نعوم تشومسكي معروف على نطاق واسع بانتقاده للسياسة الخارجية الأمريكية، وكذلك بعمله كعالم لسانيات ولغويات، وهو معروف على نطاق أضيق بتأييده المستمر لأهداف الاشتراكيين الليبرتاريين libertarian socialists.
وفي مقابلة خاصة مع مجلة Red and Black Revolution ، يقدم تشومسكي آراءه عن الأناركية وعن الماركسية، وخيارات الاشتراكية وفرصها اليوم. وقد أجرى معه هذه المقابلة في مايو 1995 الكاتب كيفن دويل Kevin Doyle .
….
س : في البداية نعوم، إنك ومنذ وقت طويل تدافع عن فكرة الأناركية. وكثير من الناس يعرفون عن المقدمة التي كتبتــَها سنة 1970 لكتاب دانييل غورين “الأناركية: من النظرية إلى الممارسة” Anarchism: From Theory to Practice ، ولكن في الآونة الأخيرة، مثلاً في الفيلم الوثائقي “صناعة الرضى” Manufacturing Consent أتيحت لك الفرصة لتسلــّط الضوء من جديد على مضمون فكرة الأناركية وإمكانياتها. فما الذي يجذبك إلى الأناركية؟
** تشومسكي : لقد انجذبت إلى الأناركية منذ أن كنت مراهقاً يافعاً، منذ أن بدأت أفكر في العالم كأبعد من مجرد نطاق ضيق، ولم أجد سبباً كافياًً منذ ذلك الوقت لتغيير تلك المواقف المبكرة.
أعتقد أن ما يمكن فهمه فقط هو أن تبحث وتتعرف على هياكل السلطة، والطبقية، والتراتبية، والسيطرة في كل جانب من جوانب الحياة، وتواجهها، وما لم يكن بالإمكان إعطاء تبرير لوجودها، فإنها غير شرعية، وينبغي حلها، لزيادة نطاق الحرية الإنسانية.
وذلك يتضمن السلطة السياسية، والملكية، والإدارة، والعلاقات بين الرجال والنساء، وبين الآباء والأبناء، وسيطرتنا على مصير الأجيال المستقبلية (والتي هي الأولوية الأخلاقية الأساسية وراء الحركة الطبيعية، من وجهة نظري) وأشياء كثيرة غيرها. ومن الطبيعي أن يعني ذلك تحدياً لمؤسسات التسلط والسيطرة الضخمة : الدولة، السلطات الاستبدادية الخاصة وغير المبررة التي تتحكم في معظم الإنتاج المحلي والدولي، وهكذا.
ولكن ليس ذلك فقط، وذلك هو ما فهمته دائماً على أنه جوهر الأناركية: الاقتناع بأن عبء أو مسؤولية التبرير والبرهان على الشرعية تقع على عاتق الدولة، وأنه يجب حل الدولة ما لم يتم تقديم ذلك التبرير.
أحياناً يمكن الاضطلاع بذلك العبء أو تقديم تبرير من ذلك النوع، فإذا كنت أتمشى مع أحفادي واندفعوا فجأة إلى شارع مزدحم، فإنني لن أستخدم سلطتي فقط بل كذلك الإجبار الجسدي لإيقافهم. فالفعل يجب أن يواجه، ولكنني أعتقد أنه سيقابل هذه المواجهة هنا عن طيب نفس. وهناك أيضاً حالات أخرى، فالحياة مسألة معقدة، ونحن نفهم القليل جداً عن البشر والمجتمع، والتصريحات الكبيرة هي بشكل عام مصدر للضرر أكثر من كونها مصدراً للمنفعة. لكنها رؤية صحيحة برأيي، ويمكن أن تقودنا إلى أبعد من ذلك.
وبالابتعاد عن مثل تلك التعميمات، نبدأ بالنظر إلى الحالات التي تنشأ منها المسائل التي تهم الإنسان وتتعلق بمصلحته.
س : إنه من الصحيح القول أن أفكارك وانتقاداتك هي اليوم أكثر انتشاراً من أي وقت مضى. ولا بد من القول أيضاً أن آراءك تحظى بالاحترام على نطاق واسع. كيف برأيك يـُستقبل تأييدك للأناركية في هذا السياق؟ بالتحديد أنا مهتم بردة الفعل التي تتلقاها من الناس حديثي الاهتمام بالسياسة والذين ربما مروا على أرائك. هل هؤلاء الناس متفاجئون بتأييدك للأناركية؟ هل هم مهتمون؟
** تشومسكي : إن التراث الفكري الشائع، كما تعلم، يربط “الأناركية” بالفوضى، والعنف، والقنابل، والتخريب وما إلى ذلك. لذا فالناس يتفاجؤون عادة عندما أتحدث بإيجابية عن الأناركية و أعرف بنفسي من خلال تقاليد أساسية فيها. لكن انطباعي هو أنه وسط عامة الناس، قد تبدو الأفكار الأساسية لها معقولة عندما تنقشع السحب التي تغطيها. بالطبع عندما نأتي إلى الأمور التفصيلية، لنقل طبيعة الأسر مثلاً، أو كيف يمكن أن يعمل الاقتصاد في مجتمع أكثر حرية وعدالة، فإن التساؤلات والخلافات تظهر. لكن هذا ما يجب أن يكون. فالفيزياء لا تفسر فعلياً كيف يتدفق الماء من الحنفية إلى مغسلتك. وعندما نلتفت إلى مسائل أكثر تعقيداً وأهمية للإنسانية، فإن الفهم يكون ضيقاً جداً، وهناك متسع للاختلاف، والتجريب، وكذلك استكشاف الخيارات نظرياً وبالممارسة، لمساعدتنا على الفهم أكثر.
س : ربما عانت الأناركية أكثر من أي فكرة أخرى من مشكلة سوء التفسير. فالأناركية يمكن أن تعني أشياء مختلفة للأشخاص المختلفين. هل تجد غالباً أن عليك أن تشرح ما تعنيه بالأناركية؟ هل يزعجك سوء تفسير الأناركية؟
** تشومسكي : سوء الفهم هو دائماً مزعج. وجزء كبير منه يعود إلى هياكل القوة والسلطة التي لها مصلحة في منع الفهم، لأسباب واضحة جداً. إنه من الجيد أن نتذكر مبادئ ديفيد هيوم عن الحكومة. لقد عبر عن تفاجـُـئه من أن الناس قد خضعوا وأذعنوا لحكامهم دائماً. وقد استنتج أنه : بما أن القوة هي دائماً في جانب المحكومين، فإن الحكام لا يملكون شيئاً يؤيدهم سوى الرأي. “إن الدولة إذاً تتأسس فقط على الرأي، وهذه المقولة تنطبق على أكثر الحكومات استبداداً وأكثر الحكومات عسكرية ً كما تنطبق على أكثرها حرية وشعبية على حد سواء”. لقد كان هيوم ماكراً جداً، وقد لا يمكن اعتباره ليبرالياً بمعايير اليوم. وهو بالتأكيد يقلل من أهمية فعالية القوة، لكن ملاحظته تبدو بالنسبة إليّ صحيحة في جوهرها، ومهمة خصوصاً في المجتمعات الأكثر حرية، حيث فن السيطرة على الرأي أكثر تهذيباً بكثير. وسوء التفسير مع أشكال أخرى من التشويش هي أمور من الطبيعي أن ترافق ذلك.
لذا هل يزعجني سوء التفسير؟ بالطبع، ولكن تماماً كما يزعجني الجو المتعفن، وهو سيبقى موجوداً طالما ظلت مراكز القوى تجند طبقة مكلفة بالدفاع عنها. وبما أنهم غالباً ليسوا لامعين كثيراً، أو بما أنهم لامعون بما يكفي لمعرفة أن من الأفضل لهم تجنب ميدان الحقائق والحجج، فإنهم سيتجهون إلى سوء التفسير، والتشويه، وغيرها من الأدوات المتاحة لؤلئك الذين يعلمون أنه ستتم حمايتهم من خلال الوسائل المختلفة المتاحة للأقوياء.
إن علينا أن نفهم لماذا يحدث كل ذلك، وأن نحله بقدر استطاعتنا. إن ذلك جزء من مشروع التحرر –لأنفسنا ولغيرنا، أو بعبارة معقولة أكثر : للناس الذين يعملون معاً لتحقيق هذه الأهداف.
قد يبدو ذلك بسيطاً وساذجاً وهو كذلك. لكن علي إذاً أن أجد الكثير من الشرح للحياة الإنسانية الذي ليس ساذجاً، عندما نتخلص من السخف والتموضع الذاتي.
س: ماذا عن “دوائر الجناح اليساري الراسخة ” والمعروفة أكثر، حيث يتوقع المرء أن يجد معرفة أكبر بحقيقة ما تمثله الأناركية؟ هل تواجه أي تفاجؤ لديهم بآرائك وتأييدك للأناركية؟
** تشومسكي : إذا كنت أفهم ما تعنيه ب”دوائر اليسار الراسخة” أو المعترف بها، فهناك الكثير من التفاجؤ لديهم بآرائي عن الأناركية، لأن القليل جداً هو معروف عن آرائي بكل شيء. هذه ليست الدوائر التي أتعامل معها. إن من النادر أن تجد أي مرجع لأي شيء أقوله أو أكتبه. وذلك ليس صحيحاً كلياً بالطبع. وبالتالي ففي الولايات المتحدة (وغالباً بشكل أقل في المملكة المتحدة أو أي مكان آخر) ستجد بعض الفهم لما أقوم به بالتأكيد من القطاعات الأكثر انتقاداً واستقلالية مما يمكن تسميته ب “دوائر الجناح اليساري الراسخة”، ولدي أصدقاء شخصيون وزملاء مبعثرون هنا وهناك. ولكن ألق نظرة على الكتب والصحف، وسترى ما أعنيه. أنا لا أتوقع أن يتم الترحيب بما أكتبه وأقوله بشكل أكبر في تلك الدوائر من نادي الكلية أو غرفة مدراء التحرير، ولكن مرة أخرى مع وجود استثناءات.
فالسؤال يطرأ بشكل هامشي فقط، إلى درجة تصعب معها إجابته.
س : لقد لاحظ عدد من الناس أنك تستخدم تعبير “الاشتراكي التحرري” ‘libertarian socialist’ في نفس السياق الذي تستخدم فيه كلمة “الأناركية”. هل ترى أن هذه المصطلحات متماثلة جوهرياً؟ هل الأناركية نوع من الاشتراكية بالنسبة إليك؟ إن الوصف الذي ظل يستخدم هو أن “الأناركية تعادل الاشتراكية مع الحرية”. هل تتفق مع هذه المعادلة الأساسية؟
** تشومسكي : إن مقدمة كتاب دانييل غورين التي ذكرتـَها تفتتح باقتباس من شخص متعاطف مع الأناركية قبل قرن من الزمان، يقول فيه أن “الأناركية لها خلفية واسعة، وأنها تحتمل أي شيء”. هناك عنصر رئيسي واحد هو ما يطلق عليه عادة “الاشتراكية التحررية” ‘libertarian socialism’. وقد حاولت أن أشرح في كل مكان ما أعنيه بذلك، مؤكداً أنه في الواقع بالكاد أصيل بي؛ فأنا آخذ الأفكار من رموز هادية في الحركة الأناركية وهم الذين أقتبس منهم، وهم بالأحرى يصفون أنفسهم باستمرار بأنهم اشتراكيون، بينما يدينون بقسوة “الطبقة الجديدة” من المفكرين الثوريين الذين يسعون إلى الوصول إلى سلطة الدولة في سياق النضال الشعبي و إلى أن يكوّنوا “البيروقراطية الحمراء الفاسدة” التي حذر منها باكونين، والتي عادة تسمى “اشتراكية”. إنني أفضل الاتفاق مع فهم رودولف روكر بأن هذه النزعات (شديدة المركزية) في الأناركية تأتي من أفضل ما في التنوير والفكر الليبرالي الكلاسيكي، وفي الواقع أكثر مما وصف هو. في الحقيقة، لقد حاولت أن أظهر أنهم يتناقضون بشدة مع المذهب الماركسي-اللينيني نظريةً وممارسة، وبالتحديد المذاهب “الليبرتارية” ‘libertarian’ الدارجة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإديولوجيات أخرى معاصرة لها، والتي تبدو لي كلها بأنها تختزل للدفاع عن شكل أو آخر من السلطة اللاشرعية، وغالباً الاستبدادية الحقيقية.
– الثورة الإسبانية –
س : في الماضي، عندما كنت تتحدث عن الأناركية، كنت تؤكد عادة على نموذج الثورة الإسبانية. وبالنسبة إليك يبدو أن هناك جانبين لذلك النموذج. فمن ناحية، تقول أن تجربة الثورة الإسبانية هي نموذج جيد على “الأناركية في الممارسة”، ومن ناحية أخرى، تؤكد أيضاً أن الثورة الإسبانية هي مثال جيد على ما يمكن للعمال تحقيقه من خلال جهودهم باستخدام “الديمقراطية التشاركية”. فهل هذان الجانبان – الأناركية في الممارسة، والديمقراطية التشاركية- وجهان لعملة واحدة بالنسبة إليك؟ هل الأناركية هي فلسفة عن قوة الجماهير؟
** تشومسكي : لا أميل إلى استخدام تراكيب خيالية متعددة المقاطع مثل “فلسفة philosophy” للإشارة إلى ما يبدو حساً مألوفاً عادياً. كما أنني لا أرتاح إلى الهتافات. إن إنجازات العمال والفلاحين الإسبان، قبل سحق الثورة، كانت مثيرة للإعجاب من نواح كثيرة. ومصطلح “الديمقراطية التشاركية” هو مصطلح جديد، تطور في سياق مختلف، ولكن هناك نقاط تشابه بالتأكيد. أعتذر إذا بدا ذلك مراوغة. إنه كذلك، ولكن لأنني لا أعتقد أن أياً من فكرتي الأناركية أو الديمقراطية التشاركية هو واضح بما يكفي للإجابة عما إذا كانا يعنيان الشيء نفسه.
س: واحد من أهم إنجازات الثورة الإسبانية كان درجة الديمقراطية القاعدية التي تم تحقيقها. ويقدر عدد الناس الذين شملهم الأمر ب3 مليون شخص. وكانت إدارة الإنتاج الريفي والمدني يتولاها العمال بأنفسهم. هل من المصادفة برأيك أن الأناركيين، المعروفين بدفاعهم عن الحرية الفردية، قد نجحوا في مجال الإدارة الجماعية؟
** تشومسكي : ليست مصادفة بالمرة. إن النزعات التي كنت دائماً أجدها الأكثر إقناعاً وجاذبية في الأناركية هي تلك التي تسعى إلى مجتمع منظم بشكل كبير، تتكامل فيه أنواع كثيرة ومتنوعة من التراكيب (الورشة، المجتمع، وأشكال أخرى متعددة من الاتحاد الطوعي voluntary association) ولكن يتحكم فيها المشاركون بها، لا أولئك الموجودون في موقع إعطاء الأوامر (مرة أخرى باسثتناء الحالات التي تكون فيها السلطة مبررة، كما في بعض الحالات الطارئة).
– الديمقراطية –
س : الأناركيون عادة يبذلون جهداً كبيراً في بناء الديمقراطية القاعدية grassroots democracy. ويتم اتهامهم غالباً بأنهم “يذهبون في الديمقراطية إلى المغالاة”، ومع هذا فكثير من الأناركيين قد لا يوافقون بسهولة على اعتبار الديمقراطية مكوناً مركزياً في الفلسفة الأناركية. فالأناركيون غالباً ما يصفون سياساتهم بأنها متعلقة “بالاشتراكية” أو متعلقة بالفرد”- ومن النادر أن يقولوا أن الأناركية معنية بالديمقراطية. هل توافق على أن الأفكار الديمقراطية هي خاصية مركزية في الأناركية؟
** تشومسكي : إن انتقاد “الديمقراطية” عند الأناركيين كان في العادة انتقاداً “للديمقراطية البرلمانية”، إذا أن هذه الديمقراطية قد ظهرت في مجتمعات ذات خصائص قمعية. خذ الولايات المتحدة مثلاً، والتي منذ نشأتها كانت حرة وديمقراطية. إن الديمقراطية الأمريكية قد تأسست على المبدأ الذي أكده جيمس ماديسون في الاجتماع الدستوري سنة 1787، وهو أن الوظيفة الأساسية للحكومة هي “حماية الأقلية الأغنياء من الأغلبية”، ولذلك فقد حذر من أنه في إنجلترا، التي هي النموذج شبه الديمقراطي الوحيد اليوم، إذا ما أتيح لعامة السكان أن تكون لهم كلمة في الشؤون العامة، فإنهم سيطبقون الإصلاح الزراعي أو أعمالاً وحشية أخرى، وأن النظام الأمريكي يجب وضعه بعناية لتفادي مثل تلك الجرائم ضد “حقوق الملكية” التي يجب حمايتها (في الواقع، يجب أن تسود). إن الديمقراطية البرلمانية في هذا الإطار تستحق بالفعل انتقاداً حاداً من التحرريين الحقيقيين، وقد أغفلت هنا العديد من الخصائص الأخرى التي تكاد تكون عبودية- غير ملحوظة لأذكر واحدة فقط، وكذلك عبودية الأجور التي أدينت بشكل لاذع من قبل الشعوب العاملة التي لم تسمع أبداً بالأناركية أو بالشيوعية خلال القرن التاسع عشر فما قبله.
– اللينينية –
س : إن أهمية الديمقراطية القاعدية في تحقيق أي تغيير ذي معنى في المجتمع يبدو أنها توضح نفسها بنفسها. ومع هذا فقد ظل اليسار ملتبساً وغامضاً حول ذلك في الماضي. وأنا أتحدث بشكل عام، عن الديمقراطية الاجتماعية، ولكن عن البلشفية أيضاً، وهي تقاليد اليسار التي يبدو أنها أقرب إلى التفكير النخبوي منها إلى الممارسة الديمقراطية الدقيقة. لينين، كي نتحدث عن نموذج معروف جداُ، كان متشككاً في أن العمال قد يطورون أي شيء أكثر من تطوير “وعي اتحادات العمال” وهو ما قصد به -كما أفترض- أن العمال لن ينظروا أبعد من مأزقهم الوقتي. وبطريقة مشابهة، كانت للاشتراكية الفابية باتريس ويب (نسبة إلى الجمعية الفابية في إنجلترا، المترجم) والتي كانت شديدة التأثير في حزب العمال في إنجلترا، وجهة النظر بأن العمال كانوا مهتمين فقط “باحتمالات سباقات الخيول”.
فكيف تنشأ هذه النخبوية، وما الذي تفعله في اليسار؟
** تشومسكي : إنني أخشى أن من الصعب علي أن أجيب على هذا السؤال. إذا كان المتعارف عليه أن يتضمن اليسار “البلشفية”، عندها سأعزل نفسي من اليسار بشكل قاطع. لقد كان لينين واحداً من ألد أعداء الاشتراكية، برأيي، لأسباب ناقشتها سابقاً. إن فكرة أن العمال يهتمون فقط بسباقات الخيول هي سخف لا يمكن أن يتماشى حتى مع نظرة سطحية إلى تاريخ الحركة العمالية أو الطبقة الضاغطة من العمال النشطاء والمستقلين، والتي ازدهرت في أماكن كثيرة، بما فيها الأحياء الصناعية في إنجلترا الجديدة التي لا تبعد أميالاً كثيرة عن المكان الذي أكتب منه، ناهيك عن السجل الملهم لكفاحات الناس المضطهدة والمقموعة عبر التاريخ، وحتى هذه اللحظة. خذ الزاوية الأكثر بؤساً في هذا النصف من الكرة الأرضية : هاييتي، التي يعتبرها الغزاة الأوروبيون مثل الجنة والتي تشكل مصدراً لجزء غير قليل من ثروة أوروبا، والتي أصبحت الآن محطمة، وربما لا يمكن علاجها. في السنوات القليلة الماضية، وتحت ظروف بائسة إلى درجة أن قليلاً من الناس في الدول الغنية يمكنهم تصورها، قام الفلاحون مع سكان الأحياء الفقيرة جداً في هاييتي بإنشاء حركة ديمقراطية شعبية تقوم على تنظيمات قاعدية تتفوق على أي شيء أعرفه في أي مكان، وفقط المأجورون بشدة هم الذين لن يتداعوا من السخرية عندما يستمعون إلى التصريحات الجدية للمثقفين والزعماء السياسيين الأمريكيين عن أنّ على الولايات المتحدة أن تعلم الهاييتيين دروس الديمقراطية. إن إنجازات الهاييتيين كانت كبيرة ومفزعة للأقوياء إلى درجة أنه كان علي الهاييتيين أن يتعرضوا إلى جرعة أخرى من الإرهاب الفظيع، المدعوم بقوة من الولايات المتحدة أكثر مما يعلن عنه، وهم لم يستسلموا حتى الآن. إذاً هل هم مهتمون فقط بسباقات الخيول؟
تحضرني هنا بعض الأسطر التي اقتبستها من روسو أحياناً : ” عندما أرى حشوداً من البدائيين العراة كلياً يحتقرون شهوانية الأوروبيين، ويتحملون الجوع، والنار، والسيف، والموت فقط ليحافظوا على استقلالهم، أشعر أنه لا ينبغي على العبيد أن يفكروا في الحرية”.
س: بالحديث مرة أخرى بشكل عام، فإنك في أعمالك “ردع الديمقراطية Deterring Democracy”، “اوهام ضرورية : الهيمنة على الفكر في المجتمعات الديموقراطية Necessary Illusions: Thought Control in Democratic Societies” وغيرها، قد تعاملت باستمرار مع شيوع الأفكار النخبوية ودورها في مجتمعات كمجتمعاتنا، وقد جادلت بأنه في ظل الديمقراطية “الغربية” (أو البرلمانية) تكون هناك معاداة عميقة لأي دور أو مساهمة من جماهير الناس، خشية أن يهدد ذلك الدورُ التوزيعَ غير المتساوي للثروة والذي هو لمصلحة الأغنياء. إن عملك هنا مقنع بشدة، ولكن، بوضع ذلك جانباً، فقد صُـدم البعض ببعض تأكيداتك. على سبيل المثال، أنت تقارن سياسات الرئيس جون ف. كندي بسياسات لينين، مساوياً بين الاثنين بطريقة أو بأخرى. وهذا، كما أستطيع أن أضيف، قد صدم المؤيدين لكلا المعسكرين ! هل يمكن أن تفصل أكثر عن صحة هذه المقارنة؟
** تشومسكي : لم أقم فعلياً “بالمساواة” بين مبادئ المثقفين الليبراليين في إدارة كندي بمبادئ اللينينيين، لكنني لاحظت نقاطاً ملفتة في تشابهها- بالأحرى كما تنبأ باكونين قبل قرن من ذلك في تعليقه الإدراكي على “الطبقة الجديدة New Class”. على سبيل المثال، لقد اقتبست فقرات من روبرت ماكنامارا (وزير الدفاع الأمريكي في عهد كندي، المترجم) عن الحاجة إلى تعزيز السيطرة الإدارية إذا أردنا أن نكون “أحراراً” حقاً، وكيف أن “ضعف الإدارة” الذي هو “التهديد الحقيقي للديمقراطية” هو اعتداء على المنطق نفسه. قم بتغيير بعض الكلمات في تلك الفقرات وستحصل على المبادئ اللينينية المعيارية. لقد ناقشت أن الجذور هي عميقة، في الحالتين. ومن دون توضيح أكثر عما يجده الناس “صادماً”، لا يمكنني أن أوضح أكثر. إن المقارنات هي محددة، وأعتقد أنها صحيحة وملائمة. وإن لم تكن كذلك، فلابد أنه كان خطاً يهمني أن أتنور بشأنه.
– الماركسية –
س: اللينينية تحديداً تعبر عن شكل من الماركسية تطور مع مجيء فلاديمير لينين. فهل تفصل أنت ضمنياً بين أعمال ماركس ونقدك المحدد للينين عندما تستخدم مصطلح “اللينينية”؟ وهل ترى استمرارية بين آراء ماركس وممارسات لينين اللاحقة؟
** تشومسكي : إن تحذيرات باكونين من “البيروقراطية الحمراء” التي يمكن أن تشكل “أسوأ الحكومات الاستبدادية” كانت قبل لينين بوقت طويل، وكانت موجهة ضد أتباع السيد ماركس. لقد كان هناك، في الواقع، أتباع من أنواع كثيرة متنوعة؛ بانيكوك، لوكسمبرغ، باول ماتيك، وغيرهم ممن يختلفون كثيراً عن لينين، وآراؤهم تتلاقى عادة مع بعض عناصر الأناركية السنديكالية (النقابية) anarcho-syndicalism. وقد كتب كارل كورش وآخرون بتعاطف مع الثورة الأناركية في إسبانيا في الحقيقة.
إن هناك استمرارية بين ماركس ولينين، لكن هناك أيضاً استمرارية بين ماركس والماركسيين الذين كانوا منتقدين بشدة للينين والبلشفية. وأعمال تيودور شانين في الأعوام الآخيرة عن مواقف ماركس اللاحقة عن ثورة الفلاحين هي ذات علاقة هنا أيضاً. أنا بعيد عن أن أكون دارساً ماركسياً، ولن أجازف بإصدار أي حكم حول أي من تلك الاستمراريات تعكس “ماركس الحقيقي” إذا كان هناك جواب لهذا السؤال أصلاً.
س : لقد حصلنا مؤخراَ على نسخة من كتيبك “ملاحظات على الأناركية Notes on Anarchism “. وفيه تأتي على ذكر آراء “ماركس المبكر”، وتحديداً تطويره لفكرة “الاغتراب في ظل الرأسمالية”. هل تتفق بشكل عام مع ذلك التقسيم لحياة ماركس وأعماله، أقرب إلى الاشتراكية التحررية في شبابه، ليصبح لاحقاً سلطوياً حازماً ؟
** تشومسكي : إن ماركس المبكر يأتي بشكل كبير من البيئة التي عاش فيها، ويجد المرء العديد من أوجه التشابه بينه وبين التفكير الذي حرك الليبرالية الكلاسيكية، وسمات التنوير والرومانتيكية الفرنسية والألمانية. ومرة أخرى، أنا لست دارساً لماركس بشكل كاف لادعاء حكم موثوق. لكن انطباعي المتواضع هو أن ماركس المبكر كان إلى حد كبير رمزاً للتنوير المتأخر، وأن ماركس اللاحق كان ناشطاً سلطوياً إلى حد كبير، ومحللاً نقدياً للرأسمالية، كان لديه القليل ليقوله عن البدائل الاشتراكية. لكن تلك تبقى مجرد انطباعات.
س : من خلال فهمي، فإن اللب في وجهة نظرك العامة يتغذى من مفهومك عن الطبيعة الإنسانية. ففي الماضي، كان ينظر إلى فكرة طبيعة الإنسان كشيء انكفائي regressive، بل حتى محدِّد أو مقيد ومحصور. على سبيل المثال، فإن سمة الثبات في الطبيعة البشرية كانت تستخدم في العادة كحجة على عدم إمكانية تغيير الأشياء جوهرياً في اتجاه الأناركية. فهل لك رأي آخر؟ ولماذا؟
** تشومسكي : إن لب وجهة نظر أي أحد يمثل إلى حد ما مفهومه عن طبيعة الإنسان، ومع هذا فإنه قد يكون بعيداً عن الإدراك أو ينقصه النطق به articulation. وذلك صحيح على الأقل بالنسبة إلى الناس الذين يعتبرون أنفسهم مسؤولين أخلاقياً، لا وحوشاً. وبعيداً عن الوحوش، سواء أكان الشخص يدافع عن الإصلاح، أو الثورة، أو الاستقرار والثبات، أو العودة إلى مراحل سابقة، أو حتى يزرع حديقته الخاصة، فإنه ينطلق من أرضية أن ذلك “جيد للناس”. لكن حكمه ذاك يقوم على بعض فهمه للطبيعة البشرية، التي سيحرص الإنسان المنطقي على جعلها أوضح ما يكون، إذ عندها فقط يمكن تقييمها. لذا في هذا السياق أنا لا أختلف عن أي شخص آخر.
أنت محق في أن الطبيعة البشرية ظل ينظر إليها على أنها شيء “انكفائي regressive “، ولكن لا بد أن ذلك هو نتيجة تشويش عميق. فهل حفيدتي مثلاً لا تختلف بأي شيءعن الصخرة، أو السلامندر، أو الدجاجة، أو القرد؟ إن الشخص الذي يرفض هذه السخافة سيميز أن هناك طبيعة بشرية خاصة. ويبقى لدينا إذا السؤال عن ماهيتها- وهو سؤال غير بديهي وساحر، يحظى باهتمام علمي هائل وأهمية إنسانية. ونحن نعرف جزءاً معقولاً عن بعض جوانب هذه الطبيعة، وهذه ليست الجوانب ذات الأهمية الإنسانية الكبرى. وبعد ذلك، تبقى لنا آمالنا وأمنياتنا، حدسنا، وتأملاتنا.
ليس هناك أي شيء “انكفائي” في حقيقة أن الجنين البشري مقيد لدرجة أنه لا تنمو له أجنحة، أو أن جهازه البصري لا يعمل بالدقة التي يعمل بها عند الحشرة، أو أنه تنقصه غريزة التوجه عند الحمام الزاجل. إن العوامل نفسها التي تقيد تطور الكائن تتيح له أن يحقق بناءً غنياً، ومعقداً، ومفصلاً للغاية، مشابهاً في نواح كثيرة لأقرانه، بإمكانيات غنية ورائعة. والكائن الذي ينقصه ذلك التركيب الداخلي المحدِّد، والذي يقيد مسارات التطور جذرياً، سيصبح كمخلوق أميبي amoeboid يدعو إلى الشفقة (حتى لو استطاع أن يبقى حياً بطريقة ما). إن مدى وحدود التطور مترابطة منطقياً.
خذ اللغة مثلاً، كأحد الإمكانيات القليلة المميزة للإنسان التي يعرف عنها الكثير. إن لدينا أسباباً قوية جداً لنعتقد أن جميع اللغات الإنسانية المحتملة متشابهة جداً فيما بينها؛ حتى أن عالماً من المريخ لو راقب البشر قد يستنتج أن هناك لغة واحدة فقط، باختلافات صغيرة بين مكان وآخر. والسبب هو أن السمة المحددة من الطبيعة البشرية والتي تقف وراء نمو اللغة تتيح خيارات محصورة جداً. فهل هي محدَّدة إذا ً؟ بالطبع نعم. هل هي محرِّرة ؟ أيضاً بالطبع نعم.
إن هذه القيود الكثيرة هي التي تجعل من الممكن لجهاز ثري ومعقد من التعبير عن الأفكار أن يتطور بطرق متشابهة على أساس من التجربة الأولية المبعثرة، والمتفاوتة.
ماذا عن مسألة الاختلافات البشرية المحددة حيوياً biologically-determined ؟ إنه من الأكيد أنها موجودة، وهي سبب للبهجة، لا للخوف أو الحسرة. إن الحياة بين نسخ متشابهة لن تستحق أن تعاش، والإنسان سليم العقل سيفرح أن لدى الآخرين قدرات وإمكانيات لا يشتركون فيها. إن ذلك يجب أن يكون ابتدائياً. وما يُعتقد به غالباً بالنسبة لهذه الأمور هو غريب حقاً، في رأيي.
هل الطبيعة البشرية، أياً كانت، مساعدة على تطور أشكال أناركية من الحياة أم معيقة لها؟ إننا لا نعرف ما يكفي لنجيب، بشكل أو بآخر. إنها مسائل تحتاج إلى التجربة والاكتشاف، لا إلى التصريحات الفارغة.
– المستقبل –
س : قبل أن ننتهي، أود أن أسألك باختصار عن بعض شؤون اليسار الحالية. لا أعلم إذا كان الوضع في الولايات المتحدة مماثلاً، ولكن هنا (في إيرلندا) بسقوط الاتحاد السوفييتي، حل باليسار انهيار في المعنويات. ليس لأن الناس كانوا مؤيدين ومحبين لما كان موجوداً في الاتحاد السوفييتي، بل هو بالأحرى شعور عام بأنه بزوال الاتحاد السوفييتي، فإن فكرة الاشتراكية أيضاً قد سقطت. هل مررت بهذا النوع من ضعف المعنويات؟ وما هي ردة فعلك عليه؟
**تشومسكي : إن ردة فعلي على نهاية الطغيان السوفييتي كانت مشابهة لردة فعلي على هزيمة هتلر وموسوليني. فكل تلك الحالات، انتصار للروح الإنسانية. وكان ينبغي أن يحظى ذلك بترحيب الاشتراكيين تحديداً، لأن عدواً كبيراً للاشتراكية قد سقط أخيراً. وقد عجبت مثلك عندما رأيت كيف أن الناس -ومن ضمنهم أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم معادين للستالينية ومعادين لللينينية- قد انهارت معنوياتهم بسقوط الاستبداد. وهذا ما يكشف أن التزامهم باللينينية كان أكثر مما ظنوا.
لكن هناك على أية حال، أسباباً أخرى للقلق من زوال ذلك النظام الاستبدادي والوحشي، والذي كان ”اشتراكياً” بقدر ما كان “ديمقراطياً” (تذكر أنه كان يدعي الأمرين (الاشتراكية والديمقراطية) وأن ادعاءه للأخيرة كان يتم تسخيفه في الغرب، بينما كان الغرب يتقبل بحماسة اتصاف الاتحاد السوفييتي بالصفة الأولى (الاشتراكية)، كسلاح ضد الاشتراكية- وهو أحد النماذج الكثيرة على خدمة المثقفين الغربيين للسلطة).
أحد الأسباب التي تدعو إلى القلق يتعلق بطبيعة الحرب الباردة. ومن وجهة نظري، فقد كانت تلك الحرب مقياساً مهماً “لصراع الشمال والجنوب” وهو المصطلح “الملطف” الذي يستخدم اليوم للتعبير عن احتلال أوروبا لمعظم العالم. لقد كانت أوروبا الشرقية هي “العالم الثالث” الحقيقي، والحرب الباردة الدائرة منذ 1917 لا يمكن تشبيهها ولا إلى درجة خفيفة بمحاولات أجزاء أخرى من العالم الثالث في مسار سعيها إلى تحقيق استقلالها، مع أن اختلاف الموازين في هذه الحالة قد أعطى الصراع طبيعة خاصة. لهذا السبب، فلم يكن من المنطقي أن نتوقع غير عودة هذه المنطقة وبشكل كبير إلى وضعها السابق: فالأجزاء الغربية منها، مثل جمهورية التشيك أو بولندا الغربية، سيتوقع أن تعود إلى الغرب، بينما تتراجع الأخرى إلى دورها الخدمي التقليدي لتصبح “النومنكلاتورا” السابقة (النومنكلاتورا: الطبقة البيروقراطية الحاكمة في دول الكتلة الشرقية ، المترجم) هي نخبة العالم الثالث (وذلك بموافقة قوة الدول الغربية والتي بشكل عام تفضلها على غيرها). وذلك لم يكن مشهداً جيداً، وقد أدى إلى معاناة هائلة.
سبب آخر للقلق يتعلق بالردع وعدم الانحياز. فالإمبراطورية السوفييتية على شذوذها، قد أعطت بوجودها مجالاً لعدم الانحياز، وقامت لأسباب تعدو للسخرية بتقديم العون لضحايا الهجمة الغربية. هذه الخيارات قد ذهبت الآن، والجنوب يعاني من نتائج ذلك.
سبب ثالث يدعو إلى القلق يتعلق بما تسميه صحافة رجال الأعمال ب”العمال الغربيين المدللين بمعيشتهم المترفة”. وبعودة معظم أوروبا الشرقية إلى القطيع، فقد أصبح لأصحاب الأعمال والمدراء أسلحة جديدة فعالة ضد الطبقات العاملة والفقراء الذين في بيوتهم. وجينيرال متورز وفولكس فاجن ليس بمقدورهم فقط أن ينقلوا الإنتاج إلى المكسيك والبرازيل، (أو على الأقل أن يهددوا بذلك، والذي يفضي غالباً إلى الشيء نفسه)، بل إلى بولندا وهنجاريا أيضاً، حيث يمكنهم أن يجدوا العمال الماهرين والمدربين وبتكلفة اقل بكثير. وهم مبتهجون بذلك بالطبع، بالنظر إلى القيم الموجهة لهم.
يمكننا أن نتعلم الكثير عن حقيقة ما كانت الحرب الباردة (أو أي صراع آخر) تدور حوله بالنظر إلى من فرح ومن أصبح تعيساً عند نهايتها. ووفق هذا المقياس، فإن المنتصرين في الحرب الباردة يشملون النخب الغربية والنومنكلاتورا السابقة، التي اصبحت غنية اليوم بأكثر مما كانت تحلم به، أما الخاسرون فيشملون جزءاً أساسياً من سكان الشرق ومعهم العمال والفقراء في الغرب، وكذلك القطاعات الشعبية في الجنوب التي كانت سعت إلى الاستقلال.
إن هذه الأفكار توشك على إثارة المثقفين الغربيين إلى حد الهستيريا، هذا عندما تمكنهم ملاحظتها، وهو ما يندر حدوثه. إن ذلك سهل الإظهار. وهو كذلك مفهوم، والملاحظات صحيحة، ومدمرة للقوة والميزات، وبالتالي تؤدي إلى الهستيريا.
وبشكل عام، فإن ردود أفعال إنسان مخلص على نهاية الحرب الباردة ستكون أكثر تعقيداً من مجرد الابتهاج بسقوط نظام استبدادي وحشي، وأغلب ردود الأفعال السائدة يغمرها قدر هائل من النفاق، في رأيي.
– الرأسمالية –
س : من نواح كثيرة، يجد اليسار نفسه اليوم قد عاد إلى نفس النقطة التي بدأ منها في القرن الماضي. ويواجه الآن، كما في ذلك الوقت، شكلاً مهيمناً من الرأسمالية. ويبدو أن هنالك “إجماعاً” اليوم، وأكثر من أي وقت مضى على مر التاريخ، على أن الرأسمالية هي الشكل الصحيح الوحيد للتنظيم الاقتصادي الممكن، على الرغم من أن التباين في توزيع الثروة يتسع. في مواجهة هذه الخلفية، قد يجادل المرء أن اليسار ليس واثقاً بشأن كيفية المضي قدماً. كيف ترى الفترة الحالية؟ هل هي مسألة “عودة إلى الأساسيات”؟ هل ينبغي توجيه الجهود الآن نحو إبراز الوجه التحرري للاشتراكية والتأكيد على الأفكار الديمقراطية؟
** تشومسكي : هذه في معظمها بروبجندا، في رأيي. فما يطلق عليه “رأسمالية” هو في الأساس نظام من الشراكة الميركانتيلية corporate mercantilism، مع استبداديات خاصة ضخمة غير مبررة تمارس سيطرة هائلة على الاقتصاد، والأنظمة السياسية، والحياة الاجتماعية والثقافية، وهي تعمل بتعاون كبير مع دول قوية تتدخل بقوة في الاقتصاد المحلي والمجتمع الدولي. وذلك صحيح للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، خلافاً للأوهام الكثيرة. والأغنياء وأصحاب الامتيازات كما في الماضي لا يريدون أن يواجهوا انضباطاً في السوق، ومع ذلك يعتبرون هذا جيداً لعموم الناس. وللاستشهاد ببعض النماذج، فإن إدارة ريغن، التي رقصت على نغمة السوق الحر، كانت تتباهى أمام مجتمع رجال الأعمال أيضاً بأنه سيكون الأكثر حماية في تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة- في الواقع أكثر حماية من جميع الآخرين مجتمعين. نيوت جنجريتش، الذي يقود الحملة الصليبية الحالية، يمثل مقاطعة هائلة الثراء تتلقى إعانات مالية فدرالية أكثر من أي ضاحية أخرى في البلاد، خارج النظام الفدرالي نفسه. و “المحافظون” الذين يطالبون بإلغاء وجبات الغداء المدرسية للأطفال الجائعين يطالبون أيضاً بزيادة في ميزانية البنتاغون، الذي تأسس في أواخر الاربعينيات بشكله الحالي لسبب – كان إعلام رجال الأعمال لطيفاً بما يكفي لإخبارنا به- هو أن صناعة التكنولوجيا العالية لا يمكنها البقاء في ظل اقتصاد “نقي”، “تنافسي”، “غير ممول”، “حر”، والحكومة يجب أن تكون “المخلّص” لها. وبدون هذا “المخلّص”، فإن ناخبي جينجرتش قد يصبحون من الفقراء العاملين (هذا إذا أسعفهم الحظ لذلك). أي لن يكون هناك كمبيوترات ولا إلكترونيات ولا صناعة طيران ولا تعدين ولا أتمتة ، إلخ ، إلخ
إن الأناركيين – أكثر من كل الناس – يجب ألا تمر عليهم هذه الأكاذيب التقليدية.
إن أفكار الاشتراكيين التحرريين هي مألوفة اليوم أكثر من أي وقت مضى، والناس منفتحة عليها بشكل كبير. وبالرغم من القدر الهائل من البروبجندا المنظمة، خارج الدوائر المتعلمة، فإن الناس لا زالت محتفظة إلى حد كبير بمواقفها الشعبية. في الولايات المتحدة مثلاً، يعتبر أكثر من 80% من السكان أن النظام الاقتصادي “ظالم كلياً” ويعتبرون النظام السياسي محتالاً، يخدم “المصالح الخاصة”، لا الناس. والغالبية العظمى تعتقد أن العاملين لهم صوت ضعيف جداً في الشؤون العامة (والوضع نفسه ينطبق على إنجلترا)، وأن على الحكومة مسؤولية دعم المحتاجين من الناس، وأن الإنفاق على التعليم والصحة يجب أن تكون له الأولوية على الاقتطاعات من الميزانية و اقتطاعات الضرائب، وأن المقترحات الجمهورية الحالية في الكونغرس تخدم الأغنياء وتضر الفقراء، إلى غير ذلك. وربما يروي المثقفون قصة أخرى، لكنه ليس من الصعب أبداً أن تجد الحقائق.
س : إلى حد معين، تمت البرهنة على صحة الأفكار الأناركية بسقوط الاتحاد السوفييتي – فقد تم إثبات صحة تنبؤات باكونين. فهل تعتقد أن على الأناركيين أن يتشجعوا بهذا التطور العام وببعد نظر تحليل باكونين؟ هل على الأناركيين أن ينظروا إلى الفترة القادمة بثقة أكبر في أفكارهم وتاريخهم؟
** تشومسكي : أعتقد – أو على الأقل أتمنى – أن تكون الإجابة على ذلك متضمنة في كلامك. أعتقد أن الفترة الحالية فيها نذر شؤم و إشارات آمال كبيرة في نفس الوقت. أما النتيجة فتعتمد على مدى استفادتنا من الفرص المتاحة.
تاريخيا ،هناك ثلاث أشكال رئيسية من الاشتراكية،الاشتراكية التحررية (اللاسلطوية)،الاشتراكية السلطوية(الشيوعية الماركسية)،الاشتراكية الديمقراطية (الديمقراطية الاجتماعية الانتخابية) .اليسار السلطوى يردد صدى التصوير البورجوازى ل اللاسلطوية كأيديولوجية للفوضى والعبث والجنون .لكن اللاسلطوية وخاصة اللاسلطوية الشيوعية ليس لديها و ما يجمعها وهذه الصورة . الزائفة و المصنوعة من قبل أعدائها أيديولوجيا الماركسيين اللينينين. إنه من الصعب جدا على الماركسيين اللينينين تقديم نقد موضوعى ضد اللاسلطوية الشيوعية بسبب طبيعتها التى تدك كل المزاعم الأساسية للماركسية اللينينية ، طالما ظلت الماركسية اللينينية تتمسك بكونها فلسفة الطبقة العاملة وأن البروليتاريا لا تستطيع أن تدين بتحريرها لأى أحد سوى للحزب الشيوعى ،فأنه يكون من الصعب الاستناد إليها والقول أن الطبقة العاملة حتى الآن ليست مستعدة لإعفائها من التسلط عليها، لينين أتى بفكرة الدولة الانتقالية، والتى ستذوى بعيدا بمرور الزمن ، أو لتمضى بعد فترة “ديكتاتورية البروليتاريا” لماركس ، الللاسلطويون كشفوا هذا الخط الأيديولوجى كثورة مضادة ، وكانحراف لانتزاع السلطة من يد الناس ، وبعد 75 عاما من الممارسة الماركسية اللينينية التى برهنت على صحة وجهة النظر تلك ، حيث رأينا جميعا ما تسمى بالدول الاشتراكية المؤسسة على مفاهيم الماركسية اللينينية و قد أنتجت فقط الدولة الستالينية البوليسية ،حيث العمال لا يملكون أى حقوق ، بينما تملكها الطبقة الحاكمة الجديدة من التكنوقراطيين وساسة الحزب الصاعدين ، ورأينا كيف استمرت التفاوتات الطبقية بين هؤلاء الذين ميزتهم الدولة النطاق و بين الجماهير المحرومة بخلقها الحرمان واسع النطاق بينهم ، و من ثم فقد دشنت صراع طبقى آخر بدلا من أن تلغى كل صراع طبقى كما سبق ووعدت . لكن الماركسيين اللينينيين بدلا من توجيه انتقادات رئيسية للفكرة اللاسلطوية ، فقد ركزوا هجماتهم ليس على مفهوم اللاسلطوية بل على الرموز التاريخية للاسلطوية و بشكل خاص على باكونين (المعارض الأساسى لماركس فى الأممية الأولى). اللاسلطويين هم الثوريين الاجتماعيين الذين يهدفون إلى اللا دولتية ،اللا طبقية ، الاتحادات التعاونية الطوعية لمجتمعات لا مركزية مؤسسة على الملكية الاجتماعية ، الحرية الفردية ، والإدارة الذاتية المستقلة للحياة الاقتصادية والاجتماعية. اللاسلطويون يختلفون عن الماركسيين اللينينيين فى كثير من القضايا ، و بشكل خاص فى البناء التنظيمى ، و هم يتميزون عن الاشتراكيين السلطويين فى ثلاث مفاهيم أولية ، هم يرفضون المفاهيم الماركسية اللينينية ، حول الحزب الطليعى ، المركزية الديمقراطية ، ديكتاتورية البروليتاريا ، و اللاسلطويون لديهم بدائل لكل هذه المفاهيم ، ولكن المشكلة هى أن معظم المنتمين لليسار (بما فيهم بعض اللاسلطويون) جاهلين بشكل كامل بالبدائل البنيوية الملموسة لتلك المفاهيم الماركسية وهى الجماعة الدعائية ، والديمقراطية المباشرة ، و المشتركات (الكوميونات )الجماهيرية. البديل اللاسلطوى للحزب الطليعى هو الجماعة الدعائية . الجماعة الدعائية بشكل مجرد تتكون كاتحاد شيوعى لاسلطوى بين أفراد و جماعات متقاربة فى عملها ورؤاها ،و هى تقام على قواعد تنظيمية أو ضرورية فحسب ، وهى تعتمد على توافق إرادات و رغبات الأعضاء فى التعاون فيما بينهم وإلحاح الظروف الاجتماعية التى تفرض عليهم النضال سويا ، و الاتحاد اللاسلطوى الثورى يقام بواسطة ممثلين عن جماعات دعائية متجانسه ، (أو الجماعة المتجانسة نفسها عند نموها لحد يسمح لها بالانقسام لجماعات دعائية فرعية ) .وفى كل الأحوال يتم الإلتزام بمبدأ ضمان الحقوق و الامتيازات والمسئوليات التصويتية الكاملة لكل عضو . الجماعة الدعائية واتحاداتها تضع كل من السياسات و خطط الأعمال المستقبلية و تؤدى وظائفها وفق هذا المبدأ ، أنها تربط بين كل من النظرية الشيوعية اللاسلطوية والممارسة الاجتماعية . عقيدتها هى الانخراط فى الصراعات الطبقية و الاجتماعية من أجل نفى النظام الرأسمالى والسلطوى ، أنها تنتظم سواء فى التجمعات البشرية المختلفة أو فى أماكن العمل ، و هى فى النهاية جماعة ديمقراطية تخلو من أى رموز للسلطة مثل زعماء الحزب و اللجنة المركزية وخلافه. و لأن الثورة لابد وأن تحدث على نطاق واسع يتجاوز نطاق عمل الجماعات واتحاداتها المحلية فأن العمليات التنسيقية بين هذه الجماعات واتحاداتها المحلية تصبح ضرورة ملحة ، و تشكيلها لا يمكن أن يكون فى طريق معاكس لمبادىء اللاسلطوية ، فما يعارضه اللاسلطويون تحديدا هو التراتبية فى التنظيم ، سلطة القيادة المعرقلة للعمل ، و التى تكبح الدافع الخلاق للكتل المنخرطة فى العمل وتطبق بقرارتها البيروقراطية على رقابهم ، حيث يكون الأعضاء فى مثل هذه الجماعات التراتبية مجرد خدم وعبيد لقيادة الحزب ، لكن برغم أن اللاسلطويون يرفضون مثل هذه القيادة المركزية المتحكمة فى تابعيها ، فهم يقرون أن هناك بعض الناس يكونون أكثر خبرة أو أفصح أو أكثر مهارة من آخرين ، وهؤلاء الأشخاص لابد وأنهم سيلعبون أدوار القيادة فى العمل ، هؤلاء الأشخاص ليسوا رموز مقدسة للسلطة ، ويمكن ببساطة أن ينحوا عن مسئولياتهم حسب إرادة عضوية التنظيم ، كما يوجد هناك أيضا وعى بأهمية تداول المسئوليات بين الأعضاء بشكل متواتر لإكساب الآخرين المهارات المختلفة عبر ممارسة المسئوليات ، و بشكل خاص النساء والمنتمين للأقليات العرقية والثقافية فى المجتمع الذى تنشط فيه الجماعة الدعائية ، والذين لا يحصلون عادة على هذه الفرص بحكم انتماءاتهم والعادات والتقاليد والأعراف السائدة المحيطة بهم . خبرة هؤلاء الأشخاص الذين يكونون عادة نشطاء محنكين أو مؤهلين على نحو أفضل من الغالبية فى لحظة ما تجعلهم يستطيعون المساعدة على تشكيل وقيادة و تطور الحركة ، و المساعدة على بلورة الإمكانية من أجل التغيير الثورى فى الحركة الشعبية . ما لا يستطيعوا أن يفعلوه هو تولى السلطة فوق مبادرة هذه الحركات الشعبية نفسها. الأعضاء فى هذه المجموعات الدعائية ينكرون الأوضاع التراتبية (تمتع أى شخص بسلطة رسمية أكثر من الآخرين ) وهى الأوضاع المشابه للأحزاب الماركسية اللينينية الطليعية ،كما أن المجموعات الدعائية اللاسلطوية لن تسمح بإدامة قيادتها من خلال الديكتاتورية بعد الثورة .فبدلا من ذلك فأن الجماعات الدعائية واتحاداتها سوف تحل نفسها فور انتصار الثورة ، وعضويتها السابقة عندئذ ستكون مهيئة للذوبان فى عمليات اتخاذ القرارات فى تجمعات المجتمع الجديد .ومن ثم سيكون هؤلاء اللاسلطويون بعد الثورة بلا قيادات بل مجرد أفراد أكثر وعيا يعملون كمرشدين و كمنظمين لحركة الجماهير فى عملية بناء المجتمع الجديد . ما لا نريده ولا نحتاجه بالفعل هو مجموعة من السلطويين تقود الطبقة العاملة ، و تقيم من نفسها قيادة مركزية لصنع القرارات و بدلا من “ذبول” دول الماركسية الللينينية الموعود فأننا رأيناها جميعا وقد أدامت الأوضاع التسلطية (البوليس السرى، سادة العمال ، الحزب الشيوعى) للحفاظ على سلطتهم التى انتزعوها . الفعالية الظاهرة لمثل هذه المنظمات التى تخدع البعض بضرورتها ، تحجب الطريقة التى يحتذى بها الثوريين أنفسهم المؤسسات الرأسمالية ( الدولة والشركة) التى يكافحونها ، فمنظماتهم المحاكية للنمط البورجوازى القائم على الانقسام بين البشر ، بين من يأمرون ومن يطيعون الأوامر ، تصبح ممتصة بالقيم البورجوازية والسلطوية برغم خطابها الشيوعى التحررى، ومعزولة تماما عن الاحتياجات الواقعية ورغبات الناس العادية. مقاومة الماركسيين اللينينين لقبول التغيير الاجتماعى الثورى الذى يحطم الانقسام بن البشر بين آمرين ومأمورين ، أيما كان يكمن فى فوق كل ما رأيناه فى مفهوم لينين للحزب . فرضية ضرورة انتزاع السلطة السياسية ووضعها فى يد الحزب الشيوعى كشرط للتحرر الاجتماعى .الحزب الذى يخلقه اللينينين اليوم ،مثلما يعتقدون سوف يصبح الحزب الوحيد للبروليتاريا و الذى يمكن للطبقة العاملة من خلاله أن تنتظم وتحوز السلطة وأن تحرر نفسها. فى الممارسة أيما كانت ،هذا يعنى الديكتاتورية الشخصية والحزبية، والتى تعطي الحزب الفائز والقائد الحق والواجب لمحو كل الأحزاب و الأيديولوجيات الأخرى المهزومة و المقودة . كل من لينين وتروتسكى و ستالين ، قد قتلوا الملايين من العمال والفلاحين، كما نكلوا بمعارضيهم الأيديولوجيين فى الجناح اليسارى للثورة ، وحتى بالألاف من أعضاء حزبهم البلشفى. دموية هذا التاريخ الخيانى تفسر كل هذه العدائية والمنافسة البالغة الحدة بين الأحزاب الماركسية اللينينية و التروتسكية حتى اليوم ، وتفسر لماذا نرى فى كل دول العمال سواء فى كوبا أو فى الصين أو فى فيتنام أو فى كوريا تجسم بيروقراطية طغيانية فوق شعوبها. ويفسر أيضا لماذا رأينا أنه فى معظم البلاد الستالينية بشرق أوربا قد تم إسقاط حكوماتها بواسطة البورجوازية الصغيرة والناس العاديين فى عقد الثمانينات ، و ربما نشهد خسوف شيوعية الدولة بشكل كامل ، فهؤلاء لم يصبح لديهم شىء جديد ليقولوه وأنهم لن يمكنهم استعادة حكوماتهم مرة ثانية.البديل عن المركزية الديمقراطية هى الديمقراطية المباشرة بينما تصل المجموعات اللاسلطوية لقراراتها عبر مناقشة لاسلطوية بين أعضاءها ،نجد أن الماركسيين اللينينين ينتظمون خلال ما يسمى بالمركزية الديمقراطية .المركزية الديمقراطية تقدم كشكل من ديمقراطية الحزب الداخلية ، لكنها فى الحقيقة محض تراتبية استبدادية ، حيث كل عضو فى الحزب وأخيرا فى المجتمع بعد نجاح الحزب قى الوصول للسلطة يكون خاضعا للعضو الأعلى حتى نصل للجنة المركزية للحزب كلية القدرة والجبروت ثم رئيسها صاحب الحق الوحيد فى التفكير وإصدار الأوامر . و هذا إجراء غير ديمقراطى بشكل كامل وهو يضع القيادة فوق مستوى النقد حتى لو لم تكن فوق مستوى اللوم .أنها طريقة تفسد و تفلس العمليات الداخلية للمنظمة السياسية ، أنك لا تملك صوتا فى الحزب ويجب أن تخاف من قول أى تعليقات ناقدة للقيادة أو حول القادة حتى لا تتناولك الشكوك والاتهامات. القرارات فى المجموعات اللاسلطوية تتخذ من قبل كل الأعضاء (والذين لا يملك أحد منهم سلطات فوق ما يملكه عضو أخر) الأقلية المخالفة تحترم ، و مساهمة كل فرد تكون طوعية . كل عضو له الحق فى الموافقة أو عدم الموافقة على أى سياسة أو فعل ، وأفكار كل عضو تعطى نفس الوزن والاعتبار ،لا قرار يمكن أن يتخذ حتى يكون لكل عضو فرد أو مجموعة منضمة يمكن أن تتأثر بهذا القرار ،الفرصة ليعبر عن رأيه فى الموضوع محل القرار .الأعضاء الأفراد والجماعات المنضمة للاتحاد تحتفظ بحقها فى رفض دعم أنشطة جماعية أو اتحادية معينة .هذه هى الديمقراطية الحقيقية ،القرارات التى تخص الاتحاد ككل يجب أن تتخذ بواسطة أغلبية أعضاءه . فى معظم القضايا لا يكون هناك احتياج حقيقى لاجتماعات رسمية من أجل اتخاذ القرارت ، ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعة أو الاتحاد .بالطبع ،هناك أوقات يجب أن يتخذ فيها قرار عاجل ، وأحيانا بسرعة جدا.وهذا يكون أمر نادر لكن أحيانا لا يمكن تفاديه ،القرار فى هذه الحالة يمكن أن يتخذ بواسطة حلقة أصغر من العضوية العامة المكونة من مئات أو آلاف . ولكن فى الأحوال العادية كل هذا يحتاج لتبادل المعلومات والحقائق بين الأعضاء و الجماعات من أجل اتخاذ قرار يعيد تناول القرار الأصلى الذى تم اتخاذه فى ظرف الطوارىء. بالطبع خلال هذا النقاش سوف يبذل جهد لتوضيح أي اختلافات أساسية بين الأعضاء حول القرار المتخذ ، و اكتشاف الطرق البديلة للفعل الذى تم اتخاذ القرار بشأنه. وهناك دائما محاولات للوصول عبر النقاش لتوافق متبادل على القرارات بين وجهات النظر المتعارضة ،بينما لو كان هناك مأزق أو عدم وجود إمكانية للوصول للتوافق المتبادل مع القرار ، فيأخذ القرار طريقه للعرض على التصويت ، وحينئذ يقبل أو يرفض أو يلغى بأغلبية الثلثين . و هذا على العكس كليا من ممارسة الأحزاب الماركسية اللينينية حيث اللجنة المركزية من جانب واحد تعد السياسات والقرارات لكل المنظمة على نحو تحكمى وتسلطى اللاسلطويون يرفضون مركزة السلطة ومفهوم المركزية الديمقراطية .كل المجموعات الدعائية هى اتحادات حرة مشكلة وفق احتياج عام و ليسوا ثوريين مروضين بالخوف من السلطة ،بينما يتسع نطاق مجموعات العمل (والذى ممكن أن تتشكل بين العمال أو حركة مكافحة العنصرية ،أو حقوق المرأة ،أو التمويل أو التغذية والإسكان ..الخ) و تصبح منظمات ضخمة يصعب معها ممارسة الديمقراطية المباشرة ، فأنه يمكنها حينئذ أن تنقسم لمجموعتين أو أكثر تتمتع بالاستقلال الذاتي بلا مركزية مع استمرارها متحدة فى اتحاد واحد واسع .و هذا يجعلها قادرة على الاتساع بلا حدود بينما تحتفظ بشكلها اللاسلطوى المتميز بكل من الإدارة الذاتية و اللامركزية. أنها نوعا ما تشبه النظرية العلمية للخلية الحية فى الانقسام وإعادة الانقسام لكن بالمعنى السياسى. المجموعات اللاسلطوية لا تنتظم بشكل ضرورى على نحو محكم ، نظرية التنظيم اللاسلطوية مرنة والبنية التنظيمية يمكن أن لا توجد عمليا أو توجد على نحو محكم جدا وهذا يعتمد على نمط المنظمة المطلوب فى ظل الظروف الاجتماعية التى تواجهها الحركة اللاسلطوية ،على سبيل المثال المنظمة يمكن أن تكون محكمة خلال العمليات العسكرية أو خلال القمع السياسى المشدد.المشتركات الجماهيرية (الكوميونات) بديل عن ديكتاتورية البروليتاريا اللاسلطويون الشيوعيون يرفضون المفهوم الماركسى اللينينى عن ديكتاتورية البروليتاريا ،وما يسمى ب”الدولة العمالية” مفضلين المشتركات الجماهيرية (الكوميونات). بما لا يشبه أعضاء الأحزاب اللينينية والذين يعيشون يوميا على نحو مشابه بوجه عام لنمط الحياة البورجوازى الحاضر، فأننا اللالطويون يحاولون العيش وفق أنماط الحياة والبنية التنظيمية التى تحاول أن تعكس المجتمع التحررى للمستقبل و ذلك من خلال الترتيبات الحياتية التشاركية، الجماعات المتقاربة… اللاسلطويون بنوا كل أنواع المشتركات الجماهيرية والتجمعات خلال الحرب الأهلية الأسبانية فى عقد الثلاثينات من القرن الماضى ، لكن تم تحطيمها من الفاشيين والشيوعيين. ولأن الماركسيين اللينينين لا يبنوا تنظيمات تعاونية ( أنوية المجتمع الجديد) مفضلين الانغماس فى عالم البورجوازية ، فأنهم لا يستطيعوا رؤية العالم إلا فى المصطلحات السياسية البورجوازية فقط. هم يريدون الاستحواز على سلطة الدولة ويحلوا ديكتاتورياتهم فوق الشعب والعمال بدلا من إزالة سلطة الدولة واستبدالها بالمجتمع التعاونى الحر. أنهم يؤكدون أن الحزب يمثل البروليتاريا و التى لا احتياج لها لتنظيم نفسها خارج الحزب ،وحتى فى الاتحاد السوفيتى السابق ،فأن عضوية الحزب الشيوعى لم تشكل إلا خمسة فى المئة من السكان. هذه أسوء أنواع النخبوية و التى جعل الأحزاب الرأسمالية أكثر ديمقراطية بالمقارنة بها. ما كان يقصده الحزب الشيوعى بتمثيل سلطة العمال لم يكن واضحا ،إلا أن النتائج كانت 75 عاما من القهر السياسى وعبودية الدولة بدلا من عهد من الحكم الشيوعى المجيد ، أنهم يجب أن يخضعوا للحساب سياسيا من جراء جرائمهم ضد الناس،ويجب أن نرفض نظريتهم و ممارستهم السياسية الثورية ،أنهم جللوا الاشتراكية والشيوعية بالعار، و أجلوا إمكانية تحققهما الفعلى لمدى زمنى طويل. أننا نرفض ديكتاتورية البروليتاريا ، كونها قهر غير مقيد ، والماركسيين اللينينين و الستالينين مصممين على تحقيقه ، الملايين قتلهم ستالين باسم مكافحة الصراع الطبقى الداخلى ، وملايين أكثر قتلتهم الحركات الشيوعية فى الصين و بولندا و أفغانستان وكمبوديا وبلاد أخرى حيث اتبعت فرضية كل من تروتسكى و ستالين بضرورة الإرهاب الثورى . نحن نرفض شيوعية الدولة كأسوأ انحراف وطغيان حدث باسم التحرر مما اضر بقضية التحرر .و نجزم أننا نستطيع أن نصنع ما هو أفضل منها مع المشترك الجماهيرى (الكوميون) . كوميون الجماهير اللاسلطوى (أحيانا يطلق عليه مجلس العمال بالرغم من بعض الاختلافات بين المفهومين) يمكن أن يكون قومى أو قارى أو اتحاد متعدد القوميات لتعاونيات سياسية واقتصادية و تشكيلات تشاركية محلية . اللاسلطويون يتطلعون لعالم ومجتمع يكون فيه صنع القرار عمل كل شخص والذى ينخرط فيه مع باقى أعضاء التشاركية أو الكوميون المنضم إليه ، و من ثم فهو ليس عمل قلة تروض الآخرين وفق نزواتها وتحركهم كالتروس فيما يسمى ديكتاتورية البروليتاريا. إن أى ديكتاتورية وكل ديكتاتورية هى أمر سيئ حتى ولو تمت باسم البروليتاريا ، و أنها لا يمكن أن تعيد لنا الأشكال الاجتماعية الحرة بعد أن سلبتها ، بالرغم مما يخبرنا به اللينينون بأنها تحمينا من الثورة المضادة .فطالما الماركسيين اللينينين يدعون أن هذه الديكتاتورية ضرورية لكى تضرب أى ثورات مضادة بورجوازية تقودها الطبقة الرأسمالية أو رجعيو الجناح اليمينى فأنهم أبعد ما يكونوا عن المشروع التحررى . اللاسلطويون يشعرون أن هذا الإدعاء نفسه جزء من مدرسة التخريف الماركسى. فجهاز ممركز مثل الدولة يكون هدف أسهل للمعارضين فى معسكر الثورة المضادة من تنظيم اتحادى مكون من التشاركيات اللامركزية. هذه التشاركيات سوف تبقى مسلحة ومدربة للدفاع عن الثورة ضد أى جيش يهاجمها عسكريا . مفتاح حركة الناس نحو الدفاع والحراسة والكفاح ووحدات الاستعدادات العسكرية الأخرى للحفاظ على ما اكتسبوه بأنفسهم من تشاركيات حرة ، وليس قهرهم بأجهزة الأمن وغسيل العقول . موقف اللينينين من ضرورة الديكتاتورية لحماية الثورة لم يكن مبرهنا عليه فى الحرب الأهلية ، و التى تلت الثورة الروسية ؛ فى الحقيقة بدون الدعم من اللاسلطويين وقوى الجناح اليسارى الأخرى و عبر الشعب الروسى حكومة البلشفيك كانت ستهزم لا محالة . والحقيقة أن الديكتاتورية انقلبت على داعميها ، وطاردت الحركات اللاسلطوية الأوكرانية والروسية وحتى المعارضين أيديولوجيا فى الحزب البلشفى حيث واجهوا السجن و القتل و النفى . ملايين من المواطنيين الروس قد قتلهم لينين و تروتسكى حقا بعد الحرب الأهلية بينما كانوا يشددون من سلطة الدولة وهو ما سبق حكم ستالين الدموى. الدرس هو أننا لن نخدع لكى نسلم سلطة الشعب المتجذرة لديكتاتورين يقودونا كأصدقائنا وقادتنا. نحن لا نحتاج الحلول الماركسية اللينينية فهى خطيرة ومضللة .هناك طريق آخر ، لكن عند كثير من اليساريين و الناس العادييين الاختيار الوحيد يظهر ليكون بين الفوضى اللاسلطوية أو الأحزاب الشيوعية الماركسية مهما كانت دوجمائية و ديكتاتورية . هذه هى النتيجة الأولية لعدم الفهم والدعاية. اللاسلطوية كأيديولوجية تقدم بنيات تنظيمية ملائمة ،بمقدار ما هى بديل صالح للنظرية الثورية ، و التى لو استخدمت يمكن أن تكون أساس لتنظيم بصلابة التنظيم الماركسى اللينينى (أو حتى أكثر منها )، هذه المنظمات ستكون مساواتية و واقعية لمنفعة الناس فقط أكثر من القادة الشيوعيين. اللاسلطوية غير مقيدة بأفكار نظرى فرد، ومن ثم فهى تسمح بالإبداع فرديا ليتطور فى شى التجمعات بدلا من الدوجمائية المميزة للماركسيين اللينينيين ،ولكونها ليست عقيدة دينية فهى تشجع التعامل الواسع مع الإبداع والتجريب والارتقاء بمؤيديها ليجيبوا واقعيا على متطلبات الظروف المعاصرة. هى مفهوم لصنع أيديولوجيا صالحة لمتطلبات الحياة بدلا من محاولة صنع حياة صالحة لمتطلبات الأيديولوجيا، ومن ثم فاللاسلطويون يبنون منظمات لتبنى عالم جديد لا لتديم سلطتها فوق الجماهير . يجب أن نبنى حركة أممية تنسيقية منظمة تهدف إلى تحويل الكوكب إلى تشاركية ستكون وثبة كبرى فى التطور الإنسانى وخطوة ثورية عملاقة .أنها تغير العالم الذى نعرفه وتنهى المشاكل الاجتماعية التى طالما اجتاحت الجنس البشرى ،أنها بدأ عصرا جديدا من الحرية والإنجاز. دعنا نتفق معه لنحصل على عالم نكسبه!
كيف يمكن تصور مشروع جديد، يقطع مع الاشتراكيات التسلطية، مع الدولانيين، المركزيين، اليعقوبيين، الذين دفعوا الحركة العمالية والاجتماعية إلى المأزق، سواء اللينينية، أو الستالينية، أو الاشتراكية-الديمقراطية؟
والسؤال هو كيف يمكن لهذا الصراع الذي نسميه اشتراكية أو شيوعية تحررية، والذي يصبو إلى قطيعة ثورية كونه يهدف إلى بناء مجتمع شيوعي بالمعنى الأصيل، أي المجتمع الشيوعي المدار ذاتياً، نقول كيف يمكن لهذا الصراع ان يسلك طريقاً متأقلماً مع المعطيات الجديدة والمعقدة للمجتمع المعاصر؟
هذه الوثيقة تعبر عن الاتجاهات الكبرى، عن المقترحات العامة لتيار نضالي يبحث عن أجوبة على هذه الأسئلة.
هذه الوثيقة لا تزعم تقديم أجوبة جاهزة، بصورتها النهائية: فهي ليست عقيدة، متزمتة، جامدة.
إنها تشكل فحسب نقطة انطلاق نظرية وعملية؛ فهي تُعبِّرُ عن التقاءات ، عن نقاط اتفاق؛ تطرح أسئلة. هي إذَن مجرد وسيلة للتفكير والعمل، والتي لن نذخر جهداً لتطويرها في المستقبل.
يريد هذا النص المشاركة في بناء تيار ثوري، دولي، جديد.
سوف نحاول إجراء توليف لعطاءات متعددة، مستقاة من الصراعات والتجارب التاريخية التي خاضتها التيارات الثورية المختلفة، الإدارية الذاتية (أي المرتكزة إلى مبدأ الإدارة الذاتية)، الأيكولوجية (البيئية)، النِسَوية، النقابية… نحن نعتبر أننا ننتمي إلى نَسَبٍ واسع ومتعدد يمد جذوره في الإرهاصات الأولى للحركة العمالية، في التيارات ضد التسلطية، النقابية الثورية، التحررية، الأنرشية، المجالسية، ولكننا نحاول توسيعَ رقعة مراجعنا أبعد من هذا، مع رفضنا الانصياع لأي عقيدة دوجمائية، أياً كانت، ماضية أم حاضرة.
نرغب في إيجاد تحديد معاصر لمفهوم الصراع الطبقي و للبروليتاريا، يأخذ في عين الاعتبار التحولات العميقة التي طرأت على عصرنا دون أن يبخس دور الانتفاضات والنضالات التي خاضتها الطبقات المسحوقة.
نؤكد أن الرأسمالية ليست المرحلة الأخيرة للتاريخ الإنساني، المرحلة النهائية وغير القابلة للتجاوز: من هنا ضرورة قيام مشروع ثوري جديد، لا يقتصر على شلة صغيرة من الناس، بل يستند إلى نضالات الشغيلة، نضالات العناصر الشابة، نضالات الطبقة التي تشكل قاعدة المجتمع، كما يستند إلى التنظيم الذاتي لهؤلاء وإلى قدرتهم على فرض سلطات مضادة.
نحاول إذن خلق توجه سياسي، اجتماعي، ثقافي، يمفصل كل أنواع النضال الجماهيري: من ناحية تلك المطالبة بانتزاع حقوق للناس، أو النقابية، وبصورة عامة تلك المنبثقة عن نضال الجمعيات (الجمعياتية)، ومن ناحية ثانية تلك النضالات (التعبيرات) الجذرية، البديلة، الثورية. إن هذا التوجه يرفض أن يضيع في متاهات الدهاليز المؤسساتية، في السياسة المهنية، إذ هو يمنح الأولوية للنضالات الاجتماعية وللنضال على الأرض مع الناس وللناس.
نريد بالضرورة أن ننتظم كي نكون أكثر فعالية، ولكننا نرفض الحزب شكلاً ومحتوى ووظيفةً. أخيراً ولأننا لا نزعم الإمساك بالحقيقة ولأن اتحاد القوى ضروري كي تزن في ساحة النضال، فإننا نبحث على التلاقيات الممكنة في العمل النضالي وفي الحوار مع كل القوى ضد الرأسمالية. لهذا نقترح فكرة حركة كبرى معادية للرأسمالية وذاتية الإدارة: هي قوة تعددية، واسعة، يشكل تيارنا أحد مكوناتها.
إنها كما تلاحظون قناعات تحدد هوية صراعنا والتي تساهم هذه الوثيقة في إيضاحها.
نضال ضد الرأسمالية
نحن ضد الرأسمالية وبصورة جذرية. نحن لا نعارض فحسب تجاوزات النظام الرأسمالي الذي يهيمن اليوم على العالم أجمع، بل نعارض جذريا كل مرتكزاته: استغلال العمل الإنساني لمصلحة أقليات، أي أصحاب القيادة والامتياز؛ التخريب التدريجي للمصادر الطبيعية (للبيئة)؛ التطور العالمي غير المتساوي والإمبريالية؛ إنسلاب الفرد؛ السيطرة الدولانية على المجتمع.
كوننا ضد الرأسمالية فنحن نرفض منطق السباق من أجل الربح، منطق المؤسسة (أي المؤسسة التجارية)، نمط التطور الإنتاجي، التراتبية و اللامساواة الاجتماعية: نرفض إذن هذه الشعارات التي يطلقها مجتمع يسيطر عليه كلياً نمط إنتاج رأسمالي وطبقات رأسمالية.
نحن معادون للرأسمالية لأسباب اجتماعية، عبر التزامنا في الصراعات الطبقية للطبقة المستغَلة. كما معادون للرأسمالية لأسباب أتيقية (أخلاقية)، عبر التزامنا بالقيم المساواتية، التحررية، قيم العدالة الاجتماعية واحترام خصوصيات كل فرد. وكذلك لأسباب حياتية لأن الرأسمالية تقوم على استغلال أكثر فأكثر ضراوة للطبيعة التي تهدد في أمد منظور استمرار الإنسانية.
نحن معادون للرأسمالية أياً كان الشكل التاريخي الذي تتخذه: رأسمالية ليبرالية أو رأسمالية دولانية. نحن ضد الرأسمالية الليبرالية المؤسَسة على تنظيم “مستقل” للسوق والتي تزعم أنها “ديمقراطية” فيما في الحقيقة هي ترتكز على نمط إنتاج لا ديمقراطي جوهرياً وهي تهدف كلياً لتحقيق أرباح في جيوب الطبقات المسيطرة. كذلك نحن ضد رأسمالية الدولة وإن زعمت أنها “اشتراكية” أو حتى “شيوعية” فيما في الحقيقة هي تقوم على نمط استغلال وسيطرة طغيانية للشغيلة وعلى التحديد التسلطي للسوق لصالح طبقة من أصحاب الامتياز فائقة القوة تتمثل في البيرقراطية و تقنوقراطية الدولة (أي قيادة الحزب). وبالتالي نحن لا ندعم لا دولنة جزئية أو كاملة للرأسمالية الليبرالية ولا خصخصة جزئية أو كاملة لرأسمالية الدولة.
إن معاداتنا للرأسمالية تندرج منذ حين في النضالات اليومية التي هي في البداية محصورة بالضرورة في الإطار المفروض من قبل الطبقات المسيطرة. لكن هذه النضالات تدعمُ، عبر عملية النقد الجذري الذي تمارسه وعبر مشروع مجتمع بديل للرأسمالية، تدعمُ مفهوم اشتراكية “ذاتية الإدارة” وتحررية تساعد في قيام حراك واسع يناضل على خلفية الصراع الطبقي والانتفاضات الثورية الدائمة.
نضال منطلق من الصراع الطبقي
نؤكد أن تقسيم المجتمع إلى طبقات متناقضة يبقى الميزة الأساسية للرأسمالية المعاصرة. لقد عَرِفت الرأسمالية تحولات عميقة؛ فهي لم تكف ولن تكف عن التحول عبر دورة مستمرة من الأزمات والتوسع. وهي في أي حال ترتكز أولاً وأخيراً على علاقات سيطرة قياديين على مُقادين مع اللازمة المعروفة وهي استغلال الطبقات المسيطِرة للشغيلة اليدويين والذهنيين.
إن الطبقات الاجتماعية تتحدَّدُ بموقعها في علاقات السلطة ضمن الإنتاج – إنتاج الأشياء المادية، السلع، التجهيزات، إنتاج الخدمات – وسواء قام هذا الإنتاج في القطاع الخاص أم العام.
ولكن نعني بالطبقات الاجتماعية مجمل المرتبطين بهذه الفئات الاجتماعية والمتموقعة في الإنتاج: العائلات، الشباب، الذين لا يعملون، المتقاعدون، العاطلون عن العمل.. نعني إذن بصراع الطبقات الصراعات القائمة في المؤسسات أو المرتبطة بالعمل، بالبطالة، بالعمل غير الثابت، كما الصراعات القائمة في بقية المجتمع عندما تبرز هذه الصراعات تناقضات طبقية.
لقد طرأت على الطبقات الاجتماعية في الرأسمالية المعاصرة تغييرات في تركيبتها ولا يسعنا بالتالي الاستمرار في الاستناد إلى الصور التي تركها لنا القرن الماضي.
ونعني بالطبقة الرأسمالية مجمل الفئات التي تمسك بزمام القرار في الإنتاج والمجتمع والتي تقرر كيفية توزيع فائض إنتاج القيمة. فقد انضمت اليوم إلى البورجوازية المتميزة بالملكية الفردية شرائح رافقت تطور شركات ومؤسسات وإدارات الدولة: أي البيرقراطية والتقنوقراطية.
البروليتاريا الحديثة لا تقتصر على العمال وحدهم، رغم أن هؤلاء لا يزالون يحتلون مكاناً مهماً في المجتمع. بالنسبة إلينا البروليتاريا هي مجمل المجموعات الإنسانية التي لا تمتلك سلطة قرار حقيقية في الإنتاج، والملزمة بيعَ قوةِ عملها عبر وضعية العمل المأجور. هذه البروليتاريا تتشكل في قاعدتها من الشغيلة اليدويين ومن العمال والمستخدمين. بالإضافة إلى الشغيلة الذهنيين والمسيطَر عليهم والمستغلِّين مثل التقنيين والأساتذة.
إن جزءاً كبيراً من البروليتاريا الحديثة واقع في البطالة والعمل الهش، أي العمل المؤقت، غير الثابت. وهذه البطالة والعمل الهش أصبحا مُعطيين بنيويين وَزِنين في العلاقات الاجتماعية المعاصرة.
بين الطبقة الرأسمالية والبروليتاريا برزت شرائح متوسطة ومأجورة جديدة (كوادر، تقنيون..)، تقوم بمهام إدارة و تأطير. وتكتسب هذه الشرائح وزناً متزايداً سياسياً ولكن ثقافياً أيضاً. إن الصراع الطبقي يفترض أن نميز ضمن هذه الشرائح بين تلك التي يقتصر دورها على الأمور التقنية والمهنية، وتلك التي تشارك في تقرير غائية الإنتاج. هذه الشرائح المتوسطة والمأجورة الجديدة هي متنوعة بصورة قصوية بحيث ينبغي التفريق ضمنها بين شريحتين كبريين: الشريحة الأكثر ثراء والتي تتماهى مع الطبقة الرأسمالية ولا تتميز عنها إلا بقدر ابتعادها عن مراكز القرار، فيما الشريحة الأخرى تتداخل كلياً مع البروليتاريا.
إن تطور القطاع الثالث، وتزايد عدد التقنيين، وتناقص عمال الصناعة في البلدان الصناعية، والعمل الهش والبطالة، كل هذا أدى إلى إزالة الصورة الاجتماعية التقليدية التي كانت لا ترى إلا عمال الصناعة.
يمارَسُ اليوم صراع الطبقات بأشكال جديدة. لقد غدت صورة الطبقة المكونة فقط من العمال، الأقلية العمالية، كطليعة سوسيولوجية وقوة جذب وحيدة، غدت صورة قديمة وبائدة يقتضي استبدالها بمشروع وحدة جديدة، أوسع بكثير توحِد جميع مكونات البروليتاريا الحديثة، الذهنية واليدوية، المأجورة والغارقة في نمط العمل الهش، الصناعية والخدماتية (أعمال القطاع الثالث: التجارة، التأمين..)، مع أخذ الخصوصيات بعين الاعتبار،. هذه البروليتاريا الجديدة، المتعددة الأشكال ولكن القابلة للتوحيد على أساس وضعها المشترك، هذه البروليتاريا المسيطَر عليها والمستغَلَّة، ينبغي أن تبحث عن نقاط تلاقٍ مطلبية وضد رأسمالية مع جماهير واسعة من الشرائح المتوسطة المأجورة التي تسيطر عليها الرأسمالية. هذه التلاقيات سوف تنبني بفضل الصراعات الاجتماعية، الوعي الجماعي، بفضل بروز مشاريع جديدة تحوِّل وتطوِّر المجتمع.
دون أن نَصُبَّ في “رسولية” معينة، وانطلاقا فقط من دورها في علاقات الهيمنة والإنتاج، يمكن الجزم بأن البروليتاريا تحمل في طياتها صراعاً طبقياً دائماً، كامناً حيناً ومتفجراً أحياناً. يفرض هذا الصراع الطبقي على الطبقات المسيطرة تحولات وتسويات دائمة، تحددها موازين القوى، في مجالات العمل، توزيع الثروات، الحقوق، المؤسسات. ولكنها تحمل أيضاً إعادة نظر شاملة للرأسمالية، ما تمَّ التعبيرُ عنه بصورة دائمة على مرِّ التاريخ. يحمل إذاً الصراع الطبقي تحولاتٍ جزئية، متعارضة مع المنطق الرأسمالي والمصالح الرأسمالية، كما يحمل قطيعة ثورية ترسم قواعد مجتمع جديد يحرر الإنسانية جمعاء.
إن مشاركتنا في نضالات البروليتاريا لا تمنعنا من رؤية أن المجتمع على درجة كبيرة من التعقيد والتنوع، وأنه يمثل تشكيلة اجتماعية غير متجانسة تهيمن عليها الرأسمالية وقوانينها (لا سيما قوانين السوق)، وحيث تتعايش أشكال أخرى من الإنتاج (أو قل أشكال أخرى من استغلال الشغيلة): أشكال تعاونية، جمعياتية، ما قبل رأسمالية (الفلاحون، الحرفيون)، و فردانية. ثمة أشكال اجتماعية أخرى تدخل هكذا حقل صراع الطبقات: طبقة الفلاحين، الشرائح المتوسطة التقليدية، الشرائح المتوسطة المأجورة الجديدة، ما يطرح بالضرورة مشاكل نظرية وعملية عديدة لا يمكن اجتنابها خلال سيرورة إيجاد البديل للرأسمالية.
يجب أن نذكر هنا على وجه الخصوص “شغيلة الأرض” (المزارعون) الذين يقبع العدد الأكبر منهم تحت نير استغلال المنظومة المهيمنة، فَهُم يشكلون دوماً فئة اجتماعية مهمة سواء لجهة غائية عملهم أم لموقعهم في البيئة الطبيعية.
نضال ضد الإمبريالية
إن انتعاش الرأسمالية في القرن التاسع عشر والعشرين ما كان ليتم لولا النهب المنهجي لثروات بلدان الجنوب واستغلال البروليتاريا في الغرب من ناحية واستغلال بروليتاريا شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من ناحية ثانية. تستند الرأسمالية على التطور غير المتساوي على مستوى الكرة الأرضية، على نظام عالمي إمبريالي حيث تفرض نفسها العواصم الكبرى، سواء مباشرة عبر الاستعمار، أم عبر الأنظمة المتواطئة، أم بسلاح المساعدات المصلحية والاستدانة.
ونتائج هذه السيرورة كارثية : تهديم التوازنات الطبيعية والزراعات الحيوية والإنتاج المحلي لصالح قطاعات تصديرية للثروات باتجاه العواصم (المتروبولات الكبرى). هكذا فإن اقتصاديات هذه البلدان هي غير مكتملة، تبعية، غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات السكان. وما هي لازمة هذا الأمر: تزايد اللامساواة، البؤس والجوع. كما الهيمنة المتصاعدة للثقافة الغربية ولنمط حياة غربي لا بد أن يفتت القيم الخاصة لكل شعب.
نطالب فرنسا بإزالة الاستعمار عن بلدان “الدوم توم”، أي مناطق ما وراء البحار. نحن معادون بالكامل “لإمبرياليتنا”، ولا يمكن إلا أن ندعم بالشكل الأكثر وضوحاً نضالات الشعوب الواقعة ضحية هذه الإمبريالية، ولا سيما تلك التي تخوضها وستخوضها شعوب “الدوم توم” من أجل إزالة الاستعمار عن كاهلها. كما نعارض التدخلات العسكرية والحروب التي تسببت بها “دولتنا”.
نحن ندعم جميع نضالات الشعوب ضد الإمبريالية ومن أجل استقلالها. وهذا الدعم المبدئي هو في آن واعٍ ونقدي. لقد أكدت التجربة أن نضالات الاستقلال، المشروعة دوماً في رفضها للسيطرة، وتالياً المستحقة كل الدعم، تُولد في غالب الأحيان أنظمة بيروقراطية، عسكريتارية، أو متورطة في شتى أشكال النيوكولونيالية. لا ترتكز جميع النضالات على المكونات الاجتماعية ذاتها، ودعمنا يذهب أولاً إلى الفلاحين الفقراء ومختلف شرائح البروليتاريا. لا ترسم جميع حركات التحرر الأهداف نفسها، ولا تستخدم الأسلحة والأشكال نفسها. ندعم أولاً القوى الأكثر ديمقراطية، الأكثر تمثيلاً والأكثر قدرة على مصارعة الرأسمالية والدولانية.
في مواجهة القمع ندعم الطموحات القومية والهوياتية[1]. دعمنا أمر أكيد ولكنه دعم نقدي، لا سيما إزاء مفاهيم تنزع إلى تثبيت تعارض بين الشعوب أو محو الواقع الطبقي، كما تتحفنا به الثلاثية المقدسة “أمة/دولة/وطن”. مقابل هذه المفاهيم التي تحمل هيمنات جديدة ينبغي أن نواجهها بطرح آخر يكمن في حق كل شعب في العيش على “أرضه” بالمعنى التاريخي والثقافي للكلمة دون أن يحظر أي شعب، على شعوب أخرى، على ثقافات أخرى، حقٌَها في التعايش مع تلك الشعوب، والاختلاط بها. هدفنا هنا هو الإسهام في خلق مواطنة تقطع مع الانتماءات الإثنية والثقافية والقومية والدينية.
في البلدان الأوروبية وبأشكال مختلفة نجد السيرورة ذاتها، سيرورة التطور غير المتساوي، سيرورة قمع الثقافات والشعوب، والتي ولدت مطالب قومية وأحياناً نضالات من أجل الاستقلال أو الحكم الذاتي (كما في أيرلندا، في منطقة الباسك الإسبانية، في كورسيكا). هنا أيضاً ثمة نضالات مشروعة تنال مشاركتنا أو دعمنا النقدي، لا سيما عندما تحمل هذه النضالات شرائح كبيرة من الشعوب المعنية والتي يمكن أن تفتح أفقاً “ضد-رأسمالي” وتحريري.
نضال بيئي
يشكِل النضال البيئي تاريخياً جزءاً لا يتجزأ من النضال التحرري، كما يشكل برأينا أحد الجبهات الأساسية للنضال الثوري. عدة عناصر تدق اليوم ناقوس الخطر على البشرية وتمنح النضال البيئي أهمية أساسية: التلوث، تخريب البيئة، زعزعة استقرار المنظومات البيئية للكرة الأرضية.
لقد ولدت الرأسمالية قطيعة بين الإنسان والطبيعة. كيف لا والدينامية الخاصة بها تستند إلى ضرورة تحقيق نمو متزايد للإنتاج، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا على حساب نزيف دائم للمصادر الطبيعية. المنطق الإنتاجي هو المسؤول عن تخريب الطبيعة الهائل، عن التدهور العام لإطار الحياة، عن زعزعة لا سابق لها للتوازنات البيئية. تخريب طبقة الأوزون، خلل في التوازنات الحرارية للفضاء، فناء الغابات في النصف الشمالي للكرة الأرضية (“الأمطار الحمضية”)، تلوث المياه من جرّاء رمي النفايات الصناعية والزراعية، تعدد الكوارث الصناعية (الكيميائية والنووية)، تخريب الغابات الاستوائية… تُحَضر لنا الحضارة الإنتاجية للغد مستقبلاً سوداوياً.
إن الحكومات والأحزاب الحاكمة والأجهزة الدولية تكرر الإعلانات وتتخذ أنصاف الإجراءات التي تحفظ المصالح الأساسية للشركات المتعددة الجنسيات والمسؤولية عن التلوث، ولكنها إجراءات غير كافية لكبح شتى أنواع تخريب الطبيعة.
إزاء المشاكل البيئية يبدو أن كل ما تحاول أن تفعله الرأسمالية أو المجتمعات البيرقراطية غير قابل للتطبيق. لقد خرب هذا المنطق الهدف “الطبيعي” للإنتاج، أي تلبية احتياجات المنتجين. يقود هذا المنطق الإنسانيةَ إلى مأزق أكيد.
إن النشاط الإنساني يقترب من حدود لم تعد تستطيع منظومة “الأرض” البيئية تحملَها. ثمة تناقض بين الإبقاء على اقتصاد رأسمالي إنتاجي وبقاء الإنسانية على قيد الحياة.
هكذا فإن النضال البيئي لا يندرج فقط ضمن النضالات من أجل إزالة التلوث ومن أجل وقف تخريب البيئة والطبيعة، رغم ضرورة هذه النضالات. فالنضال البيئي برأينا لا يمكن إلا أن يكون نضالاً ضد الرأسمالية بصورة جذرية. هذا النضال البيئي أو هذا المفهوم البيئي الجديد يجب أن يواجه أولاً منطق وطبيعة المنظومة القائمة، فيعرض نمطه الجديد في التطور، ومفهوماً آخر للعمل والتكنولوجيات، وشكلاً آخر للاستهلاك، وبالطبع علاقة أخرى بين المجتمع والطبيعة. يمكن للنضال البيئي أن يحمل مشروعاً مجتمعياً بديلاً للرأسمالية وبصورة شاملة، ومشروع حياة من نوع آخر مؤسسة على رابط عميق بين البشر والطبيعة، رابط مستعاد[2] ومتجدد. ولكن لنُحَذرَ من أمر هام: إن ما نقصده هنا ليس ذلك المفهوم الميتولوجي بعض الشيء، عن طبيعة “صافية” هدمها الإنسان. إذ إن الإنسان ونشاطاته الخلاقة والمنتجة تشكل جزءاً من الطبيعة. إن كوكبنا “الأرض”، بثروته النباتية والحيوانية لم يكن يوماً منظومة جامدة، بل على العكس من ذلك كان دوماً مقراً لتطور دائم، لتوازن دينامي لمكوناته.
إلا أن التطور التكنولوجي للقرن العشرين خلق وضعاً جديداً. فالإنسان قادر اليوم، إن لم يتحكم بتطوره، أن يخلق قطيعة خطيرة، خللاً عنيفاً في توازن الكرة الأرضية. لقد شهد القرن العشرون مرحلة التحول من التلوث “المقبول” (أي الذي يمكن أن يتحمله المحيط البيئي) والذي تسببت به اليد البشرية إلى “فقدان توازن بيئي” يهدد مستقبل الإنسانية. إن الإجراءات المجتزأة ليست فعالة إطلاقاً أمام التزايد الشامل لفقدان التوازن البيئي. ما يجب مواجهته هو المرض وليس حواليه.
والحال أن هذه المواجهة لا تأتي في أولوية برنامج عمل المؤسسات السياسية، كما ليست العمل الوحيد الذي يقوم به الأخصائيون الذين في وسعهم إيجاد حلول للمشاكل المستعجلة التي كشف عنها علمُ البيئة. من أجل التصدي لهذا الأمر يقتضي قيام عمليات تعبئة جماهيرية كبرى. والموضوعات البيئية يجب ان تستعيدَها وترفعَها وتناضلَ من أجلها الحركة العمالية نفسها. لا سيما وأن الشغيلة هم المتضررون الأوائل من الكوارث البيئية، سواء في عملية الإنتاج أم في حياتهم اليومية.
ينبغي أن يتحكم البشر بالنمو السكاني (الديمجرافي)، أن تراقب إنتاجها الصناعي، واستهلاكها للطاقة الوقودية، أن تعيد ابتكار زراعة لا تقضي على مصادر المياه والأتربة. إن الإنتاجية الرأسمالية تتعارض كلياً مع هكذا تطور. من ناحية لأن هذه الإنتاجية تفترض بالضرورة نمواً متفجراً للإنتاج، للاستهلاك وللسكان؛ ومن ناحية ثانية لأنها ترتكز إلى مجتمعات غير مساواتية كلياً، وغير قادرة على التحكم بإدارة جماعية لتوزيع متجانس للثروات المتوفرة.
إن النضال البيئي، ولأن لا معنى له خارج توكيد ضرورة قيام نوع آخر من التطور، فهو مرتبط مباشرة بالنضال من أجل ديمقراطية مباشرة ومن أجل مساواة اقتصادية.
إنه لمن المرتقب أن تتخذ التعبئات البيئية تطورات مهمة. رغم أن تحقيق انتصارات جزئية هو أمر مهم، لكن مفعولها لا يكتمل إلا إذا ساهمت في إضعاف الهيمنة الأيديولوجية لمفهوم الإنتاجية[3] على الشعوب، إلا إذا ترافقت مع تطور الديمقراطية والتعاضد بين الناس… وشكلت خطوة باتجاه نمط جديد من التطور.
هكذا فإن النضال البيئي، إذا نظرنا إليه من زاوية مختلفة، يستطيع /ويجب/ أن يرتبط، بالصراعات الطبقية في إطار رفض شامل للرأسمالية.
نضال ضد كل الإستلابات
إن نضالنا ليس موجهاً فحسب ضد شكل من أشكال الإنتاج المادي وسيطرته على العمل والعمل والطبيعة. فنحن نحمل طموحات تحررية تتجاوز الصراع الطبقي وحده. لذا فإن تحرير كل فرد ليس بنظرنا هدفاً ثانوياً بل الهدف الأساسي للصراع الاجتماعي. بعيداً عن أي تعارض بين الأمرين، نحن نعتبر أن الحرية الفردية لا يمكن أن تتقدم بمعزل عن النضال الاجتماعي الجماعي.
منذ آلاف السنين القمع والإنسلاب يخنقان إبداع الفرد والمجموعات الاجتماعية: العنصرية، كره الأجانب، قمع النساء، القيود الأخلاقية التي تمارس ضد المثيلي الجنس، فرض المفاهيم الثقافية… وهذه الإنسلابات لم تخلقها الرأسمالية، بل هي تفيد منها كوسائل تمتن سيطرتها، عبر قمع القدرات الخلاقة والحيوية لكل فرد وعبر تعميق الكراهية والتفتت بين الناس.
تندرج الأديان بين العناصر الأساسية المسببة للإنسلاب: عبر الرؤية للعالم التي تقدمها الأديان، والأشكال التراتبية التي تعتمدها، وتقييد حياة الأفراد ضمن شبكة من العقائد الجامدة والأفكار المحرَّمات المفروضة. فنحن بالطبع مؤيدون لحرية الإيمان وممارسة الطقوس الدينية ونحترم خيارات كل إنسان، ونستنكر كل أشكال القمع والحظر. لكننا نرفض كل إمساك من قبل الأديان بالمجتمع كما نريد إخضاع الأديان لنقد جذري.
نحن إذاً مؤيدون لنضال شامل ضد كل أشكال الإستلاب والقمع والذي يصبو إلى الاحترام المطلق لهوية كل فرد، كي يستطيع الناس أن يعيشوا، ويحبوا، ويعملوا، ويبدعوا، ويعبروا عن آرائهم بحرية، دون عوائق من حيث العرق، والجنس، والانتماء إلى دولة (الجنسية)، والسن ونمط حياة، أن يستطيع الجميع إيجاد مكان في المجتمع الإنساني، يضمن لهم حياة مزدهرة ووسائل عيش كافية.
إذا كانت الرأسمالية تدعم هذه الإنسلابات المترسخة منذ الأزمنة الغابرة، مع تجديدها لها، فأنها بنفسها حاملة لإنسلابات خاصة: في العمل مثلاً حيث الفرد مجزأ، مهيمَن عليه ومختزَل إلى مجرد سلعة؛ وكذلك في علاقة الإنسان بالطبيعة؛ وفي الحياة اليومية حيث يحدد منطقُ الربح نمطَ الاستهلاك.??
نحن إذاً نؤيد تضافر الصراعات الطبقية مع الصراعات المختلفة الأخرى ضد كل أنواع الإستلاب. إن تهديم النظام الرأسمالي وبناء علاقات اجتماعية مساواتية وتحررية يوفران القواعد الضرورية لحقبة تحرير جديدة.
نضال ضد قمع النساء
هذا النضال مفروض في إطار الرأسمالية لأن هذه الأخيرة تفرض اللامساواة بين النساء والرجال في المؤسسات، كما المعاملة المهينة والاستغلال الجنسي. إن النضال من أجل تحرير النساء والمساواة في الحقوق مع الرجال هي موضوعة أساسية من موضوعات النضال التحرري، والذي لا يمكن فصلُه عن النضال ضد الرأسمالية والدولانية.
ولقد أدى هذا النضال قسطاً من مهمته إذ إن وضعية المرأة تحسنت بصورة فعلية في الواقع وفي وعي الناس بفضل النضالات النسائية في السبعينيات والثمانينيات. أما اليوم فإن هذه المكتسبات هي موضع إعادة نظر، لا سيما بما يخص حق الإجهاض. يجب علينا أن ندافع عن هذه المكتسبات في مؤسسات العمل وخارجها وأن نوسع نطاقها.
في كل مساحة تمَّ فيها تحقيق مكسب للمرأة نشهد ضغطاً معاكساً يهدف إلى حرمان المرأة حقها في التحكم في حياتها، في جسدها وفي حياتها الجنسية، وإلى إرجاع المرأة إلى موقع ثانوي وتبعي طبقاً للصورة التقليدية للمرأة. وهذا الضغط لا شك أنه يجد دعماً نشِطاً له في المنظومات القائمة، ولا سيما من قِبَل المؤسسات الدينية بمختلف طوائفها. هكذا فإن النضال ضد قمع النساء هو أحد نضالاتنا الأساسية في مؤسسات العمل وخارجها، وبالارتباط بالصراع الطبقي.
نضال ضد دولاني
نحن نرفض أسطورة الدولة الجمهورية، الحيادية، الديمقراطية، التي تسبح فوق كل المصالح الخاصة. الدولة هي، على العكس من ذلك، تنظيم العنف السياسي الذي يُفرضُ على الجماهير الكادحة. الدولة الجمهورية، ككل الدول، هي بنية هرمية ومركزية، قمعية، موحدية[4]. الدولة هي سلاح الطبقات الحاكمة، وهي تؤطر، تدرِّبُ، تصحِّح وتقمع السكان.
الدولة الحديثة هي دولة رأسمالية. إنها الجسم المركزي للرأسمالية، الذي يلتزم إدارة الإحتكارات الكبرى وينسج روابط متينة مع رأسمالية القطاع الخاص؛ الدولة الحديثة تعمل هي نفسها كمؤسسة (شركة) رأسمالية بين المؤسسات الأكثر أهمية، فتولِّد الطبقة التقنو-بيرقراطية المعروفة.
ترتكز الدولة الفرنسية إلى الصيغة التالية “أمة، وطن، دولة”، التي انبنت على حساب سحق الخصوصيات الثقافية، المناطقية، المحلية، لصالح ثقافة مركزية ومهيمنة. في إطار عملية الاندماج الأوروبي يعاد النظر بهذه السيرورة: فاللاحصرية-اللامركزية تحوٌِل بعض السلطات إلى بعض المحافظات (المناطق) والأقضية. لكن هذا الأمر لا يغير تحليلنا. فأوروبا التي يتم بناؤها تَختزل (وسوف تختزل أكثر) الخصوصيات. فهي تُمركز (وستمركز أكثر) السلطات الضرورية لديمومة النظام. تتبدل المستويات الجغرافية للدولة لكي تستجيب أكثر للطابع الدولي والعالمي للرأسمالية.
نحن نؤكد أن الرأسمالية والديمقراطية هما متناقضان، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تنبني على إنتاج غير مساواتي بصورة جوهرية. إن المجتمع الرأسمالي الحديث مطبوع بالتناقض بين ادعائه بضمان المصالح الجماعية لكل السكان وبين غائيته الحقيقية وهي العمل لصالح أصحاب الامتياز. إن النضال من أجل ديمقراطية حقيقية هو أحد رهانات النضال الطبقي على قواعد تغيير نمط الإنتاج الحالي.
نحن ننتقد إذاً الصفة الوهمية والكاذبة “للديمقراطية البرلمانية” التي تخفي سلطة نمط الإنتاج الرأسمالي على المجتمع. لا يمكن فصل إمكانية اختيار قياديي الدولة والمشرعين عن البنية الهرمية للدولة ولا عن وظيفتها في إدارة الرأسمالية. إن النظام البرلماني يجعل من المواطن ناخباً سلبياً، يفوض سلطته إلى قادة يستحيل أن يعملوا لغير المصالح الأساسية للطبقات الرأسمالية.
هذا لا يعني أننا نساوي بين الدكتاتوريات والديمقراطيات البرلمانية. هذه الأخيرة هي نتاج تسوية فبرَكَها النظام ليفيد منها، تسوية بين الطموحات والنضالات الديمقراطية التي حملها السكان والبروليتاريا من ناحية، ومن ناحية ثانية بين مصالح الطبقات المهيمنة التي هي بحاجة لتوافق سياسي حد أدنى. هكذا فإن الدولة الحديثة البرلمانية تحمل تناقضات مهمة. إن النضالات التي تم خوضُها منذ قرنين فرضت حرية التعبير والتنظيم، حق الانتخاب العام، حق الانتخاب للنساء. وهي نفسها التي فرضت اهتماما خاصاً بالقضايا الاجتماعية والتضامنية، ومفهوماً مساواتيا للمرافق العامة. الدولة الحديثة هي ساحة رهان النضالات والتوترات الطبقية المتناقضة، يصبو بعضها إلى تعزيز هذه الحقوق الديمقراطية، وبعضها الآخر إلى إعادة النظر بها وتقليصها. لذا فنحن ضد خصخصة المرافق العامة التي تقلب رأساً على عقب منطق المصلحة العامة.
نحن لسنا رافضين للانتخاب بالمطلق. مع تأكيدنا أن أي تغيير جذري مفيد للبروليتاريا لا يأتي بالضرورة عبر المُنتخَبين، فإننا لا نستبعد مبدئياً إمكانية التصويت أو الدعوة إلى التصويت لهذا أو ذاك الناخب، في ظروف محددة، مع تذكيرنا الدائم بموقفنا النقدي الجذري من المفهوم الانتخابي وتفضيلُنا المطلقة للنضالات الاجتماعية.
نضالنا هو ضد الدولة. مقابل الدولة الرأسمالية والبرلمانية، نطرح مشروعاً بديلاً، من أجل ديمقراطية مدارة ذاتياً وفدرالية ومرتكزة على تجميع الوسائل الأساسية الإنتاج.
هذا النضال ضد الدولانية يعبِّر عن نفسه في الانتفاضات والصراعات ضد الجيش وعسكرة المجتمع، ضد النظام البوليسي، ضد الظلم، ضد النظام السجني، وضد النظام التربوي الحالي.
نساهم في النضالات ضد كل الدكتاتوريات ولتوسيع رقعة الحريات الديمقراطية في الأنظمة البرلمانية، مع تأكيدنا على أن المطلب الديمقراطي هو في حالة قطيعة مع جهاز الدولة ومع النظام الإجتماعي الذي تدافع عنه.
إستراتيجية مرتكزة على النضالات الاجتماعية وإدارتها الذاتية
وحدها النضالات المباشرة التي تقوم بها الجماهير يمكنها أن تفرض تحولات جدية مناقضة للمصالح الرأسمالية. بمواجهة الإستراتيجية الاجتماعية-الديمقراطية التي تقوم بتغييرات عبر المؤسسات الدولانية والأحزاب السياسية نحن نطرح إستراتيجية النضالات الاجتماعية. لذا فإن أصحاب القرار في هذه التغييرات ليسوا القادة السياسيين أو الأقليات المناضلة بل الشغيلة والشبان والسكان، الذين يدرجون نضالهم ضمن حركات جماهيرية تُشْرك دون أي نخبوية العددَ الأكبر من الناس المعنيين بالتغيير.
إن الإدارة الذاتية للنضالات والسلطة الممنوحة للجماهير والتنسيق بينها هي الشروط والأشكال الضرورية كي تقوم القاعدة بدور المقرِّر الجماعي. تجارب عديدة أظهرت صحة الديمقراطية المباشرة.
يسعى المناضلون أن يقدموا مساعدة أساسية في مجال إطلاق وقيادة الصراعات الجماهيرية. دون أن ننكر أهميتها وضرورة عملها نقترح على الأقليات الواعية والناشطة مفهوماً إدارياً ذاتياً لدور منشطي النضالات. إن نشاط المنظمين والناطقين باسم التنظيمات والمنسقين والمفوضين، كل هؤلاء الذين يقومون بدور إيجابي، ويسندون نشاطهم إلى مفهوم الإدارة الذاتية، نقول إن دور هؤلاء لا بد أن يكون متناقضاً بالضرورة، لأنه دور يحمل أهدافاً محدَّدة: أن تُدير العمل الحركات السياسية والاجتماعية نفسها (إدارة ذاتية)، أن يأخذ الجميعُ الكلامَ، أن يصل الأمرُ إلى حالة من الوعي والمساءلة الجماعية. هذه الجدلية الحية هي جد ضرورية. فهي تسمح تجنب عائقين: عائق القيادية وعائق العفوية.
إن الاستقلالية العمالية وبصورة أوسع استقلالية كل الحركات الاجتماعية هي ضرورية كي تستطيع القاعدة الاجتماعية التحكم بالنضالات. وهذه الاستقلالية هي إزاء المؤسسات الدولانية وسلطات أصحاب العمل. هي استقلالية إزاء كل شكل من أشكال الإدارة الخارجية.
إن النضالات الاجتماعية لا تقتصر على النضالات التي يخوضها الشغيلة في مؤسسات العمل. إن إعادة النظر الشاملة بالنظام تمر أيضاً بتحريكات (حشود) جماهيرية أخرى مدارة ذاتياً: تعبئة الشبان والعاطلين عن العمل وشغيلة العمل غير الثابت، والنضالات من أجل السكن، وإطار الحياة وحقوق المرأة والنضالات ضد العنصرية.
طِبقاً لهذا المفهوم للنضال الاجتماعي الأولوية بنظرنا ليست للجذرية الثورية، إنما لإمكانية تحريك شرائح مهمة من الشغيلة والناس، وتحريضها على النشاط النضالي، وفتح باب السجالات الجماعية.
فالثورة ذاتية الإدارة لا يمكن أن تنبني دون تأييد كثيف من المجتمع. إن أثرَ نضالاتنا اليوم على الوعي الجماعي هو مرتبط بالتأكيد بقدراتنا على تطوير ممارسات جماهيرية واسعة، ذاتية الإدارة، وبديلة.
من هذا المنظور سوف نتصدى لكل المحاولات الطليعية، تلك الأقليات التي تُنصب أنفسها ممثلةً للقاعدة. ففي المرحلة الأولى يقتضي بناء حركات تمثيلية فعلياً، وفي الوقت نفسه تقديم اقتراحات تهدف إلى مزيد من التقدم في موضوع التمثيل الفعلي للناس (القضاء على الانعزال، على التجمعات الكوربوراتية..) وطرح توجهات ذاتية الإدارة.
هذا لا يعني أنه ينبغي رفض كل عمل أقلَّوي (فئوي)، بل يعني أن العمل الأقلَّوي يجب أن يندرج ضمن أفق توسعي باتجاه الجماهير. نحن نؤكد أن النضالات المطلبية –والتي لا تحمل بالتالي أهدافاً ثورية- يمكن أن تحرك الجماهير المستغلَّة وتتيح وعي الجماهير لموقعها الطبقي وتقيم تجارب واقعية من التنظيم الذاتي الحاملة في طياتها قطيعات معادية للرأسمالية.
إن من شأن أهداف التغيير الكبرى والمشاريع البديلة التي تحملها الحركات الجماهيرية تسريع قيام تغيير شامل للمجتمع. كذلك إن من شأن تحقيق المشاريع البديلة مثل التعاونيات والنشاطات التعاضدية ذاتية الإدارة يمكن أن تحمل إعادة نظر شاملة للمجتمع، إذا ما بقيت مرتبطةً بالشغيلة والسكان والصراعات الطبقية. لسنا إذاً ضد المطالب ولا ضد الإصلاحات. إن خط التماس بين “الإصلاحية” و”الصراع الطبقي” يقع بنظرنا بين الإصلاحات المنتزَعَة بالنضالات المستقلة وبين الإصلاحات الممنوحة من قبل النظام أو التي يتم التفاوض بشأنها خارج أي نضال وتوتر.
لا بدَّ أيضا من ملاحظة أن الرأسمالية تتمتع بقدرة هائلة على استعادة الأمور وعلى إعادة النظر لاحقاً بكل ما اضطرت التنازل عنه تحت الضغط والنضال.
صراع نقابي ثوري
إن النضال المطلبي يمرُّ في غالب الأحيان في المؤسسات عبر العمل النقابي. نحن ندعو إلى المشاركة النشطة في العمل النقابي الذي ننظر إليه كممارسة جماهيرية وطبقية يقوم بها الشغيلة، دون ثمة فرض مسبق لأشكال التنظيم التي يختارها الشغيلة بصورة حرة في إطار السيرورة البديلة. فالتنظيم النقابي هو أو يجب أن يكون وسيلة لصالح هذه الممارسة الميدانية. نحن واعون لواقع أن الحركة النقابية تعيش بطبيعتها –وككل النضالات المخاضة ضد الرأسمالية في مرحلة غير ثورية- تناقضاً بين الاندماج والقطيعة، وأن الاندماج يُولِّدُ نزعة ثقيلة إلى التسويات الاجتماعية والبيرقراطية.
نحن ندعم عملاً نقابياً ثورياً متعارضاً مع الممارسات والتوجهات والبنى المهيمنة في التنظيمات النقابية. مطلبنا هو الاستقلالية النقابية والديمقراطية الداخلية والفدرالية، ودعم التنظيم الذاتي للنضالات واحترام الوحدة العمالية؛ نطالب بتعاون “ما بين مهني” ودولي، دون نسيان هدفنا الأخير وهو التغيير ذاتي الإدارة للمجتمع.
لكل فرد حق الانتماء إلى هذه أو تلك النقابة بحرية تامة. يمكن أن تتخذ نقابيتنا الثورية أُطراً مختلفة: كونفدراليات كبرى ذات توجه إصلاحي، بنى نقابية صغيرة، أو قطاعية ذات توجه نضالي طبقي، تجمعات للشغيلة ناشطة في الإطار النقابي. ما هو أساسي بالنسبة إلينا هي الإمكانية الفعلية التي تمنحها البنية النقابية لقيام نشاط نقابي في المؤسسة وتجمع مناضلين نقابيين.
هكذا فإن نقابيتنا تندرج أساساً في إطار العمل على الأرض ومع البنى القاعدية.
وكنقابيين ثوريين نرفض تماماً تقسيم العمل القائم بين الحزب الذي يهتم بالسياسة وتاليا بكل المسائل المجتمعية وبين نقابة لا تهتم إلا بالمطالب المباشرة في المؤسّسة. بنظرنا يجب أن يحمل التنظيم النقابي إستراتيجيته السياسية الخاصة لتغيير المجتمع والتي يبلورها بكل استقلالية.
أخيراً نحن نرفض الدور الذي منحته اللينينية للعمل النقابي حيث غدت النقابة مجرد “وصلة” بين الناس والحزب. إذا كان من الطبيعي أن تتمَّ مناقشة النشاط النقابي مثله مثل كل النشاطات المجتمعية داخل التيارات السياسية، إلا أننا نرفض ممارسة ما يمكن تسميته “العصبوية” والتي تعني أن كل عضو في النقابة ينصاع للمواقف التي يفرضها عليه حزبه.
صراع دولي
لقد انبنت الرأسمالية على المستوي العالمي كله وتالياً فإنه لا يمكن تصور إستراتيجية صراع طبقي في بلد واحد. الرهانات هي دولية والحركات الاجتماعية تسجل تأخراً كبيراً يستحيل أن يستمر. الصراع من أجل توجه دولي هو ضروري وهو صراع لا بد ان يسحق مقاومات قومية ومحلية عديدة. نحن نؤيد تنظيم روابط تنسيق دولية في القطاعات وعلى جميع الجبهات. الصراع الدولي يمر في آن عبر التعاضد الدولي والنشاطات النضالية الدولية. تعاضد دولي، مع نضالات المناضلين، بين الشعوب؛ نشاطات عملية متناسقة، بناء وحدات دولية لمواجهة سلطات هي متعددة الجنسيات منذ زمن طويل.
يصبو إذاً النضال الدولي إلى تعداد الروابط والنضالات على مستوى العالم كي يبرز مشروع تعاون واسع بين جميع السلطات المضادة، العمالية والشعبية، ضد الطبقات الحاكمة في الشرق والغرب، في الشمال وفي الجنوب.
هدفنا هو إعادة تأسيس حركة دولية جديدة، ضد رأسمالية وضد سلطوية، تفرض سلاماً عادلاً ومشروع كرة أرضية منزوعة كلياً من السلاح، حيثُ تُلغى الحدود بين البشر. وهذا الهدف يغدو أكثرَ إلحاحاً في ظل قيام نظام عالمي جديد تقوده الأمم المتحدة وحيث تغدو إمكانيات الشعوب أكثر فأكثر تواضعاً.
صراع ثوري
نحن ثوريون، أي أننا نؤيد تغييراً جذرياً للمجتمع. يسعى الصراع الطبقي أن يقود إلى تغيير سلم الأولويات والمعايير في المجتمع. يمكن أن يحل الصراع الطبقي علاقات إنتاج ذاتية الإدارة محل العلاقات الرأسمالية؛ أن يحل ديمقراطيةً ذاتية الحكم وفدرالية محل الدولة؛ أن يحل علاقة عالمية مساواتية جديدة محل النظام الإمبريالي.
أن نكون ثوريين فهذا لا يعني أن نكون سلبيين وأن ننتظر قطيعةً “سوف تقوم لا محال”: ليس المستقبل مكتوباً في أي مكان، إنه ما سوف يصنعه الناس، وعند كل حقبة تاريخية تتعدد الإمكانات. ليس ثمة سبب يبرر مقولة أن التاريخ وصل إلى مرحلة أخيرة: الرأسمالية ليست الشكل الأخير للمجتمع الإنساني. إلا أن الاشتراكية ذاتية الإدارة لن تأخذ محل الرأسمالية ميكانيكياً، في نهاية “أزمة أخيرة” ذات مخرج واحد.
أن نكون ثوريين، هذا لا يعني كذلك أن نقطع أنفسنا عن شروط حياة ونضال محدودة فرضها الإطار الرأسمالي، طالما لم يتمَّ بعدُ القضاء على الرأسمالية. نحن نرفض مقولة “الكل أو اللا شيء” ونؤكد على العكس من ذلك أن الطريق الذي يمكن أن يمهد لثورة مقبلة يقوم عبر تناقضات المجتمع الواقعي، وعبر النضالات الجزئية التي يجب خوضها. نحن نرى أن القطيعة الثورية والانتقال من مجتمع رأسمالي إلى مجتمع ذاتي الإدارة هي ثمرة سيرورة صراع طبقي تاريخية وطويلة المدى، كما ثمرة ترشيد وعي الناس حيث يفرض الشغيلة والسكان سلطتهم المضادة تدريجياً.
كثوريين نحن لسنا بالضرورة مؤيدين لحل عنفي. الأساسي في سيرورة التغيير هو العمل البناء الذي يفترض أن يدافع الناس عن ذاتهم للحفاظ على المكتسبات. إلا أن درجة العنف هي أولاً ما تختاره وتفرضه الطبقات الحاكمة المنتصر عليها. يمكن إذاً أن يكون العنف ضرورياً. يجب بالتالي أن نكون حذرين، كي نتنبه لتجاوزات ولخطورة العسكرة.
ما عدا في حالات الحكم الدكتاتوري أو الاحتلال العسكري أو الكولونيالي، نحن معادون للعمليات الأقلوية (الفردية) العنيفة التي تقوم بها مجموعات مسلحة مقطوعة عن السكان والشغيلة، كما نحن نعارض القيام بعمليات تهدد حياة الناس. إن النشاط الأقلوي المسلح القائم في ظروف كهذه يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة ويشرع تعزيز قواها ويؤدي إلى انعزال بارانويي.
من ناحية أخرى، في إطار الرد النضالي لدى الجماهير ينزع النظام البوليسي والقضائي إلى تجريم أشكال عديدة من النضال الطبقي الجماهيري. لذا فإن علينا أن نقيم خط تماس واضح بين الأعمال الأقلوية المنعزلة والأشكال القاسية التي يمكن أن تتخذها نضالات الشغيلة والناس للدفاع عن مكتسباتها وعن نضالاتها.
كذلك نحن لا نخلط بين العمل المسلح الأقلوي وبين اللاشرعية التي تفرضها على التنظيمات الثورية والطبقة العمالية دولة قوية تتنكر لحق الإضراب أو التظاهر. كما لا نرى في العمل الرمزي للأقليات ضد رموز السلطة والاستغلال مجرد إرهاب أعمى.
أخيراً تجدر الإشارة إلى أن إرهاب الدولة هو المسؤول في أغلب الأحيان عن الأعمال المسلحة الأقلوية (التي يقوم بها مجموعة أفراد)، لا سيما في البلدان المستعمَرة.
خلاصة القول إن عمل الثوريين لا يمكن تحديده بمفهوم احترام الشرعية المفروضة من الدولة، بل هو يتطور طبقاً لوعي الجماهير التي تحدد هي، في نهاية المطاف، معيار مشروعية الأعمال النضالية.
الاشتراكية العفوية للجماهير
إن مفهومنا للاشتراكية ليس ثمرة عمل خارج صراعات البروليتاريا. نحن نؤكد على العكس أن الشغيلة أنفسهم هم الذين اكتشفوا عفوياً قواعد مجتمع بديل للرأسمالية، عبر نضالاتهم ولا سيما خلال الحقبات الثورية.
منذ الثورة الفرنسية بدأت تبرز العلامات الأولى. خلال كومونة باريس للعام 1871، في روسيا وأوكرانيا في الأعوام 1917 و1921، في أسبانيا من 1936 إلى 1937 تطورت قواعد اشتراكية أخرى ممكنة، سحقتها أخيراً البيرقراطية الجديدة أو البورجوازية. ثم جاءت كل تجربة ثورية تؤكد هذا الطموح إلى مجتمع وإلى إنتاج جديدين، حيث يبرز دور مؤسسات العمل الجماعية وذاتية الإدارة، والكومونات الحرة، ضمن فدرالية كبرى تنظم المجتمع الجديد.
هذه الاشتراكية العفوية للشغيلة ألهمت تياراً واسعاً في الحركة العمالية معادياً للتسلط (ضد تسلطي) ونحن نقر بانتمائنا إلى هذا التيار. كما نعلم ثمة تيارات أخرى فرضت نفسها خلال عشرات السنين: تصدت اشتراكيات دولة (اجتماعية ديمقراطية، لينينية، ستالينية) لطموحات الاشتراكية العفوية. لكن هذا المسار أوصل الحركة العمالية إلى المأزق.
لقد فتحت اشتراكية الشغيلة العفوية أفقاً رائعاً للإنسانية، برسمها شكلاً سامٍ من الديمقراطية عبر تحقيق مشاريع ومكتسبات واقعية. إلا أن التجارب التاريخية كشفت أيضاً حدوداً ونقاط ضعف يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. لذلك فإن مشروعاً متماسكاً يحمله تنظيم يجمع مجموعة من المناضلين هو ضروري اليوم لطرح المشاكل التي تواجهها وستواجهها اشتراكية الشغيلة العفوية. وإذا كان قيام هكذا مشروع لا يمثل ضمانة كاملة فهو يساعد حركة الجماهير ذاتية الإدارة على تجاوز ضعفها وحدودها.
بديل لاشتراكيات الدولة
نحن نؤكد أنه يجب القطع مع اشتراكية الدولة، والاستلهام من الجذور العفوية لاشتراكية الشغيلة، وبلورة اشتراكية جديدة غير تسلطية (ضد تسلطية) لا بد منها لقيام نهضة للنضال الثوري.
الاجتماعية الديمقراطية
تستند الإجتماعية الديمقراطية على وهم الديمقراطية الشكلية بشكلها الجمهوري، على الإيمان بدولة “حيادية”، فوق الطبقات، والتي يمكن تالياً أن تقوم بدور إيجابي لصالح المستغَلين. ثمة خطآن في هذه النظرة: الوعد بتوجيه الدولة الرأسمالية ضد المصالح الرأسمالية؛ وهدف تغيير تدريجي للمجتمع من الرأسمالية إلى الاشتراكية، تغيير سلمي وشرعي، إصلاحي، عبر القوانين والأنظمة. نجد أنفسنا هكذا أمام إستراتيجية سياسية مندرجة ضمن مؤسسات الرأسمالية ومحترمة لقواعدها. الاشتراكية الديمقراطية هي أولاً اشتراكية دولانية، مرتكزة على تفويض السلطة، يفيد منها السياسيون والطبقات المسيطرة البيرقراطية والتقنوقراطية.
إن نتائج الاشتراكية الديمقراطية هي كوارثية على البروليتاريا. فهي تقيم سلاماً اجتماعيا حيث يفقد الشغيلة قدراتهم في المقاومة، وتخضع التنظيمات النقابية لقواعد النمط الانتخابي ولأوامر السياسات الحكومية عندما يمسك اليسار بزمام السلطة.
شيئاً فشيئاً كشفت الاشتراكية الديمقراطية عن نفسها بما هي شكل لإدارة رأسمالية تتطور باتجاه أكثر فأكثر ليبرالية.
اللينينية والستالينية
في الأساس اللينينية هي مشروع تغيير ثوري للمجتمع تحت إدارة حزب قائد وعبر مركزة لكل الاقتصاد في أيدي الدولة، لكنه أفلس بفعل احتقار ومحاربة جوهر الاشتراكية العفوية للشغيلة، ذاتية الإدارة والفدرالية. هكذا الحصيلة جاءت مأساوية ولطخت كلمة “شيوعية” بمساوئ التجربة فيما الشيوعية هي برّاءة من كل هذه التجربة بل مضادة لها تماماً.
واليوم فإن التاريخ أثبت هذا الأمر: إن دولنة وسائل الإنتاج لا تعني بالضرورة القطيعة مع العلاقة “مهيمِن/مهيمَن عليه” الرأسمالية، بل تعني الانتقال من رأسمالية متفجرة، منافسة، إلى رأسمالية دولة، مع قيام طبقة جديدة مهيمِنة ومستغِلّة. لا يمكن تقديم الدولانية كشكل انتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية بل كشكل جديد لقمع الشغيلة.
لا يستطيع أي حزب أن يعلن نفسه “طليعة البروليتاريا”، أن يزعم أنه يمثل وعي طبقة بحالها، وأن يحل نفسه محل هذه الطبقة في إدارة السيرورة الثورية والمجتمع، وأن يفرض دكتاتوريته على الشغيلة وباسم تحريرها.
إن الشكل المركزي للحزب اللينيني، القصوي في هرميته، يتفق تماماً مع هدفه في استلام السلطة وفي إدارة دولة تشرف على جميع النشاطات الاجتماعية، ما يقود بالضرورة إلى قيام نمط إرهابي داخل التنظيم، إلى سحق جميع التشكيلات الأخرى خارج الحزب، إلى القطيعة بين القائد والمُقاد، بين الحزب والشغيلة، بين الحزب والمجتمع.
إن إستراتيجية استلام السلطة من قبل الحزب تقود أيضاً إلى ممارسات كريهة في النضالات اليومية: تغدو التنظيمات الجماهيرية والنقابات مجرد حزام ربط وانصياع لأوامر الحزب، وتهيمن مفاهيم القيادية والمركزية في توجيه النضالات، وتخضع نشاطات المناضلين للفريضة العليا الكامنة في مصلحة الحزب.
بالتأكيد نحن لا نساوي بين الستالينية واللينينية. فاللينينية هي تيار ثوري أما الستالينية فهي أولاً منظومة دفاعية عن البيرقراطية. إلا أنه تجدر الملاحظة أن اللينينية هي التي هيأت لقيام هذه البيرقراطية ومهدت الطريق أمام الجرائم التي ارتُكِبت ضد الديمقراطية وضد الشغيلة.
إن التيارات الاجتماعية الديمقراطية واللينينية تقدم طرحاً غير صحيح لأنها تَعِدُ، كل حسب طريقته، بقيادة الدولة ضد المصالح الرأسمالية ولصالح الشغيلة (النهج الإصلاحي للدولة أو بناء دولة “عمالية”). إن التجارب الحكومية للاجتماعية الديمقراطية والنتيجة السلبية إجمالاً للنهج اللينيني-الستاليني هي المقبرة التي ترقد فيها الأوهام البروليتارية الواعدة “بالغد الجميل”.
مع هذا لا يمكننا أن نختزل دور الاجتماعية الديمقراطية واللينينية معتبرين أنها زرعت الأوهام في الحركة العمالية. أكثر من هذا يجب أن نقرَّ بأن هذه التيارات استُخدمت غالباً كسلاح ضد الاشتراكية العفوية للشغيلة لأن مجيئهم إلى السلطة سلمياً أم عنفياً سمح بحل التناقضات الطبقية لصالح الرأسمال: إدارة الأزمات على يد الاجتماعية الديمقراطية وتطور رأسمالية الدولة على يد اللينينيين.
أكثر من هذا، فإن هذه التيارات لم تتردد يوماً في القيام بدور معاد للثورة وبشكل واضح. ألمانيا 1918، روسيا وأوكرانيا 1921، الجزائر 1954-1962: أمثلة كثيرة عن مشاركتهم في القمع الدموي للحركات العمالية الثورية وانتفاضات الشعوب المستعمَرة.
ضرورة مشروع ثوري
إنه لمن الضروري قيام مشروع ثوري جديد يكون بديلاً عن مشاريع اشتراكيات الدولة والليبرالية. نقصد بمشروع ثوري مشروع مجتمع اشتراكي ومشروع سياسي يقترح طريقاً يُحضِّر لشروط ثورة ذاتية الإدارة انطلاقا من الظروف الحالية.
يمكن أن تحمل اليوطوبيا تأثيراً حاسماً على الحركات الاجتماعية. فهي تغذي الخيال الجماعي والنضالات المباشرة في شكلها وفي هدفها، وتمنح قوة للنضال ضد الرأسمالية عبر اكتشاف إمكانيات خلق مجتمع بديل. الخيال ضروري لتغيير واقع الأمر.
إذا كنا نعتبر من الضروري أن يحمل تيارنا مشروعاً كهذا فنحن لا نزعم أننا نحل محل الحركات الاجتماعية التي تبتكر بنفسها خططها ومشاريعها. نحن نميز إذاً بين مشروعنا الخاص المنبثق من واقعنا وطموحاتنا وبين المشاريع التي تبتكرها الحركات الاجتماعية في بعض الحقبات التاريخية.
لا يزعم مشروعنا استباق المستقبل والتنبؤ به، ولا أن يكون خطة جاهزة لبناء الاشتراكية. انطلاقا من تجاربهم يجد الشغيلة الأجوبة الملائمة على الأسئلة المجتمعية. ولكن ضمن هذه الأجوبة يمكن لطروحاتنا أن تكون مساعداً وحافزاً يوجه النضال على المستوى الفكري والعملي بالاتجاه الأكثر تحرريةً، الأكثر ذاتي الإدارة.
إن صياغة مشروع ثوري يستند إلى التجارب التاريخية وتجارب النضال المعاصرة. وسوف يحاول المشروع تقديم أجوبة واقعية آخذاً بعين الاعتبار الصعوبات المصادَفة ضمن السيرورة التاريخية الواقعية. كذلك يجب أن يستند مشروعنا إلى التطور التكنولوجي والشروط الثقافية الحالية. يحتاج هذا المشروع إذاً لإعادة تقييم دائم، استنادا إلى التجارب الجديدة للنضالات الاجتماعية وإلى ما يحرزه المجتمع من تقدم.
إن صياغة مشروع تحرري معاصر يستتبع إعادة النظر أو التخلي عن عدد من الأفكار الميتولوجية والأخطاء والأفكار البائدة التي حملتها تاريخياً الحركة الثورية والتيارات التحررية. لا يمكن أن يتقدم المشروع التحرري دون أن ندير ظهرنا للدوجمائيات والأفكار البالية.
غائيات الاشتراكية اللاتسلطية
إن الاشتراكية التي نناضل من أجلها، الاشتراكية اللاتسلطية، تصبو إلى تغيير جذري في المجتمع يحقق الاشتراكية العفوية للشغيلة والطموحات المساواتية والتحررية التي طالما تمَّ التعبير عنها في النضالات الطبقية التي خاضها المستغَلُّون في العالم والنضالات التحررية التي خاضها المقموعون (نضال المرأة، النضال من أجل الحريات العامة والفردية).
الاشتراكية اللاتسلطية هي البحث عن الديمقراطية الحقيقية: أي عندما يؤسس الشعب السيد بنفسه مجتمعه، عندما يقرر بنفسه سياسته، عندما يدير ذاتياً إنتاجه.
هكذا تكون الديمقراطية قد تحققت أخيراً بعد طي صفحة علاقات الإنتاج القائمة على العمل المأجور، وبعد تشريك وسائل الإنتاج الأساسية وتجميعها (جعلها جماعية) في القاعدة وليس دولنتها؛ كذلك لأن الإدارة الذاتية تكون قد حلت محل العلاقة “قائد ومقاد”، رئيس ومرؤوس”، وتكون قد حلت جماعة إنسانية قيد التوحد، متساوية وحرة سياسياً واجتماعيا، محل مجتمع منقسم إلى طبقات متناحرة.
وهذه الديمقراطية هي أصلية لأن جهاز الدولة قد تقوَّض، أي جهاز سيطرة الطبقات المستغِلة، ليحل محله تنظيم فدرالي للمجتمع، قائم على الإدارة الذاتية المعممة، الممارسَة في اتخاذ جميع القرارات الكبرى، وعلى السيادة الجماعية الفعلية، على الديمقراطية “من أسفل إلى أعلى” أو “من الأطراف نحو المركز”، على سلطة الجمعيات القاعدية ومجالسها المتشاركة بحرية.
الاشتراكية اللاتسلطية هي الصراع من أجل مجتمع حيث يكون الفرد حراً ومسؤولاً في آن. حر في عالم واقعي حيث ترزح بثقلها الضرورات المادية وفي مجتمع حيث يتشارك الجميع في المسؤوليات الملقاة. الاشتراكية اللاتسلطية هي الحرية الكاملة في التعبير والقول والإبداع؛ حرية الإنسان في اختيار نمط حياته ونمط حياته الجنسية وثقافته. والقول أن الإنسان مسؤول يعني أنه سيد عمله. وهو مساوٍ للجميع يأخذ ما يعود إليه بعد توزيع نتاج العمل. إن غائية الاشتراكية اللاتسلطية هي بناء مجتمع حيث الجماعة المتضامنة تسمح للفرد أن يزدهر منمِّياً خصوصياته. هو مجتمع تتوازن فيه وتدعم بعضها البعض كل عناصره: الفرد، الإقليمي (أو المحلّي)، الخاص والجماعي، الاجتماعى، الثقافي: إنه مجتمع متساو وتحرري.
تقتضي إذاً الاشتراكية اللاتسلطية إزالة إنسلاب الجميع، نهاية جميع أنواع القمع، العنصرية، كره الأجانب، التضييق على الحريات وعدم التسامح، الذهنية البطركية. وهذا الهدف يمر حتماً عبر تغيير جذري في نمط الإنتاج، سواء في البنيان، في أشكال التنظيم والسلطة وفي الأهداف. إنها نهاية الإنتاج المحدد بالربح. هي بداية إنتاج متجِه نحو تلبية متساوية للحاجات المعبَّر عنها اجتماعيا، ما لا يعني تسطيح الحاجات وتوحيدها لأن المجتمع مؤسس على تحرير الأفراد والجماعات القاعدية، أي في آن على التعددية والانسجام في أنماط الحياة. إنه نمط إنتاج متعارض كلياً مع الإنتاج القائم على السباق المجنون والمهدِّم لإطار الحياة والذي يفتح الطريق إذاً لعلاقة جديدة تعيد إدماج الناس في توازن “الأيكوسيستيم” (توازن الفضاء). إنه إنتاج حيث الشغيلة، كل الشغيلة، والبروليتاريا جماعياً والشرائح الأخرى التي تسيطر عليها الرأسمالية، حيث كل هؤلاء يفلتون من العمل القائم على الإنسلاب والسيطرة والقيادة ليحل محله عمل يتم التحكم به ومنفتح على الإبداع الفردي والجماعي.
الإشتراكية اللاتسلطية هي نهاية نظام معيَّن للعالم. نهاية الكولونيالية والإمبريالية، لصالح علاقة متساوية ومتضامنة بين جميع الشعوب، مؤسسة على الاستقلالية، الإنتاج الممركز ذاتياً وعلى التقارب بين البلدان الغنية والفقيرة. نهاية النظام الدولاني لصالح فدرالية حرة للمناطق ذاتية الإدارة. نهاية الحدود والحرب وتهديدها، من أجل عالم دون حدود ومنزوع السلاح كلياً.
السلطة المضادة والقطيعة الثورية
الثورة الشيوعية التحررية ليست مجرد ثورة سياسية تحل فريقاً حاكماً محل آخر أو تبدِّل في عبارات الدستور. إنها ثورة شاملة تصيب جميع أشكال المجتمع السياسية والثقافية والاقتصادية. لذا نتكلم على ثورة اجتماعية.
إن شروط الثورة – أي ما يقود شعباً أو شعوباً على طريق تغيير جذري كهذا – ليست لا أيديولوجية فقط ولا “موضوعية” فقط. الثورة ليست النهاية الميكانيكية لتطور القوى المنتجة. وهي ليست كذلك النتاج الصافي لسيرورة إيديولوجية. لا تأتي الثورة إلا بعد دينامية تكون الممارسات الاجتماعية في قلبها، ونعني الممارسات الواقعية للجماهير والأفراد، ونضالاتهم التي تقوم ضمن الشروط المادية لكل مرحلة والتي تسمح قيام وعي جماعي للذات وبروز مشاريع تغيير مجتمعي أكثر فأكثر إتساعاً.
الثورة الاجتماعية إذاً تتحضر عبر سيرورة تاريخية حيث يشكِّل وعي الأفراد والطبقات الاجتماعية العنصرَ الأساسي، وهي ترتكز إلى تجارب واقعية عبر النضالات الطبقية والنضالات التحررية المنظمة ذاتياً. هذه السيرورة نسميها سلطة مضادة. والشغيلة لن يضعوا قواعد المجتمع البديل إلا عبر خوض تجربتهم الذاتية في الإدارة الذاتية.
ليست الحرية بالنسبة لنا هدفاً بعيداً يسمح باللجوء إلى أي وسيلة، بل على العكس من ذلك الحرية هي الهدف والوسيلة معاً. نحن نطرح دينامية عمل وتوعية ليس بإشراف قادة يُتبعون بعماء، بل على العكس إذ إن هذه الدينامية نريدها في إطار الإدارة الذاتية للنضالات حيث تعبِّرُ عن نفسها وتحقق ذاتها قواعد الناس والأفراد.
السلطة المضادة هي إذاً إستراتيجية سياسية اجتماعية لتهيئة شروط الثورة الاجتماعية التي تندرج منذ الآن في الصراعات اليومية. وهي تستند إلى النضالات المطلبية متجاوزةً الإطار المفروض من قبل سلطة الطبقات المسيطرة من أجل تطوير سلطات مضادة في القاعدة. وهذه السلطات المضادة لا يمكن أن تصبح تنظيماً بديلاً للدولة إلا عبر التنسيق فيما بينها وعبر توحدها فدرالياً.
إن القطيعة الثورية هي نتاج كل هذه السيرورة التي يمكن أن تمتد على مدى سنوات طويلة: إنه الانقلاب على السلطات الممأسسة، سلطات أصحاب الأعمال، الدولانية لتحل محلها السلطةُ المضادة، السلطة الجديدة. وهذه القطيعة تستند إلى دينامية تعيد الإمساك بالحياة الاجتماعية والإنتاج في الأساس، مع توفير الإطار الضروري لديمومتها وصلابتها.
إن القطيعة المعادية للرأسمالية (أو ضد الرأسمالية) هي نتاج حركتين متمفصلتين، كل واحدة منها ضرورية للأخرى. ليس ثمة قطيعة ثورية دون إعادة تملك الشغيلة لوسائل الإنتاج. هكذا فإن النضال ضمن المؤسسات وتحديداً حول مسائل العمل والإنتاج هي فعلاً جبهة لها الأولوية للنضال الثوري. ولكن ليس من قطيعة دون حركة اجتماعية ثانية تتطور خارج الإنتاج، تكتسب فسحات كبيرة من الإنتاج وتغزو جميع أجهزة المجتمع. لذا فإن المؤسسة (الشركة، المصنع..) لا يمكن أن تكون الأولوية الأولى للصراع الثوري.
فالبروليتاريا، في التحديد الواسع الذي نعتمده، هي بالطبع الطبقة المحركة والملهمة للثورة الاجتماعية. لكنها لن تكون بالضرورة الطبقة الوحيدة التي تقود الثورة. بل من مصلحتها أن تتحالف مع فئات أخرى لتحقيق جبهة واسعة ضد رأسمالية. لذلك فإن السلطة الجديدة لن تكون حصراً سلطة البروليتاريا – وإن سيكون للبروليتاريا وزنها المقرِّر- ولا بالطبع دكتاتورية البروليتاريا؛ إن السلطة الجديدة هي سلطة مجموعة اجتماعية جديدة، ثمرة علاقات إنتاج جديدة ذاتية الإدارة، ومتوحدة حول هوية “مواطنون-شغيلة” يشاركون في الإدارة الاشتراكية للإنتاج.
هذه السلطة الجديدة لا يسعها أن تتسع مباشرة لتشمل جميع السكان حيث يمكن أن يعبِّر عن آرائهم أعداء المجتمع الجديد أيضاً. وفي أي حال فإننا نلمس هنا أحد التناقضات الرئيسية للثورة ذاتية الإدارة في مرحلتها الأولى: من ناحية بناء ديمقراطية فعلية ومن ناحية ثانية ضرورة النضال ضد شريحة من الناس ممن لا يزالون متعلقين بالأفكار البالية. إلا أن الدينامية تكمن في الاختفاء التدريجي للفروقات الطبقية.
ثمة إذاً بعد القطيعة الثورية عدة مراحل من البناء الثوري والمرحلة الأولى لا شك أنها ستكون مطبوعة بانقسامات موروثة من الرأسمالية. ولكن منذ الأيام الأولى تقوم علاقات إنتاج جماعية – شيوعية بالمعنى الأصيل للكلمة- على مستوى وسائل الإنتاج الأساسية وتبعاً لنمط الإدارة الذاتية تنتظم من جديد المصالح العامة (الإدارات العامة) وحلقات التضامن التي كانت تحت إشراف الدولة. هكذا، محل النمط القديم، يحل شكل جديد ديالكتيكي قائم على المركزية واللامركزية في آن ونعني على الفدرالية. ثمة إذاً عدة مراحل انتقالية حيث يتعمَّقُ بناء الشيوعية ولكن في ظل غياب مجتمع انتقالي ملصوق بين الرأسمالية والشيوعية.
في كل هذه السيرورة الثورية – التي تبدأ بممارسات يومية مضادة للسلطة – يبدو لنا أن دور تيار لاتسلطي هو ضروري جداً. نحن نرفض الدور القيادي الذي تمنحه اللينينية للحزب الثوري والتي تقود الحزب للحلول محل الجماهير وليفرض في نهاية الأمر منظومة تولِّد البيرقراطية لا محال. إلا أن على الثوريين أن يقوموا بدور المنشِّطين والمرشدين. إن دعاوتهم تدخل ضمن دينامية وعي الناس لذاتهم عبر طرح نقد جذري للرأسمالية وعبر جعل اشتراكية الشغيلة العفوية نمطاً ممنهجاً. إن عمل الثوريين القائم على التنسيق والتلاقي والتنظيم هو ضروري في الصراعات الطبقية للمساعدة في تطوير التنظيم الذاتي وفي إبراز مشاريع بديلة. وهذا النوع من النضال الإرادي هو أحد شروط تطور سيرورة لا تخضع لأي قانون “حتمي” وحيث أن العفوية سبق وأثبتت في التاريخ قيمتها الاستثنائية، ولكن أيضاً عدم قدرتها على التغيير الجذري في المجتمع وتأسيس اشتراكية حرَّة. إن الحضور الناشط لتيار منظَّم ولا تسلطي هو ضروري للغاية من أجل اجتناب الانحرافات البيروقراطية: تيار يملك الوسائل التي تجعله يفرض نفسه في أوساط الشغيلة والشبان؛ تيار حاضر بقوة ومتشكِّل من مناضلين ناشطين (ومنشِّطين) في الحركات الاجتماعية، مناضلين مسموعين ومؤثرين. وأيضاً ضرورة التنظيم التي لا يجب أن تنسينا أن التنظيم ينزلق بسرعة في ورطة “القيادية” أياً كانت المزاعم التحررية. لذلك فإنه لا بدَّ من الحذر الشديد (الحذر الذاتي) لهذه الناحية عبر إتباع نمط الإدارة الذاتية للبنية النضالية التي تتيح الإدارة الجماعية للتنظيم من أسفل إلى فوق، والأسفل هنا هي القاعدة الغاطسة في قلب المجتمع.
من أجل شيوعية تحررية
إن مشروع المجتمع الذي نطرحه يستند إلى التجارب الفعلية التي قامت بها الشغيلة والشعوب: الكومونات الحرة، المجالس العمالية، الفدراليات، النقابية الثورية.
نسمِّي هذا المشروع “الشيوعية التحررية” وليست مرجعيتنا هنا التيار الشيوعي “الماركسي اللينيني” بل تيار الفكر الشيوعي الأكثر قدماً، المعادي للتسلطية، النقابي، المجالسي.
“الشيوعية”: تعني المجتمع المؤسَّس على فكرة “اشتراكية وسائل الإنتاج، دون تملك خاص وممركز، أي مجتمع دون طبقات ودون دولة.
“والتحررية”: تعني المجتمع الذي يهدف ويشترط تحرير المجتمع والشغيلة والأفراد، والذي يمرُّ عبر تحقيق المساواة الاقتصادية والديمقراطية من أسفل إلى أعلى في الإنتاج كما في المجتمع.
الشيوعية التحررية هو مشروع مجتمع قيد التطور تحركه سيرورة ثورية دائمة تعمل على توسيع رقعة هذا المجتمع الجديد على كافة الكرة الأرضية وعلى إدماج جميع الناس ضمن مشروعها.
نرسم هنا بعض المحاور الكبرى لهذا المشروع، كما يمكن تصور ذلك في المرحلة الأولى من بناء الشيوعية التحررية، أي في المرحلة حيث لا يزال عد كبير من الناس بعيداً عن الأفكار الجديدة، حيث لا تزال الثورة تواجه أعداءً عديدين في الداخل والخارج، وحيث يجب المباشرة بالتغيير ونحن نحمل على أكتافنا وزر الإرث التكنولوجي (الرأسمالي) الثقيل.
علاقات إنتاج ذاتية الإدارة
عندما نقول تشريك (أو اشتراكية) وسائل الإنتاج فنحن لا نقصد مركزة هذه الوسائل بل المقصود التملك الجماعي من قبل كل المجتمع، أي إدارة ذاتية للإنتاج في كليته، وإدارة ذاتية لكل وحدة عمل من قبل الشغيلة الذين يعملون فيها. ونقصد بالإدارة الذاتية سلطة القرار الجماعي لجمعيات الشغيلة، مع حرية كاملة في التعبير وتصويت ديمقراطي. فالإدارة الذاتية تقضي على علاقات الإنتاج الرأسمالية “قادة/مقادون”، مع ما تستتبعه من تنظيم تراتبي وتجزيئي. في الإدارة الذاتية المسؤولون، المنسقون، المندوبون هم منتخبون من الجمعيات القاعدية؛ يمكن أن يتمَّ عزلهم في أي حين وهم يخضعون للإدارة الجماعية القاعدية؛ وهم ملزَمون بتطبيق الخيارات الكبرى تبعاً لتكليفات أمرية (ملزمة) من الجمعيات والمجالس المحلية تُجدَّدُ دورياً.
إن قَلب علاقات العمل رأساً على عقب يمرُّ عبر تغيير جذري لطبيعة العمل. سوف يصارُ إلى إعادة توحيد الوظائف اليدوية والذهنية التي فصلتها الرأسمالية عن بعضها: كل شغيل يساهم في إتخاذ القرار المرتبط بالإنتاج. تتضمن مدة العمل هذه المهام (ومن ضمنها أيضاً المسائل “السياسية” المتعلقة بالمنطقة، بالمجتمع)، ومهام التنفيذ كما يتمتع الشغيل بوقت لا يستهان به مخصَّص للتأهيل. لا يعود وقت العمل خاضعاً للتقسيم الموروث من الرأسمالية بين العمل المجزَّأ من ناحية والتسلية من ناحية ثانية. المقصود هنا أن مشاركة الشغيل في عملية الإنتاج الجماعي وفي الحياة الاجتماعية تغدو وحدة غير قابلة للتجزئة الصارمة كما في السابق وفي كلا الحالتين تكون مشاركته نابعةً عن رغبة حقيقية لا تخلو من الغبطة والانتعاش.
هذا التغيير في أسلوب وطبيعة العمل وعملية إزالة الإنسلاب الذي يميزه هما النواة المركزية لسيرورة تغيير جذري عميقة للنسيج الإنتاجي والتكنولوجيات. وهذه التكنولوجيات ينبغي أن تتأقلم مع نمط الإنتاج الجديد ومع المعايير المجتمعية الجديدة التي ستدشِّن مرحلة من الإبداع والتجديد.
في المرحلة المرجوة يفلت الإنتاج من مستلزمات الإرباح. الاحتياجات الإنسانية هي التي تصبح مهيمنة. وهذه الاحتياجات ليست ولن تغدو يوماً “موضوعية”: إنها تستجيب لمعطيات ثقافية، لطموحات شخصية ولكن أيضاً لما يقترحه الإنتاج. ثمة إذاً تنوُّع كبير من الاحتياجات التي تستدعي منظومة شديدة التعقيد تحدِّد بدورها مستلزمات الإنتاج. برأينا يمكن رسم إواليتين تعملان في آن: الأولى إوالية التخطيط والتنسيق العام وذاتي الإدارة، تُمركز الاحتياجات في البلدات والمناطق، ووحدات وفدراليات الإنتاج. يضمن هذا التخطيط الإعمال الجماعي للتغييرات الكبرى، كما يضمن للجميع تلبية الاحتياجات الجوهرية بصورة حرَّة، مجانية، متضامنة (سكن، صحة، تأهيل، مواد تغذية أساسية…). أما الإوالية الثانية فهي تضمن المبادرة العفوية للأفراد وللجماعات القاعدية التي تعبر عن احتياجاتها في السوق المتحررة من إكراهات الاقتصاد التجاري ولكنها تتيح للجميع الإفادة من المنتوجات والخدمات المختلفة كل حسب ما يشاء.
ديمقراطية فدرالية وذاتية الإدارة
ترتكز الديمقراطية الفدرالية ذاتية الإدارة على الجمعيات القاعدية للشغيلة وللبلدات. وهي تنظم بنية المجتمع انطلاقا من المناطق، من أجل خلق مساحات سلطة جماعية قابلة للرقابة مباشرةً من قبل الناس. وهذه المساحات المناطقية ذاتية الإدارة (أو المُدارة ذاتياً) لا تعيد بالضرورة التقسيم الحالي للمناطق الإدارية. كما تصبو إلى الفدرالية الدولية للمناطق، ذات الأفق العالمي. تقرِّرُ قواعد مشتركة ذاتية الإدارة، ولكنها تحافظ على الحقوق المكتسبة عبر التملك الجماعي لوسائل الإنتاج. هذه الحقوق وهذه القواعد تفرض نفسها في كل المناطق، ضامنةً لكل فرد وكل جماعة الحماية الضرورية. من ناحية أخرى ثمة استقلالية كبيرة تميِّزُ نمط العمل في القاعدة، في البلديات وفي المناطق الفدرالية.
إن الفدرالية هي شكل تنظيم و”مَركزة/لامركَزَة” تسمح باجتناب عائق المركزية البيروقراطية و تذرير المجتمع[5]. إنه التوازن بين مبادرة واستقلالية الوحدات المُفَدْرلة والتضامن بين جميع هذه الوحدات: ارتباط داخلي بين بعضها البعض دون تراتبية، حيث يتخذ ويُطبِّق الجميع الخيارات الجماعية في المسائل المشتركة. الفدرالية تستتبع مفهوماً منفتحاً، جدلياً للمجتمع كمساحة حيث يمكن الموازنة بين حقل العام والخاص دون أن يتم اختزال أي منهما للآخر.
تقود الفدرالية إلى هيكلة المجتمع بصورة ثابتة. تضمن التنسيقَ على مستوى الإنتاج فدراليات مقسمة إلى فروع. توحِّد (تجمع) كل منطقة البلدات ووحدات العمل. تشكل المناطق فدرالية دولية وتتمتع بقسط لا يستهان به من الاستقلالية. يقوم بمهمة التنسيق ضمن الفدرالية مجلس متشكل من عدد كبير من ممثلي القاعدة، ومن منتخبين مباشرين خاضعين لرقابة شديدة ومرتبطين بصورة وثيقة بموكليهم. كل فدرالية تعين مسؤولين خاضعين لإدارة القاعدة. هكذا فإن مجالس الفدراليات المناطقية والمهنية الخ. تقوم بمركزة سلطة القاعدة ليس عبر ممارسة السلطة باسم القاعدة بل بتنظيم النقاش الديمقراطي. فهي تضمن قيام استشارات منتظمة لكل السكان المعنيين بدءاً بالقاعدة وتحسم النقاش ارتكازا إلى الخيارات المختلفة. بعد ذلك يقع على عاتق مجلس الفدرالية تنفيذ القرارات الديمقراطية. يُلجَأُ إلى هذه الاستشارات في المسائل الكبرى، في الخيارات الكبرى، فيما تقوم الوحدات الفدرالية باتخاذ المبادرة في قرارات عديدة أخرى.
لا تعطى الوكالة من القاعدة فقط عند انتخاب المندوبين أو المسؤولين وعلى أساس وعود المرشحين أو برامج تنظيماتهم المحتملة. فالوكالة الأمرية تُعطى بناء على محتوى تقرره القاعدة ويُجدَّدُ بانتظام. إن الديمقراطية من الأسفل إلى الأعلى تمثل شكل السلطة الجماعية الجديد بصورة تقطع كلياً مع التقسيم “قادة/مقادين”، “حكام/محكومين”، مع التفرقة بين الدولة من ناحية وبين المجتمع من ناحية ثانية. كل “مواطن-شغيل” يكون متشاركاً مع هذه السلطة والحكومة تكون هكذا قد دخلت المحترف والبلدة: إنها الحكومة الذاتية للمجتمع التي تستجيب طبيعياً لمطلب إدارة الإنتاج الذاتية.
الفروقات بين الدولة البرلمانية والفدرالية ذاتية الإدارة هي فروقات جذرية. إذ إن اتجاه السلطة أصبح معكوساً: أجهزة التنسيق المركزية غدت خاضعة لإدارة القاعدة. انتخاب ديمقراطي للمندوبين والمسؤولين، تفويض المهام من أجل التنسيق والقرارات العادية، ولكن رفض تفويض السلطة في القرارات الكبرى وبالتالي ديمقراطية مباشرة. تفقد هكذا الأحزاب دورها كموجِّه للسجال وكقوة تدير المجتمع: يمكن للتشكيلات السياسية أن تعبِّر بحرية عن آرائها وأن تغذي السجال الديمقراطي، إلا أن المفوضين يتلقون وكالاتهم من القاعدة وليس من الأحزاب.
الديمقراطية ذاتية الإدارة تفترض حرية التعبير والتنظيم المطلقة، حرية ممارسة الطقوس، الحرية التامة للصحافة.
أخيراً ثمة ضرورة للدفاع عن المجتمع الجديد من أعدائه الداخليين والخارجيين، لأن الانحراف سيبقى بالتأكيد، أقله في هذه المرحلة الأولى، كما ستبقى السلوكيات العنصرية أو الجنسية (استعداء المرأة مثلاً)؛ كل هذا سيفرض ضرورة قيام قانون، عدالة منظَّمة وأشكال من الدفاع الذاتي العسكري. ولكن الهدف هو بالتأكيد القضاء على الأجهزة القمعية للمجتمع القديم وإحلال بنى مراقَبَة بقوة من السكان والمجالس. إن مخاطر العسكرة والنظام البوليسي هي أكيدة في المرحلة الثورية وتتطلب حذراً شديداً، دون نسيان الغاية المرجوة وهي قيام مجتمع خالٍ من أي عسكرة وغير بوليسي.
تيار جديد
ندرج أنفسنا ضمن نَسَبٍ تاريخي يأخذ جذوره من بدايات الحركة العمالية. ولكن في آن نعتبر أننا تيار جديد، نتاج توليفات عديدة وتجاوزات عديدة.
ندرج أنفسنا في امتداد التيارات التاريخية اللاتسلطية الكبرى التي جهدت لترجمة طموحات الاشتراكية العفوية للشغيلة. لقد ضَمَنَ أتباع الفكر الجماعي اللاتسلطي للأممية الأولى، والنقابيون الثوريون والأنرشيون النقابيون، والشيوعيون التحرريون، لقد ضمن هؤلاء ديمومةَ تيار تحرري محوره الصراع الطبقي ونحن ننتمي له.
وهذا الإسناد لا يستتبع لا خضوعاً لعقيدة جامدة ولا مديحاً للماضي. هذا الإسناد (أو هذه المرجعية) هو نقدي لا يوفر نقاط الضعف والنقص والأخطاء. إن النزعات التي نستند إليها هي حية، متناقضة ومرتبطة بالحقبات التي ظهرت فيها. نحن نريد الإفادة من مكتسبات تيار رئيسي للحركة العمالية كما التخلي عن كل ما يمكن أن يبدو لنا خاطئاً وبائداً.
نحن في آن نقابيون ثوريون (أو أنرشيون نقابيون) وشيوعيون تحرريون. نقترح إذاً توليفاً لمجمل المكونات التحررية ذات لون “صراع طبقي” ونشكِّل بالتالي تياراً جديداً.
نحن لا نطمح لأي احتكار. توجد تنظيمات وتجمعات عديدة تعلن انتماءها لنسب تحرري. نحن مع خوض النقاش كي توضع قوانا معاً في أكثر الظروف الممكنة دون نكران خصوصيات كل فريق. رغبة مماثلة في المواجهة والتوحُّد تقودنا إلى رفض العصبوية بين كل القوى التي تناضل ضد الرأسمالية.
إلا أن مجهودنا التوليفي لا يتوقف عند التيارات التحررية وحدها. نحن نبحث عن تجميع للمكتسبات الإيجابية لمجمل التيارات الثورية.
إن مستقبل الماركسية الثورية بما لديه من لامركزية (لايعقوبية)، لا قيادية، لا يمكن أن يقوم بعد الفشل التاريخي للينينية دون أن ينهل من التيار التحرري العمالي ويتوحَّد معه. وهذا الأخير يربح الكثير إذا أدمَجَ وتجاوز في آن أجمل ما عند ماركس، أجمَلَ ما عند الماركسية الثورية والتيار المجالسي.
نهجنا النظري والعملي يتمحور حول مفهوم للتاريخ ومنهج تحليلي يُدمِجُ المعيارين الديالكتيكي والمادي، مبتعدين هكذا عن حتمية اقتصادية تبسيطية وميكانيكية.
مع ماركس وباكونين نحن نعارض المفهوم المثالي للتاريخ، والذي غالباً ما تشوبه أخلاقية أو ثنائية (مانوية) ضيقة، ونعطي الأولوية انطلاقا من عوامل اجتماعية ومادية وأيضاً، جدلياً، انطلاقا من عوامل ثقافية، سيكولوجية واعية، نقول إننا نعطي الأولوية انطلاقا من كل هذا للمفهوم الذي يرى أن البشر يصنعون تاريخهم بذاتهم. ثمة في السجالات التي كانت دائرة في الأيام الأولى للحركة العمالية، على تنوعها وتناقضها، رأسمال كبير من التفكُّر الفلسفي الذي يبدو لنا من الضروري إدماجه في صوغنا لمفهوم للتاريخ ولمنهج تحليل حالي يفلت من الحتمية الاقتصادية، مع تأكيده على الأهمية الكبرى للعوامل الاجتماعية والمادية.
إن التوليف الذي نبحث عنه لا يقتصر كذلك على النهل الإيجابي من التيارات الماركسية الثورية والتحررية. نحن ننهل أيضاً من مكتسبات التيارات الثورية والجذرية: ذاتية الإدارة، البيئية، النسوية، اليسارية النقابية…
هذه السيرورة العامة المتشكلة من توليفات وتجاوزات عديدة، ولكن أيضاً من تجديدات و إدماجات تتمحور حول الصراع الطبقي هي أحد شروط بروز تيار جديد في رحم الحركة العمالية والذي يجهد تنظيمنا للعمل على توكيده وتركيزه.
تنظيم ذاتي الإدارة
تنظيمنا ليس حزباً، لا نصبو إلى نيل أصوات الناخبين والاندماج في لعبة المؤسسات الدولانية.
إن النشاط الأساسي للتنظيم هو دعم تطور النضالات المعادية للرأسمالية وتطوير التنظيم الذاتي، وذلك بسياسته ودعاوته، بالجهد التفكيري النظري الجماعي، بالتأهيل، بالمساعدة التي يقدمها، بنضال أعضائه، للوصول إلى سلطة مضادة تمارسها قاعدة المجتمع كما لقطيعة مع النظام الرأسمالي.
إن التنظيم يرتكز على هذا البيان من أجل بديل تحرري، طالما لم يقرر عكس ذلك الرفاق تبعاً للقواعد الفدرالية وذاتية الإدارة وحسب شروط العقد. هذا البيان ليس برنامجاً تاريخياً، ولا إعلان مبادئ جامدة، إنه ليس في نهاية الأمر سوى لحظة من سيرورة نظرية، عملية و تنظيمية تحتوي هي نفسها على إمكانية تجاوزها.
يحدد عقد نظامي قواعد سير عمل التنظيم ويربط جميع الأعضاء المتشاركين بصورة حرة.
إن التوجهات الإستراتيجية للتنظيم ومواقفه وقراراته تخضع للسجالات وللإدارة الجماعية ولتصويت قاعدة التنظيم. هذا الأخير يشكل هكذا ساحة اختبار للديمقراطية الفدرالية وذاتية الإدارة.
التنظيم هو إذاً فدرالية ذاتية الإدارة، قائمة على المسؤولية الجماعية لمجمل مناضليه. نحن نريد أن نقلب رأساً على عقب الصورة التقليدية للحزب التراتبي، ولكن دون أن ننكر ضرورة وأهمية نشاطات التنسيق والتنشيط في التنظيم؛ هذا يعني أننا نصبو إلى قيام إطار سجال ومشاركات أفقية ولا مركزية.
إن التنظيم هو مكان تعددي حيث يمكن لتنوع كبير من الآراء أن يعبِّرَ عن نفسه، على خلفية هوياتية مشتركة. وإذا كان من الطبيعي أن يكون لهذا التنظيم ديمقراطياً توجه أغلبي، فهو يحرص أشدَّ الحرص في آن على ضمان حقوق الأقليات والمجموعات القاعدية في التعبير، في السجال الداخلي طبعاً، ولكن أيضاً في صحافة التنظيم، طبقاً للشروط التي يضعها العقد النظامي.
يجهد تنظيمنا لتضافر نشاطات أعضائه من أجل مزيد من الفعالية. كذلك فهو يدعم التوجه الأغلبي. لكنه يحترم حرية الرأي والعمل لكل عضو. إذا كان جميع الأعضاء ملزمين باحترام الآخر عند الكلام أو العمل باسم التنظيم فإنهم لا يخضعون إلا لخياراتهم الخاصة عندما يناضلون في الحركات الاجتماعية.
بما أننا تنظيم “صراع طبقي” فإننا نعطي الأولوية للعمل في أوساط البروليتاريا وفي أماكن عملها وحياتها. لكننا لا نهمل الإنغراس في أوساط الشبان وتثبيت حضورنا في مجمل الحركات الاجتماعية.
يرفض تنظيمنا كل علاقة إدارة وإشراف على نضالات الشغيلة والناس. يمكن أن نساهم في تنظيم مبادرات وعمليات تعبئة. لكن إدارة الصراعات الاجتماعية يجب أن تكون في يدِ القاعدة، وإن كان مناضلو تيارنا من عداد منشِّطي هذه النضالات.
صراعنا دولي وبناء تيارنا يمرُّ عبر تعدد المبادرات، باتجاه هيكلة دولية.
من أجل حركة كبيرة مناهضة للرأسمالية وذاتية الإدارة
لا يزعم تنظيمنا أن يصبح بقواه وحده البديل للرأسمالية. نحن نريد أن نكون قوة موحدِّة في الحركة الثورية وفي الحركة العمالية لأننا نرفض كل عصبوية وكل انعزالية.
نريد أن نسهم في نهضة النضال الثوري الجماهيري، في إعادة تأسيس الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين. للوصول إلى هذا الهدف ترتكز إستراتيجيتنا السياسية على جدلية بين مستويين من التعبير والتنظيم مختلفين ومتكاملين:
– تنظيم وتطوير تيار تحرري جديد يتمحور حول الصراع الطبقي (تيار “صراع طبقي”).
– بروز حركة واسعة ضد رأسمالية وذاتية الإدارة، حيث يندمج فيها التيار التحرري الجديد دون أن يختفي.
في جعبتنا إذاً مشروع كبير للوحدة يتحقق في ممارساتنا اليومية ويشكل جزءاً لا يتجزأ من هويتنا. وهذا المشروع نقترحه على مجمل القوى السياسية والنقابية والبيئية والجمعياتية التي تقاتل ضد الرأسمالية. سوف تشهد هذه الحركة الواعدة توحداً بين مناضلين ذوي أصول أيديولوجية مختلفة وذوي أولويات نضالية متنوعة. هذه الحركة ستكون تعددية، منفتحة، وفي تبحث عن نقاط التلاقي على قواعد أساسية.
إن الحراك المقبل المعادي للرأسمالية سيكون قوة جماهيرية لها وزنها الفعال في المجتمع، وهي ستساهم في تعدد السلطات المضادة وتحضِّرُ شروط القطيعة الثورية. وسيسجل بالتالي هذا الحراك نضالاته قبل أي شيء في الساحة الاجتماعية، في قاعدة المجتمع، رابطاً بين النضالات المختلفة، النضالات العمالية والنضالات الشبابية، مقترحاً حلولاً ترتكز على مفهوم الإدارة الذاتية. حراك سياسي اجتماعي إذاً وليس حزباً جديداً. وإذ نأخذ بعين الاعتبار الظروف الواقعية المختلفة لكل بلد، فإننا ندرج مشروعنا البديل ضمن مقاربة دولية، توحِّد تدريجياً جميع القوى البديلة لليبرالية، للاجتماعية الديمقراطية، وللستالينية، في أوروبا وفي العالم أجمع.
هذا الحراك لن يولَدَ “بسهولة”، بإعلان ذاتي، أو باتفاق شركاء. إنه نتاج سيرورة تاريخية تصنعها نقاط التلاقي والتوحد والصوغ والممارسات الواقعية. سوف يكون القرار إذاً للنضالات الاجتماعية الكثيفة ولتطورها الهجومي.
نحن بحاجة لرسم مخطط النضال بصورة جماعية، أما إذا جمَّعنا هذه النضالات تجميعاً فهذا لن يسمح بالاستجابة لأزمة التوجُّه (النظري والسياسي) ورسم الآفاق الواضحة، لأزمة الهوية التي تلغم الحركة العمالية والاجتماعية.
إن ما يجب تقديمه هو مشروع سياسي جديد. لصوغ هذا المشروع سوف تتواجه أفكار مختلفة؛ في هذا السجال سنكون قوة اقتراح وإقناع، لنتقدم نحو توليف جديد، الأكثر تحررية، على غرار النقابية الثورية التي كانت ثمرة جدليةٍ بين آفاق تحررية وتنظيمات جماهيرية.
نطمح لممارسات عملية ومشتركة في القاعدة، لأننا نعتبر أن البديل الجماهيري، المنغرس في الأحياء المكتظة، في المصانع، بين الشبان، ينطلق من المشاكل الواقعية التي يعيشها الناس. نشاطات جديدة هي ضرورية كي تسمح للانتفاضات المجتمعية القاعدية أن تعبر عن نفسها وأن تنظم ذاتها. هذه النشاطات العملية المشتركة ستقدم الإجابات الضرورية، بوجه تهديدات اليمين المتطرف وأكاذيب الاجتماعية الديمقراطية. بهذا فقط يمكن أن يكتسب هذا البديل قوى جديدة.
إن بروز هذا الحراك الكبير هو إحدى أولويات تيارنا. هذا لا يعني أننا سنختفي روحاً وجسداً في التجمع المقبل. نريد أن نكون إحدى القوى المبادِرة، إحدى القوى الموحِّدة. وأن نصبح غداً إحدى القوى الأساسية والمسموعة، ضمن حركة ثورية، حركة عمالية مؤسَّسة من جديد… ومتجددة.
نص مقرَّر في 18-19-20 أيار 1991.
هوامش البيان :
1 Départements d Outre mer.
2 Territoires d Outre mer.
3 – التي تناضل من أجل توكيد هويتها.
4- لأنه كان قائماً في التاريخ الغابر.
5- الإنتاجية هنا تعني الإنتاج الرأسمالي، أي الإنتاج بهدف تحقيق الأرباح وبصرف النظر عن الأضرار اللاحقة بالطبيعة.
من أكذب ما غنته أم كلثوم هو هذا البيت للشاعر الهندى محمد إقبال من قصيدة حديث الروح “إذا الإيمان ضاع فلا أمان، و لا أمان لمن لم يحى دينا”، وهو أبعد ما يكون عن الحقائق المؤكدة لعلوم الأحياء والنفس والاجتماع، وأبعد ما يكون عن حقائق الحياة والواقع، وخطورته أنه يروج لخرافتين شائعتين تستند عليهما الأصوليات الدينية فى العالم، وهو الربط التعسفى بين الإيمان الدينى وتحقق الأمان الاجتماعى بين البشر، والربط المغالط بين حسن الأخلاق والإيمان الدينى.
أما عن حقائق علم الأحياء، فإن كل من الذكاء كما ونوعا، والعواطف تجاه الآخرين إن حبا أو كرها، والأخلاق إن خيرا أو شرا، تنافسا أو تعاونا، موجودة لدى كل من الطيور والثدييات، وإن بشكل أولى وغامض وبسيط لدى أدناها فى سلم التطور، ثم يزداد كل منهم رقيا وضوحا وتعقدا، كلما أرتفعنا فى سلم التطور، عندما نصل لقمته فى الإنسان العاقل، وكما أن الذكاء ملكات متعددة لفظى وميكانيكى، ذاكرة وتحليل وربط، لا يتساوى البشر بالتمتع بأى منهم، لا من حيث الكم و لا من حيث النوع، فيوجد بجوار العباقرة العاديين والمعاقين ذهنيا، فإن الطيور والثدييات كأفراد أو أنواع تتفاوت أيضا فيما بينها فى فى الذكاء والأخلاق والعواطف، فهناك عباقرة أخلاقيا وعاطفيا، وعاديون ومعاقون أخلاقيا وعاطفيا.
و كالذكاء تماما يتحكم فى العواطف والأخلاق لدى كل من الطيور والثدييات، الموصلات الكهروكيميائية فى المخ، وكيمياء الجسم فضلا عن الجينات الوراثية، وهى أصول مادية للأخلاق والعواطف، و قد نشأت تطوريا من ضرورة الرقود على البيض لدى الطيور حتى فقس البيض، ورعاية الصغار، فضلا عن بناء العش، وضرورة تعاون الزوجين فى كل ذلك، وفى الثدييات ضرورة إرضاع الأطفال ورعايتهم لفترة بعد الميلاد، فضلا عن الضرورات التى أملتها الحياة المشتركة الجماعية فى أسراب الطيور وقطعان الثدييات، التى تسببت فى نشوء عواطف القطيع، وظهور ما يمكن أن نطلق عليه التعاون وتقسيم العمل فيما بينها سواء للبحث عن الطعام أو حماية السرب أو القطيع، وإن كانت رعاية الصغار لدى معظم الثدييات والطيور لا تتجاوز أسابيع أو شهور، فإن احتياجها لمقادير و أنواع من الذكاء والعواطف والأخلاق تكون قصيرة المدى ومحدودة بتلك الحدود، ولما كانت هذه الفترة تطول لدى القردة العليا فتتجاوز ثلاث سنوات، جعلها أكثر تطورا وتعقدا وتنوعا فى هذا الخصوص، وبسبب أن رعاية الصغار لدى البشر تزيد عن عشر سنوات، وقد تدوم العلاقة فى القطيع والعشيرة لعدة أجيال، فأن كل من الذكاء والعواطف و الأخلاق تزداد تطورا وضوحا وتعقدا لتصل لقمتها لدى الإنسان العاقل.
يكتسب الحيوان الثديى أو الطائر سلوكياته وصفاته ومهاراته أيضا من الارتباطات الشرطية، فكلما كذبت فقدت ثقة الناس واحترامهم، فتتعلم تحرى الصدق لتكتسب الثقة والاحترام، وهكذا، وهو أساس إمكانية ترويض الحيوانات فى السيرك،وأساس عمليات التعلم والتربية،والإنسان ابن بيئته الاجتماعية، فيمكن أن يكتسب صفات سلوكية، خيرة أو شريرة، تعاونية أو تنافسية، غيرية أو أنانية، من مجمل التجارب التى يتأثر بها فى أسرته ومجتمعه الأكبر، وهو ما ليس له علاقة بعقيدته الدينية.
يؤثر فى تحديد سلوكيات البشر، أنماط العلاقات الاجتماعية السائدة، تعاونية أم تنافسية، سلطوية أم لاسلطوية، طبقية أم لا طبقية، ويتأثر سلوك الإنسان بوجود الملكية الخاصة أو عدمها،بالحرمان أو الاشباع، ويتأثر سلوكه بموقعه الاجتماعى، سيدا كان أو عبدا، حاكما كان أو محكوما، فقيرا كان أو غنى، وهو ما لا علاقه له بعقيدته الدينية.
العقيدة الدينية فى أصولها ظاهرة اجتماعية منفصلة عن الأخلاق ، وهى فى جوهرها الإيمان بقوى غيبية تؤثر فى حياة البشر والطبيعة، وتقوم على أداء طقوس، وعبادات والإلتزام بتقاليد وعادات وسلوكيات استرضاءا لتلك القوى، دفعا للشر وجلبا للخير، للفرد أو الجماعة، وقد تضمن الأديان أوامر ونواهى أخلاقية، ليس من الضرورى أن تكون خيرة بل ان بعضها يكون شريرا أحيانا، والحقيقة أن البشر غالبا ما يقصرون تدينهم على الجانب العبادى والطقوسى أكثر من التزامهم بالجانب الأخلاقى، ولم يثبت تأثر البشر بتلك الأوامر والنواهى الأخلاقية، فما سبق ذكره من مؤثرات فى الفقرة السابقة هو الأقوى تأثيرا فى سلوكيات البشر بصرف النظر عن إيمانهم من عدمه، وبصرف النظر عن عقائدهم الدينية.
هناك مصالح مؤكدة للبشر مرتبطة بغرائزهم الحيوية فى البقاء والأمن، وهى لن تتحقق لهم دون أن يلتزموا بأخلاقيات خيرة وغيرية وتعاونية فى علاقاتهم الاجتماعية، تحافظ على استمرار تلك العلاقات فى تلبية احتياجاتهم المشتركة،فلو كان شىء مباح لكل فرد منهم، ومع اختلاف الرغبات الفردية، فلن تستمر تلك العلاقات و ولن تحقق المصالح الحيوية للبشر فى البقاء والأمن، ومن ثم فعلى البشر بصرف النظر عن عقائدهم، أن يتعلموا أن لرغباتهم حدودا لا ينبغى لهم تخطيها، وإن الإباحة تنتهى عندما تبدأ مصالح الآخرين، وإلا فإنه لا أمان و لا بقاء لكل الأفراد، ومن يقولون أنهم لو فقدوا ايمانهم فسوف يفعلون كل ما يحلوا لهم بلا رادع واهمون، لأنهم سوف يجدون أمامهم روادع أخرى غير إيمانهم الدينى، كالسجون والنبذ الاجتماعى والكراهية، وسوف يخسرون أشياء كثيرة كالاحترام الاجتماعى وراحة الضمير وحب الناس.
أما وقائع الحياة فهى تكذب القول أنه بضياع الإيمان فلا أمان، وأنه لا أمان لمن لم يحى دينا، على مستوى الأفراد والمجتمعات، و تنفى أى علاقة حتمية بين التدين من عدمه وبين حسن السلوك والأخلاق. فليس كل المتدينين ملتزمون بحسن الأخلاق و محلا للثقة رغم تدينهم، وليس كل اللادينين يتصفون بسوء الأخلاق و لا محلا لعدم الثقة رغم عدم تدينهم، فهناك لا دينيين يقتربون من مستوى القداسة، وهناك متدينون أقرب للشيطنة،فالسلوك الإنسانى المعقد للغاية تجد منابعه من مستويات مختلفة، تجعل كل فردا منا فريدا من نوعه، و لا يجوز الحكم عليه من جانب محدود التأثير فى سلوكه، وهو التدين من عدمه.
للمفكر الأناركي الإيطالي : كاميلو بيرنيري Camillo Berneri
نشرت لأول مرة سنة 1922
ترجمها للعربية (عن الترجمة الإنجليزية) : محمد عبد القادر الفار
أحد أهم سمات أفكار كروبوتكين السياسية هي فكرة الفدرالية التي تتردد في كتاباته باستمرار وتشكل أحد العناصر الأساسية في إديولوجيته الأناركية.
مع أن فدرالية كروبوتكين ليست نظرية نظامية ولا يمكن تفريقها بوضوح عن فدرالية برودون أو باكونين، إلا أنها تقدم خصائص متنوعة تجعل دراستها أمرا مهما.
وللقيام بدراسة من هذا النوع، يلزمك استطراد مطول في السيرة الذاتية لكروبوتكين من أجل تسليط الضوء على بدايات أفكاره الفدرالية وارتباطها بالبيئة المحيطة بها حيث كونت تلك الأفكار نفسها وتطورت.
الكاتب “أدريانو تيلغر” في معرض كتابته عن كروبوتكين، أصاب عندما علق بقوله :
” من المستحيل أن تفهم الروح الحقيقية للحركة الأناركية إذا لم تفكر فيها –تاريخيا- على أنها ردة فعل ثورية وعنيفة ضد التحول العميق في إقامة الدولة في القرن التاسع عشر”.
كروبوتكين، “الأمير الأناركي”، يقدم لنا المثال الأفضل لتأكيد ذلك.
فسيرته الذاتية الواضحة والمفصلة تتيح لنا اتباع المراحل المختلفة لتطور فكره الفدرالي، خطوة بخطوة.
في عمر التاسعة عشرة، كان ضابطاً للقفقاز، وذهب إلى “ترانسبايكاليا” حيث شدت انتباهه وحماسه الإصلاحات الكبيرة التي شرعت بها الحكومة سنة 1862 وتولتها الإدارة العليا لسيبيريا. وكسكرتير لمجلس الحكومة، كان على صلة مباشرة بأفضل الموظفين المدنيين، وبدأ دراسة المشاريع المتنوعة لإدارة الحكومة المحلية. لكنه بعد فترة قصيرة جداً وجد أن الإصلاحات المقترحة من قبل مديري المقاطعات والمحمية من قبل الحكام العامين، كانت خاضعة لتعليمات وتأثير الحكومة المركزية. وكشفت له الحياة الإدارية السخافات اليومية في النظام والمنهج المتبع.
ولما رأى استحالة تحقيق أي نوع من الإصلاحات، اشترك كروبوتكين سنة 1863 في حملة استطلاعية حول نهر “أمور”.
وهناك حدثت عاصفة غرق خلالها أربعون مركباً لتحميل البضائع وتمت خسارة 2000 طن من الطحين. هذه الكارثة أتاحت له الفرصة للتعرف على النظام البيروقراطي بشكل أفضل. رفضت السلطات تصديق الحدث، بينما أظهر الموظفون المدنيون المعنيون “بالشؤون السيبيرية” في بيتروغراد جهلاً تاماً بكل ما هو أصلاً من صميم تخصصهم. وقال له أحد كبار الموظفين: “ولكن يا زميلي العزيز، كيف يمكن لأربعين مركباً أن تتدمر في نهر “نيفا” دون أن يقفز أحد لإنقاذها !”، وعندما رد كروبوتكين عليه بأن نهر الأمور أكبر بأربع مرات من نهر نفيا، سأل الموظف المندهش : “ولكن أهو حقاً بهذه الدرجة من الضخامة؟”وتجاهل الأمر منزعجاً للحديث في أمر بهذه التفاهة.
ذهب كروبوتكين إلى “منشوريا” فاقداً ثقته في الحكومة المركزية أكثر من أي وقت مضى. وربما تذكر بيروقراطيي بيتروغراد عندما رفض موظف رسمي من الإمبراطورية السامية جواز سفره على الحدود الصينية لأنه كان يتكون فقط من صحيفة متواضعة من الورق المختوم، مظهراً في نفس الوقت أكبر الاحترام لنسخة قديمة من جريدة موسكو المكتظة، والتي أبرزت له على أنها جواز سفر.
وكملحق “للحاكم العام لشؤون القفقاز”، أجرى كروبوتكين استعلاماً دقيقاً عن الظروف الاقتصادية لقفقازيي نهر “أوسوري”. وعند عوته إلى بيتروغراد، تمت تهنئته، وترقيته، وحظي بمكافآت خاصة. لكن مقترحاته لم توضع حيز التنفيذ بسبب الموظفين الرسميين الذين سرقوا المال واستمروا في تبديد جهد الفلاحين، بدلاً من تزويدهم بالمواشي، أو تفريج آثار المجاعة بالاستجابة السريعة والإسناد المناسب.
“وهكذا استمر الحال في جميع الاتجاهات، بدءاً بقصر الشتاء في سانت بطرسبرغ وانتهاء بالأوسوري وكامتشاتكا، حيث تم التأثير على الإدارة العليا لسيبيريا بالنوايا الممتازة، ويمكنني فقط أن أكرر أنها الآن–بأخذ كل شيء بالاعتبار- أفضل بمراحل، وأكثر تنوراً بمراحل، وأكثر اهتماماً بمراحل بصالح الناس ورفاهيتهم من إدارة أي مقاطعة أخرى في روسيا. لكنها إدارة واحدة، وفرع من شجرة تقع جذورها في سانت بطرسبرغ، وهذا كان كافياً لشل كل نواياها الممتازة، وكافياً لجعل تلك الجذور تتدخل في كل بدايات الحياة المحلية والتطور، وقتلها.
وكل ما كان الأهالي المحليون يشرعون بفعله لمنفعة البلدة كان يـُـنظر إليه بتشكك ويتم شله بالصعوبات الكثيرة التي تأتي، ليس -في الجزء الأكبر منها- من النوايا السيئة للإداريين، بل ببساطة من حقيقة أن أولئك الموظفين الرسميين كانوا ينتمون إلى إدارة مركزية هرمية.
الحقيقة الأساسية عن انتمائهم لحكومة تشع من عاصمة بعيدة جعلتهم ينظرون إلى كل شيء من وجهة نظر مسؤولي الحكومة، الذين يهمهم أولاً ما سيقوله رؤساؤهم في الوظيفة وكيف سيظهر هذا الشيء أو ذاك في الآلية الإدارية. أما مصالح البلدات فهي أمر ثانوي.”
وبموازاة معرفته بعدم كفاءة هياكل الإدارة المركزية، كانت ملاحظاته عن “” الاتحاد الحر لأولئك الذين تجمعهم مصالح مشتركة”” والتي قام بها خلال رحلته الطويلة في سيبيريا ومنشوريا، وتلك الملاحظات أسهمت أيضاً في تشكيل شخصيته الأناركية. حيث رأى بوضوح الدور الذي لعبته الطبقات الدنيا المغمورة في أحداث تاريخية عظيمة، وفي تطور الحضارة. وهذا الفهم، كما سنرى لاحقا، أثر في كل نقده السوسيولوجي، وكان أساسياً لمنهجه في البحث التاريخي.
وعندما ذهب كروبوتكين إلى سويسرا، تأثرت ميوله الليبرتارية والفدرالية باتصاله باتحاد “جورا” الذي أظهر ميولاً واضحة للأناركية واللاسلطوية سنة 1872. والجدير بالذكر أن تطور هذه النزعات نجم بالشكل الأكبر من المركزية القوية – أو حتى الاستبدادية- لسيطرة الأممية الأولى.
ومن الضروري إضافة أن مناضلي اتحاد جورا تشربوا أناركية باكونين الذي هو في الأساس فديرالي. وبالنسبة لكروبوتكين، وكما يقول هو عن نفسه، لم يكن أبداً على اتصال مباشر بباكونين.
وعند عودته إلى روسيا، أصبح على صلة مباشرة بمجموعات مفكري الجناح الأيسر، وأدرك من جديد عدم جدوى محاولات أولئك الذين حاولوا تجديد البلدات عن طريق” الزيمستفو” (وهو شكل للحكم المحلي سمح به القيصر ألكسندر الثاني، المترجم) . فمحاولات من هذا النوع صار يشتبه بكونها انفصالية أو محاولات لتشكيل دولة داخل الدولة وجرى اضطهادها لدرجة أن أي محاولة لتحسين الإدارة الريفية في ما يتعلق بالخدمات الصحية أو المدارس كانت تمنى بفشل كبير ويحل من ورائها خراب يلحق مجموعات كاملة من الأعضاء المنتخبين للزيمستفو.
وبالرغم من الإحباطات التي شهدها من خلال خبرته الإدارية، بدأ كروبوتكين العمل مرة أخرى قبل مغادرته لروسيا. فعندما ورث أملاك أبيه في “تامبوف”، ذهب ليعيش هناك ووهب كل طاقته للزيمستفو المحلي. لكنه أجبر مرة أخرى على إدراك حقيقة استحالة إقامة المدارس أوالجمعيات التعاونية أو المصانع النموذجية، بدون خلق ضحايا جدد للحكومة المركزية.
***
من النصوص التي نشرها كروبوتكين ما بين عامي 1879 و1882 ضمن مقالاته “الثورة” (Révolté) في جنيف، يتضح لنا أن كل ما زوده به النظام الإداري للغرب هو مواد إضافية لانتقاداته ضد الدولة، بل وعمل على ترسيخ أفكاره الفدرالية والليبرتارية أكثر فأكثر. فأينما كانت المركزية حاضرة، وجد لها كروبوتكين بيروقراطية نافذة.
“” إنها تخلق جيشاً من الموظفين الرسميين، جالسين كما تجلس العناكب في شباكها، فهم لم يروا العالم أبداً إلا من خلال ألواح زجاج نوافذهم القذرة، ولم يعرفوه إلا من ملفاتهم وصيغهم السخيفة – فرقة سوداء، ليس لها دين غير المال، ولا أي فكر غير التمسك بأي حزب، أسوداً كان أو أرجوانياً أَو أبيض، طالما ظل يضمن لهم أكبر راتب ممكن بأقل قدر من العمل “” P. Kropotkin, Paroles d un revolté
المركزية – التي تؤدي إلى بيروقراطية مفرطة – بدت لكروبوتكين كأحد سمات النظام التمثيلي. رأى في النظام البرلماني نجاحاً لانعدام الأهلية والكفاءة، ووصف بسخرية بديعة الأنشطة الإدارية والتمثيلية لعضو البرلمان الذي لا يـُستدعى ليتعامل أو يتصرف بشأن أمور هو كفؤ لها، بل يـُطلب منه أن يصوت على سلسلة مقترحات ذات تنوع لا محدود، نابعة من تلك الماكينات الضخمة التي تشكل الدولة المركزية.”” سيكون عليه أن يصوت على الضرائب المدفوعة على الكلاب، وعلى إصلاح التعليم الجامعي، دون أن يكون قد خطا خطوة واحدة داخل جامعة من قبل أو تعرف في حياته على كلب ريفي. سيكون عليه إبداء رأيه حول إيجابيات بندقية غراس (Gras Rifle) وحول اختيار موقع اصطبلات الدولة. سيكون عليه أن يصوت حول الفيلوكسيرا التي تصيب الحبوب (آفة زراعية، المترجم)، وحول التبغ، وحول التعليم الابتدائي، وتحسين الأوضاع الصحية في المدن؛ حول كوتشين، والصين، وغيانا، وحول المداخن، وحول مرصد باريس. هذا العضو البرلماني لم ير جنوداً في حياته إلا في المناورات، لكنه سيرتب فيالق الجيش، لم يقابل عربياً في حياته، لكنه سيقوم بإعادة صياغة الشريعة الإسلامية في الجزائر. سيصوت على قبعة الشاكو أو الكيبي (أنواع قبعات عسكرية، المترجم) وفق ذوق زوجته. سيحمي جهاز حفر الأرض ويضحي بالحبوب. سيدمر كروم العنب ظاناً أنه يحميها. سيصوت للتشجير في مقابل التعشيب، وفي نفس الوقت يحمي المراعي في مقابل الغابات. سيكون عليه أن يظهر مقدرته في أعمال البنوك، سيقوم بالتضحية بقناة أو بسكة حديدية دون أن يعرف حتى في أي جزء من فرنسا تقع هذه أو تلك. سيضيف نصوصاً جديدة للقانون دون أن يكون قد تشاور بشأنها مع أحد. هو بروتيوس حقيقي (بروتيوس هو إله إغريقي واستخدمه هنا كناية عن شخص متعدد المواهب، المترجم)، خبير في كل شيء، وسلطته واسعة، اليوم جندي وغداً رجل خنازير، ثم خبير بنوك، ثم أكاديمي، ثم مكنس للشارع، ثم طبيب، ثم عالم فضاء، ثم مصنـّع أدوية، ثم دباغ، أو مقاول، على حسب تعليمات ذلك اليوم في البرلمان. هو لا يعرف أبداً لحظة تردد. وبحكم اعتياده على مقدرته كمحام، أو صحفي، أو خطيب عام، هو يتحدث في أمور لا يعرف عنها شيئاً، يصوت على كل تلك الأمور وغيرها بفرق واحد فقط : ففي حالة الصحف هو بالكاد يسلي نفسه بشائعاته، وفي قاعة المحكمة يوقظ صوته القضاة الغافين فقط، بينما في البرلمان فهو سوف يسن القوانين لثلاثين أو أربعين مليون نسمة. “” P Kropotkin, Paroles d un revolté.
لكن الدول الغربية، ومعها الإدارات السخيفة للأنظمة البرلمانية المركزية، كشفت له عن القوة الهائلة، التي يمكن ملاحظتها بشكل أكبر وأكثر تعقيداً في “المير” الروسي (المشاعيات الفلاحية)، أو الاتحادات الحرة التي “” تمتد لتغطي كل فرع من فروع الأنشطة الإنسانية “”، والتي جعلته يعلن أن “” المستقبل هو في أيدي الاتحادات الحرة وليس في أيدي الحكومات المركزية””. والسنوات التي قضاها كروبوتكين في إنجلترا بشكل خاص – حيث استقلال الشعب والتطور الضخم للمبادرة الفردية لم يكن من الممكن ألا يدهش الأجنبي القادم من الدول السلافية أو اللاتينية – جعلته يعلق أهمية عظيمة – وأحياناً زائدة – على الاتحادات.
ومن معرفته المباشرة بالعالم الغربي، أضاف كروبوتكين نزعة جديدة لدراساته. فكروبوتكين الذي كان جغرافياً في روسيا، أصبح مؤرخاً متحمساً في بريطانيا. كان يتمنى أن يفهم الدولة وكان يعرف أنه في سبيل ذلك “” يوجد طريق واحد فقط، وهو دراستها في سياق تطورها التاريخي””. واكتشف بحماس أن النزعة العامة للعلم هي
“” تلك النزعة لدراسة الطبيعة ليس من نتائجها الضخمة واستنتاجاتها الكبيرة، بل عوضاً عن ذلك من خلال دراسة ظاهرة منفردة، ومن خلال عناصر منفصلة””. فالتاريخ أيضاً يكف عن كونه تاريخ السلالات الحاكمة، ليصبح تاريخ الشعوب. وإذا كان ذلك الأسلوب أفضل بكثير كمنهج تاريخي فهو كذلك أيضاً كمنهج فكر فدرالي، لأنه يصبح واضحاً أن التغيرات التنموية العظيمة لم تجر أحداثها في البلاطات والبرلمانات، بل في داخل المدن والأرياف.
رأى كروبوتكين –الذي نذر نفسه للدراسات التاريخية – في المركزية المفرطة للإمبراطوية الرومانية سبب انهيارها. وفي عصر الكوميونات نهضة العالم الغربي.
“”إنه في منح الكوميونات أعضاءها حق الاقتراع، وفي تمرد الشعوب والكوميونات ضد الدولة، حيث نجد أكثر صفحات التاريخ جمالاً. عندما ننظر إلى الماضي، فإننا لا نلتفت إلى لويس الحادي عشر أو لويس الرابع عشر أو كاثرين الثانية، بل إلى كوميونات جمهوريات أمالفي، وفلورسنا، وتولوز، ولاون، ولياج أو كورتراي، و أوغسبرغ ونورمبرغ، بسكوف و نوفغورود.
في محاولة منه لأخذ أمثلة من مجتمع العصور الوسطى، وقع كروبوتكين في عدة أخطاء في التفسير، عائدة –بشكل رئيسي – إلى حقيقة أن النصوص التي أخذ بها (مثل كتابات سيسموندي) لم تكن متطورة بنفس درجة الدراسات التاريخية المعاصرة. ولا حاجة بنا للتفكير -بالرغم من ذلك- كالأشخاص السطحيين الذي فكروا أن كروبوتكين تصور عهد الكوميونات كنوع من العصر الذهبي. “” سوف يقال، بلا شك، أنني نسيت الصراعات والنزاعات الداخلية التي يمتلئ بها تاريخ الكوميونات، والمعارك المريرة ضد النبلاء، وتمرد “الفنون الناشئة ضد “الفنون القديمة”، وإراقة الدماء والانتقامات التي كانت تحدث دائماً خلال تلك المعارك. لا، لم أنس شيئاً. ولكن، مثل ليو و بوتا Leo and Botta مؤرخي جنوبي إيطاليا، ومثل سيسموندي، فراري، جينو كابوني وآخرين كثر، أستشهد بأن هذه المعارك كانت في حد ذاتها البرهان على حرية الحياة في المدن الحرة”” (انظر إلى كتابه “الاستيلاء على الخبز” ). كانت “صراعات المصارين أو الأمعاء” تلك، حسب كروبوتكين، التي أتاحت تدخل الملوك وميل تلك الكوميونات للانغلاق على نفسها في داخل جدرانها. (“Paroles d un Revolte”)
حقل تاريخي آخر تحرى عنه كروبوتكين كان الثورة الفرنسية، كان معارضاً لبرجوازيي 1789 الذين “” كانت غايتهم المثلى هي محو كل القوى المحلية التي شكلت في ذلك الوقت وحدات تلقائية كثيرة داخل الدولة. أرادوا تركيز كل القوى الحكومية في أيدي سلطة مركزية تنفيذية، محكومة بصرامة من قبل البرلمان، ولكن أيضاً مطاعة بصرامة داخل الدولة، وتشمل كل دائرة — الضرائب، المحاكم القانونية، الشرطة، الجيش، المدارس، الإشراف المدني، الاتجاه العام للتجارة والصناعة—كل شيء””
(“The Great French Revolution”).
لام كروبوتكين الجيرونديين على محاولاتهم لحل الكوميونات، وأشار إلى أن فدراليتهم كانت فقط شعارا مرفوعاً كمعارضة، وأن أفعالهم أظهرت أنهم على نفس الدرجة من تفضيل المركزية مع المونتغراديين. (الجرونديون والمونتغراديون أسماء لكتل سياسية مهمة في عصر الثورة الفرنسية، المترجم(
ووفقاً لكروبوتكين، فإن الكوميونات كانت روح الثورة الفرنسية، وأعطى لذلك تصورات شاملة للحركة الكوميونالية، راغباً في إظهار أن أحد الأسباب الأولية لتدهور المدن كان إلغاء الاتحادات كاملة الصلاحيات للمواطنين، والتي أشرفت على العدالة والإدارة.
كان عصر الكوميونات وعصر الثورة الفرنسية بالنسبة لكروبوتكين، كما كانا لسالفيميني Salvemini، الحقلين التاريخيين اللذين وجد فيهما تأكيداً على أفكاره الفدرالية، وعنصرين فاعلين في تطور مفهومه التحرري للحياة والسياسة. ولكن ظل حياً فيه دائماً سجل ملاحظاته على “المير” الروسي والاتحادات الحرة بين الشعوب البدائية، وهذه الذكريات رسخت فيه فدراليته، التي تجعله أحياناً يبدوعامياً بسيطاً كما في كتابه “الاستيلاء على الخبز”.
***
عندما قام كروبوتكين بدراسة النظريات الاشتراكية المتنوعة، تبنى موقفاً سلبياً من أتباع “سان سيمون” ومن يسمون “باليوتوبيين”، وبالتحديد “كابييه”، لأنهم أسسوا أنظمتهم على تراتبية إدراية، لكنه في المقابل أظهر حماسة كبيرة لنظريات “تشارلز فوريير” الكوميونالية المشاعية. (انظر فيModern Science and Anarchism)
وكان كروبوتكين معارضاً لقيام الدولة بالتأميم، لأن ذلك – ورغم أنه بلا شك تعديل للنظام الرأسمالي- فإنه “لا يلغي نظام الأجور”، لأن “الدولة، أو الحكومة التمثيلية، وطنية كانت أو شيوعية، تضع نفسها في موقع الحاكم” حتى يتسنى لممثليها وبيروقراطييها أن يمتصوا فائض القيمة في الإنتاج ويجعلوا ذلك ضرورة. ( انظر،“Conquest of Bread” and “Modern Science and Anarchism”).
الملاحظة التالية له أيضاً صادقة في ما يخص الدولة الاشتراكية : “ما مقدار العمل الذي ننتجه للدولة؟ لم يسبق لأي اقتصادي أن حاول حساب أيام العمل التي يعطيها العامل في الحقل أو المصنع لذلك المعبود الوثني (الدولة). وعبثا يظل بحث المرء في كتب الاقتصاد السياسي للوصول إلى تقدير تقريبي لما يعطيه الإنسان -الذي هو منتج كل الثروات- من عمله للدولة.
“” إن تقديراً بسيطاً مبنياً على ميزانية الدولة، لشعب ما، للأقاليم والكوميونات (التي تساهم في زيادة نفقات الدولة) لن تكون له أهمية، لأن ما ينبغي حسابه ليس ما يذهب إلى صندوق الخزينة كل سنة، بل ما يمثله كل “شلنغ” يدفع إلى الخزينة كقيمة حقيقية بالنسبة لدافع الضرائب. كل ما يمكننا أن نقوله هو أن مقدار العمل الذي يعطيه المنتج للدولة كل سنة ضخم بالتأكيد. لا بد أنه يصل -وبالنسبة لطبقات معينة يتجاوز- الثلاثة أيام عمل في الأسبوع التي كان العبد يعطيها لمولاه “””(“Modern Science and Anarchism”) . حتى الدولة الاشتراكية ستحاول أن تزيد قيمة هذه الأتاوات لأن “كل فريق سياسي في السلطة مجبر على إيجاد وظائف جديد لمناصريه”، وهي لن تكتفي بإثقال كاهل الحياة الاقتصادية للبلاد بالمصاريف الإدارية، بل ستنصب أوليغاركية (حكم قلة) للقلة التي لا تتحلى بالكفاءة . “” وما نحتاجه في المقابل هو تلك الروح الجماعية للطبقات العاملة التي تشتغل بشؤون الكونكريت (الباطون)””.
و “الروح الجماعية” هو اصطلاح عام أصبح في كتابه “الاستيلاء على الخبز” يشير إلى “الشعب”، و”الكوميون”، و”المجتمع” .. إلخ الذي يدير القضاء، وينظم كل شيء، ويحل أكثر المشاكل تعقيداً. فهذه “الروح الجماعية” هي نوع من الألوهية وصفه “فرانشسكو سافيريو ميرلينو” Saverio Merlino (أناركي إيطالي، المترجم) بسخرية كورس في تراجيديا يونانية (في التراجيديا اليونانية، كان الكورس يتكون من شخصيات مجهولة ومسنة تمثل القدر، تعلق على ما يخوضه بطل التراجيديا ويعانيه بسخرية وتهكم، توضيح من المترجم).
وحتى أعمق المنظرين الأناركيين بعيدون جداً عن عبادة تلك الألوهية. لكن إذا كانت فدرالية كروبوتكين تفتقر إلى الدقة وتضع أملاً زائداً في طاقة الشعب السياسية، فإنها مع ذلك جديرة بالملاحظة نظراً لاتساع رؤيتها. فلا يمكن لأي فدرالية أن تصبح راسخة إذا لم تكن كاملة، ويمكنها أن تكون كذلك فقط إذا كانت اشتراكية وثورية.
إن الطبيعة التكاملية لأفكار كروبوتكين الفدرالية يمكن إثباتها من خلال مقتطفات كثيرة من كتاباته. والتصريحات التالية له هي الأكثر صراحة:
“” “الفدرالية” و “الحكم الذاتي” لا يكفيان. فهما مجرد كلمات تتطرق لسلطة الدولة المركزية.””
“”اليوم، نجحت الدولة في التحكم بكل جانب في حياتنا. من المهد إلى اللحد تمسكنا في قبضتها بإحكام، أحياناً في صورة الدولة المركزية، وأحياناً أخرى كحكومة ريفية محلية أو إقليمية، وأحياناً ككوميون تابع للدولة، تتتبع كل خطواتنا، تظهر عند زاوية الشارع، تحملنا وتعذبنا””.
“الكوميون الحر” بالنسبة لكروبوتكين هو “الشكل السياسي الذي يجب أن تأخذه الثورة”.
فهو يمجد كوميونة باريس لأن استقلالها الكوميوني كان وسيلة، فيما كانت الثورة الاجتماعية هي الهدف.
كوميونة القرن العشرين لن تكون فقط كوميونالية Communal (الكوميونالية عند موري بوكين Murray Bookchin هي “البعد الديمقراطي للأناركية”، توضيح من المترجم)، بل ستكون شيوعية communist ! ستكون ثورية في السياسة، وكذلك في حقل الإنتاج والتبادل. فإما أن تصبح الكوميونة وبشكل مطلق “حرة لتقيم لنفسها المؤسسات التي تريدها، وتنجز كل الإصلاحات والثورات التي تجدها ضرورية”، أو أنها “ستبقى مجرد فرع للدولة، معرقلـَة في كل أعمالها، دائماً على حافة الصراع مع الدولة، في نضال ستهزم فيه الكوميونة بالتأكيد”. وبالتالي، كانت الكوميونات الحرة بالنسبة لكروبوتكين هي القنوات الضرورية التي من خلالها تستطيع الثورة أن تصل إلى الحد الأقصى من التنمية.
ففدراليته تطمح إلى “” الاستقلال الكامل للكوميونات، والفدرالية بين الكوميونات الحرة، والثورة الاجتماعية داخل الكوميونات، بمعنى تكوين مجموعات إنتاجية متحدة لتحل مكان تنظيم الدولة””.
قال كروبوتكين للفلاحين : “” في وقت من الأوقات، كانت الأرض تعود للكوميون الذي يتكون من أولئك الذين يزرعون الأرض بأيديهم ” ولكن بفضل الاحتيال، والتحرش، والعنف، أصبحت أراضي الكوميونات ملكية خاصة, ولذلك فعلى الفلاحين أن ينظموا أنفسهم في الكوميونات ويسترجعوا تلك الأراضي من أجل وضعها تحت تصرف أولئك الذين يريدون العمل فيها”.
“” ومرة أخرى، هل تحتاجون إلى إنشاء طريق؟ إذاً فإن سكان الكوميونات المتجاورة يمكنهم أن يصلوا إلى اتفاق بينهم ويقوموا بإنشاء طريق أفضل من ذلك الذي قد يقيمه لهم وزير الأشغال العامة.
هل تحتاجون إلى سكة حديدية؟ إذاً فإن الكوميونات المعنية في كل المنطقة ستقيم واحدة أفضل من المقاولين الذين يحصدون الملايين لقاء بناء سكك حديدية سيئة.
ستحتاجون إلى مدارس؟ يمكنكم إنشاؤها بأنفسكم وعلى نحو أفضل مما يقوم به رجال باريس المحترمون. فالدولة لا علاقة لها بكل ذلك؛ فالمدارس، والطرق، والقنوات يمكن بناؤها بشكل أفضل بأيديكم، وبكلفة أقل.””
تلك المقتطفات من كتابه “ملاحظات ثائر” “Paroles d’un revolté” ” تجعل من الواضح أنه في تلك المواقع من كتابه “الاستيلاء على الخبز” “Conquest of Bread” التي قال فيها أن الكوميونات ستوزع البضائع، وكذلك حصص المؤن والحطب، وتنظم المراعي، وتقسم الأراضي، .. إلخ لم يقصد الكوميونات “كفرع من الدولة”، بل كان يقصد الاتحاد الحر للأعضاء المعنيين، والذي قد يكون إما جمعية تعاونية، أو هيئة ً مشتركة، أو ببساطة اتحاداً مؤقتاً لمجموعة من الناس الذين تجمع بينهم حاجة مشتركة.
كروبوتكين ليس قلقاً كثيراً بشأن المخاطر الملازمة للحكم الذاتي للمجموعات الصغيرة، مع أنه يدرك جديتها. وهناك فقرة مميزة له على الموضوع : “” حتى في وقتنا الحاضر، فإن المشاعر الأبراشية (نسبة إلى الابراشية التي كانت مناطق نفوذ رجال الكنيسة والمقصود هنا : النظرة الضيقة أو المحدودة ، توضيح من المترجم) قد تولد الكثير من الغيرة والحسد بين كوميونتين متجاورتين، وتمنع اتحادهما المباشر، بل قد تؤدي إلى النزاعات بينهما. ولكن حتى لو استطاعت تلك الغيرة أن تمنع وبقوة قيام اتحاد فدرالي مباشر بين كوميونتين متجاورتين، فإنه عن طريق المراكز المشتركة الكبيرة، سترسخ تلك الفدرالية نفسها. إن قصبتين (القصبة : وحدة إدارية، توضيح من المترجم) صغيرتين جداً ومتجاورتين اليوم لا يوجد ما يجمعهما بشكل مباشر، والعلاقات القليلة بينهما من الأرجح أن تؤدي إلى الصراع بدلاً من أن تزيد روابط التماسك والتضامن بينهما. لكنهما أصلاً تمتلكان مركزاً مشتركاً بينهما تبقيان من خلاله دائماً على اتصال مباشر، وبدون ذلك المركز لم يكن من الممكن وجودهما أصلاً؛ وبالرغم من كل ذلك الحسد والغيرة الأبراشية ستكونان دائماً مجبرتين على الاتحاد عن طريق المدينة الكبيرة، حيث تتزود كل منهما بالمؤونة وحيث تأخذ كل منهما منتجاتها، فكل منهما ستضطر لتشترك في الاتحاد نفسه -من أجل الحفاظ على علاقاتها مع ذلك المركز التنظيمي- والاتحاد مع غيرها في داخله””.
وهنا نجد مرة أخرى تبسيطاً للمشكلة الفدرالية. ولكن لنحكم على كروبوتكين بعدل، يجب ألا نأخذ في اعتبارنا فقط ما كتبه، بل أيضاً ما لم يكن بإمكانه كتابته. بعض الجمل المتعجلة، وبعض الفجوات، بعض “التبسيط” الزائد للمشاكل المعقدة (وردت في الترجمة الإنجليزية بمعنى “التضخيم” ولكن أعتقد أن هناك خطأ ً لأن الأقرب للمنطق هنا هو أن المراد هو “التبسيط”، المترجم)، كل ذلك لا يعود فقط لطبيعة تفكيره، بل أيضاً للاستحالة الأساسية لتطوير وجهة نظره. فقد كان كروبوتكين يكتب دائماً تقريباً لجرائد مخصصة لقراءة العمال. ولأنه كان ديمقراطياً بعمق، فقد كان دائماً يتطوع للتخلي عن غطاء أو قشرة النظرية، وذلك ليشمر عن ساعديه.
“إيريكومالاتيستا”، والذي كان أيضاً في الأصل منظـّـراً و ومثقفاً، فعل الشيء نفسه. حتى كتيباته لا تمثل تعبيراً كاملاً عن أفكاره، أو شرحاً وافياً لأبحاثه. وهو نفسه يشرح السبب في “مذكراته” : “” كان عليّ أن أوضّح طرازاً جديداً كلياً في تلك الكتيبات. أعترف أنني كنت غالباً أحسد أولئك الكتاب الذيت يمتلكون العدد الذي يريدونه من الصفحات تحت تصرفهم من أجل تنمية أفكارهم، وأولئك الذين كان باستطاعتهم أن يستخدموا عذر ” تاليراند ” (أمير الدبلوماسيين الفرنسي، المترجم) : ” لم يكن لدي وقت لأكون مختصراً ” . في الوقت الذي كان علي أن أكثف فيه عمل عدة شهورعن أصل القانون –على سبيل المثال- لإعداد كراسة صغيرة لا بد من إنهائها، كنت أحتاج وقتاً كثيراً للاختصار””.
واجه كروبوتكين تلك المصاعب الأساسية حتى عام 1884 فقط. أما بعد ذلك، ولمدة ثلاثين سنة تقريباًً، فقد كان قادراً على كتابة كتب مهمة. ولكن في تلك الفترة الأخيرة، كان منظـّراً أكثر من كونه داعية، وكان فكره منشغلاً بشكل أكبر بالأبحاث التاريخية والدراسات العلمية، لذا فإن كتابه “ملاحظات ثائر” يبقى أفضل أعماله الأناركية لحيويته في التعبير، وتماسكه الإديولوجي.
فكّر البعض في قياس موقف كروبوتكين سنة 1914 (المؤيد للحرب ضد الألمان باعتبارها حرباً ضد الدولة، توضيح من المترجم) على موقف باكونين سنة 1871(والمؤيد بشدة لكوميونة باريس، توضيح من المترجم)، فباكونين كان مؤيداً للدفاع الثوري عن فرنسا بعد أن هزمت ثورة باريس الملكية، وكروبوتكين كان أيضاً معارضاً للحكومة الجمهورية في باريس وكان يحث على العصيان المسلح ضدها من أجل الوقوف في وجه الجيش الألماني فقط بثورة الشعب.
وبموقفه المؤيد للحرب، فصل كروبوتكين نفسه عن الأناركية، بل إنه ذهب بعيداً حتى التوقيع على “بيان ال16″ Manifesto of the Sixteen، وهو وثيقة تعتبر النقطة المحددة للتفكك في الأناركيين المؤيدين للحلفاء في الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك أيد “كيرنسكي” في روسيا في موضوع مواصلة الحرب.
رأى كروبوتكين المشكلة الفدرالية مشكلة فنية، وفي كتابه “العلم الحديث والأناركية”Modern Science and Anarchism يصرح أن الإنسان سيكون مجبراً على إيجاد أشكال جديدة من التنظيم للمهام الاجتماعية التي تنجزها الدولة من خلال البيروقراطية وأنه “طالما لم يتم فعل هذا، لن يتم فعل أي شيء”.
ولكنه في حياته –حيث كان مغامراً أحياناً، وعلمياً بصرامة أحياناً أخرى- لم يكن بوسعه أن يطور نظرته الفدرالية بشكل منظم، وتصوره الخاص للأناركية، حيث تكون الروح الحيوية للشعوب جوهر التطور، كان متعارضاً مع تطور أفكاره الفدرالية للمستقبل.
ماذا كان موقف كروبوتكين من الحرب الأوروبية (الحرب العالمية الأولى، المترجم) والثورة الروسية؟ أعتقد أنه من المفيد أن نأخذه بعين الاعتبار لأن فكره الفدرالي ساهم في تكوين موقفه.
كتب كروبوتكين في “مذكراته” : “”الصراع بين الماركسيين والباكونيين لم يكن شخصياً. لقد كان الصراعَ الحتمي بين مبدأ الفدرالية، ومبدأ المركزية؛ بين الكوميونات الحرة، وحكومة من قبل الدولة؛ بين الفعل الحر لجماهير الشعب الدافع باتجاه تحررهم، والملاءمة القانونية للرأسمالية الحالية؛ صراع بين الروح اللاتينية والروح الألمانية””. فعند نشوب الحرب، اعتبر كروبوتكين فرنسا مودع الروح اللاتينية أو الثورية، فيما اعتبر ألمانيا نموذجاً على انتصار عبادة الدولة أو على الرجعية. كان موقفه موقف “المدافعين عن الديمقراطية”.
وفي البداية انضم إلى الشوفينيين من الحلفاء واقعاً مثل “جيمس غيلوم” في المبالغة.
ولكن المرء يرى في موقفه المنحاز رسوخاً لعقيدته الفدرالية. فقد عارض ألمانيا لأنه رأى فيها تهديداً للإدارة الذاتية للناس ولمبادئ اللامركزية. وفي رسالته إلى البروفيسور السويدي ج. ستيفان ( Freedom, October 1914 ) أعلن :
“” بالنسبة لدول أوروبا الشرقية، وخصوصاً روسيا، كانت ألمانيا الداعم والحامي الأساسي للرجعية. التسلط العسكري البروسي، المؤسسة المصطنعة للتمثيل الشعبي الممنوح من قبل الرايخستاغ الألماني، البرلمانات الإقطاعية للأجزاء المتباعدة من الإمبراطورية الألمانية، والمعاملة السيئة للقوميات المقهورة في “الألساس”، وخصوصاً بولندا البروسية، حيث كان البولنديون يعاملون بنفس السوء الذي كانوا يعاملون به في روسيا –دون احتجاج من الأحزاب السياسية التقدمية – تلك الثمار للإمبريالية الألمانية كانت الدروس التي علمتها ألمانيا الحديثة – ألمانيا بسمارك – لجيرانها، وأهمها الحكم المطلق الروسي. هل كان ذلك الحكم المطلق الاستبدادي قادراً على أن يحافظ على نفسه كل تلك المدة في روسيا، أو هل كان سيجرؤ أصلاً على تلك المعاملة السيئة التي كان يعامل بها البولنديين والفنلنديين، لو لم يستطع أن ينتج نموذج “ألمانيا المتحضرة” وإذا لم يكن واثقاً من حماية ألمانيا ؟””
واستبق كروبوتكين الانتقاد التالي : “وهل نسيت الأوتوقراطية الروسية؟” (أي كيف تقف مع النظام المستبد في روسيا في الحرب، توضيح من المترجم) بقوله :
“” لا أحد يتصور أنه بعد الحرب القائمة، التي اجتمعت فيها كل الأحزاب الروسية ضد العدو المشترك، سيكون من الممكن العودة مرة أخرى إلى الأوتوقراطية السابقة، ذلك مستحيل طبيعياً. الذين قاموا بدراسة جدية على الحركة الثورية في روسيا سنة 1905 يعرفون ماذا كانت الأفكار المهيمنة خلال مجلسي الدوما الأول والثاني اللذين تم انتخابهما في أوضاع حرة نسبياً. وهم يعلمون بالتأكيد أن الحكم الذاتي لجميع القطاعات التي تشكل الإمبراطورية كان السياسة الجوهرية لكل الأحزاب الليبرالية والراديكالية. ولكن يوجد ما هو أكثر من ذلك، فقد حققت فنلندا ثورتها في شكل حكم ذاتي ديمقراطي، وقام مجلس الدوما بالمصادقة عليه.
علاوة على ذلك، فإن الذين يعرفون روسيا والنزعات الأخيرة هناك يفهمون بالتأكيد أنّ “الأوتوقراطية القديمة لن يعاد تأسيسها بنفس شكل ما قبل 1905، وأن الدستور الروسي لن يكون قادراً أبداً على أخذ شكل إمبريالي وانتحال نفس روح النظام البرلماني الألماني”. وفي رأينا، وحسب معرفتنا بروسيا، فإننا مقتنعون أن روسيا لن تصبح أبداً عدوانية ومحبة للحروب مثل ألمانيا. ليس فقط لأن التاريخ الروسي بأكمله يظهر ذلك، ولكن الأسلوب الذي تشكل به الاتحاد الروسي يحول دون تطور الروح الحربية في المستقبل القريب جداً.””
بالنسبة لكروبوتكين، كانت روسيا بلاد “المير”، البلاد التي أتاحت له ميداناً واسعاً لملاحظة نتائج واحتمالات “المبادرة الفردية” على جزء من الناس.
الحرب الأوروبية سحبته بعيداً عن عائلته السياسية؛ الحركة الأناركية. وأعادته إليها مرة أخرى ثورة أكتوبر في روسيا.
حارب كروبوتكين –حتى في كتاباته المبكرة- ضد التوهم بأن المجتمعات الثورية السرية قادرة – حالما يتم القضاء على الطغيان القيصري- على أن تستبدل بالجهاز البيرواقراطي المهزوم إدارةً جديدةً تتكون من الثوريين النزيهين والمبدئيين؛ “” آخرون .. أولئك الحريصون على صنع أسام ٍ لهم بينما يعمل الثوريون في الظلام أو يهلكون في سيبيريا؛ آخرون .. المخادعون، الديماغوجيون، المحامون، أهل الكلام، الذين نادراً ما ذرفوا دمعة سريعة الجفاف عند ضريح الأبطال، ويبدون كأصدقاء للشعب… هؤلاء هم الذين سيحتلون المقاعد الخالية في الحكومة، وسيصرخون “تراجعوا!” على الأشخاص المغمورين الذين جاؤوا بالثورة””.
نبوءة كروبوتكين تلك هي ما عاناه الناس بالفعل في روسيا وبشكل كبير، وقد كان صاحبنا في المعارضة، وهي معارضة كان من الممكن أن تكون لها أصداء مهمة لو لم يفسد دعمه المفرط للحرب هيبته السياسية.
في مقابلة أجراها معه أوغسطين ساوتشي Augustin Souchy (أناركي ألماني، المترجم) نشرتها الجريدة الأسبوعية الأناركية Erkenntnis Befreiung في فيينا، قال كروبوتكين: “”يجب أن تكون لدينا مجالس كوميونية.وعليها أن تعمل باستقلالية. عليها، على سبيل المثال، أن تضمن أنه في حالة الحصاد ضعيف، لا يفتقد الناس ضروريات الحياة الأساسية. الحكومة المركزية، في هذه الحالة، هي جهاز ثقيل ومرهق بشدة، بينما في المقابل، قد يشكل اتحاد لهذه المجالس مركزاً مهماً””.
وفي مقابلته مع أرماندو بورغي Armando Borghi (أناركي إيطالي، المترجم) شدد كروبوتكين على الدور الكبير للنقابات كخلايا للثورة الاجتماعية ذاتية الحكم والمضادة للسلطات. وفي بعض رسائله (23 ديسمبر 1920) الموهجة إلى الأناركي الهولندي De Rejger، والتي نشرت في نشرة Vrije Socialist، كتب كروبوتكين : “إن الثورة الاجتماعية في روسيا أخذت للأسف طابعاً مركزيا سلطوياً”.
آراء كروبوتكين في الثورة الروسية تظهر في رسالته إلى العمال الغربيين، التي أعطيت للآنسة بونفيلد Miss Bonfield في 10 حزيران، 1920 عندما جاءت مع مندوبين آخرين عن حزب العمال لزيارته في مأواه في ديميتروف. هذه الرسالة وثيقة بارزة في تاريخ الثورة الروسية.
أشار كروبوتكين إلى أنه إذا اعترف المرء بأن محاولات إقامة مجتمع جديد من خلال دكتاتورية البروليتاريا محكومة بالفشل، فإنه لا يستطيع أن ينكر مع ذلك أن الثورة قدمت تصورات جديدة إلى الحياة الروسية عن الوظائف الاجتماعية وعن حقوق العامل، وكذلك عن واجبات المواطن كفرد، وعبر عن فكرته بانتقاد واضح ومبدئي للبلشفية كدكتاتورية حزبية وحكومة مركزية.
أول المشكلات العامة هي التي تتعلق بالقوميات المختلفة التي تشكل روسيا. وحول هذا الموضوع يكتب كروبوتكين:
“” إن إعادة تأسيس العلاقات بين الأمم الأمريكية والأوروبية وروسيا يجب ألا يعني قبول تفوق الأمة الروسية على الأمم التي كانت الإمبراطورية الروسية القيصرية تتكون منها.
روسيا الملكية ماتت ولن تعود إلى الحياة مجدداً. ومستقبل الأقاليم المتنوعة التي كونت الإمبراطورية سيكون موجهاً نحو اتحاد ضخم. والأقاليم الطبيعية للقطاعات المختلفة للاتحاد لا تختلف بأي حال من الأحوال عن تلك المألوفة لنا من تاريخ روسيا، في إثنوغرافيتها وحياتها الاقتصادية. كل المحاولات لجمع الأجزاء المكونة للإمبراطورية الروسية، مثل فنلندا، مقاطعات البلطيق، ليتوانيا، أوكرانيا، جورجيا، أرمينيا، سيبيريا، وغيرها، تحت سلطة مركزية محكومة بالفشل المؤكد. مستقبل ما كان في السابق الإمبراطورية الروسية سيتوجه نحو اتحاد بين وحداته المستقلة.
وبالتالي فسيكون من ضمن اهتمامات كل الشعوب الغربية ضرورة إعلان اعترافهم –قبل كل شيء- بحق كل جزء من الإمبراطورية الروسية السابقة في حكم نفسه.””
لكن فدرالية كروبوتكين تذهب إلى أبعد من اقتراحه بالحكم الذاتي الإثنوغرافي. فهو يشير إلى ضرورة أن نتوقع –وليس في المستقبل البعيد- “”وقتاً يصبح فيه كل عنصر في الاتحاد اتحاداً في حد ذاته، اتحاد حر من الكوميونات الريفية والمدن الحرة، وإنني أؤمن أيضاً أن أوروبا الغربية ستسير أيضاً في هذا الاتجاه.””
ثم يأتي تلخيص للتكتيكات الثورية للفدرالية الذاتية ونقد لعبادة الدولة المركزية عند البلاشفة :
“”إن الثورة الروسية – التي هي استمرار للثورتين العظيمتين الإنجليزية والفرنسية- تكافح لتتقدم إلى ما هو أبعد من النقطة التي وقفت عندها الثورة الفرنسية عندما وصلت إلى فكرة “المساواة الحقيقية”، أو بمعنى آخر المساواة الاقتصادية.
وللأسف، فإن هذه المحاولة تتم في روسيا تحت الدكتاتورية بالغة المركزية للحزب البلشفي. المحاولة نفسها قام بها فرانسوا بابوف Babeuf وأتباعه، محاولة مركزية ومتطرفة. وينبغي أن أعترف بصراحة أن هذه المحاولة لبناء جمهورية شيوعية على أساس دولة مركزية، وتحت صرامة قوانين حزبية، تبرهن في رأيي على فشل كبير.
التجربة الروسية تعلمنا كيف أن “الشيوعية يجب ألا يتم فرضها”، حتى على الناس المرهقين من النظام السابق، والعاجزين عن تقديم أي مقاومة فعالة ضد تجربة الحكام الجدد. إن فكرة السوفييتات، أو مجالس العمال “والفلاحين” -والتي تم التبشير بها خلال تجربة 1905 الثورية وتحققت بالكامل في فبراير 1917- كانت فكرة رائعة. وحقيقة أن هذه المجالس يجب أن تسيطر على الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد تفترض أنها يجب أن تتكون من جميع أولئك الذين يشتركون شخصياً في إنتاج الثروة الوطنية.
ولكن طالما ظلت البلاد خاضعة لدكتاتورية الحزب، فمن الواضح أن مجالس العمال والفلاحين لا بد أن تفقد كل معناها. فدورها سيختزل إلى الدور السلبي الذي كان يتمثل في الماضي بالمجلس العمومي أو البرلمان، الذي يدعى للاجتماع من قبل الملك، ويتوجب عليه أن يجاري مجلساً ملكياً كامل القوة ويواكبه.
إن مجلس العمال لا يمكن أن يكون جسماً استشارياً حراً ومؤثراً عندما يفتقر إلى حرية التعبير، وهو موقف كان سارياً في روسيا طوال السنتين الماضيتين، بحجة وجود حالة حرب. وحين تقام الانتخابات تحت الضغط الاستبدادي لحزب، فإن مجالس العمال “والفلاحين” تفقد قوتها التمثيلية. هناك محاولات لتبرير ذلك الوضع بالقول أن القانون الدكتاتوري ضروري لمحاربة النظام السابق. لكنه يشكل خطوة إلى الخلف فيما يتعلق ببناء مجتمع جديد على أسس اقتصادية جديدة. إنه بمثابة حكم بالموت على إعادة البناء.
إن الأساليب المستخدمة لهزيمة حكومات ضعيفة أصلاً والاستيلاء على سلطتها معروفة من التاريخ القديم والحديث. ولكن عندما يتطلب الأمر إعادة البناء انطلاقاً من تصورات جديدة للحياة، تحديداً فيما يتعلق بالإنتاج وتبادل السلع، دون وجود أية نماذج سابقة لتكون دليلاً أو مرشداً، وحين يتوجب حل كل مشكلة في وقت قصير، عندها فإن حكومة بالغة المركزية وكاملة القوة من النوع الذي يهتم بأصغر التفاصيل ستكون عاجزة عن فعل ذلك بنفسها من خلال موظفيها. ومهما كان عددهم كثيراً، سيكونون عائقاً. والنتيجة هي جهاز بيروقراطي هائل يصبح النظام الفرنسي -الذي يتطلب تدخل أربعين موظفاً لبيع شجرة عصفت بها الرياح إلى الطريق- غير جدير بالذكر إذا ما قورن به. وبالنسبة لكم، يا عمال الغرب، فإنكم تستطيعون بل يجب عليكم أن تحولوا دون حدوث ذلك بكل الوسائل المتاحة لكم، لأنكم جميعاً يجب أن تحرصوا على إنجاح الثورة الاجتماعية.
إن أعمال إعادة البناء الهائلة التي تتطلبها الثورة الاجتماعية لا يمكن تحقيقها عن طريق حكومة مركزية، حتى ولو –كموجهة لهذا العمل- كان لديها ما هو مادي وفعلي أكثر من بضع كتيبات اشتراكية وأناركية.
المطلوب هو أن تمتلك جماهير القوى المحلية المعرفة، والحنكة، وإرادة التعاون، وبذلك فقط يمكن التغلب على المصاعب الناشئة من المشاكل المحلية المختلفة.
إن وضع التعاون جانبا والتعويل على العباقرة من دكتاتوريي الحزب هو مرادف لتدمير المجموعات المستقلة مثل النقابات التي تسمى اتحادات الحرفيين في روسيا، والجمعيات التعاونية للمستهلكين المحليين، وتحويلها إلى أعضاء بيروقراطية للحزب كما يجري في الوقت الحاضر. وهذا ليس الطريق لتحقيق الثورة، بل الطريق لجعل تحقيقها مستحيلاً. ولهذا السبب، أعتبر من واجبي أن أنصحكم بعدم اتخاذ هذا الخط في العمل نهائياً.””
(انتهى كلام كروبوتكين، المترجم)
هذه هي آراء كروبوتكين في الثورة الروسية، والأسس التي انطلق منها في دعوته. وهذه هي الأفكار التي أحيت ولا تزال تلهم المعارضة الأناركية في روسيا.
توفي كروبوتكين المسن، المريض والمعدم، خلال فترة من السكون، بعد محاولته إدارة حركة فدرالية، ولكن دون أن يتمكن من تحقيق أي شيء بسبب حرمانه من الحرية، ولأن تأييده المفرط للحرب العالمية أفسد كل هيبته السياسية.
لكن المشكلة الفدرالية، في مجال القوميات وكذلك في مجال التنظيم السياسي والاقتصادي هي المشكلة الجوهرية في روسيا. عندما تتمكن التجربة والمعارضة من إبعاد الشيوعيين الروس بشكل مؤكد عن مشاريعهم النظرية، وعندما يخطو اتحاد المنظمات الروسية خطواته الأولى في طريق الثورة الجديدة، ستنهض شخصية بيتر كروبوتكين إلى قامتها الحقيقية الكاملة، وستلهم أفكاره إعادة البناء الجديدة.
في فدرالية كروبوتكين، هناك تفاؤل زائد، هناك تبسيطات وتناقضات، لكن هناك أيضاً حقيقة عظيمة : أن الحرية هي شرط للحياة والتنمية لكل الناس؛ أنه فقط حيث يحكم الشعب نفسه ولنفسه، سيكون أمانه من سوط الطغيان، وتقدمُه المؤكد.
إن رجال الدين اليهود والبوذيين والمسيحيين والمسلمين قد لجؤوا إلى الإلهام الإلهي للتمييز بين الخير والشر. وقد رأوا أن الإنسان، سواء كان بدائياً أو متحضراً، جاهلاً أو متعلماً، فاسداً أو طيباً ومخلصاً، يعرف دائماً ما إذا كان يفعل الخير أو الشر، وخصوصاً إذا كان يفعل الشر. ولما لم يجدوا أي تفسيرات لذلك الادعاء العام، فقد ردوه إلى الوحي الإلهي. الفلاسفة الميتافيزيقيون، من جانبهم، قد أخبرونا عن الضمير، عن ذلك ” الملزم” الخفي، و هم في النهاية لم يغيروا شيئاً سوى الكلمات.
لكن أياً من أولئك لم يستطع تقدير الحقيقة البسيطة الساطعة وهي أن الحيوانات التي تعيش في مجتمعات قادرة أيضاً على التمييز بين الخير والشر، تماماً كما يفعل الإنسان. وعلاوة على ذلك، فإن مفاهيمها عن الخير والشر لها نفس طبيعة مفاهيم الإنسان عنها.
بل إن الكائنات الأكثر تطوراً في الرتب المختلفة ، — الأسماك، الحشرات، الطيور، الثدييات،– تتطابق مع بعضها في ذلك.
لقد أظهر”فوريل”، ذلك الباحث الفذ عن النمل، عن طريق عدد ضخم من الملاحظات والحقائق أنه عندما تقابل نملة ذات حصاد مملوء بالعسل نملات أخرى فارغة البطون، فإن تلك النملات تطلب منها على الفور أن تطعمها. وفي ما بين هذه الحشرات الصغيرة، يكون واجب النملة الشبعانة أن تفرغ العسل الذي بحوزتها حتى يصل أصدقاؤها الجوعى إلى الشبع أيضاً.
اسألوا النمل إذا كان من الصواب أن ترفض النملة إعطاء الطعام لنملات أخريات من نفس كثيب النمل عندما تكون قد أمنت حصتها. سيجيبونك، بسلوك لا يخطئ أبداً، أن ذلك سيكون خطأً كبيراً. فالنملة الأنانية جداً تتم معاملتها بقسوة أكبر من القسوة على الأعداء من الأجناس الأخرى. وإذا حدث شيء كهذا أثناء معركة بينهم وبين نوع آخر من الأجناس، فإن النمل سيتوقف عن القتال لينهال على العضو الأناني. هذه الحقيقة تم إثباتها عن طريق تجارب لم تدع مجالاً للشك.
أو مرة أخرى، اسأل العصافير التي تعيش في حديقتك إذا كان من الصواب لعصفور عدم تنبيه سائر مجتمع العصافير الصغير عندما يلقى إليه بعض فتات الخبز حتى تأتي بقية العصافير لمشاركته في الوجبة. اسألهم هل كان عصفور السياج ذاك على حق عندما سرق من عش جاره تلك القشات التي جمعها جاره بنفسه، وكان هو أكسل من أن يذهب لجمعها كما فعل جاره. ستجيبك العصافير بأنه كان مخطئاً جداً، بطيرانها إلى السارق ونقره.
أو اسأل المراميط (نوع من القوراض، المترجم) إذا كان من الصواب أن يرفض أحدها أن يأذن للمراميط الأخرى من نفس الجماعة بالدخول إلى مخزنه تحت الأرض. سيجيبونك بأن ذلك خطأ فادح، بالتشاجر بكل السبل مع ذلك البخيل.
وأخيراً، اسأل الإنسان البدائي إذا كان من الصواب أن يأخذ الطعام من خيمة فرد آخر من القبيلة أثناء غيابه. سيجيبك بأنه طالما كان قادراً على الحصول على طعامه بنفسه، فذلك سيكون خطأ ً كبيراً. ومن ناحية أخرى، إذا كان متعباً أو محتاجاً، فلا بد له من أخذ الطعام حيثما يجده، ولكن في هذه الحالة فإن من الأفضل له أن يترك قبعته أو سكينه أو حتى جزءاً من خيط معقود، حتى يعلم الصياد الغائب عند عودته بأن ثمة صديقاً كان في الأرجاء، لا سارقاً. فاحتياط من هذا النوع سيوفر على صديقه القلق من وجود محتمل لبعض الغزاة بجوار خيمته.
يمكن الاستشهاد بآلاف الحقائق المشابهة، ويمكن تأليف كتب كاملة، لإظهار مدى تطابق المفاهيم عن الخير والشر بين البشر وسائر الحيوانات.
إن النملة، والعصفور، والمرموط، والبدائي لم يقرأوا لا ل”كانت” ولا لآباء الكنيسة ولا حتى لموسى. ومع هذا فإن لديهم جميعاً نفس الفكرة عن الخير والشر. ولو تأملت لبرهة في ما يقع تحت هذه الفكرة، سترى بشكل مباشر أن الفعل الذي يعتبر خيراً عند النمل، والمراميط، و الأخلاقيين المسيحيين أو الملحدين هو ذلك الفعل المفيد للحفاظ على النوع؛ وأن ذلك الفعل الذي يعتبر شريراً هو ذلك الفعل الذي يضر بالحفاظ على النوع، ليس بالنسبة للفرد، كما يقول بنتام وميل (فيلسوفان نفعيان، المترجم) بل بحسب الأعدل والأفضل للنوع كله.
إن فكرة الخير والشر إذاً لا علاقة لها بالدين أو الضمير الخفي. إنها حاجة طبيعية للأجناس المختلفة من الحيوانات. وعندما يحدثنا مؤسسو الأديان، والفلاسفة، والأخلاقيون عن كيانات غيبية أو إلهية، فهم يقومون فقط بإعادة تشكيل لما تمارسه كل نملة وكل عصفور في مجتمعه الصغير.
هل هذا الشيء مفيد للمجتمع؟ إذاً فهو جيد. هل هو مضر؟ هو سيء إذاً.
قد تكون هذه الفكرة محصورة وضيقة عند الحيوانات الأدنى، ويمكن أن تكون أوسع عند الحيوانات الأكثر تطوراً، لكن جوهرها يبقى نفسه دائماً.
فبالنسبة للنمل، لا يتعدى تطبيق ذلك المبدأ حدود الكثيب. فكل الأعراف الاجتماعية، وكل قواعد السلوك الجيد هي مطبقة فقط على الأفراد داخل الكثيب الواحد، وليس على أي أحد آخر. فأي كثيب معين لن يعتبر أن كثيباً آخراً ينتمي للعائلة نفسها، إلا في حالات استثنائية، كأن تصيبهما معاً محنة مشتركة. والعصافير في “حدائق لوكسمبرغ” في باريس، بالطريقة نفسها، ومع أنها ستتبادل المنافع مع بعضها البعض بطريقة ملفتة، ستتشاجر حتى الموت مع عصفور آخر من “ساحة مونغ” (ساحة في باريس، المترجم) جازف بالمجيء إلى حدائق لوكسمبرغ. وكذلك الإنسان البدائي سينظر إلى البدائي من قبيلة أخرى كشخص لا تطبق عليه معاملة أفراد قبيلته هو. بل قد يسمح لنفسه بأن يبيع له، و”أن يبيع” يعني دائماً أن يسرق المشتري بشكل ما؛ فالبائع أو المشتري، أحدهما دائماً يتعرض للاحتيال. لكن البدائي سيعتبر البيع لأفراد قبيلته جريمة، إذ أنه يعطي لهم من دون حساب.
أما الإنسان المتحضر، فعندما يدرك في النهاية العلاقات بينه وبين الإنسان البسيط، تلك الروابط القوية التي قد لا يدركها للوهلة الأولى، فإنه سيوسع عمله بمبادئه في التضامن والتماسك لتشمل كل الجنس البشري، بل حتى الحيوانات. فالفكرة تتوسع، لكن أساسها يبقى نفسه.
من ناحية أخرى فإن إدراك الخير أو الشر يختلف تبعاً لدرجة الذكاء أو المعرفة التي تم تحصيلها. وليس هناك شيء غير قابل للتغيير بالنسبة لهذا الإدراك.
ربما كان الإنسان البدائي قد فكر أنه من الصائب جداً – أي من النافع بالنسبة للنوع – أن يأكل أبويه المسنين عندما يصبحان عبئاً ثقيلاً جداً على المجتمع. وربما فكر أيضاً أنه من النافع للمجتمع أن يقتل أطفاله حديثي الولادة، وأن يبقي طفلين أو ثلاثة في كل أسرة، حتى يتسنى للأم أن ترضعهم إلى أن يصلوا سن الثلاث سنوات وتمنحهم المزيد من حنانها.
في أيامنا هذه تغيرت الأفكار، ولم تعد الوسائل اللازمة للبقاء كما كانت في العصر الحجري. فالبشر المتحضرون ليسوا في موقع العائلة البدائية التي كان عليها أن تختار بين رذيلتين : إما أكل الآباء المسنين، أو البقاء دون تغذية كافية حتى يصبحوا عاجزين عن إطعام أي من الآباء المسنين أو الأطفال الصغار. إن علينا أن ننقل أنفسنا إلى تلك العصور -التي يصعب علينا كثيراً أن نستحضرها في عقولنا- قبل أن نتمكن من تفهّم أن الإنسان نصف البدائي، في ظل الظروف التي كانت موجودة حينها، ربما فكر بمنطق كاف بالنسبة له.
إن أساليب التفكير قد تتغير. وتقدير ما هو نافع أو ضار بالنسبة للنوع يتغير، لكن الأساس يبقى ثابتاً. وإذا أردنا أن نلخص كل فلسفة المملكة الحيوانية في جملة واحدة، فعلينا أن نرى أن النمل والطيور والمراميط والبشر يتفقون جميعاً على نقطة واحدة.
إن المبدأ الأخلاقي الذي يتأتى من ملاحظة المملكة الحيوانية كلها يمكن تلخيصه بما يلي : “عامل الآخرين كما تريد منهم أن يعاملوك في الظروف نفسها”. وإضافة إلى ذلك : ” تذكر أن هذه مجرد نصيحة، لكن هذه النصيحة هي ثمرة تجربة الحيوانات الطويلة في المجتمع. وقد أصبح اعتيادياً عند ذلك العدد الضخم من الحيوانات الاجتماعية، بما فيها الإنسان، التصرف وفق هذا المبدأ. ومن المؤكد أنه من دون ذلك ما كان أي مجتمع ليحافظ على وجوده، ولم يكن أي نوع ليتمكن من التغلب على العوائق الطبيعية التي كان عليه أن يكافحها”.
إننى أنحو للاتفاق مع هؤلاء الذين يرون فى الأناركية ميلا فى تاريخ الفكر الانسانى والممارسة البشرية, ميلا لا يمكن حصره داخل نظرية عامة فى الأيديولوجية, تكافح من اجل تحديد وفضح الأبنية الاجتماعية الجبرية التسلطية متعددة المراتب الكهنوتية, وذلك عن طريق وضع علامات استفهام حول مشروعيتها: وفى حالة عدم تمكن هذه الأبنية من الرد على هذا التحدى, وعلى الأرجح هذا هو المنتظر, تصبح الأناركية حينئذ هى الجهود التى تقلص سلطانهم وتوسع من آفاق الحرية.وهى لذلك, الأناركية, ظاهرة اجتماعية يتغير محتواها بالإضافة إلى مظاهر نشاطها السياسى مع الوقت. هناك طابع وحيد ذو طبيعة خاصة يرتبط بالأناركية, وهو أنها على عكس كل الأيديولوجيات الكبرى لا يمكن أن يتأتى لها وجود ثابت ومستمر على الأرض من خلال كونها سلطة حكومية أو لكونها جزء من النظام السياسى. يأتى تاريخها وسماتها المعاصرة من عامل آخر – إنها موجات من الكفاح السياسى. ونتيجة لذلك, تمتلك الأناركية ميلا نحو “تعاقب الأجيال”, بمعنى انك تستطيع أن تحدد فى تاريخها موجات محددة المعالم جدا, طبقا لفترة الكفاح التى تشكلت فيها. ولكن من الطبيعى, كما مع كل محاولة أخرى لصياغة المفاهيم, محاولتى هنا أيضا سوف يشوبها التبسيط. على الرغم من هذا, فإننى أتعشم أن تكون محاولتى مفيدة لفهم هذه الظاهرة الاجتماعية.تاريخيا, تشكلت الموجة الأولى من خلال الصراع الطبقى فى أوروبا فى أواخر القرن التاسع عشر, وكان جناح “باكونين” فى الأممية الأولى هو ممثلها النظرى والعملى. تصاعدت بدايات المرحلة حتى عام 1848, وبلغت ذروتها مع كوميونة باريس (1871), وترنحت خلال ثمانينات القرن التاسع عشر.إنها شكل جنينى تماما للأناركية, تخلط معا ما بين الميول المناهضة للدولة, والمناهضة للرأسمالية, والإلحاد, بينما تحافظ بشكل أصيل على اعتمادها على العمالة الصناعية الماهرة فى المدن كعامل ثورى. “باكونين”, هذا الحالم المهيب, الذى كان “ديناميت وليس بشرا”, الذى هتف فى عام 1848, “يجب إنقاذ سيمفونية بيتهوفن التاسعة من نيران الثورة العالمية حتى ولو دفع الواحد حياته ثمنا لها”.باكونين ترك لنا من ضمن تراثه واحدة من أجمل وربما أدق التوصيفات لواحدة من الأفكار الرائدة داخل التقاليد الأناركية:”أنا عاشق متعصب للحرية, معتبرا إياها الشرط الفريد الذى تنمو وتتطور فى ظله الألمعية والكرامة والسعادة الإنسانية, ولا اقصد الحرية الشكلية تماما, التى تمنحها وتنظمها وتضبطها الدولة, تلك الكذبة الخالدة التى لا تمثل فى الواقع شيئا آخر أكثر من امتيازا للبعض مؤسس على عبودية الآخرين؛ الحرية التى اعنيها ليست هى الحرية الفردية, الأنانية, الرثة, الخيالية, التى تمجدها مدرسة جان جاك روسو, ومدارس البرجوازية الليبرالية الأخرى, التى تعتبر الحقوق المفترضة لكل الرجال, ممثلة فى الدولة التى تفرض لكل منا حدودا للحقوق التى نملكها – – تلك الفكرة التى تنتهى لا محالة إلى أن تجعل من هذه الحقوق صفرا. لا, إنني أعنى النوع الوحيد من الحرية, التى تستحق أن تسمى بهذا الاسم, الحرية التى تتشكل من التنمية الكاملة للقوى المادية والذهنية والأخلاقية الكامنة فى كل شخص منا؛ الحرية التى لا تكبحها أى قيود سوى تلك الكوابح التى تحتمها قوانين طبيعتنا الفردية, والتى بالطبع لا يمكن النظر إليها كقيود حيث أن هذه القوانين لم يفرضها علينا أى مشرع خارجى يقف على حد المساواة معنا أو فى مرتبة اعلى منا, ولكنها عوامل موروثة فينا ومستمرة معنا, تشكل الأساس المباشر لكينونتنا المادية والعقلية والأخلاقية – – فهى عوامل لا تقيدنا ولكنها شروط حقيقية ومباشرة تشكل حريتنا”. شهدت الموجة الثانية, من تسعينات القرن التاسع عشر حتى الحرب الأهلية الروسية, إزاحة واضحة لمركز الحركة من أوروبا الغربية إلى أوروبا الشرقية وأصبحت لذلك تعطى اهتماما أوضح للفلاحين. ولهذا كانت شيوعية “كروبتكين” الأناركية, بشكل نظرى, هى السمة الغالبة. بلغت المرحلة قمتها مع جيش “ماخنو” (جيش أسسه الأناركيون الروس من الفلاحين والعمال أثناء الثورة الروسية عام 1917 – المترجم) وانتقلت بعد انتصار البلشفية إلى أوروبا الوسطى داخل التيارات التى كانت تعمل تحت السطح. تركزت الموجة الثالثة, من عشرينات القرن العشرين حتى أواخر الأربعينيات, فى وسط وغرب أوروبا مرة ثانية, وحصرت توجهها مرة أخرى نحو الطبقة العاملة الصناعية. نظريا, كان ذلك ذروة النقابية الأناركية, أكثر الأعمال قام بها المنفيون الروس الذين طردتهم الثورة البلشفية من روسيا. ومن هذه اللحظة, بات التباين بين النوعين الرئيسيين فى التقاليد الأناركية واضحا للعيان: الشيوعية الأناركية, التى يمكن أن نعتبر, على سبيل المثال, أن “كروبتكين” تمثلها – وعلى الجانب الآخر, تقاليد النقابية الأناركية التى, ببساطة, ترى فى الأفكار الأناركية النمط السليم والصالح لتنظيم المجتمعات الصناعية المتقدمة, عالية التعقيد. يندمج مثل هذا التيار الأناركى, ويتشابك عن طريق علاقات بتلاوين من الجناح اليسارى فى الماركسية, وهو النوع الذى يجده المرء, قل مثلا, فى شيوعيى المجالس, الذين بزغوا من التقاليد اللكسمبرجية, والذين مثلهم لاحقا, بصيحات مثيرة جدا, منظرون ماركسيون مثل انطون بانيكوك.بعد الحرب العالمية الثانية, شهدت الأناركية هبوطا عاما كبيرا نتج بسبب إعادة بناء أوروبا وظهرت على السطح فقط وبشكل هامشى فى أشكال الكفاح المناهض للإمبريالية فى الجنوب, الذى كانت تغلب عليه, بالرغم من ذلك, نفوذ الاتجاهات الموالية للسوفييت. نضالات الستينات والسبعينات لم تشهد بروزا جديا للأناركية, التى كانت لا تزال محملة بأثقال تاريخها, ولم تستطع التكييف مع اللغة السياسية الجديدة التى لا تبنى كلامها على صراع الطبقات. ولهذا فأنت تجد نزعات أناركية فى مجموعات شديدة التنوع بدءا من الجماعات المناهضة للحرب, والحركة النسوية, والسود الخ, ولكنك لا تجد جماعة منهم فى حد ذاتها تصف نفسها ايجابيا بالأناركية. فمن الواضح أن الجماعات الأناركية فى هذا الوقت كانت لا أكثر ولا اقل من تقرير معاد للموجتين السابقتين (النقابيين الثوريون والشيوعيون), وكانت شديدة الانعزالية – فبدلا من الانخراط مع هذه الأشكال الجديدة من التعبير السياسى انغلقوا على أنفسهم, وعادة ما اقروا مواثيق غاية فى الجمود مثل الأناركيين الذين يسمون بـ “البرنامجيين” ذوى التقاليد الماخنوية. لذا, هذا هو الجيل “الشبح” الرابع.بالوصول إلى الزمن الحاضر, نجد لدينا جيلين يتعايشا داخل الأناركية: أهل الستينات والسبعينات التى شكلتهم سياسيا (والتى كانت فعلا إعادة تجسيد للموجة الثانية والثالثة), والشباب الأكثر معرفة, من بين عناصر أخرى, بالسكان الأصليين, ومناصرى قضايا المرأة, ودعاة البيئة, وأصحاب التفكير النقدى للثقافات. تواجد السابقون كإتحادات فدرالية أناركية, مثل الـ IWW, والـ IWA, والـ NEFAC, وأشباههم. أما تجسيد اللاحقين فهو أكثر بروزا فى شبكات عمل الحركة الاجتماعية الجديدة. ومن منظورى الخاص, تأتى منظمة “حركة الشعوب الكوكبية” Peoples Global Action, كالكيان الرئيسى فى تيار الجيل الخامس من الأناركية. ما يثير الاضطراب أحيانا هو أن واحد من الملامح الشخصية لتيار الأناركية المعاصر يتسم بأن أفراده والجماعات المكونة له لا ينسبون أنفسهم عادة إلى الأناركية. هناك بعضهم ممن يلتزم بمبادئ الأناركية حرفيا فى كونها ضد الحلقية ومع التنظيمات المفتوحة لدرجة أنهم فى بعض الأحيان يتحرجون من تسمية أنفسهم “أناركيون” لنفس هذه الأسباب.ولكن بالتأكيد تبقى المكونات الثلاث الجوهرية التى تسرى على طول الخط فى صميم الإيديولوجية الأناركية – مناهضة الدولة, ومناهضة الرأسمالية, والسياسات المجازية (أى أنماط التنظيم التى تشبه بشكل واعى العالم الذى تريد خلقه. أو, كما صاغها مؤرخ أناركى للثورة فى أسبانيا “محاولة تخيل ليس فقط الأفكار ولكن أيضا تخيل حقائق المستقبل نفسه”.) هذا الأمر قائم فى أى شيئ من أول التعاونيين المفروضين Jamming Collectives وحتى الإعلام المستقل Indy media, كل هؤلاء نستطيع أن نقول أنهم أناركيون مع الوضع فى الاعتبار أننا نقصد أشكال جديدة. هناك درجة محدودة من الالتقاء بين الجيلين المتجاورين القائمان معا, وهى غالبا ما تأخذ شكل متابعة كل منهما لما يفعله الآخر – ولكن ليس أكثر من ذلك.الإشكالية الأساسية التى تتغلغل فى كيان الأناركية المعاصرة, بناءا على ذلك, هى تلك الإشكالية التى تقوم بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الحديثة للأناركية. فى كلا الحالتين نحن نشهد عيانا “هروبا من التقاليد”, ولكن كل بطريقته.أجرؤ على القول بان “الأناركيون التقليديون” لم يفهموا تماما التقاليد. فكلمة “تقاليد” نفسها لها معنيان تاريخيان: حرفيا, أحدهما أكثر شيوعا وانتشارا وهو ما يعنى “الفولكلور”, القصص, والمعتقدات, والعادات, والأعراف السلوكية”, بينما يعنى الآخر الذى هو اقل شيوعا وانتشارا, ما نصه: اعبر, فوض الأمر, تحرك باتساق مع الآخرين, تشاور, قدم التوصيات.لماذا اجذب انتباهكم لهذا الاختلاف فى تفسير معنى كلمة تقاليد؟, بل إننى حتى اشدد على أهمية التفسير؟ الإجابة هى: بسبب احتمال أن مصطلح التقاليد فى تاريخ الأفكار قد يفهم على وجهين مختلفين. الوجه الأول (وهو ربما الوجه الأكثر شيوعا) هو أن التقاليد تقبل على إنها بنيان تام لا يمكن ولا يجب تغييرها أو تعديلها, ولكن يجب الحفاظ عليها فى حالتها الثابتة ويتم تجاوزها فى المستقبل, بدون تغييرها. مثل هذا الفهم للتقاليد يرتبط بهذا الجزء من الطبيعة البشرية الذى يشار إليه كالطبيعة المحافظة, التى هى ميالة للسلوك النمطى, يشخصها “فرويد” على أنها “قهر التكرار”. المعنى الآخر للتقاليد, الذى أدافع عنه هنا, يتعلق بالطريقة الجديدة والمبدعة لإحياء الخبرة المستمدة من التقاليد. مثل هذه الطريقة الايجابية, دعنا نقولها مباشرة, للتواصل, زرعت فى الجانب الآخر من الطبيعة البشرية العامة, والتى تعتبر بصفة مؤقتة طبيعة ثورية, تتجاور على طول الخط مع الحقيقة المجبول عليها الإنسان بطريقة متناقضة ظاهريا: الرغبة فى التغيير, وفى نفس الوقت, الاحتياج الصحى لأن يبقى المرء ذاته. والشكل الآخر من أشكال “الهروب من التقاليد” هو الشكل الذى يلجأ إلى تفاسير”ما بعد- الحداثة” المتعددة للأناركية.اعتقد انه حان الوقت بالتأكيد للقيام, كما قال “ماكس ويبر”, بـ “نزع الأوهام” عن الأناركية, الاستيقاظ من حلم عدمية ما بعد- الحداثة, ومعاداة العقلانية, والبدائيون الجدد, والإرهاب الثقافى, “والصور الزائفة”. حان الوقت لاستعادة الأناركية إلى المسار العقلانى والسياسى للمشروع التنويرى الذى هو مجرد استيعاب أن “المعرفة الموضوعية هى أداة تستخدم بواسطة الأفراد حتى يتمكنوا من أخذ قراراتهم بأنفسهم بناء عليها”. العقل, كما تقول لوحات “جويا” المشهورة, لا يخلق وحوشا ممسوخة عندما يحلم, ولكنه يخلقها عندما ينام.أود القول أن الحوار بين أجيال الأناركية الحديثة على اختلافاها قد بات ضروريا. الأناركية الحديثة مصابة بتضاد لا حصر له.لن يكفى أن نستسلم لعادة الغالبية من المفكرين الأناركيين المعاصرين الذين يصرون على الانقسام. سيكون من الطيب هجر انعزالية طريقة التفكير بـ “إما كذا أو كذا”, والدخول فى مناقشات تبحث عن بناء فكرة. هل مثل هذا النموذج الذى يبنى, ممكن؟ يبدو لى انه كذلك.هناك نموذج جديد من الأناركية المعاصرة, يمكن تمييزه اليوم بين صفوف الحركة الاجتماعية الجديدة, وهو النموذج الذى يوسع من مساحة بؤرة مناهضة السلطة, بالإضافة إلى التخلى عن عقيدة اختزالية الطبقة. مثل هذا النموذج يسعى لإدراك الأبعاد الكلية للسيطرة, بمعنى, “تسليط الضوء ليس على الدولة وفقط ولكن أيضا على العلاقات بين الجنسين, وليس الاقتصاد وفقط ولكن العلاقات الثقافية والبيئية أيضا, وكذلك العلاقة الجنسية والحرية فى كل شكل من الأشكال التى يمكن أن تجدها فيها, وكل ما سبق ليس من خلال المنظور الوحيد لعلاقات السلطة, ولكنه أيضا مدعوم بمفاهيم أغنى وأكثر تنوعا. هذا النموذج لا يشجب التكنولوجيا فى ذاتها فقط, ولكنه يصبح أليفا لها ويستخدم أنماطها المتنوعة فى مكانها السليم. انه لا يشجب المؤسسات فى ذاتها, أو يشجب الأشكال السياسية فى ذاتها, ولكنه يحاول وضع تصورات لمؤسسات جديدة وأشكال سياسية جديدة للعمل والكفاح من اجل مجتمع جديد, يتضمن أساليب جديدة للتجمع, وطرق جديدة لصنع القرار, وطرق جديدة للتنسيق, وهكذا دواليك. ومؤخرا جدا, إعادة الحيوية للجماعات التى تمتلك قابلية للانسجام والترابط, والهياكل التى تشكل درجات لا غنى عنها للارتقاء إلى الأعلى. وهى لا تشجب الإصلاحات فى ذاتها وفقط, بل إنها تكافح لصياغة إصلاحات غير إصلاحية والظفر بها, تلبى احتياجات الناس المباشرة, وتحسن من ظروف معيشتهم الحالية بالإضافة إلى التحرك نحو مزيد من المكاسب, مكاسب تتسبب فى نهاية الأمر فى التغيير, مستقبلا”.لن تمتلك الأناركية تأثيرا فعالا إلا إذا تضمنت ثلاث مكونات شاملة: منظمات العمال, والحركيين, والباحثون. كيف تخلق قاعدة أساس للأناركية المعاصرة على المستوى الثقافى والنقابى والشعبى؟ توجد تداخلات عديدة تعمل من اجل أناركية أخرى, تكون قادرة على ترويج القيم التى ذكرتها أعلاه. فقبل كل شيء أنا اعتقد أن الأناركية يجب أن تعكس ما يمليه الواقع. وما اعنيه بذلك هو أن النضال الفكرى يجب أن يعيد تأكيد مكانته فى الأناركية المعاصرة. ففيما يبدو أنه واحدة من مكامن الضعف الأساسية فى الحركة الأناركية فى يومنا هذا, بالنظر إلى زمن “كروبتكين” أو “ركليوز” على سبيل المثال, أو زمن “هربرت ريد”, هى نقيصة إهمال ما هو رمزى بالضبط, وإغفال فاعلية النظرية.فبدلا من نقد الأناركيون لقصة ماركسيو ما بعد-الحداثة الخيالية والذائعة الصيت المسماة بـ “الإمبراطورية”, عليهم كتابة إمبراطورية أناركية. لوقت طويل, كثيرا ما كانت العقيدة الماركسية ترجع إلى النظرية, وبهذا الأسلوب, اتخذت لنفسها مظهرا علميا ومنحت نفسها الفرصة لتتصرف كنظرية. ما تحتاج إليه الأناركية اليوم هو أن تتغلب على تطرفها فى الناحيتين: تطرف المثقفين, وتطرف معاداة المثقفين. أنا أيضا, مثل ناعوم شومسكى, لا احمل تعاطفا ولا صبرا على مثل هذه الأفكار. أنا أؤمن انه لا يجب أن يكون هناك مجال للتناقض بين الأناركية والعلم: “فى داخل التقاليد الأناركية كان ولا يزال هناك إحساس ما يرى انه يوجد فى العلم فى حد ذاته, شيئا ما كهنوتيا وظالما”.لا توجد, فى حد علمى, حجة ما تسوغ اللاعقلانية, واعتقد أن المناهج العلمية لا ترقى لحدود أكثر من كونها أشياء معقولة, ولا أرى سببا لا يحتم على الأناركيون أن يكونوا غير معقولين. أنا مثل شومسكى, حتى إننى اقل احتمالا لاتجاه غير معتاد بدأ ينتشر, فى مظاهر متنوعة, داخل الأناركية نفسها: “إن ما يدهشنى كشئ لافت للنظر أن المثقفين اليساريين هذه الأيام يبحثون عما يحرم المضطهدين ليس فقط من بهجة الفهم والبصيرة, ولكن أيضا من أدوات انعتاقهم, حين يخبرونا أن المشروع التنويرى قد مات, وأننا يجب أن نتخلى عن أوهام العلم والعقلانية – تلك الرسالة التى سوف تسعد قلوب المستكبرين”…أكثر من ذلك, أمامنا تقع مهمة وضع رؤية للأناركى البحاثة. كيف سيكون دور الأناركى البحاثة؟ بالتأكيد لن يكون مجرد إلقاء المحاضرات, كما كان يفعل المثقفون اليساريون سابقا. يجب ألا تكون مدرسة, ولكنها تصبح الشخص الذى يتصور دورا جديدا وعلى قدر كبير من الصعوبة: يجب أن تصغي جيدا, وان تسبر الأغوار وان تكتشف. دورها هو تعرية مصالح النخبة المسيطرة, المستتر بعناية فائقة خلف الخطاب الذى يبدو موضوعيا فى الظاهر.عليها أن تقدم العون للناشطين الحركيين وان تزودهم بالحقائق. من الضرورى ابتداع أشكال جديدة من الصلات بين الناشطين الحركيين والباحثين الحركيين. من الضرورى أن نخلق آلية تعاونية تنسج العلاقات بين العلماء التحرريين, والعمال, والناشطين. من الضرورى إقامة مؤسسات, ومراكز أبحاث, وتجمعات علمية, وامميات أناركية. اعتقد أن بهذه الطريقة, سوف تفقد الروح الحلقية, والتى هى لسوء الحظ ظاهرة تسرى بشدة فى الأناركية المعاصرة, سوف تفقد قوتها نتيجة لهذه الجهود. واحدة من المحاولات المنظمة لمقاومة هذه الروح الحلقية فى الأناركية المعاصرة, هى الإطار العام الذى تتبناه الأممية الأناركية الجديدة, الذى وصلنى مؤخرا, والذى سوف اقرأه عليكم الآن.الأممية الأناركية هى مبادرة تعنى توفير سبيل للأناركيين فى كل أجزاء العالم, الراغبين فى التعبير عن تضامنهم مع بعضهم البعض, وتعنى تيسير الاتصالات والتنسيق, وتعنى التعلم من خبرات وتجارب احدنا الآخر, وتعنى التشجيع على وجود صوتا اقوى للأناركيين ومنظورا أوضح لهم فى السياسة الراديكالية فى كل مكان, ولكنها ترغب فى تحقيق ذلك فى شكل يرفض كل اثر للانعزالية والتحزب, والروح الزعامية, ومذهب النخبوية الثورية. نحن لا نرى فى الأناركية فلسفة ابتدعت فى أوروبا القرن التاسع عشر, ولكنها فضلا عن ذلك, هى النظرية والممارسة الأصيلة للحرية – تلك الحرية الفريدة التى لا تؤسس على حساب الآخرين – إنها المثال الذى يعاد اكتشافه إلى ما لا نهاية, نحلم به ونحارب من اجله فى كل قارة وفى كل حقبة من تاريخ البشرية. سيكون لدى الأناركية دائما ألف فصيل وفصيل, لان التعدد سيظل دائما هو جزء من جوهر الحرية, ولكن خلق شبكات من التضامن يجعل من كل منهم أكثر قوة.- تصدق عليه -إننا أناركيون لأننا نؤمن أن أفضل ضمان للحرية والسعادة البشرية يأتى عن طريق مجتمع يتأسس على مبادئ التنظيم الذاتى والجمعيات التطوعية والمعونة المتبادلة, ولأننا ننبذ كل أشكال العلاقات الاجتماعية التى تتأسس على العنف المنظم, كالدولة والرأسمالية.إلا أننا نناهض مخلصين كل روح حلقية انعزالية, ونعنى بها أمرين:إننا لا نحاول فرض أى شكل خاص من أشكال الأناركية على شكل آخر بالقوة: البرنامجيون Platformist, أو النقابيون Syndicalist, أو دعاة البدائية Primitivist, أو دعاة الانتفاضة Insurrectionist, أو أى احد آخر. ولا نرغب فى استبعاد اى احد على هذا الأساس – فنحن نثمن التنوع والتعدد كمبدأ فى حد ذاته, محدودا فقط برفضنا الجماعى لكيانات الهيمنة مثل العنصرية والتمييز الجنسى والأصولية الخ.حيث أننا لا نرى فى الأناركية مذهبا بالقدر الذى نراها فيه كعملية حركة نحو مجتمع حر وعادل ومستدام, لذلك نؤمن انه لا يجب على الأناركيين تقييد أنفسهم بالتعاون مع هؤلاء الذين يميزون أنفسهم كأناركيين, ولكن يجب عليهم البحث بنشاط عن أوجه التعاون مع كل فرد يعمل من اجل خلق عالم مبنى على تلك المبادئ التحررية العريضة, وان يتعلم منهم فعلا. فواحد من أغراض الأممية هو تيسير أمران: الأول هو أن نسهل على أنفسنا اتصال بعض من الملايين فى أنحاء العالم الذين هم, فعلا, أناركيون دون أن يعلموا, بأفكار الآخرين الذين يعملون وفق نفس التقاليد, والأمر الثانى هو إثراء التقاليد الأناركية نفسها عن طريق التواصل مع خبراتهم.إننا ننبذ كل أشكال الروح الزعامية ونؤمن أن الدور الصحيح للمثقف الأناركى (دورا يجب أن يكون متاحا لكل فرد) هو أن يساهم فى الحوار الجارى: أن يتعلم من خبرة بناء وكفاح المجتمع المحلى الشعبى وان يمنحهم عوائد تدبره لتلك الخبرات, وليس بروح الإملاء, ولكن بروح الهبة.أى شخص يقبل هذه المبادئ هو عضو فى الأممية الأناركية, وكل شخص عضو فى الأممية الأناركية له السلطة فى أن يتصرف كمتحدث إذا كانت هذه رغبتهم. لأننا نعلو بقيمة التعدد, فإننا لا نتوقع تماثل فى الآراء غير القبول بالمبادئ نفسها (وبالطبع, إقرارا بان مثل هذا التنوع قائم).التنظيم ليس قيمة فى حد ذاته ولا شرا فى حد ذاته, فلا يمكن إملاء مستوى البنيان التنظيمى, المناسب لمشروع معين أو مهمة معينة, مقدما ولكن يمكن تحديده فقط من قبل هؤلاء المنخرطون فعلا فى هذا المشروع أو المهمة. وهكذا بالنسبة لأى مشروع تتم المبادرة به داخل الأممية: يجب أن يرجع للقائمين عليه عملية تحديد الشكل والمستوى التنظيمى المناسبين لهذا المشروع. فى هذه الحالة, لا توجد حاجة لهيكل يتخذ القرار داخل الأممية نفسها ولكن إذا شعر الأعضاء مستقبلا الضرورة لذلك, سيكون ذلك راجعا للمجموعة نفسها ان تقرر كيف ستعمل مثل هذه الآلية, بشرط واحد وهو أن تكون فى إطار الروح العامة اللامركزية وروح الديموقراطية المباشرة.أكثر من ذلك: يجب أن تلتفت الأناركية لخبرات الحركات الاجتماعية الأخرى. إنها يجب أن تتضمن فى مجرى العلوم الاجتماعية التقدمية. يجب أن تحيط بالأفكار التى تأتى من بعض الدوائر القريبة من الأناركية. ولنأخذ على سبيل المثال فكرة اقتصاديات التشارك, التى تمثل رؤية اقتصادية أناركية متميزة, تضيف إلى التقاليد الاقتصادية الأناركية وتصححها. سيكون من الحكمة أيضا أن نصغى لتلك الأصوات التى تحذر من وجود ثلاث طبقات رئيسية فى الرأسمالية المتقدمة, وليس اثنين فقط. هناك طبقة أخرى من الناس, موسومين بطبقة المنسقين coordinator class من قبل هؤلاء المنظرين. دور هؤلاء هو السيطرة على والتحكم فى عمل الطبقة العاملة. إنها الطبقة التى تتضمن مراتب الإدارة العليا والخبراء والمستشارين المتخصصين كمحور لنظام سيطرة الطبقة – كالمحامين والمهندسين والمحاسبين الرئيسيين, وهكذا. إنهم يحتلون مكانتهم الطبقية بسبب احتكارهم للمعرفة والمهارات والعلاقات. هذا ما يمكنهم من الظفر بالوسائل التى تمكنهم من شغل المواقع التى يحتلونها فى اعلى مراتب الكهنوت الإدارى للشركات الضخمة أو عند الحكومة.على أن هناك شيئ آخر يجب أن نلاحظه متعلق بطبقة المنسقين هذه, وهو أنها قادرة على أن تصبح طبقة حاكمة. وهو فى الحقيقة المعنى التاريخى الحقيقى للاتحاد السوفييتى وما يسمى بالبلاد الشيوعية الأخرى. إنهم فى الحقيقة الأنظمة التى مكنت لطبقة المنسقين. أخيرا, اعتقد أن الأناركية المعاصرة يجب أن تتوجه لوضع تصور عن رؤية سياسية.وهذا لا يعنى القول بأن المدارس المتنوعة داخل الأناركية لا تتبنى أشكال محددة جدا من التنظيم الاجتماعى, ولو أنها غالبا ما تتفاوت بشكل ملحوظ بين إحداها والأخرى. إلا أن الأناركية ككل قد طرحت جوهريا ما بات الليبراليون يسمونه “الحرية السلبية”, أى بشكل آخر, “الحرية من” فى صورتها الشكلية, و بالأحرى “الحرية إلى” فى شكلها الواقعى. وبالفعل, تفتخر الأناركية فى كثير من الأحيان بالتزامها الكامل بالحرية السلبية كدليل على تعدديتها الخاصة, وعدم تعصبها الايديولوجى, وروحها الخلاقة.فشل الأناركية فى وضع تصور للظروف التاريخية التى تجعل من الممكن قيام المجتمع الأناركى بدون دولة تسببت فى مشاكل عدة تتحدى الفكر الأناركى تظل بدون حل حتى اليوم. ولقد صارحنى احد الأصدقاء, من زمن ليس بالبعيد, “إنكم أيها الأناركيون دائما ما تبذلون أقصى الجهد حتى تظل أياديكم نظيفة, حتى إنكم فعليا تتخلفون عن الركب بلا ايدى على الإطلاق”. انا اعتقد ان هذه الملحوظة ذات صلة وثيقة لافتقادنا للتفكير بشكل أكثر جدية فى رؤية سياسية.حاول “بيير جوزيف برودون” صياغة صورة ملموسة للمجتمع التحررى. وظهر أن محاولته هذه فشل محقق, ومن وجهة نظرى الخاص, هى غير مرضية على الإطلاق. وفى جميع الأحوال, لا ينبغى لهذا الفشل أن يدعونا إلى الإحباط, ولكن ينبغى أن يشير علينا بالطريق الذى نسلكه – مدرسة الإيكولوجيا الاجتماعية فى أمريكا الشمالية على سبيل المثال – طريقا يقودنا إلى صياغة رؤية سياسية أناركية جدية. النموذج الأناركى ينبغى أن يحيط أيضا بمحاولة الإجابة على سؤال: “ما هى منظومة البدائل الايجابية المؤسسية التى يتبناها الأناركيون للتشريعات المعاصرة والمحاكم والبوليس والإدارات التنفيذية المتنوعة”. ينبغى ان “نمنح رؤية سياسية تتضمن التشريعات, وأشكال تطبيقها, وإصدار الأحكام القضائية, وسلطة تنفيذها التى توضح كيفية إنجاز كل من العناصر السابقة بشكل فعال بشكل لا سلطوى, فالرقى بمخرجات ايجابية لا يمد نضالنا المعاصر وفقط بالأمل الذى طال انتظاره, ولكنه سيوفر لحركتنا الحالية معرفة وفهم فى مواجهة أنظمة الانتخاب والتشريع وتنفيذ القانون والمحاكم القائمة, وأيضا الفهم والدراية بالعديد من اختياراتنا الاستراتيجية”.أخيرا, ما هى التبعات الاستراتيجية لترقية مثل هذا النموذج؟لقد سمعت العديد من المرات, فى لقاءاتى بالمناضلين الحركيين من الأناركيين, افتراضا استراتيجيا, لا احمل نحوه أى تعاطف ولا افهم له تفسير. يحدثونك إننا يجب أن نبذل الجهد وان تتدهور معيشتنا حتى تتطور الأمور إلى الأحسن. وكمعارض لهذا المنطق الغريب, الذى ينص على “كلما كنت أسوأ كلما كان ذلك أحسن”, اعتقد انه سيكون أكثر حكمة وأكثر معقولية كثيرا جدا, أن نصغي لنصيحة الأناركيين الأرجنتينيين التى تتبنى استراتيجية “توسيع مساحة القفص”. تعى مثل هذه الاستراتيجية, بدلا من ذلك, انه من الممكن أن تحارب من اجل وان تظفر بإصلاحات اقل مما تحلم به الثورة بالشكل الذى يحسن من أحوال الناس ويحسن من الاختيارات المطروحة أمامهم حاليا, وفى نفس الوقت تخلق هذه الإصلاحات الفرص لمزيد من الانتصارات فى المستقبل. تعى هذه الاستراتيجية فهما بقول كونك نصيرا للمجتمع الجديد لا يسوغ لك تجاهل معاناة والآلام الناس الحالية, ولكنه يخول لك انك عندما تخاطب المتاعب المعاشة وعندما تعمل لجعل الأمور المباشرة أفضل, علينا أن نقوم بذلك بالطريقة التى ترفع من وعينا, وتمكننا من بناء كياننا, وتطور من منظماتنا وبالتالي تقود مسيرتنا فى منحنى صاعد من التغييرات المستمرة التى تثمر عن الوصول إلى تحديد هياكلنا الاقتصادية والاجتماعية. توسيع ارض القفص لا ينبذ كفاحات الشعب القصيرة الأمد من اجل رفع الأجور على سبيل المثال, أو نضالهم لإيقاف حرب أو أعمالا ايجابية مثل تحسين شروط العمل, أو المشاركة فى وضع ميزانية البلد, أو فرض ضرائب تقدمية أو راديكالية, أو ساعات عمل اقل مع اجر كامل, أو إلغاء صندوق النقد الدولى, أو أى نضالات أخرى بأى صورة, وذلك بسبب أنها تحترم حقيقة أن وعى الشعوب ودرجة تنظيمها يتطور من خلال الكفاح, كما أنها بشكل عنيف تحاذر من هذا النوع من الاحتقار المنتشر بين المناضلين الحركيين للجهود الشعبية الشجاعة لتحسين ظروف حياتهم.اعتقد, لننجز, أن مثل هذا النموذج من الأناركية المعاصرة له دور هام وهو أن تبنى, فى ظل الأهوال المرعبة للرأسمالية, حركة فى مرحلة ما بعد الماركسية تطالب بقيم التنوير وان تجعل إدراك طاقاتهم أمرا حقيقيا.
ما هو أكثر ما يريده كل إنسان في الحياة؟ ما الذي تريده “أنت” شخصياً أكثر من أي شيء؟
في النهاية، نحن كلنا مثل بعضنا البعض تحت هذه الجلود. وأياً كنت – رجلاً أو امرأة، فقيراً أو غنياً، أرستقراطياً أو متشرداً، أبيضاً، أصفراً، أحمراً، أو أسوداً، ومن أي أرض أو جنسية أو دين – فكلنا نتشابه في الإحساس بالبرد والجوع، بالحب والكره؛ كلنا نخاف الكوارث والأمراض، ونحاول أن نبتعد عن الأذى والموت.
فأكثر ما تريده “أنت” من الحياة، وأكثر ما تخاف منه، هو كذلك أيضاً بالنسبة لجارك، بشكل عام.
لقد كتب المثقفون كتباً ضخمة، كثير منها عن السوسيولوجيا، والسيكولوجيا، و “أولوجيات” أخرى كثيرة، ليقولوا لك ما الذي تريده، و مع هذا لم يتفق أي اثنين من هذه الكتب مع بعضهما. ولكنني أعتقد أنك تعلم تماماً – و من دون مساعدتهم – ما تريده حقاً.
لقد درسوا وكتبوا وفكروا كثيراً في ذلك الأمر، الذي هو بالنسبة إليهم مسألة صعبة، حتى أصبحت َ أنت، الفرد، مفقوداً تماماًً في فلسفاتهم. وقد وصلوا في النهاية إلى استنتاج أنك، يا صديقي، لا تهم على الإطلاق. فالمهم، كما يقولون، ليس أنت، بل “الكل”، أي كل الناس معاً. وهذا “الكل” يسمونه “المجتمع”، أو “الكومنولث” ، أو “الدولة”. وهؤلاء المتحذلوقون قد قرروا بالفعل أنه لا يهم إذا كنت أنت، الفرد، تعيساً طالما كان “المجتمع” على ما يرام. وبطريقة ما ينسون أن يفسروا كيف يمكن أن يكون “المجتمع” أو “الكل” على ما يرام عندما يكون كل فرد فيه بائساً.
ولهذا يتابعون نسج شباكهم الفلسفية منتجين مجلدات سميكة من أجل معرفة أين تقع أنت بالفعل في مخطط الأشياء الذي يدعى حياة، وما تريده في هذه الحياة حقاً.
لكنك تعرف بنفسك ما تريده .. تعرفه جيداً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جارك.
تريد أن تكون بخير وصحة، تريد أن تكون حراً، أن لا تكون خادماً لأي سيد، أن لا تذل نفسك أو تجثو أمام أي إنسان؛ تريد أن تحظى بالرفاهية لنفسك، ولعائلتك، وللمقربين منك والأعزاء عليك. وأن لا تكون قلقاً ومنزعجاً بالخوف من الغد.
قد تشعر أنك واثق من أن كل شخص آخر يريد الشيء نفسه. لذا يبدو أن المسألة برمتها هي كالتالي:
أنت تريد الصحة، والحرية، والرفاهية. وكل واحد من الناس هو مثلك أيضاً، يريد الأشياء نفسها.
وبالتالي كلنا نبحث عن الشيء نفسه في الحياة.
لماذا إذاً لا نبحث عنه معاً، بجهودنا المشتركة، وبأن يساعد كل منا الآخر في ذلك؟
لماذا علينا أن نغش ونسلب، أن نقتل ونغتال بعضنا البعض، ما دمنا جميعاً نريد الشيء نفسه؟ ألست مستحقاً ومخولاً للحصول على هذه الأشياء التي تريدها، وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان الذي يقف بجوارك؟
أم أن بإمكاننا أن نؤمن الصحة والحرية والرفاهية بشكل أفضل عندما نتصارع ونذبح بعضنا البعض؟
أم لأنه لا توجد أي وسيلة أخرى؟
دعونا ننظر إلى هذا :
أليس من المنطقي أنه ما دمنا جميعاً نريد الشيء نفسه في الحياة، فإن لنا جميعاً الهدف نفسه، وبالتالي فإن “مصالحنا” هي نفسها أيضاً؟ في هذه الحالة علينا أن نعيش كالإخوة، في سلام وصداقة؛ علينا أن نحسن إلى بعضنا البعض، وأن نساعد بعضنا بقدر استطاعتنا.
لكنك تعلم أن الوضع ليس كذلك على الإطلاق في واقع الأمر. تعلم أننا لا نعيش مثل الإخوة. تعلم أن العالم مليء بالنزاعات والحروب. بالتعاسة، والظلم، والأذى. بالجريمة، والاضطهاد.
فلماذا هو كذلك إذاً؟
السبب هو أنه بالرغم من أن لنا جميعاً الهدف نفسه في الحياة، إلا أن “مصالحنا مختلفة”. هذا هو بالضبط ما يخلق كل مشاكل العالم.
فكر في ذلك ملياً بينك وبين نفسك.
لنفرض أنك تريد الحصول على حذاء أو على قبعة. ستذهب إلى المتجر وستحاول أن تشتري ما تحتاجه بأقل ثمن ممكن ومعقول. هذه هي “مصلحتك”. لكن مصلحة التاجر هي أن يبيعك ما تحتاجه بأغلى ثمن ممكن، لأن “ربحه” سيكون أكبر كلما زاد الثمن. هذا لأن كل شيء في الحياة التي نعيشها مبني على الحصول على الربح، وبأي طريقة. فنحن نعيش في “نظام ربحي”.
من الواضح الآن أنه إذا كان علينا أن نجني الأرباح من بعضنا البعض، فإن مصالحنا لا يمكن أن تكون واحدة. لا بد أنها ستكون مختلفة بل متعارضة مع بعضها في أغلب الأحيان.
في كل بلد ستجد أناساً يعيشون من خلال الحصول على الأرباح من غيرهم. وأولئك الذين يحصلون على أكبر قدر من الأرباح هم الأغنياء. وأولئك الذين لا يستطيعون الحصول على الأرباح هم الفقراء. أما الذين لا يستطيعون الحصول على أية أرباح فهم فقط العمال. ومن هنا يمكن أن تدرك أن مصالح العمال لا يمكن أن تكون نفس مصالح الناس الآخرين. ولهذا ستجد في كل بلد عدداً من الطبقات ذات مصالح مختلفة كلياً.
في كل مكان ستجد :
(1) طبقة صغيرة نسبياً تتكون من الأشخاص الذين يجنون أرباحاً كبيرة والذين هم أثرياء جداً، مثل الصرافين، وكبار الصناعيين، وملاكي الأراضي- وهم الأشخاص الذين يمتلكون رأس مال كبير ويطلق عليهم تبعاً لذلك : الرأسماليون. وهؤلاء ينتمون إلى “الطبقة الرأسمالية”.
(2) طبقة من الأغنياء المتوسطين، وتتكون من رجال الأعمال وموظفيهم، رجال العقارات، والمضاربين، والمتخصصين مثل الأطباء والمحامين والمخترعين وغيرهم. هذه هي الطبقة الوسطى أو “البرجوازية”.
(3) أعداد ضخمة من العمال المستخدمين في مصانع متنوعة، في المطاحن والمناجم، في المعامل والورشات والمتاجر، في النقل في البواخر وعلى الأرض. هذه هي الطبقة العاملة، والتي تسمى أيضا “البروليتاريا”.
البرجوازيون والرأسماليون ينتمون في الحقيقة إلى نفس الطبقة الرأسمالية، لأن لهم نفس المصالح تقريباً، وبالتالي فإن البرجوازيين يقفون بشكل عام إلى جانب الطبقة الرأسمالية ضد الطبقة العاملة.
ستجد أن الطبقة العاملة هي دائماً الطبقة الأفقر، في كل بلد. وربما تكون أنت شخصياً ممن ينتمون إلى الطبقة العاملة، إلى البروليتاريا. وعندها فلا بد أنك تعلم أن الأجور التي تتقاضاها لن تجعل منك غنياً في يوم من الأيام.
لماذا العمال هم الطبقة الأكثر فقراً؟ إنهم يعملون بالتأكيد أكثر من الطبقات الأخرى، وعملهم شاق أكثر. هل السبب هو أن العمال ليست لهم أهمية كبيرة في حياة المجتمع؟ أو ربما لأن بوسعنا أن نستغني عنهم؟
دعونا نرى. ماذا نحتاج لنعيش؟ نحتاج إلى الطعام، والملابس، والمأوى، وإلى المدارس للأطفال، وإلى السيارات والقطارات للسفر، وإلى ألف شيء وشيء.
هل بإمكانك أن تنظر حولك وتشير إلى شيء واحد فقط تم صنعه من دون جهد أو “عمل”؟ فالحذاء الذي تقف به، والشوارع التي تمشي عليها، كلها نتيجة للعمل. وبدون العمل لن يكون هناك شيء سوى الأرض القاحلة، والحياة الإنسانية ستكون مستحيلة تماماً.
هذا يعني إذاً أن العمل قد أنشأ كل شيء لدينا – كل ثروة العالم. إنها كلها “نتاج للعمل” الذي يطبــّـق على الأرض ومصادرها الطبيعية.
ولكن ما دامت كل الثروات نتاجاً للعمل، لماذا إذاً لا تعود إلى العمال؟ أي إلى أولئك الذين عملوا بأيديهم أو بعقولهم لصنعها- العامل اليدوي والعامل بذهنه.
الكل متفق على أن للإنسان الحق في امتلاك الشيء الذي صنعه بنفسه.
ولكن لا يوجد إنسان واحد قام أو يستطيع أن يقوم بمفرده بصناعة شيء ما. فصناعة شيء واحد تحتاج إلى جهد الكثير من الناس من مختلف الحرف والتخصصات. فالنجار، على سبيل المثال، لا يمكنه صنع كرسي بسيط أو مسطبة بمفرده، حتى لو قام بنفسه بقطع شجرة وتجهيز خشبها. فهو يحتاج إلى منشار وإلى مطرقة، وإلى مسامير وأدوات أخرى، لا يمكنه صناعتها بنفسه. وحتى لو قام بنفسه بصناعة تلك الأدوات، فعليه أن يجد أولاً المواد الخام، الحديد والفولاذ، والتي سيكون على أشخاص آخرين أن يزودوه بها.
أو خذ مثالاً آخر – لنقل المهندس المدني. لن يستطيع هذا أيضاً فعل أي شيء دون ورق وأقلام وأدوات للقياس، وهذه الأشياء كلها يزوده بها أشخاص آخرون. وكذلك عليه أولاً أن يتعلم مهنته ويقضي سنوات طويلة في الدراسة، بينما يزوده أشخاص آخرون بما يلزم لحياته في تلك الفترة. وهذا ينطبق على كل إنسان في العالم اليوم.
يمكن أن ترى إذاً أن لا أحد يستطيع بجهوده الذاتية منفردة أن يصنع الأشياء التي يحتاج إليها ليعيش. في العصور القديمة كان الإنسان البدائي الذي عاش في الكهوف قادراً على أن يدق فأساً من الصخر أو أن يصنع لنفسه قوساً وسهماً، وأن يعيش على ذلك. لكن تلك الأيام قد ولت. اليوم لا يستطيع إنسان أن يعيش بجهده الخاص فقط: بل يجب أن يستفيد من عمل الآخرين. وبالتالي فإن كل ما لدينا، كل الثروات، هي نتاج عمل أعداد كبيرة من الناس، ومن أجيال كثيرة أيضاً. بمعنى آخر : ” إن الأعمال ومنتجات الأعمال هي اجتماعية”، يصنعها المجتمع ككل.
ولكن إذا كانت كل الثروات التي لدينا اجتماعية، فمن المنطقي أنها يجب أن تعود إلى المجتمع، أي إلى الناس ككل. فكيف إذاً نجد أن ثروات العالم تلك يملكها بعض الأفراد وليس كل الناس؟ لماذا لا تعود إلى أولئك الذين كدحوا لإنتاجها – إلى الجماهير التي تعمل بأيديها أوعقولها، إلى الطبقة العاملة ككل ؟
لا بد أنك تعلم جيداً أن الطبقة الرأسمالية هي التي تمتلك الجزء الأكبر من ثروات العالم. أليس علينا أن نستنتج إذاً أن العاملين قد فقدوا الثروة التي صنعوها، أو أنها قد أخذت منهم بطريقة ما؟
هم لم يفقدوها، لأنهم لم يمتلكوها في يوم من الأيام. إذاً لا بد أنها قد أخذت منهم منذ البداية.
إن الأمر هنا قد بدأ يبدو خطيراً، لأنك إذا قلت أن الثروة قد أخذت من الناس الذين قاموا بصناعتها، فهذا يعني أنها قد سلبت منهم، أي أنهم قد تعرضوا للسرقة. لأن من المؤكد أن لا أحد يرضى بإرادته بأن تؤخذ منه ثروته.
إنه اتهام فظيع، لكنه صادق. إن الثروة التي قام العمال بإنتاجها كطبقة، قد تمت سرقتها منهم بالفعل. وهم يتعرضون لهذه السرقة بنفس الطريقة في كل يوم في حياتهم، وفي هذه اللحظة تحديداً. ولهذا قال أحد عظماء المفكرين وهو الفيلسوف الفرنسي برودون : أن أملاك الأغنياء هي ممتلكات مسروقة.
يمكنك أن تدرك بسهولة كم هو مهم أن يلم كل إنسان مخلص بهذا. وقد تكون متأكداً من أن العمال لو عرفوا بذلك فلن يسكتوا عليه.
***
من كتاب ألكساندر بيركمان : ما هي الأناركية الشيوعية / الفصل الأول
نعم ، بالتأكيد هى كذلك . ليس لأنها عنيفة ، أو لأن الأناركيين ارهابيون ، و لكن بسبب أفكارهم . ليس شئ أشد خطرا فى الحياة ، من شخص يعرف جيدا كيف يعمل النظام ، و الأهم يعرف ما الذى يريد استبداله به . الأناركى خطير ، لهؤلاء الذين فى السلطة و يحتكرون القوة ، لأنه يستطيع أن يرى جيدا – و بشكل سليم – من خلال ألعابهم الوضيعة . الأناركية خطيرة ، لأنها لا تحترم هؤلاء و لا ما يمثلونه و يروجون له.
و الأناركية خطيرة أيضا – بشكل استثنائى – لأنها تشجع كل ما يتعلق بالنشاط الذاتى ، العمل المباشر ، و الديمقراطية المباشرة . هل يمكنك تخيل كم يكون خطيرا ذلك الشخص الذى يؤمن بأن الناس يمكنها تنظيم حياتها ، بغير الحاجة الى سادة و رؤساء ؟ . هل يمكنك تخيل مقدارخطره ، عندما يريد كسر جميع التراتبيات ، و استبدال الدولة باتحاد لمجالس من تجمعات ؟ .
و هى خطيرة ، لأنها تلقى صدى عند الناس . لأنها ليست أفكارا جديدة فى حقيقة الأمر ، و انما أفكار قوية تقدر قيمة كل البشر ، واستحقاقهم جميعا للحياة العادلة . قوة الأناركيين ، اذن ، تنبع من قوة أفكارهم ، و من قدرتهم على التأثير فى الآخرين لتبنيها و العمل بها .اذ أن كل نشاط يمارسه الأناركيون – فرادى أو جماعات – يتحدى سلطة القائمين بالأمر .
و الدولة – باعتبارها كيان ارهابى – تعرف جيدا كيف تتعامل مع التهديدات بالعنف أو الارهاب . و ان لم يكن هناك أى حركات سياسية او اجتماعية تستخدم الارهاب كسلاح ، فسوف تعمل على خلق بعضها ، مما يمكنها – فى النهاية – من تبرير وجودها . لكن وجودنا نحن ،كأناركيين ، يوقع الذعر فى قلوب من يملكون القوة و السلطة : و سلاحنا الأعظم – ليس العنف ، و انما قوة الفكرة .
سوف يحاولون اقصاءنا مرارا ، باعتبارنا حمقى مثاليين أو ارهابيين غير عقلانيين . لكنهم – و بغض النظر عما سوف يفعلونه – لن ينجحوا ، فقط لأن أفكارنا ستتغلب – فى النهاية – على أى عائق يضعونه فى الطريق .
نحن ، باختصار ، خطيرين ، لأننا نشكل تهديدا مباشرا لكل النظم و الحكومات السلطوية – المدنية منها و الدينية .
حسنا ، هل الأناركية اذن خطيرة لمن يتسلط و يقمع و يستغل ؟ نعم ، بالتأكيد . هل هى خطيرة للمتسلط عليه ، للمقموع ، للمُستغَل ؟ . أبدا ! .
الحقيقة أنه منذ قيام الثورة السورية و منذ أن أصبح من شبه المؤكد بقاء نظام الأسد لبعض الوقت كانت فكرة العودة إلى سوريا تضغط علي بكل قوة كما على الكثيرين كما أعتقد , رغم أنه يمكن دائما ذكر الكثير الكثير من التبريرات لعدم العودة و الاكتفاء بالمراقبة و الانتظار , بعد أن تعرض بعض معارفي للسجن كان هذه الحجج تذوي و مع سقوط الضحايا كانت هذه الحجج تموت أيضا شيئا فشيئا , مع كل معتقل و كل شهيد كان شيء ما يستفزني و يطرح بقوة أكبر كل مرة فكرة العودة , و أخيرا جاءت حملة راجعين , كمن وجد شيئا كان يبحث عنه منذ زمن حتى وشك أن ييأس من لقائه , تقدمت على الفور باسمي لمنظمي الحملة بسعادة غامرة لم أعرفها إلا عندما شاهدت وجه طفلي لأول مرة , أنا اليوم أنتظر 10 آب يوم حريتي الحقيقية التي تمارسوها أنتم بكل شجاعة منذ 15 شهرا , و إليكم قصتي , أنا مازن كم الماز , طبيب سوري , مواليد القنيطرة 1966 , من أصول شركسية تركية كردية , مسلم سني و لو أن هذه كلها تفاصيل هامشية جدا لم أختارها كما هو حالكم و حالنا جميعا و لا أعتبر أن من حقي أن أفخر أو أتميز عن الآخرين بسببها رغم أني لا أخجل منها أبدا , درست في جامعة دمشق كلية الطب البشري , ثم عملت في مديرية صحة القنيطرة – مركز إسعاف خان أرنبة و مديرية صحة دمشق – مشفى ابن النفيس قبل أن أعمل كطبيب في الخليج , أديت خدمتي الإلزامية بين عامي 1999 و 2001 , كنت عضوا في الثمانينات و أوائل التسعينيات في اتحاد الشباب الديمقراطي في سوريا و الحزب الشيوعي السوري , على الرغم من ستالينية و انتهازية كلتا المنظمتين فإني تعلمت حب الحرية و العدالة و الفقراء هناك هذا المرض الذي لم أشفى منه أبدا , و منذ بداية الألفية الجديدة كنت أقترب من الفكر الاشتراكي التحرري في أثناء محاولتي لفهم و تفسير ماهية و طبيعة النظام السوري , و الناصري و البعثي الصدامي و السوفيتي السابق ( الستاليني ) , أصبحت اشتراكيا تحرريا عندما انتهيت إلى القبول بنظرية الاشتراكيين و الماركسيين التحرريين عن النظام الستاليني , النظام النموذج للنظام السوري , على أنه ليس إلا نظام استغلالي جديد على نمط رأسمالية الدولة البيروقراطية , و منذ أواسط العقد الماضي بدأت أترجم لعدد من المفكرين الاشتراكيين التحرريين البارزين و بدأت أكتب عن طبيعة النظام السوري و سياساته في موقع الحوار المتمدن بشكل أساسي و مواقع سورية معارضة أخرى سرعان ما كان عددها يتناقص باستمرار بسبب “انفتاحها و ديمقراطيتها” و أكتب أيضا في جريدة القدس العربي بشكل غير منتظم , زرت سوريا لآخر مرة في عام 2006 عندما توفيت والدتي , لم أكن يوما عضوا في أية جهة معارضة و لم أحصل على قرش إلا من تعبي و جهدي و نأيت بنفسي عن كل ترهات و زواريب المعارضة السورية و لم أستخدم قلمي أو فكري يوما للتكسب أو الاسترزاق و رغم أني قد أكون استسلمت في فترات من حياتي لسلطة هذا النظام أو لسلطات قمعية أخرى تتنافس على قمعنا بدافع السلامة لكني لم أخن في يوم القضية التي نذرت نفسي لها , قضية كل الفقراء و المقهورين في سوريا و العالم , رغم أن بعض معارفي نقلوا لي عن مخابراتنا العتيدة أنهم كانوا يعتقدون أني من جماعة عبد الحليم خدام !! الأمر الذي جعلني أوقن بشكل لا شك فيه بالأمية السياسية لأجهزة أمننا السياسية !! الحقيقة إن الدافع وراء عودتي مع حملة راجعين بسيط جدا , إن دماءنا ليست أغلى من دماء أي طفل من أطفال الحولة أو القبير و الحرية التي تقاتلون في سبيلها هي حريتنا جميعا لذلك فإن مكاني هو فقط بينكم , أن أعيش كما تعيشون أو أموت كما يموت البعض منكم , عدا عن أني كاشتراكي تحرري و خلافا للكثيرين من المعارضين و السياسيين و المثقفين و رجال الدين و غيرهم أنا لا أطمح يوما لأكون زعيما أو قائدا أو حاكما أو معلما أو مرشدا أو غنيا لأني أعتقد أن الشكل الوحيد الحر لتنظيم أي مجتمع أو مجموعة هو التنظيم الذاتي الحر و الطوعي لكل الناس و أرفض تماما أي شكل لقمع الناس لصالح أقلية محدودة جدا من البشر و أرفض تماما أن أستثمر جهد الآخرين و عرقهم لأصبح غنيا , أنا لا أطمع في سلطة و لا مال بل أحلم فقط بانعتاق البشر من كل اضطهاد و قمع و سلطة خارجة عنهم و بحريتي أنا أيضا بكل تأكيد , نعم سأترك طفلين ورائي لكني أعتقد أني سأترك لهما ما هو أهم بكثير من المال أو الجاه , ربما أترك لهم ما قد يرفعون رؤوسهم عاليا به حتى نهاية حياتهم و مثالا حيا على ألا يرضوا بالظلم و ألا يقبلوا بالاضطهاد , و ربما إذا نجحت ثورتنا أترك لهم عالما أفضل و أكثر حرية , أنا عائد لأكون بينكم في 10 آب , إلى وطني , إن وطني ليس سوريا فقط فأنا أعتقد بقوة أن هويتي الحقيقي هي إنسان و أن وطني هو العالم , إن وطني هو فقراء سوريا , لأني بالمولد ولدت بينهم , و لأني أعرفهم و لأني أحبهم , خاصة منذ أن نفضوا عنهم الصمت و صرخوا بأعلى صوتهم مطالبين بحريتهم , أنا عائد إلى وطني , إلى أهلي , فقراء سوريا لأعيش أو أموت بينهم
پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.