All posts by Anarchistan ئەنارکیستان

Kurdistan Anarchists Forum - KAF سەکۆی ئەنارکیستان

الثورة المجهولة / 9

الفصل الثاني
مولد الـ (سوفيات)
———————
نصل الآن إلى واحد من أهم جوانب الثورة الروسية . أصل الـ (سوفيات) و نشاطها الأول .
و هي واحدة أخرى من التناقضات , و أحد أقل جوانب الثورة فهما و أكثرها تشويها .
في كل ما كتب حتى اليوم عن أصل الـ (سوفيات) – و لا أتحدث فقط عن الدراسات الأجنبية بل و عن الوثائق الروسية كذلك , هناك فجوة لا يمكن للقاريء المدقق ألأ يلاحظها , أن لا أحد حتى الآن يمكنه تحديد متى ة لا أين و لا كيف نشأت أول الـ (سوفيات) العمالية .
حتى اليوم يجمع الكل , كتاب و مؤرخين , بورجوازيين و إشتراكيين – مناشفة و بلاشفة و غيرهم – على تأريخ أول الـ (سوفيات) العمالية بنهاية 1905 . في حدود وقت إضراب أكتوبر الكبير , و بيان القيصرية المؤرخ في 17 أكتوبر و الأحداث التي تلت ذلك . و من خلال الصفحات التالية سوف يفهم القاريء سبب الفجوة المذكورة .
بعض الكتاب – و بالتحديد (ب ميليوكوف) P. Miliukov في مذكراته الغامضة – يلمح إلى سلف ما سيكون فيما بعد (سوفيات) منذ أوائل 1905 . لكنهم يفشلون في إعطاء تفاصيل دقيقة . و عندما يحاولون إعطاء التفاصيل تجدهم مخطئين . فمثلا  , يعتقد (ميليوكوف) أنه قد وجد أصل الـ (سوفيات ) في لجنة (تشيدلوفسكي) Chidlovsky Commission , و هذه كانت مؤسسة نصف حكومية – نصف ليبرالية حاولت – بلا جدوى – حل بعض المشاكل الإجتماعية عشية يناير 1905 بالتعاون مع الوفود الرسمية التي تمثل العمال . و وفقا لـ (ميليوكوف) فإن أحد موفضي هذه اللجنة من المثقفين و يدعى (نوصار) Nossar , قد شكل مع موفضين آخرين الـ (سوفيات) على هامش أعمال اللجنة . أول الـ (سوفيات)العمالية . و أن (نوصار) قد صار الروح المحركة و كذلك رئيس هذا الـ (سوفيات) . و هذه قصة مبهمة و الأهم أنها غير دقيقة . فعندما ظهر (نوصار) في لجنة (تشيدلوفسكي) كما سنعرض كان عضوا – و رئيسا كذلك – لأول الـ (سوفيات) العمالية و التي تشكلت قبل وجود هذه اللجنة التي لا تربطها بها أية علاقة . و هو نفس الخطأ الذي وقع فيه كتّاب آخرون .
و يقدم الإشتراكيون الديموقراطيون أنفسهم أحيانا على أنهم المحرضون الحقيقيون على تشكيل الـ (سوفيات) الأول .
و تبذل البلاشفة غاية وسعها لسرقة هذا الشرف منهم .
لكنهم كلهم مخطئون , جاهلون بالحقيقة . و الحقيقة غاية في البساطة . بأنه لا طرف واحد و لا حزب واحد و لا منظمة واحدة دائمة و لا حتى قائد واحد كان مسئولا عن ولادة فكرة الـ (سوفيات) الأول . لقد نشأ الـ (سوفيات) عفويا , نتيجة لإتفاق جماعي , في سياق حشد صغير عارض , و خاص تماما . (3).
و المواد الت سيجدها القاريء هنا لم تنشر من قبل و هي تشكل واحدة من الفصول المفقودة للثورة المجهولة . و قد حان الوقت لإستعادة الحقيقة التاريخية . و ما يجعل الأمر أكثر إلحاحا هو واقع أن هذه الحقيقة موحية للغاية . .
و أننا استميح القاريء عذرا لأنني سأضطر للحديث عن نفسي . لأنني قد شاركت في إنشاء أول (سوفيات) ) لمفوضي العمال على الرغم مني , في (سانت بطرسبورج) , في يناير – فبراير من العام 1905 و ليس في نهايته . و قد أكون اليوم الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يروي و يؤرخ هذه الحادثة التاريخية , ما لم يكن أحد العمال الذين شاركوا في العمل ما يزال على قيد الحياة و قادرا على رواية القصة .
لقد أردت أن أروي هذه الحقائق في مناسبات عديدة من قبل . إذ كلما طالعت الصحف – الروسية و الأجنبية على حد سواء – كنت دائما أجد هذه الفجوة . لا أحد من الكتّاب كان قادرا على الإخبار بأين و لا متى و لا كيف نشات أولى الـ (سوفيات) العمالية في روسيا . و غاية علمهم أن الـ (سوفيات) قد نشأت في (سانت بطرسبورج) في العام 1905 , و أن رئيسها الأول كان كاتب عدل من (سانت بطرسبورج) يدعى (نوصار) , و يعرف أكثر باسمه الآخر (خروستاليف) Khrustalev . لكن أين و كيف نشأت فكرة هذه الـ (سوفيات) ؟ و لماذا تم إطلاقها ؟ و ما هي الظروف التي تم تبني هذه الفكرة فيها و وضعها موضع التنفيذ . و كيف و لماذا صار(نوصار) رئيسا لها ؟ و من أين جاء و ما هي انتماءاته الحزبية ؟ و من كان الناس في أول (سوفيات) ؟ و ماذا كانت وظيفته ؟ كل هذه الأسئلة ذات الأهمية التاريخية بقيت بلا إجابة . .
هنا ينبغي أن نؤكد أن هذه الفجوة مفهومة . فإنشاء أول (سوفيات) كان حدثا خاصا منعزلا . و قد حدث في جو حميمي للغاية , بعيدا عن متناول كل دعاية و خارج أي حملة أو عمل بعيد المدى .
و يستطيع القاريء التحقق مما أقول بشكل غير مباشر . ففي الكتابات التي تعالج هذا الجانب من الثورة الروسية  , سيجد القاريء اسم (نوصار – خروستاليف) يذكر عرضا . لكنه سيجد أيضا شيئا محيرا . إذ لم يذكر أحدد على افطلاق كيف و لا متى ظهر هذا الرجل على الساحة و لا لماذا و لا ماذا كانت ظروف التي صار فيها رئيسا لأول (سوفيات) . و الكتاب الإشتراكيون ينزعجون بصورة جلية من الحديث عن (نوصار) . و يبدو أنهم لا يريدون الإشارة إليه أو ذكر اسمه . لكنهم من ناحية أخرى غير قادرين على الصمت إزاء الحقيقة التاريخية – التي يفضلونها – فيتمتمون بعبارات مبهمة غير دقيقة و لا مفهومة عن (نوصار) و دوره ثم ينتقلون مسرعين إلى أنشطة الـ (سوفيات) في نهاية 1905 عندما أصبح (ليون تروتسكي) Leon Trotsky رئيسا لـ (سوفيات) (سانت بطرسبورج) .
هذا التحفظ , و هذا الانزعاج , و هذا التعجل يمكن فهمه . فباديء ذي بدء فلا المؤرخون و لا الإشتراكيون – بما فيهم (تروتسكي) و لا الأحزاب السياسية عامة يعلمون أي شيء حول الأصل الحقيقي للـ (سوفيات) و من المزعج لهم حقا الاعتراف بهذا . ثانيا : حتى لو عرف الإشتراكيون الحقائق و أرادوا أخذها في الإعتبار , سيكون عليهم الإعتراف بأنه لا يد لهم في هذا الأمر كله و أنهم فقط استفادوا منه بعد ذلك بكثير . و هذا هو السبب – سواء أعرفوا الحقيقة أم جهلوها – في محاولتهم إخفاءها بكافة الطرق , و رسم صورة إيجابية لأنفسهم .
أما ما منعني من رواية هذه الوقائع حتى الآن (4) هو الشعور بالإنزعاج الناجم عن الحاجة إلى الحديث عن الذات . و من ناحية أخرى لم تتح لي الفرصة للكتابة عن الـ (سوفيات) للصحافة العامة , و التي علاوة على ذلك , لا أكتب لها . و بمرور الوقت لم أكن قد قررت إنهاء صمتي عن أصل الـ (سوفيات) لأحارب الأخطاء و الأساطير , لكشف الحقيقة .
لكن , ذات مرة منذ عدة سنوات . أزعجتني التلميحات الجوفاء و الكاذيب في بعض المقالات و المجلات . فزرت (م ميلجونوف) M. Melgunov , و هو ناشر لمجلة تاريخية روسية تصدر في باريس , و عرضت عليه , بغرض التوثيق البحت , عرضا مفصلا لميلاد أول الـ (السوفيات) العمالية . غير أن عرضي لم يؤد إلى شيء . فأولا : رفض الناشر قبول بداهة موقفي بألا يتم تعديل النص . و ثانيا : لأنني علمت بأن مجلته أبعد ما تكون عن الحيادية في التعامل مع التاريخ .
غير أني أود أن أذكر استثناءا واحدا , فقد ذكرت هذه الحقائق في دراسة موجزة عن الثورة الروسية , نشرها (سباستيان فاوريه) Sebastien Faure   في موسوعته Encyclopedic Anarchiste , تحت عنوان الثورة . و قد نشر (فاوريه) فيما بعد كتابا بعنوان La veritable Revolution sociale ضمنه بعض الدراسات المنشورة في الموسوعة بما فيها مقالي . و لكن لأن الجمهور في الغالب لا يقرأ الأدب التحرري بقيت هذه الحقائق مطمورة حتى الآن .
و لأنني مضطر للحديث عن الـ (سوفيات) فسأروي الحقائق كما تكشّفت لي , و ليجد المؤرخون و الصحافة و أي مهتمون آخرون الحقيقة ها هنا .
في العام 1904 كنت منخرطا في أعمال تثقيفية و تعليمية بين عمال (سانت بطرسبورج) و قد قمت بتنفيذ مشروعي بصورة منفردة متبعا منهجي الخاص . و لم أكن انتمي لأي حزب سياسي , برغم من إدراكي لثوريتي . كنت لا أزال في الثانية و العشرين من العمر و قد غادرت الجامعة للتو .
بحلول نهاية 1904 كنت معلما لنحو مائة من العمال .
و من بين طلبتي , كانت هناك إمرأة شابة , و كانت تنتمي و زوجها إلى “قطاعات” (جابون) . . حتى ذلك الوقت لم أكن قد سمعت شيئا ذا بال عن (جابون) و لا عن قطاعاته . و ذات ليلة أخذني طلبتي إلى أحد “القطاعات” في الجوار آملين في إثارة إهتمامي بهذا العمل و مؤسسه . في هذه الليلة كان (جابون) بنفسه حاضرا الإجتماع . و في ذلك الوقت لم يكن دور (جابون) الحقيقي قد تحدد بعد . و لم يكن لدى العمال التقدميين ثقة كاملة في مشروعه – لأنه كان حكوميا و انبثق من الحكومة – لكن كان لهم اغراضهم الخاصة في ذلك المشروع . و يبدو أن سلوك الكاهن الغامض كان يدعم هذه الأغراض . و قد آمنوا أن (جابون) , و تحت غطاء واقي من الشرعية , كان يحضّر في الواقع لحركة ثورية واسعة . و لعل هذا السبب هو ما جعل كثير من العمال يرفضون في وقت لاحق التصديق بأن (جابون) كان عميلا للشرطة . و بمجرد أن انكشف هذا الدور , أقدم بعض العمال , الذين كانوا أضدقاءا مقربين لـ (جابون) على الإنتحار .
في نهاية ديسمبر قابلت (جابون( .
و قد فتنتني شخصيته . فمن ناحيته بدا , أو اراد أن يبدو مهتما بعملي التعليمي .
و اتفقنا على أن نتقابل ثانية لنحظى بحديث مطوّل و لهذا الغرض أعطاني (جابون) بطاقة زيارة و عنوانه  .
بعد ذلك بأيام قليلة , بدأ إضراب مصنع (بوتيلوف) Putilov الشهير . و بعد ذلك بقليل , و بالتحديد في مساء السادس من يناير 1905 جاءني طلبتي و قد ملأتهم الحماسة ليخبروني أن الأحداث قد اتخذت منحنيا بالغ الخطورة . إذ حرّض (جابون) على حركة واسعة بين جماهير العمال في العاصمة , و أنه يزور جميع القطاعات خاطبا في الحشود , داعيا للتجمع يوم الأحد التاسع من يناير قبالة القصر الشتوي لتقديم “العريضة” للقيصر . “العريضة” التي كان قد كتبها , و التي سيقرأها و يعلق عليها في “القطاع” القريب في الليلة التالية . . السابع من يناير . و قد بدت لي هذه الأنباء مستبعدة للغاية . على أنني قد قررت الحضور في “القطاع” في الليلة التالية لأقيّم الوضع بنفسي .
في اليوم التالي ذهبت إلى “القطاع” . و كان هناك تجمعا كبيرا حاشدا قد ملأ الغرف و الشارع على الرغم من البرد الشديد . كان الناس جديون و قد التزموا الصمت . و بالإضافة إلى العمال , كان هناك أشخاص من مختلف المشارب , مثقفون و طلبة و جنود و عملاء شرطة و عدد قليل من تجار الحي , و كان هناك الكثير من النساء . و لم تكن هناك حراسة أو خدمة أمن من أي نوع .
ذهبت إلى القاعة , و كان الناس في انتظار قدوم الأب (جابون) في أية لحظة . و لم يمض طويل زمن حتى حضر . و شق طريقه سريعا نحو المنصة عبر كتلة متزاحمة من البشر , كلهم وقوف و يضغطون بقوة ضد بعضهم البعض . و ربما كان في القاعة أكثر من ألف شخص .
كان الصمت مؤثرا . و فجأة و بدون أن يخلع معطفه المصنوع من الفرو الذي أكتفى بحل أزراره و حسب ليجعل his cassock و صليبه الفضي مرئيا , خلع قلنسوته بلفته مصممة فظة تاركا شعره الطويل ينسدل , قرأ (جابون) “العريضة” للحشد الضخم الذي انصت , من الكلمات الأولى , باهتمام و رهبة .
و على الرغم من أن صوته كان أجشا إلى أبعد حد – و قد استهلكه استخدامه بلا توقف لعدة أيام – كان خطابه بطيئا وقورا و في ذات الوقت دافئا , باعثا على الثقة  , يسري إلى قلوب جميع الناس الذين استجابوا باهتياج لمرافعته و دعاواه . .
كان التأثير الذي تركه لا ينسى . أن يشعر الإنسان بأن شيئا هائلا و مصيريا سيحدث . أتذكر كيف ارتعدت بمشاعر غير عادية طوال الخطبة بأكملها .
و بمجرد أن انتهي , نزل عن المنصة و غادر مسرعا محاطا بثلة من أتباعه المخلصين , داعيا الحشد الذي ما يزال في الخارج إلى الإستماع إلى “العريضة” التي سيقرأها مرة أخرى أحد معاونيه .
و إذ فرّقتي عنه الحشود الكثيفة من البشر , و إذ بدا على عجلة من أمره و قد استهلكه ما بذله من الجهد فوق العادي , و إذ أحاط به أصدقاءه , لم أحاول أن أصل إليه . علاوة على ذلك , كان هذا بلا طائل . لكنني فهمت أن ما أخبرني به طلبتي كان صحيحا . حركة جماهيرية هائلة , حركة بأهمية استثنائية , و قد تم إطلاقها .
و عندما ذهبت إلى القطاع في اليوم التالي , الثامن من يناير , كنت أريد أن أرى ما الذي يحدث . كنت أريد في الأساس الإلتحام بالجماهير و أن أشارك في الحدث . و قد كان العديد من طلبتي بصحبتي .
أما ما وجدته في “القطاع” فقد أوحى إليّ بما يتوجب عليّ فعله .
فباديء ذي بدء رأيت الحشود تتجمع في الشارع . و قد أخبرونا بان أحد أعضاء “القطاع” في الداخل يقرأ “العريضة” . فانتظرت .
بعد بضعة دقائق انفتح الباب بخفة و غادر نحو ألف شخص القاعة . و دخلها ألف غيرهم . و كنت مع هؤلاء الأخيرين .
و حالما انغلق الباب بدأ أحد “الجابونيست – و كان جالسا على المنصة – في قراءة “العريضة” .
لكنه ياللأسف !! كان بغيضا , بصوته الضعيف الرتيب بلا روح , بلا تفسير أو استخلاص , يتمتم الرجل بالنص أمام الحشد الحريص اليقظ . و قد انتهى من محاضرته المملة في عشر دقائق ثم يتم تفريغ القاعة لتستقبل ألف شخص آخرين  .
و بعد تشاور وجيز مع أصدقائي , أجمعنا أمرنا و هرعنا إلى المنصة . حتى ذلك اليوم لم أكن قد تحدثت أمام جماهير مطلقا . لكنني لم أتردد . كان من الضروري للغاية تغيير طريقة إعلام و تثقيف الناس .
ذهبت إلى العمال الذي كان على وشك تأدية واجبه مرة أخرى . فأخبرته : “لابد و أنك متعب . دعني أحل محلك . . . ” فنظر إلى في دهشة و ارتباك . إذ كانت المرة الأولى التي يراني فيها . فأكملت :” لا تخف . . أنا صديق (جابون) . . و هذا هو الدليل .” و أريته بطاقة (جابون) و أيد أصدقائي عرضي . .
و أخيرا استسلم الرجل فنهض و أعطاني “العريضة” و غادر المنصة . و هكذا بدات في القراءة على الفور مع الإستمرار في تفسير الوثيقة , و التأكيد على المقاطع الأساسية , الاحتجاجات و المطالب , و أنا على يقين بأن القيصر سيرفض .
قرأت العريضة عدة مرات , حتى وقت متأخر من الليل . و نمت ليلتها في “القطاع” مع بعض العمال على مناضد وضعت جنبا إلى جنب . و في الصباح التالي – يوم التاسع من يناير الشهير – كان علي أن أقرأ “العريضة” مرة أو مرتين . ثم خرجنا إلى الشارع . و كان هناك حشد ضخم ينتظرنا هناك مستعد للتحرك مع أول إشارة . و في تمام التاسعة صباحا اصطففت و أصدقائي , ذراع في ذراع , في ثلاثة صفوف و دعونا الجماهير أن تتبعنا و انطلقنا نحو القصر .
لكننا لم نصل إلى الميدان أو القصر .فقد كان علينا أن نعبر بوابة (نيفا) Neva عبر حائط من الجنود على مشارف ما يسمى جسر (ترو-يسكي) Troisky و بعد قليل من التحذيرات غير الفعالة بدأ الجنود في إطلاق النار . و كانت الزخات الثانية قاتلة . فتوقف الحشد و تفرق تاركا نحو ثلاثين قتيلا و ضعف هذا العدد as many من الجرحى . و يجب هنا أن أذكر أن الكثير من الجنود قد أطلقوا النار في الهواء , فتحطم عدد من نوافذ الطوابق العلوية في المنازل المواجهة للقوات بفعل الرصاصات .
مرت بضعة أيام و الإضراب الشامل باق على حاله في (سانت بطرسبورج)
و يجب أن نؤكد أن هذا الإضراب الهائل قد نفّذ بشكل عفوي . لم يطلقه أي حزب سياسي و لا أي جهاز إتحادي – إذ لم يكن في ذلك الوقت أي اتحادات في روسيا – و لم تكن هناك لجنة للإضراب . فجماهير العمال غادرت المصانع و الورش بمبادرة ذاتية و دافع حر . و لم تستطع الأحزاب السياسية ركوب الموجة للإستيلاء على الحركة , على عادتها , إذ تم تجاوز هذه الأحزاب تماما .
و مع ذلك واجه العمال سريعا السؤال التالي : ماذا نفعل الآن ؟
دق العوز أبواب المضربين , و كان يجب التصدي له بدون تاخير . و من ناحية أخرى تساءل العمال كيف يجب و كيف يمكن الإستمرار في النضال . و كانت الـ “قطاعات” و قد حرمت من قياداتها مشلولة عاجزة تماما . و لم تعط الأحزاب السياسية أية علامة على وجودها على قيد الحياة . و كانت هناك حاجة ملحة لوجود جهاز لتنسيق و قيادة الأحداث .
لست أدري كيف تم حل هذه المشكلة في الجزاءلأجزاء الأخرى من العاصمة , ربما استطاعت بعض “القطاعات” تقديم مساعدات مادية للمضربين في مناطقها , أما بالنسبة للحي الذي كنت أقطنه فقد اتخذت الأحداث منحى آخر و كما سيرى القاريء ستؤدي هذه الأحداث فيما بعد إلى عمل عام .
كان اجتماع من نحو أربعين من عمال الجوار يعقد في منزلي كل يوم . و قد تركتنا الشرطة لحالنا في ذلك الوقت . و قد حافظت الشرطة بعد الأحداث الأخيرة على حياد غامض . و قد استفدنا من هذا الحياد . و بحثنا عن سبل للتحرك . و كنا على وشك اتخاذ بعض القرارات . و قد قررنا , طلبتي و أنا , إنهاء مجموعتنا الدراسية و الإنضمام للأحزاب السياسية بشكل منفرد لنتحوّل إلى ناشطين . و قد اعتبر كل واحد منا الأحداث الجارية بداية الثورة .
 و ذات مساء , بعد حوالي ثمانية أيام من التاسع من يناير , دق أحدهم على باب غرفتي . و كنت وحدي . و كان شابا طويلا و قد تحدّث إليّ بطريقة متعاطفة منفتحة : ” أنت كذا و كذا ؟ ” و عندما أومأت ايجابا أكمل : ” لقد بحثت عنك طويلا . و قد عثرت على عنوانك أخيرا بالأمس . أنا (جورج نوصار) George Nossar ,  كاتب عدل . و سأشرح السبب من زيارتي . لقدد استمعت إليك في الثامن من يناير تقرا “العريضة” . و أرى أنه لديك الكثير من الأصدقاء , و الكثير من العلاقات مع الدوائر العمالية . و يبدو أنك لا تنتمي إلى أي حزب سياسي.”
“هذا صحيح.”
“حسنا , و أنا أيضا لا أنتمي إلى أي حزب , لكنني ثوري صورة شخصية و أتعاطف مع الحركة العمالية , لكن ليس لدي أية معارف بين العمال . و من جهة أخرى لدى اتصالات واسعة مع الأوساط البورجوازية نت الليبراليين الذين يعارضون النظام . لذلك فإن لدي فكرة معينة . أعلم أن الآلف من العمال يعانون بشكل رهيب , مع زوجاتهم و أطفالهم بسبب الإضراب و أنا أعرف بعض رجال الأعمال الأغنياء الذين يرغبون في مساعدة هؤلاء البائسين . و بإختصار , بإمكاني جمع مبالغ كبيرة نسبيا لصالح المضربين , لكن المشكلة هي كيفية توزيع هذه الأموال بشكل منظم و عادي و مفيد . و قد فكّرت فيك أنت , إذا كان بإمكانك أنت و بعض العمال الذين تعرفهم تحمّل مسئولية استلام المبالغ التي استطيع احضارها و توزيعها على المضربين و على أسر ضحايا التاسع من يناير ؟ “
قبلت على الفور . و كان من بين أدقائي عامل بإمكانه استخدام عربة رئيسه , و بالتالي يمكنه استخدامها لزيارة العمال لتوزيع الإغاثة .
و في الليلة التالية اجتمعت مع أصدقائي .  و كان (نوصار) حاضرا . و قد أحضر معه بالفعل بضعة آلاف من الروبلات . و بدأنا عملنا على الفور .
بعد حين , أنشغلت أيامنا بالكامل بهذه المهمة . في المساء كنت استلم الأموال اللازمة من (نوصار) , و أعدّ جدول أعمالي و زياراتي . و في الصباح التالي , والأموال على المضربين .  بمساعدة أصدقائي , كنا نوزع . و هكذا تعرّف (نوصار) على العمال الذين جاءوا لزيارتي .
لكن الإضراب كان ينكسر . في كل يوم كان هناك المزيد من العمال يعودون إلى العمل . و في وقت ما كانت الأموال تنفد .
و هنا برز إلى السطح نفس السؤال من جديد : ماذا نفعل ؟ كيف نستمر بالعمل . و ما الشكل الذي يمكن أن تتخذه الأحداث الآن ؟
كان إحتمال الإنفصال على خير دون محاولة مواصلة النشاط المشترك تبدو مؤلمة و بلا معنى . و لم يعد قرار الإنضمام إلى الأحزاب كلُ على حدة مرضيا لنا . كنا نريد شيئا آخر .
و كان (نوصار) يشارك بإنتظام في مناقشاتنا .
و ذات مساء , و كان هناك العديد من العمال في منزلي كاعادة , و كان (نوصار) هناك أيضا , طوّرنا فكلاة تشكيل منظمة دائمة للعمال : شيء من قبيل لجنة أو مجلس , يكون من شأنها تتبع تسلسل الأحداث , و تكون بمثابة حلقة الوصل بين كل العمال , تبلغهم عن الوضع و مستجداته , و يمكن أن تكون , إذا لزم الأمر , نقطة تجمع العمال الثوريين .
لست أتذكر على وجه التحديد ميف جاءت هذه الفكرة إلينا , لكني اعتقد أنها كانت فكرة العمال و إقتراحهم .
و الكلمة (سوفيات) , و التي تعني بالروسية “مجلس” , قد أطلقت لأول مرة على هذا المعنى المحدد .
و بالإختصار , مثّل المجلس الأول شيء ما كجمعية إجتماعية دائمة للعمال . و اعتمدت الفكرة , ز من هنا و هناك تقررت كيفية تنظيم الـ (سوفيات) و كيف يؤدي وظيفته .
و نما المشروع بسرعة .
و اتخذ القرار بإخبار العمال في كل المصانع الكبرى عن هذا التنظيم الجديد , و للمضي قدما , و لا يزال الأمر غير رسمي , في اتخاب أعضاء مكاتب التنظيم و الذي أطلق عليه لأول مرة “مجلس (سوفيات) مندوبي العمال” .
و هنا برز سؤال آخر : من سيوجه العمل في الـ (سوفيات) ؟ من سيرأسه و يرشده ؟
و قد عرض عليّ العمال هذا المنصب دون تردد .
و مأخوذا بثقة العمال التي عبروا عنها بعرضهم , لم التفت إلى هذا العرض قط . و أخبرت أصدقائي : ” أنتم عمال , و تريدون إنشاء منظمة تتعامل مع مصالحكم كعمال . فتعلموا إذن من البداية أن تتعاملوا مع مشاكلكم بأنفسكم , و لا تضعوا مصيركم في يد شخص ليس منكم , و لا تقيموا سادة جدد على أنفسكم , و إلا سينتهي الأمر بالسيطرة عليكم و خيانتكم . و أنا على اقتناع بأنه في كا ما له علاقة بنضالاتكم و تحرريركم , فإنه لا أحد غيركم سيكون قادرا على الوصول إلى نتائج حقيقية . كما أن أحدا لن يفعل شيئا لكم , بدلا عنكم . يجب أن تجدوا رئيسكم و أمينكم و أعضاء إدارة لجانكم من بينكم . و إذا احتجتم لأية معلومات أو توضيحات بشأن بعض المسائل المحددة , و بإختصار , إذا كنتم بحاجة لأية نصيحة فكرية أو أخلاقية من المفترض أنها تحتاج لقدر ما من التعليم فبإمكانكم الرجوع إلى المثقفين و المتعلمين الذين من المؤكد سيكونون سعداء , لا لقيادتكم كسادة لكم و لكن لإعطائكم ما تحتاجون من مساعدة بدون التدخل في منظمتكم . و هم ملزومون بمساعدتكم لأنه ليس بخطأكم أن حرمتم من التعليم الأساسي . و هؤلاء الأصدقاء المثقفين بإمكانهم حتى حضور إجتماعاتكم , و لكن كمستشارين فقط .
و قد أضفت اعتراض آخر : ” كيف يمكن أن أكون عضوا في تنظيمكم , و أنا لست عامل أصلا ؟ بأي طريقة يمكنني هذا ؟
و كانت الإجابة : ” هذا أسهل شيء . سنحصل على بطاقة عامل من أجلك .” و أشارك في التنظيم باسم آخر ! ! و قد اعترضت بقوة على هذا الإجراء , و اعتبرته ليس فقط مما لا يليق بي و لا بالعمال , و لكن أيضا إجراء خطر وخيم العواقب , : ” في الحركة العمالية يجب أن يتم كل شيء بصراحة , و صدق , و إخلاص .”
لكن برغم من اقتراحاتي , لم يشعر أصدقائي في أنفسهم القوة الكافية للقيام بالأمر بدون “دليل” . و هكذا قدّموا (تروتسكي) Trotsky , مفوض البلشفية في المستقبل . فدخل الـ (سوفيات) و عيّن في منصب الأمين . . و فيما بعد , عندما تم اعتقال (نوصار – خروستاليف) Khrustalev-Nossar , صار (تروتسكي) رئيسا للـ (سوفيات) .
و قد تابع العمال في العديد من المدن المثال الذي ضربه عمال العاصمة في يناير 1905 . فتشكلت الـ (سوفيات) العمالية هنا و هناك . برغم طبيعتها المؤقتة في ذلك الوقت . إذ كانت سرعان ما تتعرض لقمع السلطات المحلية .
لكن من جهة أخرى , استمر (سوفيات) (سانت بطرسبورج) في عمله طويلا . لأن الحكومة المركزية , بعد أحداث التاسع من يناير و بعد الهزائم الكبرى التي منيت بها في حربها ضد اليابان , لم تجرؤ على المساس به . و أكتفت باعتقال (نوصار) .
علاوة على ذلك فإن إضراب يناير قد انكسر بسبب افتقاده القوة الدافعة . و إذ غابت أي حركات أكثر اتساعا , فقد انحط نشاط الـ (سوفيات) الأول إلى مهام تافهة .
و قد قمع (سوفيات) (سانت بطرسبورج) أخيرا , بحلول نهاية 1905 . و وقفت الحكومة القيصرية على أقدامها مرة أخرى , و قامت بتصفية آخر بقايا الحركة الثورية , و اعتقلت (تروتسكي) و المئات من الثوريين , و دمّرت كل التنظيمات السياسية اليسارية .
لكن (سوفيات) (سانت بطرسبورج) , التي صارت (بتروجراد) , عاود الظهور مرة أخرى في وقت حاسم من ثورة فبراير – مارس 1917 , عندما تشكّلت الـ (سوفيات) في كل المدن و المناطق الرئيسية من البلاد . .

الثورة المجهولة / 8

القسم الثاني – الإنتفاضة الكبرى
( 1905 – 1906 )
———————
الفصل الأول
ملحمة الـ (غابونيست)
الإضراب العام الأول
———————
أما (زوباتوف) Zubatov من موسكو , فقد انكشف أمره سريعا . فلم يتمكن من إنجاز الكثير . لكن الأمور في (سانت بطرسبورج) سارت بأفضل ما يتمناه النظام . . كان الأب (غابون) Gapon ماكرا شديد المكر , و عمل في الظل , و عرف يكسب ثقة و ود المجموعات العمالية . و كان موهوبا بحق في التحريض و التنظيم و قد نجح بفضل موهبته هذه في إنشاء ما يسمى بـ “القطاعات العمالية” و التي قادها بنفسه . و في نهاية 1904 كان هناك أحد عشر قطاعا من هذه “القطاعات” , تقع في مناطق عدة من العاصمة و تضم في عضويتها عدة آلاف من العمال .
و كان العمال ينضمون طوعا لهذه “القطاعات” و كانوا يجتمعون مساءا لمناقشة مشاكلهم و الإستماع إلى المحاضرات و إلقاء نظرة على الصحف. و إن لم يتمكن النشطاء السياسيين من الأحزاب السياسية من النفاذ إلى هذه الإجتماعات بسهولة , إذ كان العمال الجابونيست يحرسون مداخل هذه الإجتماعات بحرص بالغ . و حتى من كان يستطيع التسلل داخل كان سرعان ما يكتشف أمره و يطرد على الفور .
و قد أخذ عمال (سانت بطرسبورج) “قطاعاتهم” على محمل الجد , و إذ وضعوا في (غابون) كامل ثقتهم , فقد أفضوا إليه بمشاكلهم و تطلعاتهم . و كان على إطلاع بمناقشاتهم كيفية تحسين أوضاعهم و أساليب الكفاح المختلفة ضد أرباب العمل . و لأنه كان نفسه ابنا لأحد الفلاحين الفقراء و قد أمضى حياته بين العمال , كان (غابون) يفهم جيدا سيكولوجية العمال الذين وثقوا فيه . و كان بارعا جدا في التظاهر بالموافقة و التعاطف مع الحركة العمالية . و هو ما كان مهمته الرسمية , على الأقل في البداية .
و كان الإقتراح الذي أرادت الحكومة أن تفرضه على العمال في “قطاعاتهم” ما يلي : ” يا عمال !! يمكنكم تحسين أوضاعكم من خلال تكريس أنفسكم لهذه المهمة ضمن الحدود القانونية و في إطار قطاعاتكم . تحقيق النجاح لا يحتاج للانخراط في السياسة . اهتموا بمصالحكم الشخصية الملموسة الحاضرة لتعيشوا حياة سعيدة . أما الأحزاب و الصراعات السياسية و كل البرامج التي يعدكم بها “الرعاة الأشرار” الإشتراكيين منهم و الثوريين , فلن تقودكم إلى شيء يستحق . اهتموا بمصالحكم الإقتصادية الحاضرة , هذا هو المسموح , و هذه هي الطريقة الوحيدة لتحسين وضعك . كما أن الحكومة تهتم لأمرك و تريد مساعدتك . ” . . كانت هذه أطروحة (غابون) و أعوانه الذين جندهم من بين العمال أنفسهم . و التي جرى التبشير بها في “القطاعات”.
أما العمال فلم يكونوا ليضيعوا وقتا قبل أن يردوا على هذه الدعوة . فتحضروا للعمل . و وضعوا و صاغوا مطالبهم بالإتفاق مع (غابون) الذي كان وضعه دقيقا للغاية . . إذ كان عليه أن يشارك بفعالية . و لو فشل في القيام بذلك فسيثير على الفور سخط العمال و ستنمو شكوكا أخطر حوله و سيتهمونه وقتها حتما بخيانتهم و دعم أرباب العمل . و سيفقد شعبيته حتما . الأمر الذي إذا حدث فسيعرض عمله كله للخطر . من أجل ذلك كان عليه أن يلعب لعبة مزدوجة . و كان عليه أن يحتفظ بعلاقات ودية مع العمال بأي ثمن . على أمل الإحتفاظ بتحكمه في الحركة و تلاعبه بالجماهير لتحديد و توجيه عملها . من أجل ذلك تصرف كما لو كان مؤيدا لقضية العمال تأييدا تاما .
لكن ما حدث كان عكس ما خُطٍّط له . إذ سرعان ما تجاوزت الحركة خطوطها الحمراء و اكتسبت بسرعة غير متوقعة مدى و قوة و زخما و خالفت كل الحسابات و قلبت كل التوقعات و سرعان ما أصبحت طوفانا حقيقيا جرف (غابون) في طريقه .
و في ديسمبر 1904 , قرر عمال مصنع (بوتيلوف) Putilov أحد أكبر المصانع في (سانت بطرسبورج) و كان الكثير منهم من أصدقاء (غابون) و أتباعه , البدء في العمل . و بالإتفاق مع (غابون) أعدوا قائمة من المطالب الإقتصادية المعتدلة جدا و قدموها للإدارة . و لم تحل نهاية الشهر حتى كان قد بلغهم أن الإدارة “لا تعتقد أنه من الممكن النظر في هذه المطالب” و أن الحكومة كانت عاجزة تماما عن فعل أي شيء حيال مطالبهم . ثم أقدمت إدارة المصنع على طرد بعض العمال الذين كانوا يعتبرون قادة هذه الحركة فطالب العمل بعودة زملائهم المطرودين إلى العمل . و قوبل طلبهم أيضا بالرفض .
كان غضب العمال هائلا . . فأولا لم تؤد جهودهم الشاقة إلى شيء . و ثانيا و هو الأهم أنهم كانوا على يقين بأن جهودهم ستكلل بالنجاح . و كان (غابون) نفسه قد شجعهم و ملأهم بالأمل . لكن ها هي الخطوة الأولى على الطريق القانوني لم تجلب لهم سوى الفشل المرير . كانوا يشعرون بأنهم قد خدعوا و أنهم ملتزمون أخلاقيا بالتدخل لصالح زملائهم المطرودين .
بطبيعة الحال تحولت أعين العمال إلى (غابون) . و لإنقاذ مكانته و دوره كان (غابون) أكثر سخطا من أي شخص آخر . و حث العمال على التوجه إلى المصنع و الرد بقوة . و لم يتردد العمال . شاعرين بأنهم في مأمن إذ كانت مطالبهم المعتدلة إقتصادية بحتة , و بأنهم تحت حماية (غابون) و “القطاعات” . و قرروا بعد عدة إجتماعات صاخبة أن يدعموا قضيتهم بالإضراب . و لم تتدخل الحكومة , ثقةً منها في (غابون) . . و هكذا اندلع اضراب مصانع (بوليتوف) , أول إضراب كبير في روسيا , في ديسمبر 1904 .
و لم تتوقف الحركة عند هذا الحد إذ تحرك العمال في كل “القطاعات” للدفاع عن حركة العمال في (بوليتوف) . و قد وقر في نفوسهم أن فشل عمال (بوليتوف) هو فشلهم جميعا . و كان من الطبيعي أن يتبنى (غابون) وجهة نظر العمال . و كان يزورالقطاعات في المساء . و يلقى الخطب في كل مكان لصالح المضربين في (بوليتوف) داعيا بقية العمال لدعم المضربين بإجراءات حاسمة .
مرت بضعة أيام . و قد أثار التحريض عمال العاصمة بصورة غير عادية . فجأة صارت المصانع خاوية على عروشها تلقائيا . بدون إعداد أو تخطيط . بدون إشارة أو علامة . بدون قيادة . . و هكذا تحول إضراب (بوليتوف) إلى إضراب عام بين كل عمال (سانت بطرسبورج) تقريبا .
كانت عاصفة . و هرع المضربون بشكل جماعي إلى “القطاعات” , متجاهلين جميع الإجراءات و القواعد , داعين إلى اتخاذ إجراءات فورية مؤثرة .
و بإختصار . كان الشعور الهام أن الإضراب وحده غير كاف . و أنه لابد من فعل شيء ما . شيء مؤثر و حاسم .
ثم خرجت فكرة جيدة . لا أحد يعلم كيف و لا أين و لا من الذي اقترح فكرة إعداد “عريضة” للقيصر باسم الفلاحين و العمال و كل مستاء في روسيا تدعمها مظاهرة ضخمة أمام قصر القيصر الشتوي تطالب القيصر بأن يستمع إلى مآسي شعبه . و تسليم “العريضة” له عن طريق وفد يرأسه “غابون” . و على الرغم من سذاجة الفكرة و تناقضها إلا أنها انتشرت بين عمال (سانت بطرسبورج) كالنار في الهشيم . وحدتهم و ألهمتهم و ألهبتهم بالحماس . . و أعطت لحركتهم معنى و هدفا محددا .
و التحمت “القطاعات” بالجاهير حيث قررت تنظيم الحدث . و طولب (غابون) بصياغة “العريضة” فاستجاب . . و هكذا أصبح تحت ضغط الظروف زعيما لحركة تاريخية كبرى للجماهير .
و كانت “العريضة” جاهزة خلال الأيام الأولى من يناير 1905 . واضحة و بسيطة و تنضح بالإخلاص و الثقة . و قد وضحت معاناة الشعب مع قدر كبير من الإخلاص , إذ سئل القيصر أن يلتفت إلى هذه المعاناة و أن يوافق على اصلاحات فعالة و أن يشرف على تنفيذها .
و كان غريبا – لكننا لا نشك أبدا – أن “عريضة” (غابون) قد ألهمت الجماهير حقا .
و كانت الخطوة التالية أن تعتمد “القطاعات” هذه “العريضة” و تقوم بإبلاغها للجماهير , و تنظم المسيرة باتجاه القصر الشتوي .
في هذه الأثناء دخل لاعب جديد في اللعبة . فالثوريون المنتمون لأحزاب سياسية , و الذين ظلوا حتى ذلك الوقت بعيدين عن الحركة و عن “الغابونية” قرروا لقاء “غابون” و كان هدفهم الرئيس التأثير عليه من أجل إعطاء موقفه و “عريضته” و حدثه نمطا أقل إنقيادا و أكثر كرامة و أكثر صلابة . . و باختصار أكثر ثورية . و قد قادته دوائر العمال التقدمية أيضا إلى هذا الإتجاه . و إذ أعطوه الأمان , أقام “غابون” علاقات مع الثوريين الإشتراكيين , و بالإتفاق معهم قام بتغيير “عريضته” الأصلية و وسّعها إلى حد كبير , مقللا تفانيها الموالي للقيصر .
في شكلها النهائي , كانت “العريضة” أعظم مفارقة تاريخية وجدت على الإطلاق . كانت موجهة إلى القيصر بإخلاص , تسأله أن يأذن بـ , بل و يقوم بما ليس أقل من ثورة جذرية , تؤدي في تحليلها النهائي للقضاء على سلطاته . و الواقع أنه قد تم إدراج الحد الأدنى من برامج الأحزاب الثورية في هذه الوثيقة . و كان من بين المطالب العاجلة : الحرية الكاملة للصحافة , و حرية التعبير و الفكر , و الحرية المطلقة لجميع المنظمات و الجمعيات , و حق العمال في الانضمام إلى النقابات و الحق في الإضراب , و بعض الإصلاحات الزراعية المبنية على مصادرة أملاك كبار ملاك الأراضي الزراعية لصالح الكوميونات الفلاحية (مير) , و أخيرا الدعوة الفورية لإنتخاب جمعية تأسيسية على أساس قانون إنتخابي ديموقرطي . . و على الإطلاق . . كانت دعوة صريحة للإنتحار .
و فيما يلي نعرض النص الكامل و النهائي للوثيقة :
 سيدي !!!
نحن عمال (سانت بطرسبورج) و زوجاتنا و أطفالنا و آباءنا و عجائزنا الذين بلا مورد , جئنا إليك أنت أيها القيصر نسأل العدل و الأمان .
لقد انحدر بنا الحال حتى صرنا متسولين . نحن المظلومون . المسحوقون تحت وطأة العمل الشاق . الغارقون في اللعنات . نحن من لا نعد من البشر نعامل معاملة العبيد الذين يجب أن يعانوا مصيرهم المحزن في صمت . و قد عانينا في صبر . و الآن ندفع إلى أعمق أعماق الهاوية . حيث لا شيء غير الجهل و الاستبداد . لقد خنقنا الإستبداد و خنقتنا المعاملة غير الآدمية .
لم يعد بإمكاننا تحمل المزيد . أيها القيصر!! . لقد حانت اللحظة الرهيبة التي يصير الموت فيها أهون من الإستمرار في معاناة لا تطاق . لهذا السبب توقفنا عن العمل . و لهذا السبب أخبرنا أصحاب العمل بأننا لن نعود إليه إلا إذا أجيبت مطالبنا العادلة .
لقد طلبنا أقل القليل . أنه بدون هذا الحد الأدنى لن تكون حياتنا حياة . بل جحيم . و عذاب مقيم .
كان ما طالبنا به رؤساءنا أن يأخذوا في الإعتبار احتياجاتنا بالإتفاق معنا . . و قد رفضوا . . لقد حرمنا من حقنا الأصيل في مناقشة احتياجاتنا بحجة أن القانون لا يعترف بهذا الحق .
رفض مطلبنا تحديد ساعات العمل بثمان ساعات يوميا بحجة عدم مشروعيته .
و طالبنا بالمشاركة في تحديد أجورنا , و المشاركة في التحكيم في حالة حدوث خلاف بين العمال والإدارة الداخلية للمصنع , طالبنا بحد أدنى للأجور روبل واحد يوميا لغير المهرة من العمال رجالا أو نساء , و بالغاء أوقات العمل الإضافية , و طالبنا بأمن و سلامة أماكن العمل حتى لا يموت عامل من المطر أو الريح أو الجليد . . و طالبنا برعاية المرضى . و ألا تصحب الأوامر المعطاة لنا بالشتائم .
و قد رفضت هذه المطالب كلها باعتبارها مخالفة للقانون . و صنفت صياغة المطالب بوصفها جريمة . و اعتبرت رغبتنا في تحسين أوضاعنا من قبل أرباب العمل وقاحة منا تجاههم .
أيها القيصر !! أيتفق هذا مع ما أوصى به الرب حين أعطاك علينا السلطة ؟ هل تستحق هذه الحياة تحت ظل هذه القوانين أن تعاش ؟ ألن يكون من الأفضل لنا , نحن عمال روسيا , أن نموت تاركين الرأسماليين و البيروقراطيين يعيشون وحدهم و يستمتعون بحياتهم ؟
سيدي !! هذا هو المستقبل الذي ينتظرنا . و هذا هو السبب الذي نجتمع من أجله اليوم أمام قصرك . أنت أملنا الأخير . ساعد شعبك ليخرج من فخ الخارجين على القانون , الفخ الذي لا شيء فيه غير البؤس و الجهل . و امنح شعبك فرصة , وسيلة لتحقيق خلاصهم الحقيقي . خلاصهم من ظلم البيروقراطيين الذي لا يطاق . لهدم الجدار الذي يفصل شعبك عنك . . و ادعهم ليحكموا هذا البلد معك .
لقد أرسلك الرب إلينا هاهنا لتقود الناس إلى سعادتهم . لكن موظفيك قد أخذوا منا سعادتنا شيئا فشيئا , و لم يقدموا لنا شيئا سوى الألم و الإذلال .
ابحث مطالبنا باهتمام و دون غضب . فقد صغناها للخير لا للشر . من أجل خيرنا و خيرك يا سيدي . ليس عن وقاحة منا , بل عن وعي بالحاجة العامة لوضع حد للوضع غير المحتمل الذي نعيشه اليوم .
إن روسيا كبيرة جدا . و مطالبها أكبر من أن تحققها حكومة تتألف من البيروقراطيين و حسب . لقد صارت مشاركة الشعب في الحكومة ضرورة لازمة لأن كل إنسان أدرى بما يحتاج .
لذا لا ترفض أن تساعد شعبك . ادع ممثلو جميع الطبقات في البلاد إلى التجمع دون تأخير . و اسمح للرأسماليين بالتمثيل . و اسمح للعمال بالتمثيل . و اسمح للموظفين و الكهنة و الأطباء و الأساتذة أن يختاروا مندوبيهم . و اسمح لكل فئة بالحرية في اختيار من تشاء . و تحقيقا لهذه الغاية , اسمح بانتخاب جمعية تأسيسية في ظل نظام للإقتراع العام .
هذا هو مطلبنا الرئيسي و عليه يتوقف كل شيء آخر . و هذا هو البلسم الشافي لجراحنا المفتوحة . المطلب الذي إن لم يتحقق فستظل جراحنا مفتوحة تنزف حتى الموت .
ليس هناك حل واحد . علاج واحد كاف شاف لكل مشكلات مجتمعنا . نحتاج علاجات متعددة . و سنذكرها لك بالتفصيل الآن . مخلصين نتحدث إليك سيدي . فأنت لنا أب .
و لا غنى عن التدابير التالية :
تتكون المجموعة الأولى من تدابير لمكافحة غياب الحقوق الأصيلة و ضد الجهل الذي يدمغ الشعب الروسي . و قد فصلنا هذه التدابير كما يلي :
            1 – الحرية و السلامة الشخصية . و حرية التعبير و الصحافة . و حرية تكوين الجمعيات . و حرية الفكر في الشئون الدينية . و الفصل بين الكنيسة و الدولة .
            2 – دعم الدولة و تعميمها للتعليم الإلزامي .
            3 – تحمل الوزراء المسئولية أمام الأمة . و ضمانات لشرعية الإجراءات الإدارية .
            4 – المساواة بين جميع الأفراد أمام القانون , بلا استثناء .
            5 – الإفراج الفوري عن جميع المسجونين بسبب معتقداتهم .
و تتألف المجموعة الثانية من تدابير لمكافحة الفقر
            1 – إلغاء جميع الضرائب غير المباشرة . و فرض ضرائب تصاعدية مباشرة على الدخل
            2 – إلغاء رسوم شراء الأراضي . و خفض فائدة الإئتمان . و تحويل ملكية الأراضي تدريجيا إلى الشعب
و تتالف المجموعة الثالثة من تدابير مكافحة سحق العمال من قبل رأس المال
            1 – الحماية القانونية للعمال .
            2 – حرية العمال في إنشاء نقابات لغرض التعاون و تنظيم المشكلات المهنية .
            3 – تحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا . و تقييد ساعات العمل الإضافي .
            4 – حرية العمال في النضال ضد رأس المال .
            5 – مشاركة ممثلي الطبقة العاملة في إعداد مشروع قانون بشأن التأمين الحكومي على العمال
            6 – الحد الأدنى للأجور .
هذه يا سيدي هي مطالبنا الرئيسية . فآمر للوفاء بها !! و أقسم لنا على تحقيقها !! و لسوف تجعل من روسيا بلدا سعيدا مجيدا . و لسوف ننفش اسمك في قلوبنا و قلوب أطفالنا و أطفال أطفالنا إلى الأبد .
لكن إن لم تعطنا وعدك . إن لم تقبل “عريضتنا” إليك . فقد قررنا أن نموت هنا . في هذه الساحة . أمام قصرك . إذ ليس لدينا من مكان نذهب إليه . أو أي سبب نحيا من أجله . و لم يعد أمامنا إلا أحد سبيلين . واحد يقود إلى السعادة و الحرية . و الآخر يقود إلى القبر . . حدد أنت أيها القيصر المسار !! و سنتابعه حتى لو قاد إلى الموت .
إذا كان على حياتنا أن تصير قربانا للخلاص من معاناة روسيا , فإننا سنصعد إلى المحرقة بكل ابتهاج
 و الجدير بالذكر أنه برغم كل العناصر المتناقضة التي احتوتها “العريضة” , فإن الحدث الذي كان يجري إعداده على قدم و ساق لم يكن بالنسبة للمراقب العليم بأكثر من نتيجة طبيعية تجميعية لعناصر اللعبة بأكثر منها نتيجة منطقية لضغط عوامل حقيقية مجتمعة .
فمن ناحية , لم تكن فكرة التظاهرة الجماعية أمام القيصر أكثر من مجرد مظهر من مظاهر إيمان الشعب الساذج في نية القيصر الحسنة , و التي سبق و أن وصفناها بـ “أسطورة القيصر” التي تمارس على الشعب , و قد عاد العمال الروس الذين لم تنقطع صلتهم قط بالريف لحظيا إلى تقاليد الفلاحين القديمة بعودتهم إلى “الأب الصغير” للحصول على المساعدة و الحماية . و مستفيدين من الوضع غير العادي الذي عرض لهم و قد أثارهم الفورة العفوية التي لا يمكن مقاومتها , حاول العمال التركيز على النقطة الحساسة للحصول على حل ملموس و نهائي . و بينما توقعوا , من أعماق قلوبهم , نجاحا جزئيا على الأقل , فقد أرادوا و قبل أي شيء أن يعرفوا موقعهم الذين يقفون فيه .
و من ناحية أخرى فإن تأثير الأحزاب الثورية – و التي لم تستطع فعل شيء أكثر من الوقوف جانبا عاجزة عن عن وقف الحركة ناهيك عن استبدالها بحركة أكثر ثورية – كان مع ذلك قويا بما يكفي لممارسة بعض الضغوط على جابون و إلزامه بـ “تثوير” حركته .
و بالإختصار كانت الحركة عملا غير شرعي , لكنه نتاج طبيعي للقوى الفاعلة .
أما دوائر المثقفين و الليبراليين فلم تفعل أكثر من المراقبة السلبية للأحداث أثناء وقوعها .
على إن سلوك و سيكولوجية (جابون) نفسه يمكن تفسيرها بالرغم من تناقضها الواضح . فهو ليس أكثر من مهرج , عميل مدفوع من الشرطة و قد اجتاحته الحركة الشعبية بموجاتها الهائلة و دفعته إلى الأمام بشكل لا يقاوم . و قد حملته الحركة معها في نهاية المطاف . ووضعته الأحداث رغما عنه على رأس الحشود التي ألّهته . و لا ريب أن روحه المغامرة الرومانتيكية هي ما جعلته يتغذى على هذا الوهم . و إذ كان واعيا بالأهمية التاريخية للأحداث فمن المحتمل أنه قد رسم لنفسه صورة مبالغ فيها . كان ير البلاد بأجمعها تتفجّر بالثورة , و العرش في خطر . و يرى نفسه . . (جابون) . . القائد الأعلى للحركة و معبود الشعب المرفوع إلى ذروة المجد . و مفتونا بحلمه هذا , و على ما يبدو تبريرا لواقعه , فقد قدّم نفسه في النهاية جسدا و روحا للحركة التي بدأها . و توقف دوره تماما كعميل للشرطة فلم يعد يفكّر فيه حتى في تلك الأيام العصيبة . و قد بهرته بروق العاصفة و استوعبه تماما دوره الجديد الذي و لابد قد بدا له كمهمة إلهية . لعل هذه كانت نظرة (جابون) في أوائل يناير 1905 . و لعله من المعقول أن نفترض أنه في هذه اللحظة و بهذا المعنى , كان مخلصا . على الأقل هذا هو افنطباع الشخصي لكاتب هذه السطور , الذي التقى (جابون) قبل الأحداث بأيام قليلة .
بل إن العامل الأغرب على الإطلاق , صمت الحكومة و الغياب الكامل لأي تدخل من جانب الشرطة خلال أيام الإعداد المحموم , يمكن أيضا تفسيره بسهولة . لم تستطع الشرطة قراءة أفكار (جابون) الجديد . لقد وثقوا فيه حتى النهاية و فسروا موقفه بكونه خطوة ماهرة من قبله ليس إلا . و عندما أصبحت الشرطة أخيرا على بينة من التغيير و الخطر الداهم , لم يعد بإستطاعتها أن توقف أو تسيطر علىالأحداث التي اندلعت بالفعل . أما الحكومة فعلى الرغم من دهشتها المبدئية , إلا أنها قررت أخيرا أن تنتظر فرصة للقضاء على الحركة بضربة واحدة . و حيث أنها لم تتلق أي أوامر , فإن الشرطة لن تتحرك . و ينبغي أن نضيف إلى هذا كله حقيقة غامضة و غير مفهومة شجعت الجماهير و رفعت آمالهم . . إذ كان تعليق الناس ” إن الحكومة لا تجرؤ على معارضة الحركة و لسوف ترضخ ” .
تم تعيين صباح الأحد 9 يناير – على حسب التقويم القديم – للقيام بالمسيرة باتجاه القصر الشتوي . و قد خصصت الأيام الأخيرة أساسا لقراءة “العريضة” علنا في “القطاعات” . و قد تكرر نفس التسلسل في كل مكان تقريبا . و على مدار اليوم , كان (جابون) بنفسه أو أحد أصدقاءه يقرأ “العريضة” و يعلق عليها لجماهير العمال الذين يتناوبون شغل أماكن الإجتماعات . و كان بمجرد أن يمتليء المكان , تغلق الأبواب و تتلى “العريضة” ثم يوقع الحاضرين بأسمائهم على ورقة منفصلة ثم يغادرون المكان . ليدخل حشد آخر من الناس المنتظرين دورم بصبر في الشارع ليتكرر الأمر و يستمر في كل القطاعات حتى بعد منتصف الليل .
و كان ما أعطى هذه الاستعدادات النهائية شكلها الدرامي , نداء الخطيب في الحشد المهيب , و حلف اليمين على الإستجابة للنداء . . يقول الخطيب : ” أيها الرفاق , من عمال و فلاحين و غيرهم !!” ” أيها الإخوة في البؤس !! كونوا مخلصين للقضية و للتظاهرة جميعكم . و تعالوا إلى الساحة أمام القصر الشتوي صباح الأحد . سيكون فشلك في القيام بذلك خيانة لقضيتنا . . تعالوا في هدوء و سلام و استمتعوا بوقتكم حتى تحين الساعة المحددة للإضراب . لقد حذّر الأب (جابون) القيصر . و أكّد له بصورة شخصية أنه سيكون في أمان بينكم . فإن سمحتم لأنفسكم بفعل في غير موضعه فإن الأب (جابون) سيسأل عن هذا . لقد استمعتم إلى “العريضة” . مطالبنا العادلة . و لن نستطيع مواصلة حياتنا البائسة هذه . لهذا السبب نحن ذاهبون إلى القيصر بأذرع مفتوحة و قلوبنا مليئة بالحب و الأمل . و كل ما عليه فعله هو استقبالنا و الإستماع إلى مطالبنا . و سيسلمه (جابون) “العريضة” بنفسه . . دعونا نأمل أيها الرفاق . دعونا نأمل أيها الإخوة بأن القيصر سيلتقي بنا و أنه سيستمع إلينا و أنه سيتخذ خطوات لتلبية مطالبنا العادلة . . لكن أيها الإخوة إذا – بدلا من أن يلتقينا القيصر – تحوّل علينا بالبنادق و السيوف . إذن يا إخوتي فليرحمه الرب !! و إذن فلن يعود لنا قيصر !! و إذن لتكن علي اللعنة إلى الأبد هو و سلالته جميعا !! . . أقسم و نقسم جميعا أيها الرفاق . . أيها الإخوة . . أيها المواطنون العاديون أننا لن ننسى خيانته . . و نقسم أننا سنحاول تدمير الخائن بكل وسيلة ممكنة . . . . . ” , و هنا يقف الحضور جميعا رافعين أيديهم مجيبين  : “نقسم !!”.
و عندما كان (جابون) يقرأ “العريضة” بنفسه – و قد قرأها مرة واحدة على الأقل في كل قطاع – كان يضيف :” أنا الكاهن (جورج جابون) , و من خلال إرادة الرب , أحلّكم في هذه القضية من اليمين الذي أقسمتموه للقيصر . و أبارك مقدما كل من يحنث به . لأننا في هذه القضية لم يعد لدينا قيصر !!! ” و إذ يشحب من الإنفعال , كان يكرر عبارته هذه مرتين أو ثلاثة للجمهور الصامت المرتجف .
“أقسموا على أن تتبعوني !! أقسموا برؤوس أعز الناس عليكم . أولادكم !!” ” نعم!! أيها الأب , نعم !! نقسم على رؤوس أطفالنا!!” كانت هذه هي الإستجابة دائما .
و في مساء الثامن من يناير , كان كل شيء جاهز للمسيرة . و علمت بعض دوائر المثقفين بالقرار الذي عزمت عليه الحكومة . لن يصل الحشد إلى القصر تحت أي ظرف . و إذا ما أصرت الحشود أطلقوا الرصاص بلا رحمة !! و على عجلة أرسل وفد إلى السلطات في محاولة لمنع سفك الدماء , لكن بلا جدوى . كانت الأوامر قد وصلت بالفعل , و كانت العاصمة قد صارت في قبضة قوات مسلحة حتى الأسنان .
أما الباقي فمعروف . في صباح الأحد التاسع من يناير , بدأت حشود هائلة من العمال – غالبا مع عائلاتهم – فضلا عن عناصر أخرى في التحرك باتجاه القصر الشتوي . عشرات الآلاف من البشر , رجالا و نساءا و أطفالا بدأوا في الخروج من كل أنحاء العاصمة و ضواحيها متحركين نحو المكان المعين للإجتماع .
و في كل مكان ذهبوا إليه كانت هناك قوات بمتاريسها و شرطة تطلق النار بلا انقطاع على هذا البحر البشري . لكن ضغط الجماهير المحتشدة – الضغط الذي كان في تزايد مستمر – هو ما مكّن هذه الحشود من الاستمرار في التقدم نحو القصر على أي حال , و بلا توقف . حتى امتلأت الشوارع المحيطة به . ألوف من البشر فرقتهم الطلقات لكنهم تحركوا بعناد نحو هدفهم , متخذين الشوارع الجانبية و الطرق الإلتفافية , مدفوعين بزخم الحدث  , بالفضول , بالغضب , بالحاجة إلى الصراخ استياءا و خوفا . . كثيرون استمروا , على الرغم من كل شيء , محتفظين بشرارة الأمل , مؤمنين بانهم إن نجحوا في الوصول إلى الميدان المقابل لقصر القيصر , فسيأتي لهم القيصر و سيتقبّلهم و سيصلح كل شيء , بينما اعتقد آخرون أن القيصر , و بإملاء الأمر الواقع , لن يعاند و سيجبر على التسليم . بينما بقى آخرون , الأكثر سذاجة , متصورين أن القيصر لم يكن على علم بما كان يحدث و أنه ر يعرف شيئا عن المجزرة . و أن الشرطة , التي أخفت عنه الحقيقة منذ البداية , تحاول الآن منع الناس من القدوم و الإتصال بـ :الأب الصغير” . و لذلك فإن عليهم الوصول إلى القيصر مهما كلّف الأمر . . و علاوة على ذلك أنهم كانوا قد أقسموا على الوصول إلى هناك . . و أخيرا فإن (جابون) كان هناك , و ربما كان قد نجح في الوصول إلى القيصر .
على أية حال اخترقت الموجات البشرية الطريق من كل ناحية و غزت أخيرا المحيط المباشر للقصر الشتوي و دخلت الميدان نفسه . و لم تجد الحكومة حلا أفضل من إطلاق النار , لتكتسح الحشود اليائسة غير المسلحة بموجات من النيران .
كان المشهد مرعبا . مشهد أغرب من الخيال  . شيء فريد في التاريخ . المدافع الآلية تضرب بدون تصويب , صراخ و نيران , ألم و غضب , و هذا الحشد الهائل , غير القادر لا على التقدم و لا على التراجع بسبب حجمه الذي يمنعه من الحركة , يتلقى ما عرف لاحقا بـ “حمام الدم” . و مدفوعة إلى الوراء قليلا مع كل جولة , كما لو كان بفعل عاصفة قوية من الرياح , و على الرغم من أنها قد ديست و اختنقت و سحقت جزئيا , تشكلت الحشود مرة أخرى , على جثث الموتى , و على القتلى و الجرحى , تدفعها الحشود الجديدة التي وصلت و التي استمرت بالوصول من خلفها . و استمر اطلاق النار يحصد أرواحا جديدة من هذه الكتلة الحية . و استمر هذا لمدة طويلة حتى صارت الشوارع الجانبية خاوية . و تمكن الحشد من الهروب .
هلك المئات من الرجال و النساء و الطفال في هذا اليوم في العاصمة . و قد اضطرت السلطات لاسكار الجنود لإسكات ضمائرهم و إزالة كل وازع لديهم . و في غمرة الجنون تسلى الجنود في إحدى الحدائق القريبة من القصر باسقاط الأطفال الذين تسلقوا الأشجار من أجل “رؤية أفضل” رميا بالرصاص .
و عندما حل المساء كان لنظام قد تم استعادته . و لم يعرف قط عدد الضحايا و لا حتى بالأرقام التقريبية . لكن ما هو معلوم حق العلم أنه و طوال الليل , كانت قطارات نقل طويلة تملأ بالجثث لنقلها خارج المدينة . و أن جثث هؤلاء المساكين قد دفنت عشوائيا في الحقول و الغابات .
و مما هو معلوم كذلك , أن القيصر لم يكن حتى في العاصمة في ذلك اليوم . فبعد أن أطلق يد السلطات العسكرية , لجأ إلى واحد من مقراته الصيفية , في (تسارسكوي سيلو) Tsarskoye Seloبالقرب من (سانت بطرسبورج) .
أما (جابون) , محاطا بحملة الأيقونات و صور قيصر , فقد قاد مظاهرة ضخمة تجاه القصر عن طريق بوابة (نارفا) Narva . و كما حدث في كل مكان آخر فقد قامت القوات المتمركزة على مداخ البوابة بتفريق الحشد . و نجا (جابون) نفسه بالكاد . إذ حالما أطلقت أول رصاصة , انبطح أرضا على بطنه و لم يحرك ساكنا . و للحظات فكّر الناس في أنه قد قتل أو أصيب . لكن اصدقاءه سرعان ما حملوه بعيدا إلى بر الأمان . حيث قص شعره و ارتدي كمدني .
ثم إنه قد استطاع الهرب خارج البلاد في وقت لاحق , بعيدا عن أي ملاحقة . و قبل أن يغادر روسيا أطلق نداءه القصير التالي للعمال :
“أنا , القس . ألعن كل هؤلاء . الضباط و الجنود , الذين قتلوا في هذه الساعة إخوانهم الأبرياء و النساء و الأطفال . ألعن كل ظالم للشعب . و أبارك كل الجنود الذين قدّموا المساعدة للشعب في نضاله من أجل الحرية . و أحلّهم من قسمهم بالولاء للقيصر – القيصر الخائن الذي سالت دماء الشعب بأوامره .”
بالإضافة لهذا فقد أعد بيانا آخر قال فيه :
” أيها الرفاق العمال !! . لم هناك قيصر !! . اليوم تدفقت سيول من الدماء بينه و بين الشعب الروسي . لقد آن أوان ليتعهد العمال الروس النضال من أجل تحرير الشعب منه . لكم بركاتي في هذا النضال . غدا أكون وسطكم  و اليوم أعمل من أجل الوقفة .”
و قد وزّع هذا البيان بأعداد كبيرة في أنحاء البلاد .
و قد يكون هذا أفضل مكان لبضع كلمات تعرض المصير الذي آل له (جابون) . .
استقر الكاهن السابق الذي أنقذه أصدقاءه خارج البلاد . و قد أحاطه بعض الثوريون الإشتراكيون برعايته . و سيعتمد في حياته من الآن فصاعدا على نفسه . و قد أعطي كل ما هو يتطلبه قطع علاقته بالماضي , و استكمال تعليمه و صياغة موقفه الأيديولوجي . و بالإختصار ليصبح حقا رجل المعركة .
لكن (جابون) لم يأبه لكل هذا . لأن الشرارة المقدسة التي اشتعلت يوما ما في روحه المظلمة لم تكن في دخيلة نفسه أكثر من نار الطموح و المجد الشخصي . فسرعان ما انطفأت . و بدلا من أن يكرّس نفسه من أجل التعليم الذاتي و الإعداد لنشاطات جادة , كان (جابون) سعيدا بالخمول , و الخمول أبو الضجر . و لم يعن العمل الصبور البطيء شيئا له . إذ كان يحلم بتكرار فوري مجيد لمغامرته العابرة . لكن الأحداث في روسيا استقرت . و الثورة العظيمة لم تأت . و تزايد ضجره . و اخيرا تحول إلى الفجور في محاولة للنسيان . فصار يقضي معظم أوقاته في الملاهي الليلية نصف المظلمة بصحبة المومسات . و كان يبكي بكاءا مرا أوهامه المحطمة . و قد عذّبه الوضع في بلاده . و أراد العودة إلى روسيا بأي ثمن .
و قد ملأته فكرة الكتابة لحكومته , و استغفارها للحصول على إذن للعودة من أجل تقديم خدماته مرة أخرى . فكتب إلى الشرطة السرية . و استأنف علاقاته بها .
و قد تلقى رؤساؤه السابقين عرضه بصورة إيجابية إلى حد ما . لكن قبل الموافقة على طلبه سئل دليلا ماديا على توبته و حسن نيته .  و إذ كانوا واعين بمعرفته الشخصية بأعضاء مؤثرين في الحزب الإشتراكي الثوري , فقد طالبوه بتقديم معلومات دقيقة عنهم من شأنها مساعدتهم في إنزال الضربة الحاسمة بهذا الحزب . و قد قبل (جابون) هذا العرض .
في غضون ذلك . تنامى إلى سمع أحد الأعضاء المؤثرين في الحزب – المهندس (روتمبرج)Rutemberg , أحد أصدقاء (جابون) المقربين – عن علاقات (جابون) الجديدة مع الشرطة . فأوصل الأمر إلى اللجنة المركزية في الحزب , التي أوكلته – كما روى (روتمبرج) عن ذلك في مذكراته – مهمة القيام بكل ما في وسعه لكشف (جابون) .
و كان على (روتمبرج) أن يلعب دورا , و قد أداه بنجاح حاز معه على ثقة (جابون) , الذي افترض أن المهندس قد خان حزبه طوعا مقابل مبلغ ضخم من المال . و كان هذا بالضبط ما اقترحه (جابون) عليه . و قد فعل (روتمبرج) كما لو كان قد قبل فعلا . و اتفقوا على أن يبلغ الشرطة , عن طريق (جابون) بعض أسرار الحزب المهمة جدا .
و تساوموا على السعر , المساومة التي تظاهر بها (روتمبرج) و أمضاها عمدا , بينما قام بها (جابون) بموافقة الشرطة , لتنتهي أخيرا في روسيا عندما صار كا من (جابون) و (روتمبرج) قادرين على العودة .
 و شهدت (سانت بطرسبورج) آخر فصول المسرحية, ففور وصوله , اتصل (روتمبرج) ببعض العمال الين كانوا أصدقاءً أوفياء لـ (جابون) محذرا . و قد رفضوا التصديق بأنه خائن . فعرض عليهم (روتمبرج) أن يقدّم دليلا غير قابل للجدل . و تم الإتفاق مع عمال (جابون) على الاختباء لحضور الاجتماع الأخير بين (جابون) و (روتمبرج) . و هو الإجتماع الذي سيقبض فيه (روتمبرج) ثمن خيانته ليتم تسوية هذا الأمر مرة و إلى الأبد .
و قد عقد الاجتماع في فيلا مهجورة على مقربة من العاصمة . و اختبأ العمال في غرفة بجوار الغرفة التي ستتم فيها المقابلة . و كان عليهم البقاء في هذه الغرفة و يحرصوا على ألا يراهم أحد , ليقتنعوا بالدور الذي لعبه (جابون) و يتمكنوا من فضحه للعامة .
لكن العمال لم يتمالكوا أنفسهم . فبمجرد أن أقتنعوا بخيانة (جابون) , حتى اقتحموا الغرفة التي كان الرجلان يتفاوضان فيها . و ألقوا بأنفسهم على (جابون) و أمسكوا به , و بالرغم من توسلاته – التي كانت مثيرة للشفقة إذ جثا على ركبتيه و توسل للمغفرة باسم ماضيه – إلا أنهم قتلوه بوحشية . حيث وضعوا الحبل حول عنق و شنقوه في السقف . و تركوه على هذه الحالة حتى عثر على جثته مصادفة في وقت لاحق .
و هكذا انتهت ملحمة (جابون) الشخصية .
و قد حاول (جابون) في مذكراته – التي كانت صادقة إلى حد كبير – برعونة أن يبرر بطريقته الخاصة علاقاته مع الشرطة قبل 9 يناير 1905 . لكنه لا يبدو في هذه النقطة صادقا جدا . .
أما بالنسبة للحركة , فقد تابعت طريقها .
كان لأحداث التاسع من يناير تداعيات هائلة في كافة أرجاء البلاد . ففي أعمق زوايا الرض جهلا , علم الناس في ذهول سخط أنه بدلا من أن يستمع لى الناس القادمين إلى القصر سلميا ليخبروا القيصر مآسيهم , أعطى الحاكم أوامره ببرود بإطلاق النار . و لمدة طويلة , كان الفلاحين يرسلون مندوبين من قراهم سرا إلى (سانت بطرسبورج) لتحسس الحقيقة .
و سرعان ما عرف الجميع الحقيقة . و هنا فقط تلاشت “أسطورة القيصر” . و في مفارقة تاريخية أخرى , كان بعض الثوريين قد أغتالوا القيصر سنة 1881 ليقتلوا الأسطورة . لكنها نجت . ليقتلها القيصر بنفسه بعد أربعة و عشرين سنة .
و في (سانت بطرسبورج) تسببت أحداث التاسع من يناير في توسيع الإضراب . الذي تحول إلى إضراب عام كامل . و في العاشر من يناير لم يكن هناك مصنع و لا حوض سفن واحد يعمل . و توغلت حركة تمرد صامتة في كل مكان . أول إضراب ثوري كبير لعمال روسيا – إضراب عمال (سانت بطرسبورج) – قد صار أمرا واقعا . .
و صار هناك استنتاج هام يمكن استخلاصه من كل ما سبق :
قبل أن يبدأ الناس في فهم طبيعة القيصرية الحقيقية , و مجمل الوضع , و مهام النضال الحقيقية , فإنهم يحتاجون العيش خلال تجربة تاريخية ملموسة , واسعة النطاق . النتيجة التي لم تؤد إليها لا الدعاية و لا تضحيات المتحمسين .

الثورة المجهولة / 7

الفصل الخامس
القرن العشرين
التنمية المتسارعة . الدفع الثوري . النتائج
(1900 – 1905 م )
———————
مع بداية القرن العشرين , أصبحت الأحداث و الخصائص التي ذكرناها للتو أكثر وضوحا .
فمن ناحية قرر النظام الإستبدادي الحفاظ على نفسه من خلال جميع الوسائل الممكنة  بدلا من الإستجابة لتطلعات الجماهير . ليس فقط بقمع جميع الحركات الثورية و لكن جميع أشكال التعبير المعارضة أيضا . و في خلال هذه الفترة حولت حكومة (نيقولا الثاني) الإستياء الشعبي المتزايد عنها عن طريق حملات دعاية مضادة للسامية واسعة النطاق , يليها تحريض بل و حتى تنظيم لمذابح ضد اليهود .
و من ناحية أخرى تواصلت التنمية افقتصادية في البلاد بوتيرة متسارعة . ففي فترة السنوات الخمس ما بين 1900 إلى 1905 قفزت الصناعة و التكنولوجيا قفزات واسعة . و كان معدل إنتاج النفط في (باكو) و إنتاج الفحم في (دونيتز) و إنتاج المعادن قد قارب معدلاته في الدول الصناعية الأخرى . و جرى التوسع في الطرق و وسائل النقل . . السكك الحديدية و الشاحنات و النقل النهري و البحري عبر المحيطات . . و تحديثها . و وظفت مؤسسات المقاولات الآلاف بل و حتى عشرات الآلاف من العمال في المدن الكبرى و ضواحيها . و ظهرت مناطق صناعية بأكملها أو جرى توسيعها . و على سبيل المثال أن نحصر مصانع (بوتيلوف) الكبرى و أحواض بناء السفن الواسعة في (نيفسكي) و مصانع البلطيق الكبيرة فضلا عن مصانع (بطرسبورج) . و قد عمل في الضواحي الصناعية في العاصمة عشرات الآلاف من العمال . في (كولبينو) و (تشو خوفو) و (سيستروريتش) . و المنطقة الصناعية في (إيفانوفو- فوز – نيسينك) بالقرب من (موسكو) و مصانع عديدة مهمة في جنوب روسيا , في (خاركوف) و (إيكاترينوسلاف) و أماكن أخرى . و لم يكن هذا التطور السريع معروفا خارج روسيا لغير المعنيين . . و رغم ذلك , أو بسببه , لا يزال الكثيرون يعتقدون أنه في الفترة السابقة لصعود البلشفية لم يكن هناك أي صناعة تقريبا في روسيا و أن الصناعة كان انجاز الحكومة البلشفية بالكامل . لكن الحق أن التطور كان كبيرا , ليس من وجهة النظر الصناعية المحضة و حسب , بل و من وجهة النظر الإجتماعية أيضا . فقد أدى التصنيع إلى نمو سريع للبروليتاريا . و وفقا لإحصائيات تلك الفترة , بلغ عدد العمال في روسيا الملايين الثلاثة بحلول 1905 .
و في ذات الوقت تقدمت البلاد تقدما سريعا في الشئون الثقافية . و تقدم تعليم الكبار بسرعة أيضا . و قد وصل عدد الجامعات و مدارس التعليم العالي في سنة 1905 إلى حوالي الثلاثين , و اعتمد معظمها على معونة الدولة , باستثناء عدد قليل منها دعمتها أموال البلديات . و تبعا لتقليد قديم من ناحية و نتيجة لإصلاحات (ألكسندر الثاني) من ناحية أخرى كان نظام الجامعات الأساسي ليبراليا جدا و سمح بقدر كبير من الإستقلال الداخلي . و قد حاول كل من (ألكسندر الثالث) و (نيقولا الثاني) تقليص هذا الاستقلال , لكن أثارت كل محاولة من هذا النوع الكثير من الاضطرابات مما حدا بالحكومة في نهاية الأمر بالكف عن هذه المشاريع .
و كان اختيار أساتذة الجامعات و المدارس العليا من بين خريجي الجامعات يتم وفقا لإجراءات محددة .
و في كل المدن تقريبا , حتى غير المهمة منها , كان التعليم الثانوي متاحا . كم أتيح التعليم الإعدادي للأولاد و البنات . و قد أسست المدارس الثانوية الدولة أو الأفراد أو المجالس البلدية . و في جميع الحالات اعتمدت برامج التدريس التي وضعتها الدولة , و كان التدريس فيها جميعا متماثلا . و كان تدريس الدين إلزاميا .
و كان اختيار أعضاء هيئة التدريس في المدارس الثانوية يتم من المجتمع الجامعي فيما عدا استثناءات قليلة . و كان برنامج الدراسة يشمل ثماني سنوات إلزامية تنتهي بالحصول على الدبلومة المؤهلة للدراسة الجامعية . و كان بإستطاعة الطلبة الحصول على سنة تحضيرية إضافية قبل الجامعة .
و زاد عدد المدارس الإبتدائية في المدن و الريف في سرعة . و جرى تأسيسها من قبل الدولة أو المجالس البلدية . و كانت جميعها تحت رقابة و سيطرة الحكومة . و كان التعليم الإبتدائي مجاني لكنه لم يكن إلزامي . و قد فرضت الدولة بطبيعة الحال التعليم المسيحي في المدارس الإبتدائية . و توجب على المدرسين , رجالا و نساء , في المدارس الإبتدائية الحصول على دبلومة من أربعة سنوات من المدارس الثانوية .
و لاقت الدورات المسائية للكبار و بعض الجامعات الشعبية المنظمة تنظيما جيدا اقبالا كبيرا في كل المدن الكبرى . و قد كرست البلديات و بالأخص بعض الأفراد أنفسهم في حماس لهذه المؤسسات .
و كان أبناء العمال و الفلاحين ندرة في المدارس الثانوية و الجامعات بصورة واضحة . إذ كانت تكلفة هذا التعليم مرتفعة جدا . خلافا للأسطورة الذائعة بأن ارتياد هذه المدارس كان ممنوعا على أبناء العمال و الفلاحين . و قد كانت غالبية الطلبة من أسر المثقفين من أصحاب المهن الحرة و الموظفين و رجال الدين و من الأسر البرجوازية .
و حقيقة أن الأوساط الفكرية قد اعتنقت عقيدة أقل ما توصف به أنها متحررة هو ما مكّن دعاية الأفكار التقدمية من أن تجد لنفسها مكانا بجانب المناهج الدراسية في العديد من المدارس البلدية و الأهلية . برغم رقابة الشرطة .
و كان المحاضرين في الجامعات الشعبية و المعلمين في المدارس الإبتدائية في أغلب الأحيان من الأوساط الثورية . و قد تسامح المدراء , و كانوا غالبا ذوي ميول ليبرالية معهم . و أجادوا كيفية “ترتيب الأمور” مما صعّب الأمر على السلطات أن تعارض هذه الدعاية .
و بالإضافة إلى التعليم المدرسي و المحاورات , اتخذ التعليم مكانه عبر الكتابة و النشر . إذ ظهرت كمية هائلة من المنشورات و الكتيبات الشعبية . و كان يتوفر على تأليفها عادة أكاديميون , أو كانت تتألف من مقتطفات لكبار الكتّاب . و تناولت هذه الكتيبات جميع العلوم , و حللت المشاكل السياسية و الإجتماعية بروح تقدمية للغاية . و كانت الرقابة الرسمية عاجزة في مواجهة هذه الفيضانات المتزايدة . و ابتدع المؤلفين و الناشرين وسائل عديدة لخداع السلطات اليقظة .
فإذا أضفنا إلى ذلك كله نشر الأدب الثوري السري و الكتابات الإشتراكية بين أوساط المثقفين و الطبقة العاملة , فسيتكون لدينا فكرة جيدة عن الحركة الواسعة من التعليم و الإعداد الذي ميّز الفترة بين 1900 و 1905 .
لقد سمحنا لأنفسنا أن نقدم بعض التفاصيل الضرورية لفهم الطابع التدريجي للحركات الثورية التي أعقبت . و ينبغي أن نؤكد أن هذه الحركة من التطلعات السياسية و الإجتماعية قد اكتملت من خلال تطور أخلاقي ملحوظ .
حرر الشباب أنفسهم إذن من جميع الأحكام المسبقة . في الدين و الوطنية و الجنس . و في بعض النواحي كانت الدوائر الطليعية الروسية و لفترة طويلة أكثر تقدما من مثيلاتها في الدول الغربية . و كانت المساواة بين البشر المساواة بين الدول , بين الأعراق , بين الجنسين إضافة إلى الزواج الحر union libre و إنكار الأديان , من الثوابت الموروثة في هذه الدوائر منذ أيام العدميين . و قد أنجز الكتاب الروس بلينسكي Belinski , و (هيرزن)Herzen , و (تشيميشيفسكي)Chernyshevsky , و (دوبرولوبوف)Dobrolubov  , و (بيساريف) Pissarev , و (ميخائيلوفيسكي) Mikhailovsky , مهمة هائلة في جميع هذه الميادين . . لقد تعلمت عدة أجيال من المثقفين معنى التحرر الكامل . على الرغم من التعليم الإلزامي ذو المحتوى المعاكس الذي فرضه النظام القيصري .
و في نهاية المطاف صارت هذه الروح التحررية تقليدا مقدسا و حقا ثابتا للشباب الروسي . و بينما كانوا يخضعون لما يمليه التعليم الرسمي , إلا أنهم سرعان ما كانوا ينبذونه بمجرد حصولهم على الدبلومة .
“لا تذهبوا إلى الجامعة !!” هكذا صاح مطران أبرشيتنا في حفل توزيع شهادات الدبلومة علينا نحن الطلبة المتخرجين من المدرسة الثانوية . “لا تذهبوا إلى الجامعة !! لأنها وكر مثيري الشغب . كان هذا المطران الطيب يعرف ما كان يحدث . فمع إستثناءات قليلة للغاية فإن جميع من ذهب إلى الجامعة قد صار من الثوار . و كانت كلمة طالب تساوي كلمة متمرد .
فيما بعد , و بعد أن يكبر هؤلاء الذين كانوا ذات مرة متمردين , كثيرا ما كانوا ينسون دوفعهم الأولى تحت ضغوط الحياة . لكن شيئا ما ظل هناك . عقيدة الحرية , روح المعارضة , شرارة حية تحت الرماد على استعداد أن تنشب حريقا ضخما في أول فرصة مناسبة .
و رغم ذلك ظلت الحالة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للطبقة العاملة دون تغيير . و كان العمال يتعرضون لإستغلال متزايد من الدولة و البرجوازية , مجردين من كل وسيلة للدفاع , محرومين من كل حق في التجمع و التوحد , من أن يسمع صوتهم أو أن تحدد مطالبهم , من التنظيم و من النضال و من الإضراب . . كان العمال ماديا و معنويا غير راضين .
و في الريف , كان الفقر و عدم الرضا بين الجماهير الفلاحية في تزايد . كان الفلاحين و هم حوالي 175 مليونا من النفوس مهملين . حيث اعتبرتهم الدولة “حيوانات بشرية” . و كان العقاب البدني حقيقة واقعة حتى 1904 برغم حظره قانونا منذ 1863 . و كان الفلاحين يفتقرون إلى الثقافة العامة و التعليم الإبتدائي و كانت أدواتهم بدائية و غير كافية . و مع غياب نظام الإئتمان و جميع أشكال الحماية أو المعونة . و في ظل الضرائب المرتفعة جدا و المعاملة القاسية المتعسفة و الإزدراء من قبل السلطات و الطبقات المتميزة و استمرار تجزئة أراضيهم نتيجة تقسيم الأرض بين أفراد الأسرة الجدد . و المنافسة المستمرة بين الـ (كولاك) الفلاحين الأغنياء و طبقة النبلاء الإقطاعيين . . كانت تلك كلها أسبابا منوعة لبؤسهم . . حتى الكوميونات الزراعية . . الـ (ميرات)(1) الروسية الشهيرة . . لم تعد قادرة على دعــــــم أعضاءها . و علاوة على ذلك , فإن حكومات كل من (ألكسندر الثالث) و خليفته (نيقولا الثاني) قد بذلت كل ما وسعها لتحويل الـ (مير) إلى هيئة إدارية بسيطة تحت مراقبة و حراسة الدولة . و كان الغرض الأساسي من هذه الهيئة الإدارية هو إجبار الفلاحين على دفع الضرائب و الرسوم .
كان و لابد , و الوضع على هذا الحال , أن تلقى الدعاية الإشتراكية و النشاط الثوري بعض النجاح . فانتشرت الماركسية سرا لك بقوة , و وجدت العديد من الأتباع المخلصين و بخاصة في أوساط الطلبة و بين بعض العمال . و قد كان تأثير حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي الذي تأسس 1898 محسوسا في كثير من المدن و المناطق على الرغم من كونه غير قانوني – و الحق أن كل الحزاب كانت كذلك – .
و مع تحول التشدد الحكومي ضد النشطاء إلى الوحشية , كان هناك عدد لا يحصى من المحاكمات السياسية و تدابير القمع الإداري و العنف الجسدي من جهة الشرطة . و امتلأت السجون و أماكن الأشغال الشاقة و معسكرات النفي . و مع ذلك , و رغم قدرة الحكومة على الحد من نشاط الحزب و نفوذه إلى الحد الأدنى إلا أنها لم تنجح في خنقه كما نجحت في خنق الجماعات السياسية الأولى .
بعد عام 1900 , و على الرغم من كل الجهود التي بذلتها السلطات , نمت الحركة الثورية إلى حد كبير . و اصبحت الإضطرابات الطلابية و العمالية حدثا يوميا . و أغلقت الجامعات مرارا بسبب الاضطرابات السياسية . و كانت استجابات الطلاب المدعومين من العمال هي التظاهر في الأماكن العامة . و قد أصبحت ساحة كاتدرائية (كازان) في (سانت بطرسبورج) البقعة الكلاسيكية لهذه المظاهرات الشعبية حيث يتجمع الطلبة و العمال يغنون الأغاني الثورية و يحملون الأعلام الحمراء . ثم ترسل الحكومة مفارز من الشرطة و الـ (قوزاق) لـ “تطهير” الساحة و الشوارع المجاورة بالسيوف و السياط (ناجايكاس) .
لقد بدأت الثورة تستفتح الشوارع . .
و مع ذلك , و من أجل إعطاء القاريء فكرة دقيقة عن الوضع العام فسنتحفظ تحفظا آخر . فالصورة التي رسمناها للتو دقيقة حقا , لكن لو نظرنا فقط إلى هذه الصورة دون إجراء تصحيحات كبرى من الإشارة إلى مجمل السكان في البلاد فإننا نخاطر بالمبالغة . و سوف ينتهي بنا الأمر إلى استنتاج تقييمات عامة خاطئة لن تؤدي إلا لفهم خاطيء للأحداث اللاحقة .
فلا يجب أن ننسى أنه من كتلة هائلة من السكان تتألف من نحو 180 مليون نفس لم تتأثر بالحركة الفكرية التي وصفاها إلا طبقة صغيرة جدا في الواقع تتالف من بضعة آلاف من المثقفين و بخاصة الطلبة و نخبة من الطبقة العاملة في المدن الكبرى . أما بقية السكان من جماهير فلاحية لا تحصى و غالبية الطبقة العاملة فكانوا مايزالون خارج المد الثوري . بل و حتى غير مبالين بها . لكن منذ 1900 كانت أعداد العمال في الدوئر التقدمية في ازدياد و وصل المد الثوري إلى جماهير الفلاحين البائسين على نحو متزايد . لكن في الوقت نفسه كانت كتلة واسعة من الشعب – الكتلة المعول علي تغيرها  في تحديد التغيرات الأجتماعية – لا تزال على حالها . . كان ” التناقض الروسي ” على حاله . و كانت “أسطورة القيصر ” لاتزال قادرة على إبهار الملايين . بالنسبة لهذه الكتلة كان المد الثوري ليس أكثر من موجة بحر عابرة . . صغيرة و سطحية . . فقط أربعة من العمال شاركوا في المؤتمر الإشتراكي الديموقراطي في لندن 1903 .
و لا يجب أن ننسى أن كل أتصال بين هؤلاء الذين في مقدمة المد الثوري و بين من كانوا في الطريق إليه , و بين كتلة السكان الذين ظلوا متخلفين عن ذلك المد , كان مستحيلا .
و هذا الإعتبار يجب أن يضعه القاريء في ذهنه باستمرار من أجل فهم الحداث اللاحقة .
و في 1901 انضم إلى المد الثوري عنصر جديد . . فبجانب حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي , قام الحزب الإشتراكي الثوري . و قد لاقت دعاية هذا الحزب نجاحا كبيرا . .
و الحزبان يختلفان أيديولوجيا في نقاط ثلاث :
1 – من وجهة نظر فلسفية و إجتماعية يرفض الحزب الإشتراكي الثوري التعاليم الماركسية .
2 – و بسبب رفضه للتعاليم الماركسية , فقد وضع الحزب الإشتراكي الثوري حلا مختلفا لمشكلة الفلاحين – و بخاصة في روسيا – . على حين أن حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي و المستند فقط على الطبقة العاملة (البروليتاريا) لم يعول على الجماهير الفلاحية كثيرا – بإنتظار تحولها السريع إلى (بروليتاريا) – و أهمل بالتالي الدعاية في المناطق الريفية . على حين أمل الحزب الإشتراكي الثوري في كسب الفلاحين إلى صف الإشتراكية و الثورة . حيث بنيت أيديولوجيته على أساس من استحالة انتظار تحول الفلاحين إلى (بروليتاريا) . و بالتالي فقد نفذ دعاية واسعة النطاق في المناطق الريفية . . و في حين لم يعد الحزب الاشتراكي الديموقراطي في برنامجه الزراعي بأكثر من توسيع أراضي الفلاحين و بعض الإصلاحات الثانوية الأخرى . على حين نص برنامج الحزب الإشتراكي الثوري على إشتراكية فورية كاملة للأرض .
3 – و إذ يتشق العمل مع الجماهير تماما مع عقيدته فقد رفض الحزب الإشتراكي الديموقراطي جميع النشطة الإرهابية و الإغتيالات السياسية و اعتبرها عديمة الجدوى . و على الطرف الآخر تورط الحزب الإشتراكي الثوري في محاولات لإغتيال كبار رجال القيصر . و أنشأوا تنظبما خاصا اطلق عليه اسم “كائن المعركة” . و كان مكلفا بإعداد و تنفيذ عمليات الإغتيالات السياسية بتوجيه من اللجنة المركزية .
عدا عن هذه الخلافات كانت البرامج السياسية و الإجتماعية قصيرة الأجل “برامج الحد الأدنى” واحدة لـدى الطرفين تقريبا : جمهورية برجوازية ديموقراطية تمهد الطريق لحدوث تطور في اتجاه الإشتراكية .
و فيما بين 1901 و 1905 قام الحزب الإشتراكي الثوري بعدة محاولات إغتيال , كان لبعضها تداعيات كبيرة . ففي 1902 قام (بالماتشيف) Balmachev الطالب الناشط في الحزب الإشتراكي الثوري بإغتيال (سيبياجين) Sipiagin وزير الداخلية ,  في 1904 قام طالب آخر يدعى (سازونوف) Sazonov بإغتيال (فون بليهفي) خليفة (سيبياجين) و المشهور بقسوته . و في 1905 قام الإشتراكي الثوري (كالاييف) Kalayev بإغتيال الدوق الأكبر (سيرجي) حاكم موسكو الملقب بالمرزبان البشع .
بالإضافة إلى هذين الحزبين السياسيين كان كانت هناك أيضا حركة أناركية صغيرة تتشكل . كانت ضعيفة للغاية و مجهولة تماما من الشعب . و قد تألفت من بعض المجموعات من المثقفين و العمال و فلاحي الجنوب بدون اتصال دائم . و ربما كانت هناك مجموعتان اناركيتان في (سانت بطرسبورج) و أكثر من ذلك قليلا في (موسكو) و إن كانت الأخيرة أكثر قوة و نشاطا . فضلا عن مجموعات صغيرة في الجنوب و الغرب . و اقتصر نشاطهم على دعاية ضعيفة للغاية – برغم صعوبتها البالغة أو ربما بسببها – و بعض محاولات الإغتيال ضد الموظفين المتحمسين للنظام و بعض أعمال “الانتقامات الفردية” . و جاء الأدب التحرري مهرّبا من الخارج . و كان في معظمه عبارة عن كتيبات لـ (كروبوتكين) و الذي اضطر هو نفسه للهجرة خارج البلاد بعد انهيار (نارودنايا وليا) حيث استقر في انجلترا .
و قد سببت الزيادة المتسارعة في المد الثوري قلقا متزايدا لدى الحكومة . أما ما أزعج السلطات أكثر فكان تقبل الطبقة العاملة لهذه الدعاية بشكل إيجابي . و بالرغم من عدم قانونيته مما شكل مشكلة في وجودها , كان لدى كلا الحزبين الإشتراكيين لجان و دوائر دعاية و مطابع سرية و عدد لا بأس به من المؤيدين في العديد من المدن الكبرى . و قد اجتذبت اغتيالات الحزب الإشتراكي الثوري قدرا كبيرا من الإهتمام , بل و الإعجاب . و عندما وصل الأمر إلى هذا الحد قررت الحكومة أن أساليبها الدفاعية عن طريق القمع و الترصد و التجسس و الاستفزاز و السجون و المذابح ليست كافية . . و من أجل إبعاد الجماهير العاملة بعيدا عن نفوذ الأحزاب الإشتراكية و جميع الأنشطة الثورية الأخرى , تبنت خطة ميكيافيلية كان بإمكانها نظريا أن تحكم قبضة الحكومة على الحركة العمالية . إذ قررت أن تطلق منظمة عمالية قانونية تسيطر عليها الحكومة . و بذلك تضرب عصفورين بحجر واحد : فمن ناحية ستجذب الحكومة تعاطف و امتنان و ولاء الطبقة العاملة , و تسحبها بعيدا عن الأحزاب الثورية . و من ناحية أخرى فإن الحكومة ستكون قادرة على قيادة هذه الحركة العمالية أينما أرادت , فضلا عن مراقبتها عن كثب .
و ليس هناك من شك أن مهمة مثل هذه في غاية الدقة كانت تتطلب لجذب العمال إلى منظمات الدولة و لتهدئة شكوكهم و إثارة إهتمامهم , الكثير من التملق و الخداع و الإغراء , بدون علمهم . . و كان من الضروري التظاهر بتلبية تطلعاتهم و التفوق على الحزبين و تحييد دعاياتهما بتجاوزها , و لاسيما مع أعمال ملموسة . . و كان على الحكومة لتحقيق نجاحات ملموسة أن تقدم بعض  التنازلات في النظام الإقتصادي و الإجتماعي , لكي تحتفظ بالعمال تحت رحمتها تتلاعب بهم كما تشاء .
و كان على رجال تضع فيهم الحكومة ثقتها المطلقة أن يضطلعوا بتنفيذ مثل هذا “البرنامج” . رجال ماكرين , ماهرين , ذوي خبرة , و على دراية بنفسية العمال . رجال يعرفون كيف يفرضون أنفسهم على العمال و يكسبون ثقتهم .
و قد وقع اختيار الحكومة على عنصرين من عناصر الشرطة السياسية السرية (أوخرانا) للإضطلاع بهذه المهمة . كان أولهما (زوباتوف) Zubatov من (موسكو) و كان الآخر الأب (غابون) Gapon قسيس سجن (سانت بطرسبورج) .
أرادت حكومة القيصر أن تلعب بالنار , و لم يمض طويل وقت حتى أحرقت نفسها بقسوة ..

مير Mir : كوميونة زراعية قوامها فلاحين أحرار تئول فيها ملكية الأرض للكوميونة و تعتمد على التنظيم الذاتي في استغلال الأرض . و يرجع تاريخ تكونها إلى عهد سابق على نظام القنانة في محاولة الفلاحين الإحتفاظ بأرضهم و حريتهم . وبعد إلغاء نظام القنانة 1868 آلت ملكية الأراضي المستقطعة من الإقطاعيين إلى الـ (مير) . و مع تزايد السكان الطبيعي صار الـ (مير) عاجزا عن دعم أعضاءه . و قد حاول (ستوليبين) Stolypin بإصلاحاته 1908 كسر الـ (مير) بلا جدوى . صحيح أن بعضها قد تحول إلى أراضي ملكيات فردية إلا أن الـ (مير) قد استمر كوحدة إدارية و ضريبية لما بعد قيام ثورة 1917 حتى 1928 – 1929 مع إدخال مفهوم المنظمات الجماعية حين حلت محلها المزارع الجماعية كبديل لها . (المترجمة)

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 6

الفصل الرابع
نهاية القرن
الماركسية . التطور السريع . الرجعية
( 1881 – 1900م )
———————
بعد فشل حملة العنف التي قادها الـ (نارودانيا فوليا) ضد القيصرية , شاركت الكثير من العوامل في تحول الحركة الثورة الروسية . و كان أهم هذه العوامل هو ظهور الماركسية .
و كما هو معروف فإن الماركسية قد عبرت عن تصور جديد للنضال الإجتماعي . تصورا أدي إلى برنامج عمل ثوري ملموس . و تمثل في أوروبا الغربية في حزب الطبقة العاملة السياسي المدعو بالحزب السياسي الديموقراطي .
و على الرغم من كل العقبات , كانت أفكار (لاسال) الإشتراكية و انجازات (ماركس) معروفة . إذ درست و بُشّر بها و مورست سرا في روسيا . و قد برع الأدب في فن التعامل مع الأفكار الإشتراكية باستخدام لغة معمّاة . و قد عادت المجلات الكبيرة المعروفة للظهور بحماسة كبيرة  بين المساهمين الذين كانوا أفضل الصحفيين و الناشرين في ذلك الوقت . و الذين حللوا بشكل منظّم المشاكل الإجتماعية و المذاهب الإشتراكية و وسائل تحقيقها . و إننا لا نبالغ في تقدير قيمة هذه المنشورات بالنسبة للحياة الثقافية للبلد إذا قلنا أنه يستحيل على أسرة مثقفة أن تكون كذلك بدونها . و كان من الضروري في المكتبات أن يوضع اسم الشخص على قائمة الإنتظار للحصول على أحدث إصدار . و قد تلقى أكثر من جيل من الروس تعليمهم الإشتراكي من هذه المجلات , و أكملوا هذا التعليم من خلال قراءة جميع أنواع المنشورات السرية .
و هكذا حلت الأيديولوجية الماركسية المستندة على العمل المنظم لـ (البروليتاريا) محل آمال الدوائر التآمرية السابقة , الخائبة
و كان العامل الآخر المهم هو التطور السريع المطرد للصناعة و التكنولوجيا , مع كل العواقب بعيدة المدى الخاصة به .
فمن شبكات السكك الحديدية و غيرها من وسائل النقل , إلى التعدين و التنقيب عن النفط , إلى المنسوجات , إلى صناعة الماكينات , تطورت كل هذه الأنشطة الإنتاجية بخطوات واسعة لتعوض ما فاتها . و انتشرت المناطق الصناعية في جميع أنحاء البلاد . و تغيرت بيئة مدن عديدة بسبب المصانع الجديدة و بسبب الأعداد المتزايدة من العمال .
فقد دعم هذه الطفرة الصناعية قوي عاملة تتألف من جموع هائلة من الفلاحين البائسين الذين أجبروا إما على ترك ترك أراضيهم غير الكافية بصورة دائمة أو البحث عن عمل إضافي أثناء فصل الشتاء . و كما في كل مكان آخر كلما تقدمت الصناعة تقدمت (البروليتاريا) . . و كما في كل مكان آخر , بدأت هذه (البروليتاريا) في إذكاء الحركة الثورية .
و هكذا كان انتشار الأفكار الماركسية و نمو (البروليتاريا) الصناعية التي يعتمد عليها الماركسيين , هي العناصر الساسية في تحديد الوضع الجديد .
و احتاجت التنمية الصناعية و ارتفاع مستوى المعيشة بشكل عام في جميع المجالات إلى المتعلمين و المهنيين و الفنيين و العمال المهرة . و تزايدت أعداد المدارس بكافة أنواعها في اطّراد الرسمية و البلدية و الخاصة . في المدن و الريف . جامعات و مدارس فنية متخصصة و غيرها منمنشئات التعليم العالي وكانت المدارس الإبتدائية و الدورات المهنية في كل مكان . و خلاصة القول كان 79% الجنود أميين في سنة 1875 , و بحلول 1898 انخفضت هذه النسبة إلى 55% .
جاء هذا التطور كله خارج إطار النظام السياسي ذو الحكم المطلق . بل و كان معارضا له في كثير من الأحيان . و تمسك النظام في عناد بجموده السخيف المعرقل حتى صار كجثة نجثم فوق جسد البلد الحـي .
و بالتالي , و على الرغم من القمع الوحشي , انتشرت الحركة المناهضة للملكية جنبا إلى جنب مع الدعايات الثورية و الإشتراكية على نطاق واسع و على نحو متزايد .
و حتى الجماهير الفلاحية – الأكثر تخلفا و الأكثر تعرضا للظلم في آن – بدأت تتزحزح . . يحثها الفقر و المعاملة غير الإنسانية من ناحية و تجاوب أصداء الدعايات المحرضة من ناحية أخرى . و قد نفذت هذه الأصداء إلى أوساط الفلاحين عبر المثقفين الذين كانوا يعملون في الـ (الزيمستفات) حيث كانوا يعرفون باسم (زميستكي رابوتنيكي) =  مستخدمين البلديات . و عبر العمال الذين كانت تربطهم علاقات عائلية مع الريف . و عبر العمال الموسميين و البروليتاريا الزراعية . و كانت الحكومة عاجزة في مواجهة هذه الدعاية .
و ما إن نصل إلى نهاية القرن حتى نجد قوتان واضحتان في مواجهة إحداهما الأخرى . أولاهما القوة القديمة و تتألف من الطبقات صاحبة الإمتيازات العالية الذين تجمعوا حول العرش , النبلاء و ملاك الأراضي و البيروقراطيين و العسكريين و كبار رجال الدين و البرجوازية الناشئة . و كانت الثانية قوة ثورية شابة تألفت أساسا بين 1890 و 1900 من جموع الطلبة , لكنها بدأت تستقطب العمال الشباب في المدن و المناطق الصناعية .
و في 1898 أنشأ التيار الثوري ذو الميول الماركسية حزب العمال الإشتراكي الروسي . و كانت أولى المجموعات الإشتراكية الديموقراطية قد تكونت سنة 1883 تحت اسم ” تحرير العمال “.
بين هاتين القوتين المتضادتين وقفت قوة ثالثة . تألفت أساسا من ممثلي الطبقة الوسطى و عدد من المثقفين البارزين , أساتذة جامعات و محامين و كتاب و أطباء . . كانت حركة ليبرالية على استحياء . و على الرغم من تقديمهم الدعم للحركة الثورية سرا و بحذر شديد , اعتقد هؤلاء الناس في “الإصلاحات” و كانوا على أمل أنه تحت التهديد بالثورة الوشيكة – كما في عهد (ألكسندر الثالث) – سيقدم النظام الاستبدادي المزيد من التنازلات مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء نظام دستوري .
وحدها الجموع الفلاحية ظلت خارج هذه المعادلة .
و عندما توفي (ألكسندر الثالث) ترك العرش لابنه نيقولا . . آخر آل رومانوف . .
و أدعت أسطورة غامضة أن القيصر مؤمن بالأفكار الليبرالية . بل و تمادت إلى حد الزعم بأنه قد منح شعبه دستورا من شأنه أن يقيد السلطات المطلقة للقيصر تقييدا .
و سعيا لتحويل رغباتهم إلى حقائق , التمست بعض المجالس البلدية (زيمستفو) الليبرالية على استحياء شديد من القيصر الشاب حقوقا نيابية تمثيلية .

و في يناير 1895 و في أثناء الاحتفال زواج (نيقولا الثاني) , و إذ كان القيصر يتلقى أفواج المهنئين من النبلاء و الجيش و المجالس البلدية في (سانت بطرسبورج) إذ فوجيء أعضاء المجالس البلدية بالقيصر يتمعّر غضبا و يضرب الأرض بقدمه و هو يصرخ في هيستيريا داعيا المجالس البلدية لنبذ “أحلامها المجنونة” إلى الأبد . . و قد عزز قوله على الفور عن طريق اتخاذ تدابير قمعية ضد “محرضين” معينين على مواقف المجالس البلدية “التخريبية” . . و هكذا تم التأكيد على الرجعية و الإستبداد مرة أخرى ضد تطور البلاد العام .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 5

الفصل الثالث
القمع . العنف . و الفشل
إستمرار التنمية
( 1855 – 1881م )
———————
كان على الإمبراطور ألكساندر الثاني ابن نيقولا الأول و خليفته أن يواجه وضع النظام و البلاد الصعب . و قد اضطر القيصر تحت ضغط السخط العام و ضغوط الطبقة المثقفة التقدمية و و الخوف من انتفاضة الجماهير الفلاحية و أخيرا الضرورات الإقتصادية في تلك الفترة للرضوخ و السعي في طريق الإصلاح على الرغم من المقاومة المريرة من الدوائر الرجعية . حيث قرر أن يضع حدا للنظام البيروقراطي البحت و تعسف الموظفين الإداريين المطلق و تأسيس تغييرات بعيدة المدى في النظام القضائي . و قبل كل شيء مواجهة مشكلة القنانة .
فمنذ 1860 و صاعدا تتالت الإصلاحات في إثر بعضها في تعاقب سريع و دون إنقطاع . و كان أهمها . إلغاء القنانة 1860 . إنشاء محاكم للجنايات مع انتخاب هيئة محلفين 1864 و التي حلت محل محاكم الدولة السابقة المؤلفة من موظفين . إنشاء وحدات الإدارة المحلية في المدن و الريف 1864 و كانت الـ ( جورديسكي ساموبراليني) و الـ (زامتوفو) هي أشكال البلديات في المناطق الحضرية و الريفية . مع الحق في الحكم الذاتي في مجالات معينة من الحياة العامة كالتعليم و الصحة  و النقل . . إلخ .
و هكذا تحولت جميع القوى الحيوية للسكان و بخاصة للمثقفين إلى المشاريع التي صارت الآن ممكنة . و كرست البلديات نفسها بحماس لإنشاء سلسبلة من المدارس الإبتدائية ذات الإتجاه العلماني . و كانت البلديات و المدارس كلتاهما تحت رقابة الحكومة . و كان التعليم الديني إلزاميا و لعب البابا أدوارا هامة . و رغم ذلك تمتعت المدارس بقدر من الإستقلالية و أختارت الـ (زامتوفو) و المجالس الحضرية أعضاء هيئة التدريس من بين المثقفين التقدميين .
و كُرّس أيضا جانب كبير من الإهتمام لتحسين الأوضاع الصحية في المدن و تحسين وسائل النقل .
و تنفست البلاد المزيد من الحرية .
و مع ذلك , و على الرغم من أهميتها مقارنة بالوضع في السابق , كانت إصلاحات (ألكساندر الثاني) خجول جدا و غير مكتملة بالنسبة لتطلعات الطبقات المتقدمة و للإحتياجات المادية و المعنوية للبلاد . فلكي تكون فعالة , و لإعطاء الناس زخما حقيقيا كان يجب على الإصلاحات أن تكون مصحوبة بمنح حريات معينة و حقوق مدنية : حرية التعبير و حرية الصحافة و الحق في التجمع و تكوين الجمعيات و ما إلى ذلك في هذا المجال . و مع ذلك لم يتغير شيء . فنادرا ما كانت الرقابة أقل سخفا . و بقيت حرية التعبير و الصحافة مكممة . و لم تمنح أية حريات . و كانت الطبقة العاملة الناشئة بلا حقوق . و كانت طبقات النبلاء و الإقطاعيين و البورجوازية هي الطبقات المسيطرة . و قبل كل شيء بقي النظام الإستبدادي سليما لم يمس . لقد كان الخوف من تغيير النظام تحديدا هو ما دفع بـ (ألكسندر) أن يلقي ” عظمة الإصلاح ” للناس , و هو أيضا ما منعه من المضي في تنفيذها حتى النهاية . و هكذا فشلت الإصلاحات في إرضاء الناس . .
و تقدم الظروف التي تم فيها إلغاء القنانة أفضل مثال على ما نقوله .  و هي تشكل أضعف نقطة في الإصلاحات .
فالإقطاعيين , و بعد صراع عبثي طويل , كان لابد لهم و أن ينحنوا أمام قرارات القيصر العليا . القرارات التي توصل إليها بعد تذبذبات طويلة دراماتيكية و تحت ضغط العناصر التقدمية النشطة . لكنهم من جانبهم قد فعلوا كل ما في وسعهم لجعل تأثير هذه الإصلاحات ضئيلا . و قد كان القيام بذلك بالنسبة لهم من أيسر المهام , لأن (ألكسندر الثاني) نفسه كان بطبيعة الحال لا تريد أن تنتهك ” المصالح المقدسة ” لـ ” نبلاءه المحبوبين ” . و كان الخوف من الثورة في المقام الأول هو ما أملى عليه مبادرته . و كان يعلم أن الفلاحين قد سمعوا عن نواياه و عن الخلافات التي تحيط بهذا الموضوع في البلاط . و كان يعلم أن صبرهم قد وصل هذه المرة إلى نهايته , و أنهم يتوقعون تحريرهم . و أنهم إذا عرفوا بتأجيل الإصلاح فإن الإنفعالات التي ستتبع ذلك يمكن أن تثير تمردا واسعا رهيبا . و قد أعرب القيصر في مناقشته الأخير مع معارضي الإصلاح عما بداخله بجملته الشهيرة : ” من الأفضل إعطاء الحرية من أعلى بدلا من انتظار أن تنتزع من أسفل ” . . و قد فعل كل ما في وسعه لجعل هذه الحرية , أعني إلغاء القنانة , غير ضارة بمصالح الإقطاعيين بقدر الإمكان . . و في ذلك كتا الشاعر (نيكرازوف) Nekrasov في قصيدته المدوية :”  كسرت السلسلة الحديدية في النهاية . . نعم كسرت . . و ضرب أحد طرفيها السيد الإقطاعي . . لكن طرفها الآخر ضرب الفلاح . . “
 و مما لا شك فيه أن الفلاحين قد حصلوا على حريتهم أخيرا . لكنهم دفعوا ثمنها أيضا باهظا . و قد حصلوا بالفعل على مزارع صغيرة المساحة , لأنه من الواضح أن تحريرهم كان مستحيلا من دون منحهم قطعا من الأرض كبيرة بما فيه الكفاية لمنعهم من الموت جوعا . و علاوة على ذلك و بالإضافة إلى ضرائب الدولة التي كان عليهم أن يدفعوها لمدة طويلة , فقد تعين عليهم رسوما ضخمة نظير الأراضي التي سلبت من أصحابها . و تجدر الإشارة إلى أن أكثر من 75 مليونا من الفلاحين قد تلقوا أكثر قليلا من ثلث الأرض بينما أبقت الدولة نحو ثلث الأرض في حوزتها و ظل الثلث الباقي في أيدي أصحابها السابقين . و قد أفضت هذه التدابير بالفلاحين إلى حياة المجاعة . . و أبقتهم تحت رحمة الـ (البومشيق) , ثم تحت رحمة الـ (كولاك) و هم الفلاحين الذين اغتنوا بشكل أو بآخر .
و كان العمال من سكان المدن عزّل تماما ضد الاستغلال المتزايد .
و قد جعل غياب حريات التعبير و الصحافة , فضلا عن منع جميع اللقاءات ذات المضمون السياسي أو الإجتماعي من أي انتقاد أو دعاية أو نشاط إجتماعي أو تداول حر للأفكار ضربا من المستحيل .
و كان الشعب ” مفعولا به ” للسلطة التعسفية ذات الحكم المطلق لا أكثر . صحيح أن السلطة قد صارت أقل ضراوة مما كانت عليه أيام (نيقولا الأول) إلا أنها لم تصر أبدا أقل عسفا أو إطلاقا .
أما بالنسبة للجماهير الفلاحية , فظلت كالثيران تحمل الأثقال . و كانت الأثقال هي عبء تمويل الدولة و الطبقات صاحبة الامتيازات .
و سرعان ما أصبح أفضل ممثلي المثقفين الشباب على بينة من هذا الوضع المؤسف . و كانوا جميعا الأكثر أسي , لأن بلدان الغرب في ذلك الوقت كان لديها أنظمة سياسية و إجتماعية متقدمة نسبيا . و حوالي عام 1860 كانت أوروبا الغربية في خضم النضالات الإجتماعية , و كانت الإشتراكية قد بدأت دعايتها المكثفة و بدأت الماركسية في مهمة تنظيم الطبقة العاملة في حزب سياسي قوي .
و كما كان الأمر من قبل , واصل أفضل الناشرين تحدي الرقابة و التحايل عليها . الرقابة التي لم تحظ عادة بقدر جيد من التعليم أو الذكاء الكافي ما يمكنه أن يمكنها من فهم براعة و تنوع الأساليب . . على الرغم من أن (تشيميشفيسكي) Chernyshevski قد دفع في نهاية المطاف ثمن جرأته عملا بالسخرة . و قد نجح الناشرون في إيصال الأفكار الإشتراكية إلى الأوساط الفكرية من خلال المقالات المكتوبة للمجلات التقليدية . و بهذه الطريقة تم تثقفيف الشباب و إبقاءهم على اتصال دائم بالتيارات الفكرية و الأحداث السياسية و الإجتماعية التي تحدث في الخارج . و في نفس الوقت كانوا يكشفون بمهارة عن الجزء الخفي في ” إصلاحات ” (ألكسندر) . . دوافعها الحقيقية و نفاقها و أوجه قصورها .
و بالتالي فإنه من الطبيعي أن نعزو تشكيل الجماعات السرية من أجل النضال الفعال ضد النظام البالي في روسيا و قبل كل شيء إيصال فكرة التحرر السياسي و الإجتماعي للطبقة العاملة إلى هذه الفترة .
و تألفت هذه الجماعات من شباب من كلا الجنسين كرسوا أنفسهم بروح من التضحية السامية من أجل مهمة ” تنوير الجماهير العاملة ” .
و هكذا تشكلت حركة واسعة من الشباب الروس المثقفين الذين تركوا – و بأعداد هائلة – عائلاتهم و وسائل راحتهم و وظائفهم و ألقوا بأنفسهم تجاه الشعب من أجل تنويره.
في الوقت نفسه بدأت أنشطة إرهابية موجهة ضد موظفي الخدمة الرئيسيين في النظام . و في ما بين 1860 و 1870 جرت محاولات عدة لإغتيال العديد من كبار المسئولين الحكوميين . و بعض المحاولات الفاشلة ضد القيصر .
و قد انتهت هذا الحركة بالفشل إذ ألقت الشرطة على كل من قام بدعاية تقريبا . و في كثير من الأحيان على أساس دعاوى الفلاحين أنفسهم . و تم سجنهم أو نفيهم أو إرسالهم للأشغال الشاقة . و كانت النتائج العملية للحركة معدومة .
أصبح من الواضح بشكل متزايد أن القيصرية تقف عقبة كأداء في سبيل تنوير الناس . و كان من الضروري أن تقطع خطوة واحدة أبعد للوصول إلى النتيجة المنطقية التالية : حيث أن القيصرية تمثل هذه العقبة فلابد من تدميرها .
و كان من خطى هذه الخطوة هم مجموعة من الشباب الرث اليائس و كان هدفهم الرئيسي إغتيال القيصر . و قد أدت عوامل أخرى أيضا إلى اتخاذ هذا القرار . فالرجل الذي خدع الناس بـما أطلق عليه اسم ” الإصلاحات ” كان يجب أن يعاقب علنا . كان يجب كشف الخداع أمام الجماهير العريضة . و كان يجب جذب انتباه هذه الجماهير بفعل دراماتيكي رهيب . و بإختصار كانت فكرتهم أن القضاء على القيصر ستظهر للشعب هشاشة و ضعف النظام و طابعه العارض المؤقت .
و كان رأيهم أن أسطورة القيصر هكذا ستدمر مرة واحدة و إلى الأبد . و ذهب بعضهم في نفس السياق إلى أبعد من هذا , إلى الإدعاء بان إغتيال القيصر سيكون بمثابة نقطة الإنطلاق و التي في تطور السياق العام ستنتهي إلى الثورة و إلى سقوط القيصرية على الفور .
و قد تمكنت المجموعة التي أطلقت على نفسها اسم (نارودنايا فوليا) = إرادة الشعب بعد استعدادات مفصلة من إغتيال القيصر الذي كان مسافرا , في (سانت بطرسبورج) في أول مارس 1881 . حيث ألقى الإرهابيون قنبلتين على المركبة الإمبراطورية فدمرت الأولى العربة و أصابت الثانية الإمبراطور في ساقيه بجروح قاتلة . حيث توفي على الفور .
 لكن الجماهير لم تفهم هذا الفعل قط . ذلك أن الفلاحين الذين لا يقرأن المجلات , و بالأحرى لا يقرأون شيئا حال كونهم أميون كانوا معزولين عما هو خارج عالم عاداتهم و قد تجاهلتهم كل دعاية بينما وقعوا فريسة أسطورة القيصر لأكثر من قرن . فكان تفسير الفلاحين لحادث الإغتيال أن القيصر لم يرد لهم سوى الخير لكن نواياه الطيبة هذه قد أحبطها النبلاء و الإقطاعيين بإغتياله إنتقاما لأنفسهم من إلغائه القنانة و على أمل استعادتها . و قد وجد الفلاحون في مقاومة النبلاء لتحريرهم و في الدفع الإلزامي للرسوم الكبيرة دليلا آخر على أن إغتيال القيصر كان مؤامرة من النبلاء .
قتل القيصر و بقيت الأسطورة . و سيرى القاريء كيف تكفلت السنوات الأربع و العشرين التالية بالقضاء على هذه الأسطورة .
لم تفهم الجماهير و لم تتحرك . و راحت الصحافة المستعبدة تصرخ : ” المجرمون الوضعاء ” و ” الأوغاد المروعين ” و ” البلهاء ” .
و في البلاط لم تحدث الكثير من الفوضى إذ تولى السلطة على الفور ولي العهد (ألكسندر) الشاب أكبر أبناء الإمبراطور المغتال .
و تم العثور على قادة حزب (نارودنايا فوليا ) , أولئك الذين نظموا و نفذوا عملية الإغتيال . ألقي القبض عليهم و حوكموا و أعدموا . و كان أحدهم (جرينفيتسكي) Grinevetski الشاب الذي ألقى القنبلة التي قتلت القيصر قد أصيب بجروح قاتلة جراء الإنفجار و توفي على الفور . و تم إعدام (صوفيا بيروفيسكايا) Sofya Perovskaya و (زيليابوف) Zheliabov و (كيبال شيتش) Kibal-chich الفني الذي صنع القنابل و (ميخائيلوف) Mikhailov و (ريساكوف) Ryssakov  شتقا .
و اتخذت تدابير استثنائية واسعة النطاق من القسوة و الإضطهاد و أدى القمع بالحزب في فترة قصيرة جدا إلى العجز التام .
و عاد كل شيء إلى ” النظام ” .
و تحت تأثير حادثة الإغتيال لم يجد الإمبراطور الجديد (ألكسندر الثالث) ما هو أفضل من العودة إلى الطريق القديم الذي هجره والده كرد فعل طبيعي . إذ بدت له إصلاحات والده غير المكتملة أمرا مفرطا و مؤسفا و خطيرا . و اعتبرها خطأ يرثى له . و بدلا من أن يفهم أن حادث الإغتيال كان بسبب عدم كفاية الإصلاحات و أنه لابد من توسيع نطاقها , رأي على العكس تماما أنها سبب البلاء . و استغل مقتل والده لمعارضة ” الإصلاحات ” بكل وسيلة ممكنة .
و وضع ليغير من روح الإصلاحات و لمواجهة آثارها و وضع العراقيل في سبيلها , سلسلة طويلة من القوانين الرجعية . و استعادت الدولة البيروقراطية القمعية حقوقها . و خنقت كل حركة أو تعبير تحرري .
و بطبيعة الحال لم يفلح القيصر في إعادة تأسيس نظام القنانة . لكن الجماهير العاملة قد صودر عليها لتظل أكثر من أي وقت مضى على حالتها . . قطيعا غير متميّز , قابلا للإستغلال , محروما من كل حقوق الإنسان .
و أصبح أدنى اتصال بين طبقات الفلاحين و المتثقفين مرة أخرى موضع شبهة إن لم يكن مستحيلا . و بقي ” التناقض الروسي ” . . الفجوة التي لا يمكن تجاوزها بين المستوى الثقافي و تطلعات الطبقات العليا و حياة الشعب الكئيبة الغافلة , على حاله .
و مرة أخرى حظر كل نشاط إجتماعي . و انحط ما نجا من ” إصلاحات ” (ألكسندر الثاني) الخجولة إلى صورة كاريكاتورية .
في ظل هذه الظروف كان بعث النشاط الثوري من جديد أمرا لا مفر منه .

و هذا ما حدث فعلا . لكن شكل هذا النشاط و جوهره تغير تماما تحت تأثير العوامل الإقتصادية و الإجتماعية و النفسية الجديدة .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 4

الفصل الثاني
القمع . العنف . و الفشل
إستمرار التنمية
( 1825 – 1855م )
استمر حكم (نيقولا الأول) من 1825 إلى 1855 . و من وجهة نظر ثورية فإنه لاشيء ذا خطر يميز هذه السنوات العقيمة . لكن هذه السنين الثلاثين جديرة بالذكر من نواح عدة هامة .
فمع إعتلائه العرش في ظل ثورة الديسمبريين لم يكن أمام (نيقولا الأول) من خيار غير الحديد و النار لسحق أي تعبير عن الحرية في مهده . فعزز الحكم المطلق إلى حده الأقصى و نجح في تحويل روسيا إلى دولة بيروقراطية قمعية !!
و كانت الثورة الفرنسية و الحركات الثورية التي اجتاحت أوروبا في وقت لاحق بمثابة كوابيس مقيمة بالنسبة له . و قد تعهد تدابير وقائية استثنائية .
كان السكان جميعا تحت المراقبة . و لم يعد لتعسف البيروقراطية أو الشرطة أو المحاكم حدود . و قمعت الشرطة كل مظهر للاستقلال و كل محاولة للتحرر بيد من حديد .
و بطبيعة الحال لم يكن هناك أي لمحة من حرية التعبير أو التجمعات أوتكوين الجمعيات .
و ازدهرت الرقابة كما لم يحدث من قبل .
و عوقب كل من خالف ” القانون ” بقسوة بالغة .
و قد أدت إنتفاضة الإنتفاضة البولندية في 1831م و التي تم وأدها بوحشية نادرة . بالإضافة إلى الوضع الدولي العام في ذلك الوقت إلى المزيد من عسكرة الدولة . و نظمت حياة الناس كما لو كانت روسيا ثكنة كبيرة . و وقّعت عقوبات شديدة على أولئك الذين حاولوا تجنب الإنضباط المفروض . لهذا كله استحق لقبه . . (نيقولا الجبار) .
و على الرغم من كل التدابير , أو بالأحرى بسببها و بسبب آثارها البشعة , التي غفلت عنها عين القيصر أعربت البلاد  – أو بالأحرى قطاعات معينة من سكانها – عن استياءها في كل فرصة .
و قد استغل النبلاء الإقطاعيين تدليل الإمبراطور لهم . إذ اعتبرهم دعامة حكمه الرئيسية في و في معاملة الأقنان معاملة مقيتة مع كامل الإفلات من العقاب . مما أثار غضب الفلاحين الذي صار ملحوظا . و قد وصلت أعمال التمرد ضد البومشيق و ضد السلطات المحلية حدا مقلقا . و بدأت التدابير القمعية تفقد فعاليتها .
و تزايد الفساد و انعدام الكفاءة و نزوات الموظفين حتى بلغ حدا لا يطاق . و إذ كان القيصر في حاجة إلى دعم هؤلاء الموظفين و عنفهم من أجل ” إبقاء الناس في نظام ” فقد أغلق عينيه و صم أذنيه عن كل مظلمة . فقط ليزداد حنق الذين عانوا من هذه الحالة شدة .
و بقيت قوى المجتمع الحيوية غير فاعلة . فقط الروتين الرسمي السخيف العاجز هو ما سمح به .
و قد أدى هذا الوضع فيما بعد إلى حتمية إنحلال النظام بأكمله . لقد كان ” نظام السياط ” قويا في الظاهر فحسب أما من الداخل فكان متعفنا بالكامل . كانت الإمبراطورية الهائلة قد أصبحت بالفعل ” عملاق ذو أقدام من الطين “
و كانت قطاعات كثيرة من السكان تصبح على بينة من هذا الوضع .
و صارت روح المعارضة ضد هذا النظام المستحيل أشبه بالعدوي . . تصيب المجتمع بأسره .
و في ظل هذه الظروف بدأ تطور الطبقة المثقفة الشابة العظيم . .
و في بلد كبير وافر مثل روسيا . كان الشباب وافرا بين كل طبقات السكان . ترى ماذا كانت نظرتهم العامة ؟
إذا نحينا جانبا شباب الفلاحين , يمكننا أن نلاحظ أن الأجيال الأصغر سنا و المتعلمة بشكل أو بآخر قد تبنت أفكارا تقدمية . فلم يتقبل شباب منتصف القرن التاسع عشر نظام القنانة بسهولة . و صدمهم  الاستبداد القيصري . و حفزت دراسة العالم الغربي – على الحد الذي لا يمكن لأي رقابة أن تمنعه –  مخيلاتهم . و يبدو أن هذه الرقابة قد أدت إلى عكس المرجو منها إذ حولت الأفكار المحرمة إلى نوع من الفاكهة المحرمة . و الممنوع مرغوب . و قد تركت نجاحات العلوم الطبيعية و مباديء المادية انطباعا قويا عليهم . كما شهدت هذه الفترة أيضا ازدهار الأدب الروسي الذي استمد إلهامه من المباديء الانسانية و استطاع أن يمارس تأثيرا قويا على الشباب و برغم الرقابة إلا أنه قد تمكن من التحايل عليها بنجاح . .
و في الوقت ذاته . و من وجهة نظر إقتصادية . لم تعد عمالة الأقنان مع غياب الحريات تستجيب لإحتياجات العصر الملحة .
و لهذه الأسباب جميعا يمكن إعتبار تحرر المثقفين الروس و بخاصة الشباب منهم و قد صار واقعا نحو نهاية حكم (نيقولا الأول) . و قد عارض المثقفون بشدة الاستبداد و نظام العبودية .
و قد شهدت هذه الفترة مولد التيار العدمي المعروف . فضلا عن الصراع الشرس بين الآباء المحافظين و الأبناء التقدميين . و هو الصراع الذي صوره (تورجينيف) Turgenev كأفضل ما يكون في روايته ” الآباء و الأبناء “
أما خارج روسيا فقد رافق سوء فهم واسع النطاق عميق الجذور مصطلح “العدمية” nihilism الذي نشأ في الأدبيات الروسية قبل هذا التاريخ بنحو 75 عاما بسبب نقلها عن أصلها اللاتيني بدون ترجمة .
ففي فرنسا و غيرها كان مصطلح العدمية يفهم على أساس أنها عقيدة ثورية و سياسية و إجتماعية اخترعت في روسيا حيث انتظم أو كان ينتظم فيها العديد من المؤيدين . و كانوا يتحدثون عن ” الحزب العدمي ” و أعضائه من ” العدميين ” . . لكن أي من هذا لم يكن صحيحا . .
دخل مصطلح ” العدمية ” إلى الأدب الروسي ثم إلى اللغة الروسية على يد الروائي الشهير (إيفان تورجينيف)  Ivan Turgenev  1818 – 1883 م في منتصف القرن التاسع عشر . و قد استخدم (تورجينيف) هذا المصطلح في إحدى رواياته واصفا تيارا من الأفكار – و ليس عقيدة ذات تعاليم – التي ظهرت بين الشباب الروس المثقفين في نهاية 1850 . و سرعان ما قُيّد المصطلح و أصبح جزءا من اللغة .
هذا التيار من الأفكار كان ذا طابع فلسفي أساسا أخلاقي إلى حد كبير . و كان مجال تأثيره محدود دائما إذ لم يتعد طبقة المثقفين . و حمل دوما وجهات نظر شخصية مسالمة و إن لم تمنعها من أن تتحرك بروح الثورة أو أن تسترشد بحلم السعادة للبشرية جمعاء .
و الحركة التي كانت تستمد قوتها الداقعة من هذا التيار الفكري – إذا كان لنا أن نتحدث عن حركة – لم تتجاوز مجال الأدب و الأدبيات . إذ كان قيام أي نوع من الحركات في ظل نظام ذلك الوقت ضرب من المستحيل . و مع ذلك فإنه و خلال هذين المجالين – الفلسفي و الأخلاقي – لم تتردد الحركة في استخلاص النتائج المنطقية التي لم تتم صياغتها فحسب , بل و سعت لتطبيقها بصورة فردية كقواعد للسلوك .
ضمن هذه الحدود مهدت الحركة الطريق للتطور الفكري و الأخلاقي و الذي قاد الشباب الروسي نحو مفاهيم واسعة جدا و تقدمية . و كان أحد النتائج تحرير المرأة المتعلمة في نهاية القرن التاسع عشر . و هو الإنجاز الذي يحق لروسيا أن تفخر به .
على الرغم من طابعه الفلسفي الفردي الصارم , حمل هذا التيار الفكري في طياته بسبب من الروح الإنسانية التحررية التي سادته بذور المفاهيم الإجتماعية التي أدت فيما بعد إلى قيام الحركة الثورية الحقيقية في صورتيها السياسية و الإجتماعية . مهدت ” العدمية ” الأرض لهذه الحركة التي ظهرت فيما بعد تحت تأثير الأفكار الأوروبية فضلا عن الأحداث الداخلية و الخارجية .
أما خارج روسيا فقد اختلط عليهم المر بين هذا ” التيار العدمي ” و بين الحركة التي قامت في وقت لاحق بقيادة من الأحزاب و الجماعات المنظمة التي لديها برنامج عمل و أهداف محددة . لكن يجب أن يتم الاحتفاظ  بالمصطلح ” عدمية ” للتيار الفكري الذي كان تمهيدا لهذه الحركة .
و كمفهوم فلسفي تتأسس العدمية على فهم المادية و الفردية في أوسع نطاق لها . و اكثره مبالغة .
و قد ترجم كتاب ” القوة و المادة ” للفيلسوف المادي الألماني (بوخنر) Buchner 1824 – 1899 إلى الروسية و طبع سرا باستخدام طريقة الطباعة الحجرية (1) . و وزعت آلاف النسخ بالرغم من المخاطر . و سرعان ما صار كتاب الشباب الروس المثقفين المقدس في ذلك الوقت . كما مارست أعمال (مول-سكوت) Mole-schott و (تشارلز داروين) و غيرهم من المؤلفيين الماديين و الطبيعيين تأثيرا واسعا .
و قد قبلت المادية كحقيقة مطلقة لا تقبل الشك .
و كماديين دخل العدميين في حرب شرسة لاهوادة فيها ضد الدين و ضد كل ما لا يستسيغه المنطق الخالص أو الدليل الإيجابي . ضد كل ما هو خارج الواقع المادي أو وراء القيم العملية . و بإختصار ضد كل ما هو روحي أو عاطفي أو مثالي .
و سخروا من علم الجماليات و من الجمال و الراحة و التمتع الروحي و الحب العاطفي و الأزياء و الرغبة في الرجاء . و ذهبوا إلى حد الرفض التام للفن كمظهر من مظاهر المثالية . و كان منظّرهم الأيــديولوجي الأقـوى الإعلامـي العبقري (بيساريف) Pisarev الذي قضى في حادث و هو في ريعــان الشباب . و قد وضع في واحدة من مقالاته موازنته الشهير بين العامل و الفنان . و قد أكد (بيزاريف) أن أي إسكافي أكثر مدعاة للإعجاب من (رفائيل) . لأن الأول ينتج أشياء مادية مفيدة . بينما لا تخدم لوحات الثاني أي غرض . و قد طبّق (بيزاريف) في كتاباته مباديء المادية و النفعية بقسوة لإقصاء الشاعر الكبير (بوشكين) . و يقول (بازاروف) العدمي في رواية (تورجنيف) : ” العالم ليس معبد بل معمل . و الرجال هناك ليعملوا ” .
عندما نتحدث عن الحرب بلا هوادة التي يشنها العدميون فلا يجب أن يخطر في بالنا غير مفهوم الحروب الأدبية و المعارك اللفظية ليس إلا . إذ اقتصر نشاط ” العدمية ” على الدعاية المستترة لأفكارها في الصحف و بين المثقفين . و لم يكن من السهل نشر مثل هذه الدعاية لأنه كان من الضروري أخذ الرقابة في الإعتبار فضلا عن الشرطة القيصرية التي قمعت ” البدع الأجنبية ” و كل تفكير مستقل . . و كانت المظاهر الأساسية للعدمية تتألف أساسا من بساطة الملبس و التصرف بحرية . فعلى سبيل المثال ظهرت النساء العدميات بشعر قصير و لبسن النظارات ليبدين بصورة قبيحة تأكيدا على إحتقارهن للجمال و الأناقة و ارتدين الملابس الخشنة تحديا للموضة . و مشين مشية الرجال و دخنّ مثلهم من أجل إعلان المساواة بين الجنسين و إظهارا لإحتقارهن لقواعد اللياقة . لكن هذا الإسراف في التعبير لا يقلل بأي حال من الأحوال خطورة الحركة . إذ نجد في إستحالة إعلانهم عن أفكارهم بأي شكل آخر ما يبرر لهم . أما في مجال الأخلاق الشخصية فقد التزم العدميون تشددا مطلقا . .
إن المبدأ الأساسي للعدمية هو شكل خاص  من الفردية .في الأساس و كرد فعل طبيعي ضد كل ما قمعته روسيا في هذه الفترة انتهت هذه النزعة الفردية إلى شجب كل القيود و الالتزامات – باسم الحرية الفردية المطلقة – و كل العوائق و جميع التقاليد التي فرضها على الانسان مجتمعه أو أسرته . العادات و الأخلاق و المعتقدات و الأعراف المعمول بها .
كان التحرر الكامل للفرد , سواء أكان رجلا أو أمراة , من كل ما قد يمس استقلاله أو حريته في التفكير هي فكرة العدمية الأساسية . و دافعت عن حق الفرد المقدس في الحرية الشاملة و عدم انتهاك حرمة الحياة .
يستطيع القاريء الآن أن يفهم لماذا سمي هذا التيار من الأفكار بالعدمية . لقد استخدم هذا المصطلح لوصف أنصار الأيديولوجية التي قبلت بلا شيء – في اللاتينية nihil – مما قبله الآخرون بصورة طبيعية و اعتبروه مقدسا . الأسرة و المجتمع و الدين و التقاليد . و عندما كان أحدهم يُسأل : ” ما الذي تقبله أو تعترف به . ما الذي تقر به في البيئة التي تحيط بك و له الحق أن يتحكم بك ؟ كان يجيب : ” لاشيء ” = nihil .
على الرغم من طابعها الفلسفي و طبيعتها الفردية – إذ تدافع عن حرية الفرد بصورة عامة و ليس ضد الإستبداد الحاكم – فإن العدمية قد مهدت الأرض للنضال ضد العقبات الحقيقية المباشرة في السياسة و الإقتصاد و التحرر الإجتماعي .
لكنها لم تتعهد بنفسها هذا الصراع . لم تسأل السؤال الأهم : ” ما الذي يمكن فعله من أجل تحرير الفرد في الواقع ؟ ” و بقيت محصورة حتى النهاية في عالم من المناقشات الأيديولوجية البحتة و الانجازات المعنوية المحضة . و كان على روسيا أن تنتظر جيلا آخر من أجل طرح مسألة العمل المباشر من أجل التحرير . و هو ما حدث بين 1870 و 1880 . عندما تشكلت في ذلك الوقت أولى المجموعات الثورية و الإشتراكية في روسيا . و بدأ العمل . و عندما بدأ لم يكن لدى هذه المجموعات شيء مشترك مع عدمية الأيام الخوالي . و حتى المصطلح “عدمية ” تم تجاهله . و بقيت الكلمة في اللغة الروسية كمصطلح تاريخي و حسب . أثر و ذكرى للحركة الفكرية فيما بين 1860 و 1870 .
و الحقيقة أن الناس في الخارج قد استعملوا مصطلح ” عدمية ” إشارة إلى الحركة الثورية الروسية بالكامل في ما قبل البلشفية . و يكفي الإشارة إلى “الحزب العدمي ” للتدليل على عدم معرفتهم بالتاريخ الحقيقي للحركات الثورية في روسيا .
و قد رفضت حكومة (نيقولا الأول) الرجعية الإعتراف بالوضع الحقيقي أو بالغليان الفكري . و عوضا عن ذلك تحدّت المجتمع من خلال إنشاء الشرطة السرية (أوخرانا) Okhrana , و هو فيلق خاص في الشرطة بغرض تدمير الحركة .
فأصبح الإضطهاد السياسي بلاءا حقيقيا . و ربما كان علينا أن نتذكر أنه في هذه الفترة كاد أن يعدم (دوستويفيسكي) Dostoyevsky الشاب و سجن بتهمة الانتماء إلى مجموعة دراسية غير مؤذية نهائيا استلهمت (بيتراشيفسكي) Petraschevsky . و أن (بلينسكي) Belinsky أول ناقد روسي عظيم قد نجح بالكاد في جعل صوته مسموعا . و أن ناشرا عظيما آخر (هيرزن) Herzen في أجبر على النفي . ناهيك عن الثوريين من أمثال (باكونين) Bakunin.
غير أن كل هذا القمع لم ينجح في تهدئة الجماهير التي كانت أسباب هياجها عميقة الجذور . و كان نجاحها أقل بالطبع في تحسين الأوضاع . فلم يكن لدى القيصر من علاج غير تعزيز أجهزته القمعية و البيروقراطية ثم المزيد من التعزيز .
و في الوقت ذاته تورطت روسيا في حرب القرم 1854 – 1855 . و كانت الكارثة . فقد أثبتت تقلبات الحرب إفلاس النظام و أظهرت الضعف الحقيقي للإمبراطورية . و انهارت ” القدم الطينية ” لأول مرة . و انكشف قبح الدولة السياسي و الإجتماعي .
مات (نيقولا الأول) مهزوما في 1855 بمجرد أن خسر الحرب . مدركا تماما لإفلاسه و عاجزا تماما عن مواجهته . و قال البعض ربما مات من الصدمة النفسية . بينما أصر آخرون أنه قد مات منتحرا بالسم . و هو تفسير معقول جدا . لكن ينقصه الدليل .
و يجب علينا الإصرار على الحقائق المعروفة لمساعدة القاريء على فهم ما يلي :
و على الرغم من نقاط الضعف و كافة العوائق خلال هذه الفترة فإن البلاد قد قطعت شوطا هائلا في طريق التقدم الثقافي و التقني .
فتحت ضغط الضرورات الإقتصادية التي لا مفر منها ولدت الصناعة ” الوطنية ” . فتكونت تلقائيا طبقة عاملة (بروليتاريا) . بنيت المصانع الكبيرة في العديد من المدن و تم افتتاح المرافيء و بدأت مناجم الفحم و الحديد و الذهب في العمل . و جرى توسيع شبكات النقل و تحسينها . و شيد أول خطوط السكك الحديدية ليصل بين سانت بطرسبورج (لينينجراد) و موسكو . عاصمتي هذا البلد الشاسع . . كان إنشاء هذا الخط الحديدي أعجوبة هندسية لأن المنطقة بين المدينيتين غير ملائمة لمثل هذا النوع من الأعمال حيث الأرض غير ثابتة و تتكون غالبا من مستنقعات و أهوار . و تبلغ المسافة نحو 600 فرستا (400 ميلا ) . و لا شك في أن الخط المستقيم هو الخيار الأكثر عقلانية من الناحية الإقتصادية . و يقال أن (نيقولا الأول) – و كان له إهتمام شخصي بهذا المشروع الذي ستقوم الدولة  ببناءه – قد أمر مهندسيه بوضع المخططات و التقديرات . و قد حاول هؤلاء المهندسين الإستفادة من الوضع فقدموا له مشروعا معقدا من الطرق المتعرجة . و قد ألقى (نيقولا) نظرة عابرة على المخططات ثم دفعها جانبا و تناول ورقة و قلما و رسم نقطتين و وصلهما بخط مستقيم . ثم قال : ” أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم ” . و هكذا صار أمرا رسميا غير قابل للنقاش و لم يعد أمام المهندسين سوى التنفيذ . و هذا ما قاموا به . و كان انجاز هذا العمل الفذ مهمة شاقة للغاية و بتكلفة لا تصدق و تسبب في معاناة مدمرة لآلاف العمال .
و منذ الانتهاء من بنائها , كانت الـ (نيقولايفيسكايا) Nicholayevskaya ” سكك حديد نيقولا ” واحدة من أبرز السكك الحديدية في العالم . و امتدت نحو 609 فرستا ( 405 ميلا) في خط مستقيم يقترب من الكمال .
ينبغي أن نلاحظ هنا أن الطبقة العاملة الناشئة كانت لاتزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع المناطق الريفية التي جاءت منها و التي كانت تعود إليها دوما بعد إنتهاء العمل الخارجي . علاوة على ذلك فإن الفلاحين كانوا لايزالون أقنانا مرتبطين بأراضي ساداتهم التي لا يستطيعون مغادرتها بصورة نهائية . و كان من اللازم عمل ترتيبات خاصة مع هؤلاء السادة قبل أن يتم توظيفهم في المشاريع الصناعية . و كان عمال المدن الحقيقيين – و نعني بهم في ذلك الوقت الحرفيين المتجولين – مجموعة صغيرة العدد جدا . و بالتالي فنحن لا نتعامل بعد مع بروليتاريا بالمعنى الحرفي للكلمة . لكن الدافع لتكوين مثل هذه (البروليتاريا) كان موجودا بالفعل . كانت الحاجة إلى عمال منتظمين يمكن الإعتماد عليهم أحد السباب الإقتصادية الملحة التي أدت إلى إلغاء القنانة . و في خلال جيلين أو ثلاثة أجيال من العمال المأجورين الذين لم يعودوا مرتبطين بالأرض , نشأت في روسيا كما نشأت في غيرها من البلدان طبقة (البروليتاريا) الصناعية الحقيقة .
و كان هناك تقدم هائل أيضا في المجال الثقافي .فقد أراد الآباء لأبناءهم أن يصيروا متعلمين و مثقفين . و قد اضطرت الأعداد المتزايدة من طلاب المدارس الثانوية و الكليات الحكومة لزيادة عدد المدارس الثانوية و مؤسسات التعليم العالي باستمرار . و تطلبت الإحتياجات الإقتصادية والتقنية فضلا عن التطور العام في البلاد تطورا مقابلا في التعليم . و في نهاية حكم (نيقولا الأول) كان في روسيا ست جامعات . في (موسكو) و (دوربات) و (خاركوف) و (قازان) و (سانت بطرسبورج) و (كييف) – مرتبة حسب تواريخ إنشاءها . فضلا عن العديد من مدارس التقنية المتقدمة أو الدراسات الخاصة.
و إذن فالأسطورة ذائعة الصيت بأن جميع من في روسيا في ذلك الوقت كانوا جهلة برابرة و تقريبا متوحشين غير صحيحة بالمرة . ربما كانت الجموع الفلاحية التي ترزح تحت نظام القنانة تعاني من الجهل إلا أن الإنجازات الثقافية لسكان المدن قد شابهت مثيلاتها في مدن أوروبا الغربية . فيما عدا بعض المجالات التقنية البحتة . أما الشباب المثقف فكانوا في بعض النواحي أكثر تقدما من الشباب في البلدان الأوروبية الأخرى .
و قد نبهنا على هذه الفجوة الواسعة من التناقض بين عقلية السكان المستعبدين من ناحية و عقلية الطبقات المميزة من قبل .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 3

الثورة المجهولة . . 1917 – 1921 . .

الكتاب الأول : الثورة : الميلاد . . النمو . . النصر

——————
القسم الأول – الثمار الأولى
( 1825 – 1905 )
——————
الفصل الأول
روسيا في مستهل القرن التاسع عشر
مولد الثورة
—————–
كان لمساحة البلاد الشاسعة و ترامي حدودها و تناثر سكانها و انعدام وحدتهم ما جعل روسيا لقمة سائغة للفاتحين . . و في ظل سيطرة المغول لقرنين كاملين و يزيد  . . و الحروب المستمرة و الكوارث المتفرقة . . و عوامل غيرها غير مشجعة . . تخلفت روسيا سياسيا و إقتصاديا و إجتماعيا و ثقافيا عن بقية البلدان الأوروبية . .
فسياسيا . . دخلت روسيا القرن التاسع عشر و هي تحت الحكم الملكي المطلق ” القيصر الأوتوقراطي ” . . المعتمد على أرستقراطية عسكرية من ملاك الأراضي . . و بيروقراطية قاهرة . . و رجال دين أتقياء . . و كتلة ضخمة من الفلاحين تقدر بخمسة و سبعين مليونا . . بدائيين أميين ساجدين للأب الصغير . . القيصر . .

و إقتصاديا . . كانت البلاد قد وصلت إلى مرحلة الإقطاع الزراعي . عدا العاصمتين سانت بطرسبرج و موسكو و بعض مدن الجنوب . و بالكاد تطورت المدن مع ركود الإقتصاد و بصورة خاصة الصناعة . و ظلت الزراعة عماد الإقتصاد و النشاط الرئيس لنحو 95% من  السكان . لكن الأرض لم تكن ملكا للمزارعين للمنتجين فيها . بل كانت إما مملوكة للدولة أو للسادة الإقطاعيين البوميشيق pomeshchiks . و كان المزارعين بحكم القانون أقنان مرتبطين بالأرض و مالكها . و كان الإقطاعيين الكبار يتحكمون في إقطاعيات ضخمة ورثوها عن أسلافهم , الذين بدورهم قد تحدرت إليهم من السيد الإقطاعي الأول الذي تلقاها نظير خدماته (العسكرية أو الإدارية أو غيرها). و كان الأقنان عبيدا للسيد الإقطاعي له عليهم حق الحياة و الموت . و العمل بالسخرة بل و بيعهم أيضا . و عقابهم بعقاب الشهداء (أي يمكنه قتلهم دون كبير إزعاج لنفسه) . . كانت هذه العبودية . هذا الرق على خمسة و سبعين مليونا من النفوس هو أساس إقتصاد الدولة .

لذا فإنه من الصعب الحديث عن تنظيم إجتماعي لمثل هذا المجتمع . على القمة كان السادة المطلقون . القيصر و أقاربه العديدون و حاشيته و النبلاء و كبار رجال الجيش و كبار رجال الدين . و في القاع العبيد و أقنان الأرض في الريف و الطبقة الدنيا من الناس في المدن . و هؤلاء يفتقرون إلى كل مفاهيم الحياة المتمدنة و إلى جميع الحقوق و جميع الحريات . و بين الطبقتين كان هناك طبقة وسطى من التجار و البيروقراطيين و الحرفيين و غيرهم . . عديمة اللون غير ذات أهمية.
و من الواضح أن الممستوى الثقافي للمجتمع لم يكن مرتفعا جدا . و مع ذلك يمكن أن نبدي تحفظا هاما على هذه الفترة حيث التناقضات الهائلة التي سنفصلها فيما بعد بين الشعب غير المتعلم المبتلى بالفقر في المدن و القرى و بين الطبقة المتميزة التي تلقت تعليما و تدريبا متقدما جدا .
كان نظام قنانة الشعب طاعون هذا البلد . و قد عارضه قلة من الأفراد ذوي النفوس النبيلة نحو نهاية القرن الثامن عشر . و كان عليهم أن يدفعوا ثمن لفتتهم الكريمة هذه باهظا . و من ناحية أخرى تمرد الفلاحين ضد أسيادهم بتواتر متزايد . إلى جانب الإنتفاضات المحلية التي حملت بشكل أو آخر طابعا فرديا (إذ كانت ضد سيد أو آخر ممن تمادوا أكثر من اللازم) . و قد انتفضت الجموع الفلاحية في انتفاضتين كبيرتين – انتفاضة رازين Razen في القرن السابع عشر و انتفاضة بوجاشيف Pugachev في القرن الثامن عشر – و التي على الرغم من فشلها قد سببت للحكومة القيصرية مشاكل جمة , و أطاحت بالنظام بأكمله . لكننا يجب أن نلاحظ أن تلك الحركتين العفويتين كلتاهما كانتا وجهتان ضد العدو المباشر – النبلاء الاقطاعيين و الأرستقراطية الحضرية و الفساد الإداري – . و لم تكن فكرة الإطاحة بالنظام الإجتماعي بأكمله و استبداله بآخر أكثر عدلا قد تبلورت بعد . و بمساعدة الغدر و العنف و بمساعدة من رجال الدين و غيرهم من العناصر الرجعية نجحت الحكومة في اخضاع الفلاحين . . حتى نفسيا . لدرجة أعتبار فكرة التمرد واسع النطاق و لفترة طويلة من الزمن ضربا من المستحيل .
ظهرت أول حركة ثورية واعية موجهة ضد النظام في عام 1825م على أثر وفاة ألكسندر الأول الذي لم يترك وريثا مباشرا للتاج الذي رفضه أخوه قنسطنطين ليظفر به أخيهما نيقولا . و كان برنامج هذه الحركة الإجتماعي يهدف إلى إلغاء القنانة و سياسيا هدفت الحركة إلى إقامة جمهورية أو على الأقل إقامة نظام دستوري .
ظهرت هذه الحركة ليس من بين المضطهدين و لكن من بين الطبقة صاحبة الإمتيازات . و قد استفاد المتآمرين من انشغال الحكومة بمشاكل الأسرة الحاكمة فبدأوا في تنفيذ مشاريعهم التي خططوا لها طويلا . و اندلعت الثورة في سانت بطرسبرج و ساندتها بعض الكتائب في العاصمة (كان على رأس الحركة بعض ضباط الجيش الإمبراطوري) . غير أن التمرد قد كبح بعد معركة قصيرة في ساحة مجلس الشيوخ بين المتمردين و القوات التي بقيت موالية للحكومة . و وأدت العديد من الانتفاضات التي كان مخططا لها في الأقاليم في مهدها .
و قد تركت الثورة انطباعا عميقا على القيصر الجديد نيقولا الأول الذي أشرف شخصيا على التحقيقات المدققة . و قد سعى المحققون خلف أبعد المتعاطفين مع الحركة حتى الأفلاطونيين منهم . و لم يتوقف القمع – في رغبته أن يكون نهائيا و نموذجيا – عند حد القسوة . و قضى المحرضين الرئيسيين الخمسة على منصة الإعدام و سجن المئات أو تعرضوا للنفي أو عوقبوا بالأشغال الشاقة.
و لأن التمرد قد وقع في ديسمبر فقد سمي المشاركون به بالديسمبريين . و كان معظمهم من النبلاء و من الطبقات صاحبة الإمتيازات . و قد تلقوا كلهم تقريبا تعليما عاليا أو تدريبا إحترافيا عالي المستوي . و لحساسيتهم و تفتح عقولهم قد آلمهم مرأى الشعب مثقلا تحت نظام متعسف جائر بجهله و فقره و عبوديته . و قد تناولوا احتجاجات أسلافهم في القرن الثامن عشر و ترجموها إلى أفعال . و قد منحتهم رحلتهم إلى فرنسا بعد حرب 1812 قوة الدفع اللازمة . إذ قارنوا بين المستوى المرتفع نسبيا من الحضارة في أوروبا و بين ظروف الحياة البربرية التي يعيشها الناس في روسيا . فعادوا إلى روسيا و قد عقدوا العزم على النضال ضد النظام السياسي الرجعي و ضد النظام الإجتماعي الذي يقهر مواطنيهم . و نجحوا في حشد الكثير من المتعلمين مع قضيتهم . و قد ضمّن بيستل Pestel أحد قادة الحركة بعض الأفكار الإشتراكية بصورة غامضة في برنامجه . و قد تعاطف الشاعر الشهير بوشكين Pushkin المولود في 1799م مع الحركة و إن لم ينضم لها فعليا .
و حالما تم له القضاء على الثورة . دفع الإمبراطور الجديد الخائف على سلطته نيقولا الأول بالحكم الإستبدادي و البيروقراطية و دور الشرطة في الدولة الروسية إلى حدوده القصوى .
ينبغي التأكيد على أنه لم يكن هناك تناقض بين حركة الفلاحين ضد مضطهديهم من ناحية و تبجيلهم الأعمي لـ ” الأب الصغير القيصر ” فثورات الفلاحين كما أشرنا من قبل كانت ضد الظالمين المباشرين الملاك افقطاعيين البومشيق و النبلاء و الموظفين و الشرطة . إلا أنه لم يحدث أبدا أن بحث الفلاحون عن مصدر الظلم الأبعد في النظام القيصري مجسدا في القيصر نفسه حامي النبلاء و أصحاب الإمتيازات الأكبر . النبيل الأول و الأكثر امتيازا. بالنسبة للفلاحين كان القيصر معبودا متعاليا فوق بقية البشر الفانين . فوق كل ضعفهم و اهتماماتهم الصغيرة, يوجه مصائر الدولة . و كانت الموظفين و البيروقراطيين و فوق هؤلاء جميعا الكهنة ” البابوات ” قد بذوا كل ما في وسعهم لزرع هذه الفكرة في رؤوس الفلاحين . و قد صدق الفلاحون الأسطورة التي أصبحت فيما بعد يقينا لا يتزعزع . و قد أخبروهم أن القيصر لا يرغب في شيء غير رفاهية ” أطفاله ” . لكن الوسطاء أصحاب الإمتيازات المنشغلون بالحفاظ على حقوقهم و  إمتيازاتهم يحولون بين القيصر و بين شعبه و يمنعونه من معرفه بؤسهم . كانت الجماهير الفلاحية مقتنعة أنه إذا واجه الناس القيصر – الذي ضلله أصحاب الإمتيازات مؤقتا – وجها لوجه فإنه سيرى الحقيقة و سيتخلص من مستشاريه السيئين و بقية الناس غير الشرفاء المحيطين به . و سيتعامل مع معاناة الفلاحين أبناء الأرض فيحررهم من نيرهم و سيعطيهم جميعا الأرض التي هي حق لكل من عمل فيها . و هكذا . . بينما ثار الفلاحون ضد أكثر سادتهم قسوة , انتظروا على أمل في اليوم الذي سيزول فيه الحائط الذي يحول بينهم و بين القيصر فيستعيد لهم العدالة الإجتماعية القيصر . و قد ساعدتهم التقوى الدينية على تقبل فترة من الانتظار و المعاناة كعقاب و اختبار من الرب و وطنوا أنفسهم على ذلك مع نوع من القدرية البدائية.
كان هذا المظهر من المميزات الخاصة بالجماهير الفلاحية الروسية و قد أصبح أشد وضوحا خلال القرن التاسع عشر على الرغم من الاستياء المتزايد و أفعال التمرد المتكررة على نحو متزايد سواؤ الفردية منها أو المحلية . كان الفلاحون يفقدون صبرهم . لكنهم كلما صاروا أقل صبرا كلما إزداد انتظارهم حرارة لمحررهم . القيصر .
كانت ” أسطورة القيصر ” السمة المركزية في الحياة الشعبية الروسية في القرن التاسع عشر . و إن عدم أخذها بعين الإعتبار ستجعل محاولة فهم الأحداث التالية ضربا من طلب المستحيل . إذ توضح هذه الأسطورة بعض من الظواهر التي لولاها لصارت غير قابلة للتفسير . إذ تمضي بنا إلى أبعد مدى في تفسير التناقض الروسي الذي ألمحنا إليه سابقا . ذلك التناقض الذي طالما صدم الأوروبيبن . و الذي لم يختفي حتى اندلاع ثورة 1917 . إذ يقف على أحد الجانبين أفراد عديدون . مثقفون متعلمون متحضرون يأملون في رؤية شعبهم حرا سعيدا . أفراد على وعي بأفكار زمانهم . مناضلون في سبيل انعتاق الطبقة العاملة و في سبيل الديموقراطية و الإشتراكية . و على الجانب الآخر تقف الجماهير لا تحرك ساكنا في سبيل حريتها . غير قلة من تمردات صغرى غير ذات أهمية . جماهير لاتزال ساجده أمام صنمها و حلمها . جماهير لا تفهم حتى إيماءات هؤلاء الذين يضحون بأنفسهم من أجلهم . بلا مبالاة . . و عمىً عن الحقيقة و صمم عن كل دعوى . قبعت الجماهير تنتظر محررها القيصر تماما كما قبع المسيحيون الأوائل ينتظرون المسيح(1) . .
(1) هناك أوجه للتشابه بين الوضع في روسيا في القرن التاسع عشر و قبل ثورة أكتوبر 1917م و بين الوضع في فرنسا في القرن الثامن عشر قبل ثورة 1789م . لكن بطبيعة الحال هناك بعض الخصوصيات الروسية المعينة .

http://anarchist-document.blogspot.com

 

الثورة المجهولة / 1

الثورة المجهولة  1917 – 1921

فولين

الكتاب الأول

الثورة

الميلاد . . النمو . . النصر

(ڤــولين) . . 1882 – 1945 . .
 
كتب (رودلف روكر) . .
هذا العمل هو الترجمة الكاملة لكتاب La Revolution Inconnue, 1917-1921 و الذي نشر لأول مرة في باريس سنة 1947و أعيد نشره في باريس في 1969 بتحرير بيير بيلفوند Pierre Belfond و قد نشرت ترجمة إنجليزية مختصرة له في جزئين بين عامي 1954 و 1955 داري نشر Libertarian Book Club في نيويورك و Freedom Press في لندن . و الطبعة الحالية تحوي كل المواد التي احتوتها الطبعة الأولى و التي توفرت هولي كانتين على ترجمتها بالإضافة إلى الفصول المحذوفة من الكتاب الأول ( القسم الأول و الثاني ) و بعض المقاطع المختصرة المحذوفة من الكتاب و التي ترجمها (فريدي بيرلمان) . و من الملاحظ أنه في الترجمة الأحدث أن نقحرة الكلمات الروسية تمت إلى الإنجليزية بينما في الفصول المقتبسة من الترجمة القديمة كانت النقحرة تمت إلى الفرنسية . و نتيجة لذلك حدث إزدواجية في طريقة نطق الكلمات الروسية . .
ولد (ڤسيڤولد ميخائيلوڤيتش إيشنباوم) في الحادي عشر من أغسطس سنة 1882 . . في مقاطعة (ڤورونيتش) في روسيا العظمى . . و على حد علمي . . فإن واحدا فقط من أعماله . . كتيبا صغيرا من الأشعار الروسية . . قد نشر باسمه الحقيقي . . بينما بقية أعماله . . مقالاته العديدة و بحوثه . . قد وقعها باسمه المستعار . . و لعله من الأسهل فعلا أن يفكر المرء به و يتكلم عنه . . (ڤولين) . .
كان والداه طبيبين . . و قد عاشا حياة ميسورة . . سمحت لهما بالحصول لأطفالهما على مربيات فرنسيات و ألمانيات . . و هكذا حصل (ڤسيفولد) و أخيه (بوريس) على فرصة عظيمة لتعلم الفرنسية و الألمانية منذ طفولتهما الأولى . . وقد كان (ڤولين) متمكنا من الفرنسية و الألمانية نطقا و كتابة تمكنه من الروسية . . لغته الأم . .
و قد تلقى تعليمه العام الأولى في كلية بـ (ڤورونيتش) . . و بعد استكمال دراسته بها انتقل إلى (سانت بطرسبرج) لدراسة القانون . . لكن حال دون كل الخطط التي أعدت من أجل مستقبله الأوضاع العاصفة التي مرت بها روسيا في ذلك الوقت . . و كطالب في سن التاسعة عشرة اطلع (ڤولين) على الأفكار الثورية . . و أصبح عضوا فاعلا في الحركة العمالية ابتداء من سنة 1901 . .
و في سنة 1905 . . عندما كانت الثورة تعصف  بروسيا القيصرية بأكملها و تكاد تطيح بحكم أسرة (رومانوف) الإستبدادي . . انضم رجلنا الصغير القادم من (ڤورونيتش) إلى الحزب الثوري الإشتراكي . . و شارك مشاركة فعالة في تلك الإنتفاضة . . و بعد القمع الدموي للعصيان المسلح تم اعتقاله مع آلاف آخرين . . و في سنة 1907 صدر حكم المحكمة القيصرية بنفيه . . لكنه كان سعيد الحظ إذ وجد وسيلة ما للهرب إلى فرنسا . .
و هناك في باريس وجد (ڤولين) فرصة أكبر لدراسة المدارس المختلفة في الحركة الإشتراكية و المشاكل الإجتماعية ذات الوجوه المتعددة بصورة عامة . . كما اتيحت له فرصة الاتصال ببعض التحرريين من أمثال (سباستيان فاوريه) Sebastian Faure الخطيب الفرنسي الأناركي المفوه و أتصل بدائرة صغيرة من الأناركيين الروس في باريس . . مثل (أ. أ. كارلاين) Kareline و مجموعته . . و تنظيمات أخرى من الروس المنفيين . . و تحت تأثير المحيط الجديد كان من المحتم أن تتحول آراء (ڤولين) السياسية و الإجتماعية . . حتى إذا ما كان العام 1911 وجدناه يفصل نفسه عن الثوريين الإشتراكيين و ينضم للحركة الأناركية . .
و في 1913 . . عندما كان النزاع المسلح يلقي بظلاله على أوروبا . . انضم (ڤولين) إلى (لجنة العمل العالمي ضد الحرب) . . و قد تسبب عمل هذه اللجنة في إثارة استياء السلطات في فرنسا . . و في 1915 عندما امتدت جبهة الحرب عبر القارة قررت حكومة (ڤيڤياني – ميليراند) Viviani-Millerand وضعه في معسكر إعتقال طوال مدة القتال . . غير أنه و قد تلقى تحذيرا ملائما في الوقت المناسب . . قد تمكن بمساعدة بعض الرفاق الفرنسيين من الهرب إلى (بوردو) Bordeaux . . و من هناك تمكن من الإبحار كتاجر مصاحب لشحنته المتجهة إلى الولايات المتحدة . .
في نيويورك انضم (ڤولين) إلى (اتحاد العمال الروس في الولايات المتحدة و كندا) . . و هو تنظيم مهول ضم حوالي عشرة آلاف عضو . . و كانت الأفكار المنتشرة في هذا التنظيم شبيهة بمثيلاتها في (كونفيدرالية العمال العامة) Confederation Generate du Travail في فرنسا في ذلك الوقت . . و هكذا وجد (ڤولين) أرضا خصبة لنشاطه . . و سرعان ما وجد نفسه في أسرة تحرير صحيفة Golos Truda أو (صوت العمال) . . و هي جريدة كانت تصدر أسبوعيا عن الفيدرالية . . ثم ما لبث أن أصبح أحد أبرز محرريها . .
لكن مع اندلاع الثورة الروسية في 1917 . . قرر فريق العمل في (صوت العمال) الانتقال إلى روسيا و إصدار دوريتهم من (بتروجراد) . . و مع وصولهم إلى روسيا وجدوا تعاونا من التنظيم الذي سيصبح فيما بعد (اتحاد الإعلام الأناركي النقابي) Anarcho-Syndicalist Propaganda Union . . و هكذا وجدت جريدة (صوت العمال) أرضا روسية . . و انضم (ڤولين) إلى الإتحاد و انتخب فورا كأحد المحررين . . و في الشهور الأولى كانت (صوت العمال) تصدر أسبوعيا . . لكن بعد أحداث أكتوبر 1917 صارت جريدة يومية . .
في هذه الأثناء كانت الحكومة البلشفية في موسكو توقع معاهدة سلام  (برست – ليتوفسك) . . و التي بموجبها تم تسليم أوكرانيا إلى القوات الألمانية و النمساوية المحتلة . . و لذلك السبب غادر (ڤولين) (بتروجراد) منضما إلى فرقة من التحرريين المتوجهين إلى أوكرانيا لقتال الغزاة الجانب و مواليهم من الروس . . و قد وجدها فرصة طيبة للتوجه إلى (بوبروڤ) Bobrov و زيارة عائلته التي لم يرها منذ 1915 عندما غادر فرنسا إلى الولايات المتحدة .
في الشهور التالية و في ظل من الحرية النسبية . . عندما كان بمقدور الحركات السياسية الأخرى غير البلشفية أن تنشر أفكارها عبر مطبوعاتها أو الإجتماعات العامة . . في ذلك الوقت كان (ڤولين) مشغولا باستمرار في مواقع عديدة . . إذ اشترك في في أعمال (دائرة السوفيت للتعليم العام و تنوير العامة) . . مبدئيا في (ڤورونيتش) ثم لاحقا في (خاركوڤ) . . و في خريف 1918 ساعد في بناء الفيدرالية الأناركية في أوكرانيا عبر تنظيم قوي معني بالأدبيات . . (نابات) . . و الذي بجانب تكوينه الرئيس في (كورسك) كانت مطبوعاته المحلية كلها تطبع تحت نفس الاسم (نابات) . . و توزع في أنحاء عدة من أوكرانيا . . و في خلال عدة أشهر صار (ڤولين) عضوا في سكيرتارية (نابات) و في أسرة تحرير دورياتها . . و كان محل ثقة مؤتمر (نابات) في كورسك في وضع (إعلان المبادئ الإصطناعي) . . و الذي من شأنه أن يكون مقبولا لدى جميع المدارس الإشتراكية التحررية في روسيا . . و تؤسس لعملها معا . .
على أن (نابات) و خططها المستقبلية قد آلت إلى لاشيء . . إذ منذ ربيع 1919 بدأت حكومة السوفيت في اضطهاد الأناركيين عبر مصادرة المطبوعات و إعتقال الأفراد بالجملة . . عندئذ انضم (ڤولين) إلى جيش (نستور ماخنو) الثوري . . و كان لدى (ماخنو) في جيشه الثوري دائرة للتثقيف و الإعداد للنظام الإجتماعي الجديد . . المبني على الملكية المشاعية للأرض و تفعيل دور البيت في المجتمع و التضامن الإجتماعي . . و سرعان ما صار (ڤولين) رئيسا لهذه الدائرة التثقيفية . . و استمر عمله طوال الحملة ضد (دينكن) (Denikin) . .
و في ديسمبر 1919 . . أرسله المجلس العسكري الثوري لمقاطعة (كريڤو – روج) لمواجهة الدعاية الخطرة التي قام بها عملاء (هيتمان بيترولا) . . لكنه أصيب في طريقه إلى هناك بحمى التيفود و بقى في كوخ فلاح . . في هذه الأثناء كان جيش (دينيكن) قد هزم . . ثم تلت ذلك هدنة قصيرة الأمد بين حكومة السوفيت و أنصار (ماخنو) . . و إذ كان لايزال جد مريض . . اعتقل (ڤولين) في الرابع عشر من يناير من قبل عناصر جيش حكومة موسكو . . و انتقل من سجن لآخر . . و قد أمر (تروتسكي) بالفعل بإعدامه . . و على حسب رواية (ڤولين) فإنه قد هرب من موت محقق بفضل حادث غير متوقع . .
إذ نقل في مارس 1920 إلى موسكو . . و بقي سجينا هناك حتى أكتوبر عندما تم إطلاق سراحه مع عدد كبير من الأناركيين بناء على اتفاق بين الاتحاد السوفييتي و جيش (ماخنو) . . و هكذا عاد (ڤولين) إلى (خاركوف) . . و استعاد نشاطه القديم و شارك في استمرار المفاوضات بين حكومة (لينين) و وفد من قوات (ماخنو) . . لكن الإتفاقات التي توصل إليها الأطراف المتنازعة . . سرعان ما أخل بها البلاشفة . . و في نوفمبر . . أي بعد نحو شهر من إطلاق سراحهم . . أعتقل (ڤولين) و رفاقه ثانية و أودعوا سجن (تاجانكا) في موسكو . .
لم يكن هناك شيء محدد ضدهم . . فيما عدا أفكارهم التحررية . . لكن لا يوجد شك في أنه لولا بعض الظروف العارضة لكانوا قد تعرضوا للتصفية بطريقة أو بأخرى . . كما تعرض آلاف عدة فيما بعد . . و كان محض صدفة أن ينجو بحياتهم . .
و في صيف 1921 عقد (اتحاد التجارة العالمي الأحمر) لقاءه في موسكو بحضور ممثلين أناركيين – نقابيين من أسبانيا و فرنسا و دول أخرى . . حضروا ليروا إذا ما كان التحالف مع الأممية الجديدة مجديا أم لا . . و قد وصلوا إلى العاصمة في الوقت الذي كان المسجونين في (تاجانكا) قد بدأوا لتوهم إضرابا عن الطعام . . الإضراب الذي استمر لأكثر من عشرة أيام . . و كان الهدف منه إجبار السلطات على إعلان سبب إعتقال هؤلاء المسجونين . .
و عندما وصلت أنباء الإضراب عن الطعام إلى حضور (اتحاد التجارة العالمي الحمر) أصدروا اعتراضا شديد اللهجة و طالبوا بحرية رفاقهم الروس . . لكن بعدما صار الأمر فضيحة علنية في الاجتماع أن الحكومة سمحت بإطلاق سراح المضربين عن الطعام شريطة مغادرتهم روسيا . . و كانت تلك المرة الأولى التي يبعد فيها مسجونين سياسيين عن البلد التي تتبجح بكونها وطن البروليتاريا الأحمر . .
و كان لدى الحكومة السوفيتية الجرأة لإعطاء هؤلاء الضحايا جوازات سفر منتزعة من أسرى حرب تشيكوسلوفاكيين . . و عندما وصل المرحّلين إلى ميناء (شتيتن) Stettin  الألماني أعلموا السلطات هناك أن بأسماءهم الحقيقية . . و أن الجوازات التي بحوزتهم و التي أعطتها لهم الحكومة البلشفية ليست لهم . . و من حسن حظهم أن ألمانيا نفسها كانت في خضم الحالة الثورية . . و كان هناك الكثير من الأمور التي كان بالإمكان تسويتها في ذلك الوقت . . الأمر الذي صار مستحيلا فيما بعد . .
و على الرغم من أن المفوض في الميناء لم يكن لديه الحق القانوني للسماح لهذه المجموعة المكونة من نحو عشرين شخصا بالبقاء على الأراضي الألمانية . . إلا أنه قد تعاطف مع محنتهم . . حتى أنه سمح لهم بإرسال اثنين من رفاقهم إلى برلين لمعرفة ما إذا كان من الممكن إيجاد منظمة صديقة تضمنهم و تتولى مسئوليتهم . . و عندما وصل الموفدان إلى المقر الرئيسي في العاصمة الألمانية . . توجه معهم (فريتز كاتر) رئيس (اتحاد العمال الأحرار الألماني) Freie Arbeiter-Union Deutschlands إلى رئيس الشرطة . . و قام بتوقيع جميع الأوراق اللازمة . . و في خلال ساعات استطاعوا الحصول على إذن باستحضار المجموعة بالكامل إلى برلين . . و قد وصلوا إليها بالفعل على مشارف نهاية 1921 . .
لم يكن عملا سهلا توفير إعاشة كل هذا العدد . . لكن الرفاق الألمان قدموا كل ما بوسعهم . . و بخاصة إيجاد مكان للسكن . . إذ أن مسألة السكن في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى كانت أمرا بغيضا و بقيت واحدة من أكبر المشاكل في البلاد لسنوات عدة . . و كانت المهمة الصعب لنا إيجاد مكان لإيواء عائلة ڤولين المكونة من سبعة أفراد جميعا تحت سقف واحد . . و كان المأوى الوحيد الذي استطاعت لجنتنا إيجاده علّيّة يمكن تدفئتها . .
كانت هذه هي المرة الأولى التي التقي فيها (ڤولين) و رفاقه . . و  على الرغم من كونه في الواحدة و الأربعين فقط إلا أنه كان يبدو أكبر سنا . . و قد اشتعلت راسه و لحيته شيبا . . لكن نشاطه و حركاته السريعة قد صححت انطباعي الأول . . كان رجلا لطيفا معتدل الخلق . . ذكي . . لا يخلو من الكياسة و العقلانية . . و لديه مناعة ضد الظروف الخارجية و المصاعب الشخصية . . و له قدرة غير عادية على التركيز تمكنه من الاستمرار في الكتابة بلا أدنى صعوبة . . بينما أفراد أسرته ينامون أو ياكلون أو يمارسون حياتهم اليومية . .
و الحقيقة أن (ڤولين) قد قام بعمل عظيم أثناء تواجده في برلين . . إذ كتب بالألمانية كتيبا قيما في ثمانين صفحة . . بعنوان : (إضطهادات الأناركيين في روسيا السوفيتية) . . و الذي كان أول معلومات موثوقة و موثقة للعالم الخارجي عما كان يحدث في روسيا في ذلك الوقت . . كما قام بترجمة كتاب (بيتر أرشينوف) : (تاريخ حركة أنصار ماخنو) . . و الذي نشره مجموعة من الأناركيين الروس باللغة الألمانية في برلين 1923 . . و أشرف في ذلك الوقت على تحرير مجلة باللغة الروسية بعنوان (العامل الأناركي) . . بجانب نشاطه المكثف لصالح الحركة التحريرية الألمانية . . من محاضرات و مقالات لصالح صحافتنا . .
طال مكوث (ڤولين) في برلين عامين كاملين . . ثم تلقى دعوة من (سباستيان فاوريه) Sebastian Faure ليقيم مع عائلته في باريس . . حيث كانت الظروف المعيشية في فرنسا أفضل من مثيلاتها في ألمانيا في تلك الأيام . . و كان (فاوريه) في ذلك الوقت مشغولا في إعداد موسوعته Encyclopedic Anarchiste و كان في حاجة لرجل معتاد على التعامل مع اللغات الأجنبية كمساهم منتظم . . وهكذا وجد (ڤولين) مجالا لمزيد من نشاطاته . . و قد كتب الكثير من المقالات للموسوعة الجديدة . . نشر بعضها ككتيبات منفصلة في لغات عدة . . كما تلقى دعوة من (كونفيدرالية العمال الوطنية) في إسبانيا Confederacion Nacional del Trabajo ليكون محرر دوريتها الفرنسية الصادرة في باريس . . L’Espagne Anti-Fasciste . .
و رغم أن أحواله الإقتصادية في فرنسا كانت أحسن حالا مما كانت عليه في ألمانيا إلا أن سوء الحظ قد لازمه هناك . . إذ تعرض لسلسلة من المحن . . كان أسوأها وفاة زوجته ي ظروف مروعة . . و قد غادر بعدها بقليل باريس إلى (نيمس) Nimes ثم إلى مرسيليا . . حيث علق هناك على أثر نشوب الحرب العالمية الثانية . . و قد أصبح وضعه أكثر خطورة بعد احتلال النازي لفرنسا . . و قد اضطر إلى العيش في مأساة مستمرة من البؤس الأليم . .
بعد نهاية الحرب عاد (ڤولين) إلى باريس . . فقط لدخول المستشفى . . حيث كان مصابا بداء السل غير القابل للشفاء . . و عرف أن أيامه معدودة . . و قد توفي هناك في 18 سبتمبر 1945 . . و قد تبع جنازته عدد كبير من أصدقاءه القدامى حيث دفن في مقبرة (بيرلاشيه) القديمة  Pere-Lachaise . . و نعوا فقدان رفيق شجاع عانى كثيرا في حياته لكنه بقي إلى النهاية مقاتلا شجاعا ماضيا من أجل عالم أفضل و قضية عظيمة . . الحرية . . و العدالة الإجتماعية . .
رودلف روكر
كرومبوند – نيويورك
مايو1953

الثورة المجهولة / 2

مقدمة
بعض الملاحظات المبدئية الأساسية
الثورة الروسية : و للمصطلح ثلاث معان . . الثورة بأكملها من لدن حركة الديسمبريين في 1825 و حتى الوقت الحاضر . . أو انتفاضات 1905 و 1917 . . أو  فقط المد الثوري في سنة 1917 فحسب . . في هذا العمل نعني بالثورة الروسية المصطلح الأول . . الثورة بأكملها . .
هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستمكن القاريء من فهم تطور و شمولية الأحداث . . كما تمكنه من ربطها بالوضع الراهن في الإتحاد السوفيتي . .
التاريخ الكامل للثورة الروسية يتطلب ما هو أكثر من مجلد واحد . . هذا المشروع طويل الأمد سيقوم به مؤرخون في المستقبل . . أما ما نسعى إليه فهو مشروع محدود . . يهدف إلى فهم الحركة ككل . . توضيح عناصرها الرئيسة المجهولة خارج روسيا . . و جعل بعض الاستخلاصات و التقديرات ممكنة . .
و إذ يتضخم بين يدي العمل يتسع مداه و يزداد تفاصيله . . و سيجد القاريء و بخاصة في الفصول المتعلقة بانتفاضتي 1905 و 1917 تفاصيل كثيرة لم تنشر من قبل . . و الكثير من الوثائق غير المنشورة من قبل . .
و لابد أن تبقى مشكلة واحدة عالقة بأذهاننا دائما . . هي الإختلاف بين روسيا و غرب أوروبا . . فأي تحليل للثورة الروسية لابد و أن يسبقه دراسة تاريخية مفصلة للبلاد بل و من الأفضل دمج هذه في تلك . . لكن مهمة كبرى كهذه هي خارج حدود موضوعنا . . و كحل جذري لهذه المشكلة سنزود القاريء بالمعلومات التاريخية كلما بدا ذلك ضروريا . .
تمهيد
تبقى الثورة . . مهما درسها عن قرب العديد من الكتاب ذوي المشارب المختلفة على أزمنة مختلفة . . تبقى مجهولا كبيرا . . تمر القرون . . و من وقت لآخر تظهر المزيد من الحقائق و تنشر المزيد من الوثائق من مخلفات الانتفاضات القديمة . . تقلب هذه الاكتشافات معارفنا و أفكارنا التي افترضناها من قبل مكتملة . . تعال نتساءل . . كم من المؤلفات كتبت عن الثورة الفرنسية 1789 و كانت متاحة عندما كشف كروبوتكين و چوريس Jaures عناصرها التي ظلت مجهولة حتى ذلك الوقت . . ألم يقل چوريس أن معظم أرشيف الثورة لم يستغل . .
و عامة . . لاتزال طريقة دراسة الثورات مجهولة . . بنفس القدر الذي لايزال المنهج الأمثل لكتابة التاريخ مجهولا . . و علاوة على ذلك فإن الكتاب . . حتى أكثرهم خبرة و ضميرا يرتكب أخطاءا و لا يخلو من الإهمال . . مما يمنع القاريء من الفهم الصحيح للفكرة الرئيسية . . فعلى سبيل المثال يتناول الكاتب الاضطراب بكثير من التفاصيل و يفحص بتدقيق الحقائق و الظواهر تحت ضوء المعلومات المتوفرة و تحت تأثير ” اللهب الثوري” . . لكنه يرتاب بل و يتجاهل التطورات التي تحدث في صمت . . في أعماق الثورة . . خارج اللهب الثوري . . أو في أحسن الأحوال . . يعطونها بضع كلمات عابرة . . معتمدين في تعليقاتهم على شهادات غامضة  . . و تأتي تفسيراتهم غالبا خاطئة أو متحيزة . . و غني عن الذكر أن هذه الحقائق الخفية من الأهمية بمكان في إلقاء الضوء على الأحداث الحقيقية قيد الدراسة . .
كما أن المفاتيح العلمية لدراسة ظاهرة الثورة . . علم الإقتصاد و علم الإجتماع و علم النفس . . لا تزال عاجزة في الوقت الراهن . . إذ لا يزال أمامها الكثير حتى تتمكن من شرح ما حدث على نحو كاف . .
و ليس هذا كل شيء . . فحتى من وجهة نظر التقارير و الريبورتاجات . . فإن كثير من الفجوات لا تزال هناك . . ففي خضم دوامة الثورة تتسرب التفاصيل إلى شقوق تفتح و تغلق طيلة الوقت . . و ربما بقي بعضها سرا إلى الأبد . . تأخذ الدوامة أولئك الذين يعيشون الثورة . . قلة من المعنيين إلى أعلى بينما تأخذ هؤلاء الملايين من الرجال إلى الأسفل . . بكل ما رأوه و فكروا به . . و خبروه . .
و أخيرا فلايزال هناك سبب آخر أريد التأكيد عليه . . فإنه و بغض النظر عن القليل جدا من الاستثناءات . . فإن الشهود النادرين الذين يتركون شهادات موثقة و المؤرخين يجتزئون الحقيقة عمدا . . فتجد كل منهم يبحث في الثورة عن العناصر التي تدعم أطروحته الشخصية أو تفيد عقيدته أو حزبه أو طائفته . . و كل منهم يخفي بعناية أو يتجاهل كل ما يتعارض مع نظريته الخاصة . . و الثوار أنفسهم . . كلُ حسب نظريته . . يخفي أو يشوه كل ما لا يتفق مع هذه العقيدة أو تلك . .
و نحن بالطبع لا نتحدث عن الكم الهائل من الكتب غير الجادة . .
و عند التحليل الأخير من إذن يستطيع البحث عن الحقيقة الواقعة الوحيدة . . لا أحد . . عمليا لا أحد . . و ليس من المدهش إذا أن نجد في موضوع الثورة . . عددا من التصورات بقدر ما أصدر من الكتابات . . و أن تبقى الحقيقة الجوهرية للثورة مجهولة . .
و مع ذلك فإن هذه الثورة الخفية تحمل في أعماقها بذور الإضطرابات المستقبلية . . و على كل من يريد العيش بفهم أو أن يفهم الأحداث بوضوح أن يكتشف هذا المجهول . . و واجب الكاتب أن يساعد الباحث في مهمته . .
في هذا العمل ستكون هذه الثورة الخفية هي الثورة الروسية . . و ليست تلك التي عالجها مرات عديدة السياسيين و الكتاب المأجورين . . و لكن تلك التي تم تجاهلها أو إخفاؤها ببراعة أو تتزيفها من قبل أمثال هؤلاء . .
فقط صفحات قليلة في كتب قليلة عن الثورة الروسية هيا ما كتبت عن هذه الثورة الخفية . . فحتى الآن تقريبا كل ما كتب عن الثورة تم على أيدي أفراد متحيزين . . إما لمذهب فكري أو لتيار سياسي أو لوجهة نظر شخصية . . و تبعا لإنتماء الكاتب تأتي كتاباته . . ما بين البيض أو الحمر . . الديموقراطيين أو الاشتراكيين . . استالينيين أو تروتيسكيين . . و يختلف كل شيء في المظهر . . و يتم تكييف الواقع نفسه ليوافق تصميم الرواي . . و كلما حاولت البحث عن الحقيقة كلما جانبك التوفيق . . و يتجاهل الكتاب في تواريخهم عن روسيا 1917 حقائق بالغة الأهمية إذا ما لم تتوافق و أفكارهم الخاصة أو كانت غير ذات فائدة لهم . .
و قد ورثنا مشكلة رئيسية عن ثورات 1789 و 1917 . . قامت هذه الثورات ضد الاضطهاد . . و حركتها أنفاس الحرية . . و كانت الحرية غرضها الأساسي . . فلماذا سقطت هذه الثورات تحت نير ديكتاتوريات جديدة . . تمارس سلطتها مجموعة جديدة متميزة . . في عبودية جديدة للجموع ؟ . . ما هي الظروف المطلوبة لتجنيب الثورة هذه النهاية المحزنة ؟ . . هل هذه النهاية نوع من الحتميات التاريخية أم نتيجة لعوامل عابرة أم أنها ببساطة مجرد أخطاء و عيوب يمكن تجنبها من الآن فصاعدا ؟ . . و إذا ما كان الأمر هذه الأخيرة ما هي الوسيلة التي يمكن من خلالها القضاء على الخطر الذي يهدد بالفعل كل الثورات القادمة ؟ . . و هل يجوز لنا أن نأمل بتجنب هذا الخطر أو التغلب عليه ؟ . .
في رأي المؤلف . . فإن هذه العناصر المجهولة . . أو التي تم تشويهها و إخفاءها عمدا . . هي ما ستوفر لنا مفاتيح حل المشكلة التي تواجهنا و ستعطينا المواد التي لا غنى عنها لنتوصل إلى الحل . . و هذا الكتاب محاولة لتوضيح المشكلة بمساعدة حقائق لا تقبل الجدال . .
و قد شارك المؤلف بنشاط في الثورة الروسية 1917 . . كما شارك من قبل سنة 1905 . . و يريد أن يدرس بموضوعية كاملة الحقائق المتاحة عن أحداث 1917 . . و هذا هو اهتمامه الوحيد . . و الذي لولاه لما أزعج نفسه بكتابة الصفحات التالية . .
يدعم هذا الاهتمام بالعرض المباشر و التحليل المحايد لتلك الثورة وضع الكاتب الأيديولوجي . . فمنذ سنة 1908 لا ينتمي الكاتب إلى أي حزب سياسي . . لكنه يتعاطف مع الفكرة التحررية بسبب من قناعات شخصية . . حتى يتمكن من السماح لنفسه بترف أن يكون موضوعيا . . إذ أنه كأناركي ليس لديه أي مصلحة في أن يفتري على الحقيقة . . أو أي سبب للخداع . . و ليس لديه أي اهتمام في السلطة و لا في مرتبة عالية و لا في امتيازات و لا في انتصارات لعقيدة “بأي ثمن” . . إذ يسعى فقط إلى الحقيقة . . فقط الحقيقة الغنية . . و شغفه الوحيد و طموحه الأوحد هو شرح أحداث 1917 على ضوء الحقائق الأكيدة . . بما يسمح باستخلاص استنتاجات صحيحة مفيدة . .
و ككل الثورات الأخرى . . تتعلق الثورة الروسية بثروة مجهولة من الحقائق . .
و قد قدم هذه الدراسة على أمل أن تأخذ في يوم ما مكانها المتواضع بجانب أعمال المؤلفين الذين أرادوا و استطاعوا و عرفوا كيف يستكشفون هذه الثروات الضخمة . . بأمانة و استقلال تام . .

مذبحة الأكراد في (سيرناك) : عندما يعمل إرهاب الدولة التركية

مذبحة الأكراد في (سيرناك) : عندما يعمل إرهاب الدولة التركية

كشفت هذه المجزرة التي لا يمكن تبريرها من جديد الوجه الحقيقي لإرهاب الدولة التركية . و نزع الذبح القناع عن نفاق (أردوغان) , الذي تلطخت دماء نظامه بالدماء الكردية بينما يعيب هو على وضع حقوق الإنسان في البلدان النامية الأخرى . كما سلّطت هذه المذبحة الضوء على نفاق “المجتمع الدولي” الذي شعر بالصدمة من القمع في سوريا , بينما هو يساعد بصمته على ذبح الشعب الكردي . إن الشعب الكردي اليوم تتم تعبئته لتحديد مشروعهم للتحرر و لمقاومة أربعة دول تحتلهم و تقمعهم (سوريا و تركيا و إيران و العراق) . و إن أدنى شعور باللياقة و الإنسانية ليدفعنا لإظهار التضامن معهم .

3ad67739394cb11d020f6a706700ba65.jpg
مذبحة الأكراد في (سيرناك) : عندما يعمل إرهاب الدولة التركية
بذلت حكومة حزب (العدالة و التنمية) Adalet ve Kalkinma Partisi الحاكم في تركيا , في السنوات الأخيرة جهدا كبيرا على المستوى الدولي لتعزيز صورة الحكومة التقدمية , فاحتضنت لفظيا القضية الفلسطينية و أدانت بأشد العبارات القمع في سوريا . و قد كان ذلك جزءا من سعيها لكسب مكانة لتركيا كقوة إقليمية في الشرق الأوسط , و كمحاولة للتلب على تردد جيرانهم العرب تجاههم منذ عهد الإمبراطورية العثمانية .
عندما خسرت تركيا , في نظر حلف شمال الأطلنطي – الناتو – , موقعها الإستراتيجي مع نهاية الحرب الباردة , حاولت أن تمارس نفوذا في المنطقة التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي . فمن ناحية , ظلت تركيا تقوي علاقاتها مع الولايات المتحدة من خلال حلف شمال الأطلنطي (كما يتضح من خلال الدور المحوري الذي لعبه نظام أنقرة في المفاوضات في المرحلة الإنتقالية في ليبيا) , و لكن في نفس الوقت , و بلا غوغائية , تحاول كسب تعاطف العالم العربي من خلال التظاهر بمساندة حركات التمرد المؤيدة للديموقراطية (مع محاولة دفعها في إتجاه محافظ) و مساندة حق الفلسطينيين في تقرير المصير . في هذه اللعبة المزدوجة , ترتدي تركيا لباسا نيوليبراليا من أجل الغرب و حُلّة إسلامية من أجل الشرق . بينما تعزز في الداخل سياسات عسكرية قمعية , و بخاصة تجاه الشعب الكردي .
لم تكن إشارة (نتنياهو) , بعد احتجاجات رئيس الوزراء التركي (أردوغان) على غرق العبارة التركية (مافي مرمرة) أمام سواحل غزة , إلى أنه على (أردوغان)الإلتفات إلى الوضع الكردي في بلاده بدلا من الإكثار بالحديث عن الفلسطينيين , من أجل لا شيء إذن . كان البيان الذي أدلى به (نتنياهو) سوى نفاق بغيض بلا شك . لكن (أردوغان) كان على معه على قدم المساواة في النفاق عندما راح يتحدّث جذلا ملقيا المواعظ عن الحق في الاحتجاج و الحاجة إلى المزيد من الديموقراطية في الشرق الأوسط . معلنا نفسه المتحدث باسم “الربيع العربي” , و منصبا نفسه المدافع عن القضية الفلسطينية , على حين يقهر و يضطهد ة يسجن و يعذّب أقلية مضطهدة عنده في بلاده . . الأكراد .
غرقت احتجاجات المنطقة الكردية في الدم , مع عشرات القتلى , بينما كان اهتمام العالم منصبا على ليبيا و سوريا . عندما فاز حزب العدالة و التنمية لأول مرة في الإنتخابات التركية سنة 2002 , كان ذلك بفضل الوعود الغوغائية بالإصلاح و التحديث  , و التي خلقت , إلى حد ما , توترات مع الجيش و القوميين التراك , الكماليين , الذين أحتكروا السلطة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى , مع تأسيس الدولة التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية . و قد شملت وعود الإصلاح و الديموقراطية المسألة الكردية . صحيح انها قد أباحت التحدث باللغة الكردية و سمحت بالبث بها عبر التليفزيون و الراديو . لكن هذه التدابير كانت في أحسن الأحوال امتيازات رمزية ثقافية فقط . إذ لم تتغير طبيعة افضطهاد أو التمييز ضد الشعب الكردي الذي يعاني منها بصورة يومية . و مع فشل استراتيجية حزب العدالة و التنمية في صرف الأكراد عن الولاء لحركة الحكم الذاتي من خلال اللعب بالورقة الإسلامية , بدأ حزب العدالة و التنمية , مع قعقعة السيوف , يعود إلى السياسة التركية التقليدية تجاه الأقليات العرقية . ببساطة أسحق من لا يمكنك تحييده .
لم يبد حزب العدالة و التنمية أدنى اهتمام في حل النزاع الدائر منذ 1984 بين الدولة و الميليشيات الكردية , و حزب العمال الكردستاني Partiya Karkerên Kurdistan من خلال التعامل مع مطالب المتمردين : إعادة الاراضي و استصلاح الأراضي و الحكم الذاتي (و ليس الإستقلال السياسي) و التحول الديموقراطي من خلال الحكم المحلي القائم على المشاركة , و تفكيك الجماعات شبه العسكرية التي تسلحها الدولة التركية (حرّاس القرى) , و المساواة الكاملة بين الأكراد و بقية الشعب التركي , و الاعتراف بالطبيعة المتعددة الجنسيات في تركيا , و المساواة الكاملة للمراة و احترام تجارب السلطة الشعبية التي بنيت أثناء المقاومة المسلحة . و قد استمرت عسكرة الأقاليم الكردية على حالها , على أننا نشهد منذ العام 2007 تصاعد العمليات العسكرية التركية ضد المتمردين مع سلسلة من التفجيرات التي استهدفت معسكرات المتمردين بشكل متزايد على الحدود مع العراق . و منذ عام 2009 تبدأ عملية اضطهاد سياسي ممنهجة لحركات الشعب الكردي الاجتماعية و السياسية و الشعبية , مع إغلاق الحزب الكردي الرئيسي , حزب المجتمع الديموقراطي Demokratika Toplum Partisi بتهمة كونه الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني . و تحت مظلة قانون مكافحة الإرهاب تعرض أكثر من 3000 من النوّاب و البرلمانيين و العمد و النقابيين و الأكاديميين و المثقفين و الطلبة و المدافعين عن حقوق الإنسان و الناس الفقراء , للسجن بدون محاكمة او تهمة حقيقية , و كانت جريمتهم الوحيدة هي مناصرة القضية الكردية و كونهم أكرادا .
لم تفشل هذه المطاردة في حث ما يسمى : “المجتمع الدولي” على الإدانة , بل و قد قدمت الإستخبارات العسكرية الأمريكية المساعدات للنظام التركي أيضا , بينما يتم التفاوض على تواجد قاعدة عسكرية أمريكية على الراضي التركية في سبيل الحفاظ على سرب من الطائرات بدون طيار , و التي تتحمل المئولية المباشرة عن مجازر وحشية في اليمن و باكستان و أفغانستان . و قد شهدت الأشهر الستة الأخيرة تزايد الأعمال العسكرية ضد المقاومة الكردية , و الذين ردوا بدورهم , و بشكل جيد , و بضربات موجهة ضد القوات العسكرية التركية . و قد أدي هذا الموقف بالجيش التركي لتفجيرات و هجومات متعمدة تزداد وحشية و عشوائية .
و الليلة الماضية , لطّخت هذه السياسة العسكرية الغاشمة إقليم (سيرناك) الكردي على الحدود التركية مع العراق بالدماء . إذ قصفت طائرات الـ F-16 التركية مجموعة من نحو 50 مزارعا عند أحد المعابر الحدودية , و قد قتل ما لا يقل عن 36 بينما لايزال 13 آخرين في عداد المفقودين . و مايزال عدد القتلى مرشح للزيادة مع الجروح الخطيرة التي أصيب بها البعض الآخرين . . و وفقا للحكومة التركية , التي تعترف الآن بخطأها , فقد ذكرت في بيان عسكري سابق أن المتمردين كانوا عبارة عن مجموعة من مهربي السجائر . و وفقا لمصادر أخرى أنهم كانوا عائدين من أعمالهم , أو كانوا يحضرون بعض الديزل من أجل الإستعمال الشخصي . و على أية حال لم يكن هؤلاء متمردين كما ذكر البيان العسكري الذي تم رفضه في وقت لاحق و لا كان نموذجا لعملية عسكرية جراحية , بحسب الحكومة التركية .
كشفت هذه المجزرة التي لا يمكن تبريرها من جديد الوجه الحقيقي لإرهاب الدولة التركية . و نزع الذبح القناع عن نفاق (أردوغان) , الذي تلطخت دماء نظامه بالدماء الكردية بينما يعيب هو على وضع حقوق الإنسان في البلدان النامية الأخرى . كما سلّطت هذه المذبحة الضوء على نفاق “المجتمع الدولي” الذي شعر بالصدمة من القمع في سوريا , بينما هو يساعد بصمته على ذبح الشعب الكردي .
إن الشعب الكردي اليوم تتم تعبئته لتحديد مشروعهم للتحرر و لمقاومة أربعة دول تحتلهم و تقمعهم (سوريا و تركيا و إيران و العراق) . و إن أدنى شعور باللياقة و الإنسانية ليدفعنا لإظهار التضامن معهم . يجب على شعوب العالم ألا تسمح لأردوغان أن يفتح فمه مرة أخرى متحدثا باسم حقوق الإنسان في أي مكان كان . و أينما حل متظاهرا بالديموقراطية أو الإنسانية فسنذكر جميعا كلمة واحدة ستدمغه بالعار الأبدي , كتذكير من مسخ إرهاب الدولة البشع . . (سيرناك) . .
خوسيه أنطونيو غوتيريز
29 ديسمبر 2011

مذبحة الأكراد في (سيرناك) : عندما يعمل إرهاب الدولة التركية

المصدر :

The Massacre of Kurds in Sirnak: Turkish State Terror in Action

http://anarchist-document.blogspot.com/2012/01/blog-post_06.html