All posts by Anarchistan ئەنارکیستان

Kurdistan Anarchists Forum - KAF سەکۆی ئەنارکیستان

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 7

 مصادر الابداع: الفرد

في مواجهة هرميات واكراهات الاشتراكية السلطوية يطرح الأناركي مصدرين للابداع: الفرد، وعفوية الجماهير. ووفقا لما قد يكون عليه الأناركي، فرديا أكثر منه اجتماعيا، أم اجتماعيا أكثر منه فرديا. ولكن كما لاحظ أوغستين هامون في استطلاع للرأي أنه لا يمكن تصور أناركي غير فردي.

أعاد شتيرنر الاعتبار للفرد في عصر كان يهيمن عليه المفهوم الهيغلي المعادي للفردية، على المستوى الفلسفي، وعلى مستوى النقد الاجتماعي، كانت الأنانية البرجوازية قد دفعت بغالبية الاصلاحيين إلى إبراز النقيض لهذه الأنانية: ألم تولد كلمة الاشتراكية كنقيض للانانية؟

يؤكد شتيرنر على قيمة الفرد “الفريد”، أي الذي لا شبيه له إطلاقا، والذي وضعت الطبيعة منه نسخة واحدة (وهذا ما تؤيده أبحاث البيولوجيا)، ولمدة طويلة بقي هذا الفيلسوف منعزلا على دوائر الفكر الأناركي، كشخص غريب الأطوار، لا يتبعه إلا الفرديين “المتمسكين بخطاياهم”. لكن اليوم فإن عظمة وجرأة ما قاله تبدو واضحة جدا. وحقا، يبدو أن مهمة العالم المعاصر تكمن في إنقاذ الفرد من جميع ما يرزح تحت عبئه، من المصطنعات إلى الخضوع الكلي. في مقالة لسيمون ويل في العام 1933 تتذمر سيمون لعدم وجود أجوبة في الأجب الماركسي على الأسئلة التي تطرح عن ضرورات الدفاع عن الفرد ضد الأشكال الجديدة للقمع التي تبت القمع الرأسمالي الكلاسيكي. وبالفعل إن هذا الشق خطير فعلا، لكن شتيرنر أجاب عن هذا ثيل أواسط القرن التاسع عشر.

شتيرنر هو كاتب ذو أسلوب حاد، ينقر نقرا، يعبر عن أفكاره بقرقعات تشبه الأقوال المأثورة: “لا تبحثوا في نكران الذات عن حرية تنكر أبسط طبائعكم، بل ابحثوا عن طبائعكم … دعوا كل واحد منكم يكون قويا”. لا يوجد إلا تلك التي ينتزعها الفرد بنفسه. فالحرية المقدمة، الممنوحة، ليست حرية بل “سلع مسروقة”. “ليس هناك من حاكم غيري يمكنه أن يقرر إذا ما كنت على حق أو لا”. “إن الأشياء الوحيدة التي لا يحق لي القيام بها، هي تلك التي التي لا أقوم بها برأيي الحر”. “لك الحق في أن تكون ما تقوى على أن تكون عليه”. إن ما تقوم به تقوم به كونك فريد: “لا تستطيع الدولة، ولا المجتمع ولا الإنسانية أن تخضع هذا الشيطان”.

 حتى يتحرر الفرد، عليه البدء بإعادة النظر بما لقنه إياه والديه ومعلموه. عليه القيام بعملية واسعة “لنزع القدسية عن ما تعلمه منهم. بدءا مما يسمى الأخلاقية البرجوازية:”مثل البرجوازية نفسها، التي لها حقلها الخاص، الأخلاقية البرجوازية ما تزال قريبة جدا من جنة الدين، ليست حرة بما فيه الكفاية، تستعير من البرجوازية قوانينها لتعيد زرعها في حقلها الخاص، بدلا من أن تخلق مذاهبها الخاصة والمستقلة”.

ينتقد شتيرنر الأخلاقية الجنسية على وجه الخصوص. إن رسل العلمانية من الأخلاقية الجنسية ذات موقف المسيحية. إنهم يرفضون الاستماع لنداءات الجسد. يسعون بجهد لمحاربة الجسد. يصفعون وجه اللأخلاقية. هذه الأحكام المسبقة الأخلاقية التي علمتهم إياها المسيحية تملك حصنا قويا بين الجماهير الشعبية: “يدفع الناس بشراسة الشرطة لمحاربة كل ما يبدو أنه غير أخلاقي أو غير لائق، وهذه الشراسة الشعبية المدافعة عن الأخلاقية تحمي مؤسسة الشرطة أكثر مما تستطيع القيام به الحكومة ذاتها”.

مستبقا علم النفس المعاصر، يلاحظ شتيرنر وينقض الاستبطان (أي جعله من الباطن). منذ طفولتنا، يتم إطعامنا الأحكام الأخلاقية المسبقة، حتى تصبح الأخلاق “قوة داخلية لا يمكنني التخلص منها”. “إن قمع هذه الأخلاقية هو أقسى عشر مرات لأنه يصرخ في وعيي”. “يدفع الشباب للمدارس كالقطعان حتى يتعلموا الأقوال المتكررة والقديمة وعندما يحفظونها غيبا يصبحون راشدين”. يعلن شتيرنر أنه محطم للهياكل الدينية: “إن الله، الوعي والواجبات والقوانين ليست إلا أكاذيب وهرطقات حشوا أدمغتنا وقلوبنا بها”. إن السحرة والمفسدين الحقيقيين للشبان هم رجال الدين والأهالي الذين “يعطلون قلوب الشباب ويخدرون روؤسهم بالحماقات”. إذا كان هناك عمل يأتي من الشيطان فهو ذلك الصوت الالهي الخاطئ الذي أدخلوه في الوعي”.

في رده لإعتبار الفرد يكتشف شتيرنر اللاوعي الفرويدي. إن الأنا قوية بحيث لا يسمح بالتغلب عليها، أو القبض عليها، وتنكسر في مواجهتها امبراطورية الفكر، والتفكير، والذهن”. الأنا هي ما لا يعبر عنه، ما لا يمكن تصوره، ما لا يمكن الامساك به. ونحن نسمع هذه الأقوال اللامعة نرى الصدى الأول للفلسفة الوجودية: “إنني أنطلق من فرضية، متخذا من ذاتي هذه الفرضية، أني استخدم هذه الأنا (الذات) فقط حتى أتمتع بها، كي أتغذى بها. أنا موجود فقط لأنني أتغذى منها. أن امتص ذاتي يعني أنني موجود.

طبعا، إن الحمية التي تستثير قلم شتيرنر تضعه بين الحين والآخر في تناقضات. فتصدر عنه بعض الأقوال اللااجتماعية. تصل أحيانا إلى التعبير عن استحالة العيش مع المجتمع: “لا نطمح للحياة المشتركة بل إلى الحياة المنعزلة”. “الناس ميتة، صباح الخير أنا، سعادة الناس تعاستي”. “إذا كان الأمر صحيحا بنظري، فهو صحيح. يمكن أن لا يكون صحيحا بنظر الآخرين، وهذه مشكلتك، لا مشكلتي: فليدافعوا عن أنفسهم”.

لكن هذه الانفعالات تعكس من لآخر جوهر فكره. فشتيرنر وعلى الرغم من الفخر الناسك يصبو للحياة الاجتماعية. مثل أغلب المنعزلين، المتحجرين، الانطوائيين، يحن شتيرنر كثيرا لهذه الحياة. أما من يسأله كيف تسمح له حصريته وتشبثه، العيش في المجتمع، فيجيبه وحده الإنسان الذي فهم “فرادته” يمكنه أن يقيم علاقات مع أمثاله. يحتاج الفرد إلى أصدقاء، إلى حضور، وإذا كان يكتب كتبا فهو بحاجة إلى لآذان. يتحد الفرد مع قريبه لتعزيز قوته والعطاء المرتكز على القوة المشتركة هو أكبر مما يعطيه كل فرد منعزل. “إذا وجد خلفك عدة ملايين من الناس لحمايتك، سوف تشكلون معا قوة مهمة وسوف تحققون الانتصار بسهولة”. ولكن بشرط واحد:”هذه العلاقات مع الآخرين يجب أن تكون إرادية وحرة، وقابلة دوما للفسخ. يميز شتيرنر بين المجتمع القائم والقائم على الاكراه والشراكة والتي هي عقد حر: “يستخدمك المجتمع فيما أنت تستخدم الشراكة”. “بالطبع الشراكة تفرض التضحية، الحد من الحرية. لكن هذه التضحية لا تهدف للصالح العام: إن مصلحتي الخاصة وحدها ما دفعني لبذل هذه التضحية”.

إن كتاب “الأنا وملكيته” يعرض بصورة خاصة الاهتمامات المعاصرة لمسألة الحزب، مشيرا بوضوح إلى الحزب الشيوعي. يوجه نقدا قاسيا للخضوع للحزب. “اتباع الحزب واجب دائما وفي أي وقت كان؛ ويجب تأييد ودعم مبادئه الأساسية بشكل ضروري. إن الأعضاء يخضعون لرغبات الحزب، حتى تلك القليلة الأهمية”. “إن برنامج الحزب وفقا لنظرتهم هو البرنامج الصحيح الذي لا شك فيه. إن الانتماء للحزب يكون جسدا وروحا. وذلك الذي ينتقل من حزب لآخر، يوسف سرعة أنه مرتد”. وفقا لشتيرنر، إن الحزب الواحد  يتوقف عن كونه شراكة ويبقي فقط على الجثة. إنه يرفض الحزب لكنه لا يقطع الأمل من الانضمام لجمعية سياسية: “أنا دائما سوف أجد أشخاصا كافيين يريدون الاتحاد (الشراكة) معي بدون أداء قسام الاخلاص لرايتي”. لقد شعر أنه فقط يمكنه الانضميم للحزب إذا “لم يكن هناك ما هو الزامي فيه”، وشرطه الفريد كان أن يكون متأكدا “من عدم سيطرة الحزب عليه”. “الحزب ليس أكثر من حزب وهو جزء منه”. “إنه ينضم له بحرية ويتركه بحرية”.

هناك نقطة ضعف واحدة في تحليل شتيرنير، مع أنها موجودة إلى حد ما في كتاباته، وهي أن مفهومه حول وحدة الفرد ليس فقط أنانيا مفيج للفرد فقط، بل إنه مفهوم يفيد أيضا الجماعة. إن أي جمعية (شراكة) إنسانية لا يمكن أن تكون مثمرة إذا كانت تسحق الفرد، بل تكون مثمرة بقدر ما تنمي مبادرة الفرد، وطاقته الخلاقة. أليست قوة الحزب هي مجموع الأفراد الذين ينتمون له؟ إن هذا النقص في تحليله يعود إلى حقيقة أن تركيب شتيرنر بين الفرد والمجتمع يبقى ناقصا وغير كامل. في فكر هذا الثائر يتصارع اللااجتماعي مع الاجتماعي ولا يذوبان معا دائما. وينتقد الاجتماعيون الأناركيون هذا التوجه بصدق.

وقد انتقده هؤلاء بشدة، حيث أن شتيرنر والذي كانت تنقصه المعلومات حول الموضوع قد أخطأ بتصنيفه لبرودون أنه “شيوعي سلطوي”. والحقيقة أنه بالرغم من مهاجمة برودون لتقديس شتيرنر للفرد، فإن همه كان البحث عن تركيب أو توزان بين المصلحة الفردية والاجتماعية، بين القوة الفردية والجماعية. “إن الفردانية هي الحدث الأول للبشرية، فإن الشراكة (الجمعية) هي المكمل لها”. “يعتبر البعض أن الإنسان لا قيمة له في المجتمع فيميلون إلى تذويت الفرد في الجماعة. هذا هو النمط الشيوعي، حيث انحطاط لشخصية باسم المجتمع. إنه الطغيان، الطغيان الروحاني، اللامرئي؛ هذا بعيد عن الشراكة. لقد أفرغت الشخصية الإنسانية من قدراتها، ما أفرغ المجتمع المجتمع من حيويته”.

ولكن في المقابل، يهاجم برودون الطوباوية الفردية التي تجمع الفردانيات قرب بعضها البعض دون أي شيء يجمع بينها، أي دون قوة جماعية وبالنتيجة: لا شيوعية ولا حرية مطلقة. “لدينا الكثير من المصالح المشتركة، أشياء كثيرة جدا مشتركة”.

وباكونين أيضا هو فرداني واشتراكي في وقت واحد. فهو لا يتوقف عن التذكير بأن المجتمع الحر يرتكز على الفرد الحر. في كل مرة يعلن فيها عن حقوق يجب منحها للجماعات، مثل حق تقرير المصير، والانفصال، فهو ييسعى لأن يكون الفرد أول المستفيدين. فواجبات الفرد اتجاه المجتمع لا تكون إلا بمقدار قبوله الحر بأن يكون جزءا من هذا المجتمع. إن لكل إنسان الحرية في المشاركة أو عدم المشاركة، في أن “يعيش وفقا لرغبته في الصحراء أو الغابات بين الحيوانات المفترسة”. “الحرية هي حق كل كائن بشري في أن يكون مصدر العقوبة على أعماله ووعيه، في أن تكون إرادته هي التي تحدد أعماله هذه، وفي أن يكون مسؤولا فقط اتجاه نفسه أولا وآخرا”. إن المجتمع الذي اختار الفرد أن يكون جزءا منه بحرية لا يأتي في إلا في المرتبة الثانية لمسؤوليات باكونين. إن على المجتمع واجبات اتجاه الفرد أكثر مما له من حقوق: إن المجتمع لا يمارس “أي رقابة وأي سلطة” على الفرد شرط أن يكون راشدا، بل يجب على المجتمع أن يؤمن له “حماية حريته”.

يتجاوز باكونين الحدود عند كلامه عن “الحرية المطلقة والكاملة”. إن لي الحق في التصرف كما أشاء، أن أكون كسولا أو نشيطا، أن أعيش بكرامة، من عملي، أو من استغلال شفقة الآخرين وثقتهم بوقاحة، بشرط واحد: أن تكون هذه الشفقة وهذه الثقة ممنوحتين بشكل حر وصادرتان أن أفراد راشدين. حتى إن لي الحق في الدخول في جمعيات “لاأخلاقية” أو تبدو كذلك. ويذهب باكونين، وذلك لرغبته في الحفاظ على الحرية، إلى حد القبول في الجمعيات التي تهدف إلى إفساد الحرية الفردية أو العامة وهدمها: “لا يجب ولا يمكن أن يدافع عن الحرية إلا الحرية ذاتها؛ وإنه لقلب خطير للأمور أن نضرب الحرية بحجة الدفاع عنها”.

أما فيما يتعلق بالقضية الأخلاقية، فيقتنع باكونين تماما بأن “اللاأخلاقية” هي نتيجة التنظيم الفاسد للمجتمع. لذا يجب تهديم المجتمع كليا، ولا يمكن إعادة بناء الناس على أسس أخلاقية إلا عبر الحرية. فإن كل تضييق مفروض بهدف حماية الأخلاق لا يضرب إلا الأخلاق في نهاية الأمر. والقمع دائما يكون غير قادر على وقف التجاوزات اللاأخلاقية، بل إنه يعمقها، ويزيدها. إن غير مفيد إذا فرض أي تشريعات قاسية تضرب الحرية الفردية.

أما بالنسبة للأفراد الفوضويين، الكسولين، السيئين، فإن باكونين لا يقبل إلا بعقوبة واحدة هي نزع الحقوق السياسية أي ما يمنحه المجتمع للفرد من ضمانات. لذا فكل فرد له الحق في التخلي عن حريته ولكنه في هذه الحالة سيتم نزع حقوقه السياسية التي يتمتع بها، خلال فترة هذه العبودية الارادية.

بالنسبة للجريمة، ينظر اليها أنها مرض وعقوبتها هي العلاج ليس كعقوبة يفرضها المجتمع، بل ويجب الحفاظ على حق الفرد بعدم الخضوع للعقوبة المفروضة، وذلك عبر التعبير عن إرادته بالخروج من هذا المجتمع. وفي المقابل إن للمجتمع الحق في طرده وتعريته من ضماناته وحمايته.

لكن باكونين لم يكن عدميا على الاطلاق. إن مبدأه عن الحرية الفردية المطلقة لا يعني أنه ينكر الواجبات الاجتماعية. فأنا لست حرا إلا من خلال حرية الآخرين. “إن الإنسان لا يحقق فردانيته الحرة إلا إذا اكمله جميع الأفراد الآخرين الذين يحيطون به وفقط بفضل العمل والنفوذ الجماعي للمجتمع”. إن الشراكة إرادية، ولا شك أن باكونين يعتبر أن “هذه الشراكة ستجذب كل الناس، نظرا لما تقدمه إيجابيات هائلة”. الإنسان هو “الأكثر فردانية واجتماعية بين الحيوانات”.

كذلك إن باكونين لم يكن متساهلا مع الأنانية بمعناها المبتذل، أي مع الفردانية البرجوازية التي “تدفع الإنسان إلى الاستيلاء وتوطيد سعادته الخاصة بغض النظر عن كل الناس، وعلى حساب الآخرين وضررهم”. “هذا الفرد المنعزل والمجرد هو مجرد وهم مثل الاله”. العزلة المطلقة هي الموت “الفكري، المعنوي، والمادي أيضا”.

إن فكر باكونين هو فكر واسع وتركيبي حيث يقترح جسرا بين الأفراد وحركات الجماهير: “كل الحياة الاجتماعية ليست إلا تبعية متبادلة ودائمة بين الأفراد والجماهير. إن الأفراد الأكثر ذكاء وقوة هم في كل لحظة من حياتهم سواء المحفزات ونتائج الرغبات ونشاطات الجماهير”. الأناركي يرى أن الحركة الثورية هي نتاج هذا التفاعل؛ لذا فإنه يؤكد على النشاط الفردي والجماعي المستقل للجماهير لجهة النضال والنتيجة.

 كان الورثة الفكريون لباكونين هم الأناركيون الاسبان. بالرغم من تعلقهم بالمفهوم الاشتراكي في عشية ثورة 1936، فقد أشاروا وبوضوح إلى الاستقلالية المقدسة للفرد. دييغو أباد دي سانتيان كتب “إن الطموح الأبدي إلى الفردانية سوف يمر بألف طريق الفرد لن يخنق بأي مساواتية. سوف تجد الفردانية والذوق الخاص والخصزصية مجالا معينا للظهور والتعبير”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 6

نقد الاشتراكية السلطوية

يجمع الأناركيون على نقد قاس للاشتراكية السلطوية. في البداية كانت انتقاداتهم اللاذعة غير مبررة كليا، حيث كانت توجه إلى الشيوعيين الأوائل الذين لم يعرفوا الماركسية الإنسانية، أو لأنها وجهت لماركس وإنجلز الذين لك يكونا سلطويين ودولتيين بالقدر الذي زعمه الأناركيون. ولكن في هذه اليام انتشرت وتنوعت الاتجاهات السلطوية التي كانت موجودة بشكل صغير وضعيف في الفكر الاشتراكي. اليوم أصبح النقد الأناركي أقل افتراءا وأكثر صحة لأنه أصبح أكثر امتدادا وأصبح مميزا بنكهة تنبؤية.

يؤيد شتيرنر الشيوعية ولكنه يشترط: “إذا كان الاعتقاد الشيوعي لمضطهدي المجتمع الحالي خطوة تقدمية على طريق تحريرهم الكامل، فإنهم لن يقضوا على “انسلابهم” للأبد، ولن يبرزوا فردانيتهم إلا إذا تجاوزوا الشيوعية.

لذا فإن شتيرنر يرى أن العامل في النظام الشيوعي سوف يبقى خاضعا لهيمنة المجتمع العمالي. وهذا العمل الذي يفرض على المجتمع من قبل العامل هو بمقابة قصاص له. ويكتب الشيوعي ويتلنغ: “لا يمكن للقدرات أن تنمو إلا بمقدار عدم ارباكها لتجانس المجتمع”. ويجيب شتيرنر عليه: “أن أكون مستقيما في نظام طاغ أو في مجتمع ويتلنغ، يعني غياب القانون في كلا الحاليتن”.

لا يعطي الشيوعي أهمية كبيرة “لوقت الفراغ” بل يكتفي بتقديمها للعامل مهملا ما أساسي: استفادة العامل من قدراته الذاتية بعد القيام بمهمته الانتاجية. ويرى شتيرنر أن خطورة المجتمع الشيوعي تحديدا أن الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج تسلم الدولة سلطات مفرطة أكثر من المجتمع الحالي: “إن الشيوعية بالغائها كل ملكية فرجية، تجعلني أكثر تبعية للآخرين، مع أنها تهاجم الدولة كثيرا، فإنها تريد اقامة دولتها الخاصة أيضا، ما يوقف نشاطي الحر وينصب علي سيدا”. في مواجهة هذا القمع الذي أعيش في ظله والذي يمارسه الملاك الأفراد، تثور عليه الشيوعية وهي محقة في هذا، ولكن وضع النفوذ في أيدي الكل هو أكثر رعبا”.

يستاء برودون بنفس الشكل من “النظام الشيوعي”، الحكومي، الدكتاتوري، التسلطي، العقائدي، الذي ينطلق من مبدا “تبعية الفرد إلى الجماعة”. إن ما حمله الشيوعيون عن السلطة هو ذات المفهوم الذي حمله أسيادهم القدماء. بل هو أقل تحررية. “مثل جيش سيطر على مدافع العدو ، كل ما فعلته الشيوعية هو توجيه مدفعها الخاص ضد جيش الملاك. والعبد يقلد دوما معلمه”. يصف برودون النظام السياسي الشيوعي بما يلي:

“ديمقراطية مركبة، تقوم شكليا على دكتاتورية الجماهير، لكن لا تملك الجماهير من السلطة إلا ما يكفي لضمان العبودية، انطلاقا من الصيغ التالية المسنبطة من السلطة المطلقة القديمة:

“عدم الفصل بين السلطات؛ المركزية المشددة؛ هدم المنهج الفكري الفردي، التعاوني والمحلي؛ شرطة مخابراتية وتعسفية”.

يريد الاشتراكيون السلطويون “ثورة من الأعلى”. “يدعمون فكرة أنه بعد الثورة يجب أن تستمر الدولة. إنهم يحافظون على الدولة، والسلطة، والتسلط، والحكومة، لا إنهم يزيدون أهمية هذه. ما يفعله الاشتراكيون السلطويون هو تغيير الأسماء. كأن تبديل الكلمات يكفي لتغيير الأشياء!” ويقول برودون هذه النكتة: “الحكومة بيطبيعتها هي ضد الثورة، ضعوا القديس سان بول في السلطة: يتحول إلى غيزو أو تاليران”.

يوجه باكونين هذا النقد للشيوعية السلطوية: “إنني أكره الشيوعية لأنها انكار للحرية، وأنا لا أستطيع تصور أي شيء إنساني بدون حرية. أنا لست شيوعيا على الاطلاق لأن الشيوعية تضع كل قوى المجتمع بيد الدولة، لأنها تؤدي إلى مركزة الملكية بأيد الدولة، أما أنا فأريد الغاء الدولة، انتزاع جذري لمبدأ سلطة الدولة ووصايتها، الدولة التي كانت وما وزالت تستعبد الناس وتقمعهم وتستغلهم وتفسدهم، بحجة جعل الناس أكثر أخلاقية وتمدنا. إنني أريد تنظيم المجتمع والملكية الجماعية من الأسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل، عن طريق الجمعية الحرة، إنني جماعي، ولست شيوعيا”.

بعد هذا الحديث بقليل انضم باكونين إلى الأممية الأولى حيث تواجه هو ومناصروه ليس بماركس وإنجلز فقط بل آخرون أيضا انتقدوا مواقفه وبشكل أكثر مما فعله منظرا الاشتراكية العلمية: فمن جهة، هناك الديمقراطيون الاجتماعيون الألمان الذين الدولة بالنسبة لهم محاطة بهالة من القدسية والذين يريدون إقامة “دول شعبية” مجهولة عن طريق الانتخاب والتحالفات الانتخابية؛ من ناحية أخرى البلانكيون الذين دعوا لدكتاتورية أقل ثورية، ذات صفة مؤقتة. حارب باكونين هذه المفاهيم السلطوية بشدة، والذين تأرجح ماركس وإنجلز بينهما، لأسباب تكتيكية حتى أعلنوا رفضهم لها بسبب ضغط النقد الأناركي.

أما مواجهة باكونين مع ماركس كانت بسبب تسلط ماركس بطريقة عصبية وشخصية في الأممية الأولى، خصوصا بعد 1870. هذا الصراع الذي دار بشكل رئيسي حول المسألة التنظيمية، أي جمعية العمال الدولية، ولكن لا شك أن كلا الطرفين كانا مخطئين. فباكونين ليس بريئا تماما، إذ أن ما اتهم به ماركس كان غالبا ظالما، بل ويعتريه جزء من سوء النية. لكن ما قد يلفت النظر هو أن باكونين قد أحسن العمل عندما أطلق صرخة تحذيرية منذ العام 1870 ضد بعض المفاهيم التنظيمية للحركة العمالية والسلطة العمالية، وهي مفاهيم سوف تشوه الثورة الروسية بعد هذا التاريخ بوقت طويل. كان باكونين يرى في الماركسية ما هو محق، وأحيانا ما هو ظالم، الذي سوف يشكل لاحقا نواة الللينينية، ثم سرطان الستالينية.

ويتحدث باكونين، بشيء من الخبث عن نوايا ماركس وإنجلز، إذا ما افترضنا عن إضمار الرجلين لهذا، رغم أنهما لم يفصحا عن هذا يوما: “يقال لنا، إن كل العمال لا يمكن أن يكونوا علماء، ألا يكفي أنه توجد في قلب هذه الجمعية، فئة من الرجال تملك علم وفلسفة وسياسة الاشتراكية، وفقا لما تسمح به أيامنا، حتى يمكن للأغلبية، عبر خضوعها الاستسلامي للقيادة، ضمان السير في الخط الذي يجب أن يقود إلى التحرر النهائي للبروليتاريا؟ هذا هو نمط التفكير الذي سمعناه بصورة غير مباشرة، إذا أن البوح بهذا يحتاج إلى الجرأة والرصانة الغير موجودتين، والذي نما سرا مع تحفظات مختلفة، ولبقة إلى حد ما”. ويتابع باكونين هجومه: “بما أنهم بدأوا من مبدأ أنم للفكر أفضلية على الحياة وأن للنظرية أفضلية على الممارسة الاجتماعية، فإنه، يجب أن تكون الثورات الاجتماعية، وإعادة البناء الاجتماعي نقطة البداية، فقد توصلوا إلى نتيجة أن الفكر والنظرية والعلم، هي ملكية حصرية لأقلية من الناس، هذه الأقلية يجب أن تقود الحياة الاجتماعية”. إن الدولة الشعبية المزعومة لن تكون إلا حكومة استبدادية للجماهير الشعبية، عبر ارستقراطية جديدة وصغيرة جدا تتألف من علماء حقيقيين أو مزعومين.

إن باكونين يكن اعجابا كبيرا بقدرات ماركس الفكرية، فقد عزم على ترجمة أبرز مؤلفات ماركس: “رأس المال”، إلى اللغة الروسية، كما أنه كان مؤمنا بالمادية التاريخية. إن باكونين قدر جدا المساهمة النظرية لماركس في تحرير البروليتاريا. ولكن ما رفضه هو أن يمنح التفوق الفكري حق قيادة الحركة العمالية: “إن الادعاء بأن فئة من الأفراد، حتى لو كانت الأكثر ذكاء وصدقا، لها القدرة على أن تصبح قائدة فكرية وروحية وووحدوية وآمرة للحركة الثورية والتنظيم الاجتماعي لكل البلدان، هو هرطقة مخالفة لأبسطج المفاهيم والتجربة التاريخية، وجعلنا نتسأل وباستغراب كبير كيف يمكن لرجل بذكاء ماركس الوقوع فيه. إن قيام دكتاتورية لتلبية حاجات المهندس الرئيسي للثورة العالمية، الذي ينظم ويقود الحركة الجماهيرية المنتفضة في كافة البلدان كما يتم ادارة الآلة، إننا نقول إن قيام هذه الدكتاتورية هو كاف لقتل الثورة، لشل وتشويه كل الحركات الشعبية. ما الذي نقوله إذا عن مؤتمر أممي يفرض على البروليتاريا العالمية حكومة تملك كافة صلاحيات الدكتاتورية، لصالح الثورة؟”

إن تجربة الأممية الثالثة أثبتت أن باكونين رغم مبالغته باسناد مفهوما استبداديا إلى ماركس، وإلى هذه الدرجة من الشمولية، فإن ما حذر منه قد تحقق بعد ذلك بوقت طويل.

أنا بالنسبة لخطر النظام الشيوعي الدولتي فإن اللاجئ الروسي لم يكن أقل تبصرا. فهو يرى أن الاشتراكيون العقائديون يطمحون إلى “وضع الناس في وعود حديدة”. طبعا إنهم يتفقون مع الأناركيين أن الدولة هي عبودية لكنهم يقولون أن الدكتاتورية فقط، أي دكتاتوريتهم، هي القادرة على تحقيق حرية الناس؛ لذا نحن نجيب بأن المغزى من أي دكتاتورية هو بقائها أطول مدة ممكنة. فبدل أن نترك البروليتاريا تدمر بذاتها الدولة، فإنهم يريدون “نقلها إلى أيدي متصدقيها، حراسا ومعلمين، زعماء الحزب الشيوعي”. لكنهم لم يروا أن هذه الحكومة هي دكتاتورية حقيقية “أيا كانت الأشكال الديمقراطية التي تمارسها”، فهم “يعزون أنفسهم بفكرة أن هذه الدكتاتورية هي مؤقتة وقصيرة”. لا، يجيب باكونين. إن هذه الدكتاتورية المؤقتة، سوف تؤدي بدون أدنى شك إلى “إعادة بناء الدولة، والامتيازات، وعناصر اللامساوة والقمع الدولتية، إلى “تشكيل حكومة أرستقراطية تبدأ من جديد باستغلال الناس واخضاعه بحجة الرفاهية المشتركة أو لإنقاذ الدولة”. هذه الدولة سوف تكون “الأكثر شمولية لأنها تتخفى حول ظاهرة مزيفة أي احترام إرادة الشعب”.

لمن باكونين بقي مؤمنا بنجاح الثورة الروسية وبشكل واضح: “فإذا تأخر عمال الغرب كثيرا، فإن التجربة سوف تكون من الفلاحين الروس”. إن الثورة في روسيا سوف تكون أساسا تحررية. ولكن حذار من التالي! فالثوريون يمكن أن يكملوا ببساطة دولة بيار لوغران “القائمة على إنهاء كافة أشكال الحياة الشعبية”، لأنه، “يمكن تغيير عنوان الدولة وشكلها، ولكنها ستبقى في عمقها هي ذاتها”. لذا يجب إما إنهاء الدولة، أو “التصالح مع أكثر الأكاذيب خساسة وخطرا في عصرنا: “البيروقراطية الحمراء”. ويتابع باكونين: “خذو أكثر الثوريين حماسة وضعوه على عرش البلدان الروسية أو امنحوه سلطة دكتاتورية وسوف يتحول قبل سنة ليصبح أسوأ من القيصر ذاته”.

بعد الثورة الروسية سوف يلاحظ فولين أحد محركي الثورة والشاهدين والمؤرخين لها، أن الواقع يتطابق مع رؤية المنظرين. فيتأكد، أن الثورة الاجتماعية والسلطة الاشتراكية هما عنصران نقيضين. لا يمكن التوفيق بينهما “الثورة التي تسترشد بالاشتراكية الدولتية وتقرر مصيرها، ولو بصورة مؤقتة أو انتقالية، هي ثورة فاشلة، إنها تمشي على طريق خاطة، على أكثر المنحدرات حدة. إن كل سلطة سياسية تمنح الامتيازات لمن يمارسها بعد الاستيلاء على الثورة والتحكم بها ولجمها سوف تخلق جهازهات البيروقراطي والقسري، الذي هو أمر مهم لكل دولة تريد البقاء، والقيادة، والأمر أو بكلمة واحدة تريد الحكم. قادة، موظفون، عسكر، شرطة، أعضاء في الحزب الحاكم. كل سلطة تسعى إلى السيطرة على الحياة الاجتماعية. فتعود على الجماهير على أسلوب التبعية، ما يؤدي إلى خنق المبادرة، بسبب وجود هذه السلطة. السلطة “الشيوعية” هي أداة قتل حقيقية. والسلطة المنفوخة عبر منحها الصلاحيات، تهاب كل عمل مستقل. فتبدو لها أي مبادرة مستقلة أمرا مريبا، خطيرا لأن السلطة تريد القيادة، تريدها منفردة. لذا تبدو كل المبادرات الأخرى تدخلا في مجالها وفي صلاحياتها وهو أمر لا يمكن القبول به”.

إذا، لماذا السلطة “المؤقتة” و”الانتقالية”؟ إن الأناركية ترفض بالكامل هذا الزعم. في عشية الثورة الاسبانية 1936 قال دييغو أباد دي سانتيلان عن الاشتراكية السلطوية ما يلي: “إما أن تعطي الثورة الثروة الاجتماعية للمنتجين، أو لا تعطيهم شيئا. فإذا أعطتهم هذه الثروة، وإذا انتظمت وسائل الإنتاج والتوزيع بشكل جماعي، فإن الدولة سوف تنتهي من تلقاء ذاتها. وإذا لم تعطهم الصورة هذا، فإنها ليست إلا خدعة، والدولة ستبقى”. إن هذه الصورة تعتبر لدى البعض مبسطة بعض الشيء، ولكنه ليس مبسطا وفقا لما يريده الأناركيون حقا: فهم ليسوا ساذجين ليتصوروا أن الدولة وبقاياها سوف تزول بين ليلة وضحاها، هم يريدون القضاء على هذه البقايا بأسرع وقت ممكن، فيما السلطويون مسرورون لفكرة بقاء الدولة الانتقالية المسماة بالعمالية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

 

 

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 5

العداء للديمقراطية البرجوازية

يرفض الأناركي بشدة خدعة الديمقراطية البرجوازية، أكثر مما قد يفعل الاشتراكي السلطوي.

إن الدولة الديمقراطية البرجوازية التي تسمى “أمة” ليست أقل خطوة من الدولة الاستبدادية القديمة كما يرى شتيرنر: “كان الملك ملكا بائسا، مقارنة بالملك الجديد، أي سيادة الأمة. إن الليبرالية تكمل فقط الاحتقار القديم الذات. طبعا، لقد انتزعت مع الوقت امتيازات عديدة ولكن ليس إلا لصالح الدولة وأبدا ليس لتقوية الذات”.

أما برودون فيرى “أن الديمقراطية ليست أكثر من تعسف دستوري”. وقد أعلن سيادة الشعب بخداعه آبائنا. لكن في الواقع إن هذا الشعب هو ملك دون ملك، قرد الملوك، لا يحمل من عظمة الملك إلا الاسم. إنه ملك لا يحكم. إنه يفوض سيادته بالممارسة الدورية للاقتراع العام، معلنا استسلامه كل ثلاث أو خمس سنوات. وإذا طرد الملم، فما زالت الملكية محفوظة، مصانة، منظمة على قدر حسن من التنظيم. إن ورقة الاقتراع بين يدي شعب لم يثقف عمدا، ليس إلا خدعة لعينة لا تفيد إلا سادة الملكية والتجارة والصناعة.

ويرى باكونين “أن النظام التمثيلي لا يضمن مصالح الشعب على الاطلاق، بل يضمن الوجود الدائم للحكومة الارستقراطية ضد الشعب”. إن الاقتراع العام هو مراوغة، كمين، حماية، وقناع “تختبئ سلطة الدولة الاستبدادية خلفه مرتكزة على المصارف والشرطة والجيش”، إنه “وسيلة بارعة لقمع وسرقة الشعب باسم الاردة الشعبية المزعومة”.

لا يؤمن الأناركي بالتحرر من خلال ورقة الاقتراع. يوضح برودون، على الأقل على المستوى النظري، إنه متغيب. يعتقد أن “الثورة الاجتماعية هي مشوهة إذا ما كانت ثورة سياسية”. الاقتراع غير منطقي بحد ذاته، إنه عمل متخاذل، دعم للنظام الفاسد:”حتى نقوم بحرب على كافة الأحزاب القديمة، يجب أن لا يكون البرلمان حلبة النضال الشرعي، بل خارجه”. الاقتراع العام هو الثورة المضادة. وينبغي على البروليتاريا أن تنشق أولا على الديمقراطية البرجوازية كي تكون طبقة اجتماعية في حد ذاتها”.

لكن برودون في ممارساته النضالية لم يطبق دائما هذا المبدأ، فقد انتخب نائبا في 1848 وانزلق في الدبق البرلماني، ثم في الانتخابات النيابية في أيلول 1848. وفي الانتخابات الرئاسية في 10 كانون الأول من السنة نفسها، دعم ترشيح راسباي أحد زعماء اليسار الثوري، والذي كان مسجونا آنذاك. حتى أنه توجه إلى أكثر من ذلك فقد اعتنق تكتيك “الأقل سواء” مفضلا الجنرال كافيناك، مرتكب مجازر البروليتاريا الباريسية على الدكتاتور المبتدئ لويس نابليون. بعدها بفترة طويلة، في انتخابات 1863 و1864 دعا برودون إلى الاقتراع بورقة بيضاء كتعبير عن المعارضة للدكتاتورية الامبراطورية ولكن ليس معارضة لمفهوم الاقتراع بحد ذاته، الذي وصفه في تلك الفترة بالمبدأ “الديمقراطي الأمثل”.

رفض باكونين وأنصاره في الأممية الأولى صفة “المتغيبين” التي أطلقت عليهم من قبل الماركسيين بهدف مهاجمتهم. فمقاطعة الاقتراع ليست مبدأ أساسيا لهم، بل مسألة تكتيكية. ورغم أنهم أكدوا على أولوية الصراع الطبقي على المستوى الاقتصادي إلا أنهم رفض أن يقال لهم “غير مهتمين للسياسة”. فهم لم يرفضوا السياسة بالمطلق ولكن رفضوا السياسة البرجوازية. وقد رفضوا أن تأتي الثورة السياسية قبل الثورة الاجتماعية. لقد عارضوا الحركات السياسية التي لا تحمل تحرير الطبقة العاملة كهدف مباشر وفوري. لقد استنكروا التحالفات الانتخابية الملتبسة مع الأحزب البرجوازية الراديكالية كما 1848 أو الجبهة الشعبية كما نسميها اليوم.

تخوف باكونين وأنصاره أن يتحول العمال المنتجون إلى نواب أيضا، فيعيشون حياة البرجوازية ويصبحون رجال دولة لا عمال، وبالتالي يتحولون إلى برجوازيين، وربما أكثر برجوازية من البرجوازيين أنفسهم.

إن موقف الأناركيين إزاء الاقتراع العام هو بعيد كل البعد عن التماسك والوضوح. فيرى بعضهم أن الاقتراع هو أفضل من لا شيء. وهناك  المعارضين الصلبين الذين يذمون استعمال هذا الاقتراع، أيا كانت الظروف، ويدخلون هذه القضية في خانة الاخلاص العقائدي. وفي هذا الاطار رفض مالاتيستا التنازل خلال انتخابات اتحاد اليسار الفرنسية في أيار 1924، ففي بعض الظروف قد تاتي الانتخابات بنتائج سيئة أو حسنة وإن النتيجة أحيانا قد يقررها اقتراع الأناركيين، لا سيما عندما تكون القوى السياسية المتنافسة متساوية تقريبا. وفقا لمالاتيستا “لكن لا يهم، فحتى لو حققت الانتصارات الانتخابية بعض التطورات الايجابية الصغيرة، فإن الأناركيين يجب أن يمتنعوا عن التوجه إلى صناديق الاقتراع”. وينتهي قائلا:”إن الأناركيين مارسوا دائما السياسية النقية ويبقون الحزب الثوري الأفضل، حزب المستقبل لأنهم لم يستجيبوا للدعوة الانتخابية”.

هناك العديد من الأمثلة على الممارسات المتنوعة للعقيدة الأناركية، خصوصا في اسبانيا. فسنة 1930، تحالف الأناركيون مع الأحزاب الديمقراطية البرجوازية للقضاء على الدكتاتور بريمو دو ريفييرا. ففي السنة التالية، رغم تغيبهم المعلن عن الانتخابات فقد شاركوا بقوة في الانتخابات البلدية ما عجل إسقاط الملكية. وفي انتخابات 19 تشرين الثاني 1933 دعا الأناركيون إلى عدم المشاركة بالانتخابات، فأتت الانتخابات باليمين المتطرف المعادي للعمال إلى الحكم ولمدة سنتين. ولكنهم أعلنوا أنه في حال وصلت القوى الرجعية إلى السلطة بفضل الاقتراع فإنهم سوف يشعلون الثورة الاجتماعية.وهذا ما حالوا القيام به، ولكنهم فشلوا، بخسارة جسيمة (شهداء، جرحى، سجناء). وفي مطلع سنة 1936، عند شكلت الأحزاب اليسارية تحالفا في الجبهة الشعبية، تضارب الموقف الذي يجب اتخاذه في صفوف الأناركيين النقابيين.

في النهاية، اتخذت موقفا بعدم التصويت، ولكن الحملة كانت صامتة، وشاركت الجماهير بالتصويت بشدة. وبالفعل انتصرت الجبهة الشعبية. تجدر الاشارة إلى أنه بالرغم من الرفض الشديد للأناركيين للديمقراطية البرجوازية إلا أنهم يرونها تقدمية نسبيا. فشتيرنر الأكثر معارضة يصف الاقتراع من حين لآخر بالتقدمية. ويقول برودون “إن هناك تقدما في الانتقال من الدولة الملكية إلى الدولة الديمقراطية”؛ أما باكونين: “لا يظنن أحد أننا ننتقد الحكومة الديمقراطية لصالح الملكية، إن الجمهورية الأكثر سوءا هي ألف مرة أفضل من الملكية الأكثر تنويرا. إن النظام الديمقراطي يتقدم بالجماهير شيئا فشيئا إلى الحياة العامة”، وهذا ما يعطي الصحة لقول لينين إن “بعض الأناركيين” يعلمون أن “شكل القمع لا يهم بنظر البروليتاريا”. وفي الوقت ذاته تصبح شكوك هنري أرفون في كتابة الصغير الأناركية شكوكا خاطئة، من أن الموقف الأناركي المعادي للديمقراطية يلتقي مع الموقف اللا ثوري المعادي للديمقراطية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 4

رعب الدولة

من بين كل الأفكار التي تعمي الإنسان منذ القدم، بالبنسبة للأناركي هي فكرة الدولة، أكثر الأفكار شؤما. يعلنها شتيرنر “الخلود الأبدي تملكه الدولة”.

يهاجم برودون بقوة “وهم أفكارنا هذا ويرى أن الواجب الأول للكائن الحر والعقلاني هو رميها في المتاحف والمكتبات”. ثم يبدأ بالشرح مفككا هذه الآلية: ” إن ما هيأ عقول الناس وأحاط الدولة بهذه الهالة من السحر هو أن الحكومة قدمت للناس أنها مؤسسة عدلية طبيعية تقوم بحماية الضعيف”. ويهاجم برودون السلطويين الذين ينحون أمام السلطة كما ينحني وكلاء الكنيسة أمام القربان المقدس، وينتقد بشدة “جميع الأحزاب دون استثناء” التي تتوجه “دائما نحو السلطة الاستبدادية، وكأنها المحور الوحيد”، ويعبر عن أمله في مجيء ذلك اليوم الذي يحل فيه “نكران الدولة محل الايمان بالسلطة والكتب السياسية”.

يسخر كروبوتكين من البرجوازيين الذين “يعتبرون الناس كتجمعات همجية سوف تقتل بعضها البعض إذا ما توقفت الحكومة عن العمل”. أما مالاتيستا، فيستبق المحلليين النفسيين، ويكتشف الخوف من الحرية الذي يسكن لاوعي “السلطويين”.

ما هو الخطأ بالدولة وفقا للأناركيين؟

يشرح شتيرنر هذا قائلا: “نحن الاثنان، الدولة، وأنا، عدوان. كل دولة هي الاستبداد، سواء كان استبداد فرد، أو عدة أفراد”. كل دولة هي بالضرورة كما نسميها اليوم دولة شمولية: “للدولة هدف واحد دائما: الحد من، السيطرة على، واخضاع، إرادة الفرد، للهدف العام. الدولة تحاول برقابتها، مراقبتها، شرطتها، إعاقة أي نشاط حر وترى أن هذا القمع هو من واجبها لأن بقائها يرتكز عليه”. “الدولة لا تسمح لي إيصال أفكاري للآخرين والاستفادة منها إلا إذا تماثلت مع أفكارها، أي إنها تخرسني”.

يتابع برودون في ذات الموضو فيقول: “إن حكم الإنسان للإنسان: عبودية، أي إنسان يحكمني بوضع اليد، ليس إلا مغتصب ودكتاتور، إنه عدوي”. يتابع برودون مهاجما كما موليير وبيوماشيه: “الإنسان الذي يعيش في ظل حكم معين يصبح كالموقوف، المحقق معه، المتجسس عليه، المقاد، يصبح موضوع تشريع، وتنظيم، كالمسجون، المغسول دماغه، الموعوظ، المفتش، المقدر، المراقب، والمأمور من قبل كائنات لا تملك الصلاحية ولا العلم ولا الفضيلة. العيش في ظل حكم معين يعني خضوع الإنسان لمن يقدر أعماله، أن يكون مسجلا، عددا، سعرا، مطبعا، ينظر اليه بازدراء، كرقم، يدفع مكرها ضرائبه، مرخصا له أن يتبع، يوبخ، يمنع، يصلح، يقوم ويصحح. العيش في ظل الحكومة يعني استغلاله، التضحية به، استخدامه، احتكاره، ابتزازه، عصره، خداعه، سرقته، تحت ذريعة المنفعة العامة وباسم المصلحة العامة، وعند أدنى مقاومة، عند أول استنكار، يتم قمعه، تغريمه، اهانته، ملاحقته، تعنيفه، قتله، تقييده، سجنه، رميه بالرصاص، محاكمته، استبعاجه، التضحية به، بيعه، غدره، وأكثر من كل هذا، يلعب به، يهزأ منه، يشتم، يفضح. هذه هي الحكومة، هذه هي العدالة، هذه هي الأخلاق، أيتها الشخصة الانسانية، أيعقل أن تبقي لأكثر من قرنيا في هذه السفالة؟”

وفقا لباكونين، الدولة هي “تجريد يفترس حياة الناس، مقبرة هائلة لكافة القوى الفاعلة في البلاد يضحون بأنفسهم، ويطمرون فيها جميع طموحاتهم الحقيقية، باسم هذا التجريد”. وفقا لمالاتيستا، “الحكومة هي أبعد ما تكون عن إنتاج النشاط والحيوية، إنها تبدد، تشل وتحطم بسبب طريقة عملها ثروات هائلة.

وكلما توسعت صلاحيات الدولة وبيروقراطيتها، كلما ازداد الخطر. وفي رؤية تنبؤية يعلن برودون عن كارثة القرن العشرين وهي: “إن الوظائفية سوف تؤدي إلى شيوعية الدولة، مبتلعة الحياة المحلية والشخصية وفقا للآلية الادارية، مهدمة كل فكر حر. وسوف يلجأ كل الناس إلى السلطة، على حساب الجماعية”. لقد حان الوقت لإيقاف هذا: “إن هذا المركز بقوى أكثر فأكثر إلى درجة لم يعد من الممكن أن يعيش المجتمع والحكومة معا”. إن كل الدولة، من الأعلى إلى الأسفل، ليس إلا اغتصاب يجب تقويمه، وفوضى يجب الغاؤها، أداة قهر يجب هدمها.” ومع هذا هؤلاء الذين “يتحدثون عن حماية الدولة، عن زيادة صلاحياتها، عن تعزيز سلطتها، ليسوا ثوريين على الاطلاق!”.

كان لباكونين رؤية واضحة ومشابهة لإزدياد استبداد الدولة. لقد رأى أن قوى الثورة المضادة العالمية، “القائمة على موازنات ضخمة، جيوش نظامية، وبيروقراطية هائلة” وقال “مع كل تلك الوسائل المروعة للعمل المقدمة لهم من قبل المركزية الحديثة”، تصبح “واقعا مهددا، مدمرا، وهائلا”.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 3

ثورة عميقة

الأناركية يمكن أن توصف وقبل كل شيء بأنها ثورة عميقة. إن الأناركي قبل كل شيء هو إنسان ثائر. هو يرفض المجتمع بأكمله مع حراسه. يقول ماكس شتيرنر أن الأناركي هو الذي يحرر نفسه من كل ما هو مقدس، وينفذ عملية واسعة من إزالة التكريس. هؤلاء مشردي الفكر، الأشخاص السيئين، فبدل أن يعتبروا ما يقدم لآلاف الناس من راحة وعزاء حقائق لا تتزحزح، يقفزون على الحواجز التقليدية ويستسلمون دون عائق، لزوات نقدهم الوقح.

رفض برودون كل “الأمة الرسمية”، الفلاسفة، الكهنة، القضاة، الأكاديميون، الصحفيون، البرلمانيون، وغيرهم. “فهؤلاء، يرون الشعب وحش يجب محاربته، يجب كمه وتقييده، يجب إدارته كوحيد قرن أو فيل، ترويضه بالجوع، وهدر دمائه بالاستعمار والحرب”. يشرح اليزيه ريكلوس، لماذا يحافظ هؤلاء المحظوظون على هذا المجتمع: “لأن هناك أغنياء وفقراء، آمرين ومأمورين، أسياد وخدم، قياصرة يأمرون بشن الحروب وجنود يذهبون للموت، ولا يبقى أمام المدركين إلى الوقوف إلى جانب الأغنياء والأسياد، والأباطرة.

إن حالة الثورة الدائمة التي تعشيها الأناركي تدفعه للتعاطف مع اللانظاميين، الخارجين عن القانون، تدفعه للدفاع عن ذلك المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، عن هؤلاء المنبوذين. ويذهب باكونين إلى أنه من الظلم أن يتكلم ماركس وإنجلز عن “البروليتاريا الرثة” باحتقار عميق، فيرى أنه “في هذه البروليتاريا فقط تكمن روح وقوة الثورة الاجتماعية المستقبلية، وليس في الأغلبية المتبرجزة من الطبقة العاملة.”

هل تعلم أن بالزاك الأديب الفرنسي الشهير يقول أقوال يؤيدها الأناركي، يقولها من فم فوترين أحد الأبطال المتمردين والمجرمين، كتجسيد قوي للثورة الاجتماعية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/

 

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 2

الأفكار الرئيسية للأناركية

مسألة الكلمات

إن كلمة الأناركية هي كلمة قديمة قدم العالم. مصدرها كلمتان من اللغة اليونانية القديمة: “آن” و”اركي”، وتعني إلى حد كبير غياب السلطة والحكومة. لكن، المقولة التي سادت على مر السنين والقائلة أن الناس لا يمكنهم أن يعيشوا دون سلطة أو حكومة جعلت لهذه الكلمة معنى آخر: لقد أصبحت مرادفة للفوضى، اللبلبة، وعدم التنظيم.

بيير جوزيف برودون المعروف بسخريته (مثل الملكية هي السرقة) واتخذ لنفسه لفظة الأناركية. وكأنه أراد أن يصدم الناس بقدر الامكان، في العام 1840 انخرط في هذا الحوار مع “محافظ تقليدي”:

“هل أنت جمهوري؟”

“جمهوري، نعم، لكن هذا لا يعني شيئا، الجمورية هي شيء عام، الملوك جمهوريون أيضا”

“إذا ! فأنت ديمقراطي.

“كلا”.

“ماذا ! ربما تكون ملكيا؟”

“كلا”.

“إذا دستوري؟”

“معاذ الله”.

“إذا فأنت أرستقراطي؟”

“على الاطلاق”.

“هل تريد حكومة مختلطة؟”

“اطلاقا”.

“إذا ماذا تكون؟”

“أنا أناركي”.

أحيانا كان يقوم بالتنازل عن لفظة أناركي، ليلفظها بشكل مركب “أنا-اركي”. بهذه الكلمة هم فهم كل شيء ما عدا الفوضى. رغم الظواهر، كان بناء أكثر من كونه هدام، كما سنرى. كان يرى أن الحكومة مسئولة عن الفوضى وآمن أنه فقط مجتمع بدون حكومة يمكن يستعيد النظام الطبيعي ويعيد خلق الانسجام الاجتماعي. وأكد أن اللغة لم تعطه كلمة أخرى واختار أن يستعيد الكلمة القديمة أناركية معناها الأساسي الاشتقاقي.

في سخونة المجادلات الانفعالية، ثشبث باستخدام كلمة أناركية معناها المبتذل للفوضى، ما جعل التشويش مرتبكا أكثر. كما تبعه تلميذه ميخائيل باكونين أيضا.

قاد برودون وباكونين هذا إلى ما هو أبعد، متخذين سرورا ماكرا في اللعب مع التشوش الذي خلق عبر استخدام معنين متنقاضين للكلمة: بالنسبة لهم، الأناركية كانت الفوضى الأكثر هولا، والتشويش الأكثر كمالا للمجتمع، وما بعد هذا التغيير الثوري الضخم، بناء نظام جديد، مستقر، وعقلاني مرتكز على الحرية والتضامن.

التلامذة المباشرين لهذين الأبوين للأناركية ترددوا قي استخدام هذه اللفظة المرنة، والتي تحمل فكرة سلبية للغير مثقفين، وتضع نفسها في حالات غموض يمكن أن تكون مزعجة على أبعد تقدير. حتى برودون أصبح أكثر حذرا في نهاية حياته السياسية الصغيرة وكان سعيدا في تسمية نفسه “فيدرالي”. في حين فضل أتباعه من البرجوازيين الصغار مصطلح التبادلية على الأناركية، والتيار الاشتراكي تبنى الجماعية، وقريبا سوف تتنحى من قبل الشيوعية. في نهاية القرن الثامن عشر، قبل سيباستيان فور بمصطلح نشأ في العام 1858 من قبل جوزيف ديجاك كعنوان لمجلته، التحررية. اليوم مصطلحي فوضوي وتحرري أصبحا قابلان للتبادل.

غير أن أغلب هذه العبارات كان لها ضرر رئيسي: عدم توضيح الخصائص الأساسية للمذاهب التي كان من المفترض وصفها. الأناركية هي حقا مرادف للاشتراكية. إن الأناركي يهدف أولا لإنهاء استغلال الإنسان من قبل الإنسان. الأناركية ليست إلا إحدى تيارات الفكر الاشتراكي، إن ذلك التيار الذي مكوناته هي السعي للحرية والسرعة لإنهاء الدولة. أدولف فيشير، أحد شهداء شيكاغو، قال: “إن كل أناركي اشتراكي، ولكن كل اشتراكي ليس بالضرورة أن يكون أناركي”.

بعض الأناركيين الذين يعتبرون أنفسهم أفضل الاشتراكيين وأكثرهم منطقية، قاموا بربط المصطلح بالارهابيين أيضا، أو سمحوا للآخرين ربطها حول أعناقه. هذا جعلهم أحيانا كجسم غريب في العائلة الاشتراكية ما أدى إلى سقوط سلسلة طويلة من سوء التفاهم والمعارك الكلامية – عادة بلاد هدف جاد. بعض الأناركيين المعاصرين حاولوا توضيح سوء الفهم بتبني تعابير أكثر وضوحا: يصفون أنفسهم بالاشتراكية أو الشيوعية التحررية.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/

الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 1

دانييل غيران

مقدمة

مؤخرا كان هناك تجديد للاهتمام بالأناركية. كرست كتب، كتيبات، وأدبيات لهذا الغرض. هناك تردد في ما إذا كان هذا المسعى الأدبي مؤثرا جدا. من الصعب جدا تتبع الخطوط العامة للأناركية. فمن النادر أن وضع مفكروها البارعين أفكارهم في أعمال منظمة. وإذا ما حاولوا فعل هذا، فعلوها فقط في كراريس صغيرة تهدف للدعاية والترويج للأناركية، لذا لا يمكن إلا ملاحظة أجزاء قليلة من أفكارهم. علاوة على هذا، هناك عدة حركات أناركية والعديد من الاختلافات في أفكار التحرريين العظماء.

رفض السلطة والتأكيد على أولوية الحكم الفردي يجعل من الطبيعي أن لا تكون معتقدا جامدا. يقول برودون في رسالة له إلى ماركس، “دعونا لا نكون زعماء الدين الجديد حتى لو كان هذا الدين دين المنطق والعقل”. وهذا يترتب أيضا على وجهة نظر عدد من التحرريين ما يجعلها أكثر اختلافا، وأكثر فهما من هؤلاء الاشتراكيين السلطويين الذين أقاموا كنائس منافسة لفرض معتقداتهم على المؤمنين.

قبل إرساله للمقصلة، كتب المتمرد إيميل هنري رسالة إلى حاكم السجن بينما كان ينتظر تنفيذ الاعدام، يقول فيها: “إحذر من أن تظن أن الأناركية هي عقيدة، مذهب فوق السؤال والمناقشة، إنها تبجل مفكريها كما يبجل القرآن من قبل المسلمين المؤمنين”. لا، إن الحرية المطلقة التي نطلبها باستمرار تطور تفكيرنا بشكل ثابت وترفعه نحو آفاق جديدة (وفقا لطريقة تفكير الأفراد المختلفين)، مخرجة إباه من الاطار الضيق للتعليم والتصنيف. إننا لسنا مؤمنين!، لقد استمر هذا الثائر برفض “الايمان الأعمى” لماركسيين الفرنسيين في تلك الفترة: “الذين يعتقدون أن غيسد قال أن الواحد يجب أن يعتقد به، لقد أصبح لديهم كتاب مقدس، وسوف يكون تدنيسا له أن يستجوب أجد بنوده”.

بالرغم من التنوع والغنى في الفكر الأناركي، بالرغم من التناقضات والنزعات الفكرية التي تركز غالبا على قضايا خاطئة، فإن الأناركية هي مجموعة متجانسة من الأفكار. للوهلة الأولى يبدو أن هناك اختلافات واسعة بين الأناركية الأنانية (شتيرنر) والأناركية الاجتماعية. لكن إذا قمنا بنظرة أعمق على الموضوع، نجد أن مناضلي الحرية المطلقة ومناضلي التنظيم الاجتماعي ليسوا متباعدين عن بعضهم البعض. فالأناركي الاجتماعي هو أيضا مناضل أناني والأناركي الأناني هو أيضا مناضل اجتماعي الذي يخاف الاعلان عن نفسه.

الوحدة النسبية للأناركية الاتجتماعية تنشأ من الحقيقة وبأنها تطورت خلال مرحلة واحدة من قبل إثنين، الأول هو الفرنسي جوزيف بيير برودون، والثاني هو المنفي الروسي ميخائيل باكونين. والأخير قام بتطوير البرودونية كثيرا ونحو النهاية.لقد طور هذا النوع نحو الجماعية.

ورثته رفضوا هذا التعبير وأعلنوا أنهم شيوعيين (شيوعيين تحرريين). أحدهم، هو المنفي الروسي الآخر، بيتر كروبوتكين، الذي وجهها نحو الخيالية والتفاؤلية بشكل كبير ولكنه كان ذو نظرة “علمية” ضعيفة. الايطالي إيريكو مالاتيستا، من ناحية أخرى توجه نحو النشاط الجريء والطفيلي في بعض الأحيان ولكنه أغنى التفكير الأتاركي بعنده ومجادلاته الانفعالية في أغلب الأحيان. وقد أنجبت تجربة الثورة الروسية الأناركي الأكثر من رائع فولين.

النضالات الأناركية في نهاية القرن التاسع عشر كانت مثيرة وقصصية ودموية. ولكنها كانت نضالات ناشئة عن الطاقات والشجاعة الفردية، الأمر الذي ينال الاحترام، وقد استحوذت على اهتمام الرأي العام لنضالها ضد الظلم الاجتماعي؛ لكن يبدو هنا أن هذا انحرافا مؤقتا وعقيما في تاريخ الأناركية. تبدو نهايتها التاريخية. لقد قلل واهمل هذا الخاصائص الاساسية لمفهوم إعادة التنظيم الاجتماعي. وعندما ندرس هذا المفهوم نجده بناء وليس هدام، كما يدعي معارضوه. هذه السمة البناءة للأناركية سوف تقدم للقارئ في هذه الدراسة. على أي قاعدة؟ لأن الموضوع المدروس يتعلق بالحياة، ويشكل أحد أكثر المشاكل حدة من أي وقت مضى. وقد أظهر المفكرين التحرريين حاجات أوضاعنا الراهنة إلى حد بعيد.

هذا الكتاب الصغير، لا يهدف إلى نسخ التواريخ ونشر تاريخ الأناركية. مؤلفوا هذا كانوا علماء، غير مهتمين بالأسماء، مسحورين بالتشابهات السطحية، لقد اكتشفوا عددا من رواد الأناركية.  قدموا قيمة متساوية لكل مفكر وزميله، وأعطوا بالتفاصيل الأحداث المتعلقة بسيرته بدلا من الدراسة المعمقة لأفكاره. تاركين مجلدات تملئ القارئ بالتشتت، والتنافر، ويبقى سؤاله ما هي الأناركية؟ حاولت هنا بطريقة مختلفة. إنني أرى أن حياة مفكري الفكر التحرري معروفة. رغم أن الاضاءة على بعضهم أقل من بعض الكتاب الآخرين. العديد من هؤلاء المفكرين كانوا أناركيين في حياتهم ونشاطهم ولكن كان هناك جوانب في حياتهم لم تكن أناركية.

مثلا، برودون كان محافظا في التفكير، كان مهمتما بقضاشا الدين وكان فيها بعيدا عن التحررية. ورغم أنه كان معاد للكهنوتية، لكنه قبل بعدد من الكهنوت الكاثوليكي، وفقا لتفسيراته الخاصة، قال بأن التدريب والتوجيه الأخلاقي للناس يمكن أن يستنبط من الرموز المسيحية، وفي النهاية كان جاهزا لسرد الصلاة. لا يشار إلى هذا غالبا وإلى تحيته للحرب، وهجائه للنساء، وتمييزه العنصري احتراما لذكراه.

زميله باكونين، لم يكن لنشاطه في الشباب أي ارتباط بالأناركية. فقد اعتنق الفكر الأناركي في 1864 بعد فشل الانقلاب البولندي الذي كان جزءا منه. كتاباته السابقة ليست جزءا من الأدب الأناركي اليوم. أما كروبوتكين، فقد كان عالما، ويحتفل بأعماله اليوم في الاتحاد السوفييتي كإحدى أبرز الشخصيات في دراسة الجغرافية الوطنية، ولم يكن له تعارف على الأناركية إلا خلال الحرب العالمية الأولى.

بدلا من التسلسل التاريخي والزمني بالكتب العادية في هذا الكتاب: سيقدم للقارئ تباعا المواضيع البناءة الرئيسية للأناركية، وليس للشخصيات. حذفت متعمدا العناصر الغير متفق عليها في الأناركية، مثل نقد الرأسمالية، الالحاد، ضد العسكرية، الحب الحر، الخ. ولم أستخدم أي إدلاء غير مدعم بالدليل، واستعنت بالاقتباسات قدر الامكان. ما يعطي وصولا للقارئ إلى أفكار المفكرين الحية والدافئة كما كتبوها أصلا.

كذلك، في الزوايا المختلفة، أوضحت المراحل العظيمة التي اختبرت في أحداث الثورة الروسية، ايطاليا، والثورة الاسبانية. ويعالج الفصل الأخير بلا شك أكثر الأفكار الاصيلة للأناركية: الادارة الذاتية العمالية كما طورت في عصرنا الحديث في الجزائر، ويوغوسلافيا، وربما قريبا في الاتحاد السوفييتي.

في هذا الكتاب الصغير، سيرى القارئ مفهومين للاشتراكية يتغيران حينا ويرتبطان حينا آخر، واحدة سلطوية، وأخرى تحررية. في نهاية هذا التحليل القارئ سوف يسأل نفسه عن المستقبل.

http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/

الثورة المجهولة / 12

الفصل الخامس
الهدنة
1905 – 1917
———————
لم تضف الإثنا عشر عاما , الفاصلة بين الثورة الحقيقية عن محاولتها الأولى , بين الإنتفاضة و الانفجار , أقول لم تضف شيئا بارزا من وجهة النظر الثورية . بل على العكس , ازدهرت الرجعية على طول الخط . لكن هذا لم يمنع بعض الإضرابات الكبرى و لا تمردا في أطول البلطيق في (كرونشتادت) Kronstadt . و قد قمع هذا التمرد الأخير بوحشية .
و كان مصير الدوما هو الحدث الأبرز في هذه الفترة .
بدأت جلسات الـ (دوما) في مايو 1906 في (سانت بطرسبورج) وسط حماس شعبي كبير صاحب دورتها الأولى . و على الرغم من كل مكائد الحكومة , خرجت هذه الـ (دوما) ضد الحكومة .و قد سيطر الحزب الدستوري الديموقراطي على غالبية المقاعد بسبب من كثرة عدده و تميّز نوابه . و قد أختير (س. مورومتسيف)  S. Muromtsev الأستاذ بجامعة موسكو و أحد أكثر أعضاء الحزب تميزا , رئيسا للجمعية . كما شكل الجناح اليساري – الحزب الإشتراكي الديموقراطي و حزب الإشتراكيين الثوريين – كتلة ذات أهمية . و قد تابع جميع السكان مداولات مجلس الـ (دوما) باهتمام و شغف . تحولت كل الآمال صوب مجلس الـ (دوما) . و توقع الناس إصلاحات هامة و فعالة و عادلة .
لكن , منذ الإتصال الأول المباشر , و العداء بين الحكومة و البرلمان في تنامي , صامتا في البداية ثم علنيا فيما بعد . و قد عاملت الحكومة الـ (دوما) بتعالي , و ازدراء مكشوف . و قليلا ما تحمّلت الـ (دوما) . و قد رفضت قبول مجلس الـ (دوما) حتى بإعتباره هيئة استشارية بحتة . و من جهة أخرى حاولت الـ (دوما) فرض نفسها دوما ككيان تشريعي دستوري . و قد بقيت العلاقة بين الجانبين في توتر متزايد .
و اتخذ الناس جانب الـ (دوما) بشكل واضح , ليصبح موقف الحكومة غير مواتي , مثيرا للسخرية , بل و حتى خطيرا . و مع ذلك لم يكن هناك ما يثير الخوف من ثورة وشيكة . و قد علمت الحكومة هذا الأمر . علاوة على ان بإمكانها التعويل على الشرطة و الجيش . و هكذا اتخذت الحكومة إجراءات حاسمة . و كلّف (ستولي بين ) بالوزارة و قد اتخذ من مشروع “نداء إلى الشعب” الذي أعده الـ (دوما) و كان يرتكز في الأساس على إصلاحات زراعية ذريعة .
فذات صباح فوجيء النواب بأبواب الـ (دوما) مغلقة و تحت حراسة القوات النظامية . و بالجيش و الشرطة يطوفون في الشوارع . لقد حل مجلس الـ (دوما) المعروف بالـ (دوما) الأولى . و صدر مرسوم رسمي يشرح للشعب سبب هذا الحل . . كان هذا في صيف 1906 .
و عدا عن سلسلة طويلة من الإغتيالات و عدد قليل من التمردات المنعزلة , و كان أهمها ما جرى في (سفيابورج) Sveaborg و (كرونشتادت) Kronstadt – و قد حدث الأول في أكتوبر 1905 و استمر الثاني لفترة قصيرة قبل قمعه  – , أقول ظلت البلاد هادئة .
أما النواب أنفسهم فلم يجرؤ أيا منهم على المقاومة بشكل فعال . و هذه حقيقة يمكن تفسيرها بسهولة . ذلك أن المقاومة كانت تعني العودة إلى العمل الثوري . غير أنه في كل مكان كان الإحساس العام , في الوقت الحالي , أن الثورة بلا حول و لا قوة . و علاوة على ذلك , إن لم يكن هذا هو الوضع السائد على الأرض و لولا أن خبت جذوة الثورة , لما جرؤت الحكومة على حل الـ (دوما) بهذه الطريقة الوقحة . لقد شعرت الحكومة بنفسها في مركز قوة , و لم تكن مخطئة في شعورها هذا في ذلك الوقت . و كانت البورجوازية أضعف من أن تحلم بثورة مواتية لمصالحها . أما بالنسبة لجماهير العمال و أحزابهم , فلم يستشعروا في أنفسهم الاستعداد للثورة في هذا الوقت .
و هكذا خضع النواب لقرار الحل . لكن المرسوم لم يلغ الـ (دوما) , و إنما فقط دعا لإنتخابات جديدة في المستقبل القريب , على أساس من تعديل بعض القواعد . و قد قنع “ممثلو الشعب ” بإعداد مذكرة احتجاج ضد هذا العمل التعسفي . و لوضع هذه المذكرة في جو كامل من الحرية اضطر النواب السابقين – و غالبيتهم من الحزب الدستوري الديموقراطي – لعقد اجتماعهم في فنلندا , من أجل التمتع بالحماية التي يكفلها استقلال هذا الجزء من الإمبراطورية الروسية تشريعيا , في مدينة (فيبورج) Vyborg , و التي اطلق اسمها على المذكرة . . (نداء فيبورج) . ثم عادوا بعدها إلى ديارهم في هدوء .
و على الرغم من سلمية “ثورتهم” هذه فقد حوكموا و أدينوا في فترة لاحقة من قبل محكمة خاصة . و عوقبوا بعقوبات مخففة , و إن كانوا قد فقدوا الحق في إعادة الترشح لإنتخابات الـ (دوما) .
على أن نائبا واحدا فقط , فلاح صغير من مقاطعة (ستافروبول) Stavropol, و المحسوب على حزب العمال . ( أونيبكو) Onipko لم يقبل بالتوقف . و كان أن أشعل إنتفاضة (كرونشتادت) و قد اعتقل في مسرح الأحداث بعد إصابته بطلق ناري . و لم ينقذه إلا بعض التدخلات من ناحية و مخاوف الحكومة من ناحية أخرى . غير أنه قد حوكم في نهاية المطاف و أرسل  إلى المنفى في سيبيريا . و قد نجح في الهرب و وجد ملجا خارج البلاد . و عاد إلى روسيا عام 1917 . أما ما حدث له بعد ذلك فغير معروف . و العهدة على بعض المصادر الموثوقة , أنه قد واصل النضال بوصفه عضوا يمينيا في الحزب الإشتراكي الثوري و أنه قد انقلب على البلاشفة الذين قتلوه رميا بالرصاص .
و بمجرد أن تم حلّ الـ (دوما) الأولى , عدّلت الحكومة القانون الإنتخابي . و لجأت بلا ضمير لى تدابير و مناورات وقائية أخرى , ثم دعت إلى الـ (دوما) الثانية . المجلس الذي كان أكثر إعتدالا و تواضعا بكثير من نظيره الأول . على أن هذه الــ (دوما) ظلت “ثورية جدا” بالنسبة للحكومة . و الحق أنه برغم كل المكائد و الدسائس ظل هناك جناح يساري في المجلس . و قد حلّت هذه الـ (دوما) بدورها . ليتم تعديل القانون الإنتخابي بشكل ملحوظ هذه المرة . أما الشعب فقد فقد كل اهتمام في أنشطة – أو بالأحرى خمول – الـ (دوما) , عدا عن بعض لحظات نادرة من الأحداث غير الإعتيادية أو الحوارات المثيرة التي تجذب الإنتباه لفترة وجيزة من الوقت .
و قاد حل الـ (دوما) الثانية إلى (دوما) ثالثة و أخيرا (دوما) رابعة . و كانت هذه الأخيرة أداة طيعة في يد الحكومة الرجعية , التي طال أمد وجودها العقيم حتى ثورة 1917 .
أما من جهة الإصلاحات أو إصدار قوانين مفيدة , فلم تنجز الـ (دوما) شيئا على الإطلاق في هذا الصدد . لكن وجودها لم يكن عديم الفائدة تماما . فالخطب النقدية من بعض النواب المعارضين , و وضع القيصرية في مواجهة مباشرة مع مشاكل الساعة الملتهبة , و عجز البرلمان عن التعامل مع هذه المشاكل طالما بقى النظام الإستبدادي قائما , كل هذه الحقائق استمرت في تنوير الجماهير العريضة من السكان حول الطبيعة الحقيقية للنظام , و عن دور البورجوازية , و عن المهام التي يتعين إنجازها , و عن برامج الأحزاب السياسية . و بالنسبة للشعب الروسي , كانت هذه الفترة على قصرها , درسا تجريبيا طويلا مجديا , و كانت هذه هي الطريقة الوحيدة في ظل غياب غيرها من وسائل التثقيف السياسي و الإجتماعي .
كانت هناك عمليتان متوازيتان تجريان في ذات الوقت : الأولى عملية متسارعة من الإنهيار النهائي – أو التفسخ النهائي لو أردنا استخدام لفظ أفضل – للنظام الإستبدادي . و الثانية النمو السريع في وعي الجماهير . و كانت علامات تدهور لحكم القيصري واضحة للعيان خارج روسيا . كان نمط الحياة الذي اعتمده البلاط الإمبراطوري هو نفس النمط الذي اعتمدته كافه الأنظمة الملكية قبيل سقوطها . كان (نيقولا) الثاني غير كفء و غير مكترث , و كان وزراءه و موظفينه فاسدين بقماءة , و التصوف المبتذل الذي اعتمده الملك و عائلته – و كان الراهب (راسبوتين) حلقة أساسية فيه – لم تكن هذه العناصر خافية على أحد في الخارج .
أما ما لم يكن معروفا , فكان التبدل العميق الذي حدث في نفسية الجماهير . فروح الرجل من العامة في 1912 مثلا لم يعد بينها و بين النظرة البدائية لرجال ما قبل 1905 أي شيء مشترك . و كانت طبقات واسعة من السكان تصبح على نحو متزايد ضد النظام القيصري بشكل مباشر . و كانت وحشية الرجعية , و التي منعت أي شكل تنظيمي للعمال و كل دعاية سياسية أو إجتماعية , هي ما منع الجماهير من تشكيل أفكارها في شكلها النهائي .
و لم يكن غياب الأحداث الثورية الكبرى دليل على أن العملية الثورية نفسها قد توفت . بل الحق أنها استمرت , تحت السطح , بقوة لم تنتقص قط , في أفكار الناس و مشاعرهم .
و قد بقيت جميع المشاكل الحيوية قائمة , أثناء ذلك , حتى وصلت البلاد إلى طريق مسدود . و أصبحت الثورة العنيفة الحاسمة أمرا لا مفر منه . و لم ينقصها سوى السلاح و دفعة صغيرة إلى الأمام .
كانت هذه هي الصورة العامة عندما اندلعت الحرب في العام 1914 . و كانت الحرب هي من أعطت الناس السلاح الضروري و الدفعة اللازمة .
المصدر

الثورة المجهولة / 11

الفصل الرابع
هزيمة الثورة
تقييم الإنتفاضة
———————
بنهاية عام 1905 قررت البرجوازية الفرنسية تقديم القرض و خوّل الإقتصاديون بمهمة منحه . و قد أنقذ “نقل الدماء” النظام القيصري الذي كان في طور الإحتضار .
بالإضافة إلى هذا , تمكنت الحكومة من إنهاء الحرب بمعاهدة سلام , لم تكن مهينة للغاية .
و من هذا الوقت فصاعدا , ستبدأ الرجعية من حيث انتهت الثورة , و بينما تتعلق آمال الناس في مستقبل جميل , ستحارب الثورة و يتم حصارها .
على أن الثورة على أية حال كانت قد ماتت من تلقاء نفسها . إذ كان إضراب أكتوبر غاية جهدها و ذروتها القصوى . و كان كل ما تحتاجه في الوقت الراهن هو التوقف لإلتقاط الأنفاس . و علاوة على ذلك كان بإمكانها التعويل على الإنتعاش في وقت لاحق , ربما تحت تأثير الجناح اليساري في الـ (دوما) .
في غضون ذلك , كانت الحريات التي استعادها الناس و التي وعدهم بها القيصر في بيانه بعد فوات الأوان , قد قمعت من جديد . و من جديد حظرت الحكومة الصحافة الثورية و أعادت تأسيس الرقابة و شرعت في الإعتقالات الجماعية و تصفية جميع التنظيمات العمالية أو الثورية التي استطاعت الوصول إليها . فحظرت الـ (سوفيات) و اعتقلت (نوصار) و (تروتسكي) و أرسلت الجنود لتطهير الناطق التي شهدت أحداث الإنتفاضة الكبرى و أوقعت عقوبات نموذجية . و كان تعزيز الجيش و الشرطة عملا يتم طيلة الوقت .
لكن شيئا واحدا لم تجرؤ الحكومة على المساس به . . مجلس الـ (دوما) الذي كان على وشك الإجتماع .
و مع ذلك , فقد كان لدى الثورة هجومين أخيرين , ضد عناد الرجعية .
كان الأول : ثورة جديدة في أسطول البحر الأسود , تحت قيادة الـ (ليفتنانت) (شميت) Schmidt . و قد قمع المحرضون و أعدم (شميت) رميا بالرصاص .
و الثاني : كانت انتفاضة عمال موسكو المسلحة , في ديسمبر 1905 . و التي استمرت ضد القوات الحكومية لعدة أيام .و التي اضطرت الحكومة لوضع حد لها بتوجيه قوات من (سانت بطرسبورغ) و استخدام وحدات المدفعية .
و بينما كان التمرد المسلح على أشده , بذلت الجهود من أجل إثارة إضراب عام جديد في كافة أنحاء البلاد . الإضراب الذي لو قدّر له أن ينجح لقدّر النصر للتمرد المسلح . . لكن الدافع هذه المرة , على الرغم من أن التنظيم كان مماثلا لإضراب أكتوبر , كان مفقودا . لم يكن الإضراب عاما هذه المرة و استمرت الخدمة البريدية في العمل , فضلا عن السكك الحديدية . و ظلت الحكومة قادرة على نقل قواتها أنّى شاءت . و لم يكن هناك شك في أن الثورة تلفظ أنفاسها .
و هكذا , ما إن انتهى عام 1905 حتى كانت العاصفة قد هدأت بدون أن تزيل العوائق . لكنها كانت قد اضطلعت بالفعل بمهمة أساسية لا مفر منها . مهمة إعداد الأرض و تمهيدها . و تركت علامات لا تمحى في حياة البلاد و عقلية السكان . و بإمكاننا الآن فحص “الحساب الختامي” للإنتفاضة . ما نجده في جانب المكاسب هو , عمليا بلا شك , مجلس الـ (دوما) . لقد اضطرت الحكومة من أجل الـ (دوما) لوضع قانون إنتخابي , كان شاملا بما فيه الكفاية لمنع خيبات الأمل من أن تكون سريعة أو مريرة . إن الحكومة لم تشعر بالأمان بعد , و ما زال يتوجب عليها أن تلتقط أنفاسها و تحصل على هدنة .
و كانت توقعات الجماهير في مجلس الـ (دوما) كبيرة . و قد تقررت الإنتخابات في ربيع 1906 . و دعي إليها بنشاط محموم في طول البلاد و عرضها . و شاركت فيها كافة الأحزاب السياسية .
و كان الوضع الذي خلقته الدولة البوليسية هذه , متناقضا بما فيه الكفاية . فبينما نشرت الأحزاب اليسارية دعايتها بصورة علنية و قانونية – حيث لا تستطيع الحكومة التدخل إلا عن طريق تنظيمات جديدة أو وضع فخاخ ماكرة – , امتلأت السجون بأعضاء من نفس الأحزاب , تم اعتقالهم في وقت تصفية الحركة . و بقيت الصحافة و حرية التعبير مكممة . و استمر حظر التنظيمات العمالية .
هذا التناقض الظاهري يمكن تفسيره بسهولة . و سيمكننا هذا التفسير من فهم توقعات الحكومة من أداء مجلس الـ (دوما) .
و على الرغم من حقيقة أن الحكومة قد اضطرت إلى منح رعاياها قدرا معينا من الحرية بسبب الإنتخابات , إلا أنها لم ترى في الـ (دوما) مؤسسة حقيقية ضد الحكم المطلق . و كانت وجهة نظر الحكومة أن الـ (دوما) ليس أكثر من جهاز ثانوي مساعد , ذو مهام استشارية بحتة , ملائم لمساعدة الحكومة في بعض مهامها . و على الرغم من اضطرارها للتسامح مع بعض مظاهر الإثارة الإنتخابية من قبل الأحزاب اليسارية , فإن الحكومة قد قررت منذ وقت مبكر أنها ستسمح بكمية محدودة منها و أنها سترد على أية محاولة لإتخاذ مواقف متحدية , من قبل الأحزاب أو الناخبين أو مجلس الـ (دوما) ذاته . فمن وجهة نظر الحكومة ليس لمجلس الـ (دوما) أية علاقة بالثورة . و لذلك كانت الحكومة منطقية تماما في إبقاء الثوار في السجون .
و كان تكوين و شرعية الأحزاب السياسية ذات وجهات النظر المختلفة واقعا آخرا ملموسا جديدا بالكلية على الحياة الروسية
فحتى أحداث 1905 , كان في روسيا حزبان سياسيان فقط , و كانا كلاهما سريا و ثوريا أكثر منه سياسيا . نعني بهما الحزب الإشتراكي الديموقراطي و الحزب الإشتراكي الثوري .
و كانت الحريات القليلة التي منحها مانفستو السابع عشر من أكتوبر بهدف الحملة الإنتخابية , و الحملة الإنتخابية ذاتها , قد اعطت فجأة حصانة كاملة للأحزاب القانونية و شبه القانونية .
و قد أنشأ مؤيدوا الملكية العريقون , إتحاد الشعب الروسي .  و هو حزب رجعي متطرف ذو توجه برمجي , و كان برنامج هذا الحزب يدعو لإزالة كل ” الإنعامات التي وعدت تحت ضغط الإنتفاضات المجرمة” , بما في ذلك الـ (دوما) , و القضاء التام على آخر آثار أحداث 1905 .
أما العناصر الرجعية بصورة أقل : غالبية كبار الموظفين , و كبار أصحاب المصانع , و المصرفيين , و النبلاء , و رجال الأعمال , و ملاك الأراضي الزراعية فقد تجمعوا في الحزب “الأكتوبري” – اتحاد 17 أكتوبر – الذي ذكرناه سابقا .
و كانت تفاهة الثقل السياسي لهذين الحزبين دائما مصدر للتندر .
أما غالبية الأغنياء و الطبقة الوسطى , فضلا عن المثقفين “المتميزين” فقد أنشأوا لأنفسهم حزب الوسط الكبير , الذي مال جناحه اليميني إلى “الأكتوبريين” و ذهب جناحه اليساري إلى حد التعبير عن الميول الجمهورية . أما برنامج الغالبية العظمى في هذا الحزب فكانت الدعوة إلى نظام دستوري يضع حدا للحكم المطلق , عن طريق الإحتفاظ بالملك في منصبه مع وضع حد لسلطاته . و قد أطلق على هذا الحزب اسم “الحزب الدستوري الديموقراطي” و إختصارا حزب (كا-ديت) . و كان يطلق عليه أيضا “حزب حرية الشعب” . و قد كان قادته في الغالب من بين المشاهير في المدينة و المحامين و الأطباء و ذوي التوجة الليبرالي و الأكاديميين . و كان في وضع مؤثر جدا , مع تمويله كبير و نشاط و حيوية أعضاءه في إنشاءه .
و في أقصى اليسار كان هناك “الحزب الإشتراكي الديموقراطي” و الذي كان وضعه المعلن قانونيا تماما , على الرغم من برنامجه الجمهوري الصريح و تكتيكاته الثورية . و أخيرا “الحزب الثوري الإشتراكي” و الذي لم تختلف برنامجه و لا تكتيكاته كثيرا عن الحزب الإشتراكي الديموقراطي فيما عدا تعاطيه مع المشكلة الزراعية . و يبدو أنه من أجل حرية الحركة وقت إنتخابات الـ (دوما) , قاد الحزب الإشتراكي الديموقراطي حملته تحت اسم “حزب العمال” . و الذي أصبح لاحقا حزب مستقل . و من نافلة القول أن مشاركة كلا الحزبين قد مثلت أساسا جماهير العمال و الفلاحين و طبقة واسعة من العمال المتعلمين .
عند هذه النقطة يجب علينا أن نزودكم ببعض التفاصيل حول برامج و أيديولوجيات هذه الأحزاب .
فبإستثناء المسألة السياسية , كانت النقطة المحورية في برامج كافة الأحزاب قطعا هي المشكلة الزراعية . المشكلة التي تطلبت حلا عاما فعالا و عاجلا . و الحقيقة , أن عدد الفلاحين قد تزايد بسرعة كبيرة بحيث أصبحت مساحات الأراضي الممنوحة للفلاحين المحررين في العام 1861 غير كافية , و قد انخفضت هذه المساحات , نتيجة التقسيم المستمر خلال ربع قرن حتى صارت بؤر للمجاعة . و على حد قول أحد الفلاحين “إننا لم نعد نجد مكانا لنربي فيه الدجاج” . و قد انتظر سكان الريف بفارغ الصبر حلا فعالا عادلا لمشكلتهم . و كانت الأحزاب جميعها مدركة لأهمية هذه الكتلة السكانية .
و قد طرحت ثلاث حلول في ذلك الوقت :
1 – اقترح الحزب الدستوري الديموقراطي توسيع مساحات الراضي بتحويل بعض أراضي أصحاب الأراضي الخاصة و الأراضي الحكومية إلى الفلاحين . على أن يسدد الفلاحون ثمن هذه الأرض تدريجيا بمساعدة الدولة و بشروط يضعها ممثلو الدولة و بتقييمات عادلة .
2 – اقترح الحزب الإشتراكي الديموقراطي نقلا خالصا و بسيطا للأراضي التي يحتاجها الفلاحون بدون أي سدادات . على أن تشكل هذه الأراضي أساسا للمال العام و الذي يمكن توزيعه وفقا للإحتياجات – تأميم أو مصادرة الأراضي – .
3 – أقترح الحزب الإشتراكي الثوري أكثر الحلول جذرية . النقل المباشر و الكامل لكل الأراضي التي في أيدي ملاك القطاع  و الخاص . و الإسقاط التام لملكية الأراضي الزراعية – سواء المملوكة للأفراد أو للدولة –  . و وضع كافة   الأراضي  تحت تصرف تعاونيات الفلاحين  peasant collectives – إشتراكية الأرض –
و كان على الـ (دوما) أن يتعامل مع هذه المشكلة المعقدة الملحة , قبل أي شيء آخر .
و هنا نود أن نشرح بإختصار أيديولوجيات الحزبين اليساريين في هذه المرحلة – من الديموقراطيين الإشتراكيين و اللإشتراكيين الثوريين – .
بحلول عام 1900 ظهر تباين كبير في وجهات النظر في قلب احزب الإشتراكي الديموقراطي الروسي . إذ تشبث بعض أعضاؤه بـ “برنامج الحد الأدنى” , متمسكين بفكرة أن الثورة الروسية القادمة ستكون ثورة بورجوازية , ذات نتائج متواضعة نسبيا . لم يعتقد هؤلاء الإشتراكيون بإمكانية التجاوز من الملكية الإقطاعية إلى النظام الإشتراكي بقفزة واحدة . و اعتقدوا أنه لابد من جمهورية بورجوازية ديموقراطية , لتمهد الطريق لنمو رأسمالي سريع يكون من شأنه وضع الأساس للإشتراكية المستقبلية . كانت هذه فكرتهم الأساسية . إستحالة الثورة الإشتراكية في روسيا في الوقت الراهن .
على أن كثيرا من أعضاء الحزب كان لهم رأي مخالف , فمن وجهة نظرهم , أن الثورة القادمة من المحتمل جدا أن تكون “ثورة إشتراكية” , مع كل عواقبها المنطقية . هؤلاء الإشتراكيون أسقطوا “برنامج الحد الأدنى” و أعدوا أنفسهم لإستيلاء الحزب على السلطة , و النضال الفوري و الحاسم ضد الرأسمالية .
كان قادة التيار الأول الأساسيون : (بليخانوف) Plekhanov و (مارتوف) Martov و آخرين . بينما كان (لينين) Lenin المؤسس الأكبر للتيار الثاني .
و قد حدث الإنقسام النهائي بين المعسكرين سنة 1903 , في مؤتمر لندن . و كان الإشتراكيون الديموقراطيون ذوي الميول اللينينية أغلبية – كلمة أغلبية بالروسية (بولشينستفو) Bolshinstvo و الواحد منهم (بولشيفيكي) bolsheviki , بينما الأقلية = (منشيفيكي) men-sheviki . و هكذا أكتسب التياران اسماهما اللذان سيظلان مصاحبين لهما . فأكتسب التيار الأول اسم (البلشفية) = الأغلبية , و سمي الثاني بـ (المنشفية) = الأقلية .
و قد أطلق الـ (بلاشفة) على أنفسهم بعد انتصارهم في 1917 على أنفسهم اسم “الحزب الشيوعي” بينما احتفظ الـ (مناشفة) باسم “الحزب الإشتراكي الديموقراطي” . و قد اعتبر “الحزب الشيوعي” , عندما تولى السلطة , الـ (مناشفة) ثورة مضادة , قبل أن يبيدهم .
من جهة أخرى , انقسم الحزب الإشتراكي الثوري هو الآخر إلى حزبين منفصلين : الحزب الإشتراكي الثوري “اليميني” و الذي أصرّ , على غرار الـ (مناشفة) , على الحاجة إلى مرحلة الجمهورية البورجوازية الديموقراطية . و الحزب الإشتراكي الثوري “اليساري” الذي زعم , على غرار الـ (بلاشفة) , أن الثورة يجب أن تُدفع إلى حدّها الأقصى , و هو الإلغاء الفوري للنظام الرأسمالي و إقامة الإشتراكية – نوع من الجمهوريات الإشتراكية – .
و قد محا الـ (بلاشفة) , بعد استيلائهم على السلطة سنة 1917 , الجناح اليميني من الحزب الإشتراكي الثوري , بإعتباره ثورة مضادة . بينما تعاونوا مع الجناح اليميني من الحزب الإشتراكي الثوري في البداية . لكن عندما نشأت الخلافات الرئيسية بين الحزبين فيما بعد , انهار التحالف السابق , و أخيرا تم حظرهم قبل إبادتهم .
على أن تأثير هذين الحزبين – البلاشفة و الجناح اليساري في الحزب الإشتراكي الثوري – كان ضئيلا في زمن إنتفاضة 1905 .
و لإكمال عرضنا للتيارات الفكرية المتنوعة التي تزامنت مع هذه الثورة , لابد و أن نشير إلى أن الحزب الإشتراكي الثوري قد فرّخ تيارا ثالثا , فصل نفسه عن الحزب , و دعا أثناء الثورة , ليس للقضاء على الدولة البورجوازية و حسب , بل على الدولة بصورة عامة – كمؤسسة سياسية – . و قد عرف هذا التيار الفكري في روسيا باسم الـ (برنامج الحد الأقصى)  Maximalism , لأن أنصار هذا التيار بعد رفضهم لبرنامج الحد الأدنى , انشقوا على الجناح اليساري للحزب الإشتراكي الثوري , منادين بضرورة النضال الفوري من أجل تنفيذ كامل لبرنامج الحد الأقصى . الذي هو : إشتراكية كاملة مبنية بالكامل على أساس غير سياسي .
و لهذا السبب لم ينشيء أنصار برنامج الحد الأقصى حزبا سياسيا . بل كوّنوا “إتحاد الإشتراكيين الثوريين الأقصويين” و قد نشر هذا الإتحاد بعض الكتيبات لتبيان وجهة نظرهم . و نشر بضعة دوريات , لكنها لم تستمر طويلا , و كان تأثيرها لا يكاد يذكر . و كان نشاط الإتحاد في المقام الأول كان الأنشطة الإرهابية . و شارك في كافة النضالات الثورية . و الحق أم كثيرا من أعضاءه قد ماتوا كأبطالا حقيقيين .
و من مجمل أفكارهم , كان “الأقصويون” قريبين جدا من الفكر الأناركي . فهم لم يتبعوا الماركسيين بشكل أعمى في نفي فائدة الأحزاب السياسية . و انتقدوا الدولة و السلطوية السياسية . لكنهم برغم ذلك لم يجرؤوا على التخلي عن السلطة السياسية بشكل فوري و شكل كامل . و لم يروا أنه من الممكن الإنتقال المباشر للمجتمع اللاسلطوي الكامل – ففرقوا هكذا بين الإشتراكية الكاملة و الأناركية – . و قد وضعوا لضمان الإنتقال فرضية “جمهورية العمال” تخفّض فيها عناصر الدولة و السلطة إلى الحد الأدنى الذي , وفقا للأقصويين , سيضمن إنقراضها السريع . هذا الإحتفاظ المؤقت بالدولة و السلطة هو ما يفرق بين برنامج الحد الأقصى و الأناركية .
و كغيرها من التيارات الايديولوجية التي لا تتوافق مع الـ (بلشفية) , تم سحق الأقصوية Maximalism بعد ثورة 1917 .
أما بالنسبة للأناركية و المفاهيم النقابية – كما سنبين لاحقا بالتفصيل – فقد كانت غير معروفة تقريبا في روسيا في هذا الوقت .
و الإعتقاد الغالب خارج روسيا , أنه بما أن (باكونين) Bakunin و (كروبوتكين) Kropotkin – الآباء المؤسسين للأناركية – روس . فلابد و أن روسيا كانت , و لفترة طويلة بلد الأفكار و الحركات الأناركية . و هذا سوء فهم خطير . فكل من (باكونين) Bakunin (1814 – 1876) و (كروبوتكين) Kropotkin (1842 – 1921)  لم يصبحا أناركيين إلا خارج روسيا . كما أن أيا منهما لم يشتهر في روسيا كأناركي . و قد ظلت أعمالهما مجهولة في روسيا حتى ثورة 1917 . و قد كتبت أصلا بلغة أجنبية – غير روسية – . و هذه الأعمال لم يترجم منها سوى مقتطفات قليلة و لم تنشر في روسيا سوى بكميات قليلة و بصورة سرية و تحت خطر بالغ . كما إن توزيع هذه الأعمال داخل روسيا كان أمر شبه مستحيل . و أخيرا فإن التثقيف الإجتماعي و الإشتراكي و الثوري في روسيا لم يكن بدري أي شيء عن الأناركية , و ربما مع استثناءات قليلة جدا , لم يكن أحد مهتم بالأفكار الأناركية .
و كانت الـ (سينديكالية / الحركة النقابية) Syndicalism غير معروفة بالجملة , بإستثناء قلة قليلة من المثقفين , بسبب من عدم وجود أي حركة عمالية في روسيا قبل ثورة 1917 . بل و يمكننا القول بأن الشكل التنظيمي الروسي للعمال : الـ (سوفيات) و الذي اتخذ على عجل في 1905 , ثم اعيد احياؤه مرة أخرى في 1917 كان على وجه التحديد بسبب غياب المفاهيم و الحركات النقابية . و ليس هناك من شك أنه لو كان هناك جهاز نقابي , فإنه سيقود الحركة العمالية .
و قد ذكرنا وجود بعض الجماعات الأناركية الصغيرة في (سانت بطرسبورج) و (موسكو) , و في الغرب و الجنوب . و كان هذا كل شيء . و قد شارك الأناركيست في موسكو في احداث 1905 , و استقطبوا الإنتباه خلال التمرد النسلح في ديسمبر من العام نفسه .
و قد سحق البلاشفة الحركة الأناركية , بعد 1917 , كما سحقوا كافة الحركات الأخرى التي لو تتفق مع أيدلوجياتهم . لكن سحق الحركة الأناركية لم يتم بسهولة , و كان الصراع بين البلشفية و الأناركية , خلال ثورة 1917 , صراعا صعبا مريرا , و هو صراع غير معروف تماما خارج روسيا , و قد استمر نحو ثلاث سنوات , و لعبت فيه “حركة ماخنو” الدور الأكبر – و هذا ما سنذكره بالتفصيل في الجزء الأخير من هذا الكتاب –
و الآن دعونا ننتقل إلى العواقب المعنوية و الآثار النفسية لأحداث 1905 . لأن أهميتها بالنسبة للمستقبل كانت أكبر من مجرد الإنجازات الفورية الملموسة .
باديء ذي بدء , و كما أشرنا مسبقا . تلاشت أسطورة القيصر , و قد أصبحت شريحة واسعة من الجماهير على بينة من الطبيعة الحقيقية للنظام و من الضرورة الملحة لإنهاؤه . لقد فقدت القيصرية و الحكم المطلق سلطانها معنويا .
و لم يكن هذا كل شيء . فقد انضمت الجماهير الشعبية أخيرا للقوى التي طالما عارضت النظام : الدوائر الثقافية الطليعية , و الأجنحة اليسارية للأحزاب السياسية و الثوريين بشكل عام . و اتصلت الجماهير بالدوائر الطليعية إتصالا وثيقا واسع النطاق . و من الآن فصاعدا سيتصاعد هذا الاتصال و يتعمق و يشتد . و ستصل “المفارقة الروسية” إلى نهايتها .
و هكذا فإن لدينا إنجازين كبيرين قد تم تحقيقهما . من ناحية , كان هناك عنصر مادي يمكن للثورة العرجاء أن تستند عليه : الـ (دوما) . و من الناحية الأخرى فإن العقبة المعنوية التي كانت المانع في طريق كل ثورة واسعة النطاق قد انهارت . لقد فهمت الجماهير أخيرا العلة و انضمت أخيرا إلى أولئك الذين كانوا في الصفوف الأمامية في صراع التحرير .
و أعدت الأرض للثورة المقبلة الحاسمة . كان هذا هو جانب “المكسب” من انتفاضة 1905 .
و ياللأسف !! كانت الخسائر جسيمة بقدر المكاسب .
فحركة 1905 لم تكن قادرة للأسف على إنشاء تنظيم للطبقة العمالية , لا تنظيم نقابي و لا حتى إتحاد تجارة . و لم تنل جماهير الطبقة العاملة حق التنظيم . و بقيت بلا اتصال و لا تنظيم .
و كان النتيجة النفسية لهذه الحالة من التخبط أن صارت الجماهير الكادحة – بلا وعي منها – , في الثورة القادمة . جائزة الأحزاب السياسية و منافساتهم المهلكة و صراعتهم البغيضة على السلطة . الصراع الذي لا مكسب للعمال من ورائه إلا خسارة كل شيء .
و هكذا , فقد كان لغياب الحركة العمالية و التنظيمات العمالية الحقيقية , عشية الثورة , أن فتح الباب على مصراعيه لغلبة , أو بالأحرى , لسيطرة حزب سياسي أو آخر , على حساب العمل الحقيقي و السبب الحقيقي للعمال .
و سيرى القاريء لاحقا , كيف أن عبء هذه الخسائر سيكون قاتلا بالنسبة لثورة 1917 : التي ستنسحق في نهاية المطاف تحت رزء هذه الخسائر .
و أخيرا أود أن أذكر شيئا عن مصير (نوصار- خروستاليف) , الرئيس الأول لأول (سوفيات) لعمال (سانت بطرسبورج) .
اعتقل (نوصار) أثناء “تصفية” الحركة , بحلول نهاية 1905 , و حوكم و ادين و نفي إلى سيبيريا . ثم هرب لاجئا إلى الخارج . لكن مثله مثل (جابون) لم يستطع التأقلم مع الحياة الجديدة , و أكثر من ذلك أنه لم يستطع الحصول على عمل منتظم . لكنه , بكل تأكيد , لم يعش حياة الفجور , و لا ارتكب أي فعل من أفعال الخيانة . لكنه كان يضيع حياته خارج الوطن في فوضى و فقر و تعاسة .
استمر هذا حتى ثورة 1917 , التي ما إن اندلعت حتى اسرع – مع كثييرين غيره – عائدا إلى البلاد ليشارك في النضال الثوري . لكنه لم يلعب أي دور هام .

و نحن لا نعرف حقا ما حدث له بعد ذلك . لكن وفقا لمصادر نعتبرها فوق الشبهات , أنه قد تحول في النهاية ضد الـ ((بلاشفة) و أنهم بدورهم قد قتلوه رميا بالرصاص .

http://anarchist-document.blogspot.com

الثورة المجهولة / 10

الفصل الثالث
الحرب الكارثية
إنتصار الإضراب الثوري
———————
لم تهدأ الموجات التي أثارتها أحداث ناير 1905 على الفور . في هذا الوقت كانت البلاد بأكملها تهتزّ .
فمن ربيع 1905 و صاعدا , و النظام القيصري في حالة من الضعف على نحو متزايد . و كان السبب الرئيسي هو هزيمة روسيا القيصرية المريرة في حربها ضد اليابان .
بدأت هذه الحرب في فبراير 1904 , و صاحبها قدر غير عادي من الغطرسة . و كان الهدف الأساسي منها إثارة مشاعر الإنتماء القومية و الوطنية و المَلَكِية . و انتهت إلى هزيمة يائسة . إذ هزم الجيش و الأسطول معا .
و ألقى الرأي العام باللوم علنا على السلطات و على تفسّخ النظام في هذه الهزيمة . و لم تكن  فقط جماهير العمال من يتميز غضبا , بل اشتعلت الشرائح الأخرى بروح الثورة كذلك . و كان تأثير الهزائم , التي توالت في تتابع سريع , ساحقا . فلم يعد الناس قادرين على إحتواء مشاعرهم . و انتشر الغضب الذي لا يعرف حدودا . و أصبح التحريض على نطاق وسع . بينما بقيت الحكومة , إدراكا منها لهزيمتها . في صمت .
و للإستفادة من الوضع الحالي , بدأت دوائر الليبراليين و الثوريين حملة عنيفة موسعة ضد النظام . و بدون إذن , بدأ الشعب يمارس حرية التعبير و حرية الصحافة , و كان فتحا حقيقيا للحرية السياسية . فظهرت الجرائد من كافة الإتجاهات , حتى الثورية منها , و بيعت بحرية . بدون رقابة أو سيطرة عليها . و انتقدت الحكومة و النظام بأكمله بشدة .
و حتى أجبن الليبراليين وجدوا مجالا للعمل , فتأسست الإتحادات المهنية : “اتحاد الإتحادات” و يمكن توصيفه كلجنة مركزية لتوجية كل نشاط الاتحادات . و “اتحاد التحرير” السري – تنظيم سياسي – . و تعجلوا في إنشاء حزب سياسي رسمي يدعي بـ “الحزب الدستوري الديموقراطي” . و تحملت الحكومة كل هذا مكرهة , كما تحملت من قبل إضراب يناير و إجتماعات الـ (سوفيات) .
و تتابعت الإغتيالات السياسية بمعدل متسارع .
و اندلعت المظاهرات العنيفة و الانتفاضات الخطيرة في مدن مختلفة . و في بعض الأماكن أقام الناس المتاريس .
و في مختلف المقاطعات , تمرّد الفلاحون , مطلقين بالفعل “انتفاضات” (ثورة الفلاحين) فحرقوا القلاع و استولوا على الأراضي و طاردوا , بل و حتى قاموا بإغتيال , ملاك الأراضي . و تم تشكيل اتحاد للفلاحين ذي برنامج اشتراكي . لقد أصبح أعداء النظام كثر جدا , جريئين جدا , و فوق كل شيء , كانوا على حق .
لكن هزيمة الحكومة العسكرية , و “معنوياتها” المنحدرة ليست بتفسير لكل شيء . فالشيء الوحيد الذي يفسرونه هو احتياج الحكومة إلى أهم أداة لمقاومة الحركة : المال . و قد جرت المفاوضات خارج البلاد , و تحديدا في فرنسا , بغرض تأمين قرض , و استمرت إلى مالا نهاية بسبب عدم الثقة في النظام القيصري .
و خلال صيف 1905 حدثت اضطرابات خطيرة في الجيش و البحرية . و تعد ثورة الأمير (بوتمكين) Potemkin و ملحمة سفينته الحربية , التي تعد واحدة من القطع الرئيسية للقوات البحرية في البحر الأسود , أوضح حلقة في سلسلة هذه الأحداث . آخر أسوار النظام المنهار – القوات المسلحة – بدأت في الإنهيار . .
هذه المرة , بدأت البلاد تتحول أكثر فأكثر . و بحزم . ضد النظام القيصري .
و في أغسطس 1905 , و تحت ضغوط مختلفة , قرر الإمبراطور في النهاية الإعتراف – بعد فوات الوان , و غني عن القول نفاقا – ببعض “الحريات” . و وعد بعقد جمعية وطنية ممثلة “دوما” Duma , مع تقييد شديد للحقوق و على أساس من إجراءات انتخابية ضيقة للغاية . و تم تكليف (بوليجين) Bulygin , وزير الداخلية بالإستعدادات اللازمة إجراء هذه الإنتخابات . لكن هذه الخطوة الخجول , المتأخرة واضحة النفاق , لم ترض أحدا . و استمرت الإضطرابات و التمردات , أما هذه الـ “دوما”, التي أطلق عليها اسم (دوما بوليجين) فلم تعقد قط . و اضطر (بوليجين) لتقديم أستقالته – بنهاية أغسطس – ليخلفه (ويت) Witte , الذي نجح في إقناع (نيقولا) الثاني بقبول المزيد من التنازلات ذات المعنى .
في هذه الثناء , شجع خمول الحكومة و عجزها القوى المعارضة و الثورة . و من بداية أكتوبر بدأ الناس يتحدثون عن إضراب عام يشمل كامل البلاد تمهيدا للثورة النهائية .
و قد وقع الإضراب , الذي شمل البلاد كلها , و كان ضربة هائلة و فريدة من نوعها في التاريخ الحديث , في منتصف أكتوبر . و إذ كان متوقعا منذ فترة , و معدا له على مهل , فقد كان أقل عفوية من إضراب يناير . و قد تولت الـ (سوفيات) و “اتحاد الإتحادات” و – بصورة أساسية – العديد من لجان الإضراب التنظيم . و تم تعليق العمل في المصانع و الساحات و الورش و المخازن و البنوك و المكاتب الإدارية و السكك الحديدية و جميع وسائل المواصلات الأخرى و مكاتب البريد و محطات التلغراف . توقف كل شيء تماما , كل شيء على الإطلاق . و بالجملة علّقت الحياة في البلاد .
و فقدت الحكومة توازنها و استسلمت . و في 17 أكتوبر 1905 أصدر القيصر بيانه المشهور بـ (مانفستو السابع عشر من أكتوبر) , و الذي أعلن فيه رسميا قراره بمنح “رعاياه الأعزاء المخلصين” جميع الحريات السياسية , و الدعوة – في أقرب وقت ممكن – إلى مجلس تمثيلي (دوما الدولة) . – و المصطلح (دوما) مستعار من قرون الدولة الروسية الأولى حين كان “مجلس الدولة” أو غرفة النبلاء الـ (بويار) تعرف باسم (دوما-بويارس-كايا) Dumaboyarskaya , و هو مؤسسة كانت تدعى لمساعدة القيصر في أداء مهامه . و في فترة لاحقة خلال القرنين 16 و 17 , كان يطلق على الجمعيات الممثلة للطبقات اسم (زيمسكايا دوما) Zemskaya Duma , و هي جمعيات مشابهة للـ Etats Generaux في النظام الملكي الفرنسي القديم . و أخيرا , في الفترة التي نحن بصددها , كانت هناك مجالس المدن (جورودسكايا دوما) Gorodskaya Duma , جورود تعني مدينة , و تبعا للمانفستو كانت هذه المجالس تختص بمساعدة الحكومة .
بالإختصار , كان المانفستو وعد غامض بنظام دستوري غامض . و قد أخذته بعض الدوائر على محمل الجد . و ظهر حزب “الأكتوبريين) على الفور تقريبا . و أعلن أنه سيقبل و يطبق و يدافع عن الإصلاحات المعلن عنها في المانفستو .
و في الواقع , كان لهذا العمل من حكومة القيصر هدفان , و لم يكن الدستور منهما :
1 – إحداث تأثير فعال في الخارج , و الإيحاء بأن الثورة قد انتهت و أن الحكومة قد استعادت السيطرة على الوضع . و التأثير على الرأي العام , و بالتحديد على رأي الأوساط المالية الفرنسية , و ذلك لإحياء المفاوضات على الإقراض .
2 – خداع الجماهير و تهدئتها و قطع الطريق على الثورة .
و قد تحقق هذان الهدفان بالفعل . فانتهى الإضراب و كسرت الهمة الثورية و كان التأثير الذي تركه المانفستو في الخارج مواتيا . إذ تم اعتبار حكومة القيصر , و رغم كل شيء , ماتزال قوية بما يكفي لقمع الثورة . و منحت القرض الذي طلبته بالفعل .

هنا يجب أن نوضح أن هذه الخدعة لم تنطل على الأحزاب الثورية . إذ اعتبروا المانفستو مناورة سياسية ساذجة و بدأوا على الفور في شرح الأمر لجماهير العمال . و لم يكن العمال أقل ريبة . و قد بدا أن العمال قد أنهوا الإضراب كما لو كانوا قد حصلوا على مبتغاهم , أو كما لو كانوا قد وثقوا في حصولهم عليه . لكن الحقيقة أن انتهاء الإضراب كان علامة على افتقاد الثورة لقوة الدفع و تعذر ذهابها أبعد من ذلك . فلم تكن هناك أي علامة رضا حقيقي . و لم يبادر الشعب لإستخدام “حقوقه الجديدة” , التي أدرك بشكل حدسي طابعها الإحتيالي . و هو ما تم تبينه بسرعة . إذ فرّقت الشرطة المظاهرات السلمية التي خرجت في العديد من المدن للإحتفال بـ “النصر” و بـ “النظام الجديد” الذي وعد به القيصر . ثم تلا ذلك مذابح اليهود . بينما خلّدت الجدران مانفستو القيصر .

http://anarchist-document.blogspot.com/