في اليوم التالي، في الواحدة ظهرا، اظهرت نفسي مرة اخرى في الكرملين لاجد الرفيق سفردلوف. قادني الرفيق مباشرة الى لينين. رحب الاخير بي بطريقة ودية. امسكني من ذراع وربت على كتفي بيده الاخرى، وقادني الى مقعد بمساند. بعد ان طلب من سفردلوف ان يجلس في مقعد اخر، ذهب الى سكرتيرته وطلب منها قائلا، “لو سمحت لا تقاطعوننا حتى الساعة الثانية“. ثم جلس مقابلي وبدأ يوجه الاسئلة.
سؤاله الاول كان: “من اي منطقة انت؟” ثم: “كيف يفهم الفلاحون في منطقتك شعار كل السلطة للسوفيت في القرى وماذا كان رد الفعل عند اعداء هذا الشعار – عند الرادا المركزية على وجه الخصوص؟” اخيرا: “هل تمرد الفلاحون في منطقتك ضد الغزاة الالمان النمساويين؟ لو ان الاجابة بنعم، ماذا كان ينقص التمرد الفلاحي حتى يتحول الى انتفاضة عامة بالتنسيق مع عمل وحدات الحرس الاحمر، الذي يدافع عن اراضينا المحتلة بمثل هذه الشجاعة الرائعة؟“
كانت اجاباتي على كل هذه الاسئلة اجابات مقتضبة. لينين، بألمعيته الفريدة الخاصة، سعى ليضع اسئلته بطريقة تمكنني من اجابتها نقطة بنقطة. مثلا، سؤال: “كيف فهم الفلاحون في منطقتك شعار كل السلطة لسوفيت القرى؟” كرره لينين ثلاث مرات. وقد ادهشته اجابتي:
“فهم الفلاحون هذا الشعار بطريقتهم الخاصة. طبقا لتفسيرهم له، كل السلطة ، في كل جوانب الحياة، يجب ان تعرف بوعي وارادة الشعب العامل. يفهم الفلاحون ان سوفيتات العمال والفلاحين في قرى البلاد والمقاطعات ليست اكثر ولا اقل من وسائل في ايدي المنظمات الثورية والادارة الذاتية الاقتصادية للشعب العامل في الكفاح ضد البرجوازية وخدمها، الاشتراكيين اليمينيين وحكومتهم الائتلافية “.
سأل لينين، “هل تعتقد ان هذه الطريقة في تفسير شعارنا هي طريقة صحيحة؟“
اجبته، “نعم“.
“حسنا، اذا، الفلاحون في منطقتك اصابتهم عدوى الاناركية!”
“وهل هذا امر سيء؟“
اجابني لينين، “ليس هذا ما اعنيه. على العكس، نحن مسرورون لان ذلك سوف يعني انتصار الشيوعية على الرأسمالية“، واضاف، “ولكني اشك اذا ما كانت هذه الظاهرة تلقائية؛ انها نتيجة دعاية اناركية ولن تدوم. بل انني حتى لأميل الى الاعتقاد بأن هذه الحماسة الثورية، التي سحقتها الثورة المضادة المنتصرة قبل ان تمتلك الفرصة لخلق منظمة واحدة، قد اختفت توا“.
اشرت الى لينين ان القائد السياسي يجب الا يكون متشائما او متشككا.
قاطعنا سفردلوف، “لذلك طبقا لما تقوله، يجب ان نشجع مثل هذه الميول الاناركية في حياة جماهير الفلاحين؟
اجبت، “اوه، فحزبك لن يشجعهم“.
امسك لينين بالفرصة.
“ولماذا يتوجب علينا ان نشجعهم؟ حتى نقسم القوى الثورية للبروليتاريا، ونمهد الطريق للثورة المضادة وننتهي بتدمير انفسنا وتدمير البروليتاريا؟“
لم استطع كظم غضبي وانزعجت تماما. اشرت الى لينين ان الاناركية والاناركيين لا يوحدهم شيء مشترك مع الثورة المضادة ولا يرشدون البروليتاريا في هذا الاتجاه.
سألني لينين، “وهل هذا ما قلته؟” واضاف، “انا احاول القول ان الاناركيين، وينقصهم المنظمات الجماهيرية، ليسوا في وضع يستطيعون فيه تنظيم البروليتاريا والفلاحين الفقراء. وبالنتيجة، هم ليسوا في وضع يستطيعون فيه استنهاضهم للدفاع، باوسع معنى للكلمة، عن ذلك الذي قمنا بقهره، وهو الامر العزيز جدا لدينا“.
تحول اللقاء الى الاسئلة الاخرى التي وضعها لينين. اجبرني لينين ان اجيب على احد هذه الاسئلة، وهو سؤال “وحدات الحرس الاحمر والشجاعة الثورية التي دافع بها عن اراضينا المشتركة التي خضعت للغزو“، طلب مني ان اجيب عليه بشكل كامل قدر الامكان. اثار السؤال قلقي بشكل واضح او ان السؤال ذكرني بما قد انجزته تشكيلات الحرس الاحمر مؤخرا في اوكرانيا، من المفترض انها قد حققت الاهداف التي وضعها لها لينين وحزبه، الذين باسمهم ارسلت هذه الوحدات من بتروجراد الى المدن الاخرى الكبرى في اطراف روسيا. اتذكر عاطفة لينين، عاطفة رجل يكافح بإيمان ضد نظام اجتماعي كرهه من اعماقه وكم تمنى تدميره، عندما قلت له:
“حيث انني شاركت في نزع سلاح العديد من القوزاق المنسحبين من الجبهة الالمانية بنهاية ديسمبر 1917وبدايات 1918، فأنا على علم جيد “بالشجاعة الثورية” لوحدات الحرس الاحمر وبشجاعة قادته خصوصا . لكن ما يبدو لي، يا رفيق لينين، انه كونك تتلقى معلوماتك من ثاني وثالث مصدر، فهذا ما يجعلك تبالغ في مدح ادائهم“.
“كيف ذلك؟ هل تختلف في الحكم عليهم؟“
“اظهر الحرس الاحمر روحا ثورية وشجاعة، لكن ليس بالطريقة التي تصفها. كفاح الحرس الاحمر ضد الهايداماك التابعين للرادا المركزية ، وخصوصا، كفاحهم ضد القوات الالمانية، به لحظات معروفة تكشف فيها ان الروح الثورية والشجاعة، اضافة الى تحركات الحرس الاحمر وقادتهم، كانت في غاية الضعف. بالتأكيد في معظم الاحيان كل ذلك يمكن رده الى حقيقة ان قطاعات الحرس الاحمر تشكلت بسرعة وعملت ضد عدو بطريقة مختلفة تماما عن طريقة حرب الانصار او الوحدات النظامية.
“يجب ان تعرف ان الحرس الاحمر، بغض النظر عن اعدادهم، ينفذون هجومهم ضد الاعداء بالتحرك على طول خطوط السكك الحديدية. ولكن المناطق التي تقع على بعد عشرة الى خمسة عشر ميلا من خط السكة الحديد لا يحتلونها؛ المدافعون عن الثورة او الثورة المضادة يستطيعون المجيئ والذهاب في هذه المنطقة بحرية. لهذا السبب، تنجح الهجمات المفاجئة تقريبا لا محالة. فقط بالقرب من المدن والبلدات على طريق السكك الحديدية فتح الحرس الاحمر جبهة يشن منها هجماته. ولكن مناطق المؤخرة والضواحي القريبة من تقاطع السكك الحديدية ظلت كلها بلا مدافعين. انهار الاندفاع الهجومي للثورة في وجه الضربات المضادة. وما ان تنتهي وحدات الحرس الاحمر من توزيع تواجدها في منطقة معينة حتى تقوم القوى المضادة للثورة بمهاجمتها واجبارهم على الانسحاب في قطاراتهم المدرعة. في الواقع لم ير الناس حتى الحرس الاحمر ولذلك لم يؤيدونهم“.
سأل لينين، “وماذا يفعل المحرضون الثوريون في القرى؟ هل لا يقومون بتجهيز البروليتاريا الزراعية حتى يزودوا الحرس الثوري الذي يمر بالقرب من اماكنهم بدماء جديدة من القوات، او حتى يشكلوا فيالق جديدة من الحرس الاحمر لاتخاذ مواقع هجومية ضد الثورة المضادة؟“
“لا تذهب بعيدا. عدد المحرضين الثوريين قليل للغاية في القرى، ولا يستطيعون فعل الكثير. ولكن في كل يوم مئات من المحرضين والمؤيدون السريون للثورة المضادة يظهرون في القرى. في بلدي والمناطق المحلية المحيطة، من المبالغة ان تتوقع الكثير من المحرضين الثورين في خلق قوات جديدة وتنظيمهم ضد الثورة المضادة. هذه الاوقات تتطلب اعمال حاسمة من كل الثوريين في كل اوجه الحياة واوجه كفاح العمال. الا تضع هذا في اعتبارك، خصوصا في اوكرانيا، فذلك يسمح لقوى الثورة المضادة التي تساند الهيتمان ان تتطور بقوتها وتزيد من تماسك سلطتها“.
ظل سفردلوف يركز نظراته احيانا علي، واحيانا اخرى على لينين. بالنسبة للاخير، اطبق لينين اصابع يديه، ومال برأسه، وشرد في افكاره. ثم، مد قامته وقال: “كل ما قلته لي توا هو امر مؤسف“. واضاف، مستديرا الى سفردلوف، “باعادة تنظيم الحرس الاحمر داخل الجيش الاحمر نحن نسير على الطريق الصحيح الى انتصار البروليتاريا على البرجوازية“.
اجاب سفردلوف بحماسة، “نعم، نعم“.
ثم قال لي لينين، “أي اعمال تنوي القيام بها في موسكو؟“
اجبت انني لن امكث طويلا. تمشيا مع القرار الذي اتخذه مؤتمر جماعات الانصار المقام في تاجانروج، سوف اعود الى اوكرانيا في اوائل يوليو.
سألني لينين، “هل سوف تعود سرا؟“
أجبته، “نعم“.
علق لينين تعليقه الخاص، مخاطبا سفردلوف، “يمتلئ الاناركيون دائما بانكار الذات، انهم جاهزون للتضحية والفداء. ولكنهم متعصبون تعصبا اعمى، انهم يتجاهلون الحاضر ويفكرون فقط في المستقبل البعيد“. وبالاشارة الى ان ذلك ليس موجها لي، اضاف لينين، “انت، يا رفيق، كما اعتقد، تمتلك مسلكا واقعيا نحو مشاكل زماننا. لو ان فقط ثلث الاناركيين في روسيا على شاكلتك، فلسوف نكون نحن الشيوعيون مستعدون للتعاون معهم في ظل شروط معينة بهدف التنظيم الحر للمنتجين“.
في هذه اللحظة شعرت شعورا عميقا من الاحترام للينين ينهض داخلي، رغم اقتناعي الحالي انه مسئول عن افناء التنظيم الاناركي في موسكو، الذي كان علامة على تدمير المنظمات المماثلة في العديد من المدن الاخرى. وفي ضميري كنت خجلا من نفسي. وانا ابحث عن رد يجب ان اوجهه للينين، قلت له عينا في عين:
“الثورة ومواقعها عزيزة جدا بالنسبة للشيوعيين الاناركيين؛ وفي هذا المقام الشيوعيون الاناركيون مثلهم مثل كل الثوريين الحقيقيين“.
صاح لينين فورا، ضاحكا، “اوه، لا تقل لنا ذلك. نحن نعرف الاناركيين كما نعرفك. في الجزء الاعظم ليس لديهم اي فكرة عن الحاضر، او على الاقل هم لا يشغلون انفسهم به الا في القليل جدا. ولكن الحاضر هو امر جدي لدرجة انه عندما لا يفكر الثوريون به او لا يتخذون موقفا باسلوب ايجابي يتعلق به يصبح ذلك مشينا. معظم الاناركيون يفكرون ويكتبون عن المستقبل دون فهم للحاضر. وهذا ما يقسمنا، الشيوعيون وانتم“.
مع هذه الكلمات، نهض لينين من كرسيه واخذ يخطو جيئة وذهابا.
“نعم، نعم، الاناركيون اقوياء في مجال الافكار عن المستقبل – في الحاضر، هم لا يستقرون باقدامهم على ارض. مسلكهم يرثى له ولأن تعصبهم الاعمى خالي من المضمون، لا يمتلكون صلات حقيقية بهذا المستقبل الذي يحلمون به“.
اكتسى وجه سفردلوف بابتسامة شريرة، والتفت لي، قائلا: “لا تستطيع ان تجادل في ان فلاديمير ايليتش على حق في تعليقاته“.
اسرع لينين مضيفا: “هل يقر الاناركيون ابدا بافتقادهم للواقعية في الحياة اليومية الحاضرة؟ لماذا، انهم حتى لا يفكرون فيها“.
ردا على ذلك، اخبرت لينين وسفردلوف انني فلاح نصف متعلم ولا استطيع المجادلة باسلوب سليم في الرأي المثقف الخبير الذي ادلى به لينين حول الاناركيين.
“ولكني يجب ان اخبرك، ايها الرفيق لينين، ان تأكيدك على ان الاناركيين لا يفهمون ’الحاضر‘ بشكل واقعي، وانهم لا يمتلكون صلة به وهلمجرا، هو رأي خاطئ بشكل جوهري. الشيوعيون الاناركيون في اوكرانيا (او ’جنوب روسيا‘ بالنسبة لكم ايها البلاشفة الشيوعيون الذين يحاولون تجنب كلمة اوكرانيا)، اقول، الشيوعيون الاناركيون قد اعطوا توا عديد من البراهين على انهم منزرعون بشدة في ’الحاضر‘. نضال الريف الاوكراني الثوري بأكمله ضد الرادا المركزية تم تنفيذه في ظل التوجيه الايديولوجي للشيوعيين الاناركيين وجزئيا ايضا من الاشتراكيين الثوريين (الذين بالطبع يمتلكون اهداف مختلفة كليا عن اهداف الشيوعيين الاناركيين في كفاحهم ضد الرادا المركزية). لم يمتلك بلاشفتكم الا فيما ندر اي وجود في قرانا. واينما تغلغلوا ظل نفوذهم في حدوده الدنيا. تقريبا كل الكوميونات او الجمعيات الفلاحية في اوكرانيا تشكلت بايحاء من الشيوعيين الاناركيين. الكفاح المسلح للشعب العامل ضد الثورة المضادة عموما وضد الغزو الالماني النمساوي خصوصا اضطلعت به الجماهير يدا بيد مع التوجيه الايديولوجي والعضوي للشيوعيين الاناركيين حصريا.
“من المؤكد، انه ليس من مصلحة حزبك ان تعطينا استحقاقا وجدارة في كل ذلك، ولكنها تلك هي الحقائق وانت لا تستطيع دحضها. انت تعرف بدقة تماما، كما اتخيل، القوة الفعلية والطاقة القتالية للقوات الثورية الحرة في اوكرانيا. لم يكن دون سبب انك اثرت امر شجاعتهم التي دافعوا بها بشكل بطولي عن المواقع الثورية المشتركة. من بينهم، على الاقل نصفهم حارب رافعا الراية الاناركية – موكروسوف، وماريا نيكيفوروفا ، وتشدردنياك، وجارين، ولوينيف والعديد من قادة القوات الاخرين الموالين للثورة ممن سيأخذون وقتا طويلا حتى نذكر اسماءهم كلهم – كلهم شيوعيون اناركيون. استطيع الحديث عن المجموعة التي انتمي اليها بنفسي وعن كل جماعات الانصار الاخرى و’كتائب المتطوعين‘ للدفاع عن الثورة التي قمنا بتشكيلها والتي لا تستطيع قيادة الحرس الاحمر الاستغناء عنها.
“كل ذلك يظهر لك كم انت على خطأ، ايها الرفيق لينين، بادعاء اننا، نحن الشيوعيون الاناركيون، لا تقف اقدامنا على ارض، وان مسلكنا نحو ’الحاضر‘ امر يرثى له واننا مغرمون جدا بأن نعيش في احلام حول المستقبل. ما قلته لكم في سياق حوارنا اليوم لا يمكن وضعه محل تساؤل لان ما قلته هو الحق وصحيح. الرواية التي قصصتها عليكم تناقض الاستنتاجات التي عبرتم عنها نحونا. كل شخص يستطيع ان يرى كم نحن “مزروعون” في الحاضر، حيث اننا نعمل ونسعى نحو ايجاد الوسائل التي تجلب المستقبل الذي نرغب به، واننا في الواقع نتعامل جديا مع هذه المشكلة“.
في هذه اللحظة تطلعت الى سفردلوف. كان وجهه قد اصطبغ بالاحمرار ولكنه كان ما زال مبتسما. بالنسبة للينين، وقد فرد ذراعيه، قال: “ربما اكون مخطئا“.
“نعم، نعم، في هذه الحالة، ايها الرفيق لينين، كنت قاسيا جدا علينا، نحن الشيوعيون الاناركيون، ببساطة، كما اعتقد، لان معلوماتكم فقيرة
حول الوضع الحقيقي في اوكرانيا وحول الدور الذي لعبناه هناك“.
“ربما لا استطيع المجادلة في ذلك. ولكن على اية حال الخطأ لا يمكن تجنبه، خصوصا في الاوضاع الراهنة“، هذه كانت اجابة لينين.
لينين وقد لاحظ انني اشعر بسخونة ما بسبب ياقة القميص، بذل اقصى ما عنده لتهدئتي بطريقة ابوية، ملتويا بالحوار بشكل حاد تماما الى موضوع اخر. ولكن طبعي السيئ، اذا ما كان لي ان اقول ذلك، لم يسمح لي بان اترك نفسي للدخول في مزيد من النقاش، رغم كل الاحترام الذي بثه لينين في داخلي ناحيته. شعرت بالاهانة. رغم انني عرفت ان امامي رجل حقيقي، الا ان هناك عديد من الموضوعات الاخرى ممكن ان اتناولها معه وهناك الكثير مما استطيع تعلمه منه، ولكن حالتي الذهنية كانت قد تبدلت. لم تعد اجاباتي تفصيلية؛ شيئا ما داخلي اصبح مطعونا ومررت باحساس من اللفظ.
تأثر لينين بشدة من التعامل مع هذا التغيير في موقفي نحو الحوار. سعى لينين جاهدا لصرف غضبي بالحديث عن اشياء اخرى. وسألني فجأة، وقد لاحظ انني استعيد لياقتي السابقة نتيجة فصاحته وبلاغته في الحديث: “اذا انت تنوي العودة الى اوكرانيا سرا؟” اجبت، “نعم“.
“هل استطيع تقديم اي مساعدة؟“
قلت، “بكل سرور“.
سأل لينين، ملتفتا الى سفردلوف، “من هو المسئول حاليا عن ارسال عملاءنا داخل الجنوب؟“
رد سفردلوف، “اما الرفيق كاربينكو او الرفيق زاتونسكي. سوف اتيقن من منهما“. وبينما يتصل سفردلوف هاتفيا ليكتشف من منهما المسئول عن ارسال عملاء تحت غطاء الى اوكرانيا، حاول لينين اقناعي ان موقف الحزب الشيوعي فيما يتعلق بالاناركيين ليس عدائيا لهذه الدرجة التي يبدو اني اعتقدها.
قال لينين، “لو اننا اضطررنا الى ان نتخذ اجراءات نشيطة قوية لخلع الاناركيين من مبنى معين يحتلونه في مالايا ديميتروفسكا، كانوا يأوون فيه عصابات من هنا او من اماكن اخرى، فالمسئولية لا تقع علينا ولكن على الاناركيين الذين نصبوا انفسهم هناك. يجب ان تفهم اننا صرحنا لهم باحتلال مبنى اخر ليس بعيد عن المبنى الذي احتلوه في شارع مالايا ديميتروفكا وانهم احرار في القيام بعملهم بطريقتهم الخاصة“.
سألت لينين، “هل تمتلك اي دليل يبرهن على ان الاناركيين في مالايا ديمتروفسكا كانوا يأوون عصابات؟“
اجاب لينين، “نعم، جمعت المفوضية الاستثنائية دليلا وتحققت منه. والا لما اصدر الحزب اوامر بالاجراءات التي اتخذت“.
في الاثناء جلس سفردلوف معنا مرة اخرى واعلن ان الرفيق كاربينكو هو المسئول عن تمرير العملاء السريون، ولكن الرفيق زاتونسكي ايضا خبير بذلك ولديه معلومات جيدة عن هذا الموضوع.
صاح لينين مباشرة: “اذا، يا رفيق، اذهب غدا بعد الظهر او حينما يتفق لك الى الرفيق كاربنكو واطلب منه اي شيء انت تحتاجه لدخول اوكرانيا سرا. سوف يعطيك طريقا تسلكه لعبور الحدود“.
سألت، “اي حدود؟“
قال لينين بعصبية، “الا تعلم اخر ما حدث؟ اقيمت حدود بين روسيا واوكرانيا . هناك قوات المانية تحرس هذه الحدود الان“.
اجبت، “اذا انت تعتبر اوكرانيا بوصفها ’جنوب روسيا‘“.
تمتم لينين، “ان تعتبر هو شيء، يا رفيق، وان ترى الاشياء كما هي فذلك امر اخر“.
قبل ان يتاح لي الوقت لارد، اضاف لينين: “اخبر الرفيق كاربنكو انني ارسلتك. اذا لم يصدقك، فليطلبني فقط في التليفون. هذا هو العنوان حيث يمكنك ان تجده“.
بعدئذ وقفنا كلنا، وتصافحنا بالايدي، وبعد تبادل الشكر، بطريقة ودية كما كان ظاهرا، غادرت مكتب لينين، ونسيت حتى ان اذكر سفردلوف ان يأمر سكرتيره ان يوقع التأشيرة الضرورية على وثائقي التي سوف تخولني امكانية الحصول على غرفة مجانية من سوفيت موسكو.
وجدت نفسي سريعا عند بوابات الكرملين وفورا مضيت لأرى الرفيق بورتسيف.
*********************
مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساء او المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق
حيث ان هذه اللقاءات كتب عنها ماخنو بعد سنوات عديدة من وقوعها، من الضروري ان نتدبر امر دقة روايته. الشاهد ان الزعماء البلاشفة تركوا انطباعا قويا على ماخنو ومن الضروري انه ناقش مقابلاته تلك مع هؤلاء الرجال بدقة شديدة مع رفاقه في موسكو. لذا بينما لا نستطيع ان نأخذ الرواية على انها محضر اجتماع، يبدو من المعقول ان نشير الى انها تمثل صورة قريبة لما حصل فعليا.
ولكن يجب ان نتذكر ان ماخنو في كتابته لمذكراته، وهو مجهود بذله بعناد في ظل ظروف شديدة الصعوبة، لم يكن ماخنو مهتما اوليا بتلبية مطالب المؤرخين المحترفين. بل الاحرى انه كان يكتب الى الفلاحين والعمال الاوكرانيين الذين حاول ان يحمل راية طموحاتهم وآمالهم، شارحا تفسيرا للثورة الضائعة. وعلى اتصال بذلك، صدق اصطدامات ماخنو مع البلاشفة على السيادة الاوكرانية هي امر مفتوح للتساؤل. انه يصور سفردلوف ولينين بوصفهم شوفينيين روس عظام ويصور نفسه كمؤيد لشكل ما من الاستقلال الذاتي الاوكراني . هناك قليل من الشك في ان سفردلوف ولينين كانا يعارضان الاستقلال الذاتي الاوكراني في 1918، ولكن بالنسبة لماخنو في ذلك الوقت “الاوكرانية” كانت شيئا ما سياسيا اكثر منه مخططا قوميا، يحتكره لانفسهم اعداءه من انصار الرادا المركزية. لذا تشديد منتقديه على هويته القومية ربما كان اسقاطا جاء في مرحلة تالية. اراء ماخنو في المسألة القومية تعرضت بشكل جلي لبعض التطورات في اثناء منفاه، رغم ان ايمانه بمناهضة فكرة الدولة يبرئه من كونه قوميا.
رواية ماخنو: اللقاءات الاولى
وصلت الى بوابات الكرملين عازما على رؤية لينين، واذا كان ممكنا، سفردلوف، وان اجري محادثات معهما. كان هناك جنديا يجلس خلف باب صغير. سلمته تصريحا باسمي صادر عن سوفيت موسكو. بعد ان قرأه بعناية، اصدر لي اذنا بالمرور، وارفقه بالتصريح، ومررت عبر الباب الى داخل الكرملين. في الداخل كان احد جنود حملة البنادق اللاتفيين يروح جيئة وذهابا . درت حوله وبدأت الدخول الى الميدان الرئيسي عندما وجدت نفسي وجها لوجه مع حارس اخر. سألته ان يدلني على المبنى الذي من المفترض ان اتوجه اليه. بداية من هذه اللحظة، اصبحت حرا في ان اتجول، وفي ان اقف للفرجة على المدافع والدانات المتنوعة التي يعود زمانها الى ايام بطرس الاكبر، وان اتوقف امام جرس القيصر العظيم والعجائب الاخرى المشهورة بالكرملين، او حرا في ان اذهب مباشرة الى داخل احد القصور.
دلفت يسارا وابتلعتني احد تلك القصور (نسيت اسمه) وقفزت على درجات السلم حتى الطابق الثالث. ثم سرت بخطوات واسعة بامتداد الردهة الطويلة الخالية من الناس حيث كانت اللافتات المعلقة على الابواب تقرأ “اللجنة المركزية للحزب” او “المكتبة“. وبما انني لا احتاج الى اي منهما، واصلت طريقي دون ان ادري هل يوجد احد خلف هذه الابواب ام لا.
بعض هذه اللوحات لم تحمل اسماءا عليها، لذا رجعت بخطواتي الى الوراء، وتوقفت امام احداها التي تحمل لافتة “اللجنة المركزية للحزب“، وخبطت على الباب. “ادخل“، اجابني احد الاصوات من الداخل. داخل الغرفة كان يجلس ثلاثة من الناس معا غارقين في صمت تام. بدا انني اميز من بينهم زاجورسكي الذي كنت قد رأيته قبلها بيومين او ثلاثة في احد نوادي الحزب البلشفي. سألت هؤلاء الناس اين استطيع ان اجد مكتب السكرتير التنفيذي للجنة المركزية.
احد الثلاثة (بوخارين إن لم اكن مخطئا)، نهض وامسك بحقيبته تحت ابطه. قال الرجل، مخاطبا زملاءه بصوت عال للدرجة التي تجعلني اسمعه، “انا راحل، ولسوف ارشد هذا الرفيق إلى مكتب اللجنة المركزية التنفيذية“، مشيرا لي بطرف ذقنه وقد استدار نحو الباب. شكرت الحاضرين وتركتهم مع الرجل الذي اعتقدت انه بوخارين.
الممر الى القاعة كان صامتا صمت القبور.
سألني مرشدي من اين انت.
اجبته، “من اوكرانيا“. عندها سألني عديد من الاسئلة عن الارهاب المستشري في اوكرانيا واراد ان يعرف كيف استطعت ان اصل الى موسكو.
عند وصولنا الى السلم، توقفنا لنستمر في الحديث. اخيرا، اشار الرجل الذي جعلته الصدفة دليلي داخل الكرملين الى الباب الذي على يمين مدخل الممر حيث قال لي انني سوف اجد هناك من يجيبني على ما اريد.
وبعد ان تصافحنا بالايدي، مضى الرجل اسفل الدرج وغادر المبنى.
مضيت الى الباب وخبطت عليه ثم دخلت. سألتني فتاة عما اريد.
اجبتها، “اود ان ارى رئيس اللجنة التنفيذية لمندوبي سوفيتات العمال والفلاحين، والجنود والقوزاق، الرفيق سفردلوف“.
دون ان تتفوه بكلمة واحدة، جلست الفتاة امام طاولة، واخذت اوراق التصريح واذن الدخول، ودرستهم بامعان، ثم سجلت بعض بياناتهم، وكتبت تصريح مرور اخر سجلت عليه رقم الحجرة التي من المفترض ان امضي اليها.
في الحجرة التي ارسلتني الفتاة اليها وجدت سكرتير اللجنة المركزية التنفيذية، رجل متين البنيان، تبدو عليه علامات التغذية الجيدة ولكن بملامح مرهقة. طلب مني اوراقي وسلمتها له. وجد الرجل في الاوراق ما اثار اهتمامه وبدأ يسألني بعض الاسئلة:
“اذا انت من جنوب روسيا يا رفيق؟“
“نعم، انا من اوكرانيا“.
” كنت توا رئيسا للجنة الدفاع عن الثورة في زمن كيرينسكي؟ “
“نعم“
“اذا انت اشتراكي ثوري؟” (بمعنى، انت عضو في الحزب الاشتراكي الثوري)
“لا!”
“ما هي علاقاتك او ماذا كانت علاقاتك بالحزب الشيوعي في منطقتك؟“
اجبته، “انا اعرف شخصيا العديد من مقاتلي الحزب البلشفي“. وعددت له اسماء رئيس اللجنة الثورية في الكسندروفسك، الرفيق ميخائيليفيتش، وبعض المقاتلين الاخرين من ايكاترينوسلاف.
صمت السكرتير للحظة، ثم سألني عن عقلية الفلاحين في “جنوب روسيا“، وعن سلوكهم نحو القوات الالمانية وجنود الرادا المركزية، وعن اتجاهاتهم نحو السلطة السوفيتية الخ.
اعطيته اجابات مختصرة بدا ظاهرا انها نالت رضاه؛ وفعليا كنت آسفا على انني كنت غير قادر على شرحها له بمزيد من الاستفاضة.
في النهاية اتصل الرجل تليفونيا باحد الاشخاص ثم دعاني الى الذهاب الى مكتب رئيس اللجنة المركزية التنفيذية، الرفيق سفردلوف.
مقابلتي مع سفردلوف
في طريقي الى هناك سرحت بخاطري في الروايات التي تنشرها قوى الثورة المضادة، بل وحتى ينشرها اصدقائي انفسهم الذين كانوا اعداءا لسياسات لينين وسفردلوف وتروتسكي، وهي الروايات التي تقول حرفيا ان من المستحيل ان تستطيع الوصول الى هذه الالهة الارضية. فمن المفترض انهم محاطون بكتائب من الحراس الشخصيين، لن يسمح سوى رئيس الحرس هذا بلقائهم الا لمن يوافق هو شخصيا عليهم.
الان، وقد اصطحبني سكرتير اللجنة التنفيذية المركزية، ادركت سخافة هذه الروايات.
فتح سفردلوف لنا الباب بنفسه وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة سرور، تشيع منها روح الالفة، واخذني من يدي، ليجلسني على كرسي بمساند. رجع سكرتير اللجنة التنفيذية المركزية الى مكتبه. بدت اثار النعمة على الرفيق سفردلوف اكثر من سكرتيره. وبدا سفردلوف ايضا اكثر اهتماما بما نقل اليه عما يحدث في اوكرانيا خلال الشهرين او الثلاثة الماضيين. دخل سفردلوف في الموضوع مباشرة قائلا لي:
“وهكذا، قد اتيت يا رفيق من جنوب بلادنا المعذب. اي عمل كنت تضطلع به هناك؟“
“العمل الذي تنخرط فيه الجماهير العظيمة من العمال الثوريين في اوكرانيا. هؤلاء العمال، وقد شاركوا بدورهم في الثورة، مستمرون في الكفاح من اجل تحررهم الشامل. مكاني بين صفوفهم، اذا ما كان لي ان اقول هذا، هو ان اتقدم الصفوف نحو هذه الغاية. اليوم، بسبب انهيار الجبهة الثورية الاوكرانية، وجدت نفسي بشكل مؤقت اهيم على وجهي في موسكو“.
صاح سفردلوف، مقاطعا لي، “ماذا تقول يا رفيق؟ فلاحو الجنوب معظمهم من الكولاك او من انصار الرادا المركزية“.
انفجرت في الضحك ثم وصفت له باختصار ولكن بشكل دقيق ومحكم حركة الفلاحين التي نظمها الاناركيون في منطقة جولاي–بولايي ضد قوات الاحتلال النمساوي الالماني وجنود الرادا المركزية.
ورغم عدم الراحة الذي شعر به سفردلوف بشكل واضح استمر في الحديث:
“اذا، لماذا لم يدعم هؤلاء الفلاحون وحدات حرسنا الاحمر؟ طبقا لمعلوماتنا فلاحو الجنوب تسممهم افكار الشوفينية الاوكرانية المتطرفة وهم في كل مكان رحبوا بالقوات الالمانية وقوات الرادا المركزية في حماسة بوصفهم محررين لهم“.
بدأت مستفزا افند معلومات سفردلوف عن حملة اوكرانيا. اعترفت له انني بنفسي كنت منظما ورئيسا لعديد من كتائب الفلاحين المتطوعين التي قادت كفاحا ثوريا ضد الالمان والرادا المركزية. اكدت له ان الفلاحين يستطيعون تجنيد وحشد جيشا قويا من بين صفوفهم لمقاتلة هؤلاء الاعداء ولكنهم لم يروا بوضوح الغرض من وراء هذه الحرب الثورية. وحدات الحرس الاحمر، وهي تحارب من قطارتها المدرعة، تحافظ على بقاءها قريبة من خطوط السكك الحديدية. انهم يرتدون للخلف عند اول هجوم معاكس دون ان يقلقوا انفسهم حتى بالتقاط جنودهم المتخلفين عنهم، منسحبين عشرات الاميال بغض النظر سواء أكان العدو يتقدم خلفهم ام لا. وشكوت من ان هذه الوحدات لا تشيع الثقة في الفلاحين الذين يقعون تحت رحمة عشماوي الثورة، حيث انهم بلا سلاح ومعزولين داخل قراهم. في الواقع، قطارات الحرس الاحمر المدرعة لم تكلف نفسها ابدا عبء ارسال فصائل من الحرس الاحمر للقرى القريبة من الخط الحديدي. الحرس الاحمر حتى لم يعط السلاح للفلاحين ولم يشجعهم على التمرد ضد اعداء الثورة، ولا على الانضمام للكفاح بانفسهم.
انصت لي سفردلوف بانتباه، صائحا من وقت لاخر، “هل هذا ممكن؟” اشرت الى ان العديد من وحدات الحرس الاحمر تنتمي لجماعات بوجدانوف، وسفيرسكاي، وسابلين واخرين. وقد اصبحت اكثر استقرار ورصانة، اشرت الى ان الحرس الاحمر لا يمكنه اشاعة الثقة في جموع الفلاحين طالما ركز تحركاته على الدفاع عن طريق السكك الحديدية مستخدما القطارات المدرعة التي تسمح لهم بشن هجمات سريعا ولكنهم غالبا ما يتراجعون. ومع ذلك هذه الجموع ما زالت ترى في الثورة وسيلة للتخلص من ظالميهم – ليس فقط كبار ملاك الارض واغنياء الكولاك، ولكن ايضا التخلص من خدمهم، موظفي الدولة بسلطتهم الادارية والسياسية. وهكذا الفلاحون مستعدون للدفاع وصد غزوات اليونكر البروسيين ، اضافة الى صد قوات الهيتمان (زعماء العشائر الاوكرانيين).
قال سفردلوف، “نعم، اعتقد انك على حق فيما يتعلق بالحرس الاحمر… ولكننا قد اعدنا تنظيمهم الان داخل الجيش الاحمر الذي يبني قواته حاليا . لو ان الفلاحين في الجنوب انغرست فيهم الروح الثورية كما جاء في وصفك، فلسوف تكون هناك فرصة طيبة لكنس الالمان من هناك ولسوف يعض الهيتمان التراب في وقت قصير. عندئذ سوف تنتصر سلطة السوفيت في اوكرانيا ايضا“.
“سوف يعتمد ذلك على تنظيم حركة سرية في اوكرانيا. شخصيا انا اعتبر هذه الحركة اكثر ضرورة من اي وقت سبق. بشرط اذا اتخذت هذه الحركة شكلا نضاليا مقاتلا، فإنها سوف تحث جماهير الفلاحين على اعلان التمرد في المدن والقرى ضد الالمان والهيتمان. دون انتفاضة ذات طابع ثوري بشكل جوهري في داخل اوكرانيا، لن يضطر الالمان النمساويون مجبرين على اخلاء البلاد ولن يكون ممكنا تهديد الهيتمان ومؤيديه او اجبارهم على الفرار مع حماتهم. لا تنس انه بسبب معاهدة بريست–ليتوفسك والعوامل السياسية المتعلقة بالقوى الاجنبية التي يجب ان تأخذها ثورتنا في الحسبان، اي هجوم يقوم به الجيش الاحمر في هذا الوقت هو امر لا يمكن تصوره” .
في الوقت الذي كنت اطرح فيه وجهة نظري، كان الرفيق سفردلوف يدون ملاحظاته.
قال سفردلوف، “في هذه الحالة انا اشاركك وجهة النظر بالكامل، ولكن ماذا تكون؟ شيوعي ام اشتراكي ثوري يساري؟ حيث انك اوكراني كما استطيع ان اقول من اللغة التي تستخدمها، ولكن الى اي من الحزبين تنتمي، هذا ما لا استطيع تحديده“.
هذا السؤال، بينما لم يمثل مفاجأة حين وجهه لي سفردلوف، (سكرتير اللجنة المركزية التنفيذية كان قد سألني نفس السؤال توا) وضعني في موقف محير. ماذا يتوجب على قوله؟ هل اقول لسفردلوف بصراحة انني شيوعي اناركي، رفيقا وصديقا لهؤلاء الذين سحقهم حزبه ودولته منذ شهرين سابقين في موسكو ومدن اخرى، ام اخفي نفسي تحت لافتة اخرى؟
احسست بالارتباك وشعر سفردلوف بذلك. لم ارد كشف تصوراتي عن الثورة الاجتماعية وعن اتجاهاتي السياسية في منتصف المقابلة معه. اخفاء هويتي كان امرا ممجوجا بنفس القدر. لذا، وبعد التفكير لعدة ثوان، قلت لسفردلوف: “لماذا انت مهتم لهذه الدرجة بانتماءاتي السياسية؟ اوراقي تظهر لك من اكون، ومن اين اتيت، والدور الذي لعبته في منطقة بعينها، وتنظيمي لعمال المدن والقرى اضافة الى تنظيمي لجماعات الانصار وكتائب المتطوعين للقتال ضد الثورة المضادة التي تجتاح اوكرانيا. اليس هذا كافيا بالنسبة لك؟“
اعتذر الرفيق سفردلوف وسألني الا اشك في شرفه كثوري او اشك في انه يفقد الثقة في. كان اعتذاره صادقا للدرجة التي جعلتني اشعر بالذنب، ودون اي تردد، اعلنته انني شيوعي اناركي من نوع باكونين–كروبوتكين .
تسائل سفردلوف، بابتسامة صديقة، “اي نوع من الشيوعيين الاناركيين انت يا رفيق، حيث انك تقف مدافعا عن تنظيم الجماهير العاملة وتوجيههم نحو الكفاح ضد السلطة الرأسمالية؟“
ولدهشة رئيس اللجنة المركزية التنفيذية، اجبته:
“الاناركية هي ايديولوجية واقعية جدا حتى انها لا تبني فهم خاص للعالم المعاصر والاحداث الواقعية. الدور الذي قام به الذين يمارسون الشيوعية الاناركية في هذه الاحداث مبني على فهم واضح للهدف المفترض تحقيقه والوسائل التي من المفترض ان تستخدم للوصول اليه..”
اخبرني سفردلوف، “ليس لدي اعتراض على ذلك، ولكنك لا تشبه على الاقل اولئك الاناركيين الموسكوفيين الذين اقاموا بشارع مالايا ديميتروفكا“، واراد سفردلوف التوسع في هذا الموضوع، ولكنني قاطعته قائلا:
“سحق الاناركيين في مالايا ديمتروفكا بواسطة حزبك هو مأساة يجب الا تتكرر في المستقبل لمصلحة الثورة…”
تمتم سفردلوف ببعض الكلمات المدغمة في لحيته، وقد نهض من كرسيه، اتى الي، ووضع راحتيه على كتفي وقال:
“ارى انك شخص مطلع جدا على ما يحدث منذ انسحابنا من اوكرانيا وخصوصا المشاعر الحقيقية لدى الفلاحين. ايليتش، رفيقنا لينين، من المؤكد انه سوف يكون مسرورا بالاستماع اليك. هل تود ان احادثه على الهاتف؟“
اجبت انه لا يوجد الكثير مما اود اضافته لفائدة الرفيق لينين، ولكن سفردلوف كان قد التقط الهاتف توا، ناصحا لينين بأن لديه الان بين يديه رفيقا يملك معلومات هامة جدا عن الفلاحين في جنوب روسيا وعن اتجاهاتهم نحو قوى الاحتلال الالماني. ودون تطويل سأل سفردلوف لينين متى يمكنه رؤيتي.
بعد لحظة وضع سفردلوف سماعة التليفون، وكتب تصريح مرور لي يسمح بعودتي في اليوم التالي. قال لي وهو يسلمني اياه:
“غدا، في الواحدة بعد الظهر تماما، تعالى الى هنا مباشرة. سوف نمضي معا الى مكتب الرفيق لينين… هل استطيع الاعتماد عليك؟“
اجبته، “اعتمد علي. لكن هل استطيع ان احصل على وثيقة من سكرتارية اللجنة المركزية تصرح لسوفيت موسكو ان يعطيني سكنا مؤقتا ومجانيا؟ والا سوف اكون مرغما على قضاء الليل راقدا على دكة في حديقة عامة“.
“سوف نرتب كل شيء غدا“، اجابني سفردلوف. وبعد سلامي عليه، اتبعت طريقي للخروج من قصر القيصر الى بوابات الكرملين، دائرا مرة اخرى حول الحرس اللاتفي، وصفوف المدافع والدانات العتيقة، ملقيا بنظرة سريعة على مدفع القيصر العظيم. حتى الغد….
لم ارجع الى الشقة التي تخص قسم الفلاحين بكونجرس السوفيت، الذي كان يترأسه بورتسيف، وهو زميل الزنزانة السابق للرفيق اركينوف . وفر بورتسيف ملجأ للعديد من الرفاق منهم اركينوف الذين تحولوا تدريجيا الى عبء ثقيل عليه. بدلا من ذلك ذهبت لأرى رئيس المركز النقابي، الذي خدم ايضا في السجن مع اركينوف. وعندما لم اجده مرحبا بضيافتي لدرجة كبيرة ذهبت لاعثر على احد المشهورين وسط الرفاق بانه “الاحمق“، الاناركي ماسلوف.
اعلنت للرفيق ماسلوف، وقد عرفته من خلال خدمتنا في الاشغال الشاقة معا، انني سوف اقيم معه، حيث انني لا اجد مكانا اقضي فيه الليل.
لم يعارض الرفيق ماسلوف ومكثت معه. فعليا اظهر لي ماسلوف ضيافة خاصة رغم انتقاداتي له على سلوكه الانفرادي العجيب الذي كان يمنعه من انشاء علاقات اخوية برفاقه السابقين في منظمات موسكو للشيوعيين الاناركيين.
********************
مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساءاو المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق
الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا١٩١٧ – ١٩٢١ إعداد وعرض: احمد زكي
زار الاناركي الاوكراني الفلاح نستور ماخنو موسكو في يونيو ١٩١٨ وقام بعقد لقاءات مكثفة مع الزعيمين البلشفيين سفردلوف ولينين. بعد ذلك بسنوات عدة، كتب ماخنو، في منفاه بفرنسا، مذكراته عن السنتين الصاخبتين ١٩١٧١٩١٨. “زيارتي للكرملين” هي ترجمة لفصلين يعرضان لقاءات ماخنو مع العمالقة البلاشفة. هناك مقتطفات عدة عن هذه اللقاءات في اعمال شتى بالانجليزية ولكن الرواية الكاملة لهذه اللقاءات تظهر هنا لاول مرة (١٩٧٩) .
موسكو في يونيو 1918
تمتع نظام حكم البلاشفة في يونيو 1918بفترة استرخاء قصيرة بعد التقلصات العنيفة للثورة والحرب الاهلية. لم يكن البلاشفة في اوضاع خطر عسكري مباشر، رغم حصار القوات المعادية لهم من كل الجوانب. عنق الزجاجة اللطيف هذا، الذي استمر من معاهدة بريست ليتوفسك (مارس 1918) الى انهيار قوات المحور في اخر السنة، سمح للبولشفيك بتماسك وتمتين قوتهم السياسية والعسكرية.
من وجهة نظر الاناركيين الروس، مثلت معاهدة بريست ليتوفسك مصدرا للثورة. دفع البلاشفة، باتفاقهم مع قوات المحور، ثمنا فادحا تمثل في تنازل عن اراض وعن ثروات طبيعية. الا انه، بل والاكثر اهمية، فضل البلاشفة صنع حلف مع الامبرياليين على ان يحاولوا نشر الثورة من خلال المبادرات الشعبية، وخصوصا، حروب الانصار .
بعد صلح بريست ليتوفسك (مع الالمان) بوقت قصير انقلب البلاشفة ضد حلفائهم اللدودين، الاشتراكيون الثوريون اليساريون والاناركيين. جهاز التشيكا، الذي كان السبب الظاهري وراء انشاءه هو قمع قوى الثورة المضادة، اطلقوه على منتقدي البلاشفة من ارضية يسارية. الذريعة المباشرة لقمع اناركيي موسكو نشأت عندما اشتكى ممثل الحكومة الامريكية من سرقة سيارته واتهم الاناركيين. (طبقا لممثل الحكومة البريطانية، بروس لوكهارت، لقد كانت سيارة تروتسكي هي السيارة التي سرقت). في ليلة الحادي عشر من ابريل، اغارت التشيكا على 26مركزا اناركيا. اكبر تلك المراكز، بيت الاناركية في شارع مالايا ديميتروفكا (مقر الغرفة التجارية سابقا) حيث كان مسرحا لاشرس المعارك. قتل في المعركة عشرات من الاناركيين ورجال التشيكا وقبض على المئات اثناء الاهوال التي دامت طوال الليل . تكررت هذه المعركة التي لا مثيل لها في عدة مدن روسية اخرى.
القمع الرسمي للاناركيين لم يمر دون مضاعفات داخل صفوف الحزب الشيوعي نفسه . لوقت بعد صلح برست ليتوفسك، مجموعة داخل المستوى القيادي الاعلى للبلاشفة وبالاشتراك مع بوخارين تدبروا امر صنع مؤامرة انقلابية ضد لينين، من اجل ايقاف الانزلاق السريع للثورة نحو اليمين. ولكن سرعان ما ارتد هؤلاء المنشقون الى موقف الطاعة والتأييد غير النقدي للنظام .
اوكرانيا في ١٩١٨
في الوقت الذي تبددت فيه الثورة نفسها توا في روسيا، لم تكن الثورة في اوكرانيا قد بدأت بعد. كانت اوكرانيا بشكل غالب منطقة فلاحية: في ١٩١٨ فقط ١% من السكان كان من الممكن تصنيفهم عمال صناعيين وتركزوا في قليل من المراكز في شرق وجنوب البلاد. استجاب الفلاحون في اوكرانيا ببطء للاطاحة بسلطة القيصر والفراغ السياسي الناجم عن ذلك. ولكن الثورة اكتسبت تدريجيا حيوية وقوة دفع، حتى اصبحت حركة شاملة بمقاييس يقل نظيرها في تاريخ الهبات الشعبية .
بعد ثورة فبراير 1917، تولت الحكم في كييف حكومة قومية ضعيفة، الرادا المركزية . هذه الحكومة فشلت في الحصول على اعتراف بشرعيتها سواء من الحكومة المؤقتة في بتروجراد او النظام البلشفي الذي خلفها. في اوائل عام 1918قام الجيش البلشفي تحت قيادة الجنرال انطونوف بغزو اوكرانيا. لم تستطع الرادا المركزية حشد التأييد الشعبي لصد القوات الغازية، التي تكونت تقريبا من جنود كلهم غير اوكرانيين. بعد ان احتل الغزاة كييف في اوائل فبراير، وقعت الرادا المركزية معاهدة سلام مع قوى المحور وسعت الى الحصول على عون عسكري في مواجهة البلاشفة. عندئذ دخلت القوات الالمانية والنمساوية اوكرانيا، وطهرتها من القوات الروسية وجماعات الانصار الاخرى على اختلاف توجهاتها بنهاية ابريل. قوات المحور، فور احتلالهم اوكرانيا، شرعت في نهب البلاد من كل مؤنها الغذائية والمواد الخام الاخرى التي يستطيعون الوصول اليها. قوات الاحتلال هذه، وقد اكتشفت ان الرادا المركزية هي غصة في الحلق اكثر منها عونا في هذا المشروع، دبرت انقلابا بواسطة بافل سكوروبادسكي احد ملاك الاراضي الارستقراطيين في 29ابريل. اعلن سكوروبادسكي نفسه “هيتمان” لكل اوكرانيا. جسد استيلاء الهيتمانات على السلطة عودة الى الرجعية الاقطاعية التامة بازياءها الفضفاضة الفخمة واحتفالاتها التاريخية الدينية. اضطرت العناصر الثورية في الريف الى العمل تحت الارض او في المنفى.
ماخنو
كان نستور ماخنو في السابعة والعشرين من العمر عندما زار العاصمة الروسية في 1918. امضى ماخنو ثلث حياته خلف القضبان، ومنهم سبعة سنوات في سجن بوتيركي بموسكو. ماخنو، وقد قبض عليه عام 1908بسبب نشاطاته الاناركية في منطقة قريته التي ولد فيها جويلاي–بولاي، صدر ضده حكم بالاشغال الشاقة مدى الحياة . عاد ماخنو، وقد حررته ثورة فبراير، الى قريته. كان ماخنو هو الباقي الوحيد من المجموعة الثورية التي سحقها القيصر منذ عقد مضى . القى ماخنو بنفسه فورا في تنظيم النقابات، والكميونات، والسوفيتات – وكان من النادر ان تجد امتداد لسلطة الرادا المركزية في المناطق الاوكرانية التي نشط فيها ماخنو؛ وقد شرعت جماعات الفلاحين المحلية في نزع ملكية اراضي النبلاء بمبادراتهم الخاصة. عندما قام البلاشفة بغزو اوكرانيا للمرة الاولى في يناير 1918، ساعدهم ماخنو وجماعته من الانصار الاناركيين بطردهم لقوات الرادا المركزية الضعيفة من الضفة اليسرى لنهر الاكريلن (شرق نهر الدنيبر). بعدها بثلاثة اشهر، عندما اضطر البلاشفة للتراجع والخروج من الاطراف الشرقية لاوكرنيا نتيجة ضغط قوات التحالف النمساوي الالماني وقوات الرادا المركزية، تراجع معهم انصار ماخنو والعصابات الاناركية الاخرى. بنهاية ابريل عقد مؤتمر للاناركيين الاوكرانيين في البلدة الساحلية تاجانروج، التي كانت تحت السيطرة البلشفية بشكل مؤقت. قرر المؤتمر سياسات تنظيم حركة سرية في القرى الاوكرانية. فوض المؤتمر ماخنو للقيام برحلة الى موسكو لمدة شهرين للاتصال بالمجموعات الاناركية الاخرى ولتحديد اتجاهات البلاشفة نحو الانشطة الاناركية في اوكرانيا . شق ماخنو طريقه ببطء عبر مراعي روسيا السوفيتية الفتية، وقد فلت من الهلاك باعجوبة عديد من المرات. عقد ماخنو، وقد وصل الى موسكو مع بداية يونيو، لقاءات مع اناركيين قياديين اضافة الى ممثلين لفصائل سياسية اخرى. كان اليسار المعادي للبلاشفة يمثل وجودا هشا في الحياة السياسية هناك، لا تزال السلطات تتحمله، ولكنه محروم من حرية الحركة. ماخنو، وقد جاء من منطقة لا يزال النشاط الثوري فيها صاعدا وإن لم يسقط النظام الاجتماعي القديم فيها بعد، نفد صبره من الركود والانهزامية التي صادفها في موسكو. في مذكراته كتب ماخنو يسب “الثورة الورقية” للمثقفين الروس في مقابل الحركة الاناركية الناهضة التي كان يتوقع صعودها في اوكرانيا .
لينين وسفردلوف
كان غرض ماخنو الظاهري من زيارة الكرملين هو تقديم طلب للحصول على بطاقة لغرفة خالية. ولكن من المؤكد انه كان يأمل في التعرف السليم من القادة البلاشفة على اتجاهاتهم نحو الثورة الفلاحية في اوكرانيا. نجح ماخنو في ذلك نجاحا باهرا. في يونيو 1918كانت الحكومة البلشفية لا تزال تتمتع بمرونة كافية ولا تتمسك بالرسميات لدرجة ان “فلاح نصف متعلم” (كما كان ماخنو يصف نفسه) يمكنه التجول عبر اروقة السلطة ويتقابل وجها لوجه مع اشد زعمائها سطوة. بعد لقاء عابر مع بوخارين، تكلم ماخنو بعد ذلك مع سكرتير سفردلوف، ثم مع سفردلوف نفسه، الذي قدمه فيما بعد الى لينين. كان القادة البلاشفة بشكل عام من الشباب، ولم يكن عمرهم اكبر كثيرا من سن ماخنو، رغم تاريخهم الطويل في تجارب الحركة الثورية. كان عمر بوخارين 30، وسفردلوف 33حين قابلهما ماخنو. كان عمر لينين وقتها 48سنة، وكان مساعدوه يشيروا اليه منذ زمن طويل باسم “الرجل العجوز“. عند لحظة معينة في 1918صرح لينين بملاحظة الى تروتسكي، “هل لو قتلنا على ايدي الجنرالات البيض، انت وانا، هل تعتقد ان بوخارين وسفردلوف سوف يستطيعان ادارة الامور؟ ” وهذا يشير الى ان ماخنو استطاع مقابلة ثلاث من الاربع قيادات بلشفية الجبابرة (بدا ان تروتسكي كان في موسكو حينذاك ولكنه كان مشغولا تماما في تنظيم الجيش الاحمر).
قليلا ما يتذكر الناس ياكوف سفردلوف هذه الايام بسبب موته المبكر في مارس 1919، ضحية لوباء الانفلونزا الذي اجتاح العالم. ولكن في 1918، بوصفه رئيسا للجنة المركزية التنفيذية لسوفيتات عموم روسيا فقد كان سفردلوف من الناحية الفنية رئيسا للدولة السوفيتية. وما هو اكثر مغزى من الناحية العملية، كان سفردلوف ايضا السكرتير العام بحكم الامر الواقع للحزب الشيوعي الروسي، وهوالمنصب الذي اصبح اكثر شهرة حين شغله فعليا جوزيف ستالين، خلفا لسفردلوف.
المؤهلات التي حملها سفردلوف لهذه المناصب المرموقة هي السنوات العديدة التي قضاها في خدمة العمل السري البلشفي وخضوعه المطلق للقائد لينين. سفردلوف، على غير منوال زملائه في سدة السلطة العليا بالحزب، لم يمتلك شهرة كمنظر. فعليا، وطبقا لمخطوط سيرة ذاتية كتبه زعيم بلشفي اخر، سفردلوف “لم يمتلك افكار… لم يخرج منه ابدا شيئا اصيلا“. ولكن سفردلوف كان مرموقا بالاحرى لمواهبه التنظيمية ومعرفته الموسوعية بالحزب . نتيجة لقدراته البارعة كسكرتير للحزب، كانوا يستدعون سفردلوف دائما لاعطاء احكام سريعة عن شخصية من سيتولى منصبا معينا من اعضاء الحزب. من المفترض انها موهبته في التقاط قدر الناس هي السبب الذي جعله يمنح هذا الوقت الطويل لمحرض فلاح غامض ويضعه امام لينين.
********************
مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساءاو المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق
الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا١٩١٧ – ١٩٢١ إعداد وعرض: احمد زكي
نستور ماخنو ثوري اوكراني، ولد في عائلة فقيرة ببلدة جولاي بولايي، باوكرانيا، وهو اصغر اخواته الخمس. سجلت عائلة ماخنو ابنها من مواليد عام ١٨٨٩ في محاولة لتأجيل تجنيده في الجيش القيصري، ولكنه ولد في ٢٦ اكتوبر ١٨٨٨ ومات في ٢٥ يوليو ١٩٣٤. درس ماخنو في مدرسة دينية بعض الاشياء البسيطة بين الثامنة والثانية عشر من العمر. بعد الثورة الروسية الاولى في ١٩٠٥، انضم ماخنو سريعا لجماعة من الاناركيين وانخرط في عمليات سطو مسلح، ونهب اموال وقتل التجار الاثرياء ورجال الشرطة. في ١٩١٠ صدر ضده حكم بالاعدام شنقا لكن بدلا من ذلك ارسلوه الى سجن بوتيرسكايا بموسكو حيث امضى هناك ستة اعوام. سمحت له فترة السجن ترقية تعليمه ومعارفه، من خلال رفاق الزنزانة (من اهم من ساعده على ذلك كان بيوتر اركينوف). بعد ثورة فبراير ١٩١٧، اطلق سراح ماخنو، لينضم الى الحركة الثورية في اوكرانيا وساعد في تنظيم عملية مصادرة اموال وممتلكات كبار ملاك الاراضي والرأسماليين هناك.
في اوائل عام ١٩١٨، وقعت الحكومة البلشفية الجديدة في روسيا معاهدة برست ليتوفسك للسلام مع قوى المحور، ولكنها بموجب هذه المعاهدة تنازلت عن مساحات واسعة من المناطق التي كانت تحت حكمها ومن ضمنها اوكرانيا. لم يرغب سكان اوكرانيا في الوقوع تحت حكم قوات المحور، ولهذا نشب التمرد هناك. تشكلت وحدات من الانصار وشنت حرب عصابات ضد القوات الالمانية والنمساوية، وسرعان ما اتخذ هذا التمرد نبرة سياسية اناركية. كان نستور ماخنو واحد من المنظمين الرئيسيين لجماعات الانصار تلك، والتي توحدت في جيش الانتفاضة الثوري لكل اوكرانيا، وايضا اطلق عليه اسم الجيش الاسود (لان مقاتليه كانوا يحاربون تحت علم الاناركية الاسود)، واطلق عليهم ايضا “الماخنويين” او “ماخنوفشيشينا“. دخل الجيش الثوري لانتفاضة اوكرانيا عدد من المعارك ضد البيض (الثورة المضادة) ومرتكبي مذابح معاداة السامية. في المناطق التي طرد منها جيش اوكرانيا الثوري الجيوش المعارضة، سعى القرويون (والعمال) الى الغاء الرأسمالية والدولة من خلال تنظيم انفسهم في مجالس قروية، وكوميونات ومجالس حرة. تمت مصادرة المصانع والارض الزراعية ووضعت تحت سيطرة اسمية للعمال والفلاحين، ولكن من شغل منصب العمد والعديد من المناصب الرسمية اتوا مباشرة من بين صفوف انصار ماخنو العسكريين، بدلا من الشغيلة المحليين. وّهو محل جدل حتى اليوم اذا ما كانت حكومة ماخنو اكثر ديموقراطية في تلك الفترة ام لا.
المنطقة المحررة (اوكرانيا الاناركية)
وجد الهيتمان ، بافلو سكوروباديسكي، رئيس الحكومة الالعوبة في الدولة الاوكرانية، صعوبات جمة في محاولاته للسيطرة على اوكرانيا بينما يواجه جيش ماخنو التحرري. وهكذا، تم استدعاؤه الى المانيا بعد انهيار الجبهة الغربية الالمانية. في مارس ١٩١٨، نجح الجيش الثوري الاوكراني في هزيمة القوات الالمانية والنمساوية والقوميين الاوكرانيين بزعامة سايمون بيتلورا، والعديد من قطاعات الجيش الابيض.
عند هذه النقطة، تحول الدور العسكري لماخنو الذي اضطلع به في سنوات عمره الاولى الى دور تنظيمي. اصدر المؤتمر الاول لكونفدرالية الجماعات الاناركية، المسماة الناباط (“الجرس“)، خمس نقاط رئيسية: الشك في كل الاحزاب السياسية، ورفض كل الديكتاتوريات (وبشكل رئيسي تلك التي تفرض على الشعب من اعلى)؛ ونفي اي مفهوم للدولة، ورفض اي “فترة انتقالية” او “استبداد البروليتاريا“، والادارة الذاتية لكل العمال من خلال مجالس العمال الحرة (السوفيتات). وفي الوقت الذي دافع فيه البلاشفة عن منطق ان مفهومهم “ديكتاتورية البروليتاريا” يعني بالدقة “حكم مجالس العمال“، عارض برنامج ماخنو هذا التدبير البلشفي “الانتقالي” الذي يخفي تحته “ديكتاتورية الحزب“.
زعم انصار ماخنو، من نوفمبر ١٩١٨ حتى يونيو ١٩١٩، انهم يخلقون مجتمعا اناركيا في اوكرانيا يمارس العمال والفلاحون فيه الحكم بطريقة ديموقراطية.
الثورة المضادة: الضربات المضادة البيضاء والحمراء
قاوم الماخنويون محاولات اجتياح الجيش الابيض الاوكراني للبلاد من الجنوب والشرق لمدة ثلاث اشهر قبل ان تنضم الى مجهودهم الحربي وحدات الجيش البلشفي. ولكن حتى بعد انضمام الجيش البلشفي للحرب، حافظ الاناركيون على استمرار هياكلهم السياسية الرئيسية مستقلة ورفضوا القبول بالقوميساريين السياسيين ا لذين عينهم البلاشفة. قبل الجيش الاحمر مؤقتا هذه الشروط، ولكن سرعان ما توقف البلاشفة عن امداد الماخنويين بالامدادات الرئيسية، مثل الحبوب والفحم. تم حظر صحيفة الناباط (كونفدرالية الجماعات الاناركية الاوكرانية) واعلن المؤتمر الثالث خصوصا مؤتمر بافل ديبينكو) تجريم الماخنوية والثورة المضادة، ورد مؤتمر الاناركيين على ذلك في تساؤل علني، “هل يمكن ان يوجد قانون يصنعه قلة من الاشخاص يسمون انفسهم ثوريين، تسمح لهؤلاء ان يعلنوا تجريم شعب بأكمله اكثر ثورية منهم؟ ” التبرير الذي اعطته الصحافة البولشفية لهذا الصدام مع الاناركيين هو ان “دولة ماخنو الاناركية” هي نظام حكم امير حرب مناصبها المدنية يعين هو والقادة العسكريون الاخرون اشخاصها (ولا ينتخبون)، وأن ماخنو نفسه رفض تزويد عمال السكك الحديدية وعمال التلغراف السوفيت بالطعام، وان “القسم الخاص” للهيئة الاناركية يقوم بعمليات اعدام وتعذيب سرية، وان قوات ماخنو قد اغارت على قوافل الجيش الاحمر التي تحمل الامداد والتموين، وسرقت سيارة مدرعة من بريانسك كانت في انتظار اصلاح عطب بها يقوم به الاناركيون، وان الناباط مسئول عن اعمال دموية ارهابية في المدن الروسية. ارسل لينين سريعا ليف كامينييف الى اوكرانيا، حيث عقد هناك لقاءا وديا مع ماخنو. بعد مغادرة كامنييف لاوكرانيا، اوقع ماخنو برسالتين ارسلت بهما قيادة البلاشفة لجيشهم في اوكرانيا، الاولى تصدر اوامر للجيش الاحمر بالهجوم على قوات ماخنو، والثانية تأمر باغتياله. ارسل تروتسكي، بعد المؤتمر الرابع للكونفدرالية الاناركية فورا، باوامر صريحة للقبض على كل عضو من اعضاء المؤتمر، ثم اعلن ما شاع بعدها انه “من الافضل التخلي عن اوكرانيا باكملها وتسليمها لقوات دينيكن هناك (الجيش الابيض) من السماح بتوسع سيطرة اتباع ماخنو” . واستمر الجدل حول ان تروتسكي كان يفضل التعامل مع قوات الحرس الابيض في جبهة اوكرانيا عن التعامل مع جيش فلاحين محايد، حيث كان الجيش الاحمر وقتها في مواجهة مع البيض والقوات الاجنبية حينئذ في جميع الاتجاهات. رد ماخنو على الهجوم الاحمر هذا كان هو الهرب مع اقرب مساعديه. تعرضت قوات تروتسكي بعدها الى ضربة قوية من قوات دينيكن ارغمته على الانسحاب من اوكرانيا. اعاد ماخنو تشكيل قواته واجبر قوات دينيكين المنهكة على التراجع، وحافظ على تماسك جيش الانتفاضة الثوري لاوكرانيا.
جماعة ماخنو
ازدادت قوة وشعبية ماخنو كثيرا، وتحولت الحركة الماخنوية مرة اخرى الى ادارة عملية التنظيم الذاتي للبلاد، واتبعت المبادئ الاناركية بتحطيم السجون ومراكز الشرطة واطلقت حرية التعبير والضمير وانشاء الجمعيات وحرية الصحافة. انخفضت قوات ماخنو للنصف نتيجة لتفشي وباء التيفوس في صفوفها، حينئذ بدأ تروتسكي يمارس ضرباته العدائية ضدهم مرة اخرى.
عقدت هدنة جديدة بين قوات ماخنو والحرس الاحمر في اكتوبر ١٩٢٠ عندما اقتربت القوتان من المقاطعات التي يسيطر عليها جيش رانجل الابيض. كانت القوات الماخنوية لا تزال ترحب بمساعدة الجيش الاحمر، ولكن عندما تم القضاء على البيض تماما وطردهم من منطقة القرم، انقلب الشيوعيون على ماخنو مرة اخرى. اوقع ماخنو بثلاث رسائل سرية من لينين الى كريستيان راكوفسكي، رئيس حكومة البلاشفة في اوكرانيا. كانت اوامر لينين هي القبض على كل اعضاء منظمة ماخنو ومحاكمتهم كمجرمين جنائيين معتادين.
المنفى
في اغسطس ١٩٢١، اضطر ماخنو وقد استنفذ البلاشفة قواه الى ان يخرج في النهاية من اوكرانيا مطاردا، حيث فر اولا الى رومانيا، ثم الى بولندا واخيرا وصل الى باريس. في ١٩٢٦، وقد انضم الى منفيين روس اخرين في باريس كجزء من جماعة “دييلو ترودا” (قضية العمال)، شارك ماخنو في كتابة ونشر البرنامج التنظيمي للشيوعيين التحررين، الذي طرح افكارا في كيفية تنظيم الاناركيين لانفسهم على اسس مستمدة من تجاربهم في اوكرانيا الثورية وهزيمتهم على ايدي البلاشفة. رفض معظم الاناركيون هذه الوثيقة بشكل اولي عند صدورها، ولكنها اليوم تتمتع بقبول واسع. لا تزال هذه الوثيقة محل جدل ونقاش حتى اليوم، وتستمر في اثارة الهام بعض الاناركيين بسبب وضوح افكارها وحيوية الهياكل التنظيمية التي تقترحها، في نفس الوقت الذي تستثير فيه من الناحية الاخرى نقد الاخرين ، الذين رأوا فيها تزمتا شديدا وانها تبني تراتب هرمي قاسي.
في نهاية حياته، عاش ماخنو في باريس، وعمل كنجار وفني ديكورات في اوبرا باريس وستديوهات السينما هناك.
مات ماخنو عام ١٩٣٤. بعد وفاته بثلاث ايام اقيم حفل تأبين له، بحضور ٥٠٠ شخص في مدافن بير لا شيز الشهيرة.
********************
مصدر : الاناركية مجتمع بلا رؤساءاو المدرسة الثورية التي لم يعرفها الشرق
الاناركية الثورة الروسية في اوكرانيا١٩١٧ – ١٩٢١ إعداد وعرض: احمد زكي
شتيرنر، الفرد و الأناركية: شرط الجشع “الطبيعي” للبشرية هو ما يجعل الاشتراكية حلم مستحيل
ترجمة : مازن كم الماز
ماكس شتيرنر شخصية مجهولة نسبيا في الفكر الأناركي و اليساري عموما . لقد أثر في كثير ممن يعتبرون أنفسهم أناركيين فرديين مثل الأمريكيين ليساندر سبونر و بنجامين توكر و الجدليين أو السفسطائيين المعاصرين مثل بوب بلاك . كما كان له بعض الأنصار بين الأناركيين الشيوعيين , خاصة في غلاسكو حيث استمر التقليد الشتيرني إلى يومنا . كان شتيرنر فردانيا رفض كل العقائد و المعتقدات التي تتطلب خضوع إرادة الفرد لقيادتها . لذا قد تسأل لماذا يجب علي أن أكون مهتما بمحاولة إيجاز بعض أفكاره في مجلة منظمة ملتزمة برؤية جماعية أناركية – شيوعية للمجتمع ؟ سأقول أنني أفعل ذلك لسببين :
أولا إن أفكار شتيرنر هي العلاج الصحيح للأفكار التي يقدمها الاشتراكيين السلطويين . فقد فهموا ذلك بالفعل و بسرعة كبيرة و أدانوا شتيرنر منذ اليوم الأول تقريبا . كرس ماركس و أنجلز كتابا بأكمله من 300 صفحة لإدانة أفكاره – الإيديولوجيا الألمانية الذي صدر عام 1846 . الطبيعة نصف الهستيرية و الشخصية لهذا النقد يخبرنا كم كانا قلقين حينها . لقد وصفاه “بالدماغ الأكثر فراغا و سطحية بين الفلاسفة” الذين “يقتصر كل نشاطهم على تجربة بعض الخدع المبتذلة المحتالة على العالم الذي وصل إليهم من التراث الفلسفي” . هذا الجهد وحده ينبهنا بالتأكيد لحقيقة أنه ربما كان يقول شيئا ما مشوقا ! إن احتقار شتيرنر المطلق لأولئك السادة المحتملين أتاح له أن يتنبأ بشكل واضح و دقيق بالكارثة التي حدثت عندما رفعت الأفكار الاشتراكية إلى مستوى دين الدولة :
“المجتمع , الذي نستمد منه كل شيء , هو سيد جديد , شبح جديد , “كائن أعلى” جديد , الذي سيشدنا إلى خدمته و طاعته” .
هناك شأن آخر و أكثر عمقا في فكره . يتوق كل الأناركيون لزيادة الحرية الفردية إلى أقصاها . نحن في مجموعة تضامن العمال ( منظمة أناركية ايرلندية تصدر المجلة التي نشر فيها هذا المقال ) هدفنا هو زيادة الحرية الفردية من خلال الوسائل الجماعية . لكن لفعل هذا من الضروري أن يكون البشر ملتزمين بأفكار التنظيم الجماعي مع الآخرين . هذه فكرة شائعة بين الأناركيين و آخرين كثر في اليسار . لكننا خصصنا وقتا أقل بكثير حتى من قبل الأناركيين للتفكير بما ستعنيه حقا الحياة في مجتمع أناركي . إن الحرية لا تمنح . إنها فقط ذا معنى بالنسبة للناس الذين يرغبون بها حقا و هذا يعني أفرادا أقوياء يعرفون ما يريدونه . ما الذي يعنيه أن تكون حرا أو كما وضعها شتيرنر “تملك نفسك” ؟ ما لم نقدر ما يعنيه هذا و كم هو هام عندها فقط قد نتوقف عن ترك الدولة و الرأسماليين يقومون بالتفكير نيابة عنا !
ما هي أفكاره ؟
بالتأكيد لو كانت الاشتراكية أي شيء فإنها نقيض الأنانية و الغرور . في الواقع يقول خصومنا غالبا أنه فيم أن أفكار الاشتراكية و الأناركية جذابة فإن الجشع البشري يجعلها غير قابل للتحقق في الواقع . يقال لنا أن شرط الجشع “الطبيعي” للبشرية هو ما يجعل الاشتراكية حلم مستحيل . لكن ماذا لو قلب الأمر على رأسه ؟ ماذا لو أن الاشتراكية تنشأ أول الأمر من الانتهاز الجشع لممكنات الحياة لوضعها في خدمة الشخص ؟ ماذا لو أن أنانيتنا و جشعنا الفردي نفسه هو ما يخرجنا من الرأسمالية إلى عالم جديد ؟ إن العظيم هو كذلك فقط لأننا نجثو أمامه على ركبنا , ماذا سيحدث لو أننا نهضنا جميعا معا ؟ هذا هو التناقض الذي يقترحه شتيرنر في كتابه ( الأنا و ملكيته ) .
كان ماكس شتيرنر ( اسمه الحقيقي كاسبار شميدت ) عضوا في مجموعة صغيرة من المفكرين الألمان الميالين لليسار عرفوا أنفسهم على أنهم “أحرار”* كان بينهم ماركس و أنجلز . كتب شتيرنر الكثير من المقالات و صنف و حرر “تاريخ الرجعية” و ترجم أعمال آدم سميث . لكن كتابه هذا هو عمله الوحيد الأصلي المكتمل . قبل أن أنتقل إلى بعض الأفكار الموجودة في الكتاب , من المناسب تحذير كل من يريد أن يضع يديه عليه أنه ليس سهل القراءة . في الواقع لقد كتب بشكل سيء جدا و يمكنني فقط أن أشعر بالأسى على المترجم . أولا كان شتيرنر يقتبس بسخرية مختصرات من أفكار الآخرين كما لو أنه يتفق معهم و بعدها ينتقل فجأة إلى أفكاره الخاصة . ثانية هناك قدر كبير من التجريد في هذا الكتاب حيث تستخدم نفس الكلمة غالبا مثل “الإنسان” لتعني أشياء مختلفة جدا في نفس النص . لقد قيل من قبل أن قراءة متأنية تعد بالكثير من الجوائز !
الكتاب نفسه هو هجوم لافح على كل منظومات الاعتقاد التجريدي , بادئا و محققا لغرضه من الأفكار الدينية ليشمل فيما بعد كل الاعتقادات السياسية على أنها دينية في طبيعتها . تحدد الفقرة الأولى النبرة , عندما يعرض شتيرنر بتهكم ما يراه موقف الخصم :
“ما الذي لا يفترض أن يكون موضع اهتمامي , أولا و بشكل رئيسي , القضية الجيدة , بعدها قضية الإله , قضية الإنسانية , الحقيقة , الحرية , البشرية , العدالة , و أبعد من ذلك , قضية شعبي , أميري , وطني الأم . أخيرا حتى قضية العقل و ألف قضية أخرى . فقط قضيتي يجب ألا تكون أبدا موضع اهتمامي “عار على المغرور الذي يفكر فقط بنفسه” .
إنه يبدأ بالدين . إنه يعتقد أن مفهوم الإنسان الروحي قد ظهر أول مرة بين الإغريق ثم جرى ترسيخها مع المسيحية . تعني فكرة الإنسان الروحي هو أن اهتمامات الإنسان الأرضية تحتل المرتبة الثانية . تقول الأطروحة بشخص روحي و مثالي ما وراء الشخص الأرضي العادي . في تأمل الروح المثالية التي تحل في كل إنسان ( بمعنى أنه يفترض أنه “صورة للإله” ) فإن كل الاهتمامات الجسدية المباشرة تختفي . تريد الأهداف المسيحية التخلص من “باطل” العالم الحالي و “التبرؤ” من حياتهم المباشرة لصالح الجنة المستقبلية .
و يتطرق إلى أوائل الفلاسفة ليتساءل عن الاعتقادات الدينية – إنهم يستمرون بقبول العالم الروحي كعالم هام . يعلن ديكارت , “أنا أفكر إذا أنا موجود” و ليس أنا آكل لذا فأنا موجود أو أنني أدخن إذا أنا موجود ! يعًرف الناس بتفكيرهم الذي هو مجرد و روحي بالمعنى العام ( يمكنك أن ترد بأن التفكير يتضمن قدرا هاما من التجربة الفعلية لكنه لا يذهب إلى ذلك ) . لذلك فإن الأشياء الروحية خارج الحياة الفعلية الواقعية المعاشة للشخص ما تزال توضع فوق و مغتربة عن الحياة اليومية .
إن أكثر أفكار شتيرنر أصالة بالنسبة لي هو إظهاره كيف أن الليبراليين و الاشتراكيين العلمانيين بهدف أن يتخلصوا من الإله و الروحانية , فإنهم قد نصبوا مكانه صرحا جديدا يمكن التضحية في سبيله بالهموم اليومية . هذا الصرح هو “الإنسان” ( أعتذر لكن يجب أن ألتزم بكلماته – لكنه ربما عنى كلا الجنسين – كلمة الإنسان وردت على أنها الرجل في النص الأصلي ) .
وفقا لشتيرنر فإن الليبراليين , الإنسانيين , الشيوعيين , الأناركيين و غيرهم قد استبدلوا الإله بالإنسان . لذلك فإنهم قد وضعوا رؤية مستقبلية مثالية لتفسير الإنسانية ككل للتقدم نحو الأمام . أين أنت الآن ليس مهما مقابل ما يمكن أن تكونه ذات يوم . إنهم مهتمون بالإنسان بشكله المجرد و ليس الحيوات الفعلية للأشخاص الأفراد . هذا يقود إلى تصريح مثير للاهتمام عما يسميه علماء النفس اليوم ب”التمجيد المتأخر” – أنت دائما تحاول أن تبلغ صيغة أو نسخة مثالية على نحو ما عن نفسك :
“لذلك في كل لحظة من وجودك , تومئ لحظة جديدة لك , تطور نفسك , فتجد أنك تبتعد “عن نفسك” ” .
بكلمات أخرى أنت شيء ما يجب الوصول إليه . نسخة مثالية عنك تفرض عليك كهدف لتتطلع إليه . أنت لا تبدأ أبدا من نفسك بالفعل لأنك تحاول الوصول إليه دائما . أنت مغترب عن نفسك !
حسنا ربما أصبح من الواضح الآن كم هي بعض الأفكار مجردة ! لكن هناك تضمينات مباشرة عملية . إذا رسمت مخططا مثاليا عما يجب علينا أن نكون , يمكنك أيضا أن تفرض علينا قيودا ما . إذا أطاع كل شخص القانون بداعي من الاحترام فإنك تحتاج إلى قليل جدا من الشرطة . تدفع الأفكار إلى داخلنا و عندها يعطي الانضباط الذاتي مواطنين جيدين . الآن هناك دوما أخلاقية مجردة ما يجب على طرف ما أن يلتزم بها من منطق الشعور بالذنب .
انطلاقا من أفكار العمر الباكر عن الملكية , الخطيئة , و الذنب التي تزرع داخلنا من خلال العائلة , الكنيسة , المدرسة , الإعلام و السياسيين . إنها ترسم الحدود لما يمكنك و لا يمكنك فعله . هذه الأفكار – أو “الأشباح” كما يعبر شتيرنر عن الأخلاقية , احترام الملكية الخاصة , الخ يبقي البشر ملتزمين بالنظام . يمكنك أن تعيش في فقر منذ الولادة , كما يقول ” لكن عليك ألا ترفع قلما ما لم يكن لديك إذن بفعل ذلك” .
تجري برمجة هذه الأفكار داخلا و حتى تحترم و تشجع من أولئك الذين يريدون تغيير المجتمع . ما أن يتم قبولها و زرعها داخلا فإن الناس سيطيعون القواعد ليس لأنها مفروضة بل لأنهم يعتقدون أنه من الصحيح و المناسب فعل ذلك : “كل بروسي يحمل حارسه في صدره” .
الأنانية في الممارسة
إن نقد شتيرنر عميق بالفعل لكن ما الذي يقترحه كحل و كيف يمكن تحقيقه باعتبار أن أفكاره تستبعد أي مشاركة في أي نضال جماعي نحو فكرة مجردة عن كيف يجب أن تكون الأمور !
أولا إنه يرفض أي كلام عن الحرية . يرى شتيرنر فكرة الحرية ك”شبح” خطير . إنه يتضمن عدم وجود أي حاجة ( أي الحرية من شيء ما ) عوضا عن أن يقدم أي فائدة محددة . إنها تعريف سلبي و من السهل على أي واحد أن يستخدمه كمطية ليبيع أفكاره . عوضا عن ذلك دعا البشر “ليمتلكوا أنفسهم” . هذا يعني ببساطة أن تضع نفسك في مركز الأشياء و من ثم أن تجعل أكثر ما يمكن من العالم ملكا لك . لذا عليك أن تمتلك منظومات الأفكار و الاعتقاد عوضا عن أن يكون الوضع معاكسا و يجب أن يتم تحليل كل شيء بحسب كم هو مفيد بالنسبة لك . بالطبع كما يوضح ذلك , عليك أولا أن تعرف من أنت بشكل منفصل عن الأفكار أو المشاعر التي يمكن أن تكون في موقع الإمساك بزمام الأمور في أي لحظة . فكرة سيستعيرها نيتشه ( في كتاب وراء الخير و الشر ) بين أفكار أخرى ادعاها لنفسه :
“ألق بعيدا أي اهتمام ليس هو اهتمامي ؟ ما هو الخير ؟ ما هو الشر ؟ لماذا , أنا نفسي هو اهتمامي و أنا لست خيرا أو شريرا . و ليس لكليهما أي معنى لي” .
إلى أي نوع من المجتمع سيؤدي هذا ؟ رغم أن شتيرنر الفرداني يعطينا لمحات قليلة عما يسميه ب “اتحاد الأنانيين” . هذا الاتحاد هو بنية طوعية تتشكل من قبل أعضائها وفقا لمصالحهم المباشرة الخاصة . هذا اتحاد من البشر الأنانيين الذين يعترفون بأنفسهم , و الذي يغادرونه إذا لم تجر تلبية مصالحهم . يملك شتيرنر إيمانا أكبر في هذا النظام أكثر من أي دولة أو حزب سياسي . في تحليله الأخير يقول : “أفضل أن أشير إلى أنانية البشر عن الإشارة إلى طيبتهم” . بالطبع إنه لم يفضل أي نوع من العمل الجماعي لتحقيق هذا المجتمع . الطريق الوحيد الذي جاء به هو بالأحرى مقلق “حرب الكل ضد الكل” . لقد دعا إلى تمرد كل الأفراد الذين يهدفون ليس للإطاحة بالمؤسسات القائمة بل للتحرك أبعد منها بطريقة ما غامضة .
ما هي صلته بعالم اليوم ؟
قد يتفق الكثيرون أنه لدى شتيرنر بعض الأفكار الهامة و يمكن رؤيته كشيء مثل رمز للفردانيين أو حتى لمن يريد أن يسوق التحرر . هل لشتيرنر أي علاقة بالفكر الأناركي الشيوعي ؟ كما ذكرت سابقا فإنني أعتقد هذا .
أولا بالطبع إنه يفيد كتحذير مستمر ضد اليساريين , الوطنيين , المتعصبين الدينيين , و أي شخص يترك فكرة مجردة تتفوق عليه . طالما وجدت مجموعات ذات مشاريع مجردة “لتحرير” أو “إعتاق” الإنسانية “المعذبة و المضطهدة” ستكون هناك دول جديدة , قوانين جديدة :
” تستمر التراتبية الهرمية بالوجود طالما بقي الكهنة , أي علماء اللاهوت , الفلاسفة , رجال الدولة , المحافظون , الليبراليون , ناظرو المدارس , الخدم , الآباء , الأطفال , الأزواج , برودون , جورج ساند , بلونتشي و غيرهم يملكون الدور الأبرز , ستبقى هذه التراتبية الهرمية ” .
ثانيا فإنه يحدد الدافع للثورة – الحاجة للثورة – داخل الظروف الفعلية و الواقعية لحياة البشر . أحد النقاط التي يصر عليها باستمرار هي أن الغني هو غني لأن الفقير لا يرى بوضوح مصالحه الخاصة به . إن البشر الذين يخضعون طوعا للاضطهاد يفقدون حقهم في الشكوى . على كل حال إذا قاموا فقط بالشكوى أو استخدموا أفكارا مجردة عن الحقوق و الحريات قدمت إليهم من سادتهم فسيجري تجاهلهم فقط . يجب على الناس أن ينهضوا ليحققوا مصالحهم الخاصة – “ما هو الحق أو الملكية التي أملكها ؟ كل ملكية قدرت عليها” . إذا شعرت بأنه يجري التقليل من قدرك فعليك أن ترفع ثمنك !
أخيرا إن فكرة الفرد مركزية في الاعتقاد الأناركي . إننا نريد ( على عكس شتيرنر ) أن نزيد من الحرية الفردية بوسائل جماعية . لكن دور الفرد في الثورة لم يجر استكشافه بعد بشكل كاف . يجب على النسخة الأخيرة من المجتمع الأناركي كما أعتقد أن تبدو مشابهة جدا لاتحاد شتيرنر من الأنانيين – حيث يتوحد البشر بحرية في سعيهم لمصالحهم الخاصة ( حسنا قد يكون هذا على المدى البعيد و ليس القريب ) . ما لم يتم بناؤه من قبل البشر “الذين يملكون أنفسهم” فسيكون من السهل هزيمته أو توجيهه في اتجاه دولتي ( نسبة إلى الدولة) . وحدهم البشر الذين وجدوا أنفسهم فعلا و يعرفون أنهم يقاتلون في سبيل أنفسهم لا يستسلمون بسهولة . يمكن بناء مجتمع من دون دولة فقط من قبل بشر يرون أن ذلك سيكون في سبيل مصالحهم الخاصة الحقيقية . كما وضعها شتيرنر :
” لن يدع الرجال الجريئين أي شيء ينتحب و يثرثر داخلهم بسببك , و لن تجد أي تعاطف بسبب الحماقات التي كنت تمتدحها و تتفوه بالترهات عنها منذ بدأت ذاكرة الإنسان….إذا أمرتهم “انحنوا أمام الكائن الأعلى” سيجيبونك : إذا أراد أن يجعلنا ننحني له , ليأت هو نفسه و يفعل ذلك , فنحن , على الأقل , لن ننحني بإرادتنا” .
—- — —- — — —- ——— ——— —-
* الهيغليين اليساريين أو الشبان أو الأحرار
_________________________________________
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن http://flag.blackened.net/revolt/rbr/rbr6/stirner.html
من مجلة ثورة الأسود و الأحمر , العدد 6 , لعام 2002
دائما ما يبدو من الغريب ان يقول مؤيدو البرلمانية بكل جديه :(لكل شخص صوت واحد فقط بالانتخابات) – كناية عن المساواه-، ليكن، لكن اين تذهب هذه الاصوات؟ في النظام البرلماني تذهب هذه الاصوات للنائب المنتخب، والذي يمكنه بنائا عليها اخذ اي قرار يرغب فيه خلال أربع سنوات، تخيل ان مئة الف شخص- او أكثر- يمنحون أصواتهم في الانتخابات لشخص واحد، وبها يمكنه ان يفعل ما يشاء لأربعة سنوات متتاليه، أين هي المساواه في الحقوق؟ إذا كان شخص واحد يمكنه الأختيار لعشرات الالاف؟ ولا يمكن ﻷحد السيطرة على قراره ما بين الانتخابات.
لا أحد ما عدا رجال الاعمال الذين يحمي النائب البرلماني مصالحهم، ففي حالة اللامساواه الإقتصاديه- كما هي الحالة بالعالم كله- فإن من يمتلكون اضخم الثروات يمكنهم استخدام ثرواتهم للتأثير على القرارات التي يتخذها نواب البرلمان، مرة اخرى : كيف تتحقق قاعدة :”صوت واحد لكل ناخب”- رجل واحد/صوت واحد، في العالم الواقعي، فالحقيقة ان صوت مليونير واحد له ثقل وتأثير اكثر من أصوات مئات الالاف من الناخبين.
للسيطرة على قرار المفوضين المنتخبين لابد أن يصبح الناخبين (بالمصانع/والدوائر الانتخابيه) كتلة تعاونية متماسكه يمكنها التصرف كفريق عمل يلتقي دوريا، تعاونية يمكنها أنتخاب ممثلهم أو إسقاطه في أي وقت، تعاونية مبنية على المساواه دون تمييز ما بين أغنياء وفقراء، حيث ينتفي حسد من لا يملكون لمن يملكون، ولا يمكن لاحد ان يرشو الاخرين، فقط مثل عبر مثل هذه التعاونية يمكن للناس ان تعمل معا بانسجام، نحن نتحدث عن (المصنع) و/أو المنطقه السكنيه حيث يمكن للكادحين – وفقط الكادحين- السيطرة على مصالحهم المشتركه وعبرها يمكنهم انتخاب ممثلين لهيئات الإداره الذاتيه والمجالس، فقط حينها سيتحقق مبدأ : رجل واحد/صوت واحد
ولإدارة بلد كبير فإن مثل تلك التعاونيات ستتحد في (فيدراليه) لتنسق أنشطتها معا وتطور خطة للإدارة العامه باستخدام مجلس عام للمفوضين، لكنه لن يكون نظاما برلمانيا رأسماليا، لكن فيدرالية اشتراكية للتعاونيات المدارة ذاتيا ، فيها لن يوجد لا فقراء ولا اغنياء، وستمد مجالس التعاونيات سيطرتها على كلا من المنطقه الجغرافيه ووسائل الانتاج، وستدير المصانع وتضع القوانين تحت السيطرة الصارمة للعمال والكادحين.
….. في ذلك الوقت أعلنت , كما فعلت دوما من قبل و بعد , أن الجمعية التأسيسية هي وسيلة تستخدمها الطبقات صاحبة الامتيازات عندما لا تكون الديكتاتورية ممكنة , إما للحيلولة دون قيام ثورة أو عندما تكون الثورة قد اندلعت بالفعل , لإيقاف تقدمها بحجة قوننتها , و لتستعيد أكثر ما يمكنها من المكاسب التي انتزعها الناس في المرحلة الثورية .
الجمعية التأسيسية بما تنتجه من تسكين و تثبيط للهمم , و الديكتاتورية , بممارستها القمع و القتل , هما الخطران اللذان يهددان أي ثورة . و يجب على الأناركيين أن يوجهوا جهودهم ضدهما .
ليكن هذا واضح تماما : أنا لست من أنصار نظرية “كل شيء أولا لا شيء” . إنني أعتقد أنه لا يوجد أي شخص يتصرف بهذه الطريقة بالفعل : إن هذا سيكون مستحيلا .
إنه مجرد شعار يستخدمه الكثيرون ليحذروا من وهم الإصلاحات الجزئية و التنازلات المزعومة من قبل الحكومة و السادة , و للتذكير دوما بضرورة و إلحاح الفعل الثوري : إنه عبارة يمكن أن تخدم , إذا فسرت بشكل فضفاض , كحافز للنضال ضد كل شكل من أشكال الطغاة و المضطهدين . لكنها إذا أخذت حرفيا , فإنها هراء واضح .
“الكل” هو المثال الذي يصبح أكثر تقدما و أوسع مع تحقيق التقدم إلى الأمام , و لذلك لا يمكن الوصول إليه أبدا . “لا شيء” سيكون دولة همجية ما دون أية حدود , أو على الأقل خضوع مستسلم للاضطهاد القائم .
أعتقد أنه يجب على الإنسان أن يأخذ كل ما يستطيع أخذه , سواءا أكان ذلك قليل أم كثير : أن يفعل أي شيء يستطيع عمله اليوم , بينما يناضل دوما ليجعل ما يبدو مستحيلا اليوم ممكن في الغد .
مثلا لو أنه ليس بمقدورنا اليوم أن نتخلص من أي شكل من أشكال الحكومات , فإن هذا ليس سببا كيلا نهتم بالدفاع عن الحريات القليلة المكتسبة و أن نناضل لنحصل على المزيد منها . إذا لم يمكننا اليوم أن نلغي النظام الرأسمالي بالكامل و ما يؤدي إليه من استغلال للعمال , فهذا ليس سببا لنتوقف عن النضال للحصول على أجور أعلى و ظروف عمل أفضل . إذا لم نتمكن من أن نلغي التجارة و أن نستبدلها بالتبادل المباشر بين المنتجين , فهذا ليس سببا كي نتوقف عن السعي وراء وسائل الخلاص من استغلال التجار و المستغلين بأكثر ما يمكننا . إذا كانت قوة المضطهدين ( بكسر الهاء ) و حالة الرأي العام تحول الآن دون إلغاء السجون و توفير أي دفاع بوسائل أكثر إنسانية ضد كل من يرتكب الآثام , فلا يجب لهذا أن نفقد الحافز للعمل على إلغاء عقوبة الإعدام , و السجن مدى الحياة , و الحبس الانفرادي , و عموما , كل الوسائل الأكثر وحشية للقمع التي يمارسها ما يسمى بالعدل الاجتماعي , لكن التي تصل في الواقع إلى مستوى الانتقام أو الثأر . إذا لم يكن بإمكاننا إلغاء الشرطة , لا يجب أن نسمح لهذا السبب للشرطي بأن يضرب السجناء و أن يسمح لنفسه بكل أشكال التجاوزات متجاوزا القيود التي تضعها له القوانين القائمة بالفعل …
سأتوقف هنا , لأن هناك الآلاف و الآلاف من الحالات , سواء في الحياة الشخصية أو الاجتماعية , عندما لا يتمكن المرء من الحصول على “كل شيء” , لكن يجب عليه أن يحاول أن يحصل على أكثر ما يمكنه .
عند هذه النقطة , يظهر سؤال ذا أهمية بالغة عن أفضل الطرق للدفاع عن ما حصلنا عليه و النضال في سبيل الحصول على المزيد , لأن هناك طريقة واحدة لإضعاف و قتل روح الاستقلال و وعي المرء بحقه , و بالتالي تهدد الحاضر و المستقبل نفسيهما , بينما هناك طريقة أخرى تستخدم كل نصر محدود للتقدم بمطالب جديدة , مهيئة العقول و البيئة بذلك لانعتاق كامل بعيد المدى .
ما يشكل سبب وجود الأناركية هو الإيمان بأن الحكومات – الديكتاتوريات , البرلمانات , الخ – هي دائما أدوات للمحافظة , الرجعية , الاضطهاد , أما الحرية , العدالة , و خير الجميع فإنه يجب أن يأتي من النضال ضد السلطة , أن يأتي من الاتحاد الحر و من الاتفاق الحر بين الأفراد و المجموعات .
هناك مشكلة تقلق الكثير من الأناركيين هذه الأيام عن حق .
حيث يجدون أنه من غير الكافي العمل على دعاية مجردة و إعداد ثوري تقني , الأمر غير المتاح دائما و الذي يمارس دون معرفة متى ستكون مفيدة , فإنهم يبحثون عن شيء ما عملي ليفعل هنا و الآن , ليحقق أكثر ما يمكن من أفكارنا بغض النظر عن الظروف غير المواتية , شيء سيساعد أخلاقيا و ماديا الأناركيين أنفسهم و سيخدم في نفس الوقت كمثال , مدرسة , حقل تجارب .
تأتي المقترحات العملية من عدة أطراف . جميعها جيد بالنسبة لي , إذا كانت تستجيب للمبادرة الحرة و لروح التضامن و العدالة , و تؤدي إلى أن تدفع الأفراد بعيدا عن سيطرة الحكومة و السادة . و لنتجنب تضييع الوقت في نقاشات تتكرر باستمرار لن تؤدي أبدا إلى حقائق أو أفكار جديدة , فإنني أشجع أولئك الذين يمتلكون مشروعا أن يحاولوا تطبيقه فورا حالما يجدون الدعم من العدد الأقل الضروري من المشاركين , دون انتظار , غير مجدي عادة , لدعم الجميع أو الأكثرية : – الخبرة ستكشف فيم إذا كانت هذه المشاريع ممكنة و ستسمح لتلك القادرة على الحياة بأن تستمر و تنمو .
دع كل فرد يحاول أن يسلك الطرق التي يعتبرها الأفضل و الأكثر ملائمة لطبيعتهم , سواء اليوم فيم يتعلق بالأشياء الصغيرة التي يمكن تحقيقها في البيئة الحالية , أو في الغد على الأرض الهائلة التي ستوفرها الثورة لنشاطنا . في أي حال , ما هو إلزامي بالنسبة لنا منطقيا , إذا لم نكن نود أن نكف عن كوننا أناركيين حقا , هو ألا نتخلى أبدا عن حريتنا و نضعها في أيدي فرد أو ديكتاتورية طبقية , أو طاغية أو جمعية تأسيسية , لأن ما يتوقف علينا في نهاية الأمر , هو أن حريتنا يجب أن تقوم على الحرية المتساوية للجميع .
إن احتمالات أنك سمعت قبل الآن شيئا عن ماهية الأناركيين وما يفترض أن يعتقدوا فيه مساوية لإحتمالات أن كل ما سمعته هراء. يبدو أن الكثير من الناس يعتقدون أن الأناركيين أنصار للعنف والفوضى والدمار، وأنهم ضد كل أنماط النظم والهيئات، أو أنهم أولئك العدميين المخبولين الذين يريدون تفجير كل شئ. في الواقع، لا شئ كهذا يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة. الأناركيون ببساطة أناس يؤمنون أن البشر قادرين على التصرف بطريقة عقلانية من غير حاجة إلى الإجبار. إنها حقًا فكرة بسيطة جدًا، لكن الأثرياء وأصحاب السلطة دائمًا ما وجدوها خطيرة للغاية.
يعمل الإعتقاد الأناركي ببساطة شديدة على افتراضين أوليين، الأول أن البشر في الظروف العادية منطقيون راقون كلما كان متاحًا لهم، ويمكنهم تنظيم أنفسهم وتنظيم مجتمعاتهم دون الحاجة إلى وصف الكيفية لهم، والثاني أن السلطة تفسد. والأهم من ذلك أن الأناركية هي مجرد مسألة امتلاك الشجاعة في القيام بالمبادئ البسيطة للأخلاق العامة التي نعيش وفقًا لها جميعًا، وأن نتبعها حتى نهاية استنتاجاتها المنطقية. والغريب رغم ذلك أنه يبدو أنك قد تكون أناركي بالفعل إلا أنك لا تدرك ذلك.
دعنا نبدأ بطرح بعض الأمثلة من الحياة اليومية:
إذا كان هناك صف للصعود إلى حافلة مزدحمة، هل تنتظر دورك وتمتنع عن دفع الآخرين بمرفقك بعيدًا عن طريقك حتى في غياب الشرطة؟
إذا كانت إجابتك بنعم، إذن أنت معتاد على التصرف كأناركي! إن مبدأ الأناركي الأساسي هو التنظيم الذاتي أي افتراض أن البشر ليسوا بحاجة إلى التهديد بالملاحقة القضائية من أجل أن يقدروا على الوصول إلى التفاهم العقلاني معًا أو أن يعاملوا بعضهم باحترام ونبل.
يؤمن الجميع أنهم قادرين على التصرف بعقلانية من تلقاء أنفسهم، وإذا ظنوا أن القوانين والشرطة ضروريين، فذلك لأنهم لا يصدقوا أن الآخرين كذلك. لكن إذا فكرت مليًا، ألا تظن أن الآخرين جميعًا يشعرون نحوك بنفس الطريقة؟
يجادل الأناركيون أن الظلم والأذى المنهجي للجيوش والشرطة والسجون والحكومات يتسبب فعليًا في أغلب السلوكيات اللا-إجتماعية التي تجعلنا نعتقد أننا بحاجة إليهم للتحكم في حيواتنا. إنها حلقة مفرغة. إذا اعتاد الناس على أن يعاملوا كأن آراءهم ليست مهمة، فإنهم أقرب إلى أن يكونوا غاضبين وساخرين، وحتى عنيفين، مما يسهل على أصحاب السلطة القول أن آراءهم ليست مهمة بالتأكيد. وما أن يدركوا أن آراءهم مهمة حقًا مثل أي شخص آخر، فإنهم يميلون إلى التوافق على نحو بارز، وباختصار: يؤمن الأناركيون أن السلطة في ذاتها وآثارها في الأغلب هي التي تجعل الناس أغبياء وغير مسؤولين.
هل أنت عضو في نادي أو فريق رياضي أو أي تنظيم طوعي حيث لا يفرض فيه قائد واحد القرارات بل تؤخذ على أساس التوافق العام؟
إذا كانت إجابتك بنعم، إذن أنت تنتمي إلى هيئة تعمل على أسس أناركية! التنظيم الطوعي هو مبدأ أناركي أساسي آخر. إنها مسألة تطبيق المبادئ الديموقراطية على الحياة العادية ببساطة، والفارق الوحيد أن الأناركيين يؤمنون أنه يجب أن يكون من الممكن هناك مجتمع حيث يمكن تنظيم كل شئ فيه بنفس الأسلوب، تقام كل المجموعات على القبول الحر لكل أعضاءها، ومن ثم تصبح كل الأنماط العسكرية الفوقية من التنظيم مثل الجيوش والبيروقراطيات والشركات الكبيرة المبنية على تسلسل القيادة غير ضرورية. قد لا تؤمن في إمكانية ذلك، وقد تؤمن حقًا. لكن كل مرة تصل إلى اتفاق بالإجماع بدلاً من الوعيد وكل مرة تقوم بتنظيم طوعي مع شخص آخر وتصل إلى اتفاق أو إلى تسوية مع وضع اعتبار ظروف واحتياجات الآخر الخاصة، فأنت تصبح أناركي، حتى لو لم تدرك ذلك.
الأناركية هي مجرد أسلوب يتصرف به الناس عندما يكونوا أحرار في التصرف بحسب اختيارهم وعندما يتعاملون مع آخرين يساوونهم في الحرية، ومن ثم يصبحوا واعين للمسؤولية المتضمنة نحو الآخرين. وهذا يقودنا نحو نقطة أخرى محورية: بينما يمكن للناس أن يكونوا عقلانيين ومراعين عندما يتعاملون مع قرناءهم، ولا يمكن الوثوق في عقلانيتهم ورعايتهم عندما تعطى إليهم السلطة على الآخرين، هكذا هي طبيعة الإنسان، أعطِ أي أحد مثل هذه السلطة، وسيستغلها على الأغلب بطريقة أو بأخرى.
هل تؤمن أن أغلب السياسيين حقراء مغرورين أنانيين ولا يهتمون حقًا بالصالح العام؟ هل تعتقد أننا نعيش في ظل نظام اقتصادي غبي وغير عادل؟
إذا كانت إجابتك بنعم، إذن أنت تقر الإنتقاد الأناركي للمجتمع القائم، على الأقل في خطه العريض. يؤمن الأناركيون أن السلطة تفسد وأن الذين يقضون حياتهم يسعون خلف السلطة هم أقل الذين يسحقونها، ويؤمنون أيضًا أن النظام الإقتصادي الحالي أقرب إلى مكافأة الناس على السلوك الأناني اللا أخلاقي أكثر من كونهم أناس مراعين ونبلاء. أغلب الناس تشعر كذلك، والفارق الوحيد أنهم لا يعتقدون أن هناك ما يمكن فعله، أو أن فعل أي شئ لن ينتهي بجعل الأمور أسوأ على أي حال، وغالبًا هذا ما يؤكد عليه خدام أصحاب السلطة المخلصين دائمًا.
لكن ماذا لو لم يكن ذلك صحيحًا؟ وهل هناك أي سبب حقًا لإعتقاد في ذلك؟ عندما تستطيع أن تختبر أن أغلب التكهنات عن ما الذي يمكن أن يحدث بدون الدول أو الرأسمالية فعليًا يتضح أنها خاطئة كليًا. لآلاف السنين عاش الناس بدون حكومات، ويعيش الناس في مناطق عديدة في العالم خارج سيطرة الحكومات حتى اليوم دون أن يقتلوا بعضهم، وغالبًا يستمرون في العيش مثلهم مثل أي شخص آخر. قد يبدو بالتأكيد أن كل ذلك في مجتمع متمدن تكنولوجي أكثر تعقيدًا، لكن التكنولوجيا أيضًا يمكن أن تجعل حل كل هذه المشكلات أسهل. في الواقع، إننا لم نبدأ في التفكير عما يمكن أن تصبح عليه حياتنا إذا نظمت التكنولوجيا حقًا لتناسب حاجات الإنسان. ما عدد الساعات التي قد نحتاجها في العمل بالفعل من أجل الحفاظ على مجتمع فعال إذا استطعنا التخلص من كل المهن المهدرة والمدمرة مثل المسوقين عبر الهاتف والمحامين وحراس السجون والمحللين الماليين وخبراء العلاقات العامة والسياسيين والبيروقراطيين وحولنا أفضل عقولنا العلمية بعيدًا عن العمل أسلحة الفضاء وأنظمة سوق الأسهم نحو ميكنة المهام الخطيرة والمضجرة مثل تعدين الفحم أو تنظيف الحمامات ثم وزعنا العمل المتبقي على الجميع بالتساوي؟ خمس ساعات يوميًا؟ أربع؟ ثلاث؟ لا أحد يعلم لأن لا أحد يسأل مثل هذه الأسئلة، وحدهم الأناركيون يعتقدون أن هذه الأسئلة تحديدًا التي يجب أن نسألها.
هل تصدق حقًا في تلك الأشياء التي تقولها لأطفالك (أو التي يقولها والديك لك)؟
“لا يهم من الذي بدأ”، “لا يصحح الخطأ بخطأ آخر”، “رتب فوضاك”، “عامل الناس كما تحب أن يعاملوك به”، “لا تكن وضيعًا مع الناس لمجرد أنهم مختلفين”. ربما علينا أن نقرر سواء إذا كنا نكذب على أطفالنا عندما نحدثهم عن الصواب والخطأ، أو أننا راغبين لأخذ نصائحنا بجدية. لأننا إذا مددنا هذه المبادئ الأخلاقية نحو نتائجها المنطقية سنصل إلى الأناركية.
لنتخذ مبدأ “لا يصحح الخطأ بخطأ آخر” مثالاً، إذا أخذت المبدأ بجدية، هذا قد يهدم وحده الأساس الكلي للحرب ونظام العدالة الجنائية. كذلك يسري الأمر على المشاركة، نحن دائمًا ما نقول لأطفالنا أن عليهم تعلم المشاركة ومراعاة حاجات الآخرين ومساعدتهم، ثم ننصرف داخل العالم الواقعي حيث نفترض أن الجميع أنانيون ومتنافسين بطبيعتهم، لكن الأناركي قد يلفت الإنتباه إلى أنه في الحقيقة ما نقوله لأطفالنا هو الصحيح. إن كل منجز مهم وعظيم إلى حدٍ كبير في تاريخ الإنسانية وكل اكتشاف حققناه في حياتنا قام على التعاون والعون المتبادل إلى الآن، إننا ننفق أغلب أموالنا على أصدقاءنا وعائلاتنا أكثر من أنفسنا، بينما من المرجح ألا يكون هناك أناس متنافسين في العالم دائمًا، ليس هناك أي سبب لأن يقوم المجتمع على تشجيع هذا السلوك، دع عنك جعل الناس تتنافس على الإحتياجات الأساسية للحياة. إن ذلك لا يخدم إلا مصالح أصحاب السلطة، الذين يريدون أن نعيش في خوف من بعضنا، لذلك ينادي الأناركيون بمجتمع لا يقوم على الإرتباط الحر ولكن أيضًا على العون المتبادل. في الواقع ينشأ أغلب الأطفال مؤمنين في الأخلاق الأناركية، ثم يدركون تدريجيًا أن العالم لا يعمل بمثل هذه الطريقة، ولذلك يصبح العديد بينهم ثائرين، أو مغتربين، أو حتى ذو ميول انتحارية في المراهقة، ثم يستسلمون أخيرًا ويصبحون ساخرين مثل البالغين، وتصبح سلواهم الوحيدة عادةً في القدرة على تربية أطفالهم وإيهامهم أن العالم عادل. لكن ماذا لو أمكنهم بالفعل البدء في بناء عالم مؤسس على قواعد العدل على الأقل؟ ألن تصبح هذه أعظم هدية قد يهديها أحد لأطفاله؟
هل تؤمن أن البشر فاسدين وأشرار بالسليقة أو أن أنواع معينة من الناس مثل النساء أو أعراق مختلفة أو أناس عاديون ليسوا أغنياء أو غير متعلمين بالقدر الكافي ذات منزلة أدنى معدة للحكم من قبل من هم أفضل منهم؟
إذا كانت إجابتك بنعم، حسنًا إذن، يبدو أنك لست أناركيًا في النهاية، لكن إذا كانت إجابتك بلا، إذن ترتفع احتمالات أنك تقر نحو 90% من المبادئ الأناركية، وربما على الأرجح تعيش حياتك عامةً طبقًا لها. كل مرة تعامل إنسان آخر باحترام ومراعاة تصبح أناركي، وكل مرة تعمل على تصفية اختلافاتك مع الآخرين للوصول إلى تسوية منطقية بالإستماع إلى ما يقوله كل فرد بدلاً من السماح لشخص واحد يقرر للآخرين تصبح أناركي، وكل مرة تكون لك فرصة في إجبار أحد لفعل شئ، لكن تقرر بدلاً من ذلك أن تناشد إدراكه العقلي أو إحساسه بالعدالة تصبح أناركي. كذلك يسري الأمر عندما تشارك صديقك شيئا أو تقرر من الذي سيغسل الأطباق، أو أن تفعل أي شئ مع النظر بعين الإعتبار إلى العدالة.
قد تعترض الآن أن كل هذا جيد وصالح كوسيلة للجماعات الصغيرة من الناس كي يتعاملوا مع بعضهم، لكن حكم مدينة أو بلد مسألة أخرى تمامًا. وبالتأكيد هذا صحيح، حتى إذا قمت بلامركزة المجتمع ووضعت كل ما تقدر عليه من سلطة في يد الجماعات الصغيرة، سيظل هناك الكثير من الأشياء التي يجب تنسيقها بدءً من إدارة السكك الحديدية إلى اتخاذ القرار بشأن الإتجاهات في البحوث الطبية. لكن ليس لأن الأمور معقدة، لا يعني أن ليس هناك وسيلة ديموقراطية لإدارتها، قد تصبح أكثر تعقيدًا فقط. لقد ابتكر الأناركيون في الواقع أفكار ورؤى مختلفة حول كيف يمكن لمجتمع معقد أن يدير نفسه، كي نشرح تلك الأفكار علينا أن نذهب بعيدًا عن إطار مثل هذه المقدمة الصغيرة. يكفي فقط أن أقول، أولاً: إن العديد من الناس قضوا الكثير من الوقت في ابتكار نماذج كيف يمكن أن يعمل مجتمع صحي ديموقراطي حقيقي، لكن ثانيًا بنفس القدر من الأهمية: لا يوجد أناركي يدعي أنه حاصل على برنامج عمل مثالي. آخر شئ نريده هو أن نفرض نموذج جاهز على المجتمع في أي حال. الحقيقة أننا ربما لن نستطيع تخيل نص المشكلات التي ستظهر عندما نحاول أن نبتكر مجتمع ديموقراطي، مع ذلك إننا على ثقة أن هذه المشكلات يمكن حلها ببراعة الإنسان شرط أنه يظل ضمن روح مبادئنا الأساسية التي هي في التحليل الأخير هي ببساطة المبادئ الأساسية للأخلاق الإنسانية.
پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.