ئەرشیفەکانى هاوپۆل: عربی

الأخلاق : فضائل الدولة

بقلم : ميخائيل باكونين

 ترجمة : مازن كم الماز

يفترض وجود دولة واحدة محدودة وجود دول متعددة , أو أن يحرض على تشكيلها عند الضرورة , من الطبيعي تماما أن الأفراد الذين يجدون أنفسهم خارج هذه الدولة و الذين تهدد هذه الدولة وجودهم و حريتهم , يجب بدورهم أن يجتمعوا ضدها . لدينا هنا الإنسانية و قد مزقت إلى عدد غير محدد من الدول , الأجنبية , المتعادية و التي تهدد بعضها البعض .

ليس هناك حق عام , و لا عقد اجتماعي بينها , لأنه إذا وجد مثل هذا العقد و الحق , ستكف الدول المختلفة عن أن تكون مستقلة بشكل مطلق عن بعضها , و ستصبح أعضاء متحدين في دولة واحدة كبرى . ما لم تشمل هذه الدولة الكبرى كل البشرية , فإنها ستجد في مواجهتها عداء بقية الدول الكبرى , المتحدة داخليا . لذلك ستكون الحرب هي القانون الأبرز و الضرورة الداخلية لوجود البشرية نفسه .

على كل دولة سواء أكانت ذات صفة اتحادية أم لا أن تسعى تحت طائلة التدمير النهائي لتصبح أكثر الدول قوة . عليها أن تبيد البقية كيلا تتعرض للإبادة هي نفسها , أن تخضع البقية كيلا تتعرض هي للإخضاع , أن تستعبد كيلا تتعرض هي للاستعباد – لأن قوتين متشابهتين و في نفس الوقت أجنبيتين , لا يمكنهما الوجود جنبا إلى جنب دون أن تدمر أحدهما الأخرى .

الدولة عندئذ هي أكثر نفي صارخ , النفي الأكثر سخرية و كمالا للإنسانية . إنها تمزق التضامن الشامل بين كل البشر على الأرض , و هي توحد بعضهم فقط بقصد تدمير , إخضاع , و استعباد البقية . إنها تقدم حمايتها لمواطنيها فقط , و هي تعترف بحقوق الإنسان و الإنسانية و التحضر فقط داخل حدودها . و لأنها لا تعترف بأي حق خارج حدودها فإنها تنسب لنفسها بشكل منطقي تماما حق معاملة كل الشعوب الأجنبية بأكثر الطرق الهمجية و غير الإنسانية , يمكنها أن تنهبها , أو تبيدها أو تخضعها لإرادتها . و إذا أظهرت شيئا من الكرم أو الإنسانية تجاهها فإنها لا تفعل ذلك في أي حال انطلاقا من إحساسها بالواجب : و ذلك لأنها لا تملك أي واجب إلا لنفسها فقط , و تجاه أعضائها الذين يشكلونها بواسطة الاتفاق الحر , و الذين يستمرون بتشكيلها على نفس الأسس الحرة , أو , كما يحدث على المدى البعيد , يصبحون رعيتها أو أتباعها .

لأن القانون الدولي غير موجود , و لأنه لا يمكن أن يوجد بطريقة جدية وفعلية دون أن يضعف نفس أسس مبدأ سيادة الدولة المطلقة , فليس للدولة أية واجبات تجاه الشعوب الأجنبية . و إذا قامت عندها بمعاملة شعب مغلوب بشكل إنساني , إذا لم تذهب إلى أبعد مدى في سلبه و إبادته , و لم تدفعه إلى أدنى درجات العبودية , فإنها تفعل ذلك ربما بسبب اعتبارات النفعية و الحصافة السياسية , أو حتى بسبب المروءة المحضة , لكن ليس أبدا بسبب أن هذا هو واجبها – لأن لديها حق مطلق في التخلص منها بأي طريقة تجدها مناسبة .

هذا النفي الصارخ للإنسانية , الذي يشكل جوهر الدولة نفسه , هو من وجهة نظر الأخيرة واجبها الأسمى و أعظم فضائلها : إنها تسمى الوطنية و هي تشكل الأخلاق المتعالية للدولة . إننا نسميها بالأخلاق المتعالية لأنها تتجاوز عادة مستوى الأخلاق و العدالة الإنسانية , سواء أكانت خاصة أو عامة , و لذلك فإنها تضع نفسها غالبا في تناقض معها . لذلك , على سبيل المثال , إن إيذاء , اضطهاد , سرقة , نهب , قتل , أو استعباد شخص من نفس الدولة يشكل , بالنسبة للأخلاق العادية للإنسان , ارتكاب جريمة خطيرة .

لكن , على النقيض من ذلك , ففي الحياة العامة , انطلاقا من وجهة نظر الوطنية , عندما يفعل كل ذلك في سبيل المجد الأعلى للدولة بقصد المحافظة على قوتها أو زيادتها , يصبح كل ذلك واجبا و فضيلة . و هذا الواجب , هذه الفضيلة , إلزامي على كل مواطن وطني . يتوقع من كل فرد أن يقوم بهذه الواجبات ليس فقط فيما يتعلق بالغرباء بل أيضا فيما يتعلق بمواطنيه , أعضاء و أتباع أو رعايا نفس الدولة , في أي وقت يتطلب ذلك صالح الدولة .

إن القانون الأعلى للدولة هو حفظ ذاتها بأي ثمن . و طالما أن كل الدول , منذ أن وجدت على الأرض , قد حكم عليها بالصراع الأزلي – صراع ضد شعوبها بالذات , التي تقمعها و تدمرها , و صراع ضد كل الدول الأجنبية , عندها يمكن لكل دولة أن تكون قوية فقط إذا كانت بقية الدول ضعيفة – و لأن الدول لا يمكنها الصمود في هذا الصراع ما لم تستمر بتعزيز سلطتها ضد أتباعها أو رعيتها بالإضافة إلى الدول المجاورة – ينتج عن هذا أن القانون الأعلى للدولة هو تقوية سلطتها نحو إلحاق الضرر بالحرية الداخلية و العدالة الخارجية .

هذا هو في حقيقته الصارخة الأخلاق الوحيدة للدولة , هدفها الوحيد . إنها تعبد الإله نفسه فقط لأنه إلهها الحصري , القبول بسلطتها و ما تسميه حقها , الذي هو الحق في الوجود بأي ثمن و أن تتوسع دوما على حساب بقية الدول . أي شيء يخدم الوصول إلى هذه الغاية هو شيء جدير , شرعي , و فاضل . و أي شيء يلحق به الضرر هو إجرامي . إن أخلاق الدولة إذن هي عكس العدالة الإنسانية و الأخلاق الإنسانية .

هذه الأخلاق المتعالية , فوق الإنسانية , و بالتالي المعادية للإنسانية للدولة ليست فقط نتيجة لفساد البشر المكلفين بالقيام بوظائف الدولة . قد يقول أحدهم و هو محق أن فساد البشر نتيجة طبيعية و ضرورية لمؤسسة الدولة . هذه الأخلاق هي فقط نتيجة تطور المبدأ الأساسي للدولة , التعبير الحتمي لضرورتها الداخلية . ليست الدولة إلا نفي الإنسانية , إنها محددة جماعيا لكي تأخذ مكان البشرية و تريد أن تفرض نفسها على الأخيرة كهدف نهائي , فيما يخضع كل شيء آخر لها و يخدمها .

كان هذا طبيعيا و يمكن فهمه بسهولة في الأزمنة القديمة عندما كانت فكرة الإنسانية نفسها غير معروفة , و عندما كان كل شعب يعبد آلهته الوطنية حصريا , التي تعطيه حق الحياة و الموت على بقية الشعوب . وجد الحق الإنساني فقط بالنسبة لمواطني الدولة . كل من بقي خارج الدولة قد حكم عليه بالنهب , المجازر و العبودية .

تغيرت الأمور اليوم . أصبحت فكرة الإنسانية أكثر فأكثر قوة في العالم المتحضر , و نتيجة لتوسع و تزايد سرعة وسائل الاتصال , و أيضا بفضل التأثير , الذي ما يزال ماديا أكثر منه أخلاقيا , للحضارة على الشعوب البربرية بدأت فكرة الإنسانية تستحوذ حتى على عقول الشعوب غير المتحضرة . هذه الفكرة هي القوة غير المرئية لقرننا , التي يجب على القوى الحالية – الدول – أن تحسب حسابها . لا يمكنها أن تخضع لها بإرادتها الحرة لأن إذعانا كهذا من جانبها سيساوي انتحارها , حيث أن انتصار الإنسانية يمكن أن يتحقق فقط من خلال تدمير الدول . لكن لا يمكن للدول أن تنكر هذه الفكرة أكثر من ذلك أو أن تعاديها بشكل مكشوف , لأنها و قد أصبحت قوية جدا , قد تدمرها في النهاية .

في مواجهة هذا البديل المؤلم يبقى أمامها طريق واحد فقط : و هو النفاق . تظهر الدول احترامها الظاهر لفكرة الإنسانية هذه , إنها تتحدث و تفعل بشكل ظاهري باسمها , لكنها تنتهكها في كل يوم . لكن هذا يجب ألا يؤخذ ضد الدول . لأنها لا تستطيع أن تتصرف بطريقة أخرى , لقد أصبحت في موقف بحيث أنه يمكنها الاستمرار فقط بواسطة الكذب . ليس للدبلوماسية أية مهمة أخرى .

لذلك ما الذي نراه ؟ في كل مرة تريد فيه دولة ما إعلان الحرب على دولة أخرى , فإنها تبدأ بإطلاق بيان لا يوجه فقط لأتباعها بل إلى العالم بأكمله . تعلن في هذا البيان أن الحق و العدالة إلى جانبها , و تعمل على إثبات أنها مدفوعة إليها فقط بسبب حب السلام و الإنسانية و أنها , مضمخة بالأحاسيس الكريمة و السلمية , عانت طويلا في صمت حتى أجبرها الظلم المتزايد لعدوها على تجريد سيفها . في نفس الوقت تقسم أنها , و هي تحتقر كل الفتوحات المادية و لا تسعى وراء أي زيادة في أراضيها , ستضع حدا لهذه الحرب ما أن تستعاد العدالة . و يجيب خصمها ببيان مشابه , حيث سيكون الحق , العدالة , الإنسانية , و كل الأحاسيس الكريمة بشكل طبيعي إلى جانبه .

هذه البيانات المتعارضة تكتب بنفس البلاغة , تتنفس نفس الغضب الأخلاقي , و كل منهما حسن النية مثل الآخر , أي القول أن كليهما متساو في الوقاحة في أكاذيبه , و أن المغفلين فقط هم من يخدعون بها . الأشخاص المدركون ,  كل من يملك بعض الخبرة السياسية , لا يتجشمون حتى عناء قراءة مثل هذه البيانات . على العكس تجدهم يبحثون عن وسائل للكشف عن المصالح التي تدفع العدوين إلى الحرب , و تحديد القوة الخاصة بكل منهما للتنبؤ بنتيجة الصراع . الذي يبرهن فقط أن القضايا الأخلاقية ليست هي المهمة في هذه الحروب .

حقوق الشعوب , بالإضافة إلى المعاهدات التي تنظم العلاقات بين الدول , تفتقد أي إلزامات أخلاقية . التي تشكل في أي مرحلة تاريخية معينة تعبيرا ماديا عن التوازن الناتج عن العداء المتبادل بين الدول . إنها ستكون فقط تأجيلا طويلا , مماطلات تم التوصل إليها بين الدول المتحاربة إلى الأبد , لكن ما أن تشعر الدولة بأنها قوية بما يكفي لتدمير هذا التوازن لمصلحتها , فإنها لن تعجز عن فعل ذلك . يثبت لنا تاريخ البشرية هذه الفكرة بشكل كامل .

يوضح لنا هذا لماذا منذ أن بدء التاريخ , أي منذ ظهرت الدولة للوجود , فقد كان العالم السياسي دوما و سيستمر كذلك مسرحا للخداع و اللصوصية التي لا يشق غبارها – اللصوصية و الخداع التي ترتكب بتعظيم كبير , لأنها ترتكب باسم الوطنية , باسم الأخلاق المتعالية , و باسم المصلحة العليا للدولة . يوضح لنا هذا لماذا أن كل تاريخ الدول القديمة والحديثة ليس إلا سلسلة من الجرائم المقززة , لم أن الملوك و الوزراء الحاليين و السابقين في كل البلاد – رجال الدولة , الدبلوماسيين , البيروقراطيين , و المحاربين – إذا حكم عليهم من وجهة نظر الأخلاق البسيطة و العدالة الإنسانية , فإنهم يستحقون المشانق و الأشغال الشاقة ألف مرة .

لأنه لا يوجد هناك إرهاب , وحشية , انتهاك للحرمات , شهادة زور , خداع , إجراءات شائنة , سرقة تبعث على السخرية , سرقة وقحة , أو خيانة , لم ترتكب و لا تزال ترتكب يوميا من قبل ممثلي الدولة , دون أي مبرر آخر سوى هذه العبارة , المطاطة , و الملائمة في بعض الأحيان و الرهيبة : منطق الدولة . عبارة رهيبة بالفعل ! لأنها قد أفسدت و شوهت عددا من الأشخاص في الدوائر الرسمية و في الطبقات الحاكمة في المجتمع أكثر من المسيحية نفسها . ما أن تقال ( أي هذه العبارة ) حتى يصمت كل شيء و يغيب عن النظر : الشرف , الاستقامة , العدالة , الحق , الرأفة نفسها تختفي و معها المنطق و الحس , يصبح الأسود أبيضا و الأبيض أسودا , يصبح الشنيع إنسانيا , و أكثر الجنايات خسة و أكثر الجرائم فظاعة أفعالا جديرة بالتقدير .

ما هو مسموح للدولة محظور على الفرد . هذا هو مبدأ كل الحكومات . لقد قالها ميكيافيلي , إن التاريخ إضافة إلى ممارسة كل الحكومات المعاصرة تبرهن على هذه النقطة . إن الجريمة شرط ضروري لوجود الدولة نفسها , و تشكل لذلك احتكارها الحصري , و الذي ينتج عنه أن الفرد الذي يجرؤ على ارتكاب جريمة هو مذنب بمعنى مزدوج : إنه مذنب أولا ضد الوعي الإنساني , و فوق كل شيء , إنه مذنب ضد الدولة بأن ينتحل لنفسه واحدة من أكثر امتيازاتها الثمينة . 

نقلا عن : http://flag.blackened.net/revolt/anarchists/bakunin/writings/ethics_state.html

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031


أممية الاتحادات الأناركية : النضال من أجل حركة أناركية عالمية في الفكر والممارسة

تعريف بأممية الاتحادات الأناركية : النضال من أجل حركة أناركية عالمية في الفكر والممارسة

تناضل أممية الاتحادات الأناركية IAF/IFA في سبيل :

1 – إزالة جميع أشكال السلطة، اقتصادية كانت أو سياسية أو اجتماعية أو دينية أو ثقافية أو جنسية.
2- إقامة مجتمع حر من دون طبقات، أو دول، أو حدود، يتأسس على الفدرالية الأناركية والمنفعة المتبادلة mutual aid.

(من بيان مبادئ أممية الاتحادات الأناركية – المؤسس سنة 1968 في كرارا، إيطاليا).

إن إعلان المبادئ أعلاه يحدد بوضوح ما تأمل أممية الاتحادات الأناركية في تحقيقه، وهو برنامج طموح، لكنه الوحيد القادر على تحقيق أهداف الحرية، والسلام، والعدالة التي ناضل البشر من أجلها –بأساليب مختلفة- منذ بداية وجود الجنس البشري. فقد وجد دائماً وعلى مر التاريخ وفي كل مكان أناس كانت لهم أهداف وممارسات أناركية مع أنهم لم يطلقوا على أنفسهم وصف أناركيين.

ومع ذلك، فالأناركية المنظمة والصريحة نظرياً لم تظهر حتى القرن التاسع عشر بتأسس أول اتحاد أممي للأناركيين في سانت إيمير سنة 1872. وقد تأسس من قبل العمال (وكثير منهم من صانعي الساعات في سان إيمير نفسها) ومعهم ناشطون أناركيون أمميون كانوا قد سئموا من الطبيعة السلطوية للأممية الماركسية. إنه لأمر ذو دلالات مهمة أن الأناركيين ومع أنهم شكلوا مجموعات صغيرة نسبياً في كل بلد إلا أنهم على الفور سعوا إلى التنظيم على المستوى الأممي. إن أممية الاتحادات الأناركية تعتبر نفسها الوريث الشرعي لهذا العرف.

إن الحاجة إلى التضامن الأممي والتعاون بين الأناركيين هي ضرورية اليوم أكثر من أي وقت مضى. فكل جانب من جوانب حياتنا تتم إحاطته بنسيج نظام عالمي يقوم على السيطرة والهيمنة الاقتصادية والسياسية و الثقافية، ما قد يؤدي إلى الشعور بالعجز عندما لا نتمكن من تفريغ غضبنا على أولئك الذين يأخذون قرارات تؤثر على حياتنا. فشعوب أفغانستان والعراف قد ألقي بها إلى هاوية الاضطراب والكارثة نتيجة لتدخل كل من العسكرية الأمريكيةـ والإسلام المستورد من السعودية. والمحاصيل المعدلة جينيا يتم فرضها على المزارعين رغماً عنهم من البرازيل إلى بولندا. وبعض جزر المحيط الهادي أصبحت على حافة الزوال نتيجة للجشع والطمع بالطاقة في أماكن أخرى. و افريقيا –برغم تحررها من كبت الاستعمار الأجنبي – لا تزال عرضة للنهب المستمر من شركات كبرى ومؤسسات ضخمة وأمراء حرب وجنرالات محليين يسعون إلى إثراء أنفسهم على حساب السكان المحليين وبيئتهم. وظائف الناس وأمانهم وضماناتهم تعتمد على أسواق مالية عالمية متقلبة. وحتى الشعوب القبلية البعيدة والمنعزلة تفقد أسلوب حياتها نتيجة للطلب العالمي على مصادر بلدانهم.
لكننا لسنا عاجزين، علينا أن نجعل الأناركية الأممية سلاحنا في وجه كل ذلك.

إن أممية الاتحادات الأناركية هي جزء واحد فقط مما أصبح حركة أناركية عالمية. وأعضاؤها من الاتحادات ينشطون في مجال واسع من المهام، من المساعدة في تنظيم احتجاجات على قمة الثمانية إلى نشاطات تضامنية مع النضالات الجارية في أنحاء العالم.

ومع ذلك، فإن للأممية هوية مميزة، تجمع الأناركيين الاجتماعيين الذين يشددون على أهمية :
1- التنظيم على شكل اتحادات حرة.
2- الاندراج ضمن حركة الطبقة العاملة الأوسع.

ومع أن هناك فروقاً عديدة بين الاتحادات الأعضاء في الأممية، فهي مجتمعة على مبادئ العلاقة الترابطية بينها .

الاتحادات الأعضاء تشمل : الأرجنتين، وروسيا البيضاء، وبلغاريا، وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، وفرنسا، وألمانيا، وسويسرا، وبريطانيا وإيرلندا، وأيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، وإيطاليا، و روسيا. كما أننا على اتصال وثيق بمنظمات بلغارية وفنزويلية.

إن أممية الاتحادات الأناركية تقدم وسيلة للتواصل بين الرفاق من جميع أنحاء العالم. فالعدو الذي نواجهه هو نفسه في كل مكان، والتعرف على نضالات الآخرين قد يعطينا أفكاراً لنضالاتنا نحن.

وفي أوروبا، يمكن للتجربة الواسعة للرفاق من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا أن تساعد أولئك الذين يملكون تاريخاً أقصر بكثير منهم في النضال الأناركي مثل الرفاق في أوروبا الشرقية. وفي نفس الوقت، فإن الرفاق في شرق أوروبا الذين لم يثقلهم العرف والتقليد قادرون على إعطاء أبعاد و أفكار جديدة للنضال.

التواصل الجيد يمكن أن يكون ثورياً أيضاً إذا استطاع أن يكون ملهماً. فمجرد العلم بأن الناس في أماكن أخرى يصمدوون ويقاتلون هو مهم لؤلئك الذين قد يكونون يواجهون تراجعاً في النضال. هذه المعرفة يمكن أن تساعد الناس على الاستمرار أو قد تحفزهم على أن يباشروا هجوماً مضاداً كبيراً في نضالاتهم. وأهم ما في الأمر هو سماع النجاحات. فنشر هذه القصص الناجحة عن المقاومة له دور كبير في الدعاية الأناركية العالمية.

إن نضالات الطبقة العاملة في الأرجنتين قد جرى الترحيب بها بحماسة كبيرة من الناس في أوروبا. فالسماع بعمال يتجاهلون الرؤساء، والبنوك، والسياسيين ، ويقومون بالأمور بأنفسهم، قد رسخ الإيمان الذي لطالما امتلكه الأناركيون بقدرة العمال على تنظيم أنفسهم ذاتياً.

من المهم أيضاً وجود منتدى عالمي يمكن فيه إجراء نقاشات وحوارات نظرية. فالمعرفة بما يجري في بلدان مختلفة يمكن أن تساعدنا على تطوير تحليلنا للموقف الذي يواجهنا. فنحن نحتاج إلى امتلاك فهم عميق للحقائق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية حتى نتمكن من التنظم بفاعلية أكبر ونتمكن من استباق استراتيجيات عدونا.

إن تجار ب الفنزويليين مع تشافيز، والبرازيليين مع لولا، والبريطانيين مع بلير، كلها تساعد على تعزيز الرفض الأناركي للنهج الإصلاحي، الذي يبدو أنه يظن أن بوسع الدولة أن تحدث التغيير الاجتماعي.

والتجربة الإيطالية في الاضطهاد قدمت درساً مفيداً جعلنا نعي إمكانية أي حكومة ديمقراطية مزعومة أن تصبح سلطوية ودكتاتورية علناً.

إن الأممية تبقى في غاية الأهمية كسلاح ضد تنامي الصراعات العرقية والوطنية والقومية كما كانت خلال الحربين العالميتين. فالرفاق في يوغوسلافيا السابقة، ورغم تنظمهم كاتحادات منفصلة في بلدانهم، قد بدأوا بالاتحاد معاً على قاعدة أوسع، مظهرين أن الأناركيين يترفعون عن التقسيمات المأساوية للطبقة العاملة والتي أدت إلى الكثير من الألم والمعاناة.
فبتوفير إطار يتيح للأناركيين من بلدان وإثنيات مختلفة أن يتحدوا معاً ، تسهل أممية الاتحادات الأناركية عملية بناء حركة عمالية غير منقسمة.

أقامت أممية الاتحادات الأناركية IAF/IFA مؤتمرها الثامن في سنويتها الأربعين في هذه السنة 2008 في كرارا في إيطاليا. والذي ركز على تحليل الموقف العالمي ودور الأناركيين في هذا السياق الدولي حيث قامت الأممية بدعوة منظمات أخرى بالإضافة إلى الاتحادات الأعضاء، للمساعدة في توضيح الأفكار والتحليل، لتطوير استراتيجيات فعالة، والاستفادة من النضالات الجارية، وكسب الأمل والإلهام من معرفة أن الأناركية هي بالفعل حركة عالمية.

للتضامنية العالمية
سكرتاريا أممية الاتحادات الأناركية IAF/IFA
الاتحاد الأناركي في بريطانيا العظمى وإيرلندا

ترجمها للعربية : محمد عبد القادر الفار

http://1ofamany.wordpress.com

السجون : جريمة وفشل اجتماعيان

إيما جولدمان

 ترجمە: محمد عبد القادر الفار

السجون : جريمة وفشل اجتماعيان …

إيما جولدمان / من كتابها “الأناركية و مقالات أخرى” (Anarchism and Other Essays) الإصدار الثاني سنة 1911

في عام 1849، كتب فيودور دوستويفسكي على جدار زنزانته القصة التالية عن “الكاهن والشيطان”.

***

قال الشيطان للكاهن : ” مرحبا أيها الأب الصغير السمين ! ما الذي جعلك تكذب هكذا على هؤلاء الناس المساكين المضللين؟ أي عذابات من الجحيم صورت لهم؟ ألا تعلم أنهم يعانون أصلاً عذابات الجحيم في حياتهم على الأرض؟ ألا تعلم أنك أنت وسلطات الدولة مندوباي على الأرض؟ إنك أنت من تجعلهم يعانون آلام الجحيم الذي تهددهم به. ألا تعلم هذا؟ حسنا إذاً، تعال معي ! “

شد الشيطان الكاهن من ياقته، ورفعه عالياً في الهواء، وحمله إلى مكان سبك الحديد في مصنع. وهناك رأى العمال يركضون على عجل ذهاباً وإياباً، يكدحون في الحرارة الحارقة.

وسرعان ما يفوق الهواء الثقيل مع الحرارة احتمال الكاهن، فيتوسل إلى الشيطان والدموع في عينيه : “دعني أذهب ! دعني أترك هذا الجحيم !”.

” آه، يا صديقي العزيز، يجب أن أريك أماكن أخرى كثيرة”. ويمسك به الشيطان مرة أخرى ويسحبه إلى مزرعة. وهناك يرى العمال يدقون الحبوب. الغبار والحرارة لا يحتملان. ويأتي المراقب حاملاً سوطاً، يهوي به بلا رحمة على كل من يقع على الأرض عندما يغلبه الإرهاق من العمل الشاق أو الجوع.

وبعدها يأخذ الكاهن إلى الأكواخ التي يعيش فيها أولئك العمال مع أسرهم. جحور قذرة، باردة، مفعمة بالدخان، وكريهة الرائحة. يبتسم الشيطان ابتسامة عريضة، مشيراً إلى الفقر والمشقات في تلك البيوت.

ويسأل : ” حسنا، أليس هذا كافيا ؟ “.. ويبدو أن حتى الشيطان نفسه، مشفق على الناس.

وخادم الله التقي لا يكاد يحتمل، فيرفع يديه ويتضرع ” دعني أخرج من هنا، نعم، نعم! هذا هو الجحيم على الأرض ! “.

“حسناً إذاً، ها أنت ترى، ولا تزال تعدهم بجحيم آخر. تشق عليهم، تعذبهم حتى الموت معنوياً، في الوقت الذي هم فيه ميتون أصلاً في كل شيء عدا الموت الجسدي ! هيا بنا ! سأريك جحيماً آخر… جحيماً واحداً أخيراً… أسوأ جحيم على الإطلاق”.

أخذه إلى سجن، وأراه زنزانة، بهوائها الفاسد، والهيئات البشرية الكثيرة المسلوبة كل الصحة والقوة، الملقاة على أرضها، والمغطاة بالحشرات والهوام التي تتغذى على الأجسام الضعيفة، العارية، الهزيلة.

قال الشيطان للكاهن : ” اخلع عنك ملابسك الحريرية، وضع على كاحليك سلاسل ثقيلة كهذه التي يلبسها هؤلاء البائسون، استلق على الأرض الباردة القذرة، وعندها حدثهم عن الجحيم الذي لا زال ينتظرهم! “.

فأجاب الكاهن ” لا، لا ! لا أستطيع التفكير في أي شيء أكثر ترويعاً من هذا. أتوسل إليك، دعني أخرج من هنا!”

“نعم، هذه هي جهنم. لا يمكن أن يكون هناك جهنم أسوأ منها. ألم تكن تعلم بها؟ ألم تكن تعلم عن هؤلاء الرجال والنساء الذين ترعبهم بصورة جحيم أخروي … ألم تكن تعلم أنهم في الجحيم الآن، قبل موتهم؟”

***

تمت كتابة ذلك قبل خمسين سنة في روسيا المظلمة، على جدار أحد أفظع السجون. ومع ذلك، من يستطيع أن ينكر أن الوضع نفسه ينطبق وبنفس القوة على ما يحدث في الوقت الحاضر، حتى في السجون الأمريكية؟

مع كل الإصلاحات التي نتباهى بها، وتغيراتنا الاجتماعية الكبيرة، ومكتشفاتنا البعيدة، يستمر إرسال البشر إلى أسوأ أنوع الجحيم، حيث يتم الاعتداء عليهم وإذلالهم وتعذيبهم، من أجل “حماية” المجتمع من الأشباح التي يختلقها هو.

السجن….. حماية للمجتمع؟ ما العقلية الوحشية التي جاءت بفكرة كهذه؟ بل ليقولوا بنفس المنطق أنه يمكن تحسين الأوضاع الصحية عن طريق عدوى مرضية واسعة الانتشار!

بعد ثمانية عشر شهراً من الترويع في سجن إنجليزي، أعطى أوسكار وايلد للعالم رائعته العظيمة : “أنشودة سجن ريدنغ”، التي يقول في جزء منها:

الأعمال الدنيئة، كالطحالب السامة

تزدهر جيداً في هواء السجن

فقط ما هو جيد في الإنسان

هو ما يضيع ويذبل في السجن

الوجع الشاحب يبقي البوابة الثقيلة

والسجان هو اليأس

***

لا زال المجتمع يعمل على إدامة هذا الهواء السام، دون أن يدرك أنه لن ينتج عنه سوى أكثر النتائج سمّـيـّة.

إننا ننفق في الوقت الحاضر 3,500,000 دولار يومياً، 1,000,095,000 دولار سنوياً، لصيانة مؤسسات السجن. وهذا وفي دولة ديمقراطية، مبلغ يقترب بضخامته من مجموع كل من إنتاج القمح وقيمته 750,000,000 دولار و إنتاج الفحم وقيمته 350 مليون دولار.

البروفيسور بنشل Bushnell من واشنطن العاصمة يقدر كلفة السجون ب 6,000,000,000 دولار سنوياً. والدكتور ليدستون Dr. G. Frank Lydston ، وهو كاتب أمريكي من أبرز كتاب الجريمة، يعطي 5,000,000,000 كرقم معقول. (1)

فيا له من إنفاق لم يسمع به قط ننفقه في سبيل الحفاظ على جيوش ضخمة من الكائنات البشرية المودعة في أقفاص وكأنها وحوش برية!

ومع هذا فالجرائم في تزايد، وهكذا نكتشف أن عدد الجرائم لكل مليون نسمة في أمريكا قد تضاعف 4.5 مرة عما كان عليه قبل عشرين سنة.

والجانب الأكثر فظاعة هو أن الجريمة الوطنية لدينا هي القتل، وليست السرقة، أو الاختلاس، أو الاغتصاب، كما في الجنوب.

لندن مثلاً أكبر من شيكاغو بخمس مرات، ومع ذلك، تحدث مئة وثمانية عشرة جريمة قتل سنوياً في الأخيرة مقابل عشرين فقط في لندن. وليست شيكاغو المدينة الأولى في الجريمة، فهي تحتل المرتبة السابعة فقط على القائمة، تتقدمها أربع مدن جنوبية، وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس.

وبالنظر إلى وضع بهذه الفظاعة، من السخيف أن نثرثر عن الحماية التي يستمدها المجتمع من سجونه.

إن الذهن العادي بطيء في استيعاب حقيقة ما. ولكن عندما تثبت أكثر المؤسسات المركزية تنظيماً -والتي تتم المحافظة عليها على حساب نفقات وطنية هائلة- فشلاً اجتماعياً تاماً، فحتى أغبى الأغبياء سيبدأ يتساءل بالضرورة عن حقها في الوجود. لقد ولى الزمن الذي يمكننا أن نكون فيه راضين عن نسيجنا الاجتماعي فقط لأنه “مفروض بحق إلهي”، أو بسلطان القانون.

شهدت السنوات القليلة الماضية انتشاراً واسعاً لتحقيقات ونقاشات وتعليم عن السجون، وكانت تلك التحقيقات والنقاشات والتعليم دليلاً قاطعاً على أن الناس أصبحوا يتعلمون الحفر عميقاً للوصول إلى قاع المجتمع وإلى أسباب ذلك التعارض الرهيب بين حياة المجتمع والفرد.

فلماذا كانت السجون جريمة وفشلاً اجتماعيين؟ للإجابة على هذا السؤال الجوهري، ينبغي علينا أن نبحث عن طبيعة الجرائم وأسبابها، والطرق المتبعة في التغلب عليها، وأثر هذه الطرق في تخليص المجتمع من شؤم الجرائم ورعبها.

أولاً، في ما يتعلق بطبيعة الجريمة :

يقسم هافلوك أليس (عالم نفسي كبير، المترجم) الجريمة إلى أربع مراحل: سياسية، وانفعالية، وجنونية، وعرضية.

*ويقول أن المجرم السياسي هو ضحية محاولة حكومة استبدادية المحافظة على استقرارها. فهو ليس بالضرورة مذنباً بإساءة ضد المجتمع، هو ببساطة يحاول قلب ترتيب سياسي معين قد يكون هو نفسه ضد المجتمع. هذه الحقيقة معروفة في كل أنحاء العالم، باستثناء أمريكا حيث لا تزال الفكرة الحمقاء سائدة عن أنه لا مكان للمجرمين السياسيين في نظام ديمقراطي.

ومع ذلك فإن جون براون (ثائر أمريكي أبيض ضد نظام الرق، المترجم) كان مجرماً سياسياً، وكذلك أناركيو شيكاغو؛ وكذلك كل مضرب عن العمل . يقول هافلوك أن المجرم السياسي في زماننا أو مكاننا قد يكون بالتالي البطل، أو الشهيد، أو القديس بالنسبة لزمن آخر. سيزار لومبروزو (عالم جريمة إيطالي، المترجم) يعتبر المجرم السياسي المؤشر الحقيقي على حركة التقدم في الإنسانية.

* “المجرم بالانفعال هو عادة شخص سوي الولادة، وصادق في حياته، قام تحت وطأة ظلم كبير لا يستحقه بصنع العدالة لنفسه” (2)

الكاتب هوغ س. وير Hugh C. Weir في قصته “تهديد البوليس” “The Menace of the Police” يستشهد بقضية جيم فلاهيرتي Jim Flaherty ، وهو مجرم بالانفعال، بدلاً من أن يتم إنقاذه من قبل المجتمع، يتم قلبه إلى سكير من أصحاب السوابق، مع عائلة مدمرة وفقيرة كنتيجة لذلك.

نموذج محزن بشكل أكبر هو “آرتشي”، الضحية في رواية براند ويتلوك Brand Whitlock “تحول التوازن” “Turn of the Balance”، وهي أعظم تعرض أمريكي للجريمة يجري العمل عليه.

آرتشي ، وبدرجة أكبر من فلاهيرتي، انقاد إلى الجريمة والموت عبر قسوة ووحشية بيئته، وعبر المطاردة اللاإنسانية من قبل أجهزة القانون. آرتشي و فلاهيرتي هما مجرد نموذجين من آلاف كثيرة، تظهر كيف أن الجوانب القانونية للجريمة، وطرق التعامل معها، تساعد على خلق المرض الذي يقوض حياتنا الاجتماعية بأكملها.

* ” المجرم المجنون لا يمكن اعتباره مجرماً حقيقة إلا بقدر ما يمكن اعتبار طفل كذلك، لأنه في نفس الوضع الذهني للطفل الرضيع أو الحيوان”. (3)

القانون يعترف بذلك أصلاً، ولكن فقط في حالات نادرة تكون سافرة جداً في طبيعتها، أو عندما تسمح ثروة الجاني برفاهية الجنون الإجرامي. لقد أصبح من الدارج جداً أن يكون ضحيةً للبارانويا (جنون الاضطهاد، المترجم). ولكن إجمالاً، تستمر “سيادة العدالة” في معاقبة المجنون إجرامياً بكامل صرامة قوتها. ومن هنا يستشهد “هافلوك أليس” بإحصائيات د.ريختر (عالم ألماني،المترجم) التي تظهر أنه في ألمانيا حكم على مئة وستة رجال مجانين، من أصل مئة وأربعة وأربعين مجنوناً إجرامياً، بعقوبات شديدة.

*المجرم العرضي “يمثل وإلى حد بعيد أضخم فئة من نزلاء السجون عندنا، ومن هنا يأتي أعظم تهديد للصالح الاجتماعي.” ما هو السبب الذي يرغم قطاعاً ضخماً من العائلة الإنسانية على الجريمة، على تفضيل الحياة الفظيعة داخل جدران السجن على الحياة خارجه؟ لا بد أن هذا السبب هو بالتأكيد من النوع الذي يقهر الحديد، ولا يترك لضحاياه أي سبيل للهرب، لأن أشد الناس فساداً يحب الحرية أيضاً.

هذه القوة المروعة (التي تدفع للجريمة، المترجم) هي مفروضة بفعل ترتيبنا الاجتماعي والاقتصادي القاسي. لا أقصد أن أنكر دور العوامل البيولوجية، والفسيولوجية، أو السيكولوجية في خلق الجريمة؛ ولكنك لن تكاد تجد أياً من باحثي الجريمة الكبار لا يقر بأن التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية هي أكثر جراثيم الجريمة قسوة وسمية. وحتى مع التسليم بأن هناك نزعات إجرامية فطرية، فإنه من الصحيح بالرغم من ذلك أن هذه النزعات تجد تغذية غنية في بيئتنا الاجتماعية.

يقول “هافلوك أليس” أن هناك علاقة قوية بين الجرائم ضد الأشخاص و ثمن الكحول، بين الجرائم ضد الممتلكات وثمن القمح. ويستشهد بكيتيليه Quetelet ولاكاساني Lacassagne (علماء جريمة، المترجم) حيث نظر الأول إلى المجتمع على أنه المحضـّر للجريمة، وإلى المجرمين على أنهم أدوات تنفيذها. أما الأخير فقد وجد أن “البيئة الاجتماعية هي وسط زراعة الإجرام؛ والمجرم هو الميكروب، فهو عنصر يصبح مهماً فقط حين يجد الوسط الذي يجعله يتخمر؛ “لدى كل مجتمع المجرمون الذين يستحقهم” “.(4)

إن العهد الصناعي الأكثر ” رخاء ً ” يجعل من المستحيل على العامل أن يجني ما يكفي للحفاظ على صحته وقوته. والرخاء، في أفضل الأحوال، هو وضع خيالي. فآلاف الناس تنضم باستمرار إلى جموع العاطلين عن العمل. ومن الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، يتشرد هذا الحشد الضخم بحثاً عن العمل أو الطعام، وكل ما يجدونه هو الملاجئ أو الأحياء الفقيرة المزدحمة. وهؤلاء الذين يتحلون بذرة من الاحترام للنفس منهم يفضلون العصيان والتمرد المفتوح، يفضلون الجريمة، على حالة الفقر الهزيلة والمذلة.

إدوارد كاربنتر Edward Carpenter (شاعر وفيلسوف اشتراكي، المترجم) يقدر أن خمسة أسداس الجرائم التي يتم توجيه الاتهام فيها تتكون من بعض الانتهاك لحقوق الممتلكات. ولكن ذلك رقم متدن جداً. فاستقصاء شامل سيثبت أن تسعة من كل عشر جرائم تعود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مظالمنا الاجتماعية، إلى نظامنا الوحشي في الاستغلال والسرقة. لا يوجد مجرم مهما كان غبياً لا يدرك هذه الحقيقة الفظيعة، حتى لو لم يكن قادراً على تفسيرها.

إن تجميعاً للفلسفات الإجرامية، التي وضعها هافلوك إليس، ولومبروزو، وغيرهم من كبار الباحثين، تظهر أن المجرم يشعر بشكل جازم بأن المجتمع هو الذي يقوده إلى الجريمة. قال لص ميلاني للومبروزو : ” أنا لا أسرق، أنا آخذ من الأغنياء فقط ما هو فائض أو زائد، بالإضافة إلى ذلك، أليس المحامون والتجار يسرقون؟” وكتب قاتل “لأنني أعرف أن ثلاثة أرباع الفضائل الاجتماعية هي رذائل جبانة، فكرت أن هجوماً صريحاً على رجل غني قد يكون أقل خسة من التركيبة الحذرة للنصب والاحتيال”. وكتب آخر : “إنني مسجون لسرقة نصف دزينة بيض. والوزراء الذي يسرقون الملايين يتم احترامهم وتقديرهم. مسكينة يا إيطاليا !”. وقال محكوم مدان متعلم للسيد دافيت (مايكل دافيت، سياسي وبرلماني إيرلندي، المترجم) : إن قوانين المجتمع تؤطر لربط ثروات العالم بالقوة والاعتبار، وبالتالي حرمان الجزء الأكبر من البشر من حقوقهم وفرصهم. لماذا عليهم أن يعاقبوني على الأخذ – بطرق مشابهة نوعاً ما- من أولئك الذين أخذوا أكثر من حقهم؟” وأضاف الرجل نفسه :” الدين يسرق روح استقلاليته؛ فالوطنية هي العبادة الغبية للعالـَم الذي تمت التضحية لأجله بمصلحة وسلام سكانه من قبل أولئك الذين يربحون بواسطته، بينما قوانين الأرض، في كبت الرغبات الطبيعية، كانت تشن الحرب على الروح الواضحة لقانون كينوناتنا” واستنتج قائلاً : “مقارنة بهذا، تكون السرقة حرفة شريفة”. (5)

حقاً، هناك صدق أكبر في هذه الفلسفة من كل كتب المجتمع القانونية والأخلاقية.

*****

والآن، حيث أن العوامل الاقتصادية، والسياسية، والأخلاقية، والجسمية هي ميكروبات الجريمة، كيف يقابل المجتمع الموقف؟

إن طرق التعامل مع الجريمة مرت بلا شك بعدة تغيرات، ولكن من ناحية نظرية بالدرجة الأولى. أما عملياً، فقد احتفظ المجتمع بدافعه البدائي في التعامل مع المخالف للقانون بأسلوب الانتقام. كما أنه تبنى الفكرة الدينية؛ العقاب أو القصاص؛ أما الطرق القانونية و””المتحضرة”” فتتكون من الردع أو الترهيب، والإصلاح. وها نحن نرى أن الأنماط الأربعة كلها (الانتقام و القصاص و الترهيب و الإصلاح، المترجم) قد فشلت فشلاً ذريعاً، وأننا اليوم لسنا أقرب من الحل مما كنا في عصور الظلام.

إن الغريزة الطبيعية للإنسان البدائي في رد الاعتداء بمثله، أو بالثأر من الظلم، قد مضى وقتها. وبدلاً من ذلك، فوض الإنسان المتحضر –المتجرد من الشجاعة والجرأة- جهازاً منظماً بمهمة الثأر لما لحقه من ضرر، باعتقاد غبي منه بأن الدولة لها المبرر في فعل ما لم تعد لديه الرجولة أو الصلابة لفعله. إن “سلطان القانون” هو شيء محسوب، فهو لا ينصاع للغرائز البدائية. فوظيفته ذات طبيعة “أعلى”. صحيح أنه لا زال منغمساً في التشويش الديني، الذي ينادي بالقصاص كوسيلة للتطهير أو التزكية، أو التكفير بالوكالة عن الخطيئة. ولكن قانونياً واجتماعياً، يمارس القانون العقاب ليس فقط لإيقاع جزاء مؤلم بالمذنب، بل لأثره التخويفي على الآخرين أيضاً.

ما هو الأساس الحقيقي للعقاب على أية حال؟

الفكرة العامة عن الإرادة الحرة، عن أن الإنسان هو في كل الأوقات ممثل للخير أو للشر؛ فإذا اختار الشر، كان عليه أن يدفع الثمن. ومع أن هذه الفكرة أيضاً جرى منذ زمن بعيد نسفها وإلقاؤها إلى أكوام القمامة، فإن تطبيقها يستمر يومياً من قبل الجهاز الحكومي بأكمله، الذي يحولها إلى أكثر معذب للحياة الإنسانية قسوة ووحشية. والسبب الوحيد لاستمرارها هو فكرة أسوأ وأكثر قسوة تتصور أنه كلما زاد انتشار العقوبات الترهيبية، زاد أثرها الوقائي والرادع رسوخاً.

إن المجتمع يستخدم أكثر الطرق عنفاً في التعامل مع المذنبين، فلماذا لا يرتدعون؟

ورغم أنه يفترض أن المتهم في أمريكا بريء حتى تثبت إدانته، فإن أدوات القانون، أي الشرطة، تمارس سلطة إرهابية، فتقوم باعتقالات عشوائية، وتعتدي على الناس، وتنهال عليهم بالعصي والهراوات، وتتنمر عليهم، مستخدمة وسائل “الدرجة الثالثة” (التعذيب الجسدي والنفسي والتهديد في استجواب المتهم، المترجم) الهمجية، معرضة ضحاياها البائسين لهواء المخافر القذر، ولغة حراسها الأكثر قذارة. ومع هذا فإن الجرائم تتضاعف بشكل سريع، والمجتمع يدفع الثمن.

ومن ناحية أخرى، عند منح المواطن البائس كامل “رحمة” القانون بإخفائه لغاية الحماية في أسوأ جحيم في العالم (السجن)، فإن رحلة معاناته وآلامه العظيمة تبدأ، وذلك لم يعد سراً. تسلب حقوقه هناك ككائن بشري، ويحط من قدره، فيعامل كمجرد إنسان آلي لا إرادة ولا شعور له، معتمد بشكل كامل على رحمة تأتي من سجانيه القساة، وبذلك يمر بشكل يومي بعملية تجريد من الإنسانية يصبح الانتقام البدائي الهمجي إذا ما قورن بها مجرد لعب أطفال.

ليست هناك مؤسسة جزائية أو إصلاحية واحدة في الولايات المتحدة لا يتم فيها تعذيب الناس “لجعلهم صالحين” باستخدام وسائل مثل ساق البلوط، والهراوة، والسترة الضيقة، والتعذيب بالماء (بإجبار الشخص على شرب كميات ضخمة من الماء، المترجم)، و”الطائر الطنان” (وهو ابتكار يتم فيه تمرير الكهرباء داخل جسم الإنسان)، والعزل، وحلبة مصارعة الثيران، والتجويع.

ففي هذه المؤسسات يتم كسر إرادة الإنسان، وإذلال روحه المعنوية، وإخماد حيويته، عن طريق الرتابة القاتلة والروتين في حياة السجن.

في أوهايو، و إلينوي، و بنسلفانيا، و ميسوري، و في الجنوب أصبحت هذه الأمور المروعة سافرة ومفضوحة إلى حد الوصول إلى الخارج، بينما في معظم السجون الأخرى لا تزال نفس الأساليب المسيحية سائدة، لكن جدران السجون نادراً ما تسمح لصرخات المعذبين بالإفلات، فجدران السجن سميكة، تكبت الصوت.

إنه لأأمن وأكثر مناعة ً للمجتمع أن يقوم على الفور بإزالة جميع السجون من أن يأمل في الحماية من حجرات القرن العشرين المروعة تلك.

عاماً بعد عام، تعيد بوابات جحيم السجون إلى العالم ما هو أشبه بطاقم محطم المركب، هزيل، مشوه، فاقد للإرادة، بوصمة قابيل على الجبين، آماله محطمة، وجميع رغباته وميوله الطبيعية قد انحرفت، ولا ينتظره في الخارج سوى الجوع ووحشية الناس. وسرعان ما ينهار هؤلاء الضحايا مجدداً للجريمة كونها الإمكانية الوحيدة للبقاء. فليس غريباً البتة أن تجد رجالاً ونساءً قضوا نصف حياتهم، بل قل كاملها تقريباً في السجن. أعرف امرأة في جزيرة بلاكويل Blackwell (جزيرة روزفلت حالياً، المترجم) دخلت وخرجت من السجن ثمانياً وثلاثين مرة، ومن خلال صديق علمت أن صبياً في السابعة عشرة، اعتنى به صديقي ومرضه في إصلاحية بتسبرغ، لم يعرف معنى الحرية في حياته التي قضاها بين الأحداث و الإصلاحية، حتى مات بجسده المحطم ضحيةً للانتقام الاجتماعي.

هذه التجارب الشخصية تثبتها بيانات شاملة تزودك ببرهان غامر على التفاهة المطلقة للسجون كوسيلة للردع أو للإصلاح.

إن أصحاب النوايا الطيبة يعملون على اتجاه جديد في ما يخص مسألة السجون: إعادة التأهيل، بمعنى أن نعيد إلى السجين مرة أخرى الفرصة في أن يكون كائناً بشرياً. ومع أن هذا التوجه جدير بالثناء، إلا أنني أخشى أن من المستحيل أن نأمل بنتائج جيدة من صب نبيذ فاخر في قنينة رديئة. فأي حل لا يشتمل على إعادة بناء شاملة للمجتمع بأكمله لا يمكن أن يخلص البشر من سرطان الجريمة.

ومع هذا، فإذا كان بالإمكان شحذ الحافة غير الماضية لضميرنا الاجتماعي، فإن المؤسسات الجزائية قد يتم إعطاؤها وجهاً جديداً من الورنيش. لكن الخطوة الأولى التي يجب أخذها هي تجديد الوعي الاجتماعي المتداعي، فهو في حاجة ماسة إلى تنبيهه إلى حقيقة أن الجريمة هي مسألة درجة، وأننا جميعاً لدينا بذور الجريمة في داخلنا، والتي تتفاوت في درجاتها تبعاً لبيئتنا الذهنية والجسمانية والاجتماعية، وأن المجرم الفردي هو مجرد ردة فعل تلقائية لميول المجموع.

وبإيقاظ الوعي الاجتماعي، قد يتعلم الفرد العادي أن يرفض “شرف” أن يكون كلباً بوليسياً للقانون، قد يتوقف عن اضطهاد، واحتقار المخالف للقانون وعدم الوثوق به، فيقوم بإعطائه الفرصة ليعيش ويتنفس بين أقرانه. أما المؤسسات فالوصول إليها أصعب بالطبع، فهي باردة، ومتحجرة، وقاسية؛ ومع هذا فإنه بتسريع الوعي الاجتماعي، قد يكون من الممكن تحرير ضحايا السجون من وحشية موظفي السجن وحراسه. فالرأي العام سلاح قوي؛ حتى حراس الفريسة الآدمية يخافونه. وبهذا قد يتعلمون القليل من الإنسانية، خصوصاً إذا أدركوا أن وظائفهم تعتمد على ذلك.

لكن الخطوة الأكثر أهمية هي المطالبة بحق السجين في العمل خلال وجوده في السجن، مع بعض المردود المالي الذي يتيح له أن يدخر القليل ليوم خروجه وبداية حياة جديدة.

إنه لمن السخيف تقريباً أن نأمل بالكثير من هذا المجتمع عندما نرى أن الشغيلة، الذين هم أنفسهم عبيد مأجورون، يعترضون على عمل المساجين.

لن أخوض في وحشية هذا الاعتراض، لكنني سأنظر إلى عدم عمليته فقط.

ابتداءً، إن المعارضة التي ترفعها اتحادات العمال حتى الآن ظلت موجهة ضد طواحين الهواء. فالمساجين كانوا يعملون دائماً؛ وكانت الدولة وحدها المستغل لهم، مثلما ظل رب العمل الفردي هو السارق لاتحادات العمال.

الولايات إما أن توظف المساجين للعمل لمصلحة الحكومة، أو أن توظفهم للعمل لمصلحة أفراد. تسع وعشرون من الولايات تتبع الخطة الثانية. الحكومة الفدرالية وسبعة عشرة ولاية رفضتها، كما فعلت الشعوب المتقدمة في أوروبا، لأن ذلك يؤدي إلى أعمال شاقة بشعة و إلى إساءة في معاملة السجناء، وإلى ابتزاز لا ينتهي.

رودي آيلاند، الولاية التي يسيطر عليها نيسلون ألدريتش (سياسي واقتصادي جمهوري، المترجم) ربما تعطي أسوأ مثال على ذلك. فضمن عقد لخمس سنوات مؤرخ في السابع من يوليو 1906 وقابل للتجديد لخمس سنوات أخرى حسب ما يختاره المتعهدون الخصوصيون، بيع عمل نزلاء سجن رودي آيلاند الإصلاحي و سجن المقاطعة لشركة “ريلاينس سترلنج الصناعية” Reliance-Sterling Mfg. Co. بسعر أقل من 25 سنتاًً للعامل يومياً.

هذه الشركة هي بالفعل مؤسسة احتكارية عملاقة لعمل السجناء، فهي تستأجر أيضاً عمل سجناء سجون كونيكتيكت ، و ميتشغان، و إنديانا، و نبراسكا، وساوث داكوتا، وكذلك إصلاحيات نيو جيرسي، وإنديانا، وإيلينوي، وويسكونسن، أي بمجموع إحدى عشر مؤسسة.

إن فداحة الابتزاز تحت عقد رودي آيلاند يمكن تقديرها من حقيقة أن هذه الشركة نفسها تدفع 62,5 سنتاً يومياً لعمل السجناء في نبراسكا، بينما تحصل تينيسي مثلاً على 1,10 دولار يومياً لعمل السجناء من شركة “جري ددلي هاردوير” Gray-Dudley Hardware Co، وتحصل ميسوري على 70 سنتاً يومياً من شركة “ستار أوفرول الصناعية”، وتحصل ويست فيرجينيا على 65 سنتاً يومياً من “شركة كرافت الصناعية”، وماريلاند تحصل على 55 سنتاً يومياً من “شركة أوبنهيم و أوبيرندورف لتصنيع القمصان”.

هذا الاختلاف الكبير في الأسعار يشير إلى ابتزاز هائل. فعلى سبيل المثال، تصنع شركة “ريلاينس سترلنج الصناعية” قمصاناً تكلفة العمالة الحرة للدزينة منها لا تقل عن 1,20 دولار، بينما تدفع لسجناء رودي آيلاند 30 سنتاً للدزينة. وفوق هذا، لا تأخذ الدولة أي إيجار من هذه المؤسسة الاحتكارية لقاء استخدام مصنعها الضخم، ولا تأخذ أي رسوم مقابل استخدامها الطاقة، والحرارة، والإضاءة، أو حتى الصرف، ولا تفرض أية ضرائب. فيا له من ابتزاز ! (6)

يـُقدَّر أن ما تفوق قيمته الإثني عشر مليون دولاراً من قمصان وأفرولات العمال يتم إنتاجه سنوياً في هذه البلاد من عمل السجناء. وهذه الصناعة هي صناعة نسوية بالدرجة الأولى، وبالتالي فالانعكاس الأول الذي يطرأ من ذلك هو أن قدراً كبيراً من العمالة النسائية الحرة سيتم استبدالها والاستغناء عنها. والانعكاس الثاني هو أن السجناء الذكور، الذين من المفترض أنهم يتعلمون في السجن حرفاً تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم بعد خروجهم، يتم الإبقاء عليهم في هذا العمل الذي لن يمكنهم من جني دولار واحد بعد خروجهم لأنه عمل توظف فيه العاملات. وهذا الأمر أكثر خطورة عندما نرى أن معظم هذا العمل يجري في الإصلاحيات، التي تدعي جهارة أنها تدرب نزلاءها ليصبحوا مواطنين نافعين.

الاعتبار الثالث والأكثر أهمية هو أن الأرباح الضخمة التي يتم انتزاعها بذلك من عمل السجناء هي حافز دائم للمتعهدين لاغتصابها من أعمال ضحاياهم التعساء بما يفوق قوتهم تماما، ولمعاقبتهم بقسوة عندما لا يرقى عملهم إلى مستوى الطلب المتزايد.

كلمة أخرى عن جعل السجناء يقومون بمهام لا يمكنهم أن يأملوا بجني أي رزق منها بعد إطلاقهم. إنديانا، على سبيل المثال، هي ولاية قامت بكثير من التباهي بكونها تحتل المرتبة الأولى في التحسينات البانولوجية، ومع هذا، وحسب تقرير قدمه سنة 1908معهد التدريب في “إصلاحيتها”، فإن 135 تم استخدامهم في صناعة السلاسل، و207 في صناعة القمصان، و255 في سبك المعادن، بمجموع 597 في الوظائف الثلاث. ولكن في تلك التي تسمى إصلاحية تم تمثيل 59 وظيفة من قبل النزلاء، 39 منها كانت متصلة بحرف ريفية. فإنديانا، كغيرها من الولايات، تدعي أنها تدرب نزلاء إصلاحيتها على حرف تؤهلهم لجني رزقهم عند إطلاقهم. لكن ما تفعله في الحقيقة هو استخدامهم في عمل السلاسل، القمصان، والمكانس وهذه الأخيرة هي لصالح شركة لويزفيل فانسي جروسري. صناعة المكانس هي صناعة تقتصر إلى حد كبير على المكفوفين، وصناعة القمصان على النساء، وهناك مصنع سلاسل واحد فقط في الولاية وحيث لا يمكن لسجين تم إطلاقه أن يأمل بالحصول على وظيفة. فالأمر كله مهزلة قاسية.

إذا كانت الولايات الآن تساهم في سرقة تلك الأرباح الضخمة من ضحاياها الضعفاء، ألم يحن الوقت لتتوقف اتحادات العمال عن نباحها الفارغ، وأن تصر على تعويض ٍ مرض ٍ للسجناء، بشكل مساو لما تطالب به هذه المنظمات العمالية لنفسها؟ بهذه الطريقة فقط ستقتل الجرثومة التي تجعل السجين عدواً لمصالح العمال. لقد قلت في موضع آخر أن آلاف السجناء ممن هم غير مؤهلين وبدون حرفة وبدون وسيلة للبقاء تتم إعادتهم سنوياً إلى القطيع الاجتماعي. هؤلاء الرجال والنساء يجب أن يعيشوا، لأن السجين السابق له احتياجات أيضاً.

حياة السجن جعلت منهم كائنات غير اجتماعية، والأبواب الموصدة التي تقابلهم بعد إطلاق سراحهم ليس من المحتمل أن تقلل وجعهم. والنتيجة المحتمة هي أن يشكلوا نواة مناسبة يخرج منها المخبرون والطابور الخامس كالذين يواصلون العمل خلال الإضرابات العمالية و رجال الشرطة الذين كل همهم هو تلبية طلبات أسيادهم.

وبهذا فإن الاتحادات العمالية بمعارضتها الحمقاء للعمل في السجون تخدع نفسها، فهي تساعد على خلق أبخرة سامة تخنق كل محاولات الإصلاح الاقتصادي. فإذا أراد العامل تفادي هذه التأثيرات، عليه أن يصر على حق السجين في العمل، وعليه أن يقابله كأخ له وأن يأخذه إلى منظمته، لينقلب بمساعدته ضد النظام الذي يطحنهما معاً.

أخيراً وليس آخراً يأتي الإدارك المتنامي لهمجية وعدم ملاءمة الأحكام المحددة بمدة معينة. وهؤلاء الذين يؤمنون بضرورة التغيير ويتوقون إليه بجدية، يصلون بسرعة متزايدة إلى استنتاج أن الإنسان يجب أن يعطى الفرصة ليفعل الخير. ولكن كيف سيفعله وأمامه 10 أو 15 أو 20 سنة ليقضيها في السجن؟ إن الأمل بالحرية وبالفرصة المناسبة هو الحافز الوحيد للحياة، وخصوصاً بالنسبة للسجين. فالمجتمع قد أذنب في حقه طويلاً، وينبغي عليه على الأقل أن يترك له ذلك الأمل. لست واثقة كثيراً من أن المجتمع سيفعل ذلك، أو من أن أي تغيير حقيقي في ذلك الاتجاه قد يحدث حتى يتم القضاء وإلى الأبد على تلك الظروف التي تنتج كلاً من السجين والسجان.

تخرج من فمه وردة حمراء، حمراء ! (7)

ومن قلبه أخرى.. بيضاء

إذ ْ من يمكن أن يقول بأي طريقة غريبة

يحضر المسيح مشيئته إلى النور

فالعصا القاحلة التي حملها الحاج

قد أزهرت أمام البابا العظيم؟ ( 8 )

(أنشودة سجن ريدنغ… أوسكار وايلد)

……

– تم –

(1) Crime and Criminals. W. C. Owen

The Criminal, Havelock Ellis (2)

The Criminal (3)

The Criminal (4)

The criminal (5)

Quoted from the publications of the National Committee on Prison Labor (6)

(7) يتحدث عن زميل له في السجن وهو قاتل نفذ فيه حكم الإعدام وإليه أهدى القصيدة.(المترجم)

(8) يتحدث عن أسطورة “تانهوزر” الذي قال له البابا عندما سأله إذا كان بالإمكان أن تغتفر خطاياه أنها يستحيل أن تغتفر لشناعتها إلا كما يمكن لعصاه الجافة أن تزهر.. وبعد ثلاثة أيام أزهرت العصا بالفعل! (المترجم)

محمد عبد القادر الفار    http://1ofamany.wordpress.com

برنامج الأخوية الأممية

كتب سنة: 1869
المصدر: بوكانين حول الفوضوية 1971 (ترجمة Sam Dolgoff )
مصدر الترجمة: برنامج الأخوية الأممية بالقسم الانجليزي

ترجمة ونسخ: مازن كم الماز (يوليو 2006)


تشير كل الدلائل أن “الأخوية الأممية” السرية، المسماة أيضا “التحالف السري” قد تم حلها رسميا في أوائل 1869. ردا على اتهامات المجلس العام للأممية أنكر كلا من باكونين وغيلوم وجودها. من المؤكد أنه كان هناك مجموعة غير رسمية من أنصار أفكار باكونين ولكن، كما يقول غيلوم، كمنظمة رسمية، فإن (الأخوية الأممية) “وجدت فقط نظريا في دماغ باكونين كحلم أطلق له العنان بابتهاج…”. لكن هذا لا يقلل من أهمية الأفكار التي صيغت في هذا البرنامج التي كتبها باكونين.
فيما لا يغطي البرنامج كل المواضيع المناقشة في الإنجيل الثوري*، فهو يحتوي صياغة أكثر تركيزا وتطورا لأفكار باكونين عن الإستراتيجية الثورية، عن الاستيلاء على ملكية الدولة والكنيسة والملكية الخاصة، وتحويلها إلى ملكية جماعية (تعاونية) لجمعيات عمال الصناعة والزراعة المتحدين، الثقة بالقدرة الخلاقة للجماهير، العنف والإرهاب الثوريين، الثورة عبر دولة “اشتراكية” مركزية، وفوق كل شيء، مهام حركة الطليعة التحررية (الأخوية الأممية) في الثورة الاجتماعية.

ترغب منظمة الأخوية الأممية في ثورة ستكون في نفس الوقت عالمية، اجتماعية، فلسفية واقتصادية، بحيث لا يبقى أي حجر في مكانه، أولا في كل أوروبا، ومن ثم في بقية العالم، لتغيير النظام الحالي للأشياء الذي يقوم على الملكية، الاستغلال، الهيمنة وكل مبادئ السلطة، سواء أكانت دينية، ميتافيزيقية، عقيدية على الطريقة البرجوازية أو حتى ثورية على الطريقة الياكوبية. داعين إلى السلام للعمال والحرية للجميع، نريد أن نهدم كل الدول وكل الكنائس، وكل مؤسساتها وقوانينها السياسية، المالية، القانونية، البوليسية، التعليمية، الاقتصادية والاجتماعية، بحيث أن كل تلك الملايين من الكائنات البشرية البائسة، المخدوعة، المستعبدة، المعذبة، المستغلة، سوف تتحرر من كل الموجهين والمحسنين الرسميين وغير الرسميين – سواء كانوا مؤسسات أو أفراد – وفي النفس الأخير إلى حرية كاملة.

مقتنعون أن الشر الفردي والاجتماعي يكمن بشكل أقل بكثير في الأفراد منه في تنظيم الأشياء المادية وفي الظروف الاجتماعية، فنحن سنكون إنسانيين في أفعالنا في سبيل العدالة كما بسبب اعتبارات عملية، وأننا سندمر بدون شفقة كل ما يعترض طريقنا بدون تعريض الثورة للخطر. إننا ننكر إرادة المجتمع الحرة وحقه المزعوم في العقاب. العدل ذاته مأخوذ بأكثر معانيه إنسانية وأوسعها ليس إلا فكرة وبالتالي يمكن القول أنه ليس عقيدة مطلقة، إنه يطرح المشكلة الاجتماعية ولكنه لا يفكر للخروج منه، إنه يدل فحسب على الطريق الوحيدة الممكنة لانعتاق البشرية، وذلك بأنسنة المجتمع بالحرية والمساواة. الجواب الايجابي يحرز فقط بتنظيم عقلاني أكثر فأكثر للمجتمع. هذا الحل، المطلوب جد، مثلنا الأعلى للجميع، هو الحرية، الفضيلة، الذكاء والسعادة للجميع عبر تضامن الكل: الأخوية الإنسانية باختصار.

كل فرد إنساني هو الناتج الإلزامي للبيئة الطبيعية والاجتماعية التي يولد فيه، والتي يبقى خاضعا لتأثيرها عندما يتطور. الأسباب الثلاثة الكبرى لانعدام الأخلاق الإنساني هي: عدم المساواة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، الجهل ينشأ بصورة طبيعية من هذا كله، والنتيجة الضرورية لهذا هو العبودية.

حيث أن النظام الاجتماعي هو دوما وفي كل مكان السبب الوحيد للجرائم التي يرتكبها الأشخاص، فإن معاقبة المجتمع للمجرمين الذين لا يمكن أن يكونوا مذنبين هو عمل نفاق أو سخف واضح. إن نظرية الذنب والعقاب هي نتيجة للاهوت، الذي هو جمع السخافة مع النفاق الديني. الشيء الوحيد الصحيح الذي يمكن أن يعطى للمجتمع في حالته الانتقالية الراهنة هو الحق الطبيعي للقتل في الدفاع عن النفس ضد المجرمين الذي أوجدهم هو نفسه. ولكن ليس الحق بالحكم عليهم وإدانتهم. هذا لا يمكن، عند الحديث على نحو صارم، أن يكون صحيح، يمكن أن يكون فقط طبيعي، مؤلم، ولكنه فعل حتمي، في نفسه دلالة وحصيلة لغباء وعقم المجتمع المعاصر. كلما استخدم المجتمع أقل ما يمكن منها كلما كان أقرب إلى انعتاقه الفعلي. كل الثوريين، المضطًهدين، المعذبين وضحايا النظام الاجتماعي القائم، المستًغلين من كل الأصناف هم مذنبون كالمجرمين الذين خرجوا من صفوف الجماهير، مثلهم، فهم فاعلون للشرور ليسوا مذنبين، باعتبارهم أيضا نواتج إلزامية للنظام الاجتماعي القائم. ليس من المستغرب إذا ما قام الناس المتمردون بقتل عدد كبير منهم أولا. سيكون هذا سوء حظ، لا يمكن تجنبه كالخراب الذي تسببه عاصفة مفاجئة، ومن ثم تنتهي بسرعة، لكن هذا الفعل الطبيعي لن يكون أخلاقيا ولا حتى مفيدا.

لدى التاريخ الكثير ليعلمنا في هذه القضية. إن المقصلة المفزعة لعام 1793 التي لا يمكن أن تعاب لكونها كسولة أو بطيئة، وبالرغم من ذلك لم تنجح في تدمير الأرستقراطية الفرنسية. تم هز طبقة النبلاء بالفعل حتى جذوره، بالرغم من أنها لم تزال نهائي، ولكن لم يكن هذا من فعل المقصلة، لقد أنجز ذلك بمصادرة أملاكها. عموم، يمكننا القول أن المذبحة لم تكن أبدا وسيلة فعالة للقضاء على الأحزاب السياسية، وقد ثبت أنها غير فعالة خاصة ضد الطبقات الموسرة، حيث أن القوة تكمن ليس في الرجال أنفسهم بل في الظروف التي يخلقها تنظيم البضائع المادية للرجال ذوي الحظوة، وهو مؤسسة الدولة وأساسها الطبيعي: الملكية الفردية.

لذلك للقيام بثورة ناجحة، من الضروري مهاجمة هذه الظروف والبضائع المادية، تدمير الدولة والملكية. عندها لن يكون من الضروري تدمير الأشخاص وأن يحكم بالتعرض لرد الفعل الأكيد والحتمي الذي لم تمر أية مجزرة دون أن تحدثه في أي مجتمع.

ليس من المفاجئ أن الياكوبيين والبلانكيين أصبحوا اشتراكيين بالضرورة وليس بالإقناع، الذين يرون الاشتراكية كوسيلة وليست كهدف للثورة، حيث أنهم يريدون الديكتاتورية ومركزة الدولة، آملين أن الدولة ستقودهم بالضرورة إلى إعادة الملكية – حلم ثورة دموية ضد الأشخاص، لأنهم لا يريدون ثورة ضد الملكية. لكن ثورة دموية كهذه ، تقوم على إنشاء دولة ثورية مركزية قوية سوف تؤدي حتما إلى ديكتاتورية عسكرية وسيد جديد. من هنا فإن انتصار الياكوبيين والبلانكيين سيكون موتا للثورة.

إننا أعداء طبيعيون لهكذا ثوريين – سواء أكانوا ديكتاتوريي، منظمي أو القيمين على الثورة – الذين حتى قبل تدمير الدول الملكية المطلقة، الأرستقراطية والبرجوازية الحالية يحلمون بإنشاء دول ثورية جديدة، ممركزة بالكامل، حتى أنها أكثر مركزية من الدول التي نملك الآن. هؤلاء الرجال معتادون جدا على النظام المشكل من السلطة، ويشعرون بخوف شديد مما يتبادى لهم فوضى لكنه ببساطة التعبير الصادق والطبيعي عن حياة الناس، حتى أنه قبل ظهور فوضى جيدة صحية تنتج عن الثورة التي يحلمون بكبحها بفعل بعض السلطة التي ستكون ثورية بالاسم فقط ، وستكون فقط رجعية جديدة ذلك بأنها سوف تحكم على الجماهير بأن تحكم بالمراسيم، إلى الإذعان، الجمود، الموت وبكلمات أخرى للعبودية والاستغلال من قبل أرستقراطية جديدة مدعية للثورة.

ما نعنيه بالثورة هو انفجار ما يسمى اليوم بـ “انفعالات الشر” والإطاحة بما يسمى النظام العام.

إننا لا نخشى الفوضى، إننا نستحضرها. أننا مقتنعون أن الفوضى هي التعبير الغير مقيد للحياة المتحررة للشعب، يجب أن يصدر النظام الاجتماعي الجديد عن الحرية، المساواة، وقوى الثورة نفسها ضد الرجعية. لا يوجد شك أن هذه الحياة الجديدة – الثورة الشعبية – سوف تنظم نفسها في وقت ملائم، ولكنها ستخلق تنظيمها الثوري من الأسفل إلى الأعلى، من المحيط إلى المركز طبقا لمبادئ الحرية، وليس من الأعلى إلى الأسفل أو من المركز إلى المحيط حسب عادة كل سلطة. يهمنا قليلا فقط أن تسمى هذه السلطة كنيسة، ملكية مطلقة، دولة دستورية، جمهورية برجوازية ، أو حتى ديكتاتورية ثورية.إننا نمقتها ونرفضها كلها بالتساوي على أنها المصادر التي لا تنضب للاستغلال والمركزية.

الثورة كما نفهمها عليها أن تدمر الدولة وكل مؤسساته، بشكل جذري وكامل، منذ يومها الأول. النتائج الطبيعية والضرورية لهذا التدمير ستكون:

أ- إفلاس الدولة

ب- التوقف عن دفع الديون الخاصة من خلال تدخل الدولة، تاركا لكل مدين الحق في دفع ديونه إذا رغب بذلك

ج- التوقف عن دفع كل الضرائب وجباية أية ضرائب، مباشرة أو غير مباشرة

د- حل الأسلحة، النظام القضائي، البيروقراطية، البوليس والإكليروس

هـ- إلغاء العدالة الرسمية، تعطيل كل ما يسمى قضائيا بقانون، وتنفيذ هذه القوانين، وبالنتيجة، إبطال وحرق كل حقوق الملكية، صكوك التوريث، صكوك البيع والمنح، لكل القضاي، بكلمة واحدة، كل الشريط الأحمر المدني والقانوني، في كل مكان وفي كل الأشياء، تستبدل الحقيقة الثورية الحق الذي تعطيه وتضمنه الدولة

و- مصادرة كل الرأسمال الإنتاجي ووسائل الإنتاج لصالح جمعيات العمال، التي ستستخدمها في الإنتاج بشكل جماعي ( تعاوني)

ز- مصادرة كل الأملاك التي تملكها الكنيسة والدولة بالإضافة للمعادن النفيسة المملوكة من الأفراد، لصالح اتحاد جمعيات العمال، التي ستؤلف الكوميون ( في مقابل البضائع التي ستصادرها الكوميون فإنها ستوفر ضروريات الحياة التامة لكل الأفراد الذين فقدوها ويمكنهم لاحقا أن يكسبوا أكثر بعملهم الشخصي إذا استطاعوا وإذا رغبوا )

ح- لغرض إنجاز تنظيم الكوميون الثوري من متاريس دائمة، ومكتب مجلس الكوميون الثوري بانتداب ممثل أو اثنين لكل متراس، واحد لكل شارع أو حي، سوف يمنحون ممثليهم السلطة لاتخاذ القرارات، مسئولين دوم، ودوما يحوزون على تفويض صريح. مجلس الكوميون المنظم هكذا يمكنه اختيار، من بين أعضائه، لجان تنفيذية، واحدة لكل شعبة للإدارة الثورية للكوميون

ط- إعلان العاصمة، المتمردة والمنظمة على شكل الكوميون، بما مقتضاه، أنه بتدمير الدولة الموجهة، التسلطية، التي تمتلك الحق بفعل ذلك، والتي تم استعبادها تماما كبقية المراكز، لذلك فهي تتخلى عن الحق أو أية مطالبة بحكم الأقاليم

ي- الطلب من كل المقاطعات، الكوميونات، والجمعيات أن تحرر كل شيء وتحذو حذو العاصمة: أولا أن تنظم أنفسها على أساس ثوري، ثم أن تفوض مندوبين عنه، وهم أيضا ممنوحين السلطات اللازمة، مسئولين ومعهم تفويض صريح إلى مكان اجتماع معين مسبقا لغرض إنشاء إتحاد للجمعيات، الكوميونات والأقاليم التي تمردت باسم ذات المبادئ، ولغاية تنظيم قوة ثورية قادرة على هزيمة الرجعية. لن يجري إرسال المفوضين الثوريين إلى القتال والأوسمة تزين صدورهم، بل سيرسل المحرضون الثوريون إلى كل الأقاليم والكوميونات، خاصة إلى الفلاحين، الذين لا يمكن أن يثاروا إلى التمرد بواسطة مبادئ أو مراسيم ديكتاتورية ولكن فقط بالحقيقة الثورية نفسه، وذلك بالنتائج الحتمية للزوال التام للحياة القضائية الرسمية للدولة في كل الكوميونات. أيضا بزوال الدولة الوطنية بمعنى أن أية دولة أجنبية، مقاطعة، كوميون، جمعية أو حتى فرد معزول ثار باسم ذات المبادئ سوف يستقبل في الاتحاد الثوري بغض النظر عن حدود الدولة الحالية، بالرغم من أنهم قد ينتمون إلى منظومات سياسية أو وطنية أخرى، أما مقاطعاتهم، كوميوناتهم، جمعياتهم أو الأفراد الذين يدعمون الرجعية فسيتم استبعادهم. عبر توسيع وتنظيم الثورة لأجل الدفاع المشترك بين البلاد الثائرة فإن عالمية الثورة، المؤسسة على إلغاء الحدود وعلى أنقاض الدول سوف تنتصر.لا يمكن لأية ثورة سياسية أو وطنية أن تنتصر بدون تحولها إلى ثورة اجتماعية، وما لم تتحول الثورة الوطنية، بالتحديد بسبب طابعها الاشتراكي الراديكالي والذي هو هدم الدولة، فلن تصبح ثورة عالمية. بما أن الثورة في كل مكان لا تتحقق إلا بفضل الناس، وحيث أن توجهها الرئيسي يجب أن يرتكز على الناس، المنظمين في اتحاد طوعي لجمعيات زراعية وعمالية، فإن الدولة الثورية الجديدة، المنظمة من الأسفل إلى الأعلى من قبل المندوبين الثوريين الذين يمثلون البلدان الثائرة باسم ذات الأهداف، بغض النظر عن الحدود السابقة والاختلافات القومية، وستشكل إدارة الخدمات العامة هدفها الرئيسي وليس حكم الناس. إنها ستؤلف الحزب الجديد، تحالف الثورة العالمية، في مواجهة تحالف الرجعية.

هذا التحالف الثوري يستثني أية أفكار عن الديكتاتورية أو عن السلطة الحاكمة والموجهة. إلا أنه من الضروري لإقامة هذا التحالف الثوري ولانتصار الثورة على الرجعية أن وحدة الأفكار والأفعال الثورية تجد جسدا وسط الفوضى العامة والذي سيكون حياة وقوة الثورة. هذا الجسم يجب أن يكون المنظمة السرية والعالمية للأخوة الأممين.

تجد هذه المنظمة أصولها في الإيمان الراسخ بأن الثورات لا يصنعها الأفراد أبدا أو حتى من فعل الجمعيات السرية. إنها تصنع نفسه، تصنعها قوة الظروف، حركة الحقائق والأحداث. إنها تخضع لتحضير طويل في الوعي العفوي العميق للجماهير، ومن ثم تنفجر مندلعة غالبا من أسباب هامشية. كل ما تفعله هذه الجمعية جيدة التنظيم هو أن، أولا تساعد على ولادة الثورة بنشرها بين الجماهير الأفكار التي تعبر عن غرائزه، وأن تنظم، ليس جيش الثورة – فالناس وحدهم دوما عليهم أن يكونوا هذا الجيش – ولكن مفرزة من هيئة الأركان الثورية، المؤلفة من أشخاص أذكياء نشيطين ومخلصين، أصدقاء حقيقيين للشعب فوق كل شيء، رجال ليسوا بمزهوين أو طموحين، ولكنهم قادرين على أن يخدموا كوسطاء بين الفكرة الثورية وغرائز الشعب.

ليست هناك حاجة لأعداد كبيرة من هؤلاء الرجال. فمائة ثوري، متحالفين بقوة وبجد، سيفون بالغرض للمنظمة الأممية لعموم أوروبا. مائتان أو ثلاثمائة من الثوريين سيكفون للمنظمة لأكبر البلدان.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=144181

الماركسية، الحرية والدولة

الكاتب:ميخائيل باكونين (1814-1876)
الكتاب: الماركسية، الحرية والدولة (الفصل الأول: تمهيد)
المصدر: الماركسية، الحرية والدولية ضمن أرشيف ميخائيل باكونين بالقسم الانجليزي
نشر لأول مرة: 1950
ترجمة ونسخ: مازن كم الماز (أبريل 2006)

بخصوص الكتاب: يعتبر هذا الكتاب (الماركسية، الحرية والدولة) بمثابة رواية بوكانين بخصوص القطيعة بينه وبين كارل ماركس والتي وقعت أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن 19. كان بوكانين يرى أن الانشقاق بينهما يتصاعد من النظرتين المختلفتين بينهما بخصوص وظيفة الدولة في البرنامج الاشتراكي. فقد كان بوكانين يؤمن بالخصوص أن الأممية كانت متشبثة أكثر من اللزوم بمفهوم الدولة التي كان هو يعتبرها بمثابة المؤسسة الخطرة والحاطة من قيمة الانسان. فالدولة كما كتب بوكانين “تفرض، تحت تعلة الواجب الأعلى، الظلم والقسوة على كل الخاضعين لها. إنها تحد وتبتر وتقتل الانسان فيهم، بحيث عندما تتوقف كينونتهم الانسانية لن يكونوا إلا مجرد مواطنين.

الفصل الأول: تمهيد

أنا باحث مندفع عن الحقيقة ولست بخصم أقل حماسة للخيالات المريضة التي يستخدمها حزب “النظام”، الممثل الرسمي لكل القوى الفاسدة، الدينية، الميتافيزيقية، السياسية، القانونية، الاقتصادية والاجتماعية في الماضي والحاضر لتوحيش واستعباد العالم، أنا عاشق متعصب للحرية، وأعتبرها الوسط الوحيد حيث يمكن أن يتطور الذكاء والكرامة والسعادة الإنسانية، إنها ليست “الحرية” الرسمية المرخصة، المقاسة والمنظمة من قبل الدولة، هذا الزيف الذي يمثل امتيازات قلة تستمدها من عبودية كل الأشخاص الآخرين، وليست الحرية الشخصية الأنانية اللئيمة الوهمية التي طورتها مدرسة روسو وبقية مدارس الليبرالية البرجوازية والتي تعتبر حقوق الأفراد محدودة بحقوق الدولة وهكذا تؤدي بالضرورة إلى اختزال حقوق الأفراد إلى الصفر.

كلا، إنني أقصد الحرية الوحيدة التي تستحق هذا الاسم بحق، الحرية التي تكمن في التطور الكامل للقوى المادية والفكرية والأخلاقية الموجودة كقدرات كامنة في أي شخص(فرد)، الحرية التي لا تعترف بأية قيود سوى تلك التي يمكن نسبتها إلى قوانين طبيعتنا البشرية ذاتها مما يعني بالضبط عدم وجود قيود لأن هذه القوانين لا يتم فرضها علينا من مشرع خارجي إلى جانبنا أو فوقنا، إنها موجودة داخلنا، فطرية وتشكل الأساس الحقيقي لوجودنا المادي والفكري والأخلاقي، ولذلك بدلا من أن نراها كقيود يجب أن نعتبرها الشروط الحقيقية والسبب النافذ المفعول لحريتنا.

إنني أعني حرية كل فرد التي بعيدا عن تعطلها عند حدود حريات الآخرين تجد فيها تعزيزا لها وامتدادها إلى اللانهائية، الحرية اللامحدودة لكل فرد عبر الحرية للجميع، الحرية عبر التضامن، الحرية في المساواة، الحرية التي تنتصر على القوة البهيمية ومبدأ السلطة الذي ليس إلا التعبير المثالي عن هذه القوة، الحرية التي بعد أن تطيح بكل الأوثان السماوية والأرضية سوف تؤسس وتنظم عالما جديدا وذلك من التضامن الإنساني على أنقاض كل الكنائس والدول.

إنني مؤيد مقتنع للمساواة الاقتصادية والاجتماعية، لأنني أعلم أنه بدون هذه المساواة فإن الحرية، العدالة، الكرامة الإنسانية، الفضيلة، وخير الأفراد إضافة إلى ازدهار الشعوب لن يكون إلا مجموعة كبيرة من الأكاذيب. ولكني كمؤيد للحرية في كل الظروف، وهي الشرط الأول للإنسانية، أرى أن الحرية يجب أن تؤسس نفسها في العالم بواسطة التنظيم العفوي للعمل والملكية الجماعية لجمعيات إنتاجية تتنظم وتتوحد بشكل حر في مقاطعات وبالاتحاد المتساوي العفوي للمقاطعات وليس بالتأثير الفوقي والوصائي للدولة.

هذه هي النقطة التي تفرق الاشتراكيين أو التعاونيين الثوريين عن الشيوعيين السلطويين (Authoritarian) الذين يؤيدون المبادرة المطلقة للدولة. إن هدفهم هو ذاته، فكل حزب يرغب بشكل متساوي بإنشاء نظام اجتماعي جديد يقوم فقط على تنظيم العمل الجماعي، ويفرض بشكل حتمي على كل فرد بالقوة المطلقة للأشياء، ظروف اقتصادية متساوية للجميع والاستيلاء الجماعي على أدوات العمل. إن الشيوعيين وحدهم يتخيلون أنهم قادرون على تحقيق هذا بتطوير وتنظيم القوة السياسية للطبقات العاملة، وبشكل أساسي بروليتاريا المدن، بمساعدة البرجوازية الراديكالية فيم يرى الاشتراكيون الثوريون، أعداء كل التحالفات أو المشاركات المشبوهة، على النقيض من ذلك أنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بتطوير وتنظيم ليس القوة السياسية ولكن القوة الاجتماعية وبالتالي المعادية للسياسة للجماهير العاملة في المدن والريف على حد سواء، بما في ذلك كل الموالين من الطبقات العليا الذين يقطعون صلاتهم تماما بماضيهم ويرغبون بالانضمام إلى الجماهير ويتبنون برنامجها بالكامل.

هنا يوجد طريقان مختلفان. يعتقد الشيوعيون أن عليهم تنظيم قوى العمال ليستولوا على القوة السياسية للدولة. فيما يتنظم الاشتراكيون الثوريون بهدف تدمير، أو إن كنت تفضل كلمة أكثر تهذيبا، التخلص من الدولة. إن الشيوعيون مؤيدين لمبدأ وممارسة السلطة، أما الاشتراكيون الثوريون فيثقون فقط بالحرية. كلاهما مؤيد للعلم الذي عليه أن يقتل الخرافة ويستبدل الإيمان، الأول يرغب بفرضه أما الثاني فيبذل أنصاره أنفسهم لنشره بحيث أن مجموعات من البشر المقتنعين سوف ينظمون أنفسهم ويتحدون طوعا من الأسفل إلى الأعلى وفقا لمصالحهم الفعلية وليس وفق خطة معدة سلفا ومفروضة على الجماهير الجاهلة من قبل مفكرين متفوقين.

يرى الاشتراكيون الثوريون أنه هناك منطق عملي وحيوية أكثر في الطموح الغريزي والحاجات الفعلية لجماهير الشعب أكثر من الذكاء العميق لكل هؤلاء الرجال المتعلمين ومرشدي البشرية الذين بعد الكثير من الجهود فشلوا أن يجعلوها سعيدة وما يزالون يتجرؤون على إضافة جهودهم. على النقيض من ذلك يرى الاشتراكيون الثوريون أن الجنس البشري ترك نفسه يحكم لفترة طويلة بما فيه الكفاية أو أطول من اللازم وأن سبب مصائبه لا يكمن في هذا الشكل أو ذاك من الحكومات بل بالذات في مفهوم وحقيقة الحكومة من أي نوع كانت. وباختصار أصبح هذا التناقض تاريخيا بين الشيوعية المطورة علميا بواسطة المدرسة الألمانية والتي تم تبنيها جزئيا من الاشتراكيين الانكليز والأمريكيين وعلى الطرف الآخر البرودونية (الاشتراكي الفرنسي برودون) التي جرى تطويرها ودفعها إلى آخر نتائجها وجرى تبنيها بالمقابل من بروليتاريا الدول اللاتينية.

وقد جرى تبني كليهما وسيجري قبولها أكثر فأكثر من الوجدان المعادي للسياسة للشعوب السلافية.

 

‫مازن كم الماز | Facebook‬

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

نقد النظرية الماركسية حول الدولة

میخائیل باكونين

ترجمة : حسني كباش

لا يوجد أي طريق يقود من الميتافيزيقية إلى الوقائع الحقيقية للحياة . هناك هاوية واحدة تفرق النظرية عن الواقع . و من المستحيل أن تتجاوز هذه الهاوية بواسطة ما أسماه هيغيل (( القفزة النوعية )) من عالم الفكر إلى عالم الطبيعة و الحياة الواقعية .

الطريق الذي يقود من الواقع المعين إلى النظرية و بالعكس هو الأسلوب العلمي و يعتبر الطريق الواقعي . في العالم الواقعي هناك الحركة الاجتماعية نحو أشكال تنظيمية التي ستعكس بدورها صورة الحياة نفسها بكل جوانبها و تعقيداتها في أكبر مكان ممكن .

هكذا هو طريق البشر نحو الحرية الكاملة التي ستكون حقا للجميع , طريق الثورة الاجتماعية الأناركية التي ستنشأ من البشر أنفسهم الذي سيشكلون قوة تقضي على كل العقبات . فيما بعد ستخرج بشكل عفوي الأشكال الخلاقة للحياة الاجتماعية من قاعدة الروح الشعبي . طريق السادة الميتافيزيقيين يختلف تماما . ميتافيزيقيون هو تعبير نستخدمه عن أنصار هيغيل و عن الوضعيين و عن كل أولائك الذين يعبدون العلم كإله , كل أولائك الذين يمجدون بروكروستي , الذين بوسيلة أو بأخرى صنعوا معيار لمجتمع مثالي مؤلف من سجن ديق يريدون دفع كل الأجيال القادمة نحوه , كل أولائك الذين بدل أن ينظروا إلى العلم كجزء من الأحداث الأساسية للحياة الطبيعية و الاجتماعية يصرون على أن الحياة كلها تتوقف عند نظرياتهم العلمية التجريبية الإجبارية . الميتافيزيقيون و الوضعيون هم أولائك الذين يحاولون فرض قوانينهم الاستبدادية على الحياة باسم العلم , و هم شاؤوا أو أبوا عبارة عن رجعيين .

هذا أمر يتسهل قبوله .

العلم بالمعنة الحقيقي للكلمة هو الآن بيد أقلية غير مهمة . على سبيل المثال عندنا في روسيا كم عدد العلماء المهنيين من أصل السكان الذي يصل تعدادهم إلى 8 ملايين نسمة ؟ ربما ألف يعلمون بقطاعات علمية ولكن ليس أكثر من مئات قليلة يمكن أن يعتبروا علماء جديين . فإن كان العلم هو من يجب أن يملي القوانين فأغلبية الملايين ستحكم من قبل مئة أو مئتان من المختصين . و في الواقع سيكون الحكام أقل من هذا بكثير فكل الفروع العلمية لا تعنى بإدارة المجتمع . هذا سيكون واجب علماء الاجتماع – علم العلوم – و عالم اجتماع حقيقي عليه أن يكون على اتطلاع بكل العلوم الأخرى . كم من هؤلاء الناس يوجد في روسيا أو في كل أوروبا ؟ عشرين أو ثلاثين ؟ وهل سيحكم هؤلاء العشرين أو الثلاثين العالم ؟ هل يستطيع أحد أن يتصور شيء أكثر لا منطقية و استبداد أفظع من هذا ؟

شيء أكيد بأن هؤلاء العشرين أو الثلاثين سيتقاتلون فيما بينهم و إن اتفقوا على خط سياسي ما فسيتحمل نتائجه الجنس البشري

أهم مساوئ الشبه مختص هو توجهه نحو تقوية معرفته للتقليل من أهمية معرفة كل شخص آخر . أعطه سلطة الرقابة و سيصبح طاغية ساحق . أليس من العار أن تكون البشرية عبيد عند اختصاصيين معياريين ! أعطوهم السلطة المطلقة لرونهم يستخدمون الكائنات البشرية لتجاربهم كما يستخدم العلم اليوم الأرانب و الكلاب .

يجب أن نحترم العلماء لعطآتهم و إنجازاتهم , و لكن لمنع فساد مستواهم الفكري و الأخلاقي يجب ألا يمنحوا حقوق و امتيازات خاصة تختلف عن تلك التي يمتلكها أي شخص – على سبيل المثال حرية التعبير عن المعتقدات و الفكر و المعرفة – لا يجب أن يعطى لا لهؤلاء و لا لأي مجموعة اختصاصية غيرهم ليتسلطوا على غيرهم . و أولائك الذين أعطوا السلطة لا جدال بأنهم سيصبحون الظالمين و المستغلين في المجتمع .

إلا أنهم قد قالوا لنا كلاما آخر (( العلم لن يكون مدى الحياة ملك للقليلين سيأتي زمن و يصبح حقا للجميع )) زمن كهذا بعيد جدا و حتى يتحقق يجب أن تحدث اضطرابات اجتماعية كثيرة و لكن و حتى لو وصلنا إلى هذا الزمن من سيثق بوضع قدره بيد قديسي العلم .

أعتقد بأن من يؤمن بأنه بعد الثورة الاجتماعية سنصبح جميعا مثقفين هو مخطئ . حينها كما هو الآن العلم سيبقى أحد القطاعات الاختصاصية إلا أنها ستكون حق للجميع و ليس لقلة من أعضاء الطبقة السائدة . بإلغاء الطبقة العلم سيصبح حق لكل أولائك الذين يملكون القدرة و الإرادة لطلبه , و لكن ليس على حساب العمل العضلي الذي سيكون إجباري للجميع .

في متاح الجميع سيكون هناك تعليم علمي عام و خصوصا تعليم الطريق العلمي , تعويد التفكير الصحيح , و قدرة أن يقوم أحدهم بأشياء صحيحة بنسب أقل أو أكثر . و لكن موسوعات فكرية و علماء اجتماعيين متقدمين سيكونون قليلين جدا . سيكون من المؤسف للجنس البشري أن يكون التفكير النظري هو البئر الوحيد الذي يقود المجتمع , إن كان العلم وحده هو الذي يدير المجتمع . الحياة ستطفأ و البشرية ستتحول لقطيع عبودي صامت . سيادة العلم على الحياة لا يمكن أن يكون له نتيجة إلا وحشية الجنس البشري .

نحن الأناركيست الثوريين نؤيد التعليم لكل الشعب , و الحرية , و أكبر مجال تمديد للحياة الاجتماعية . إلا أننا أعداء للدولة و كل شكل من أشكال سيطرة الدولة . بعكس الميتافيزيقيين و الوضعيين و أولائك الذين يعبدون العلم ,نعلن بأن الحياة الاجتماعية و الطبيعة يسبقون النظرية التي هي عبارة عن حدث في الحياة إلا أنها ليست مؤسسها . خارج العمق الذي لا ينضب للمجتمع تحدث مجموعة مستمرة من التطورات و لكن ليس فقط عن طريق التفكير . النظرية تولد دائما من الحياة , و لكن أبدا لا تشكلها , كلافتات الطرقات التي قد تدلك على الطريق و الخطوات المختلفة للخيارات الوحيدة و المستقلة للحياة .

على هذا الأساس نحن لا نطمح لإرغام نفسنا أو غيرنا على شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي مأخوذة من كتب أو موضوعة من قبلنا . نؤمن بأن البشر يملكون داخلهم و داخل غرائزهم ( التي تتطور أكثرأو أقل من خلال المسيرة البشرية ) في حاجاتهم اليومية و في طموحاتهم التي يشعرون و التي لا يشعرون بها كل مزاية التنظيم الاجتماعي المستقبلي . نبحث عن هذا الشيء المثالي داخل البشر نفسهم . كل سلطة دولة و كل حكومة من طبيعتها تقرر من دون و من فوق الشعب و ترغم الناس دون جدل على الخضوع لتنظيم و أهداف غريبة و خارجة عن طموحات البشر . نعلن بأننا ضد كل حكومة و كل سلطة دولة و كل تنظيم حكومي بشكل عام . نعتقد بأن البشر يمكن أن يكونوا أحرار فقط حين ينظمون من القاعدة إلى الأعلى في اتحادات مستقلة و حرة دون الأبوية الحكومية و لكن ليس بدون تأثير التشكيلات الفردية و الحزبية .

أفكار كهذه نملك كثوار اجتماعيون و لذلك ندعى أناكيست . لا نحتج لهذا الاسم و لكن لأننا أعداء كل سلطة حكومية لأننا نعلم بأن سلطة كهذه تفسد من يرتديها و أولائك الذين يجبرون على الخضوع لها . فنتيجة لآثارها الضارة الفئة الأولى يتحولون لمستميتين و طموحين طغاة و مستغلين للمجتمع من أجل مصالحهم الطبقية و الشخصية أما الأخرين فيصبحون عبيد .

كل المثاليون و الميتاقيزيقيون و الوضعيون أولائك الذين يؤيدون سلطة العلم على الحياة و الثوار العقاديون يؤيدون جميعا فكرة الدولة و سلطتها بشكل متشدد لأنهم يرون فيها نظامهم و أملهم الوحيد لإنقاذ المجتمع . شيء منطقي جدا إذا كانوا معتمدين على الاقتراح الأساسي ( الذي نعتبره كاذب ) أن الفكرة تسبق الحياة و أن النظرية توجد قبل الخبرة الاجتماعية و أن علم الاجتماع يشكل بداية كل الانتفاضات الشعبية و إعادة الهيكلة يصلون إلى نتيجة حتمية تقول لأن الفكر , النظرية و العلم موجودون بأيادي قلة من الناس على الأقل في هذه الأيام فهؤلاءالقلة هم من سيقود الحياة الاجتماعية و لن يكونوا فقط الرواد بل قادة كل الحركات الشعبية . و فورا بعد الثورة التنظيم الاجتماعي الجديد لن ينظم من قبل الرابط الحر الموجود بين التنظيمات و الاتحادات الشعبية المحلية و غير المحلية من الأسفل إلى الأعلى كما هو مطلب و غريزة البشر , و لكن فقط عن طريق ديكتاتورية القلة المتعلمة التي تعتبر ممثل الإرادة الشعبية .

طريقة التمثيل الكاذب الحكومي تستخدم لتغطية سيادة الشعب من قبل إليت مميز , أقلية منتخبة من جموع شعبية مخدوعة لا تعرف لمن و لماذا انتخبت . باستخدام هذه التقنية و التعبير التجريدي لها الذي يعتقد بشكل كاذب بأنها تمثل الإرادة الشعبية و التي الناس الحقيقيون لا يعلمون شيئا عنها , يبنون نظرية الدولة كما يبنون نظرية الديكتاتورية الثورية .

الفرق بين الديكتاتورية الثورية و الدولة معدوم فالاثنان يمثلون نفس القاعدة ألا و هي حكم الأقلية على الأكثرية باسم الغباء المزعوم للفريق الثاني و الذكاء المزعوم للفريق الأول يبقى الفريقان فريقان رجعيان حيث أن الفريقان يعملا على حفظ و إدامة الحقوق السياسية و الاقتصادية للأقلية السائدة و العبودية السياسية و الاقتصادية للجماهير الشعبية .

هذا الآن يظهر بشكل واضح فالديكتاتوريون الثوريون إلى قلب القوة الحالية و الهيكل الاجتماعي ليبنوا على أطلالها ديكتاتوريتهم لم و لن يكونوا أعداء للحكومة بل على العكس هم دائما المروج المستميت لفكرة الحكومة . هم أعداء للحكومات الحالية لأنهم يريدون أن يستبدلوها . هم ضد الهيكل الحكومي الحالي لأنها تمنع نشوء ديكتاتوريتهم . إلا أنهم و بنفس الوقت أكثر الأصدقاء التزاما بسلطة الدولة لأنه في حال دمرت الثورة هذه السلطة محررة بشكل الجموع بشكل حقيقي ستمنع هذه الأقلية الثورية الكاذبة من أي أمل بالإساءة للجموع التي أرادوا تحويلهم لورثة سياساتهم الحكومية . لقد عبرنا مرارا وتكرارا عن نفورنا من نظريات ماركس و لاسال الذين يعتمدون على العمال بهدف تأسيس الدولة الشعبية , التي و اعتمادا على تحليلاتهم ليست إلا البديل البروليتاري في مكان السلطة الحكومية .

و لكن فليسمح لنا بالسؤال : إن كانت البروليتاريا هي الطبقة السائدة فعلى من ستحكم ؟ باختصار ستحافظ على وجود بروليتاري آخر يكون خاضعا لهذه السلطة الجديدة لهذه الدولة الجديدة . على سبيل المثال القرويون الذين لا يحظون باحترام الماركسيين باعتبارهم يمثلون مستوى ثقافي أدنى سيحكمون غالبا من العمال الصناعيين بالمدن . أو إن كان يجب أن ننظر إلى هذه المشكلة من وجهة نظر قومية فالسلافيين سيصبحون في نفس موقع الرضوخ للبروليتاريين الألمان المنتصرين حيث يرضخ الآن هذا الأخير للطبقة البورجوازية الألمانية .

طالما الدولة الموجودة فسيادة طبقة على طبقة ستبقى موجودة و النتيجة ستكون العبودية . فدولة دون عبودية هو أمر خيالي لذلك نحن ضد كل دولة .

ماذا يعني بأن طبقة البروليتاريا ستصبح الطبقة السائدة ؟ هل من المعقول أن تكون البروليتاريا بأجمعها على رأس الحكومة ؟ يوجد تقريبا 4 ملايين ألماني . هل من الممكن أن يكون الأربع ملايين هؤلاء أعضاء بالحكومة ؟ في هذه الحالة لا يوجد لا دولة و لا حكومة فإن كان هناك دولة سيكون هناك من يحكم و من هو عبد .

النظرية الماركسية تحل بشكل بسيط هذه المعضلة . فبقولهم حكم شعبي يقصدون حكم قلة ممثلة منتخبة من قبل الشعب . الحق الشعبي لانتخاب الممثلين الشعبين في الحكومة و الكلمة الأخيرة للماركسيين و للديمقراطيين . و هو عبارة عن كذبة تختفي خلفها الأقلية السائدة , كذبة يزداد خطرها بادعائها تمثيل الإرادة الشعبية .

و في النهاية و من أي جهة نريد أن ندرس هذه الكذبة سنرى بأنها تؤدي لأن تحكم الجموع الشعبية من قبل أقلية مميزة . الماركسيون يقولون بأن هذه الأقلية ستكون من العمال . نعم قد تكون هذه الأقلية مؤلفة من عمال سابقين يتوقفون عن كونهم عمال ما أن يصلوا إلى سدة الحكم و سينظرون إلى جموع العمال البسطاء من موقع سلطتهم الحكومية , لن يمثلوا الشعب بعد بل سيمثلون أنفسهم فقط و مطالبهم لممارسة السلطة على الشعب . أولائك الذين يرفضون هذا لا يعرفون إلا القليل عن الطبيعة البشرية .

الماركسيون يقولون بأن هؤلاء الممثلون المنتخبون سيكونون اشتراكيون مثقفون و ملتزمون . التعابير المشابهة (( لمثقفين اشتراكيين )) و (( اشتراكية علمية )) و …. إلخ الموجودة بشكل كبير في كتابات أنصار لاسال و ماركس تدل على أن الدولة الشعبية الكاذبة ليست إلا استبداد رقابي للسكان من قبل فئة قليلة من العلماء الكاذبين . و الناس الغير مثقفين سيتحولون إلى قطيع منضبط . يا لها من حرية حقيقية !

الماركسيون يعلمون جيدا عن هذا التناقض و يعترفون بأن حكومة علماء ستكون ديكتاتورية مهما كان شكلها الديمقراطي . إلا أنهم يتواسون بأن هذه السيادة ستكون لفترة وجيزة . يقولون بأن هدفهم الوحيد و تثقيف الشعب و رفع مستواه الاقتصادي و السياسي لدرجة دولة من هذا الشكل تصبح غير مهمة و الدولة تخصر حينها دورها القمعي ستتحول إلى تنظيم حر للمصالح الاقتصادية و الكمونات .

يوجد تناقض مهم في هذه النظرية . فإن كانت دولتهم حقا دولة شعبية لماذا يريدون إلغاءها ؟ و إن كانت الدولة ضرورية لتحرير العمال إذا العمال الذين يعيشون بهذه الدولة لم يتحرروا بعد . لماذا إذا تدعى هذه الدولة بالشعبية ؟ بحربنا ضد هؤلاء دفعناهم للاعتراف بأن الحرية أو الأناركية التي هي عبارة عن تحرير الجموع الشعبية و تنظيمها من الأسفل للأعلى هو الهدف النهائي و للتطور الاجتماعي و أن أي دولة دون أن نستثني دولتهم الشعبية هو عبارة عن تزاوج يتألف من الاستبداد من جهة و العبودية من جهة أخرى . يقولون بأن ديكتاتورية كهذه هي انتقال مرحلي نحو الحرية المطلقة للبشر و بأن الأناركية و الحرية هم الهدف , إلا أن الدولة و ديكتاتوريتها هي وسيلة , و هكذا حتى تتحرر الجموع الشعبية نحتاج أولا إلا الاستعباد ! حربنا مع هؤلاء يتوقف عند هذا التناقض . الماركسيون يصرون على أنه فقط عن طريق ديكتاتورية ( طبعا ديكتاتوريتهم ) يمكن أن يتحرر الشعب . و نحن نرد عليهم بأن أي ديكتاتورية لا تهدف إلا للمحافظة على ذاتها و بأنها ستولد استبداد الناس و العبودية . الحرية يمكن أن تولدد فقط من الحرية و من انتفاضة جماعية شعبية و تنظيم إرادي للناس من القاعدة إلى الأعلى .

إن نظرية الاشتراكيين المضادين للدولة أو الأناركسيت تقودهم حتما للصراع مع كل أشكال الدولة و مع كل خطوط السياسات البورجوازية و لا تختار طريق إلا الثورة الاجتماعية . النظرية المواجة الشيوعية السلطوية و حكم العلماء تجذب و تسبب ارتباك لأنصارها و تحت حجة التكتيك السياسي تقوم دائما بتعاملات مع الحكومة و الأحزاب البورجوازية و تسير بشكل فادح بطريق الرجعية .

النقطة التأسيسية لهذا البرنامج هو أن الدولة وحدها تستطيع تحرير البروليتاري ( الكاذب ) . لكي يتحقق ذلك يجب أن تهتم الدولة بتحرير البروليتاري من الرأسمالية . هل المعقول أن تملك الدولة إرادة كهذه ؟ ليتحقق ذلك يجب أن تصبح الدولة بيد البروليتاري عن طريق ثورة عن طريق عمل بطولي . و لكن ما أن يستحوذ البروليتاري على الدولة يجب بشكل مباشر أن يلغي هذا السجن الأبدي للبشر . و لكن اعتمادا على ماركس فالبشر ليس عليهم فقط بعدم إلغاء الدولة بل على العكس عليهم تقويتها على مدها و أن يتركوا المجال متاح للمحسنين الأوصياء المعلمين قادة الحزب الشيوعي , يعني بالنسبة للسيد ماركس و أصدقاؤه سيحررون الشعب بطريقتهم الخاصة , و سيحصرون السلطة بين أيديهم القوية , لأن الشعب الغير متعلم يحتاج إلى وصاية قوية , كما سينشؤون بنك حكومي , الذي سيتحكم بكل التجارة , الصناعة , الزراعة و حتى العلم . و الجموع ستفصل إلى معسكرين , الزراعيين و الصناعيين , و سيكونون تحت الإدارة المباشرة لسلطة الدولة , التي ستتكون من طبقة العلماء السياسيين المميزة الجديدة .

حسني كباش: https://www.facebook.com/profile.php?id=100003553869088

 

ما هي السلطة؟

ميخائيل باكونين 1871

تعريب: جوزف أيوب

ما هي السلطة؟ هل هي قوة حتمية للقوانين الطبيعية التي تعبر عن نفسها في روابط ضرورية وتعاقب للظواهر في العالمين المادي والاجتماعي؟ في الواقع، الثورة على هذه القوانين ليست فقط محرمة – بل حتى مستحيلة. قد نسيء فهمها أو حتى لا يمكننا معرفتها على الإطلاق، ولكننا لا نستطيع أن نعصيها؛ لأنها تشكل الأساس، وهي الشروط الأساسية لوجودنا – هي تحيطنا، تتغلغل فينا، تنظم جميع تحركاتنا، أفكارنا وأعمالنا، حتى عندما نعتقد أننا نعصيها، لا نظهر سوى سلطتها المطلقة.

نعم، نحن وعلى نحو جازم عبيد لهذه القوانين. لكن في مثل هذه العبودية لا وجود للذل، أو بالأحرى، إنها ليست عبودية على الإطلاق. في العبودية يُفترض سيد خارجي، وهو مشرّع من الخارج- يصدر الأوامر، في حين أن هذه القوانين ليست خارجه عنا، فهي متأصلة فينا، بل تشكل وجودنا، وجودنا كله، جسديا، فكريا، وأخلاقيا، نعيش، نتنفس، نفعل، نفكر، ونرغب فقط من خلال هذه القوانين. بدونها نحن لا شيء، لا نكون. من أين يمكن إذن، أن نستمد القوة والرغبة للتمرد عليها؟

في علاقته مع القوانين الطبيعية – حيث تبقى حرية الإنسان ممكنة، وذلك بالإقرار وتطبيق هذه القوانين على أوسع نطاق – انسجاماً مع التحرر (الفردي والجماعي) من الأنسنة التي يسعى إليها الانسان. بمجرد ادراك هذه القوانين، تمارَس سلطة لن يتنازع فئة من الناس عليها. على المرء، مثلاً، أن يكون الإنسان إما أحمقاً أو لاهوتي او على الاقل ماورائي، قانوني أو برجوازي اقتصادي لكي يتمرد على القانون. عليه أن يمتلك ايمان لكي يتصور أن النار لن تحرق والمياه لن تغرق، فيما عدا، يمكن اللجوء إلى بعض الحيل التي تأسست بدورها على بعض القوانين الطبيعية الأخرى. غير أن هذا التمرد، أو بالأحرى، هذه المحاولات والاهواء الحمقاء للتمرد هي أمر مستحيل، هو بالتأكيد استثناء لما هو بشكلٍ عام، اعتراف لفئة من الناس بالحكومة في حياتهم اليومية – وهذا هو، مجموع القوانين العامة المعترف بها عموما – بطريقة شبه مطلقة.

لسوء الحظ أن عددا كبيرا من القوانين الطبيعية، التي تأسست من قبل العلم، لا تزال غير معروفة لدى الجماهير، وذلك بفضل سهر حكومات الوصاية تلك التي وجدت، كما نعلم، فقط من أجل خير الشعب. هناك صعوبة أخرى – هي أن جزءاً كبيراً من القوانين الطبيعية مرتبطة مع تطور المجتمع البشري، التي هي إلى حد بعيد ضرورية، ثابتة، مهلكة، كالقوانين التي تحكم العالم المادي، لم تنشئ ويعترف بها من قبل العلم نفسه على نحو واجب.

إن أُدركت هذه القوانين – لمرة واحدة – من قبل العلم، وبواسطة العلم تحولت إلى وعي لدى كل انسان (من خلال نظام واسع في التعليم والارشاد الشعبي) وسيتم حل مسألة الحرية تماما. حينئذ يجب على السلطات الأكثر عناداً أن تعترف بأن لا حاجة إلى تنظيم سياسي أو لوضع تشريعات. ثلاثة أشياء مرتبطة بهذه السلطة: سواء انبثقت من إرادة سيادية أو من تصويت لبرلمان (انتخب بالاقتراع العام)، أو حتى مطابقتها لنظام قوانين الطبيعة – التي لم تكن يوما كذلك ولن تكون أبداً – هي دائماً قاتلة ومعادية لحرية الجماهير حيث أنها في الحقيقة تفرض نظاماً خارجياً، وبالتالي قوانين مستبدة.

إن حرية الإنسان تستند فقط على: أن يطيع قوانين الطبيعة، لأنه هو نفسه يعترف بها على هذا النحو، وليس لأنها تفرض نفسها عليه بأي ارادة خارجية، الهية أو بشرية كانت، جماعية أو فردية.

لنفترض أكاديمية تتألف من معظم ممثلي العلوم؛ وأن هذه الأكاديمية مكلّفة بتشريع وتنظيم المجتمع، في حين هذه التشريعات ليست مستوحاة إلا من محبة الحقيقة، ستكون هذه التشريعات في انسجام مطلق مع أحدث الاكتشافات العلمية. حسناً، من جهتي، هذا التنظيم والتشريعات ستكون كالمسخ، وذلك لسببين: أولاً، أن العلوم الإنسانية هي دائماً وبالضرورة ناقصة، وذلك مقارنة لما اكتشف مع ما تبقى ليُكتشف، حيث يمكن القول انها لا تزال في مهدها. وهكذا لكي تتبدل حياة الانسان العملية، جماعة أم فردًا، إلى التزام دقيق وحصري يترافق مع أحدث البيانات العلمية، علينا أن ندين المجتمع كما الأفراد لكي يعانوا الاستشهاد على سرير بروكرستس ، التي ستنتهي قريباً مؤلمة وخانقة لهم، حيث تبقى الحياة أعظم من العلم في أي وقت مضى.

السبب الثاني: المجتمع الذي يجب أن يطيع التشريعات المنبثقة من أكاديمية علمية، ليس لأنه مدرك هذا الطابع العقلاني لهذا التشريع (في هذه الحالة وجود الأكاديمية تصبح عديمة الفائدة) ولكن لأن هذا التشريع المنبثق من الأكاديمية، كان المفروض باسم العلم أن يقدّس دون فهمه. مثل هذا المجتمع سيكون مجتمعا، ليس للإنسان، بل للبهائم. ستكون حالة أخرى من تلك البعثات اليسوعية التي أرسلت إلى حكومة الباراغواي لوقت طويل . وبالتأكيد فإنها ستنحدر بسرعة إلى أدنى مراحل البلاهة.

يبقى هناك سبب ثالث وهو ما يجعل من المستحيل تشكيل مثل هذه الحكومة، بمعنى تلك الأكاديمية العلمية الممولة سيادياً،إذا جاز التعبير، بشكلٍ مطلق، وحتى لو كانت تتألف من ألمع الأشخاص، بحيث انها بالتأكيد سوف تنتهي من تلقاء نفسها في الفساد الأخلاقي والفكري.وحتى اليوم، هذا هو حال كل الأكاديميات مع بعض المزايا قليلة الممنوحة لها. بشكل حتمي، أعظم العباقرة العلميين منذ لحظة أن يصبح أكاديمياً يسقط في هفوات الخمول. ويفقد تلقائيته وعفويته، صلابته الثورية، وطاقته الوحشية لتحقيق عبقريته، وقدرته على تدمير العالم القديم وإرساء أسس جديدة. بدون شكأن كل ما يكتسبه من كياسة وحنكة نفعية وعملية هو ما يخسره من قوة فكره. في كلمة واحدة، سيصبح فاسداً.

هذا هي سمة الامتياز وكل مكانة ذات امتياز هي قاتلة لعقل وقلب الانسان. الانسان ذو امتياز، سواء كان اقتصاديا أو عمليا، هو رجل فسد في العقل والقلب. هذا هو القانون الاجتماعي الذي لا يقبل أي استثناء، كما على الطبقات ينطبق على كل الدول، متعاونين أومنفردين. ذلك هو قانون المساواة، الشرط الأعلى للحرية والإنسانية. المبدأ الاساسي لهذه الدراسة هو بالضبط شرح هذه الحقيقة في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية.

هذا الجسم العلمي الموثوق من قبل الحكومة سوف ينتهي قريبا من خلال تكريس نفسه ليس للعلم، بل من أجل شأنا آخر تماما: هو أن القضية ، كما هو الحال بالنسبة لجميع السلطات المتأسسة، ستبحث عن الدوام الأبدي من خلال تقديم مجتمع يتعهد أكثر من أي وقت مضى لرعاية الغباء وبالتالي في حاجة إلى المزيد من بسط حكومته واتجاها.

ولكن ما هو يصدق على الأكاديميات العلمية يصدق أيضا على جميع المجالس التأسيسية والتشريعية، وحتى على الذين وقع عليهم الاختيار عن طريق الاقتراع العام. في الحالة الأخيرة قد يجددوا مناصبهم، هذا صحيح، ولكن هذا لا يمنع في غضون سنوات قليلة من تشكيل مجموعة من السياسيين والسياديين في الواقع وإن لم يكن في القانون، مكرسين انفسهم للشؤون العامة للبلد حصراً، في النهاية يشكلوا نوعا من الارستقراطية السياسية أو الأوليغارشية. وهذا ما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا.

وبالتالي في هذه المسألة لا يمكن فصل أي تشريع خارجي عن أي سلطة، وكلاهما يميل إلى عبودية المجتمع، وتدهور المشرعين أنفسهم.
هل نستنتج من ذلك أنني أرفض كل أنواع السلطة؟ انها بعيدة عن تفكيري. فيما خص الأحذية، أفضل سلطة صانع الأحذية – المنازل، القنوات، أو السكك الحديدية ، أستشير كل من المهندس المعماري أو المهندس. لكل معرفة خاصة اناسها. ولكن لا أسمح لصانع أحذية أو لمهندس موهوب من أن يفرض سلطته علي. أستمع لهم بحرية وبكل احترام وذلك بسبب ذكائهم، طابعهم، معرفتهم، محتفظا دائما على حق النقاش، النقد، واللوم. أنا لا أكتفي باستشارة سلطة واحدة في أي فرع خاص، اقوم باستشارة عدد من المختصين؛ أقارن آرائهم، واختار تلك التي تبدو الأصح. لكنني على يقين بلا وجود سلطة معصومة، حتى في المسائل الخاصة، وبالتالي، مهما اكن احتراماً لنزاهة وصدق هكذا افراد ، لا يوجد لدي ثقة مطلقة في أي انسان. هكذا إيمان هو قاتل للمنطق والعقل، للحرية، وحتى بالنسبة لنجاح المستقبل، بل سيحولني فورا إلى عبد غبي، واتحول أداة لإرادة ومصالح الآخرين.

إلى حد معين، وطالما يبدو ذلك ضرورياً، فإذا أنحنيت أمام سلطة متخصصين وابدي استعدادي لتبعية ارشاداتهم وكذلك توجهاتهم، وذلك لأن سلطتهم فرضت علي ليس من قبل أحد، لا من قبل انسان ولا من قبل الله. وإلا أرفضها برعب، وأدعو الشيطان للأخذ بنصيحتهم، توجهاتهم، كذلك خدماتهم ، حينئذٍ مؤكداً سأدفع الثمن، من جراء فقدان حريتي واحترامي لذاتي، من أجل قصاصات من الحقيقة، مغلفة في أكاذيب، قد تعطى لي.

أنحني أمام سلطة ناس مختصة لأنها فرضت من قبل عقلي. وأدرك عدم قدرتي على الفهم والتطور، في كل تفاصيل المعرفة الإنسانية. فالاكثر ذكاءاً لا يستطيع فهم الكل. لهذا السبب – كما للعلم كذلك بالنسبة للصناعة – هناك ضرورة لشراكة وتقسيم العمل. الأخذ والعطاء هي الحياة البشرية. الكل يوّجه ويتوجه بدوره. فليس هناك سلطة ثابتة ومستمرة، بل هناك تبادل مستمر للسلطة، وفوق كل شيء هذه السلطة هي طوعية وتبعية.

إذن، هذا السبب نفسه يمنعني أن أعترف بسلطة ثابتة، دائمة، وشاملة، لأنه لا يوجد انسان عالمي، أي انسان قادر على استيعاب كل التفاصيل، والتي بدونها يستحيل تطبيق العلم في الحياة، كل العلوم وجميع فروع الحياة الاجتماعية. وإذا تحققت مثل هذه العالمية في انسان واحد، لفرض سلطته علينا، سيكون من الضروري دفع هذا الانسان للخروج من المجتمع، لأن سلطته حتما من شأنها أن تضع الآخرين في العبودية والبلاهة. لا أعتقد على المجتمع أن يسيء معاملة اصحاب الفكر كما فعلت حتى الآن، ولكن أيضاً لا أعتقد أن يذهبوا بعيدا في ذلك، ناهيك عن منحهم أي امتيازات أو حقوق حصرية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، لأنه في كثير من الأحيان الانسان الدجال لن يكون عبقرياً، ثانياً: لأنه من خلال مثل هذا النظام من الامتيازات، فإنه قد يتحول الانسان العبقري إلى دجال، ويهتز أركانه، وتفسد اخلاقه، وأخيراً: لأن من شأنه إقامة سيد فوق نفسه.

الإخوان , البلاشفة و الربيع العربي

مازن كم الماز

بعد الانتصار الانتخابي الأخير لمرسي مرشح الإخوان في انتخابات الرئاسية المصرية تركز الأخذ و الرد اليوم في الكلام عن الإسلاميين و احتمالات نجاحهم في تأسيس دولة دينية من جهة , و من جهة أخرى عن “قصور” الثورات أو الانتفاضات الشعبية العفوية مع التركيز على أولوية خلق قيادة ثورية لتجاوز قصور أو تخلف هذه الثورات أو لكي تتطور إلى ثورات اجتماعية أكثر جذرية الخ .. سأستخدم هنا تاريخ ثورتي فبراير شباط و أكتوبر الروسيتين لعام 1917 لكي أحاول أن أبين كيف رد التاريخ من قبل على هذه الأسئلة و الهواجس من خلال محاولة فهم كيف انتهت الثورة الروسية إلى خلق الدولة الستالينية .. أولا هناك عدة آراء ترى أن احتمالات أن يؤدي صعود الإسلاميين إلى قيام دولة دينية مبالغ فيها لأن أمام مثل هذا الصعود عدة عوائق مهمة , و هذا صحيح نسبيا , هناك الجيش مثلا في مصر الذي شكل جزءا أساسيا من السلطة منذ عام 1952 , و هناك حماسة بين أعداد أكبر من الناس للانخراط في الشأن العام و هناك حريات أوسع للصحافة و للإعلام المرئي , و بالنسبة لليبراليين أيضا هناك بوادر مشجعة لعملية انتخابية طالما حلموا بها رغم كل السلبيات التي رافقتها أو نتائجها المخيبة .. لكن كيف كان الوضع في فبراير و أكتوبر 1917 في روسيا : كانت هناك جماعة محظورة طالما كفرت و قمعت و لوحقت و ضرب بها المثل في التطرف و اتهمت بالعمالة و أنها تريد قيادة البلاد نحو الانهيار و الخراب و طالما استخدمها النظام القيصري كفزاعة لتبرير استبداده بينما كانت هذه الجماعة تصر دائما على أنها تملك خاتما سحريا لحل مشاكل الفقراء و غالبية الروس – أقصد هنا البلاشفة .. قبل ثورة فبراير كان البلاشفة أضعف بكثير من الإخوان اليوم , كانوا عدة آلاف موزعين على المنافي و السجون و العمل السري بين خضم من ملايين الروس , و فوجئوا بالثورة كما فوجئ بها الجميع , لم يزد عددهم كثيرا عن عدة عشرات من الألوف بحلول شهر أكتوبر لكنهم كانوا قد سيطروا على سوفييت بتروغراد و موسكو و كسبوا ولاء قطعات عسكرية قريبة من المدينتين خاصة قاعدة كرونشتادت البحرية الواقعة بالقرب من العاصمة بتروغراد , استخدم البلاشفة لتحقيق ذلك شعارات شعبوية تعود في غالبيتها إلى منافسيهم , شعار الأرض للفلاحين أخذوه من الاشتراكيين الثوريين الحزب الفلاحي الأكبر , شعار كل السلطة للسوفييت أخذوه عن الأناركيين , الخ .. كان التنظيم البلشفي فضفاضا جدا أيام القمع القيصري بسبب ظروف اتساع روسيا نفسها و صعوبة الاتصالات بين المنظمات الحزبية و القيادات التي عاشت عموما في الخارج , لكن لأول مرة بدأ الحزب البلشفي خاصة في موسكو و بتروغراد يشهد مركزة حقيقية ستصل إلى درجة العسكرة مع استيلائه على السلطة و ممارسته لها , الأمر الذي سيمتدحه لينين و تروتسكي و ستالين فيما بعد على أنه أحد أهم أسباب انتصار البلاشفة في أكتوبر و بعده أي استيلائهم على السلطة و احتفاظهم بها لسبعين سنة قادمة .. كانت روسيا بعد إقصاء القيصر في فبراير تموج بحرية لا حد لها , الروس الذين اعتادوا الخضوع فقط على مدى قرون و الذين تحرر غالبيتهم من القنانة فقط قبل نصف قرن مارسوا أكبر درجة ممكنة من الحرية في كل شيء , لم يكن الموضوع يتعلق فقط بحرية التعبير أو بحرية الاحتجاج أو غيرها , بل كان أعمق من ذلك بكثير , نشأت شبكات أفقية من السوفييتات , و لجان المصانع و الأحياء و القرى , جمعيات من كل الأنواع في كل مكان , لقد نظم الروس حياتهم دون سلطة , و كان هذا هو الذي سمح لهذا الجيل بتحمل و تجاوز الظروف الصعبة لذلك العام و الأعوام القليلة التي تلته , صحيح أن الإنتاج الصناعي و الزراعي تأثر سلبا بالحرب العالمية و بالثورة لكن ما جرى هو أن غالبية الروس انتزعوا ما كان الأرستقراطيون و البرجوازيون يسرقونه منهم و وزعوه بينهم بطريقة عادلة أكثر , المفاجئ أنه بعد عدة سنوات فقط من هذا المشهد الرائع سنرى السوفييتات نفسها , أكثر مؤسسات الديمقراطية المباشرة للعمال و الجنود و الفلاحين حرية , و هي “تنتخب” الزعيم و “توافق” على خطاباته و سياساته بالتصفيق وقوفا , بعد سنوات ليست بالكثيرة أصبحت التشيكا الشرطة السرية هي من يحكم البلد فعلا و كان كل شيء أصبح يقرره أفراد لا يعدون حتى بالعشرات حتى لو أدت قراراتهم لجوع و موت الملايين .. هناك حقيقة يجب ألا تفوت أحد اليوم : للينين و للبلاشفة عموما تلامذة عرب نجباء جدا , هم الإسلاميون , الإخوان أساسا , إنهم بلاشفة اليوم و لينينيو الثورات العربية الحالية , لا يوجد سياسي يطبق اللينينية بحذافيرها اليوم كما يفعل الإخوان و لا يوجد بلاشفة مخلصون لكل دروس البلشفية و سياساتها و أفكارها التنظيمية من الإخوان اليوم .. إذا تجاوزنا الشبه الشكلاني بين مشاركة البلاشفة المحدودة جدا في ثورة فبراير 1917 و مشاركة الإخوان المحدودة أيضا في ثورة يناير 2011 و الثورات العربية عموما , فإن سلوك البلاشفة و الإخوان في الثورتين كان متطابقا إلى حد كبير , و الأسباب التي سهلت للبلاشفة أن يستولوا على الثورة الروسية توجد أيضا عند الإخوان : التنظيم الحديدي , أولوية الإيديولوجيا “الخلاصية” , براغماتية سياسية تصل إلى حد الخداع و المياكيافيلية .. يروي تروتسكي بعض تفاصيل ميكافيلية البلاشفة في كتابه دروس ثورة أكتوبر – 1924 , عندما يروي كيف أصر لينين على الاستيلاء على السلطة قبل يوم واحد فقط من مؤتمر السوفييتات الثاني خلافا لغالبية القيادة الحزبية التي كانت تريد من المؤتمر نفسه أن يستولي على السلطة حفاظا على المظاهر الديمقراطية , و كيف سخر لينين من “إيمان” هؤلاء القادة “بشكليات” اللعبة الديمقراطية , كان من الواضح أن لينين يريد السلطة لحزبه و ليس للسوفييتات و لهذا كان الاستيلاء على السلطة قبل مؤتمر السوفييتات و لو بيوم واحد فقط أمرا حيويا جدا بالنسبة له , يروي تروتسكي أيضا كيف كان بعض القادة البلاشفة يحاور المناشفة و الاشتراكيين الثوريين ليلة 25 أكتوبر نفسها بينما كان حزبهم يستولي على المواقع الحساسة في بتروغراد و يتحدث بسخرية أيضا عن سذاجة بعض خصوم البلاشفة الذين اعتقدوا أنهم أي البلاشفة سيخضعون لقرارات غالبية المؤتمرات و المجالس و أنه يكفي هناك هزيمتهم بخطاب لإعادتهم إلى صوابهم , إن كلام تروتسكي واضح لا لبس فيه : إن الخداع أحد وسائل ممارسة البلاشفة للسياسة و هذا ينطبق على كل القوى السياسية السلطوية أي التي تتمحور كل سياساتها على الوصول إلى السلطة , أي قيادة الآخرين و فرض مشروعهم عليهم من فوق , من موقع “السلطة” , و اليوم بشكل استثنائي على الإسلاميين , الذين كذبوا و نافقوا و خدعوا و زيفوا طوال الأشهر الماضية بعد ثورة يناير معتبرين في النهاية أن هذا النصر نصرهم لأنه نصر إلهي !! و متهمين كل من يقف في طريقهم بكل ما يخطر على بالهم , إذا قبلنا رواية تروتسكي و غيره من القادة البلاشفة عن الطريقة التي استولوا بها على السلطة لا نملك إلا أن نقول عن الإسلاميين اليوم : يا لهم من بلاشفة و لينينيين حقيقيين !! الفيلسوف اللبناني علي حرب كتب في السفير قبل أيام متحدثا عن الإسلاميين , قال أن المشكلة معهم ليست في تطبيق الشريعة , فالشريعة , بعيدا عن نظرية الحدود , هي مجموعة قيم , الحقيقة أن الإسلاميين يستخدمون قصة الشريعة و هذه القيم للاستيلاء على السلطة فقط , في الممارسة داسوا على كل تلك القيم و قد شاهدناهم يفعلون ذلك في انتخابات مجلسي الشعب و الشورى و الرئاسة , نحن لسنا أمام قوة سياسية أخلاقية , إننا أمام قوة سياسية تستخدم صورتها الأخلاقية المفترضة لكي تستولي على السلطة باسم تطبيق الأخلاق , تماما كما كان البلاشفة في عام 1917 .. ليست هذه هي المرة الأولى التي يثبت فيها الإسلاميون أنهم يستحقون لقب بلاشفة حتى من أكثر الستالينين أنفسهم , حدث هذا أيضا في إيران بعد ثورتها الشعبية الرائعة .. قبل أن يصل الخميني إلى طهران في أوائل 1979 كان يتحدث في باريس عن احترام حقوق المرأة و حرية الفكر و التعبير الخ و أنه لا يسعى لأن يمارس أي دور قيادي في إيران بعد الشاه , في خطابه الأول بعد نزوله من الطائرة سيتغير كل شيء و سيتحدث بطريقة مختلفة تماما مهددا خصومه الرافضين لقيام الدولة الثيوقراطية الدينية و ستزداد نبرة التهديد في كلامه مع الوقت , على التوازي مع ظهور دولته الثيوقراطية التي تحكمها المؤسسة الدينية و حلفائها من البازار , كدولة شمولية حقيقية .. هذا الكلام يجعلني أشعر بالشفقة حقا على بعض الليبراليين العرب الذين يصرفون جل وقتهم و جهودهم اليوم في كتابة دساتير و قوانين و في تحديد خصائص المرحلة الانتقالية بينما تجد الإخوان يصرفون وقتهم في تعزيز دعايتهم بين الناس و تصليب سيطرتهم على قواعدهم , بينما يتفرغ بعض الليبراليين السوريين لمثل هذه المهمة ينشغل الإخوان السوريون بتشكيل شبكة من الموالين داخل الحراك الثوري السوري و داخل كتائب الجيش الحر , هذه ليست دعوة لمنافسة الإخوان في من يمكن أن يكون أكثر لينينية أو بلشفية أو ماكيافيلية , الاستنتاج الذي أفترض أن هذا الاستعراض ينتهي إليه هو محدودية “الديمقراطية التمثيلية” كبديل عن الأنظمة الديكتاتورية القائمة و ضرورة الانتقال إلى ديمقراطية مباشرة يمارسها الثوار و كل المضطهدين مباشرة على مصيرهم .. يجب هنا أن نكون منصفين أيضا , ففي الدولة الستالينية كان للسلطة فيها قاعدة اجتماعية مهمة هي البيروقراطية الحزبية و الدولتية التي كانت تتمتع بامتيازات واضحة مقارنة ببقية الكادحين , أيضا لا يمكنك أن تشعر إن كنت تعيش في إيران بأنك تعيش في جحيم حقيقي , في الدولة الشمولية سواء الثيوقراطية أو الستالينية يستطيع الناس , غالبيتهم على الأقل , أن يعيشوا , أن يحصلوا على وظيفة و بيت و طعام و أن يربوا أطفالهم , لكن كروبوتات , كعبيد , أشياء , أصفار , أمام جبروت السلطة الطاغي , أقول هذا فقط كيلا نحاول أن نرسم صورة جهنمية عن الدول التوليتارية الستالينية أو الدينية رغم أن العبودية بحد ذاتها حالة جهنمية بالفعل لكنها ليست مرضا يحكم بالموت على الجميع , تحتاج الدولة و الطبقات الحاكمة إلى أن يحيا العبيد في نهاية المطاف و هي لذلك ستعطيهم ما قد يكفي لسد رمقهم و رمق أطفالهم , من دون هؤلاء العبيد ستموت الطبقة السائدة نفسها لأنها لن تجد من يطعمها … صحيح أيضا أن روسيا الستالينية عرفت شبكة من أجهزة قمع و ملاحقة عقابية و وقائية فاجرة في قمعها , هذا أيضا وجد و يوجد في إيران , السعودية , سوريا , كوبا , الصين الماوية , ألبانيا خوجة , الخ و أن عدد ضحاياها لم يكن قليلا , و أنه أحيانا كان كبيرا بشكل استثنائي , كما في مجاعات أوائل الثلاثينيات في روسيا مثلا أو في مجازر الخمير الحمر , لكن في الأغلب كانت غالبية الناس تستطيع العيش ضمن حدود ما إن لم تواجه مباشرة شبكة القمع هذه أو إذا لم تصطدم مباشرة بالسلطة .. إذا دخلنا في التفاصيل الأصغر لاحتمالات قيام دول شمولية جديدة بعد الثورات العربية , ثيوقراطية أو دينية هذه المرة , بنفس طريقة ظهور الدولة الشمولية الستالينية بعد الثورة الروسية , أي إذا تجاوزنا الشبه في الصورة العامة لندخل في تفاصيل الفروق بين الثورة الروسية و الثورات أو الانتفاضات العربية , يمكننا القول أن سقوط القيصر ثم الحكومة المؤقتة أدى أيضا إلى انهيار جيش النظام القديم , و كان على البلاشفة بناء جيش جديد خاص بهم و لو بدمج عناصر من الجيش القديم , هذا لم يحدث إلا في ليبيا , و يحدث في سوريا بالتأكيد , لكنه لم يحدث في مصر و تونس و اليمن .. و بينما كان الجيش التونسي منذ تأسيسه صغيرا احترافيا و بقي ذا دور هامشي جدا في السلطة التي تركزت بيد الديكتاتور بورقيبة و حاشيته و بالتالي لم يشكل تهديدا لوصول النهضة للسلطة في تونس , فإن الجيش المصري يشكل إلى جانب مؤسسة الرئاسة الحاكم الفعلي لمصر طوال أكثر من نصف قرن و هو يملك إمبراطورية اقتصادية حقيقية لا يمكنه تسليمها بسهولة للإخوان , و واضح أنه مهما بلغت محاولاتهم للوصول إلى مساومة فإن التناقضات بينهما قد تبلغ في لحظة ما مستوى الانفجار أو الصراع المفتوح , و طبعا لا يمكن التنبؤ سلفا بنتيجة هذه المواجهة أو زمانها أو حتى بحدوثها لأني أعتقد أن كلا الطرفين العسكر و الإخوان قد يحاولان أولا خلق حالة تشبه ذلك التعايش المتوتر بين أردوغان و العسكر في تركيا قبل التورط في صراع مفتوح غير مضمون النتائج رغم أنه في حالة فشلهما في خلق حالة التعايش هذه فإن الصراع بينهما قد يكون حتميا .. أيضا في حالات مشابهة و لو في الشكل على الأقل لظروف الثورات العربية الراهنة فإن ظهور أشكال جوفاء من الديمقراطية الفاسدة في أوروبا الشرقية بعد سقوط أنظمتها الشمولية في تسعينيات القرن الماضي يعود كما أعتقد إلى أن السياسيين أو الحكام الجدد جاؤوا من نفس الطبقة البيروقراطية الحاكمة سابقا حتى في رومانيا حيث كان إسقاط النظام أكثر عنفا و دموية و عدا ألمانيا التي تولت الطبقة البرجوازية الحاكمة سابقا في قسمها الغربي السلطة في ألمانيا الموحدة بعد أن ضمت بعض البيروقراطيين السابقين في الشرق إلى نخبتها الحاكمة , لهذا كان الموضوع أشبه بانتقال السلطة من فئة في هذه الطبقة إلى فئة أخرى مع تغيير طريقة إنتاج السلطة خاصة بعدما اكتشفت الطبقة الحاكمة أن صناديق الاقتراع لن تهدد سلطتها الفعلية بل إنها تعطي هذه السلطة شرعية مهمة و تضعف استعداد الجماهير للنضال ضد هذه السلطة مهما بلغت من فساد … يجب أيضا ألا نغفل قضية مهمة أخرى هي دور الحرب الأهلية في تعزيز سلطة البلاشفة و استبعاد كل خصومهم وصولا إلى إقامة دولة الحزب الواحد البوليسية و كذلك دور الحرب العراقية الإيرانية في تقوية سلطة الخميني على البلاد , كما شاهدنا مثل هذا الشيء بالنسبة لعبد الناصر ( حرب السويس 1956 ) , الأسد ( حرب تشرين 1973 ) , رغم أن الحروب اليوم مستبعدة جزئيا بسبب وضع مراكز النظام الرأسمالي العالمي المأزومة لكن حربا أهلية في سوريا مثلا ستقوي قبضة الإسلاميين هناك من دون شك , كذلك قيام حرب إيرانية مع جوارها أو مع إسرائيل أو مع أمريكا و الغرب قد تقوي أنظمة أخرى جديدة في المنطقة .. نظريا أعتقد أنه من الممكن للإخوان أن يستولوا على الثورات العربية , لقد جرى ذلك من قبل في معظم إن لم يكن كل الثورات السابقة و هم يملكون كل الأسلحة التي يتطلبها مثل هذا الاستيلاء , و لأننا نتحدث عن بشر فإن دروس التاريخ هذه ليست قراءة بسيطة في المستقبل بقدر ما هي قراءة في احتمالاته .. القضية الأخرى المهمة هي أننا شاهدنا بأم أعيننا أن الثورات هي ظواهر تاريخية اجتماعية إنسانية عفوية لا تخضع لإرادة شخص أو مجموعة , و هذا كان صحيحا على الدوام أيضا .. يجب ألا نقلل هنا من شأن دعاية الأحزاب السياسية و دعاية الأفكار التي يقوم بها المثقفون في اندلاع الثورات , كلها تشكل جزء أكيد من صيرورة تراكمية تمهد للثورات دون شك , لكن الثورات خلافا للتصور اللينيني السائد عنها ليست من فعل أشخاص أو مجموعات , إنها فعل عفوي للجماهير العريضة .. أيضا خلافا للتصور اللينيني السائد فإن مشكلة انحطاط الثورات تبدأ عندما تظهر “قيادة” ما لها , أي عندما تستولي مجموعة عليها , و ليس العكس , أي أن نجاح هذه القيادة في الاستيلاء على الثورة هو سبب انحطاط الثورات و ليس ازدهارها .. أولا لنتفق أن البلاشفة لم يغيبوا عن الثورات الجارية أيضا كما سبق و قلنا , لكنهم هذه المرة هم الإسلاميون الذين يمارسون اللينينية بكل إخلاص و حماسة , هذا إذا تجاوزنا النقطة التي تستخدمها قيادات الأحزاب الشيوعية و اليسارية في أن “الإيديولوجيا” هي مصدر القوة الفعلي للعمال و أن امتلاك “الحزب الطليعي” لهذه الإيديولوجيا هو مبرر وجوده كقائد مفترض لهذه الطبقة التي لا تستطيع من دون هذه القيادة أن تفكر أو تتصرف كطبقة .. الحقيقة هي العكس , هي أن هذه الطبقة لا يمكن أن تتصرف بشكل مستقل و ذاتي بوجود قيادة محترفة من هذا النوع , هذا لا ينفي ضرورة تنظيم الطبقة العاملة و بقية المضطهدين , بل على العكس تماما فالتنظيم قوة حقيقية للطبقة العاملة و انعدامه هو أحد نقاط ضعفها القاتلة , المشكلة هي مع التنظيم المركزي اللينيني – التروتسكي – الستاليني الذي يخدم غرض هذه القيادات بالتحديد بالسيطرة على المضطهدين و على المجتمع كخطوة تالية و ليس هدف انعتاق المضطهدين و تحررهم , إن التنظيم الذي ينظم المضطهدين ليخوضوا بفعالية أكبر النضال في سبيل انعتاقهم هو التنظيم الواعي الحر الطوعي و التنظيم الذي يمارس فيه العمال و المضطهدون ديمقراطيتهم المباشرة داخله حيث يشارك كل إنسان في صنع قراراته , حيث يكون كل فرد جزءا من عملية جماعية ديمقراطية لصنع القرارات و للنقاش الحر , إنه بذلك يشبه المجتمع الجديد الذي يريد أن يخلقه هذا التنظيم أي مجتمع يكون فيه كل إنسان سيد مصيره , هذا هو بالضبط الفرق بين التنظيم اللينيني الذي يعني خضوع المضطهدين لأقلية جديدة ستصبح بالضرورة طبقة حاكمة جديدة إذا استولت على السلطة و بين ممارستهم لتنظيم شؤونهم من خلال ديمقراطية مباشرة دون طبقة وسيطة دون بيروقراطية دائمة منفصلة عنهم .. إن الأحزاب التي تتألف قياداتها من أنتلجنسيا و تكنوقراط “ثوري” محترف ليست جزءا من الطبقة العاملة أو من المضطهدين , إن قياداتها جزء من الطبقة الاحترافية التي قد تخدم الطبقة السائدة و قد تقف ضدها أحيانا , صحيح أن بعضها قد يكون ذا أصول بروليتارية أو أنه قد يتحول إلى بروليتاريا بفعل إفقار الرأسمالية لكن هذه القيادات خلافا للبروليتاريا الحقيقية تمتلك امتيازات دائمة تصر على الاحتفاظ بها , إنها ليست بروليتارية , إنها تحاول أن توهم العمال بذلك لكي تنصب نفسها قائدة عليهم , الطائفيون يمارسون نفس اللعبة لكنهم لا يعرفون أنفسهم طبقيا بل طائفيا , هكذا يصبح الحريري سنيا مثل سكان باب التبانة الفقراء و نصر الله و بري شيعيين مثل سكان قرى الجنوب البؤساء , هكذا يصبح الملك السعودي و شيخه العرعور سنيا مثل سكان الحولة و القبير , و هكذا يصبح الأسد و عائلته علويين مثل سكان القرى المعدومة في جبال العلويين .. يكفي اليوم سماع المدائح بحق مرسي , من أن الثورة قد وجدت أخيرا “قائدها” لنفهم و لو بشكل بدائي تفاهة فكرة القيادة الثورية .. الحقيقة أن الثورة تبقى ناجحة أو في طريقها للنجاح و تحقيق انعتاق حقيقي للمضطهدين و تعطي المضطهدين حرية حقيقية طالما لم توجد هذه القيادة أو طالما لم تتمكن هذه القيادة من الاستيلاء على الثورة بعد .. لا يمكن أبدا مقارنة الديمقراطية المباشرة في ميدان التحرير و أشكال التنظيم الذاتي التي ظهرت في الزبداني و غيرها في سوريا و غيرها بما تسمى ديمقراطية صناديق الاقتراع .. طالما لم تنجح اية مجموعة من خلال مناوراتها و أساليب خداعها السياسية في الاستيلاء على الثورة أي طالما بقيت الجماهير تقود نفسها بنفسها كانت الثورة تتقدم باتجاه حرية حقيقية و باتجاه الانعتاق الحقيقي للمضطهدين .. الخداع هنا ليس مجرد موقف أخلاقي مثالي , بل أكبر من ذلك بكثير , فبالنسبة للأغلبية يتوقف وعيها بذاتها و بمصالحها على فهم حقيقي للواقع و لمصالحها و لوجودها , إن الخداع هو سلاح الأقليات الطامعة لخداع الأكثرية عن طريق خلق أوهام ما لتزييف وعيها و تزييف رؤيتها لذاتها و مصالحها و خلق الوهم بأن تلك الأقلية بالذات تمثل و تحقق هذه المصالح بشكل أفضل من الأكثرية نفسها و أن حكم هذه الأقلية و سيطرتها أفضل من حكم الأكثرية نفسها بنفسها , هذا من جهة مصالح هذه الأكثرية كما يجري الزعم .. صحيح ما قاله لينين و تروتسكي و ستالين من أن وجود قيادة “ثورية” لتنظيم “ثوري” يقوم على انضباط و على سمع و طاعة فولاذيين و قادرة في نفس الوقت على أن تقنع الجماهير بأن “تمشي” وراءها , أن كل هذا يسهل على هذه المجموعة الوصول إلى السلطة , و هذا بالضبط ما يفعله الإخوان اليوم في مصر و تونس و سوريا , لكن وصول هذه المجموعة إلى السلطة شيء و انعتاق و تحرر المضطهدين من كل استغلال و اضطهاد و استلاب شيء آخر تماما , إن لم يكن النقيض الكامل له .. إننا بكل وضوح أمام خيارين اثنين فقط لا ثالث لهما : إما أن تنجح أية مجموعة بفرض نفسها كسلطة جديدة على الجماهير أو أن تتمكن الجماهير من أن تحكم نفسها بنفسها , الخيار الأول يعتمد على المناورات السياسية تارة و القمع و المواجهة العسكرية تارة و أحيانا على بعض أشكال الديمقراطية التمثيلية كالانتخابات , و الخيار الثاني يعتمد على إقامة مؤسسات لممارسة الديمقراطية المباشرة كالسوفييتات و مجالس العمال و المجالس و اللجان و الجمعيات الشعبية و لجان المصانع و الأحياء و القرى الخ .. صحيح أن هناك فوارق بين حكم النخب , في درجة القمع و الحريات المتاحة للجماهير , الديمقراطية البرجوازية هنا تبدو أفضل مثلا من الدول الشمولية , و قد شاهدنا أناركيا أصيلا كالإيطالي مالاتيستا يوافق على أن الديمقراطية البرجوازية أفضل من الديكتاتورية في هذا الصدد , لكن دون أية أوهام , كما يفعل الليبراليون و الإصلاحيون , عن ضرورة هذه المرحلة الديمقراطية البرجوازية قبل الانتقال إلى ديمقراطية جماهيرية مباشرة , هذا غير صحيح كما أعتقد , و قد ظهرت الديمقراطية المباشرة في المجتمع المشاعي و في كثير من مؤسسات و أشكال التنظيم في المجتمعات العبودية و الإقطاعية و الرأسمالية ( كما أظهر كروبوتكين و غيره مرارا , يمكن العودة إلى كتاب كروبوتكين عن الدولة و دورها التاريخي الذي يتحدث فيه عن هذه المؤسسات في أوروبا القروسطية : المدن الحرة و جمعيات الحرفيين ذاتية التنظيم و مجتمعات القرى الكومونية و التي قامت الدولة الحديثة على تدميرها لكي تقيم سلطتها المركزية ) و يتوقف تطور مؤسسات و أشكال الديمقراطية المباشرة على اكتشاف الجماهير لها و فقدانها الإيمان بسلطة الطبقات السائدة , رغم أن مستوى إنتاجي مرتفع و وفرة حقيقية ستساعد من دون شك في دعم هذه الديمقراطية المباشرة و جعلها دائمة بأن توفر الشروط اللازمة لإنهاء الانقسام بين العمل اليدوي و الفكري الذي طالما بقي سيمنح بعض النخب امتيازات ما قد تصبح دائمة مع الوقت مما قد يعني ظهور أشكال استغلال و قمع و استلاب سلطوية جديدة لكن ارتفاع الإنتاجية ليس في حد ذاته هو الدافع إلى قيام أشكال أكثر ديمقراطية خاصة بالنسبة للمضطهدين و المهمشين .. هناك اليوم أيضا نفس الخيار أمام الجماهير , أمام المضطهدين و جزئيا أمام اليسار أيضا : إما السعي لخلق قيادة تستولي على السلطة كطبقة حاكمة جديدة و إن كان هذا “باسم الجماهير” ( هذا ما يفعله الإخوان هذه المرة و إن كان مع غيرة واضحة من القيادات الليبرالية و اليسارية السلطوية ) أو سعي الجماهير لأن تحكم نفسها بنفسها من خلال ديمقراطية مباشرة و من خلال مؤسسات أفقية قاعدية مجالسية كومونية مع القضاء النهائي على انقسام البشر إلى سادة و عبيد , حاكمين و محكومين , مضطهدين و من يضطهدهم .

‫مازن كم الماز | Facebook‬

اندیشمندان آنارشیسم ( پيير ژوزف پرودن )

نویسنده :ادوارد کاستلون

منبع : لوموند دیپلماتیک 

دويست سال پس از تولد پيير ژوزف پرودن، در ١٥ ژانويه ٢٠٠٩، در باره اوچه مي دانيم ؟ جمله اي معروف «مالکيت دزدي است !»، همين و بس. کسي را که شارل اوگوستين سنت بو، بزرگترين نويسنده عصر خويش مي دانست و ژرژ سورل برجسته ترين فيلسوف قرن نوزدهم مي گماشت، درپستوي کتابخانه هاي آزاديخواهان و فرهيختگاني چند پناه جسته است. بر خلاف ديگر متفکرين و نويسندگان هم عصرش ـ کارل مارکس، اگوست کنت، ژول ميشله و ويکتورهوگو يا آلکسي دو توکويل ـ موسسات انتشاراتي بزرگ اعتنايي به او ندارند.

ليکن سالگرد صد سالگي وي در سال ١٩٠٩، در فراموشي سپري نشد. رئيس جمهور وقت، ارمان فلير، به شهر بوزانسون، زادگاه وي سفر کرد تا از مجسمه برنزي به يادبود «پدر آنارشيسم» پرده برداري کند. در آن زمان، جامعه شناسان هوادار دورخيم (١)، حقوقدانان و وکلاي جمهوري خواه طرفدار لائيسيته، نظريه پردازان سنديکاليسم انقلابي و حتي سلطنت طلبان مخالف مجلس به پرودن توجه داشتند.

اما موج سنديکايي ـ آنارشيستي آن سال ها به سرعت مسير عوض کرد. روشنفکران و کارگران که قبل از جنگ اول جهاني پرودن را قبول داشتند، پس از انقلاب اکتبر سعي کردند وي را مظهر ضديت با مارکس جلوه دهند. صلح طلبان که هوادار تشکيل جامعه جهاني بودند، نظرات فدراليست او را مطرح کردند و طرفداران ويشي برخي جنبه هاي صنف گرايانه تفکر او را برگزيدند تا به رژيم خود مشروعيت بخشند. اين امر به نجات مجسمه پرودن ياري نرساند و در دوران اشغال فرانسه توسط نازي ها مجسمه اش را آب کردند، اما در عين حال اعتبار اين متفکر نزد افراد مترقي نيز تا مدت ها خدشه دار ماند.

چرا که دوران پس از جنگ در فرانسه همراه با سلطه روشنفکران مارکسيست چپ بود و همه ديگر تفکرات قرن نوزدهم، هر چند غني، به عقب رانده شد. از جمله نظرات پرودن، که راهي مياني بين مالکيت خصوصي (در تملک گرفتن انحصاري دارايي ها به صورت فردي) و کمونيسم (در تملک گرفتن و پخش دارايي هاي افراد به صورت مساوي توسط دولت) پيدا کند.

اين پيش قراول آنارشيسم «راه سومي»، از کجا آمده بود ؟ پدرش توليد کننده آبجو و مادرش آشپز بود. پرودن در زمينه ادبيات کلاسيک استعداد زيادي داشت اما به دليل وضع مالي خانواده ترک تحصيل کرد و در چاپخانه اي مشغول به کار شد. با تشويق برخي از بزرگان زادگاهش، فرانش کنته، پرودن توانست بورس سه ساله اي بگيرد و براي ادامه تحصيل در رشته زبان، منطق و فلسفه به آکادمي شهر بزانسن برود. در آن جا پرودن به اختلافات طبقاتي و تجربي که وي را از ديگر اعضاي انستيتو که راهنماي پژوهش هايش بودند، جدا مي کرد پي برد. در ضمن حد و مرزهاي تلاش هاي ليبرال هاي دوران پس از استقرار مجدد سلطنت ژوئيه را نيز بازشناخت، تلاش هايي که بر «ظرفيت» هاي والاي صاحبان ثروت متکي بود.

آن زمان دوران راي گيري بر اساس ماليات بود (يعني تنها افرادي که از حد معيني بيشتر ماليات پرداخت مي کردند حق راي داشتند ـ م) : آن که مال دارد به فردي که از او هم ثروتمند تر باشد راي مي دهد. در مقابل حق خدشه ناپذير مالکيت، واقعيت فقر و بي بضاعتي، اميد ليبرال ها که در همان زمان خيال داشتند نظم اجتماعي را در جامه حقوق مدني فردي مسقر سازند، کتمان مي کرد.

بعد از روز هاي ژوئن ١٨٤٨، او به يکي ازمورد حمله قرار گرفته ترين چهره ها ي دوران خود بدل شد

پرودن که معتقد بود تقسيم ثروت در جامعه مهم تر از شکل نمايندگي سياسي مردم مي باشد، راه حل رفع نابرابري هاي جامعه را در گسترش حق راي به بخش وسيعتري از مردم، که از سوي جمهوري خواهان پيشنهاد مي شد، نمي ديد. اين ارزيابي وي را به اقتصاد سياسي رهنمون ساخت.

او معتقد بود که ارزش هر شي مي بايست بر اساس «کارآيي» آن محاسبه شود، يعني به نسبت تاثيرات اجتماعي واقعي و مادي آن شي. اقتصاد دانان هم عصر وي که گردش ثروت از طريق مبادله برايشان اهميت داشت، ارزش اشيا را مستقل از نياز هاي توليدکنندگان براي ادامه کار تعريف مي کردند. ژان باپتيست سي (١٧٦٧ ـ ١٨٣٢) طرح مي کرد که «کالا ها با کالاهاي ديگر مبادله مي شوند». اين بدان معناست که فروش يک کالا با رونق گرفتن تجارت کالاهاي ديگر بالا مي رود و در وهله آخر، ارزش کالا بر اساس هزينه تامين آن ارزيابي مي شود، از اين رو به اين دليل که ارزش کالا بر اساس قرار داد ها مشخص مي شود، داراي مبناي ثابتي نمي باشد. مطابق نظر پرودن، به اين ترتيب ارزش کالا خارج از «کارايي» آن تعيين مي شود. درست است که تعادل بين توليد و مصرف مد نظر مي باشد، اما براي نيل به اين منظور، کالاي به فروش رسيده و ميزان کاري که براي توليد آن انجام گرفته مي بايست پيوسته در تعادل باشند. اما تعريف حقوقي مالکيت سد راه مبادله برابرانه است چراکه ثروت در دست مشتي مالک، بهره خوار و سرمايه دار انباشت شده است. لازم است که از قانون راه کارهاي ژان پابتيست سي قرائتي انقلابي تر صورت پذيرد ( قانوني مبتني بر اين اصل که عرضه آفريننده تقاضاست).

جالب است که اين نظرات، اقتصاد دانان معاصر پرودن مثل آدلف بلانکي، برادر لويي اوگوست انقلابي را به خود جذب کرد. به نظر مي رسيد مشخصه نا متداول اين نظريات بتواند بين تفکرات انتقادي سوسياليست ها (که پرودن نوشته هاي پيچيده و نومسيحي آن ها را که به نظر او احساسات آبکي و خيرانه اي مثل برادري را مطرح مي کردند، مورد انتقاد قرار مي داد) و نظرات اقتصاد دانان ، حقوق دانان و فيلسوفان هوادار نظم موجود، پلي برقرار کند.

در اين چارچوب، مارکس، نظريه ارزش اضافه پرودن که در «مالکيت چيست ؟» (١٨٤٠) طرح شده بود را مورد تمجيد قرار داد : «گفته مي شود که سرمايه داري ، دستمزد روزانه کارگران را پرداخته است ؛ براي اينکه دقيق تر گفته باشيم، سرمايه داري به تعداد کارگران اجرت روزانه پرداخته است. معناي اين دوجمله دقيقا مترادف نيست، چرا که سرمايه داري مزد نيروي عظيم ناشي از اتحاد و هماهنگي کارگران، آنچه از همگرايي و همزماني تلاششان توليد شده است را نپرداخته است. دويست سرباز هنگ پياده در عرض چند ساعت ستون ابليسک لوکسر را بر پايه اش استوار کردند(اين ستون در ميدان کنکورد پاريس نسب شده ـ م.). آيا يک نفر به تنهايي در عرض دويست روز از پس اين کار بر مي آمد ؟ اما بنا به محاسبات سرمايه دراي، مجموع حقوق آن دويست نفر معادل دويست روز دستمزد يک نفر است. کاشتن بذر در زميني باير، ساختن يک خانه، به راه انداختن يک کارگاه، همه اين ها مثل ستون ابليسک مي بايد برپا شود. کوهي که بايد جابه جا کرد. کوچکترين ثروتي که بوجود مي آيد، محقر ترين کارگاه ها و به راه اندازي خرده پاترين صنايع مستلزم هم نوايي استعداد هاي مختلف است که از توان يک فرد تنها خارج مي باشد».

بدون شک مارکس نيز با انتقادات پرودن به آنچه در نوشته هاي سال ١٨٤٤ اش «کمونيسم سطحي» مي ناميد موافق بود. گسست بين اين دو نفر که در پاريس با يکديگر معاشرت داشتند در سال ١٨٤٦ پيش آمد. مارکس نيش قلم خود را متوجه نويسنده اي کرد که همانطور که در نامه گسست خطاب به او نوشت در نظر داشت مالکيت را آرام آرام روي «شعله کم» از بين برد. او خواست پرودن مبني بر آشتي پرولتاريا با طبقه متوسط براي بر اندازي سرمايه داري را به مثابه تمايلي «خرده بورژوايي مي دانست که دائما بين سرمايه و کار در نوسان است، بين اقتصاد سياسي و کمونيسم».

به دنبال انقلاب ١٨٤٨ و استقرار جمهوري دوم، پرودن به عنوان نماينده مجلس انتخاب شد و در کميسيون مالي آن شرکت کرد. او در اين کميسيون تقاضاي تاسيس بانک ملي با سيستم مالي متمرکز را کرد ؛ پيشنهاد کرد که پشتوانه پول، توليد و تنها داراي ارزشي اسمي باشد (در آن زمان پشتوان پول طلا بود). او همچنين کاهش نرخ بهره و تعرفه مدت دار، اجاره و کرايه زمين را نيز تقاضا کرد. بعد از آن روز هاي ماه ژوئن (٢) همين پيشنهادات باعث شد که او مورد استهزاء و بيش از همه مردان سياسي آن دوران مورد حمله روزنامه هاي بورژوازي قرار گيرد.

برنامه هاي اصلاحي پرودن با شکست مواجه شد، او به تعمق درباره دشواري هاي نمايندگي سياسي نشست. به نظر او تجربه جمهوري دوم اليگارشي منتخبيني را بوجود آورد که نمايندگان در راس آن نقش نماينده واقعي را ندارند و ابراز نظر شهروندان در مورد قوانين تنها به صورت غير مستقيم آن هم در هنگام انتخابات قانونگذاري انجام مي شود.

از اين رو در اکثر موارد مردم در مقابل نمايندگانشان ناتوان اند و تنها با عدم انتخاب مجدد آن ها مي توانند نارضايتي خود را ابراز کنند. در عمل گسست بين انتخاب کننده و منتخب خيلي زود صورت مي گيرد. پرودن مي گويد: « بايد در اين محيط بسته که نامش مجلس ملي است زندگي کرد تا بتوان درک نمود که چگونه افرادي که اکثرا کاملا از وضعيت کشور ناآگاهند، آن را نمايندگي مي کنند». (اعترافات يک انقلابي ١٨٤٩).

پرولتاريا بايد انجمن هايي مبتني بر اصل تعاوني را ايجاد کند

تحليل او از يک مشاهده ساده فراتر مي رفت : او معتقد بود که قانون اساسي سال ١٨٤٨ قدرت اجرايي زيادي به رئيس جمهور داده و تحول به سوي يک ديکتاتوري اجتناب ناپذير گشته است. او به دليل بيان اين امر که مجلس تضعيف شده و به خاطر افشاي رفتار هاي لويي ناپلئون بناپارت (٣) زنداني شد. برخورد چاکرمآبانه بورژوازي در مقابل کودتاي ٢ دسامبر١٨٥١ و محبوبيت رژيم امپراتوري در بين اقشار مردمي وي را بسيار مايوس کرد. او با تلخي از کنج زندان ، استقرار امپراطوري دوم را نظاره مي کرد (در همين شماره به گوشه اي از نوشته هاي چاپ نشده وي در اين دوران توجه کنيد).

پس از رهايي از زندان در سال ١٨٥٢ بر عليه انباشت ثروت در دست مشتي سرمايه دار ـ که به دنبال واگذار کردن راه آهن و دسايس سوداگران بورسي رشد کرده بودند ـ قد علم کرد. در سال ١٨٥٨ مجبور به جلاي وطن شد و به بلژيک پناه برد تا پس از چاپ کتاب ضد روحانيتش «عدالت در انقلاب و در کليسا» مجددا زنداني نشود. در پايان زندگي اش به پاريس بازگشت و از هر زمان بيشتر نسبت به «دموکراتيک بودن» انتخابات عمومي بدبين بود.

در آخرين نوشته هاي قبل از مرگش، روز ١٩ ژانويه ١٨٦٥، حتي بيهوده بودن وجود کانديداهاي کارگري را به ميان کشيد. پرولتاريا بايد خود را از نهاد هاي «بورژوازي» رها کرده انجمن هايي بر مبناي اصل تعاوني ايجاد کند و روابط دوجانبه را نهادين سازد. خلاصه کلام، بايد «دموکراسي کارگري» برپاسازد.

اگر برخي جنبه هاي نظرات پرودن را کنار نهيم (زن ستيز، مرد سالار و تا حدي ضد يهود) مشخصاتي که متاسفانه نزد سوسياليست هاي قرن نوزدهم ديده مي شد، بقيه افکار وي هنوز مطرح است. بويژه آنچه به بدبيني نسبت به عملکرد سيستم دموکراتيک در کشور هاي پيشرفته سرمايه داري بر مي گردد. چرا که هنوز هم اين اطمينان وجود ندارد که منافع طبقات مردمي و کارگران، امروز بهتر از زمان پرودن توسط احزاب سياسي «نمايندگي» شود.

در مجموعه تلاش هاي کنوني براي «مدرنيزه» کردن سوسياليسم، جايي نيز براي ايدئولوژي اي که گسست طبقاتي مسالمت آميزرا مطرح مي کرد وجود دارد که سازماندهي جامعه را بر اساس تقسيم کاري مبتني بر تعاوني مطرح و اختلاف کمتري بين درآمد ها را طلب مي کرد؛ عدالت خواه بود ضمن اينکه اقتصاد را نيز مد نظر داشت، نمايندگي بر اساس موقعيت اجتماعي ـ حرفه اي را بر انتخابات عمومي ترجيح مي داد، چرا که اين نوع انتخاب به زعم او مي توانست هر لحظه به سوي سزاريسم منحرف شود ؛ به سوداگران و سرمايه داران بزرگ اعلام جنگ مي کرد، هوادار فدراليسم غير متمرکز و نه مبادله آزاد بود ؟ و يا پرودن بيشتر به درد افراد حاشيه اي و خارج رسانه ها مي خورد که محيط هاي کاملا بسته آزادگراي (ليبرتر) خود را بر صفحه تلويزيون تر جيح مي دهند ؟

بدون آنکه در انتظار واهي سفر رئيس جمهور روز ١٥ ژانويه به بزانسون براي بزرگداشت دويست سالگي تولد پرودن باشيم، دست کم مي توان اميد داشت که اين متفکر و مبارز گوشه اي از شهرت صد سال پيش خود را باز يابد.

١ – اميل دورخيم (١٨٥٨ ـ ١٩١٧) با توسعه علم بررسي داده هاي اجتماعي، رشته نويني را بنيان نهاد : جامعه شناسي.

٢ – مجلس ملي که بعد از انتخابات ٢٣ آوريل ١٨٤٨ در دست اکثريت محافظه کاربود، کارگاه هاي ملي را بست ـ نهادي که براي بيکاران پاريس شغل آفريني مي کرد ـ اين تصميم شورش خشونت باري را در پايتخت بر انگيخت. بين ٢٢ و ٢٦ ژوئن ١٨٤٨ بيش از ٤ هزار شورشي کشته شدند و همين تعداد به الجزاير تبعيد گرديدند.

٣- که فاتحانه در دسامبر ١٨٤٨ به رياست جمهوري انتخاب شده بود.

http://anarchyanalysis.blogspot.com/

 

يسقط الطغيان , تسقط الطائفية , يحيا الإنسان , تحيا الحرية

مازن كم الماز

نولد في أسر تلقننا هويتها كما تسميها و نحن أطفالا و تصر عندما نصبح واعين و قادرين على النقد و الاختيار أن لا خيار لنا في هويتنا و أن نقدها يساوي الكفر , هذا صحيح للعلوي و السني و المسيحي و الشيعي الخ .. نولد بين أفراد نسميهم أقرباؤنا , نتعلم أن نحبهم أو أن نشعر بإلفة خاصة معهم و بينهم , لكننا نعرف فيما بعد أن بينهم الجيد و السيء , الجيد و السيء هنا من زاوية إنسانية بحتة و ليست من زاوية الوصفة الأخلاقية السائدة التي تقوم على نفي كل ما هو إنساني لصالح كل ما هو دوغمائي , و لصالح كل سلطة قمع على حساب إنسانيتنا المقموعة .. هذه “الهويات” التي يعطينا إياها آباؤنا و أجدادنا بالولادة ظهرت قبلهم أيضا بمئات السنين و ربما أكثر , ظهرت ليس فقط لتقسم البشر بل لتسهل أن يحكم معظمهم من قبل أقلية محدودة جدا , أن يحكمنا كاهن أو شيخ أو إمام أو سلطان أو امبراطور أو أمين عام أو جنرال أو فوهرر أو أي زعيم هو تفسير كل هذه الهويات التي تفرض علينا فرضا , إنها لا تعني أية حقوق لنا كبشر و لا تعني حمايتنا من القهر و الظلم و الاضطهاد , على العكس , فهذا النضال ضد القهر و الظلم و الاضطهاد بدأ و يجري و سيجري خارج كل المؤسسات القائمة الدينية و السلطوية و الدولتية ( التابعة للدولة ) بل و ضدها في معظم الأحيان , و اليوم أيضا تستخدم هذه الهويات لكي نحكم و لكي نخضع , لكي نقتل بعضنا البعض , تماما كما كان عليه الحال طوال قرون و عصور , دون أن تعني أي من هذه “الهويات” أكثر من تسلط أقلية على مصيرنا و حياتنا و عقولنا و أجسادنا .. إننا في الواقع أفراد من مجموعة أكبر بكثير , هي كل البشرية , و إننا في الواقع أبناء كل هذه الأرض , هذه هي الهوية الوحيدة التي تعني أننا بشر لنا حقوق , أن من حقنا أن نعيش بكرامة من تعبنا و أن من حقنا أن نعيش بحرية , هذه هي الهوية الوحيدة التي تعني أن نحكم أنفسنا بأنفسنا و نكون سادة مصيرنا و ألا نكون عبيدا لأي كان أيا كانت طائفته او دينه أو قوميته , هذه الأرض في الواقع لنا جميعا , لكل البشر , لكل من يعيش و يعمل عليها , و الأديان و الأفكار و الإيديولوجيات و الفلسفات وجدت فقط لكي تنزع منا أرضنا و تنزع منا عرقنا و نتاج تعبنا و تعطيه لبعض الكسالى باسم آلهة و أصنام الأرض و السماء .. كنا دائما ننقسم كبشر إلى غالبية ساحقة من كل الأديان و الطوائف و القوميات تكدح ليلا نهارا من أجل حفنة من الكسالى أصحاب الأموال و القصور و الذين يحيطون قصورهم و عالمهم الخاص بسور من الجنود و الشرطة المرتزقة , و أمام هذا السور العالي الذي أقامه اللصوص لحماية ما ينهبوه منا لا يمكننا أن ننتصر إلا معا , كل الفقراء و المضطهدين من كل أصقاع الأرض .. أمامنا اليوم فرصة ذهبية لنغير واقعنا , على هذه الأرض التي تسمى سوريا ثورة , لكنها ليست ثورة لتغيير ديكتاتور علوي بديكتاتور سني و ليست ثورة لتغيير طائفة حراس هذا السجن أو شبيحته القتلة , إنها ثورة لتدمير أسوار السجن و إلغاء جنس الحراس و العسكر من حياتنا و محاكمة الشبيحة آخر القتلة المأجورين كي نبدأ حياة جديدة على أساس الحرية و العدالة و المساواة لكل إنسان يعيش على هذه الأرض .. إن العدو الحقيقي للفقير العلوي هو الديكتاتور و اللص من بني طائفته بالذات , و لن يتمتع أي فقير علوي لا بحريته و لا بحقوقه الأبسط كإنسان إلا بإسقاط هذه الديكتاتورية و بناء مجتمع الحرية و العدالة لكل الناس و لكل المضطهدين , يجب على الفقراء العلويين أن يتوقفوا عن إطاعة أوامر هذه الديكتاتور و توجيه أسلحتهم إليه بدلا من توجيهها لصدور إخوتهم … إن العدو الحقيقي للفقراء السنة هم رجال الدين الطائفيون و السياسيون من بني طائفتهم بالذات الذين يتاجرون بدمائهم ليصنعوا أمجاد ديكتاتوريتهم الخاصة , يجب على الفقراء السنة أن يتوقفوا عن إطلاق النار على إخوتهم العلويين و أن يوجهوا سلاحهم جميعا ضد الديكتاتور و ضد كل اللصوص و تجار دماء الفقراء من كل الأديان و الطوائف .. إن كل البشر إذا تجاوزوا هذه التفاهات التي تفرض عليهم , إذا توقفوا عن ترديد تفاهات المصلحين و القديسين و الفلاسفة و رجال الدين عن أشخاص يسميهم البعض أئمة أو صحابة أو قديسين أو أنبياء أو أمهات مؤمنين أو مصلحين عباقرة الخ , سيجدون أنهم جميعا مجمعون على الإيمان بالحرية و العدالة و الحب و الجمال .. إن كل الطغاة و كل اللصوص , كل طوائف الأرض و كل آلهة الأرض و السماء , كل حراس السجون و كل كهنة جهنم الفقراء , كلهم لا يؤمنون بأي من هذه القيم الإنسانية و لا يؤمنون بالإنسان في الأساس , إنهم يؤمنون فقط بحقهم في استعباد كل الفقراء و بحقهم في نهب كل الفقراء , و هذا بالضبط ما يجب أن ينتهي و إلى الأبد , بنضال كل الفقراء و المضطهدين يدا بيد ضد من يضطهدهم , في سبيل عالم جديد , أيها الفقراء و المضطهدون , تعالوا نحطم كل الأصنام و نسقط كل الطغاة , كي نبدأ حياتنا كبشر , كأحرا.

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031