All posts by Anarchistan ئەنارکیستان
تعريف بالاشتراكية التحررية / 8
سامح سعید عبود
أوهام وأساطير سلطوية نرفضها
أن الاشتراكية التحررية ترتكز على الدحض الكامل لمجموعة من الأساطير السائدة بقوة بين الناس،وهى تعيق تقبلهم للأناركية، ومن البديهى أنها و رغم كونها قناعات الغالبية، إلا أنها ليست بالضرورة قناعات صحيحة، ومن ثم يمكن لنا رفضها ببساطة، والتشبث بما نراه صحيحا، لأنه دائما ما كان التطور الاجتماعى نتيجة أفكار طلائع ورواد كانوا دائما يشكلون قلة اجتماعيا قبل أن تسود رؤيتهم بين الغالبية
ضرورة الدولة
يدعى السلطويون أن السلطة القمعية التى تعتبر الدولة أهم مؤسساتها، ضرورة اجتماعية مطلقة لضمان سير المجتمع وتماسكه وحمايته من أعدائه الخارجين عن قوانينه، وقواعده، وأعدائه، من الطامعين فى السيطرة عليه وغزوه، وحماية غالبية المواطنين الصالحين والطيبين من القلة الضالة والمنحرفة والخارجة عن السيطرة والقانون، وأن المشكلة ليست فى السلطة القمعية فى حد ذاتها، ولكن فيمن يمارسها، وكيف يمارسها. أما نحن فنرى أن السلطة تفسد من يمارسها، ولو خلصت نيته، وحسنت أخلاقه، و أنه من الخيالية أن نركن لوهم أن تحكمنا الملائكة البشرية التى لم يخبرنا التاريخ أنها حكمتنا من قبل، فحتى لو حكمتنا فسوف تتحول لشياطين بمجرد إحساسها بدفء مقاعد السلطة، فالسلطة تقمع وتشوه من تمارس عليهم مثلما تشوه وتفسد من يمارسوها .
هذا لا يعنى إنكار أن البشر فى أمس الحاجة دائما لتنظيم يضمن تعاونهم، وينظم نشاطهم الجماعى لتلبية احتياجاتهم المشتركة دون أن يقمعهم ودون أن يتعالي عليهم، وهو أمر مختلف تماما عن السلطة القمعية التى تتعالى عليهم، و التى تقهرهم رغما عن إرادتهم، ومن خارجهم، فهناك فرق بين سلطة إدارية تمارس للتنظيم، كسلطة رجل المرور فى الشارع، وسلطة قبطان السفينة فى أعالى البحار، وسلطة الطيار فى طائرته، وبين السلطة السياسية القهرية والمتعالية والمنفصلة عن إرادة وحرية البشر التى ترفضها الحركة الاشتراكية التحررية، وهذا الرفض لا يعنى أن الاشتراكية التحررية ضد تنظيم المجتمع عبر هيئاته التفويضية المنتخبة، و الاشتراكية التحررية بالضرورة مع وجود قوة رادعة، و قامعة للاعتداءات المخلة بأمن الناس وحريتهم وحقوقهم
http://fasail.blogspot.com
مانگرتنی گشتی لە ئیسپانیا
ئەمڕۆ 29.03.2012 مانگرتنی گشتی لە ئیسپانیا لەسەر بانگەشەی سەندیکاکانی [General del Trabajo (CGT), Confederación Nacional del Trabajo (CNT) and Solidaridad Obrera (SO) ] ئیسپانی دەستی پێیکرد، تا بڵاوکردنەوەی ئەم هەواڵە، لەبەرەنجامی پێکدادانەکاندا زیاتر لە ٥٨ کەس لە خۆپیشاندەران دەستگیر کراون و ٧ پۆلیسیش بریندار بوون.

ئەو قەیرانە ئابوورییەی کە ئێستا هەر بەردەوامە، ئیسپانیای زۆر بەخەستی گرتۆتەوە و ڕێیژەی بێکاری لە ٢٤% و میری ئەو ولاتە کەوتۆتە ژێیر فشارێیکی زۆرەوە، هەم لەلایەن تێکڕای دانیشتوانی ئیسپانیاوە، کە ماوەیەکی زۆر نزیك لەمەوپێیش بە بڕی ١٥ ملیارد یورۆ خزمەتگوزارییەکانی کەمکردنەوە و سەرەنجام کرێیکاران و فەرمانبەرانێیکی زۆر کاریان لە دەستدا و باج و نرخی پێیداویستییەکانی خەڵکیش چووە سەرەوە. لەلایەکی دیکەشەوە میری ئیسپانیا هاوکات لەژێر فشاری یەکێیتی ئەوروپا و دامودەسگە دراوییەکانیشدایە، چونکە سەرۆکشالیار (مارانو ڕەجاوی)، کە سەرۆکی پارتی Conservative People Party نەیتوانی بەپێی مانیفێیستەکەی بڕوات، کە دەسگە دراوییەکان بەسەریاندا سەپاندبوو؛ دەبێیت عەجزی میزانێی ئیسپانیا بەڕێیژەی لە 5.8% بێنێئتە خوارەوە، بەڵام ئەو دەڵێیت کە تەنیا دەتوانرێیت بەڕێژەی لە 5.3% لەبەرامبەر گەشەکردنی داهاتی نەتەوەییدا ، بهێینێیتە خوارەوە.

مانگرتن و خۆپیشاندانەکانی ئەمڕۆ لەچاو مانگرتنە گشتییەکەی سێبتەمبەری ساڵی 2010، پشتیوانییەکی زیاتری لەلایەن خەڵکییەوە لێدەکرێت، ئەم مانگرتنە لەسەر ئەوەیە، کە میری ئیسپانیا بڕیاری داوە بە بڕی ٤٠ ملیارد یورۆی دیکە لە بودجەی بیمەکانو خزمەتگوزاریەکان کەم کاتەوەو گەلێیکی تریش لە کرێیکارانو فەرمانبەران بێیکار بکات هەروەها باجیش لەسەر خەڵک سەربخا ت، بێ لەمانەش دەیەوێت یاسایەکی تازەش دابنرێیت، تاکو دەرکردنی کرێیکاران و فەرمانبەران ئاسان بکات و مافێکی ئاواشیان نەبێت و دەستکاری بەند و مەرجی کۆنتراکتی پەیوەستی نێیوان کرێکاران و خاوەنکار و ۆمپانییەکان ، کە ئێیستا کار دەکەن، بە زەرەری کرێیکاران و لە قازانجی خاوەنکار و کۆمپانییەکان، دەستکاری بکات.

مستشفيان يونانيان تحت سيطرة العمال
ترجمة: مازن کم الماز
“لقد احتللنا مستشفياتنا العامة من أجل القيام بدمقرطة عميقة و حقيقية , ستجعل المجتمع قادرا على أن يقرر مصيره ثانية”
في مواجهة وضع اقتصادي مريع و بعد أن كانوا شاهدين على تغيرات اجتماعية و اقتصادية كبرى في بلادهم , قام عمال الصحة في اليونان باحتلال مستشفيين عامين , معارضين بذلك إجراءات التقشف القاسية التي تبنتها الحكومة اليونانية في السنتين الأخيرتين .
المستشفى العام في كيلكيس ( شمال اليونان ) هو تحت سيطرة العمال الكاملة منذ 6 فبراير شباط . أكد المستخدمون أنهم “انطلاقا من إدراك كامل لمهمتنا الاجتماعية و التزامنا الأخلاقي المرتبطين بعملنا , سنحمي صحة المواطنين الذين يأتون إلى مستشفانا , و سنوفر الرعاية المجانية للذين يحتاجونها” , و طالبوا الحكومة في نفس الوقت “بأن تلتزم أخيرا بمسؤوليتها , و أن تتجاوز انعدام حسها الاجتماعي الذي تجاوز كل الحدود” .
شدد العمال في المستشفى العام في كيلكيس على أن احتلالهم للمستشفى لن ينتهي حتى الدفع الكامل لكل مستحقاتهم و حتى تعود رواتبهم لمستواها قبل الاقتطاعات . قالوا أنهم يجيبون على “فرض الفاشية بالديمقراطية” بوضع المستشفى “تحت السيطرة الكاملة و المباشرة” للعمال حيث يكون “الجهاز الوحيد المسؤول لاتخاذ القرارات ذات الطبيعة الإدارية هي الجمعية العامة للعاملين فيه” .
بعد أسبوع في 13 فبراير شباط بدأت نقابة ( اتحاد ) أطباء مستشفى ريثمون و نقابة العمال احتلال مستشفاهم العام و إدارته ذاتيا ردا على التراجع في مستواه الذي نتج عن دمجه بمستشفى تشانيا . معلقة على الدمج المقترح قالت نقابة الأطباء أن مستشفى تشانيا قد خصص للمنطقة الغربية من كريت و هذا سيؤدي أوتوماتيكيا إلى الحد من عمليات المستشفى في ريثمون . بحسب الوثائق الحكومية , سيضمن الاندماج عمل الأقسام و الوحدات في واحد فقط من هذين المستشفيين و سيؤدي لإغلاق بعض الأقسام في مستشفى ريثمون . و سيؤدي أيضا إلى تحويل المرضى من الريف المجاور من أجل التشخيص و العلاج لعدم وجود قسم مخصص لعلاج طبي متقدم و يجب على المرضى و على الحالات الحرجة أن تذهب إلى تشانيا . أخيرا يتضمن الدمج نقل الخدمات الإدارية و بعض الخدمات الأخرى لتغطية نقص الكادر في المستشفى المركزي .
شدد العمال على أن “الوصف السابق يصف أوضاع العمل الحقيقية في المستشفى المدمج و يعبر مرة أخرى عن الاستهتار بالناس و المرضى في تلك المنطقة . أكثر من ذلك , قالوا أنهم يعتبرون كل “الممثلين السياسيين للمنطقة و كل المتحدثين السياسيين الذين يدافعون عن الحفاظ على البنوك في مواجهة حياة البشر أنهم “غير مرغوب بهم” و قالوا أن المستشفى سيبقى تحت سيطرة الجمعية العامة حتى إسقاط السياسة النيوليبرالية .
أخيرا و ليس آخرا , يطالب العمال في كلا المستشفيين العاميين المحتلين بكل دعم ممكن و يدعون المجتمع و العمال المتضررين من الأزمة الاقتصادية للقيام بأعمال مشابهة , “حتى انتصارنا النهائي على النخبة الاقتصادية – السياسية التي تضطهد هذا البلد و تدمر العالم” .
نقلا عن نشرة المقاومة الشهرية التي تصدرها الفيدرالية الأناركية – بريطانيا عدد مارس آذار 2012
http://www.afed.org.uk/publications/resistance-bulletin/280-resistance-bulletin-issue-139-march-2012.html
http://libcom.org/library/struggle-self-management-open-letter-comrades
تعريف بالاشتراكية التحررية / 7
سامح سعید عبود
لماذا نحن اشتراكيون تحرريون؟
التحررية دون الاشتراكية تؤدى إلى الاستغلال والقهر، والاشتراكية دون التحررية تؤدى إلى الاستغلال والقهر أيضا، ومن هنا ترى الحركة الاشتراكية التحررية أن الانفصال بين هدف تحرير الأفراد، و بين هدف المساواة فى الحقوق فيما بينهم، يعنى فى النهاية استمرار كل من استعبادهم واستغلالهم بأشكال مختلفة، إلا أنه يحدث مرة باسم الحرية الفردية كما فى الرأسمالية الفردية، ومرة أخرى باسم المساواة كما فى اشتراكية الدولة، ومن ثم نرى أنه من البديهى أننا لو منحنا الحرية للأفراد على إطلاقها مثلما هى للحيوانات فى الغابة، لتحولوا لوحوش وفرائس، يفترس ويستغل ويقهر الأقوياء فيهم الضعفاء، ولو ساوينا بينهم دون اعتبار لإرادتهم الفردية لقمعنا حريتهم
انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية لغرب يدعى التحررية، وشرق يدعى الاشتراكية، والحقيقة أن ما كان فى الغرب لم يكن أبدا إلا حرية الرأسماليين فى استغلال العمال وقهرهم، وأن ما كان فى الشرق لم يكن أبدا اشتراكية بل كان قهر البروليتاريا واستغلالها من قبل الدولة لصالح كبار رجالها و إدارتها الذين يطلق عليهم البيروقراطيين.
فما هى تلك الحرية فى ظل التحررية الرأسمالية؟، سنجد أننا لو أخذنا أحد مبادئها مثلا، وليكن أن جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وأن جميع المواطنين لهم الحق على قدم المساواة فى اللجوء للقضاء، فلنرى إذن ماذا يحدث واقعيا لو نشب نزاع بين مواطنين غير متساوين فى قدراتهم الواقعية، مالية كانت أو أدبية، رغم مساواتهم القانونية، بالطبع لهم الحق فى اللجوء للقضاء، إلا أن الطرف الأقوى هو الأقدر على أن يستأجر أكفأ المحامين، وأن يرشو القضاء لو استطاع أن يؤثر عليه بما له من قدرات أو نفوذ، وربما عجز الطرف الأضعف عن الدفاع عن نفسه، وعن تكليف محامى كفء لشرح دعواه، و إقناع القضاء بها، فالقانون دائما كان مجرد سيف يصنعه الأقوياء ليسلطوه على الضعفاء فحسب.
من ناحية أخرى، من هم الذين يشرعون القوانين، ويصدرون القرارات واللوائح، ويتابعون تنفيذها، والحكم بها ؟، أليسوا هم أعضاء البرلمان والوزراء والرؤساء والحكام، وفى هذا الخصوص تعطى التحررية الرأسمالية جميع المواطنين حق الترشيح لتلك المناصب العامة على قدم المساواة لكل المواطنين، ولكن كل من الرأسمالى والبيروقراطى والمرشح المعبر عن مصالح الرأسماليين والبيروقراطيين هو وحده القادر على الاستمتاع بهذا الحق عمليا، فى حين تحرم منه البروليتاريا والمرشحين المعبرين عن مصالحها، فالرأسماليون والبيروقراطيون فقط هم القادرين على تمويل حملاتهم الانتخابية، بما يملكوه من أموال ونفوذ، و هم القادرين على شراء ولاء المرشحين المستعدين للتعبير عن مصالحهم بتمويل حملاتهم الانتخابية، وتسخير الإعلام لتسويقهم بين الناخبين، وهم لكل هذه الأسباب لهم الفرصة الأكبر فى النجاح فى الانتخابات لتلك الوظائف العامة.
وما هى اشتراكية الدولة؟، ألم تكن حكم المواطنين بأجهزة الأمن، وترويضهم بأجهزة الإعلام، التى ساعدت البيروقراطيين فى استغلال البروليتاريا، والاستمتاع بالامتيازات المختلفة على حسابها، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى ألا تنتج البروليتاريا إلا ما يريده البيروقراطيون، وبالكيفية التى يريدونها، بعيدا عن ما يحقق الرفاهية للبروليتاريا، وبعيدا عن سيطرتهم على ظروف عملهم وحياتهم، كما كانت تبشر بذلك الاشتراكية فى أصولها، وما هو الفرق الحقيقى بين بروليتارى يعمل لدى الدولة دون أى حقوق نقابية، وبين بروليتارى يعمل لدى الرأسمالى، فى كلتا الحالتين نراه لسد حاجته للطعام، يتنازل عن حريته ووقته وجهده، مرة للرأسمالى، ومرة لبيروقراطى الدولة، ألم تكن اشتراكية الدولة تلك تعنى إهدار الموارد، فى سباق التسلح و غزو الفضاء فى حين كان منتجى الثروة من البروليتاريين لا تتوفر لهم الكثير من سبل الحياة الكريمة ؟، ألم تكن تلك الاشتراكية تعنى استعباد ملايين البروليتاريين فى معسكرات للعمل؟، فالاشتراكية لا يمكن أن تعنى شيئا مهما للبروليتارى، لو لم تكن هى الحق المطلق للبروليتاريين باعتبارهم منتجى الثروة فى التحكم فى ظروف حياتهم وعملهم، و الاستمتاع بما ينتجوه من ثروات، ولو لم تكن تحريرهم من نظام العمل المأجور، ولكن ما حدث أن اشتراكية الدولة لم تقدم ما وعدت البروليتاريا به، بل قدمت نموذجا كئيبا للحياة، ولم تترك لهم فرصة الإبداع والمبادرة والحرية، فما كان أسهل أن يخسروا ما روضتهم به الدولة من مكتسبات قليلة بالمقارنة بما كان يتمتع به البروليتاريين فى الغرب الرأسمالى.
لم يكن ما حدث هنا أو هناك، أو ما تطورت إليه الأمور فى كلا المعسكرين مفاجأة للاشتراكيين التحرريين بل كان جزء من انتقاداتهم التقليدية لكلا النظامين، وتنبؤاتهم الفكرية بسقوطهما، فالحرية الفردية لأفراد غير متساوين واقعيا تعنى خضوع الأطراف الضعيفة لإرادة الأطراف القوية، ومن ثم إتاحة الفرصة للأقوياء لاستغلال الضعفاء وقهرهم، والمساواة بين أفراد غير أحرار يعنى قدرة من سلبوهم تلك الحرية فى أن يستغلونهم فضلا عن قهرهم، وأن يتمتعوا بامتيازات لا يتمتع بها عبيدهم.
أي نوع من الديمقراطية يحتاجها العالم العربي ؟
خوسيه أنطونيو غوتيريز
ترجمة: مازن کم الماز
قلت في مقالة سابقة أن الأحداث التي تهز العالم العربي اليوم تشبه تلك التي هزت العالم في عام 1989 ( 1). ليس فقط أنه يمكن إيجاد تشابه بينها في عمق و مدى الاستياء على رقعة جغرافية ضخمة , بل أيضا لأن هذه العاصفة من الغضب الشعبي تطرح تساؤلا فيما يتعلق بتركيبة ( بنية ) جغرافية محددة كان يعتقد حتى اليوم أنها صلبة كالفولاذ . في حالتنا هذه , كانت هذه الديكتاتوريات قديمة العهد قد شكلت و دعمت و تعززت وفق المصالح الجيو – إستراتيجية للولايات المتحدة ( و شريكها الأصغر , الاتحاد الأوروبي ) في منطقة ذات أهمية استثنائية فيما يتعلق بالنفط خاصة . في عام 1989 كانت النتائج السياسية للمظاهرات عميقة و طويلة الأمد – لم يعن سقوط الأنظمة “الاشتراكية الفعلية” فقط سقوط بعض الديكتاتوريات البيروقراطية الكريهة , بل و بسبب الضعف النسبي لليسار التحرري و الثوري الحقيقي , مثل سقوطا لمجموعة من القيم و الآفاق السياسية ؟؟ التي ربطت على نحو غير صحيح مع الكتلة السوفيتية , و الصعود الجامح لليبرالية الجديدة كنظام لا ريب فيه في المجال الاقتصادي , السياسي , القيمي و الإيديولوجي .كانت هذه نهاية التاريخ بحسب بعض المحامين الشرسين “للنظام العالمي الجديد” . لكن التاريخ بقي يكتب , كما جرى بشكل دراماتيكي في سياتل 1999 من قبل الحركة المناهضة للعولمة . و عندما كانت هناك حاجة للمزيد من الاحتجاجات كانت هناك موجة النضالات المباشرة بين عامي 2000 و 2005 في أمريكا الجنوبية التي تحدت أسس هذا النموذج , حيث لعبت الشعوب , الطبقات المضطهدة و المستغلة , الأدوار الرئيسية في هذا التاريخ .الأحداث في العالم العربي التي حبست أنفاسنا في الشهرين الماضيين هزت النظام العالمي الجديد في واحدة من أقوى حلقاته – تلك الديكتاتوريات التي حافظ عليها “العالم الحر” لعقود لتؤمن التدفق المتواصل للنفط و ليحتفظ بموطأ قدم عسكري في منطقة ذات أهمية اقتصادية و جيو – إستراتيجية هائلة لصالح الإمبراطورية . هذه الانتفاضات تجري في قلب الرأسمالية العالمية , حيث يبقي تدفق النفط استمرار التجارة و الصناعة الدوليتين . إنها تجري في دول جميعها من الحلفاء المقربين لواشنطن , من هنا يأتي المحتوى المعادي للإمبريالية لهذه الاحتجاجات ( حتى الديكتاتور الليبي , القذافي , كان قد أصبح شريكا مقربا للولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي في مرحلة “الحرب على الإرهاب” ) . و جميعها بلدان قد تآكلت بفعل تناقضات داخلية مؤثرة , حيث تواجد الجوع إلى جانب نمو الاقتصاد الكبير ( الماكرو ) و تزايد ثراء الأسر الحاكمة . لكن هناك شيئا آخر – إنها في نفس الوقت تتحدى و تهز الأسس السياسية للنظام . أولئك الذين ينادون “بالديمقراطية” قد استفزهم الجدال السياسي الشديد على المستوى الدولي عن المضمون السياسي لهذا التعبير المطاط ( الفضفاض ) كما في تعبير “الديمقراطية” . قبل كل شيء لأن “الديمقراطية” التي يتحدث عنها الليبراليون أصحاب البذلات و أربطة العنق في دهاليز السلطة ليست نفس الديمقراطية التي في أذهان الناس المتظاهرين في الشوارع .
مفهومان متناقضان عن الديمقراطية
إن صورة اضطلاع العامة ( الجمهور ) بدور قيادي في السياسة هي أسوأ كابوس للطبقة الحاكمة التي تعني “الديمقراطية” بالنسبة لها الحفاظ على البنية القانونية و الاقتصادية التي تدعم امتيازاتها الحصرية . لذلك ليس من قبيل المصادفة أن الإعلام الرأسمالي كان يبث الدعوات إلى “الاستقرار” و “النظام” , إلى جانب الدعم الرسمي للحاجة إلى الديمقراطية في البلدان العربية ( “متناسيا” دعمه التقليدي للأتوقراطيات ( أو الأنظمة الاستبدادية ) المحلية ) . مثلا في El Mercurio ( 11 فبراير شباط ) كتب ديفيد غالاكر ملاحظة نمطية : “لا يمكنك أن تحكم أي بلد من الشارع , على الرغم من كل الأوهام التي تقول عكس ذلك و التي يحملها بعض مثقفي الديمقراطية المباشرة المتطرفة التشاركية” . آراء كهذه جرى التعبير عنها بالجملة في الإعلام الرسمي .
من المثير للاهتمام هنا ذكر ممارسة الحكم من الشارع , حيث أنها تظهر الحدود الضيقة للديمقراطية البرجوازية الشكلية . دعونا نوضح بعض المفاهيم ( الأفكار ) التي استخدمها غالاكر : عندما تحدث عن الشارع , فإن ما فعله هو مساواته بالشعب . عندما قال أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون شكلا تشاركيا “متطرفا” , فإنه قصد أن الطبقة العاملة ( “المتطرفة” في معارضة الطبقة التي يمثلها ) يجب أن تستبعد من اللعبة الديمقراطية . لنفس هذا السبب علينا أن نستبعد الفقراء و العمال وفقا لفكرته عن الديمقراطية من أي مشاركة مباشرة في إدارة شؤونهم , إنهم يحاولون لذلك أن يتخذوا مظهر “الجدية” و “الاحترام” لكي يخفوا المصالح الطبقية لهذه الرؤية .
في مقال له عن الانتفاضات العربية , يضع الكاتب الأوروغواياني راؤول زيبيتش اليد على الجرح :
“يظهر النظام بشكل جيد أنه يمكنه أن يعيش فقط من خلال سلطة دولة ما , حتى أكثرها “راديكالية” أو “عداءا للمؤسسة أو للنظام” , لكنه لا يتحمل وجود الناس في الشوارع . يمكننا أن نقول أن الناس في الشوارع هم المفتاح في أعمال تراكم رأس المال , لذلك كانت من بين أولى “الإجراءات” التي اتخذها الجيش ( المصري ) بعد أن انسحب مبارك إلى سكنه التقاعدي هو مطالبة الناس بترك الشوارع و العودة إلى العمل” . ( 2 )
الشارع هو المكان الأفضل حيث يجري التعبير عن السلطة من الأسفل . إنه مكان رمزي حيث يخوض فيه الناس معركتهم حتى الموت مع من هم في الأعلى . هناك حيث يختبرون الأساليب البديلة لمعالجة “الشؤون العامة” . في كل مرة اندفع فيها الناس إلى منصة التاريخ من خلال احتجاجاتهم فإنهم دائما – من خلال ممارسة الديمقراطية المباشرة – أوجدوا مؤسساتهم الخاصة بهم خارج المؤسسات الرسمية , الدولة , و في معارضتها . هذه هي الحال منذ الثورة الفرنسية , عندما شكلت البروليتاريا في عام 1792 أول كومونة لها في باريس و أقام الشعب ( أو الناس People ) أجهزة للديمقراطية المباشرة الوليدة , فقط ليشاهدوا كيف جرى الاستيلاء عليها فيما بعد , و سحب الاعتراف منها و أخيرا سحقها على أيدي البرجوازية اليعقوبية في نضالها ضد النظام القديم .
للديمقراطية حدود دائما و البرجوازية تعرف هذا – المشكلة في من سيضع هذه الحدود . في اليونان الكلاسيكية , حيث ولد المفهوم ( مفهوم الديمقراطية ) كانت الحقوق الديمقراطية امتيازا فقط “للمواطنين” , أقلية من السكان الذين عاشوا من عمل الأكثرية المستعبدة . في الديمقراطيات الغربية , و لفترة طويلة , حرمت المستعمرات ( المستوطنات ) التي أطعمت المدن من الديمقراطية أو حرم منها العمال المحليون الذين كانوا دون ملكية أو تعليم . في إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كما تقول الفكرة السائدة يستبعد الفلسطينيون تماما من نعم الديمقراطية . في الولايات المتحدة نفسها , الدولة الأكثر “ديمقراطية” في العالم ( كما تقول ) و على الرغم من انتخاب رئيس أسود البشرة مؤخرا , فإن واحدا من كل أربعة رجال أمريكيين من أصل أفريقي يقاسي في السجون الأمريكية المنتشرة , و الكثير منهم ينتظر الإعدام . الآخرون يعيشون في معظم الحالات في غيتوهات , بينما يعمل نظام الحزبين كالسحر لصالح النخبة العسكرية الصناعية . دعونا نأخذ أي ديمقراطية غربية على سبيل المثال , ما تسمى بالديمقراطيات “التمثيلية” , قم باستطلاع بسيط عن الطبقة الاجتماعية و جنس غالبية البرلمانيين , النتيجة ستكون ساحقة , أنهم ذكور من الطبقة الرأسمالية . يشكل الرأسماليون أقلية صغيرة جدا من المجتمع , لكن معظم البرلمانيين منهم . ستلاحظ أيضا أن المجموعات الأثنية أو القومية المضطهدة غير ممثلة أيضا . تجري حماية الماكينة الانتخابية و المؤسساتية بألف خدعة لمنع تمثيل حقيقي للشعب ( أو الناس People ) .
على العكس من ذلك فإن مفهوم الديمقراطية التشاركية أو المباشرة هو القطب المناقض لمفهوم الديمقراطية التمثيلية كما تدافع عنها الطبقة الرأسمالية و متملقيها . يجري تحديد حدودها من قبل الجماهير ( الناس , الشعب People ) الثائرة ( و المنظمة ) , التي تكتسب خلال الصراع وعيا جديدا بقدراتها و بوجودها . الديمقراطية المباشرة في الثورة الفرنسية بين عامي 1792 و 1793 فرضت حدودا على المضاربين , و قوت لبعض الوقت الصراع ضدهم . كل الخبرات السابقة لسلطة الشعب و للديمقراطية المباشرة التي حدثت على مدار التاريخ استبعدت فكرة الاستغلال الاقتصادي . المشاركة المباشرة لكل عضو في المجتمع , الممارسة الجماعية للسلطة , أغرقت الأقلية الرأسمالية في بحر مصالح الناس ( الشعب ) التي جرى التعبير عنها بكل حرية و بشكل مباشر . ليس من قبيل المصادفة لذلك أن تتجاهل الديمقراطية المباشرة التمييز بين السياسي و الاقتصادي ( هذا هو أسوأ رعب للرأسماليين ) و تتجه نحو جمعنة الملكية . الشارع هو مكان رمزي هام . لكنه غير كافي بحد ذاته . تدريجيا ينتهي الناس دوما بإدراك أن “الديمقراطية” , ديمقراطيتهم المباشرة التي ظهرت في إطار النضال , تشتمل أيضا على جمعنة الأعمال , المناجم , الأرض , المعامل و المكاتب .
عندما يتولى الناس مسؤولية شؤونهم , فإننا نرى بوضوح أنه لا يمكن أن توجد مساواة سياسية دون مساواة اقتصادية .
الديمقراطية المباشرة في اللجان الشعبية
في مصر , كما في كل مكان من العالم العربي , ظهرت اللجان الشعبية التي أظهرت القدرة السياسية للطبقات العاملة . إن غالاكر مخطئ عندما يقول أنه لا يمكن حكم بلد ما من الشارع . في الواقع كان “الشارع” في مصر و تونس و لعدة أسابيع المكان الوحيد للحكم .
هناك الكثير من شهود العيان على كيف مورست الديمقراطية المباشرة من خلال اللجان الشعبية في مصر و تونس و ليبيا , نعرف عنها بفضل المراسلات الجيدة لبعض المراسلين العالميين . دعوني أقتبس إحداها من “كومونة ميدان التحرير في القاهرة” التي أعتبر أنها نموذجا جيدا عن شهادات العيان هذه :
“انطلق المصريون من كل الفئات الاجتماعية بشكل طوعي لتنظيف الشوارع , و توجيه المرور في وقت الظهيرة , منسقين تنظيم الدوريات في الأحياء مع وقوع الحوادث الأولى للنهب و منظمين حتى لجان الدفاع الذاتي في أثناء مواجهات الثاني من فبراير شباط مع البلطجية , منظمين نقاط للتفتيش و مواقع للمراقبة , و مستشفيات مؤقتة لمعالجة الجرحى ( .. ) لم يتردد الناس في أن يتشاركوا أو يعطوا القليل الذي يملكونه من طعام أو شراب .
متغلبين على إرث طويل من العداء و الشك المتبادل على أساس الفوارق الطائفية , كانت هناك مصر واحدة لكل شخص في ميدان التحرير : للرجال و النساء , الصغار و الكبار , المسلمين و المسيحيين . حوار حي و مفعم بالقوة – حر و زاخر بالمعاني , ملأ فجأة كل الزوايا الأربعة لميدان التحرير , ناقلا عن طريق مكبرات الصوت كل طيف الآراء و الأفكار السياسية الحاضرة . أي تبني عام لأية مقترحات جرى بشكل ديمقراطي من خلال تصويت الأغلبية المباشر ( .. )
في لحظة ما صوت سكان ميدان التحرير فيما إذا كان يجب أن ينتخبوا ممثلين عنهم ليتخذوا القرارات المصيرية نيابة عن حركة الاحتجاجات , لقد صوتوا بشكل ساحق و حازم بلا على هذا الاقتراح” ( 3 ) .
هذه الشهادة تتطابق مع غيرها من الشهادات التي نشرت عن هذه اللجان , التي تذكر بانتشار المؤسسات الديمقراطية المباشرة في الأرجنتين بعد أزمة ديسمبر كانون الأول 2001 و الانتفاضة الشعبية التي صاحبتها . حتى صحيفة “الإيكونوميست” المحافظة قالت ( 5 – 11 مارس آذار 2011 ) دون أن تذكر صراحة اللجان الشعبية في ليبيا , بل مشيرة فقط إلى حالة التنظيم في “المناطق المحررة” أن :
“في المناطق التي تحت أيدي الثوار , لم يكن الخوف من الانزلاق إلى الفوضى حقيقيا . فرغم نقص أفراد الشرطة , لم تزداد الجرائم . لم تبلغ الطالبات اللواتي حضرن الاحتفالات عن وقوع أي تحرش . لأسبوعين تقريبا , كان أصحاب المطاعم يقدمون الشاي و السندويشات مجانا . ليظهروا إحساسهم الجديد بالتآخي عرض أصحاب الأعمال أن يقوموا بكنس الشوارع” ( 4 ) .
من المؤكد أن الديمقراطية المباشرة التي انتصرت في الشارع ليست علاجا شافيا لكل الأمراض , لوحدها , أو لحل جميع المشاكل التي تواجه الشعوب العربية بطريقة سحرية . لا البطالة و لا انعدام المساواة المتزايدة , و لا أسعار الطعام المرتفعة أصلا و التي ارتفعت أكثر . تظهر المواجهات بين المسيحيين و المسلمين في مصر هذا الأسبوع أن التفرقة الطائفية لم يتم التغلب عليها نهائيا . لكن الديمقراطية المباشرة تخلق فضاءات ( مجالات ) عامة يمكن أن تصبح فيها المطالب الشعبية إعصارا مدمرا , و قيادة جماعية تسعى إلى دفع المساواة و الجمعنة .
الثورة في العالم العربي – ليس فقط وضع نهاية للديكتاتوريات
بينما تستحضر الولايات المتحدة و دماها في المنطقة شبح القاعدة لكي تخلق عدم الثقة بين الناس في الغرب تجاه إخوتهم و أخواتهم العرب , فإن الانتفاضة في البلدان العربية استطاعت أن تبلغ مستويات غير متوقعة من القدرة على البقاء , ذاهبة أبعد بكثير من المطالب المحدودة لتغيير حكومة ما . كتب الصحفي مايكل جانسن في “Irish Times” ( 4 مارس آذار 2011 ) مقدما نظرة سريعة على التغييرات الهائلة داخل المجتمع المصري التي جرت في ظل الحكومة الانتقالية و كيف أن رياح التغيير لم تترك أي شخص في حالة المتفرج
“شكل طلاب المدارس الثانوية حركة تدعو لإعادة النظر في النظام التعليمي المصري . تطالب المنظمات النسوية بحقوق متساوية و تمثيل كامل في الحكومة و المجتمع المدني . يطالب الصحفيون بإنهاء التقييدات على الإعلام و إبعاد المحررين و أعضاء المجالس الذين دعموا الخط الحكومي في ظل نظام مبارك” .
“دعا الشيوخ , المبشرون , و طلاب أقدم مؤسسة مصرية أي جامعة الأزهر إلى تحريرها من ألف عام من سيطرة الحكومة . أصحاب العمائم الثوريون يصرون على أن يجري انتخاب شيخ الأزهر , الذي هو مدير جامعتها و أكبر رجل دين سني في العالم , و بقية المراكز المهمة و لفترات محددة عوضا عن أن يعينوا مدى الحياة …
الأساتذة , العاملون في الخدمة المدنية , أساتذة الجامعات , المحامون , القضاة و العمال في المصانع العامة و تلك التي تمت خصخصتها يعبرون عن غضبهم نحو المسؤولين , و المدراء غير الأكفاء و ضد الفساد المنتشر . عشرات الآلاف من العمال في صناعة النسيج , شركات الاتصالات , معامل الحديد و الفولاذ , و المشافي , و الجامعات و الصناعات العسكرية , و قناة السويس , شرعوا بالإضراب , في البداية دعما للحركة الديمقراطية و بعد ذلك للمطالبة بأجور أعلى و ظروف عمل أفضل . و يدعو العمال إلى حل اتحاد النقابات المصري الحكومي . و في يوم الأربعاء أسست عدة نقابات اتحادا ( نقابيا ) مستقلا” ( 5 ) .
مثل صندوق بندورا فتحت الثورة العربية الباب أمام كل تلك المطالب و الشكاوى التي قمعت لعقود , إن لم يكن لقرون . لقد خلقت الجماهير حركة تاريخية فريدة , رافعة تاريخية لتشكيل المستقبل . و قد أثبت الشعب أنه لاعب قوي , رغم شبابه و انعدام خبرته النسبي . أولئك الذين يصوغون الديمقراطية العربية المباشرة اليوم يحضرون لتحقيق قفزة نوعية في ثورتهم , لكي يحولوها إلى ثورة اجتماعية رائعة على المدى المتوسط .
لهذا فإن كلا من الطبقات الحاكمة المحلية و عملاء النظام السابق , إلى جانب أسيادهم الإمبرياليين يضعون احتواء الديمقراطية المباشرة كأول مهمة أمامهم من خلال عملية “الانتقال” أو “المأسسة” و “الإصلاحات الديمقراطية” التي ستغير المضمون التشاركي لهذه الانتفاضات , دافعة إياها نحو “ديمقراطية تمثيلية” آمنة و عديمة الخطر . هذا هو سبب وجود كل تلك الحكومات الانتقالية المدني منها أو العسكري – أن تكون وجها مقبولا للثورة المضادة .
التحدي القادم , نشر و تجذير الثورة
تعرف الولايات المتحدة أن ما يدور الصراع عليه اليوم هو حديقتها الخلفية . رئيس هيئة الأركان المشتركة مايك موان , اعترف أنه قد جرت تغييرات سريعة في المنطقة و أنهم لا يحاولون فقط ملاحقة الأحداث بل و أن يؤثروا في مجرى الأمور ليدفعوها في الاتجاه الذي يريدونه وفقا لمصالحهم الخاصة ( 6 ) . و هم سيتلقون المساعدة في هذا الخصوص من الحكومات “الانتقالية” و الديكتاتوريات التي ما زالت ممسكة بزمام السلطة , عارضين إصلاحات شكلية فقط . لكن ما تزال أمامهم مهمة عسيرة و شاقة , لأن الجماهير العربية لا تبدي أدنى إعجاب أو حماسة “لطريقة الحياة الأمريكية” . أكثر من ذلك فإن الاستياء من الأمريكان , كداعمين أساسيين لأنظمة الاستبداد المحلية , ضروري لفهم الاحتجاجات العربية . إن عقودا من المشاركة مع إسرائيل و من التعاون مع السياسات الطائشة للإمبريالية الأمريكية في المنطقة ساعدت بلا شك في تآكل شرعية هذه الأنظمة ( 7 ) . هذا ما عنيناه بالمحتوى المعادي للإمبريالية الذي لا يمكن إنكاره لكل هذه الاحتجاجات , و هو شيء لاحظه حتى الديكتاتور اليمني علي عبد الله صالح نفسه مؤخرا في بادرة من الديماغوجية و النفاق المريع , في مؤتمر في العاصمة صنعاء عندما قال أن كل هذه الأحداث هي من عمل تل أبيب لخلق عدم الاستقرار في العالم العربي , و أن كل شيء “يجري التحكم به من قبل البيت الأبيض” ( 8 ) . لقد قال هذا لأنه يعلم الاستياء العميق في المنطقة من حليفه الأمريكي و كان يحاول أن يستغله بشكل سخيف – بينما يضع في نفس الوقت 300 مليون دولار في جيبه يستلمها من البيت الأبيض نظير مشاركته في “الحرب على الإرهاب” . لم يتأثر أي إنسان في العالم العربي بهذه الديماغوجية الخرقاء , حتى لو بدت الأمور خارج العالم العربي مختلفة بعض الشيء , و كان لها بعض الأثر على بعض أقسام اليسار , خاصة إذا أخذنا بالاعتبار الأحداث في ليبيا ( 9 ) .
لم تنته الثورات بعد في البلدان العربية , و لا حتى في تونس أو مصر . حتى ربما أنها هي أقل في هذين البلدين . الثورة , هذا الاستيقاظ العظيم للشعوب العربية , قد بدأت للتو , كما يظهر في الاحتجاجات التي أجبرت في الأسابيع الأخيرة فقط اثنين من رؤوساء الحكومات المعينين حديثا – التونسي محمد الغنوشي ( مع 5 من أعضاء حكومته ) , و أحمد شفيق في مصر , على الاستقالة . تستمر الاحتجاجات الشعبية لتسعى إلى استبعاد كل عناصر النظام القديم و إلى تفكيك جهازه الأمني و تطبيق قائمة طويلة جدا من المطالب الشعبية .
كما تذكرنا تجربة الأرجنتين , فإن مراحل الأزمة المفتوحة هذه مائعة نسبيا , و التغييرات السياسية شائعة في هذه الأوقات , و إذا لم يتمكن بديل الشعب من الانتصار فإن بديل الطرف الأقوى سرعان ما ينتصر و يستعيد الأرض التي فقدها . ما لا يمكن استمراره هو أزمة سياسية طويلة الأمد . و هنا يجب أن نذكر كلمات رفيقنا السوري مازن كم الماز الذي قال أن “اللجان الشعبية يجب أن تصبح أساسا لحياة جديدة , و ليس فقط إجراءا مؤقتا” ( 10 ) .
هذه اللجان هي الأساس لديمقراطية جديدة للشعب , ديمقراطية مباشرة و تشاركية , تقوم على التجمعات ( الاتحادات الشعبية ) التي تبنيها النساء و الرجال يوما بعد يوم في خضم الثورات العربية .
لكن التحديات ليست سهلة بأي حال من الأحوال . كيف يمكن أن نحول هذه الخبرات أو التجارب مع الوقت بحيث تصبح شيئا أكثر من مرحلة عابرة في النضال , نواة لمجتمع جديد ؟ كيف يمكننا أن نضمن أن هذه الاقتراحات غير المنسقة و المحلية ( الفئوية ) يمكن أن تنضج في مشروع اجتماعي بديل ؟ لدى الشعوب العربية القدرة على أن تعمق و تجذر الحركة ( تجعلها أكثر جذرية أو راديكالية ) , إضافة إلى أن تتقدم وراء الأزمة الحالية . إنهم واعون لأن الإصلاحات الشكلية لهذه “الحكومات الانتقالية” التي يعرفونها , هي في النهاية مجرد طريقة لاحتواء الجماهير . فقط الوقت سيظهر كيف يمكن حل الأزمات , لكن ما هو واضح أنه كيفما سار الوضع , فلن تكون الأمور هي نفسها بالنسبة للشعوب العربية أو لبقية العالم .
الهوامش
1 – http://www.anarkismo.net/article/18678
2 – //alainet.org/active/44376
3 – http://www.socialistproject.ca/bullet/467.php#continue
4 – http://www.economist.com/node/18290470?story_id=18290470
5 – http://www.irishtimes.com/newspaper/world/2011/0303/1224291282961.html
6 – //engilsh.peopledaily.com.cn/90001/90780/91343/7308634.html
7 – تهريج ( أو السلوك المتهور ) الديكتاتور الليبي الذي كان حتى وقت قريب أفضل أصدقاء الغرب و نموذجا يحتذى عن العلاقات به بحسب وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غونداليزا رايس قد حوله إلى أشبه بمهرج موالي للأمريكان بعيون شعبه . أكثر من ذلك ففي البلاد التي كانت الولايات المتحدة مهتمة بنقل الاحتجاجات إليها مثل سوريا و ليبيا و إيران , كانت الاحتجاجات ضعيفة جدا أو غير موجودة . هذا يثبت أننا نتحدث عن ديناميات مختلفة ( اتضح أن هذا الحكم كان متسرعا , كما أثبتت التطورات اللاحقة التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية في يوم نشر المقال نفسه رغم أنه لا يغير من حقيقة أن الغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا عملت في سوريا كما في كل مكان آخر على منع تحقيق انتصار كامل حقيقي للجماهير الثائرة , تاركة إياها بالفعل تحت رحمة القمع الوحشي لنظام الأسد و باحثة عن نخبة حاكمة جديدة موثوقة يمكن نقل السلطة إليها عندما تقترب بشائر انتصار الثورة – المترجم ) .
Note by the translator : the later events in Syria showed that the writer s view isn t correct . US and other imperialist powers supported verbally the Syrian revolution , but in fact , they left the Syrian masses vulnerable to the brutal oprression of the regime . And as everywhere , they called in Syria also for calm and disciplinary transition , trying to create a new trustworthy ruling elite that can replace Al Asaad regime , rather than a real and full victory of the revolting masses .
8 – The economist , 5 – 11 مارس آذار 2011 , الصفحة 45
9 – أشير إلى مقالة ممتازة لرولاند أستاريتا , الذي يلخص بعض النقاشات في اليسار الأمريكي اللاتيني ( الجنوبي ) بهذا الصدد . حتى لو لم تتفق مع كل ما ورد فيه , فإنه مقال حاد و عميق , و إني أعتقد أنه , على الأقل في روحه , صحيح على الأغلب . //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/07/la-inquierda-y-libia و الردود على منتقديه //rolandastarita.wordpress.com/2011/03/10/criticos-nacionales-y-libia
10 – http://www.anarkismo.net/article/18923
نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/19017
كلمة المترجم – نشرت هذه المقالة في موقع anarkismo.net الأناركي الأممي في 15 مارس آذار من العام الماضي لكن التحليل الأساسي فيه ما زال يحتفظ بقيمته و أهميته , إضافة إلى أن خبرة العام التالي لكتابته يمكن أن تشرح الكثير من المواقف و التنبؤات التي احتوى عليها , الملاحظة الأهم تتعلق بالموقف من الثورة السورية و الذي كان نتيجة لتأثير اليسار الستاليني و التقليدي على الرفاق في الحركة الأناركية العالمية و الذي سرعان ما تغير بعد اتصالات جرت بينهم و بين أناركيين عرب و سوريين . الاستنتاج الأهم للمقال سيحتفظ بحيويته طالما لم تحسم الثورات العربية شكل الحكم التالي , خاصة شكل الديمقراطية التي يجري البحث و النضال لتشكيلها , فإن البديل الذي يدعو إليه التحرريون العرب واضح : ديمقراطية شعبية مباشرة و تشاركية , مازن كم الماز
https://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031?sk=wall
تعريف بالاشتراكية التحررية / 6
سامع سعید عبود
جذور تاريخية للتيار الاشتراكى التحررى
اللاحكمي هى الترجمة العربية الأدق للتعبير عن تيار سياسى واجتماعى و فلسفى، تعددت أسماءه و رموزه الفكرية، و تجسيداته سواء فى حركات ثورية أو فى ثورات حدثت عبر التاريخ، وتتنوع بداخله المدارس برغم ما يجمعه من إطار عام، عرف فى اللغة العربية بالفوضوي التى هى ترجمة غير دقيقة لكلمة ((Anarchy)) والتى تعنى فى الإنجليزية (لا حكم ) ، وأصلها فى اللغة اليونانية، فى حين أن الفوضوي اشتقاق نسب عربى من فوضى، وترجمتها فى الإنجليزية ((chaos))، ومن ثم فهى ترجمة فضلا عن عدم دقتها فهى خبيثة حيث تهدف لتنفير من يسمعها، وقد عرف هذا التيار فى العربية أيضا أيضا باللاسلطوى، و التحررى، وأحيانا كما تنطق بالإنجليزية دون تعريب الأناركى
يرجع هذا التيار لجذور فكرية قديمة إلى ما قبل العصور الحديثة، تعلى من قيمة الحرية الإنسانية، وترفض السلطة القمعية وتنقدها، وتعتبر الدولة كمؤسسة فى حد ذاتها مصدر كل شر، ومصدر القهر الواقع على الإنسان، وسبب استغلاله وإفساده وتشويهه، وتبشر بعالم يخلو من هذا القهر، وذاك الاستغلال، وبإمكانية أن يحيا البشر أحرارا دون هذه المؤسسة القمعية المتعالية عليهم، و المتسلطة عليهم، أيا ما كان نظامها، ويرى البعض الآخر أن هذا التيار هو الامتداد الأكثر جذرية لفكر عصر التنوير الذى سبق الثورة الفرنسية، بشعـاراتها الثـلاث ( الحرية، و الإخاء، والمساواة )، كما يرى البعض أن هناك جذورا أناركية فى كل الثقافات عبر التاريخ فى الصين واليونان والعالم الإسلامى.
تنقسم جذور هذا التيار فى العصر الحديث لعدة منابع بدأت فى القرنين الثامن و التاسع عشر، الاناركية الفردية ويمثلها المفكر الإنجليزى جودوين والمفكر الألمانى شترينر، وهى تقوم على الحرية المطلقة للفرد إزاء أى سلطة أو جماعة، ومن هذا المنبع تتواجد تيارات الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية وهى تيارات هامشية لا تمثل التيار الرئيسى فى الاناركية.. و الاناركية التعاونية أو التبادلية ويمثلها المفكر الفرنسى برودون، و الاناركية الجماعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي باكونين، و الاناركية الشيوعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي كروبوتكين، و كل من الأناركيات التعاونية والجماعية والشيوعية تنشد مجتمع تتعاظم فيه الحرية الفردية، و تنتفى فيه السلطة القمعية، فى إطار جماعى منظم تعاونيا، باعتبار الإنسان فى النهاية حيوان اجتماعى؛ وتختلف فى تفاصيل حول الملكية الخاصة بنفيها أو تحديدها، وأسلوب تحقيق الاحتياجات البشرية إذا ما كانت حسب الحاجة أم الجهد المبذول فى العمل.. و الاناركية المسيحية ويمثلها الروائى الروسى الشهير تولوستوى الذى استلهم من المسيحية رؤى أناركية. كما ظهر مؤخرا من تأثر بأفكار هذا التيار من المفكريين الإسلاميين والبوذيين على قلتهم النادرة، فظهرت الاناركية الإسلامية و الاناركية البوذية، ويوجد تيار الاناركية البدائية وهو تيار هامشى مثله مثل تيارات هامشية أخرى تقترب من البوهيمية والعدمية والفردية المتطرفة. بدءا من منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت الاناركيات التعاونية والجماعية و الشيوعية و الاشتراكية كتيار قوى فى العديد من البلدان الأوربية و الأمريكية، شاركت فى الأممية الأول(جمعية العمال الدولية)، وتصارعت فكريا وتنظيميا مع الماركسية متهمة اشتراكيتها بالسلطوية، وخرج ممثلوا هذا التيار الاناركى ليشكلوا أممية أخرى، وشارك الأناركيون الجماعيون والاشتراكيون و الشيوعيون فى العديد من الحركات الثورية فى روسيا و أسبانيا وفرنسا وإيطاليا، و حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وخلال ذلك ظهرت فى داخل هذا التيار الاناركية النقابية فى فرنسا، والتى بلغت أوجها فى أوائل القرن العشرين، وظهر اتجاه ماركسي لا سلطوي فى مواجهة التفسير اللينينى السلطوى للماركسية، ويمثله كل من روزا لوكسمبورج و بانيكوك، والمعروف الآن بشيوعية المجالس، وهم الأقرب للماركسية الأصيلة، والأقرب للأناركية الشيوعية، من كل التيارات الماركسية الأخرى، و يشكلان معا تيار الاشتراكية التحررية.
ما أن انتصفت ثلاثينات القرن العشرين حتى انتهت كل هذه التيارات لفترة كمون طويلة، حتى اعتقد البعض أنها انتهت تماما، وأصبحت مجرد جزء من التاريخ، ومجرد تراث من الأفكار .
مع منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأ جهد نظرى لإحياء الأناركية الشيوعية، حيث ظهرت كتابات جديدة لمفكرين جدد تعتمد على نقد الكتابات والممارسات السابقة، وتحاول استشفاف رؤى جديدة تلتزم بالإطار العام الأناركى والتحررى، وفى منتصف الستينات، ومع ظهور اليسار الجديد، خرج هذا التيار من كمونه، واخذ ينتشر مجددا فى العديد من بلدان غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع سقوط الدول التى تدعى بالاشتراكية فى أواخر الثمانينات، و سقوط اللينينية أحزابا وأفكارا مثلما سقطت الاشتراكيات الديمقراطية والإصلاحية والقومية، و زاد التشكك فى أهمية دور الدولة،وتأكد خطورة تضخم جهازها البيروقراطى، واستمرار نقد كل من النظرية والممارسة السلطويتين، ونقد الأيديولوجيات التسلطية و الإصلاحية والقومية، أخذ هذا التيار يكسب مواقع متزايدة فى أوروبا واستراليا والأمريكيتين وشرق آسيا، وبعض بلدان الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، وفى السنوات الأخيرة شارك أعضاء هذا الاتجاه فى الكثير من الأحداث، و بفضل ثورة الاتصالات الأخيرة أخذ ينتظم عالميا، ويزداد تأثيره وضوحا، وعرف مفكرين جدد أشهرهم عالم اللغويات الشهير ناعوم شومسكى، و سام دوجلوف ودانيال جرين وأنطونيو نيجرى وغيرهم …ويدخل تحت هذا التيار مدارس عديدة تتفق فى الإطار العام، وتختلف فيما بينها فى التفاصيل العملية،لا النظرية، فهناك شيوعية المجالس، و الاستقلالية، والمواقفية، و الاناركية النقابية، والبرنامجية، و التسيير الذاتى، و التعاونية.الخ، وكل هؤلاء يشكلون الجناح اليسارى فى الاناركية ، وهم التيار الرئيسى فيها، مع وجود من يمكن اعتبارهم الجناح اليمينى المتمثل فى الاناركية الرأسمالية و الاناركية الفردية. فالاناركية ليست مذهبا جامدا، ولا تعرف النصوص المقدسة، ورموزها من المفكرين مجرد مجتهدين لا أنبياء، ولا قداسة لهم، ولا لنصوصهم ، ومن ثم يقبل هذا التيار النقد والتطوير داخل إطار مبادئه العامة.
تعريف بالاشتراكية التحررية / 5
سامح سعید عبود
أهداف الاشتراكية التحررية ومبادئها.
أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، و يزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية، إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية، و من الأوهام والأساطير والمؤسسات السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها..وهو ما يعبر عنه برنامجنا النضالي المرحلي.
مجموعة أناركية ( لا سلطوية ) لا طليعة لينينية / 4
واين برايس
ترجمة: مازن کم الماز
أسطورة الثورة البلشفية
يعتقد على نطاق واسع أن الثورة الروسية قد أثبتت الحاجة لحزب طليعي مركزي مبني من الأعلى إلى الأسفل على النمط البلشفي . من دون حزب كهذا قيل أنه لم يكن من الممكن أن تحدث ثورة اشتراكية . نحتاج لذلك إلى بناء ذلك النوع من الأحزاب اليوم . إن هذه الحجة هي حجة ميثيولوجية ( أسطورية ) غالبا .
لقد بنى لينين عندما كان في المنفى في أوروبا جهازا بيروقراطيا من كوادر محترفين , لكنهم لم يتمكنوا أبدا من السيطرة على الكوادر الفعليين للحركة الماركسية في الإمبراطورية الروسية . تأثرت الحركة الاشتراكية بالقمع القيصري إضافة إلى الفئوية الداخلية , التي يعتبر الانشقاق بين البلاشفة و المناشفة أكثرها شهرة فقط . لخص موراي بوكشين هذا : “كان الحزب البلشفي .. منظمة غير شرعية في معظم السنوات السابقة على الثورة . و قد حطم الحزب و أعيد بناءه باستمرار , مما أدى هذا إلى أنه حتى تولى السلطة لم يتصلب ( يتشكل ) أبدا في الواقع إلى ماكينة بيروقراطية هرمية مركزية بالكامل . أكثر من ذلك , فقد مزقته الانشقاقات .. حتى الحرب الأهلية” .
قدم هال درابر نقاطا ( أفكارا ) مشابهة : “أخذت الأشكال الأولى من الحزب الجماهيري في روسيا شكل حلقات عمالية محلية و ليس شكل فصائل , و بقيت تلك الحلقات فضفاضة و شكلت فيما بينها اتحادات إقليمية فضفاضة … كانت منظمات الأعضاء في روسيا هي مجموعات الحزب المحلية و الإقليمية التي قد تكون نتيجة تعاطفها جزءا من البلاشفة أو المناشفة أو أنها قد تغير دعمها من طرف لآخر من وقت لآخر , الخ . في كل مرة يعقد فيها مؤتمر أو كونفرنس ( مجلس ) للحزب كان على كل مجموعة حزبية أن تقرر فيم إذا كانت ستحضر هذا المؤتمر أم ذاك أم كليهما … قد يقرر أعضاء الحزب الأفراد في روسيا أو المجموعات الحزبية توزيع جريدة لينين أو لسان حال المناشفة أو ألا يوزعوا أيا منها – كثيرون كانوا يفضلون لسان حال “غير فئوي أو تكتلي” كما فعل تروتسكي في فيينا أو أنهم قد يستخدمون في عملهم منشورات البلاشفة تلك التي يحبونها إلى جانب منشورات المناشفة و الآخرين , أي أن هذه كانت تشكل أساسا أو قاعدة حرة” .
دور البلاشفة في الإطاحة الفعلية بالحكومة المؤقتة الرأسمالية درسه عن قرب الكسندر رابينوفيتش . من خلال دراسته للمذكرات المبكرة للناشطين البلاشفة و قراءة الصحف البلشفية لتلك الأيام , استنتج أن “.. الوحدة المتراصة ( الصارمة ) تقريبا و “الانضباط الحديدي” للحزب البلشفي في عام 1917 كان إلى حد كبير مجرد أسطورة ..” . لم تكن لجنة الحزب المركزية قادرة على السيطرة على الكثير من المنظمات الإقليمية و المحلية و لم تحاول حتى أن تفعل ذلك عادة . حتى في الأماكن المركزية لمدينتي بتروغراد و موسكو الرئيستين , كانت هناك أجهزة بلشفية مستقلة نسبيا نشرت صحفها الخاصة و وضعت سياساتها المباشرة بنفسها . في اللجنة المركزية كان هناك مناضلون ذوي إرادة قوية دافعوا عن آرائهم , متجاهلين في بعض الأحيان الانضباط الحزبي . في ذلك الوقت فتح الحزب أبوابه لعشرات الآلاف من الأعضاء العمال الجدد , الذين هزوا هذه الأوضاع بشكل مؤثر ( معتبر ) . عندما عاد لينين إلى روسيا اعتمد على هؤلاء الأعضاء الكوادر الجدد لينقض السياسات المحافظة للبلاشفة القدامى . استنتج رابينوفيتش أن هذه الانقسامات “اللامركزية و غير المنضبطة” سببت بعض المصاعب , لكنها كانت عموما مفيدة بشكل حيوي . “.. مرونة منظمات البلاشفة , و انفتاحها و تجاوبها النسبي .. كانت مصدرا هاما لقوة الحزب و قدرته على الوصول إلى السلطة” .
جرى خلق حزب مركزي متراص فقط بعد الثورة , أثناء الحرب الأهلية ضد الحراس البيض المعادين للثورة . عندما انتهت الحرب الأهلية عام 1921 قاموا بسحق الثورة في قلعة كرونشتادت البحرية , و هزموا المعارضة الداخلية في الحزب – اللذين طالبا كلاهما بالمزيد من الديمقراطية للطبقة العاملة . أقنع لينين البلاشفة ( الذين غيروا اسمهم الآن إلى الحزب الشيوعي ) بمنع كل التكتلات الداخلية و كل اجتماعاتها ( و وافق تروتسكي على ذلك ) . “أخذ البلاشفة بمركزة حزبهم لدرجة أنهم أصبحوا معزولين عن الطبقة العاملة” . ( بوكشين ) . أصبح الحزب أكثر بيروقراطية حتى و مقموعا داخليا بانتصار ستالين عام 1924 و ما بعد ذلك .
صنع الحزب البلشفي الثورة الروسية عندما كان هذا الحزب أشبه ما يمكن بفيدرالية أناركية ! الحزب المركزي المتراص لم يكن حزب الثورة بل حزب الثورة المضادة . الأحزاب الللينينية السلطوية التي صنعت الثورات الصينية , الفيتنامية , اليوغسلافية و الكورية الشمالية , تشكلت على نمط حزب الاتحاد السوفيتي الستاليني . أراد ماو و الآخرون حزبا يخلق نظام رأسمالية دولة توليتاري ( شمولي ) مشابه .
هناك جانب أسطوري آخر من الصورة الشائعة عن الثورة الروسية و الحزب البلشفي . و هي فكرة أن البلاشفة كانوا هم من أسقط الحكومة المؤقتة لوحدهم . هذا غير صحيح . الاستيلاء الأساسي على السلطة قامت به جبهة موحدة من الحزب البلشفي , الحزب الاشتراكي الثوري اليساري , و الأناركيين . لعب البلاشفة دورا قائدا بسبب ضعف المجموعتين الأخريين لكن لم يكن بمقدورهم فعل ذلك بمفردهم . كان الاشتراكيون الثوريون اليساريون ورثة تيار الشعبيين الفلاحي الروسي , و كان لديهم برنامج اشتراكي تحرري . على عكس البلاشفة , كانوا يتمتعون بدعم بين الفلاحين . كانت نقطة ضعفهم هي ارتباطهم بالجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الثوري الذي انفصلوا عنه فقط في عام 1917 . كان الأناركيون نشيطين في المدن الرئيسية و الكثير من الصناعات . لعب النقابيون ( السينديكاليون ) الأناركيون دورا هاما في بناء مجالس المصانع . لسوء الحظ كان الأناركيون منقسمين إلى عدة تيارات و تفوقت عليهم الأحزاب السياسية تنظيميا . ( يبدو أن النقابيين الأناركيين كانوا أحسن تنظيما من الأناركيين الشيوعيين من ناحية تمكنهم من نشر جرائدهم الخاصة و جعل آرائهم معروفة على مستوى الشعب ) .
اتفق الاشتراكيون الثوريون اليساريون و الأناركيون مع البلاشفة على الحاجة للإطاحة بالحكومة المؤقتة البرجوازية و استبدالها بالسوفييتات . و تعاونوا جميعا في إطار اللجنة العسكرية التي قادها تروتسكي التي أطاحت بالحكومة المؤقتة . شكل بعدها الاشتراكيون الثوريون اليساريون حكومة مشتركة مع البلاشفة في السوفييتات . شارك الأناركيون في السوفييتات و دعموا عموما سياسات الاشتراكيين الثوريين اليساريين . كانت نهاية هذه الجبهة المشتركة عبارة عن خطوة هائلة نحو ديكتاتورية الحزب الواحد من قبل الشيوعيين . ( كيف تطور هذا شيء أكثر تعقيدا من التطرق إليه هنا ) . في عام 1921 إلى جانب منع كل الاجتماعات الداخلية التكتلية داخل الحزب الشيوعي , طالب لينين و تروتسكي أيضا بالمنع ( التجريم القانوني ) النهائي لكل الأحزاب لأخرى , مهما كانت درجة استعدادها لدعم الاشتراكية . لقد خلقت الديكتاتورية الصارمة المركزية للحزب الواحد , و لو أنها مرت بعدة مراحل أخرى قليلة قبل أن يثبتها ستالين نهائيا . لكن لم تكن هذه هي الطريقة التي صنعت بها الثورة .
النتيجة
أيا تكن إنجازاتها , فقد فشلت الأناركية مرارا في خلق مجتمع حر تعاوني . الثورات التي أثر فيها الأناركيون هزمت , أو “نجحت” بأن استولى عليها statists الدولتيون ( أنصار فكرة الدولة المركزية – المترجم ) . هناك اليوم صعود جديد للأناركية على صعيد العالم . ينظر قسم كبير من الناشطين إلى اتجاه النضال الطبقي المؤيد لفكرة التنظيم داخل الأناركية التاريخية , كما عبر عنها مالاتيستا , و البرنامجيين ( البلاتفورميين ) , الفيدرالية الأناركية الإيبيرية ( المنظمة الأناركية الأساسية في الثورة الإسبانية 1936 – 1939 إلى جانب و ضمن الكونفيدرالية الوطنية للعمال CNT – المترجم ) و especifistas . بعضنا يؤيد أيضا التيار المؤيد لفكرة التنظيم في الماركسية الداعية للاستقلال الذاتي autonomist Marxism . إننا ندعو إلى فيدراليات ديمقراطية منظمة حول برنامج ثورة أممية تقوم بها الطبقة العاملة و كل المضطهدين . يدين الأناركيون المعادون للتنظيم هذا على أنه خلق لأحزاب على النمط اللينيني . أيا تكن دوافعهم , ففي الممارسة يتخلى أعداء التنظيم عن تنظيم أناركي فعال ضد الرأسمالية و الدولة . بينما يبني اللينينيون في نفس الوقت أحزابا تعيد خلق الانقسام المركزي في الرأسمالية الدولتية بين القائد و من يقودهم . إنهم ينشرون صورة مزيفة سلطوية لكيفية تحقق الثورة الروسية . لكننا ما نزال نعتقد بأن انعتاق الطبقة العاملة و المضطهدين هو مهمة العمال و المضطهدين أنفسهم . إننا نعتقد بأن تشكيل فيدراليات أناركية ثورية هو جزء من التنظيم الذاتي لأولئك الذين تضطهدهم و تستغلهم الرأسمالية . يبقى التنظيم الذاتي هو الأساس في تحرر البشرية .
بعض المصطلحات و الأشخاص المذكورين في المقال
Especifismo : اتجاه قوي في الحركة الأناركية في أمريكا الجنوبية نتيجة خبرة الحركات الأناركية هناك , ظهرت في ستينيات القرن العشرين داعيى لإقامة منظمات أناركية تقوم على وحدة الفكر و الممارسة و المشاركة الفعالة في بناء حركات اجتماعية شعبية و مستقلة و هي تعتبر نوعا جديدا من البلاتفورمية في الحركة الأناركية .
autonomist Marxism الماركسية الداعية للاستقلال الذاتي : نظرية لحركات في أقصى اليسار الإيطالي و الأوروبي ظهرت أولا في إيطاليا في ستينيات القرن العشرين من خلال تطور الشيوعية العمالية Operaismo , من أهم منظريها أنطونيو نيغري , باولو فيرنو , تأثرت بالأناركية , ما بعد الماركسية و ما بعد البنيوية .
موراي بوكشين ( 1921 – 2006 ) اشتراكي تحرري أمريكي و من رواد الحركة البيئية الإيكولوجية .
هال درابر ( 1914 – 1990 ) ناشط و مؤلف اشتراكي , اصبح تروتسكيا في الثلاثينيات , في 1971 انفصل عن الاشتراكيين الأممين و لم تفرغ للعمل النظري كاشتراكي مستقل .
تعريف بالاشتراكية التحررية / 4
سامع سعید عبود
النظام الاشتراكى التحررى
النظام الاشتراكى التحررى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر والمساواة فيما بينهم، يتأسس على الملكية الاجتماعية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما فى رأسمالية الدولة، ولا الملكية الخاصة كما فى رأسمالية الأفراد، و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب صفاته الجسدية والعقلية و مكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة
أن هذا الإنسان الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها و لا اختيار، سواء الصفات الوراثية أو الأوضاع الاجتماعية، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى تعاونية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط، ومن ثم تتعدد التعاونيات التى يمكن أن ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته، ولهذا فلابد أن يكون باب العضوية مفتوح لكل من يطلب عضوية تلك التعاونيات بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي .
يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى إذن بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من التعاونيات ، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع التعاونيات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية وإئتمانية وتأمينية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية،كما يمكن للتعاونية الواحدة أن تجمع بين العديد من الأنشطة المتكاملة، لتشمل كل أوجه النشاط البشرى المختلفة، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته، وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، و تتحدد جميعها وفق إرادته الحرة.
يقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك التعاونيات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم، بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها، ومن ثم تتعدد التعاونيات بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية واحتياجاتها.
لأنه لن يمكن للبروليتاريا عمليا كى تتحرر إلا أن تصادر ثروات مضطهديها ومستغليها من البرجوازيين، وإدارتها ذاتيا لصالح البروليتاريا وفق قواعد التعاون عبر التعاونيات ، فإن البرجوازيين الصغار سوف يستمرون فى الوجود بملكياتهم الصغيرة والقزمية بشرط منعهم من استخدام العمل المأجور، ولهم أن ينضموا للتعاونيات أو يعملوا على نحو مستقل، و فى حالة انضمامهم للتعاونيات فسوف تندمج ملكيتهم فى ملكية التعاونية، وسوف يكون مبدأ التوزيع كل حسب احتياجه مقابل أن يعمل كل عضو وفق قدراته. فى إطار تقسيم العمل المتفق عليه.
وفيما يتعلق بتنظيم شئون التعاونيات فهو كالتالى :-
لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المادية المختلفة حسب الحالة، فيكون للتعاونية حق الانتفاع بكل مصادر السلطة المادية التى تمكنها من ممارسة نشاطها، من عقارات وآلات وأموال وغير ذلك، والتى لا يجوز تجزئتها على أى نحو، أو تفتتها لملكيات خاصة للأفراد، أما أعضاءها فيملكون حق الانتفاع بها على نحو متساو، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات خاصة لاستعمالهم الشخصي.
تلتزم التعاونيات بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية، و تساعد التعاونية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها. على أن يكون لكل عضو فى التعاونية صوت واحد. و لكل عضو أن ينسحب من التعاونية.
التعاونية لا تهدف بنشاطها للربح، و إنما تهدف أساسا لاستيفاء الحاجات الاستعمالية لأعضاءها، بانتاجها وتوفيرها أو بتبادل فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها مع فوائض السلع والخدمات التى تنتجها أو توفرها التعاونيات الأخرى.
تتأسس إدارة التعاونية على الديمقراطية المباشرة والتوافقية، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط التعاونية و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط التعاونية ، يحق لكل أعضاء التعاونية مناقشته، و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى التعاونية تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين، ويحق لأعضاء التعاونية مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية و إدارية يتخذها أعضاء التعاونية ديمقراطيا وتوافقيا، وقرارات فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم، كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من التعاونية على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم
تحدد سياسة التعاونية و قراراتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية،. و تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية. و كل أعضاء التعاونية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء. و على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.
الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد، وبناء على ذلك فلكل تعاونية أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم، أو قبلوها مع انضمامهم للتعاونية، وأن تفصل فى كل الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء، وتعاقب على كل المخالفات التى قد يرتكبوها، وتحفظ أمن التعاونية وأعضاءها، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.
من هذه التعاونيات التى تشكل خلايا المجتمع الاشتراكى التحررى، تتشكل اتحادات ، فيما بين التعاونيات، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا، تهم قطاعات أوسع من البشر، وتلبى احتياجاتهم المشتركة، الأمر الذى يمكن أن يتم عبر الاتحاد بين التعاونيات، فتنشأ اتحادات تسعى لتحقيق أقصى درجة ممكنة للإكتفاء الذاتى من الاحتياجات المختلفة للأعضاء، حفاظا على حرية أعضاء التعاونيات، واستقلالية التعاونيات التى ينتقص من حريتها واستقلاليتها، مركزية المجتمع، وإدارته المركزية، فضلا عن أن ترتيبه بشكل هرمى، يجعل من سلطات قمته قيدا على حريات قواعده، ولمؤسساته العليا سلطة تقيد مؤسساته الدنيا.
تقوم الاتحادات المختلفة بإدارة المشاريع الكبيرة، و الأنشطة الضخمة، والمرافق العملاقة، وتؤدى المهام التى لا تستطيع القيام بها التعاونيات منفردة، فالاتحادات هى تعاونية أكبر حجما لا تقوم بين أفراد بل بين تعاونيات أصغر حجما، و تقوم على نفس الأسس التى تقوم عليها التعاونيات ، و التى تنضم للاتحاد، لتلبى المطالب المشتركة لتلك التعاونيات وأعضاءها، كما ينضم الأفراد للتعاونيات لتلبية مطالبهم المشتركة.
يقوم الاتحاد بحل التناقضات والمنازعات والخلافات بين التعاونيات المنضمة له لتحقيق المصالح و الاحتياجات المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه وأعضاءها، على أساس مبدأ التعاون ، والتبادل التعاونى للسلع والخدمات. وهذا المبدأ يحل مشكلة التفاوتات التى يمكن أن تحدث بين تعاونيات غنية و تعاونيات فقيرة بحكم طبيعة نشاط كل منهما أو حجم أعمالها، ويحل المشاكل التى يمكن أن تحدث بناء على تضارب المصالح بين التعاونيات، ويمنع الإضرار بالمصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة للاتحاد.
الاتحادات تقوم على الانضمام الطوعى للتعاونيات، عبر مفوضين منتخبين من تلك التعاونيات، و يحق لأعضاء التعاونيات المنضمة للإتحاد مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم والتحقيق معهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومقتضيات تفويضهم .
مثلما يحدد أعضاء التعاونيات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى، تحدد التعاونيات المنضمة للاتحادات القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى، وأن تعاقب الاتحادات المخالفين لتلك القواعد، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين التعاونيات المختلفة، وتحفظ أمن الاتحاد وأعضاءه، وتمثل مصالحهم المشتركة لدى الغير.
إذا كانت عضوية الأفراد فى التعاونيات وعضوية التعاونيات فى الاتحادات طوعية، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من التعاونيات ، وللتعاوتيات من الاتحادات، وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين التعاونيات المختلفة، و التعاونيات للاتحادات حرية مكفولة للجميع.
أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية، وليست سياسية، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .
من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة، والمتفق عليها من الأفراد و التعاونيات والاتحادات.
نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات والاتحادات التعاونيات يمكنها أن تمارس كل الأنشطة السيادية والإنتاجية والخدمية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة، و يمارسها الرأسماليون، على السواء، بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق و المؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات وبين المنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط، لا فى حجم الأعمال، ولا فى عدد العاملين بها، و لا فى طبيعة ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات، فكما توجد شركات ومشاريع رأسمالية أو حكومية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يمكن أيضا أن تتكون التعاونيات واتحادات تحل محلها جميعا.
يمكن للتعاونيات واتحاداتها أن تقوم بإنتاج كل السلع، وتقديم كافة الخدمات، وأداء كافة المهام السيادية للدولة، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات ، بعيدا عن مؤسسات الدولة و منشئات رأسالمال.
عندما نشأت الرأسمالية من قلب الإقطاع وسادت العالم بعد ذلك، لم تكن نتيجة فكرة فى عقل المفكرين، ولم تنشأ لأن حزبا ما ناضل من أجل تحقيقها،أو أن ثورة ما قامت لتطبيقها، فقد نشأت الرأسمالية عندما تطورت الورش الحرفية إلى مصانع، بسبب التطور التكنولوجى، و استئجار أصحاب الورش العمال على نطاق واسع مما قلب العالم الإقطاعى رأسا على عقب، والاشتراكية التحررية لا تقدم نموذج هندسى سابق التخطيط، وإنما تستند رؤيتها للتغيير الاجتماعى على التعاونيات باعتبارها نموذج قائم فعليا فى الواقع كنظام هامشى، يمكن له النمو ليصبح النظام السائد بعد زوال الرأسمالية والدولة الحديثة المرتبطة بها، وتدخلنا النضالى من أجل تحقيق هذا التطور التقدمى فى تاريخ البشرية، هو إزالة التشوهات الرأسمالية والبيروقراطية منها، والنضال من أجل أن تكون التعاونيات التحررية النظام السائد، ومن ثم لا يمكن وصف رؤيتنا بالخيالية كما يزعم خصومنا، فنحن لسنا هواة هندسة اجتماعية لتناقض الهندسة الاجتماعية أساسا مع احترامنا للحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
الاشتراكية التحررية مشروع أممى، ومعادي لكل الحركات والمشاريع السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى، فالاشتراكية التحررية مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم، ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد، وملكيتهم الجماعية المشتركة، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس تمييزى بغيض .
من هنا فأننا نناضل بكافة السبل من أجل تحول القطاعين العام و الحكومى المملوكين للدولة والقطاع الخاص الرأسمالى إلى بديل التعاونيات واتحاداتها، بطريقتين هما المبادرة الجماهيرية لتأسيس التعاونيات و النضال الجماهيرى الضاغط على الدولة والرأسماليين لتحويل كافة المؤسسات الإنتاجية والخدمية والتأمينية والإئتمانية، سواء الحكومية أو العامة أو الرأسمالية إلى تعاونيات.
تشجيع ومساعدة ودعم العمال المستقلين والمهمشين والمتعطلين عن العمل و الحرفيين والمهنيين والمزارعين المستقلين على تكوين التعاونيات التى تشبع احتياجاتهم المختلفة، باعتبارها وسيلة لتحررهم الذاتى من سيطرة واستغلال كل من الرأسماليين و بيروقراطية الدولة، و إزالة المعوقات التى تحول دون ذلك.

پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.