنه “فتح رباني” , بشارة النصر القريب , الحقيقة أن وعي هذه الجماهير مغيب أو معتمد بقوة على الأفيون الغيبي لدرجة أنها لا تلاحظ كم هي تخاريف رجال الدين هذه قاسية بحقها أساسا و لا تكترث لها , بل تطالبها بشكل مستفز بالمزيد من الموت و القتل كشرط كما تدعي لنصرة السماء , إنه أشبه بمشاهد التطهر العاشورائية الشيعية أو الصوفية , عندما يكون الألم الذاتي جزءا ضروريا من تجرية طقسية خلاصية , هنا يقوم الدين بدور الأفيون الذي يجعل هذا الألم محتملا من جهة و يجعل إدمان ذلك الأفيون الألم يبدو و كأنه عنصر ضروري من عملية التطهر التي تتطلب المزيد و المزيد من الألم , إن تحمل الألم الذاتي بهذه الطريقة هو أقصر الطرق إلى موقف مازوخي من الذات , إلغائي للذات كشرط للتماهي مع مطلق خرافي , يجسده رجل الدين و السياسي الذي يضع قناعا إسلاميا , أنا أعتقد أن واحدة من أقسى المشاهد اليوم في سوريا و أكثرها نفاقا , بعد مشاهد ذبح السوريين المنتفضين على أيدي شبيحة النظام , هي مشهد رجال الدين الذي يصفقون للسوريين الذاهبين إلى الموت و يطالبونهم بالمزيد , بينما رجال الدين هؤلاء قد اختاروا الحياة , ليس أي حياة بل اختاروا حياة من نوع خاص , حياة السلاطين و ولاة الأمر , إنهم لا يستشهدون و ليسوا مستعدين لذلك , إنهم يمارسون بوعي كامل كما أزعم عملية خداع حقيقية ضد هؤلاء الناس , لكنه خداع جميل مرغوب من الضحايا , خداع أعتقد أنهم يبررونه لأنفسهم بالاستسلام المطلق من جماهير أتباعهم لخرافاتهم , الأمر الذي يفسرونه مرة أخرى على أنه فعل رباني لأنهم أكثر من يدرك تفاهة ما يقولون .. ماذا عن مثقفي الثورة السورية ؟ عن علاقتهم بهذه الجماهير , بفئة رجال الدين الصاعدة , و تفسيرهم لما يجري … البعض , ممن انبثق فجأة من تحت الأرض , حمل على عاتقه مهمة الدفاع عن العسكرة و التطييف بكل قوة , إما بالإنكار أو بالإصرار على صحة هذه العسكرة و التطييف , أشخاص لم يلعبوا أي دور في الثورة , مثلهم في ذلك مثل رجال الدين , لم يفعلوا أكثر من تخوين كل من يحاول انتقاد أية ظاهرة سلبية بل خاصة ما يمكن تسميتها بالظواهر السلبية في الثورة السورية , إننا هنا أمام “مثقفين ثوريين” تقليديين يمكن رؤيتهم في كل ثورة .. بالمقابل هناك من محللي ظاهرة أو ظواهر الثورة السورية من يقدمونها كحالة قدرية لا سبيل إلى تغيير أي شيء فيها , يجب قبولها كما هي , إن هؤلاء يعطلون واحدة من أهم أنماط السلوك الإنساني أو الوعي الإنساني , و هي محاولة وعي اللحظة الراهنة و تغيير ما هو خاطئ في السلوك الممارس , أنا لا أريد أن أدخل في نقاش تبسيطي أو اتهامي يتهم هؤلاء بالمازوخية أو بالسادية الخفية أو بالمشاركة في عملية الخداع هذه إما كضحايا أو كمنافقين لأني أعتقد أن الموضوع أعقد من هذا , لكن الثورة , مثل أي ظاهرة إنسانية , ليست حالة قدرية , للبشر , خاصة لمن يقوم بها , قدرة هائلة على تصحيح ما قد يتراءى لهم أنه ممارسة خاطئة فيها , إن العنف كرد فعل على العنف , كدفاع عن النفس , أي كفعل سلبي , يختلف تماما عن العنف كفعل إيجابي , كعنف لأجل العنف , إن العنف هو تعبير عن الإكراه و ليس العكس , فالعنف ليس نفيا للإكراه , العنف هو تعبير عن سلطة , قائمة أو وشيكة , العنف كتعبير عن الإكراه و كظاهرة ذكورية أبوية بامتياز يعني شيئا واحدا : إعادة إنتاج سلطة , عسكرية في الأغلب , سيشكل الدين فقط صورتها الخارجية لكن جوهر السلطة التي تنتج عن مثل هذا العنف هي سلطة من يملك العنف و من هو مستعد لاستخدامه بكل قسوة و انفلات , تماما كما هو حال النظام السوري اليوم , إن تبني الإسلاميين السريع و المتحمس لظاهرة العنف “المضاد” ملفت للنظر , يقال هنا أيضا أن الإخوان يسيطرون عمليا على مكتب تقديم المساعدات للجيش الحر في المجلس الوطني , يجب هنا لكي نكون منصفين أن نقول أن هذا العنف لو كان يمارس من بشر ذكوريين أبويين ساديين لكن من “المؤمنين” بأفكار اليسار لكان اليسار قد اعتبره “شرعيا” بل و “ضروريا” و جزءا من الصراع الطبقي نفسه , لقد مارس اليسار نفسه أو جزءا منه مثل هذا العنف في مراحل مختلفة لعل أهمها هي الثورة الروسية , و مارس هذا النوع من الإرهاب الذي سمي يومها بالإرهاب الأحمر , لكن الإرهاب أيا كان لونه فمضمونه واحد , الإرهاب ضد الناس لا يمكن أن يكون خلاصهم و لا طريق خلاصهم .. إذا كنا نعترف بأننا أقلية و إذا كنا نرفض في نفس الوقت أن نقيم ديكتاتوريتنا الخاصة كأقلية مستنيرة أو واعية أو تقدمية , فإن السؤال يصبح : ماذا علينا أن نفعل إذن ؟ البعض كما قلت اعتبروا أن السير بشكل أعمى مع التيار هو الخيار الوحيد أو الأقرب للصحة , هم , في الحالة السورية , لا يدعون مباشرة مثلا للقتل الطائفي و لا يبدو أنهم مستعدون للمشاركة فيه لكنهم يبررونه و يجدونه قدرا لا راد له أو حالة من حالات الثورة لا يمكن نكرانها إلا بالخروج من الثورة نفسها , و لا يمارسون أسلمة مباشرة لعلمانيتهم المفترضة لكنهم يرفضون نقدها أو يعتبرون هذا النقد انفصاما عن المكون الشعبي للثورة , و هذا صحيح إلى حد كبير , البعض يتحدث عن أولوية عوامل “خارجية” و يراهن عليها , مثل تأثير القوى الغربية و حلفائها في الخليج على الإسلاميين السوريين و على احتوائهم و بالتالي إمكانية فرملة أي تطور باتجاه ديكتاتورية دينية أو عسكرية قادمة و هؤلاء من أكبر المتحمسين لثورة شعبية في الأسفل و لقيادات فوقية معزولة تماما عن القاعدة الثورية تقوم على محاصصة بين الإسلاميين و الليبراليين الضعيفين جدا على الأرض , ربما الأكثر ضعفا من اليسار نفسه , محاصصات تقوم في نظرهم على موازنة شعبية الإسلاميين و تبنيهم للعنف “المضاد” للنظام بقوة تأثير القوى الغربية “الديمقراطية” و حلفائها الخليجيين على قيادات هؤلاء الإسلاميين , إن هؤلاء لا يضيعون الوقت بأي عمل على الأرض بل يركزون على حضور المؤتمرات و الجدال مع أصدقائهم – خصومهم فقط , البعض يحاول أن يقوم بنشاط ما , تنظيمي فكري سياسي , لكن بنفس أساليب و أفكار اليسار القديم بل بنفس أساليب و أفكار اليسار البلشفي الذي يصور على أنه النسخة الثورية من اليسار .. من الطبيعي عندما ترفض أن تفكر حتى في إنتاج ديكتاتوريتك “لدفع عجلة التطور و التقدم إلى الأمام” , أن يكون خيارك هو النضال بين الناس , كواحد منهم , ليس كواحد فوقهم , لكن هذا أيضا خيار مأزوم إلى حد ما , في ظل تباين حقيقي في “الوعي” و الأهداف و الأساليب بينك و بين هؤلاء الناس , خاصة من تعتبرهم جمهورك هذا إن لم تكن ترى أنك قد انسلخت عن طبقتك و أصبحت تعتبر نفسك واحدا منهم : أتحدث هنا عن الناس الأفقر و الأكثر تهميشا , الأقرب إليك اجتماعيا و الأبعد عنك فكريا و سياسيا , لكنه الخيار الوحيد الممكن بالنسبة لأي تحرري في هذه المعمعة .. إن جزءا هاما من فعل من يسمون بالناشطين في سوريا يأخذ اليوم شكلا منفصلا تقريبا عن الفعاليات الروتينية للثورة في المناطق الأكثر تهميشا و التي تتدرج من التظاهر إلى العمل المسلح , مؤخرا بدأ “الناشطون” السوريون شيئا أشبه بهجوم مضاد موجه في الحقيقة ضد طبيعة الثورة كما طبعها به المكون الأكثر فقرا و تهميشا في الثورة , الذي تقدم بعيدا في مجال تديين و عسكرة نشاطاته , إن حراكهم في دمشق و جامعة حلب وضعهم تحت الاستهداف المباشر من قوى قمع النظام , لكنه استهداف يفتقر للقسوة و الدموية التي تميز عنف النظام الموجه ضد المكون الأكثر شعبية و فقرا في الثورة , جرى هذا الحراك تحت شعارات الثورة الأوسع كالحرية لكن إلى جانب ذلك كانت هناك شعارات معادية للعسكرة و للتطييف و داعية لسلمية الثورة , لكن هذا العمل “الدفاعي” من جانب المكون الأغنى طبقيا و “الأكثر وعيا” يعني في الحقيقة و لو جزئيا التسليم بخضوع غالبية مهمة , خاصة من السنة في الأحياء المهمشة في حمص و مناطق نفوذ الإسلاميين التقليدية في حماة و ادلب , للهيمنة العقلية ( أعتقد أن هذا الوصف أدق من غيره ) لرجال الدين .. تشبه الثورة , أو الشعوب , إلى حد كبير , الإنسان المراهق , الذي يجد نفسه متمردا على محيطه , و أكثر ما يكرهه هو أن يقول له شخص ما كيف عليه أن يتصرف , إنه يشعر بشكل غريزي أن كل من يحاول أن يتذاكى عليه و يقوم بتوجيهه إنما يمارس سلطته عليه , إنه يرفض السلطة الفظة المباشرة في هذه الفترة المضطربة لكنه مع ذلك يخضع للكثير من السلطات غير المباشرة التي تستخدم آليات أعمق غير صريحة لإخضاعه لسلطانها , للأسف الشديد , ليس أمامه إلا أن يتعلم من أخطائه فقط , البديل الآخر الوحيد عن عملية التعلم الذاتي المكلفة هذه هو أن تعامله كما فعل البلاشفة مع العمال الروس أو الأنبياء و المصلحين مع الناس في كل العصور , أن تخاطبهم و تقودهم بطريقة سلطوية , أن تخدعهم و تقمع معارضة بعضهم و تقمع فيهم جميعا أي توق للحرية أو للاستقلال عن صورة “الزعيم” أو “المخلص” .. هل هذا أخيرا إقرارا بعجزنا , كبشر و ليس فقط كيساريين , في التأثير فيما يجري حولنا ؟ يجب أن نعترف أنه إذا سارت الأمور في طريق الحرب الأهلية فالجواب نعم كبيرة جدا جدا , سنكون جميعا خارج القدرة على التأثير فيها , من يملك القدرة على التحكم في الحروب الأهلية هو من يملك أدواتها : العنف و القدرة على تهييج المشاعر الطائفية , و هذا ليس من أسلحتنا للأسف , أيضا للحروب الأهلية منطقها الذاتي و هي عادة تنتهي بسلطات استبدادية , سلطة المنتصر هي عادة سلطة قمعية بالضرورة , سلطة قامت بشكل مباشر على العنف و ستستمر غالبا باعتمادها الرئيسي على العنف كمصدر لشرعيتها و لاستمراريتها , لا أعتقد أن البيض لو انتصروا في الحرب الأهلية الروسية كانوا سيقوموا بأكثر مما قام به البلاشفة أنفسهم هناك , الخاسر الأكبر في الحروب الأهلية هي الطبقات الأفقر , إنهم وقودها و هي تنتهي دائما باستلاب جديد لهم .. هناك نقطة مهمة جدا اليوم , هي أننا بشكل غير مباشر نحدد اليوم صفات و فكر الجماعة المحظورة من قبل النظام القادم , ليبراليا كان أم إسلاميا أو ليبراليا إسلاميا , هذه الجماعة المحظورة التي قد تكون في مقدمة الموجات الثورية القادمة كما هي عادة هذه الموجات , هذا إذا تمكنت البشرية من النجاة من الأزمات البيئية و الاجتماعية و نزعات العنف المدمرة التي تدفعها البرجوازية نحوها بكل قوتها , يجب أن نكون واضحين جدا اليوم , مثلا فيما يتعلق بالعنف , بالإكراه , لقد مررت من قبل على قضية العنف , يجب الاعتراف أن هدف آخر ثورة “عنيفة” , ثورة البروليتاريا و بقية المضطهدين , هي القضاء على العنف من علاقة الإنسان بالإنسان , القضاء على الإكراه من علاقة الإنسان بالإنسان , إن العنف كممارسة سلطوية , كجوهر للسلطة التي هي احتكار العنف أو احتكار شرعية استخدامه , لا يمكن أن يكون طريق الخلاص , إذا أنتج سلطة جديدة , تقوم مرة أخرى على احتكار العنف و على احتكار القسر , سنكون أمام ضرورة ثورات جديدة ضد سلطة لا تعبر عن الناس بأكثر من احتكارها الدائم للعنف ضدهم و إجبارهم على الخضوع لها و من شعبوية عابرة سرعان ما تحولها الطغمة الحاكمة إلى قيد , إلى نير , على أكتاف هؤلاء الناس .. مع الاعتذار للتشخيص التروتسكي الذي يقول أن نقطة ضعف الحركة الثورية تكمن في “غياب قيادة ثورية” , فإنني أزعم أن ضعف أو غياب ثقافة التنظيم الذاتي عند جماهيرنا و عند جماهير المضطهدين عموما في العالم اليوم , هي نقطة الضعف القاتلة في الموجة الثورية الحالية , لقد نظمت الجماهير حياتها أحيانا بشكل مستقل عن الجميع , لكن فقط للحظات و دون أن تنتبه لأهمية ما قامت به , و ظلت حتى و هي تفعل ذلك تحلم بالمستبد العادل , بالمخلص , إنها فاقدة الثقة بنفسها لدرجة تمنعها من التخلص من أكثر الناس طفيلية في التاريخ : السياسيون , أو بالأحرى , السادة .. لو نظمت الجماهير حياتها بشكل ذاتي و حر و طوعي لكان أفيون رجال الدين أو نظرائهم العلمانيين أو الليبراليين أو اليساريين قد بقي أفيونا روحيا و لم يتحول إلى وعد بسجون جديدة و معسكرات اعتقال و فرق موت أو إعدام و محاكم تفتيش جديدة , قد تكون أسوأ مما عرفته سابقا .. لأن هذا الكلام ليس دعوة استسلامية أو انهزامية و لا للقفز من مركب يتأرجح بقوة وسط أمواج عاتية وسط ضبابية شبه كاملة , فإني أعتقد أن محاولة بناء ثقافة التنظيم الذاتي عند الجماهير , التي هي ليست أكثر من التركيز على تجاربها هي بالذات , تجارب صنعتها هي نفسها دون أن تدري أهمية و تاريخية ما صنعت , بناء هذه الثقافة هي أهم جوانب العمل الدعائي لليسار الثوري و التحرري القادمة , قد يكون من الضروري أيضا اليوم و في الغد تقديم ضحايا على مذابح الأنظمة القائمة و القادمة , لكن هذا ليس هو الفعل الأهم لليساري , من سيقرر القيام بهذه التضحية سيقوم بها على اساس أخلاقي فقط و ليس على أساس سياسي كما أعتقد , عدا عن خطورة تحول هؤلاء لأيقونات يسارية أيضا , فوجئت في هذا الصدد بأن غيفارا بالنسبة لكثير من اليساريين المؤمنين به ليس إلا نموذج صنمي ذكوري أبوي لمخلص جديد , نموذج يرتبط بالعنف أكثر من ارتباطه بالعدالة مثلا أو بالحرية … رغم كل الصعاب و كل الأخطار فإن الآمال كبيرة أيضا , صحيح أننا كبشر محدودي القدرة على الفعل و التأثير في المجتمعات السلطوية التي يكاد ينحصر فيها الفعل في رأس الهرم السياسي الاجتماعي أي السلطة لكن لا يمكننا القبول بهذا , أيا تكن أقدارنا , فإن الجزء الأساسي فيها نكتبه نحن , هل سنعيش عبيدا , هل سنعيش كما يريد لنا السادة أم نقاتل في سبيل حريتنا حتى النهاية , في هذا الصراع لا يمكن القول أن النتيجة لا تهم , لكن الاستسلام للعبودية أسوأ شيء , أسوأ قدر على الإطلاق , قد يبتلى به الإنسان , أسوأ بما لا يقاس من العبودية ذاتها

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=likes

تئوری آنارشیستی(*): یا ازش استفاده بکن یا از دستش بده / 6

نوشته : ای یان مک کی

ترجمه : پیمان پایدار

 قسمت ششم


مشتاقانه به آینده نگریستن …


موری بوکچین درست گفته است در کتاب گوش کن، مارکسیست‘! وقتی بحثی این چنین میکند : “غلط نکنم ما پس بالاخره کی (**) میخواهیم به ایجاد یک جنبشی دست بزنیم که به آینده نظر داشته باشه تا به گذشته ؟ کی میخواهیم شروع به یادگیری از چیزی که داره به دنیا میآد بکنیم بجای اونی که در حال مردن است ?مارکس ، به اعتبار پایدار خود، سعی به انجام این کار در دوران خود میکرد ; او سعی در بیرون کشیدن روح آینده در جنبش انقلابی در دهه سالهای 1840 و 1850 (39) کرد “.


با این حال، بوکچین اشتباه کرد وقتی مدعی شد که این سهم / پیشیاره مارکس از1852هجدهم برومر لوئی بناپارت بوده است .

مارکس صرفا به تکرار پرودون، که در آوریل 1848 ، رادیکالها را مشتاقانه به آینده نگری تشویق میکرد پرداخته است :

این با 93′ و تمامی نفاق / ناسازگاری ها است که بر ما حکومت میشودچیزی که ما اینجا داریم
پدیدەای از روانشناسی اجتماعی است که سزاوار اکتشاف بیشتری میباشدپس چه هست این دغدغه عجیب و غریب که، در زمان انقلاب، ثابت قدم ترین اذهان را گیج و مات کرده، و ، زمانی که
سوزش آرمانهایشان آنها را به آینده سوق میدهد ، به طور مداوم عطف به گذشته میکنند؟آیا [جامعه] نمی‌تواند نگاه خود را در جهت آنی که در جریان است (40) بر گرداند؟


این برای امروز نیز صدق میکند . کریس هارمن (41)که متعلق به شاخه انگلیسی حزب (+) اس.دبلیو. پی است، برای مثال، در مورد شورش (آنارشیستی 2001-مترجم) آرژانتینی ها علیه نئولیبرالیسم و تشکیل انجمنهای محلەای شان نوشت که آنهانزدیکتر به بخشجلسات تودەای منطقه شبانهاز انقلاب فرانسه بودند تا شوراهای کارگری سالهای 1905 و 1917 انقلاب روسیه“. او گله و شکایت کرد که قیام قرن 21می الگو/ نمونەی راستین انقلاب قرن 18 می بخودش گرفته !” آیا آرژانتینی‌ها تشخیص نداده بودند که شورش قرن 21می میبایست تقلید مبارزات عظیم طبقه کارگر قرن 20می باشد ؟ به ویژه آنی که در رژیم عمدتا ما قبل سرمایەداری تزاری بوقوع پیوست که تازه به سختی خودش از قرن 18م بیرون آمده بود . آیا آنها درک نمی‌کنند که رهبران حزب پیشرو (ونگارد) بهتر از آنها می دانند که چگونه باید مبارزات خود را سازماندهی و هدایت کنند؟


اینکه مردم قرن بیست و یکم میدانستند که چگونه به بهترین نوع از سازماندهی شورش‌های خود بپردازند به مخیله هارمن ، که ترجیح میدهد واقعیتهای مبارزات مدرن را با فشار به درون اشکالی که مارکسیستها خودشان کلی طول کشید تا در وهله اول به تشخیص آن برسند، خطور نکرده و گم گشته است. با این حال، تا حدی پیشرفت صورت گرفته بجای تمرکز بر روی 1793، بیشتر در کمپ چپ به اصطلاح انقلابی امروز نگاه به 1917 بر میگردد.

ادامه دارد :

http://naskhad.blogspot.co.uk/

***************************

(*)Anarchist Theory: Use it or Lose it / BY: Iain McKay(One of the five Collective members of A.S.R : Anarchist Syndicalist Review) # 57،Winter 2012 یکی از5 عضو کلکتیو( محفل) ‘ بازنگری آنارکوسندیکالیستیدر آمریکا


(**)When the hell


(39)موری بوکچین ، آنارشیسم پساکمبودی(آ. ک. پرس،2004) ، صفحه. 108 Murray Bookchin، Post -Scarcity Anarchism(AK Press،2004)،p.108.

(40)مالکیت دزدی ست !صفحه،. 308


(41)Chris Harman” آرژانتین :شورش در انتهای تیز از بحران جهانی، سوسیالیسم بین الملل شماره 94 ،صفحات 48-3


“Argentin”:rebellion at the sharp end of the world crisis”
(+) Socialist Workers Party (حزب کارگران سوسیالیست( ترتسکیستمترجم

الأناركية .. ماهى؟

تامر موافي

أناركى هى كلمة يونانية قديمة تعنى حرفيا لا حاكم أو لا سلطة و قد أستخدمت الكلمة طوال قرون فى الكتابات الغربية لتشير إلى حالة بلد أو إقليم جغرافى حال تفكك أو سقوط السلطة المركزية المسيطرة عليه مما يؤدى إلى صعود قوى مختلفة تتصارع للحلول محلها محدثة حالة من فوضى الحرب الأهلية و من ثم أصبحت الكلمة فى اللغات الأوروبية المختلفة مرادفة للفوضى.

فى المقابل فإن الأناركية كنظرية و فكر سياسى و كحركة إجتماعية تبلورت لأول مرة فى النصف الثانى للقرن التاسع عشر فى إطار نشأة الحركات العمالية و الإشتراكية. و إتخذ بعض أوائل مفكريها مسمى الأناركية بمعنى اللاسلطوية إذ دعوا إلى أن ينظم المجتمع شؤونه ذاتيا دون تسلط لفرد أو جماعة على مقدرات و حياة غيرهم.

اللاسلطوية تعنى الغياب التام للسلطة و ليس تفكيك السلطة المركزية لسلطات متناحرة تحدث الفوضى فى المجتمع و هى تعنى إستبدال مؤسسات الدولة المركزية و الهرمية بمؤسسات شعبية أفقية – أى لا يكون فيه تراتبية هرمية – و شبكية – أى لا مركزية ترتبط كل منها بالأخرى للتكامل و لإدارة الموارد المشتركة و إتخاذ القرار فيما يخصها.

على المستوى النظرى ينشأ الإقتناع باللاسلطوية عن الإيمان بالحق الطبيعى لكل إنسان فى أن يكون هو وحده سيد مصيره دون غيره من البشر؛ بمعنى ألا يمتلك أى فرد أو جماعة من السلطة عليه ما يسمح لهم بتشكيل حياته رغم أنفه بما يفرض عليه ظروفا لم يكن شريكا فى إختيارها.

من خلال هذا المبدأ يمكن فهم موقف الأناركية الرافض للدولة كشكل من أشكال تنظيم شؤون المجتمع يقوم على تركيز السلطة فى أيدى أقلية تشكل خياراتها الظروف الحاكمة لمعيشة جميع أفراد المجتمع مما يعنى إستلاب حق الآخرين فى حرية إختيار ما يحقق مصالحهم الحقيقية و أهم من ذلك ما يحفظ حقوقهم الأساسية بدءا بالحق فى الحياة و حتى الحق فى السعى إلى السعادة. و من خلال المبدأ ذاته يمكن فهم حقيقة أن الأناركية نظرية و حركة إشتراكية فى الأساس و معادية للرأسمالية كنظام إقتصادى و إجتماعى يكون فيه لأقلية أن تسيطر على موارد المجتمع و على رؤوس الأموال فيه و من ثم تحتكر إدارة الإقتصاد بما يحقق مصالحها المتمثلة فى تحقيق أكبر ربحية ممكنة و مما يسلب الغالبية العظمى من حق إدارة الإقتصاد بما يحافظ على حصولها على حاجاتها الأساسية و حقوقها الإنسانية فى الغذاء و الكساء و المأوى و مما يحكم على هذه الغالبية بدرجات متفاوتة من الفقر يحرم أفرادها من حقهم الطبيعى فى تنمية قدراتهم إلى أقصى حد ممكن فيحرمهم و يحرم المجتمع كله من ثمار هذه القدرات.

ترفض الأناركية أيضا كل أشكال السلطة الممارسة داخل المجتمع فى مظاهر التمييز على أساس الجنس و العنصر و الدين إلخ. و ينبغى هنا توضيح أن الأناركية ترفض أن تمارس الدولة أو أى مؤسسة أى سلطة باسم الدين و لكنها لا تعادى الدين فى ذاته لأن حرية الإعتقاد و حرية ممارسة الشعائر الدينية تدخل جميعا فى إطار الحقوق الأساسية للفرد و المجتمع. على الأساس نفسه ترفض الأناركية، الفاشية القومية التى تسعى لتذويب الأقليات العرقية و قمع الإختلاف الثقافى و لكنها لا ترفض أو تتدخل فى الإنتماءات القومية و مشاعر الوطنية و الخصوصية الثقافية للجماعات البشرية.

البديل الذى يطرحه الأناركيون هو مجتمع من المنتجين. و يقصد بالمنتٍج كل فرد يبذل جهدا ذهنيا و بدنيا يترجم إلى قيمة إستعمالية مضافة لسلعة أو خدمة يستهلكها أفراد المجتمع. و يسيطر هذا المجتمع على جميع الموارد و وسائل الإنتاج المتاحة و يدير عملية الإنتاج فى المؤسسات الإنتاجية و الخدمية العاملون بها و تتخذ القرارات الأساسية بها الجمعيات العمومية بينما ينتدب بالإنتخاب أعضاء لجان و مجالس يؤدون وظائف محددة تكلفهم بها الجمعيات العمومية مع إمكان إستدعائهم بمعنى إلغاء إنتدابهم فى أى وقت. و بنفس نمط الإنتداب و التكليف و القابلية للإستدعاء تنتخب لجان و مجالس لإتحادات عمالية تنسق العمل فى كل قطاع إنتاجى أو خدمى على مستوى الأقاليم أو البلدان أو على أى مستوى آخر. و يوجه عملية الإنتاج فى مجملها سائر المجتمع من خلال الطلب المباشر على السلع و الخدمات و من خلال رقابته على جودة المقدم منها و سيطرته على توجيه الموارد إلى المؤسسات المختلفة.

فى المقابل يدير السكان فى مناطق سكنهم شؤونهم اليومية من خلال آليات مشابهة تبدأ بالجمعيات العمومية للمجاورات السكنية و بالقرى الصغيرة و تتوسع بمجالس إنتدابية للوحدات الأكبر فالأكبر.

هذا الطرح فى خطوطه العامة يستلهم نماذجه من تجارب فعلية للإدارة الذاتية مارسها العمال و السكان فى إطار الثورات الشعبية فى مختلف أنحاء العالم عبر التاريخ الحديث كما يبنى على التجارب الناجحة لتعاونيات العمال و تعاونيات العمال و المستهلكين القائمة اليوم فى بلدان مختلفة فى العالم. و هو فى النهاية ليس برنامجا تفصيليا حيث أن تفاصيل الآليات التى يدار بها المجتمع ذاتيا هى نفسها خاضعة لإختيار أفراد هذا المجتمع و ما يتوافقون عليه، و يجتهد الأناركيون فى طرح تصوراتهم لمثل هذه الآليات لإثبات إمكان وضع تصورات عملية و منطقية للكيفية التى يمكن بها للمجتمع أن يدير شؤونه دون الحاجة لسلطة.

يؤمن الأناركيون أن الوسائل لا تنفصل عن الأهداف التى تستخدم لتحقيقها و من ثم فإن بناء المجتمع الأناركى لا يمكن أن يتم بإستخدام السلطة و لا يمكن فرضه على المجتمع رغما عنه بأى سبيل، و لذلك يرفض الأناركيون السعى للإستيلاء على السلطة سواء كان ذلك عن طريق صناديق الإنتخاب أو عن طريق العمل الإنقلابى المسلح.

فى المقابل يؤمن الأناركيون بأن كفاح الطبقات الكادحة من عمال و فلاحين و مهمشين فى سبيل نيل حقوقهم هو المدرسة الحقيقية التى يتعلمون من خلالها سبل التعاون الفعال لإدارة كفاحهم ذاتيا و بذلك يكون نضالهم هو النواة الأولى لبناء المجتمع الأناركى فى قلب المجتمع الطبقى، و لذلك يسعى الأناركيون إلى طرح البديل التحررى لإدارة النضالات اليومية لهذه الطبقات و يدعمون مبادراتها الذاتية لخلق مؤسساتها النقابية و التعاونية. و ينخرط الأناركيون بنشاط واضح فى كل مظاهر الإحتجاج السلمى الموجهة للدفاع عن حقوق العمال أو المرأة أو الأقليات و الفئات المضطهدة فى المجتمع و كذلك الموجهة ضد العولمة و ضد تغول الرأسمالية العالمية على البيئة و تعريضها للجنس البشرى كله لكارثة بيئية حتمية إن إستمرت ظواهر الإحتباس الحراى و التلوث البيئى فى التمدد دون مجابهة جادة.

فى النهاية فإن الأناركية مقارنة بحجم إنتشارها المحدود تعتبر أكثر التيارات السياسية تعرضا للهجوم و التشويه و يعد الإتهام بممارسة العنف أكثر الإتهامات الكاذبة شيوعا عن الأناركيين رغم أن الحقيقة التاريخية تثبت أنهم أقل التيارات السياسية ممارسة للعنف و بفارق كبير عن غيرهم. و برغم أن الفئة الضئيلة من الأناركيين الذين آمنوا بأن أعمال العنف تصلح سبيلا لحفز الجماهير على الثورة عاشت و مارست عنفها فى بداية القرن الماضى ثم إختفت و لم يعد لها وجود بين تيارات الإناركية المعاصرة. و لا يمكن تبرير حجم التشويه الذى تتعرض له الأناركية إلا بأنها كغيرها من التيارات الإشتراكية المؤمنة بالثورة أى السعى للتغيير الجذرى للمجتمع تمنح البشر الأمل فى أن بالإمكان بناء عالم أفضل و أنه ليس عليهم الإستسلام لدعاوى ال5% من سكان هذا الكوكب المسيطرون على مصائره بأن فوضى إستغلالهم و إستبدادهم و حروبهم و الفقر الذى يفرضونه على الغالبية هى قدر محتوم لا سبيل للفكاك منه.

الأناركية .. ماهى؟

ما هي الأناركية

جون فلود

نسخة للطباعة وللتوزيع 


” انهضوا كما تنهض الأسود من سباتها/ بأعداد لا حصر لها/ انفضوا عنكم السلاسل التي تربطكم إلى الأرض / التي ألقيت عليكم وانتم نيام/ كما تنفضون قطرات المطر / انتم كثير  وهم قلائل”

الشاعر الانجليزي برسي شلي

خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين نهضت الحركة العالمية الأناركية من سباتها العميق، في أنحاء كثيرة من العالم تكتسب الأفكار وطرائق التنظيم الأناركية  أرضية قبول أوسع من ذي قبل، وبالرغم من ذلك، لازال الكثيرون يربطون ما بين الأناركية والعنف، والتخريب، والفوضى، هذا المفهوم الخاطئ عن الأناركية يتم دعمه عبر وسائل ومؤسسات الأعلام الجماهيري، من قبل أولئك الذين يرغبون في تشويه الحركة الأناركية، ومن نافل القول، إن هذه الفكرة المغلوطة عن الأناركية لا تحمل أدنى علاقة مع مفهوم المجتمع الذي يحاول الأناركيون خلقه عبر نضالاتهم.

ولدت الأناركية في خضم النضال الطبقي وظهرت في تاريخ الحركات الاشتراكية والعمالية، يرغب الأناركيون في استبدال النظام الاقتصادي الحالي القائم على استغلال الأقلية للأغلبية بنظام آخر، نظام يمتلك فيه العمال، الذهنيون واليدويون، السلطة والثروة التي ينتجونها للمجتمع وذلك سيسمح للناس أن يقرروا ما يحتاجون، هذا النظام الاقتصادي المخطط والمدار بصورة ديمقراطية سيتم توجيهه لتلبية حاجات الناس بدلاً من توجيهه لتلبية جشع الأقلية المسيطرة.

لكن الأناركيون يعتقدون أن السيطرة على الاقتصاد لا يمكن ممارستها عبر سلطة مركزية شمولية، فالأناركيون يرون الحرية كقلب الاشتراكية النابض، والتاريخ، والفهم العقلاني والخبرات السابقة تعلمنا انه بمجرد نشوء سلطة مركزية فإن المجموعة الحاكمة تعميها بالسلطة وتشعر أنها تعرف أفضل ما يخص الصالح العام، وعادة ما تستخدم تلك المجموعة الحاكمة سلطتها الجديدة ضد أعدائها، حتى ولو كان أعداؤها هم نفسهم ذلك الشعب الذي تحكم باسمه، إن الخبرة التاريخية المريرة للثورتين الروسية والإسبانية وتجارب أخرى عديدة عبر التاريخ تعلمنا أن الرأسمالية والبنية الطبقية لا يمكن انهاءهما من الأعلى، فالحرية لا تضمنها الحكومات أو النخب، الحرية تنتزع عبر نضالات العمال والفئات الأخرى المقهورة في المجتمع.

بدلاً من تعيين رؤوساء (جيدين) وقادة لتسيير الأمور (الأقلية) بدلاً من بقية المجتمع (الأغلبية)، يدعو الأناركيون الشعب نفسه لممارسة سلطته المباشرة على كافة نواحي الحياة، يعتقد الأناركيون إن أي معاملة مشتركة بين الأفراد يجب أن تكون تحت سلطة الأفراد المعنيين أنفسهم لا تحت مراقبة أي سلطة قمعية خارجة عنهم.

سيكون أساس المجتمع القادم الذي يدعو له الأناركيون  مجالس العمال واللجان الشعبية المنتخبة بصورة حرة، في هذه المجالس وفي تلك اللجان يمكن للناس أن تلتقي معًا وتنافش كيفية استغلال موارد مجتمعها، هذه المجالس يمكنها الاتحاد على مستوى قطري أو عالمي لتقرير كيفية إدارة جماعات أكبر، وتعين المجالس المحلية مندوبين للمجالس الوطنية والإقليمية والدولية، ولو تم تجاوز التفويض من قبل أحد المندوبين او تصرف ضد رغبة اللجنة التي فوضته يتم تجريده مباشرة من سلطاته، في كل الحالات فإن سلطة إتخاذ القرار ستقع على الجماعة الممثلة للمجلس ككل لا على المندوب الفرد، بالرغم من ذلك لا يجب الاعتقاد ان تلك الديمقراطية المباشرة ستقرر فقط توزيع البضائع والمنتجات ففي مجتمع أناركي سيكون للناس سلطة التحكم في كيفية الانتاج نفسها بما يناسب ظروف معيشتهم.

إن الأناركية لا تشبع مجرد رغباتها (الحيوانية) من طعام، ملبس، مسكن إلى آخره،  فهي تمنحنا الكرامة والسلطة على كافة مجريات حياتنا، انها تخلق الظروف الاجتماعية التي تجعل البشر قادرين على التطور الحر وإدراك إمكاناتهم الحقيقية.

من الواضح أننا لسنا على مقربة من هذا المجتمع المثالي الجميل بعد، لكن، لا ينبغي اعتبار الأناركيون مجرد حالمين بيوتوبيا ما، فالأناركيون يدركون إن هناك نضال طويل وقاسي يتطلبه الوصول وتحقيق أهدافنا الأساسية، وبدلًا من الجلوس على الكنب وانتظار سقزط الراسمالية أو انتظار الثورة العالمية كي تأتي لنجدتنا، يؤمن الأناركيون باهمية التنظيم، هنا والآن، على أسس متطلبات العمل اليومي ويشترك الأناركيون في الاتحاد العمالية والنضالات المجتمعية، كما يكافحون التمييز على أساس الجنس او اللون أو العقيدة ويدافعون عن الاختيار الفردي الحر ومن أجل حياة أفضل وسلطة أكبر للأفراد على مقدرات أمورهم.

الأناركية إذًا هي تحليل ما هو سيء في المحتمع القائم، واستراتيجية شاملة لتغييره، ورؤية لمستقبل أفضل قائم على التضامن، المساواة، والحرية.

http://anarchisminarabic.blogspot.de/2012/01/blog-post_8525.html

عن الأناركية والتنظيم

ترجمة : تامر موافي

عندما تذكر كلمة “التنظيم” يشار إلى الأناركيين بإصبع الإتهام. يعتقد كثيرون أن الأناركية معادية للتنظيم ومن ثم هي مرادفة للفوضى، ولكن هل هي كذلك؟ الإجابة السهلة هي “بالطبع لا!” ولكن هذه الإجابة لا تزيل التخبط المحيط بالسؤال، أو الإتهامات الموجهة للأناركيين.

التنظيم بالنسبة للأناركيين هو واحد من أهم القضايا التى ينبغي حسمها. قبل أى شيئ يدرك الأناركيون أنه فقط من خلال التنظيم يمكن تحطيم نظام الرؤساء؟ على سبيل المثال، حقيقة أن الحشد الضخم والمنسق للشرطة أثناء إضراب عمال المناجم فى بريطانيا قد استخدم بنجاح فى كسر الإضراب وعزل العمال، يؤكد صحة هذا الإفتراض. فلدى أصحاب الأعمال جهاز الدولة الكفؤ والذي سيتحرك لسحق أي معارضة له.

لا أمل للعمال في الإطاحة بأصحاب الأعمال وطبقتهم إلا بتنظيم وقوة مماثلة. ما يعتقد فيه الأناركيون هو أن على العمال تنظيم أنفسهم حيث لا يمكن للرأسمالية أن تستغن عنهم، أي في أماكن العمل. يمتلك العمال القوة اللازمة لخلق الحركة الثورية القادرة على الإطاحة بالرأسمالية واستبدالها بالاشتراكية فقط إذا ما نظموا أنفسهم في كل القطاعات الإنتاجية.

ولكن السؤال التالي هو: أي نوع من التنظيم ينبغي للعمال بناؤه للإطاحة بالرأسمالية؟ ثمة نوعان للتنظيم. النوع الأول المعتاد لنا جميعًا هو الشكل الرأسمالى للتنظيم وهو هيكل يتم بناؤه من أعلى إلى أسفل وفيه يمتلك الأغلبية (لنقل 95%) القليل أو لا شيئ من المشاركة فى عملية صنع القرار، وعليهم فقط تنفيذ ما يقرره ال5%. وعلى الرغم من أن هؤلاء ال5% منتخبون عادة، كما هو الحال فى البرلمان، إلا أنهم غير مسؤولين أمام ناخبيهم وهم ببساطة يمثلون مصالحهم التي هي فى حالة البرلمان مصالح أصحاب الأعمال.

النوع الثانى الممكن للتنظيم هو ذلك الذى يؤكد الأناركيون أنه لا غنى عنه للمنظمة العمالية إذا ماكان هدفها هو بناء الإشتراكية. هذا النوع من التنظيم يتم بناؤه من أسفل لأعلى وتتدخل قاعدته في كل القرارات التي تتخذها المنظمة. مثل هذه المنظمة تستبعد أي قيادة يمكن أن تتخذ القرارات نيابة عن أعضائها. وعندما يتخذ القرار تختار القاعدة مندوبين مسؤولين أمامها لتنفيذه. ومن ثم عمليًا تبقى المنظمة تحت سيطرة أعضائها و ليس تحت سيطرة أى قيادة.

بعض الاشتراكيين ينظمون أنفسهم وفق مبدأ يقول أن الطبقة العاملة تحتاج إلى قيادة وأن هذه القيادة هي الحزب المؤلف من هؤلاء الاشتراكيين، والذي بدونه – في إعتقادهم – لا يمكن تحقيق أي إنجاز ذي قيمة. الحزب بالنسبة لهم هو الرأس، طليعة الطبقة العاملة. في داخل الحزب تتشكل اللجنة المركزية من “الأفضل” بين الأعضاء، ويصبح “الأفضل” بين هؤلاء هو القائد. العملية في مجملها تؤدي إلى هرمية صارمة تتنزل فيها الأوامر من أعلى وتزاح الديموقراطية إلى خلفية المشهد. و يرى الأناركيون أن هذا النوع من التنظيم لا يقود العمال إلى شيئ إلا مزيد من الإستبداد والإستغلال كما هو الحال في الصين أو الإتحاد السوفيتي السابق.

يرفض الأناركيون الشكل الرأسمالى للتنظيم والذي تستخدمه جميع تنظيمات التيار اليساري الأخرى، على أساس أن الوسيلة التى تستخدمها لتحقيق الاشتراكية ترسم النتيجة التي ستحصل عليها. وبالتالي فإن التنظيم الهرمي سينتج دولة هرمية وشمولية وليس مجتمعًا اشتراكيًا غير هرمي. يستخدم ضد الإناركيين دائمًا الإدعاء بأن المنظمات غير الهرمية غير كفؤة ولا يمكنها العمل. في معظم الوقت يصدر هذا الإدعاء في الواقع لأن أصحابه ينظرون إلى قياداتهم على أنها ضرورية. وفي المقابل يظهرون إحترامًا شكليًا لما قاله ماركس من أن تحرر الطبقة العاملة لن ينجزه إلا الطبقة العاملة ذاتها.

لا يعارض الأناركيون التنظيم ولكنهم يرفضون بشكل مباشر المبدأ الذى تعمل بمقتضاه معظم المنظمات. مشاركة الجماهير في عملية إتخاذ القرار مغيبة حاليًا ولكنها تشكل القاعدة الأساسية للاشتراكية. ومن ثم لتحقيق الاشتراكية من المنطقي أن ننظم أنفسنا بالشكل الذي يضمن للجماهير المشاركة والديموقراطية.

مترجم من “تضامن العمال – العدد 127” (أيرلندة)

Source: http://www.anarchistnews.org/content/thinking-about-anarchism-and-organisation?asid=a34bff6a

الأناركية بالعربية

http://anarchisminarabic.blogspot.de/

العصيان المدني

المهاتما غاندي

كان العصيان المدني على لسان جميع أعضاء لجنة مؤتمر عموم الهند . . لم يكن أحد قد حاوله حقا , و إن بدا أن الجميع قد أفتتن به , عن أعتقاد خاطيء أنه العلاج الفعال لكل أمراض مجتمعنا اليوم . و شعوري هو الثقة في أن العصيان المدني بإمكانه هذا حقا إذا تمكنّا من تحقيق المناخ اللازم له . هذا المناخ الذي هو دائما ملائم بالنسبة للأفراد , إلا إذا كان من المؤكد أن يؤدي عصيانهم المدني إلى سفك الدماء . و قد اكتشفت هذا الإستثناء خلال أيام الـ (ساتياجراها) satyagraha . لكن رغم ذلك , فإن الدعوة قد تبلغ من يأبه لها فلا يغفلها , مهما كلفه الأمر . و إنني أرى بوضوح أنه سيأتي عليّ وقت لابد و أن أرفض كل قانون وضعته الدولة , حتى لو كنت على يقين أن ذلك سيؤدي إلى سفك الدماء . و ذلك عندما يكون تجاهل الدعوة إنكارا للرب , فعندها يصبح العصيان المدني واجبا قطعيا.

لكن العصيان المدني الشامل يقف على أسس مختلفة . إذ لا يمكن محاولة القيام به إلا في جو هاديء . هدوء القوة , لا هدوء الضعف , هدوء العلم , لا هدوء الجهل . إن العصيان المدني الفردي غالبا ما يكون بديلي , غير مباشر . أما العصيان المدني الشامل فغالبا ما يكون أنانيا , بمعنى ان الأفراد يتوقعون مكاسب شخصية منتظرة من عصيانهم . ففي جنوب أفريقيا , على سبيل المثال , قام (كالينباخ) Kallenbach و (بولاك) Polak بعصيان مدني بالإنابة . فلم يكن هناك شيء يربحانه من عصيانهما . أما عندما يقوم الآلاف من البشر بالعصيان فإنهم يتوقعون مكاسب شخصية , على شكل , لنقل مثلا , إعفاء من الضرائب المفروضة على الرجال الذين كانوا يعملون في السابق بالسخرة و زوجاتهم و أبنائهم . و يكفي في العصيان المدني الشامل أن يفهم الذين يقومون به كيف يعمل المبدأ.

لقد تم إعتقالي في جنوب إفريقيا في بقعة غير مأهولة فعليا من البلاد , عندما قمت بمسيرة في منطقة محظورة مع ألفين أو ثلاثة آلاف من الرجال و بعض النساء ¹ . و لقد كان في الشركة العديد من الـ (بشتون) و الآخرين من ذوي القدرات الجسدية الجيدة . و كان ما حدث من أعظم شهادات الجدارة التي منحتها حكومة جنوب إفريقيا للحركة . إذ علموا أننا حركة غير مؤذية , كما صمّمنا نحن على ذلك . لقد كان من السهل على أولئك الرجال أن يقطّعوا أولئك الذين قاموا بإعتقالي إلى أشلاء . لكن ذلك لم يكن ليصبح أكثر الأعمال جبنا فحسب , بل خرقا غادرا لتعهّدنا الخاص , و سيعني أيضا تدمير النضال من أجل الحرية و النفي القسري لكل هندي من جنوب إفريقيا . . لكن الرجال لم يكونوا رعاعا , بل كانوا جنودا منضبطين , و كان خيرا للجميع أنهم لم يكونوا مسلحين . و على الرغم من أنني قد أقتلعت من وسطهم . إلا أنهم لم يتفرّقوا و لم يعودوا أدراجهم . بل واصلوا المسيرة إلى وجهتها , حتى تم إعتقال الجميع و سجنهم . و على ما أذكر , كان ذلك مثالا للانضباط و عدم العنف ليس له في التاريخ مثيل . و بدون ضبط النفس هذا لا أرى أملا في نجاح العصيان المدني الشامل هنا.

ينبغي أن ننبذ فكرة إزعاج الحكومة بالمظاهرات الحاشدة كلما تم إعتقال شخص ما . بل على العكس , ينبغي علينا أن نعتبر الإعتقال وضعا طبيعيا في حياة غير المتعاونين . يجب علينا أن نسعى إلى الإعتقال و السجن , كالجندي الذاهب إلى المعركة سعيا إلى الموت . إننا نتوقّع أن نتحمّل ما تقابلنا به الحكومة , من خلال التقاضي و المحاكمات و ليس من خلال تجنّب الحبس , حتى لو كان ذلك من خلال إظهار استعدادنا للاعتقال و السجن بشكل جماعي . إن العصيان المدني يعني إذن رغبتنا , و بشكل قاطع , في الإستسلام و لو حتى لشرطي أعزل واحد . إن انتصارنا هو أن يساق الآلاف إلى السجن كما يساق الخراف إلى غرفة الذبح . . لو ذهبت خراف العالم طوعا إلى غرفة الذبح لحفظت أنفسها من سكين الجزار منذ فترة طويلة . إن نصرنا , مرة أخرى , هو أن نسجن بلا أي خطأ ارتكبناه على الإطلاق . و كلما عظمت براءتنا , كلما عظمت قوتنا و أسرع انتصارنا.

إن الأمر كالتالي , الحكومة جبانة , و نحن خائفون من السجن . و الحكومة مستفيدة من خوفنا من السجون . لكن إذا ما قبل رجالنا و نساءنا السجن كمكان للنقاهة , فلسوف نتوقف عن القلق على أعزائنا الذين في السجون , السجون التي يطلق عليها مواطنينا في جنوب أفريقيا اسم فنادق صاحب الجلالة . لقد مارسنا عصيان قوانين الدولة طويلا في خيالاتنا و غالبا ما تهرّبنا من الإلتزام بها على نحو سري , إلى أن تهيّأنا فجأة للعصيان المدني . و إذا كان للعصيان أن يصبح مدنيا حقا , فسيتوجب عليه أن يكون علنيا و غير عنيف.

إن العصيان المدني الكامل هو حالة من التمرد السلمي . رفض للإذعان لأي قانون من وضع الدولة . و هو أكثر خطورة من التمرد المسلح . لأنه لا يمكن إخماده إذا ما تهيّأ المتمردين السلميين لمواجهة أقسى الشدائد . لأنه يقوم على الإعتقاد المطلق في فعالية معاناة الأبرياء المطلقة . و إذ يمضي المقاوم المدني إلى السجن في هدوء , فإن يضمن جوا من السكينة . كما أنّ الخاطئين يضجرون من ارتكاب خطاياهم إذا لم يجدوا مقاومة . إذ يفقدون كل متعة عندما لا تبدي الضحية أية مقاومة . و إن فهما كاملا لشروط المقاومة المدنية لهو أمر ضروري , على الأقل على مستوى ممثلي الشعب , قبل أن نتمكن من البدء في مغامرة بهذا الحجم . إنّ أسرع العلاجات محفوفة دائما بأكبر المخاطر , و تحتاج إلى أقصى درجة ممكنة من المهارة في التعامل معها . و إن قناعتي راسخة أننا لو تمكننا من تنظيم مقاطعة ناجحة للملابس المستوردة , فسنتمكّن من خلق جو من شأنه أن يمكننا من البدء في عصيان مدني على نطاق لا يمكن لأي حكومة مقاومته . و إنني لذلك اطالب بالصبر و تركيز العزم على الـ (سواديشي = الإكتفاء الذاتي) swadeshi , كل أولئك الذين يتوقون للبدء في العصيان المدني الشامل.

—————————————————————————————-

1 – تم إعتقال (غاندي) بالقرب من (بالم – فورد) Palmford , في السادس من نوفمبر 1913 , بينما كان يقود “مسيرة عظيمة” من الرجال و النساء و الأطفال إلى الـ (ترانسفال) Transvaal .

نشر في جريدة (Young India) بتاريخ الرابع من أغسطس 1921

المصدر

Civil Disobedience P:45

http://anarchist-document.blogspot.com/2012/02/blog-post_13.html

المشكلة هي الإذعان المدني

كتب (هوارد زِينّ) Howard Zinn في .. 1970

بحلول أواخر مايو 1970 , كان الوضع العام بخصوص الحرب في فيتنام قد أصبح لا يطاق . في (بوسطن) , قرر حوالي مائة منّا المكوث في القاعدة العسكرية في بوسطن و قطع الطريق التي تستخدمها الحافلات التي تقل المجنّدين للخدمة العسكرية . لم نكن معتوهين حتى نتصور أننا بذلك نوقف تدفق الجنود إلى فيتنام . لكنه كان عملا رمزيا , بيان , عينة من حرب العصابات و قد تم اعتقالنا جميعا و اتهامنا , بلغة القانون الطريفة , بـ “التبختر و التسكّع” بطريقة تؤدي إلى عرقلة حركة المرور . و قد رفض ثمانية منّا الإقرار بالذنب , و أصرّوا على المحاكمة أمام هيئة محلفين , على أمل إقناع أعضاء هيئة المحلفين بأن عملنا كان عصيانا مدنيا مبررا . على أننا لم نتمكن من إقناعهم . و إذ أصبحنا مذنبين فقد اخترنا السجن على دفع الغرامة , لكن القاضي و قد كان محجما على ما يبدو من وضعنا في السجن , قد أعطانا 48 ساعة عسانا نغيّر رأينا و نقبل بدفع الغرامة , و كان علينا أن نتقدم بعدها إلى المحكمة إما لدفع الغرامة أو للحبس . في غضون ذلك , دعيت إلى جامعة (جزنز هوبكنز) Johns Hopkins University لمناقشة الفيلسوف (تشارلز فرانكل) Charles Frankel في مسألة العصيان المدني . و رأيت أنه سيكون نفاقا منّي , أنا المدافع عن العصيان المدني , أن اتقدم إلى المحكمة و أفوّت على نفسي فرصة التحدث إلى مئات الطلاب عن العصيان المدني . و هكذا , في اليوم الذي كان من المفترض أن أسلم نفسي فيه لمحكمة (بوسطن) , استقليت الطائرة إلى (بالتيمور) و تناقشت مساء اليوم ذاته مع (تشارلز فرانكل) . و عندما عدت إلى بوسطن , قررت إلقاء محاضرتي الصباحية , لأجد اثنين من المخبرين في انتظاري حيث ثم ضبطي و إحضاري بالقوة للمثول أمام المحكمة , ثم أمضيت يومين بعدها في الحجز .

ما يلي هو تسجيل لرأيي في المناقشة التي تمت في جامعة (جونز هوبكنز) . و قد أدرجت في كتاب نشرته مطبعة الجامعة سنة 1972 بعنوان : Violence: The Crisis of American Confidence

أبدأ من الإفتراض بأن العالم مقلوب رأسا عاى عقب . و أن كل الأمور في وضعها الخاطيء , و أن الأشخاص الخطأ موجودون في السجون , و أن الأشخاص الخطأ خارجها , و أن الأشخاص الخطأ موجودون في السلطة و أن الأشخاص الخطأ خارجها , و أن الثروة يتم توزيعها في البلاد , و أن العالم بمثل هذه الطريقة في التوزيع لا يحتاج إصلاحا صغيرا , بل يحتاج إلى إعادة توزيع جذرية للثروة . أبدأ من الإفتراض بأننا لا يجب أن نتحدث طويلا عن ذلك لأن كل ما علينا هو ان نفكّر في حالة العالم اليوم لندرك أن الأمور كلها مقلوبة رأسا على عقب . . القس الكاثوليكي الشاعر المعارض للحرب (دانييل بيريجان) Daniel Berrigan في السجن بينما (ج. إدجر هوفر) J. Edgar Hoover حر كما ترى . و (ديفيد ديلينجر) David Dellinger الذي عارض الحرب بكل طاقته مهدّد بالسجن . أما العسكر المسئولون عن مذبحة (ماي لاي) فلا يحاكمون , بل يخدمون في واشنطون في مختلف الوظائف الرئيسية و الثانوية , التي لها علاقة بإطلاق العنان للمجازر , التي تدهشهم عند حدوثها . و في جامعة (كنت) الحكومية Kent State University , يُقتل أربعة طلاب من قبل  الحرس الوطني , و يتم توجه الإتهام إلى الطلاب . و في كل مدينة في هذا البلد , عندما تُنظّم مظاهرة , يتم الإعتداء على المحتجين  بالهراوات من قبل الشرطة و من ثمَّ يتم القبض عليهم بتهمة الاعتداء على ضابط شرطة , بغض النظر عما إذا كانوا قد تظاهروا أم لا , و بغض النظر عما فعلوه حقا .

و أنا حاليا , أدرس عن كثب ما يحدث كل يوم في محاكم (بوسطن – ماساتشوستس) . قد تندهش , و ربما لا , و ربما كنت هناك , و ربما كنت قد عشت , أو فكرّت , أو اصطدمت بكيف تشق دوائر الظلم اليومية هذه طريقها عبر ذلك الشيء الرائع الذي نسميه : المحاكمة العادلة . تلك هي مقدمتي المنطقية .

إن كل ما عليك فعله هو أن تقرأ رسائل (جورج جاكسون) الذي حكم عليه بالسجن دون تحديد للمدة , لسرقة 70 دولارا من محطة بنزين , فقضى في السجن عشر سنوات , بينما يتم الاحتجاج على عضو بمجلس الشيوخ لحصوله على 185 ألف دولار أو شيء من هذا القبيل , كبدل للوقود . إحداهما سرقة و الأخرى تشريع . هذا خطأ , و ثمة خطأ أفدح عندما نقوم بشحن عشرة آلاف قنبلة ملئى بغاز الأعصاب عبر اليلاد , ثم نلقي بها في فناء شخص آخر حتى لا تسبب ازعاجا هنا . و هكذا تفقد منظورك الخاص بعد فترة . إذا لم تفكّر , و اكتفيت بمشاهدة التلفزيون و قراءة المناهج الدراسية المقررة , فستبدأ في التفكير بأن الأمور ليست على هذه الدرجة من السوء , أو أن هناك بعض أشياء قليلة فقط ليست على ما يرام . لكن عليك ان تنفصل قليلا , ثم تعود لتلقي نظرة على العالم , لتشعر بالرعب . لذلك يجب علينا أن نبدأ من الإفتراض بأن الأمور في الواقع مقلوبة رأسا على عقب .

و موضوعنا كذلك مقلوب رأسا على عقب : العصيان المدني . فبمجرد أن تقول أن الموضوع هو العصيان المدني , فأنت تقول أن مشكلتنا هي العصيان المدني . لكن العصيان المدني ليس مشكلتنا … مشكلتنا هي الإذعان المدني . مشكلتنا هي اعداد الناس التي تذعن لما يمليه قادة حكوماتها في جميع أنحاء العالم و تذهب إلى الحرب و تموت الملايين بسبب هذه الطاعة . مشكلتنا هي أن كل شيء هاديء على الجبهة الغربية , بينما تسير طوابير من تلاميذ المدارس إلى جبهة الحرب بإخلاص . مشكلتنا هي إذعان  الناس في جميع أنحاء العالم , في مواجهة الفقر و المجاعة و الغباء و الحرب و القسوة . مشكلتنا هي إذعان الناس بينما السجون مليئة بصغار اللصوص , و اللصوص الكبار يديرون البلاد . هذه هي مشكلتنا . و نحن ندرك ذلك من درس ألمانيا النازية . نعلم أن المشكلة هناك كانت الإذعان , أن الناس أذعنوا لـ (هتلر) . أطاعوه و كان هذا خطأ جسيما . كان ينبغي عليهم أن يتحدّوه , أن يقاوموه , و لو كنا هناك لأريناهم . و حتى في روسيا الستالينية , يمكننا تفهّم الوضع , الناس تذعن , كالقطيع .

لكن أمريكا مختلفة . هذا هو ما نشأنا عليه . و منذ كنا و لا أزال أسمع صداها في بيان السيد (فرانكل) . . ضع علامة أمام شيء , شيئان , ثلاث , أربع , خمس أشياء جميلة في أمريكا لا نريد أن نفسدها كثيرا . . لكن إذا كنا قد تعلمنا شيئا ما في السنوات العشر الأخيرة , فهو أن هذه الأشياء الجميلة في أمريكا لم تكن جميلة قط . لقد كنا توسّعيون و عدوانيون و وضعاء بالنسبة للآخرين في هذا البلد , و وزّعنا ثروة هذا البلد بطريقة ظالمة جدا . و ليس لدينا عدالة في المحاكم لا للفقراء و لا السود و لا الراديكاليين . فكيف يمكننا التباهي بأن أمريكا مكان خاص جدا ؟ و هي ليست بهذه الخصوصية . ليست كذلك حقا .

حسنا . هذا هو موضوعنا , و هذه هي مشكلتنا : الإذعان المدني . إن القانون مهم جدا . نحن نتحدث عن طاعة القانون . القانون , اختراع العصر الحديث الرائع , رمز الحضارة الغربية , الذي نتحدث عنه بفخر . و سيادة القانون , نعم , ما أروعها , وهي تتبع الحضارة الغربية في كل أنحاء المعمورة . هل تذكرون تلك الأيام السيئة القديمة  , عندما كان الإقطاع يستغل الناس ؟ لقد كان كل شيء فظيعا في العصور الوسطى , أما الآن فلدينا الحضارة الغربية , لدينا سيادة القانون . سيادة القانون التي قنّنت و ضخّمت الظلم الذي كان واقعا قبل سيادة القانون , هذا ما فعلته سيادة القانون . دعونا نعاين سيادة القانون بمنظار واقعي , لا بالتهاون الميتافيزيقي الذي عايناها به من قبل .

عندما تكون سيادة القانون محبّذة من قبل القادة و من قبل مصادر ازعاج الناس في جميع دول العالم , فعلينا أن نبدأ بإدراك ذلك . علينا أن نتجاوز الحدود القومية في تفكيرنا . فـ (نيكسون) Nixon و (بريجينيف) Brezhnev , لديهما من القواسم المشتركة أحدهما مع الآخر , أكثر مما لدينا نحن مع (نيكسون) . و (ج. إدجار هوفر) لديه من القواسم المشتركة مع رئيس الشرطة السرية السوفيتية ما هو أكثر بكثير من القواسم المشتركة التي لديه معنا . إن التفاني الدولي في القانون و النظام هو ما يربط بين قادة جميع البلدان في روابط رفاقية . لهذا السبب نندهش نحن دائما عندما يكونون معا , فيبتسمون و يتصافحون و يدخّنون السيجار , إنهم يحبون بعضهم بعضا , بغض النظر عما يقولون . هم كالحزبين الجمهوري و الديموقراطي , يزعمون أنهم سيحدثون فارقا رهيبا إذا انتصر أحدهما أو الآخر , لكنهما نفس الشيء . الأمر في الأساس : (هم) ضد (نحن) .

كان (يوساريان) محقا في رواية Catch-22 . و كان قد وجه إليه الإتهام بتقديم العون و المساعدة للأعداء , التهمة التي لا يجب أن يتهم بها أحد حقا . يقول (يوساريان) لصديقه (كليفينجر) : ” إن العدو هو من يسعى لقتلك , أيا كان , و في أي جانب كان .” و الظاهر أن ذلك لم يكن واضحا بما فيه الكفاية , فقال لـ (كلفنجر) :” تذكّر هذا الكلام الآن , و إلا ستجد نفسك ميتا يوما ما “. حسنا .. لقد وجد (كليفنجر) نفسه بعد قليل ميتا . . تذكروا أنتم أيضا , ان أعداءنا لا يمكن تميزهم كونهم تفصلنا عنهم خطوط حدود , أو يتحدثون لغة مختلفة أو يقيمون في أرض أخرى , إن الأعداء هم من يسعون لقتلنا .

يسألوننا : ” ماذا لو أن كل إنسان قد عصى القانون ؟ ” . لكن من الأفضل السؤال : ” ماذا لو أطاع كل إنسان القانون؟ ” لأن الإجابة على هذا السؤال أسهل بكثير , لأن لدينا الكثير من الأدلة التجربية عما يحدث لو أطاع كل إنسان القانون , أو حتى لو أطاعه معظم الناس . ما سيحدث هو ما قد حدث بالفعل و ما زال يحدث . لماذا يقدس الناس القانون ؟ و جميعنا يفعل . . حتى لو كنت أحاربه , لأن هذا الأمر مزروع فيّ حتى النخاع منذ طفولتي المبكرة عندما كنت شبلا في الكشافة . و أحد أسباب تقديسنا للقانون هو إزدواجية معناه بالنسبة لنا . ففي عالمنا الحديث نتعامل مع كلمات و عبارات لها أكثر من معنى و دلالة .. مثل الأمن القومي , نعم , يجب أن نفعل ذلك من أجل الأمن القومي !! حسنا , و ما الذي يعنيه هذا ؟ أمن من القومي ؟ أين ؟ متى ؟ و لماذا ؟ لا أحد يكلّف نفسه عناء الإجابة عن هذه الأسئلة , أو حتى إلقاءها .

إن القانون يخفي الكثير من الأمور . إن القانون هو وثيقة إعلان الحقوق . حقيقة أن هذا ما نظنه عندما ينشأ تقديسنا للقانون . القانون هو الشيء الذي يحمينا , و القانون هو حقنا , و القانون هو الدستور . يوم إعلان وثيقة الحقوق , و مسابقات كتابة المقالات عن وثيقة حقوقنا , و التي ترعاها رابطة قدامى المحاربين الأمريكيين , هذا هو القانون . و هذا كله أمر جيد .

لكن هناك جانب آخر من القانون لا يحصل على ذات القدر من الشهرة . كالتشريعات التي تمرر شهرا بعد شهر , و عاما بعد عام , منذ بداية الجمهورية , التي تسبب توزيع موارد البلاد بطرقة تجعل بعض الناس أغنياء جدا و تجعل آخرين فقراء جدا , و تجعل الباقين يتصارعون كالمجانين على الفتات الباقي . هذا هو القانون . إذا التحقت بكلية الحقوق سترى هذا . و يمكنك أن ترى وجهة نظري في أعداد الكتب الثقيلة الضخمة التي يحملونها هناك . كم كتاب يحمل عنوان “الحقوق الدستورية” و كم كتاب يحمل عناوين “الملكية” , “العقود” , “الجنح” , “قانون المؤسسات” . هذا هو مجال القانون الذي يدور معظمه فيه . القانون هو “بدل الوقود” رغم أنه ليس لدينا “يوم لبدل الوقود” , و لا مقالات تدبج عن “بدل الوقود” . هناك أجزاء إذن من القانون تنشر من أجل الاحتيال علينا . عفوا . فالقانون هو وثيقة إعلان الحقوق . و هناك اجزاء أخرى من القانون تعمل عملها الهاديء دون أن يهمس أحد بشيء عنها .

ها قد بدأنا طريق العودة . متى صدرت وثيقة الحقوق لأول مرة ؟ حاول أن تتذكر .. في فترة رئاسة (جورج واشنطن) Washington الأولى . . شيء عظيم . لقد أقرت وثيقة الحقوق . مع الكثير من الدعاية الصاخبة المثيرة . و في نفس الوقت تم تمرير برنامج (هاملتون) Hamilton الإقتصادي . بلطف و هدوء , أعطى الأغنياء المال . إنني أبسّط الأمور قليلا , لكن ليس بدرجة مخلّة . لقد بدأ الأمر ببرنامج (هاملتون) , و يمكننا أن نرسم خطا مستقيما يجمع برنامج (هاملتون) الإقتصادي , و بدل الوقود و الإعفاء الضريبي للشركات . على طول هذا الخط المستقيم امتد التاريخ . حيث تنشر وثيقة إعلان الحقوق , بنما تبقى التشريعات الإقتصادية غير معلنة .

تعرف أن إنفاذ أجزاء القانون المختلفة لا تقل أهمية عن نشرها . هل وثيقة الحقوق نافذة ؟ حسنا , ليس تماما . ستجد مثلا ان حرية التعبير في القانون الدستوري مفهوم صعب و غامض و مضطرب إلى أقصى حد . لا أحد يعلم حقا متى عليه الكلام و متى لا يحق له . تحقق من ذلك في جميع قرارات المحكمة العليا . و إنني أتحدث عن التنبؤ في النظام . لا أحد يمكنه التنبؤ حقا بما سوف يحدث إذا ما وقف في زاوية شارع ليتحدث . حاول أن تخبرني الفرق الجوهري بين قضية (تيرمينيللو) Terminiello case و قضية (فاينر) Feiner case , أو أن تخبرني بما سيحدث حقا إذا ما وقفت لألقي خطابا . و بالمناسبة هناك فصل في القانون ليس غامضا للغاية , و يختص بحق توزيع المنشورات في الشوارع . و قد كانت المحكمة العليا واضحة جدا بهذا الشأن . ففي أحكامها الواحد تلو الآخر و هي تؤكد على الحق المطلق في توزيع المنشورات في الشوارع  . حسنا حاول إذن . أخرج إلى الشارع و ابدأ في توزيع المنشورات . و ستجد شرطيا يأتي إليك قائلا : “أخرج من هنا” فترد أنت :”ألم تسمع عن قضية (مارش) ضد (ألاباما) Marsh v. Alabama 1946 ؟” . . هذه هو واقع وثيقة الحقوق . و هذا هو واقع الدستور , ذلك الجزء من القانون الذي يصوّر لنا كل شيء جميلا رائعا . و بعد سبع سنين من صدور وثيقة الحقوق التي تنص على أن :” لا يصدر الكونجرس يحد من حرية التعبير.” , مرّر الكونجرس قانونا حدّ من حرية التعبير . تذكّر قانون التحريض Sedition Act في 1798 .

و هكذا لم يتم إنفاذ وثيقة الحقوق . بينما تم فرض برنامج هاملتون , لأنه عندما تمرد الفلاحين في بنسلفانيا 1794 (تمرد الويسكي) , امتطى (هاملتون) Hamilton جواده , و ذهب بنفسه لقمع التمرد و التأكد بنفسه من تطبيق الضريبة على الدخل . و يمكنك تتبع القصة وصولا إلى يومنا هذا . ما هي القوانين التي تطبّق , و ما هي القوانين التي لا يتم تطبيقها . لذا ينبغي على المرء أن يكون حذرا عندما يعلن : ” أنا مع القانون , و أنا أقدّس القانون ” . عن أي جزء من القانون تتحدث ؟ . أنا لست ضد القانون بالكامل . لكن أعتقد أنه يجب علينا أن نبدأ في التمييز في أي القوانين تفعل ماذا في البشر .

و هناك مشاكل أخرى متعلقة بالقانون . فمن الغريب حقا أننا نعتقد أن القانون يجلب النظام , بينما القانون لا يفعل ذلك حقا . كيف لنا أن نعرف أن القانون لا يحقق النظام ؟ فلننظر حولنا . إننا نعيش وفق قواعد القانون , لاحظ كم لدينا من النظام ؟ . . يقول الناس : ” لدينا ما يدعو للقلق من العصيان المدني , لأن ذلك سيؤدي إلى الفوضى .” فلنلق نظرة على عالمنا الحاضر الذي يسود فيه القانون . هو عالم أقرب إلى ما يسميه العقل الشعبي بالفوضى . ارتباك و فوضى و لصوصية دولية . إن النظام الوحيد الذي يستحق حقا لا يأتي من خلال فرض قوة …. القانون , بل يأتي من خلال إنشاء مجتمع عادل تتأسس فيه علاقات متناغمة , و يحتاج حدا أدنى من التنظيم لإنشاء تريبات مقبولة بين الناس . لكن النظام المبني على القانون و على قوة القانون هو نظام الدولة الشمولية , و يؤدي حتما إما إلى ظلم شامل أو إلى التمرد في نهاية المطاف , و بعبارة أخرى , إلى فوضى هائلة .

إننا نتربى على الفكرة القائلة بقدسية القانون . سئلت والدة (دانييل بيريجان) عن رأيها في خرق ابنها للقانون , و قد أحرق مسودات سجلات واحدة من أكثر الأعمال عنفا في هذا القرن , احتجاجا على الحرب , ثم حكم عليه بالتالي بالسجن , المكان الذي ينبغي أن يكون فيه المجرمون . سألوا والدته و هي في الثمانينات من عمرها عن رأيها في خرق ابنها للقانون , فنظرت مباشرة في وجه الشخص الذي يجري المقابلة و قالت : ” إنها ليست شريعة الرب ” . و هذا ما نسيناه الآن . لا شيء مقدس في القانون . فكّر في الرجال الذين صنعوا القانون , و ستجد أن القانون لم يخلقه الرب , بل خلقه (ستورم ثورموند) Strom Thurmond . و إذا كنتم تحملون أدني فكرة عن حرمة القانون و قدسيته , فقط ألقوا نظرة على المشرعين الذين يضعون القوانين في طول البلاد و عرضها . ألقوا نظرة على دورات المجالس التشرعية في الولايات , و ألقوا نظرة على الكونجرس , على هؤلاء الذين يصنعون القوانين , التي يفترض فينا أن نبجّلها .

و يتم كل هذا بما يتناسب مع استغفالنا . و هذه هي المشكلة . في الأيام الخوالي كانت الأمور مشوشة , كنت لا تعرف . أما الآن فأنت تعرف . كل شيء مكتوب في الكتب . و الآن نمضي عبر إجراءات المحاكمات . الآن تحدث الأشياء التي حدثت من قبل , عدا أننا نمضي عبر إجراءات صحيحة . في (بوسطن) اجتاز شرطي ممرات المستشفى و أطلق النار خمس مرات على رجل أسود , كان قد أهانه مسبقا , فقتله . و عقدت جلسة استماع . و قد قرر القاضي أن هناك ما يبرر ما فعله الشرطي , لأنه لو لم يفعل ذلك , لفقد احترام زملاءه . حسنا هذا ما يعرف بالمحاكمة العادلة , و هي شيء لم يفلت منه الشرطي . إننا نمر عبر الإجراءات المناسبة حيث كل شيء معدّ . و لياقة القانون تستغفلنا .

لقد تأسست الأمة في ظل عدم احترام للقانون , ثم جاء الدستور و مفهوم الإستقرار الذي يحبه كلا من (ماديسون) Madison و (هاميلتون) . لكننا وجدنا فيما بعد أن الإطار القانوني لم يكن كافيا في أوقات معينة حاسمة في تاريخنا , فكان علينا لإنهاء الرق أن نتخطى الإطار القانوني , و كان علينا أن نتخطاه في زمن الثورة الأمريكية أو الحرب الأهلية , و كان على الإتحاد الخروج على الإطار القانوني في ثلاثينيات القرن العشرين من أجل التأسيس لبعض الحقوق .و المشاكل في وقتنا الحالي , الذي قد يكون أكثر حرجا من زمن الثورة أو الحرب الأهلية , أكثر هولا بحيث تتطلب منا الخروج على الأطر القانونية من أجل الإدلاء ببيان أو المقاومة أو إنشاء نوع من المؤسسات أو التأسيس لعلاقات يجب أن تكون في المجتمع المحترم . لا أتحدث عن عملية التدمير فقط , بل عن البناء و التأسيس كذلك . لكن حتى لو بنيت شيئا لا يفترض فيك أن تبنيه , و لنقل حديقة عامة مثلا , و ليس في هذا هدم للنظام , أنت تبني شيء ما و حسب , لكنك تفعل ذلك بطريقة غر مشروعة , و ستجد القوات النظامية تطردك خارجا . هذا هو الشكل الذي يتخذه العصيان المدني شيئا فشيئا , أن يحاول الناس بناء مجتمع جديد في  غمرة المجتمع القديم .

و لكن ماذا عن التصويت و الإنتخابات ؟ كعصيان مدني , لا نحتاج إلى الإنتخابات في كثير أو قليل , كما قيل لنا , لأن بإمكاننا تخطي النظام الإنتخابي . و الآن يجب أن نكون قد تعلّمنا , أو ربما لم نتعلّم . لأننا نشأنا على فكرة أن لجان الإقتراع مكان مقدس , تماما كغرفة الإعتراف في الكنيسة . تذهب إلى صندوق الإقتراع ثم تخرج . . يلتقطون صورتك و ابتسامتك المبتهجة على وجهك , لتضعها فما بعد بين أوراقك . لقد قمت بالتصويت للتو . لكن لو كنت قرأت حقا ما يقوله علماء السياسة عن عملية التصويت , لوجدت أن عملية التصويت خدعة ليس إلا . و الدول الشمولية تحب التصويت . إذ تجعل الناس ذهبون إلى صناديق الإقتراع و يسجلون موافقتهم . و أنا أعرف أن هناك فرق , إن لديهم حزبا واحدا أما نحن فلدينا حزبان . نحن أكثر منهم بحزب واحد كما ترى .

إن ما نحاول القيام به , كما أفترض , هو العودة إلى مباديء و أهداف و روح وثيقة إعلان الإستقلال . هذه الروح التي هي تحدي لكل سلطة غير منطقية و كل قوة تحرم الناس من حياتهم و حريتهم و حقهم في تحقيق سعادتهم , و بالتالي , و في ظل هذه الظروف , فإنها تلح على الحق في تعديل أو إلغاء الحكومة في شكلها الحالي , و نؤكّد على الإلغاء . لكن لتأسيس المباديء الواردة في إعلان الإستقلال , نحن بحاجة للخروج على القانون , أن نتوقف عن الإذعان للقانون الذي يطالب بقتل أو يوزّع الثروة بالطريقة التي تتم الآن , أو التي تضع الناس في السجن بسبب أخطاء فنية صغيرة , بينما تبقي آخرين ذوي جرائم جسيمه خارجه . إن أملي أن هذه الروح ستسري , لا في هذا البلد حسب , بل في بلدان أخرى لأن البشر جميعا في حاجة إليها . لأن البشر جميعا في حاجة إلى روح عصيان الدولة , التي هي في الأصل ليست شيئا ميتافيزيقيا , بل مسألة سلطة و ثروة . إننا في حاجة إلى نوع من الإعلان عن الإعتماد المتبادل بين الناس في جميع بلدان العالم و الذين يعملون بجهد من أجل الفكرة نفسها .

المصدر

The Problem is Civil Obedience

http://anarchist-document.blogspot.com/2012/02/blog-post_10.html