All posts by Anarchistan ئەنارکیستان
الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 6
نقد الاشتراكية السلطوية
يجمع الأناركيون على نقد قاس للاشتراكية السلطوية. في البداية كانت انتقاداتهم اللاذعة غير مبررة كليا، حيث كانت توجه إلى الشيوعيين الأوائل الذين لم يعرفوا الماركسية الإنسانية، أو لأنها وجهت لماركس وإنجلز الذين لك يكونا سلطويين ودولتيين بالقدر الذي زعمه الأناركيون. ولكن في هذه اليام انتشرت وتنوعت الاتجاهات السلطوية التي كانت موجودة بشكل صغير وضعيف في الفكر الاشتراكي. اليوم أصبح النقد الأناركي أقل افتراءا وأكثر صحة لأنه أصبح أكثر امتدادا وأصبح مميزا بنكهة تنبؤية.
يؤيد شتيرنر الشيوعية ولكنه يشترط: “إذا كان الاعتقاد الشيوعي لمضطهدي المجتمع الحالي خطوة تقدمية على طريق تحريرهم الكامل، فإنهم لن يقضوا على “انسلابهم” للأبد، ولن يبرزوا فردانيتهم إلا إذا تجاوزوا الشيوعية.
لذا فإن شتيرنر يرى أن العامل في النظام الشيوعي سوف يبقى خاضعا لهيمنة المجتمع العمالي. وهذا العمل الذي يفرض على المجتمع من قبل العامل هو بمقابة قصاص له. ويكتب الشيوعي ويتلنغ: “لا يمكن للقدرات أن تنمو إلا بمقدار عدم ارباكها لتجانس المجتمع”. ويجيب شتيرنر عليه: “أن أكون مستقيما في نظام طاغ أو في مجتمع ويتلنغ، يعني غياب القانون في كلا الحاليتن”.
لا يعطي الشيوعي أهمية كبيرة “لوقت الفراغ” بل يكتفي بتقديمها للعامل مهملا ما أساسي: استفادة العامل من قدراته الذاتية بعد القيام بمهمته الانتاجية. ويرى شتيرنر أن خطورة المجتمع الشيوعي تحديدا أن الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج تسلم الدولة سلطات مفرطة أكثر من المجتمع الحالي: “إن الشيوعية بالغائها كل ملكية فرجية، تجعلني أكثر تبعية للآخرين، مع أنها تهاجم الدولة كثيرا، فإنها تريد اقامة دولتها الخاصة أيضا، ما يوقف نشاطي الحر وينصب علي سيدا”. في مواجهة هذا القمع الذي أعيش في ظله والذي يمارسه الملاك الأفراد، تثور عليه الشيوعية وهي محقة في هذا، ولكن وضع النفوذ في أيدي الكل هو أكثر رعبا”.
يستاء برودون بنفس الشكل من “النظام الشيوعي”، الحكومي، الدكتاتوري، التسلطي، العقائدي، الذي ينطلق من مبدا “تبعية الفرد إلى الجماعة”. إن ما حمله الشيوعيون عن السلطة هو ذات المفهوم الذي حمله أسيادهم القدماء. بل هو أقل تحررية. “مثل جيش سيطر على مدافع العدو ، كل ما فعلته الشيوعية هو توجيه مدفعها الخاص ضد جيش الملاك. والعبد يقلد دوما معلمه”. يصف برودون النظام السياسي الشيوعي بما يلي:
“ديمقراطية مركبة، تقوم شكليا على دكتاتورية الجماهير، لكن لا تملك الجماهير من السلطة إلا ما يكفي لضمان العبودية، انطلاقا من الصيغ التالية المسنبطة من السلطة المطلقة القديمة:
“عدم الفصل بين السلطات؛ المركزية المشددة؛ هدم المنهج الفكري الفردي، التعاوني والمحلي؛ شرطة مخابراتية وتعسفية”.
يريد الاشتراكيون السلطويون “ثورة من الأعلى”. “يدعمون فكرة أنه بعد الثورة يجب أن تستمر الدولة. إنهم يحافظون على الدولة، والسلطة، والتسلط، والحكومة، لا إنهم يزيدون أهمية هذه. ما يفعله الاشتراكيون السلطويون هو تغيير الأسماء. كأن تبديل الكلمات يكفي لتغيير الأشياء!” ويقول برودون هذه النكتة: “الحكومة بيطبيعتها هي ضد الثورة، ضعوا القديس سان بول في السلطة: يتحول إلى غيزو أو تاليران”.
يوجه باكونين هذا النقد للشيوعية السلطوية: “إنني أكره الشيوعية لأنها انكار للحرية، وأنا لا أستطيع تصور أي شيء إنساني بدون حرية. أنا لست شيوعيا على الاطلاق لأن الشيوعية تضع كل قوى المجتمع بيد الدولة، لأنها تؤدي إلى مركزة الملكية بأيد الدولة، أما أنا فأريد الغاء الدولة، انتزاع جذري لمبدأ سلطة الدولة ووصايتها، الدولة التي كانت وما وزالت تستعبد الناس وتقمعهم وتستغلهم وتفسدهم، بحجة جعل الناس أكثر أخلاقية وتمدنا. إنني أريد تنظيم المجتمع والملكية الجماعية من الأسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل، عن طريق الجمعية الحرة، إنني جماعي، ولست شيوعيا”.
بعد هذا الحديث بقليل انضم باكونين إلى الأممية الأولى حيث تواجه هو ومناصروه ليس بماركس وإنجلز فقط بل آخرون أيضا انتقدوا مواقفه وبشكل أكثر مما فعله منظرا الاشتراكية العلمية: فمن جهة، هناك الديمقراطيون الاجتماعيون الألمان الذين الدولة بالنسبة لهم محاطة بهالة من القدسية والذين يريدون إقامة “دول شعبية” مجهولة عن طريق الانتخاب والتحالفات الانتخابية؛ من ناحية أخرى البلانكيون الذين دعوا لدكتاتورية أقل ثورية، ذات صفة مؤقتة. حارب باكونين هذه المفاهيم السلطوية بشدة، والذين تأرجح ماركس وإنجلز بينهما، لأسباب تكتيكية حتى أعلنوا رفضهم لها بسبب ضغط النقد الأناركي.
أما مواجهة باكونين مع ماركس كانت بسبب تسلط ماركس بطريقة عصبية وشخصية في الأممية الأولى، خصوصا بعد 1870. هذا الصراع الذي دار بشكل رئيسي حول المسألة التنظيمية، أي جمعية العمال الدولية، ولكن لا شك أن كلا الطرفين كانا مخطئين. فباكونين ليس بريئا تماما، إذ أن ما اتهم به ماركس كان غالبا ظالما، بل ويعتريه جزء من سوء النية. لكن ما قد يلفت النظر هو أن باكونين قد أحسن العمل عندما أطلق صرخة تحذيرية منذ العام 1870 ضد بعض المفاهيم التنظيمية للحركة العمالية والسلطة العمالية، وهي مفاهيم سوف تشوه الثورة الروسية بعد هذا التاريخ بوقت طويل. كان باكونين يرى في الماركسية ما هو محق، وأحيانا ما هو ظالم، الذي سوف يشكل لاحقا نواة الللينينية، ثم سرطان الستالينية.
ويتحدث باكونين، بشيء من الخبث عن نوايا ماركس وإنجلز، إذا ما افترضنا عن إضمار الرجلين لهذا، رغم أنهما لم يفصحا عن هذا يوما: “يقال لنا، إن كل العمال لا يمكن أن يكونوا علماء، ألا يكفي أنه توجد في قلب هذه الجمعية، فئة من الرجال تملك علم وفلسفة وسياسة الاشتراكية، وفقا لما تسمح به أيامنا، حتى يمكن للأغلبية، عبر خضوعها الاستسلامي للقيادة، ضمان السير في الخط الذي يجب أن يقود إلى التحرر النهائي للبروليتاريا؟ هذا هو نمط التفكير الذي سمعناه بصورة غير مباشرة، إذا أن البوح بهذا يحتاج إلى الجرأة والرصانة الغير موجودتين، والذي نما سرا مع تحفظات مختلفة، ولبقة إلى حد ما”. ويتابع باكونين هجومه: “بما أنهم بدأوا من مبدأ أنم للفكر أفضلية على الحياة وأن للنظرية أفضلية على الممارسة الاجتماعية، فإنه، يجب أن تكون الثورات الاجتماعية، وإعادة البناء الاجتماعي نقطة البداية، فقد توصلوا إلى نتيجة أن الفكر والنظرية والعلم، هي ملكية حصرية لأقلية من الناس، هذه الأقلية يجب أن تقود الحياة الاجتماعية”. إن الدولة الشعبية المزعومة لن تكون إلا حكومة استبدادية للجماهير الشعبية، عبر ارستقراطية جديدة وصغيرة جدا تتألف من علماء حقيقيين أو مزعومين.
إن باكونين يكن اعجابا كبيرا بقدرات ماركس الفكرية، فقد عزم على ترجمة أبرز مؤلفات ماركس: “رأس المال”، إلى اللغة الروسية، كما أنه كان مؤمنا بالمادية التاريخية. إن باكونين قدر جدا المساهمة النظرية لماركس في تحرير البروليتاريا. ولكن ما رفضه هو أن يمنح التفوق الفكري حق قيادة الحركة العمالية: “إن الادعاء بأن فئة من الأفراد، حتى لو كانت الأكثر ذكاء وصدقا، لها القدرة على أن تصبح قائدة فكرية وروحية وووحدوية وآمرة للحركة الثورية والتنظيم الاجتماعي لكل البلدان، هو هرطقة مخالفة لأبسطج المفاهيم والتجربة التاريخية، وجعلنا نتسأل وباستغراب كبير كيف يمكن لرجل بذكاء ماركس الوقوع فيه. إن قيام دكتاتورية لتلبية حاجات المهندس الرئيسي للثورة العالمية، الذي ينظم ويقود الحركة الجماهيرية المنتفضة في كافة البلدان كما يتم ادارة الآلة، إننا نقول إن قيام هذه الدكتاتورية هو كاف لقتل الثورة، لشل وتشويه كل الحركات الشعبية. ما الذي نقوله إذا عن مؤتمر أممي يفرض على البروليتاريا العالمية حكومة تملك كافة صلاحيات الدكتاتورية، لصالح الثورة؟”
إن تجربة الأممية الثالثة أثبتت أن باكونين رغم مبالغته باسناد مفهوما استبداديا إلى ماركس، وإلى هذه الدرجة من الشمولية، فإن ما حذر منه قد تحقق بعد ذلك بوقت طويل.
أنا بالنسبة لخطر النظام الشيوعي الدولتي فإن اللاجئ الروسي لم يكن أقل تبصرا. فهو يرى أن الاشتراكيون العقائديون يطمحون إلى “وضع الناس في وعود حديدة”. طبعا إنهم يتفقون مع الأناركيين أن الدولة هي عبودية لكنهم يقولون أن الدكتاتورية فقط، أي دكتاتوريتهم، هي القادرة على تحقيق حرية الناس؛ لذا نحن نجيب بأن المغزى من أي دكتاتورية هو بقائها أطول مدة ممكنة. فبدل أن نترك البروليتاريا تدمر بذاتها الدولة، فإنهم يريدون “نقلها إلى أيدي متصدقيها، حراسا ومعلمين، زعماء الحزب الشيوعي”. لكنهم لم يروا أن هذه الحكومة هي دكتاتورية حقيقية “أيا كانت الأشكال الديمقراطية التي تمارسها”، فهم “يعزون أنفسهم بفكرة أن هذه الدكتاتورية هي مؤقتة وقصيرة”. لا، يجيب باكونين. إن هذه الدكتاتورية المؤقتة، سوف تؤدي بدون أدنى شك إلى “إعادة بناء الدولة، والامتيازات، وعناصر اللامساوة والقمع الدولتية، إلى “تشكيل حكومة أرستقراطية تبدأ من جديد باستغلال الناس واخضاعه بحجة الرفاهية المشتركة أو لإنقاذ الدولة”. هذه الدولة سوف تكون “الأكثر شمولية لأنها تتخفى حول ظاهرة مزيفة أي احترام إرادة الشعب”.
لمن باكونين بقي مؤمنا بنجاح الثورة الروسية وبشكل واضح: “فإذا تأخر عمال الغرب كثيرا، فإن التجربة سوف تكون من الفلاحين الروس”. إن الثورة في روسيا سوف تكون أساسا تحررية. ولكن حذار من التالي! فالثوريون يمكن أن يكملوا ببساطة دولة بيار لوغران “القائمة على إنهاء كافة أشكال الحياة الشعبية”، لأنه، “يمكن تغيير عنوان الدولة وشكلها، ولكنها ستبقى في عمقها هي ذاتها”. لذا يجب إما إنهاء الدولة، أو “التصالح مع أكثر الأكاذيب خساسة وخطرا في عصرنا: “البيروقراطية الحمراء”. ويتابع باكونين: “خذو أكثر الثوريين حماسة وضعوه على عرش البلدان الروسية أو امنحوه سلطة دكتاتورية وسوف يتحول قبل سنة ليصبح أسوأ من القيصر ذاته”.
بعد الثورة الروسية سوف يلاحظ فولين أحد محركي الثورة والشاهدين والمؤرخين لها، أن الواقع يتطابق مع رؤية المنظرين. فيتأكد، أن الثورة الاجتماعية والسلطة الاشتراكية هما عنصران نقيضين. لا يمكن التوفيق بينهما “الثورة التي تسترشد بالاشتراكية الدولتية وتقرر مصيرها، ولو بصورة مؤقتة أو انتقالية، هي ثورة فاشلة، إنها تمشي على طريق خاطة، على أكثر المنحدرات حدة. إن كل سلطة سياسية تمنح الامتيازات لمن يمارسها بعد الاستيلاء على الثورة والتحكم بها ولجمها سوف تخلق جهازهات البيروقراطي والقسري، الذي هو أمر مهم لكل دولة تريد البقاء، والقيادة، والأمر أو بكلمة واحدة تريد الحكم. قادة، موظفون، عسكر، شرطة، أعضاء في الحزب الحاكم. كل سلطة تسعى إلى السيطرة على الحياة الاجتماعية. فتعود على الجماهير على أسلوب التبعية، ما يؤدي إلى خنق المبادرة، بسبب وجود هذه السلطة. السلطة “الشيوعية” هي أداة قتل حقيقية. والسلطة المنفوخة عبر منحها الصلاحيات، تهاب كل عمل مستقل. فتبدو لها أي مبادرة مستقلة أمرا مريبا، خطيرا لأن السلطة تريد القيادة، تريدها منفردة. لذا تبدو كل المبادرات الأخرى تدخلا في مجالها وفي صلاحياتها وهو أمر لا يمكن القبول به”.
إذا، لماذا السلطة “المؤقتة” و”الانتقالية”؟ إن الأناركية ترفض بالكامل هذا الزعم. في عشية الثورة الاسبانية 1936 قال دييغو أباد دي سانتيلان عن الاشتراكية السلطوية ما يلي: “إما أن تعطي الثورة الثروة الاجتماعية للمنتجين، أو لا تعطيهم شيئا. فإذا أعطتهم هذه الثروة، وإذا انتظمت وسائل الإنتاج والتوزيع بشكل جماعي، فإن الدولة سوف تنتهي من تلقاء ذاتها. وإذا لم تعطهم الصورة هذا، فإنها ليست إلا خدعة، والدولة ستبقى”. إن هذه الصورة تعتبر لدى البعض مبسطة بعض الشيء، ولكنه ليس مبسطا وفقا لما يريده الأناركيون حقا: فهم ليسوا ساذجين ليتصوروا أن الدولة وبقاياها سوف تزول بين ليلة وضحاها، هم يريدون القضاء على هذه البقايا بأسرع وقت ممكن، فيما السلطويون مسرورون لفكرة بقاء الدولة الانتقالية المسماة بالعمالية.
http://blackcat-elibrary.atwebpages.com
الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 5
العداء للديمقراطية البرجوازية
يرفض الأناركي بشدة خدعة الديمقراطية البرجوازية، أكثر مما قد يفعل الاشتراكي السلطوي.
إن الدولة الديمقراطية البرجوازية التي تسمى “أمة” ليست أقل خطوة من الدولة الاستبدادية القديمة كما يرى شتيرنر: “كان الملك ملكا بائسا، مقارنة بالملك الجديد، أي سيادة الأمة. إن الليبرالية تكمل فقط الاحتقار القديم الذات. طبعا، لقد انتزعت مع الوقت امتيازات عديدة ولكن ليس إلا لصالح الدولة وأبدا ليس لتقوية الذات”.
أما برودون فيرى “أن الديمقراطية ليست أكثر من تعسف دستوري”. وقد أعلن سيادة الشعب بخداعه آبائنا. لكن في الواقع إن هذا الشعب هو ملك دون ملك، قرد الملوك، لا يحمل من عظمة الملك إلا الاسم. إنه ملك لا يحكم. إنه يفوض سيادته بالممارسة الدورية للاقتراع العام، معلنا استسلامه كل ثلاث أو خمس سنوات. وإذا طرد الملم، فما زالت الملكية محفوظة، مصانة، منظمة على قدر حسن من التنظيم. إن ورقة الاقتراع بين يدي شعب لم يثقف عمدا، ليس إلا خدعة لعينة لا تفيد إلا سادة الملكية والتجارة والصناعة.
ويرى باكونين “أن النظام التمثيلي لا يضمن مصالح الشعب على الاطلاق، بل يضمن الوجود الدائم للحكومة الارستقراطية ضد الشعب”. إن الاقتراع العام هو مراوغة، كمين، حماية، وقناع “تختبئ سلطة الدولة الاستبدادية خلفه مرتكزة على المصارف والشرطة والجيش”، إنه “وسيلة بارعة لقمع وسرقة الشعب باسم الاردة الشعبية المزعومة”.
لا يؤمن الأناركي بالتحرر من خلال ورقة الاقتراع. يوضح برودون، على الأقل على المستوى النظري، إنه متغيب. يعتقد أن “الثورة الاجتماعية هي مشوهة إذا ما كانت ثورة سياسية”. الاقتراع غير منطقي بحد ذاته، إنه عمل متخاذل، دعم للنظام الفاسد:”حتى نقوم بحرب على كافة الأحزاب القديمة، يجب أن لا يكون البرلمان حلبة النضال الشرعي، بل خارجه”. الاقتراع العام هو الثورة المضادة. وينبغي على البروليتاريا أن تنشق أولا على الديمقراطية البرجوازية كي تكون طبقة اجتماعية في حد ذاتها”.
لكن برودون في ممارساته النضالية لم يطبق دائما هذا المبدأ، فقد انتخب نائبا في 1848 وانزلق في الدبق البرلماني، ثم في الانتخابات النيابية في أيلول 1848. وفي الانتخابات الرئاسية في 10 كانون الأول من السنة نفسها، دعم ترشيح راسباي أحد زعماء اليسار الثوري، والذي كان مسجونا آنذاك. حتى أنه توجه إلى أكثر من ذلك فقد اعتنق تكتيك “الأقل سواء” مفضلا الجنرال كافيناك، مرتكب مجازر البروليتاريا الباريسية على الدكتاتور المبتدئ لويس نابليون. بعدها بفترة طويلة، في انتخابات 1863 و1864 دعا برودون إلى الاقتراع بورقة بيضاء كتعبير عن المعارضة للدكتاتورية الامبراطورية ولكن ليس معارضة لمفهوم الاقتراع بحد ذاته، الذي وصفه في تلك الفترة بالمبدأ “الديمقراطي الأمثل”.
رفض باكونين وأنصاره في الأممية الأولى صفة “المتغيبين” التي أطلقت عليهم من قبل الماركسيين بهدف مهاجمتهم. فمقاطعة الاقتراع ليست مبدأ أساسيا لهم، بل مسألة تكتيكية. ورغم أنهم أكدوا على أولوية الصراع الطبقي على المستوى الاقتصادي إلا أنهم رفض أن يقال لهم “غير مهتمين للسياسة”. فهم لم يرفضوا السياسة بالمطلق ولكن رفضوا السياسة البرجوازية. وقد رفضوا أن تأتي الثورة السياسية قبل الثورة الاجتماعية. لقد عارضوا الحركات السياسية التي لا تحمل تحرير الطبقة العاملة كهدف مباشر وفوري. لقد استنكروا التحالفات الانتخابية الملتبسة مع الأحزب البرجوازية الراديكالية كما 1848 أو الجبهة الشعبية كما نسميها اليوم.
تخوف باكونين وأنصاره أن يتحول العمال المنتجون إلى نواب أيضا، فيعيشون حياة البرجوازية ويصبحون رجال دولة لا عمال، وبالتالي يتحولون إلى برجوازيين، وربما أكثر برجوازية من البرجوازيين أنفسهم.
إن موقف الأناركيين إزاء الاقتراع العام هو بعيد كل البعد عن التماسك والوضوح. فيرى بعضهم أن الاقتراع هو أفضل من لا شيء. وهناك المعارضين الصلبين الذين يذمون استعمال هذا الاقتراع، أيا كانت الظروف، ويدخلون هذه القضية في خانة الاخلاص العقائدي. وفي هذا الاطار رفض مالاتيستا التنازل خلال انتخابات اتحاد اليسار الفرنسية في أيار 1924، ففي بعض الظروف قد تاتي الانتخابات بنتائج سيئة أو حسنة وإن النتيجة أحيانا قد يقررها اقتراع الأناركيين، لا سيما عندما تكون القوى السياسية المتنافسة متساوية تقريبا. وفقا لمالاتيستا “لكن لا يهم، فحتى لو حققت الانتصارات الانتخابية بعض التطورات الايجابية الصغيرة، فإن الأناركيين يجب أن يمتنعوا عن التوجه إلى صناديق الاقتراع”. وينتهي قائلا:”إن الأناركيين مارسوا دائما السياسية النقية ويبقون الحزب الثوري الأفضل، حزب المستقبل لأنهم لم يستجيبوا للدعوة الانتخابية”.
هناك العديد من الأمثلة على الممارسات المتنوعة للعقيدة الأناركية، خصوصا في اسبانيا. فسنة 1930، تحالف الأناركيون مع الأحزاب الديمقراطية البرجوازية للقضاء على الدكتاتور بريمو دو ريفييرا. ففي السنة التالية، رغم تغيبهم المعلن عن الانتخابات فقد شاركوا بقوة في الانتخابات البلدية ما عجل إسقاط الملكية. وفي انتخابات 19 تشرين الثاني 1933 دعا الأناركيون إلى عدم المشاركة بالانتخابات، فأتت الانتخابات باليمين المتطرف المعادي للعمال إلى الحكم ولمدة سنتين. ولكنهم أعلنوا أنه في حال وصلت القوى الرجعية إلى السلطة بفضل الاقتراع فإنهم سوف يشعلون الثورة الاجتماعية.وهذا ما حالوا القيام به، ولكنهم فشلوا، بخسارة جسيمة (شهداء، جرحى، سجناء). وفي مطلع سنة 1936، عند شكلت الأحزاب اليسارية تحالفا في الجبهة الشعبية، تضارب الموقف الذي يجب اتخاذه في صفوف الأناركيين النقابيين.
في النهاية، اتخذت موقفا بعدم التصويت، ولكن الحملة كانت صامتة، وشاركت الجماهير بالتصويت بشدة. وبالفعل انتصرت الجبهة الشعبية. تجدر الاشارة إلى أنه بالرغم من الرفض الشديد للأناركيين للديمقراطية البرجوازية إلا أنهم يرونها تقدمية نسبيا. فشتيرنر الأكثر معارضة يصف الاقتراع من حين لآخر بالتقدمية. ويقول برودون “إن هناك تقدما في الانتقال من الدولة الملكية إلى الدولة الديمقراطية”؛ أما باكونين: “لا يظنن أحد أننا ننتقد الحكومة الديمقراطية لصالح الملكية، إن الجمهورية الأكثر سوءا هي ألف مرة أفضل من الملكية الأكثر تنويرا. إن النظام الديمقراطي يتقدم بالجماهير شيئا فشيئا إلى الحياة العامة”، وهذا ما يعطي الصحة لقول لينين إن “بعض الأناركيين” يعلمون أن “شكل القمع لا يهم بنظر البروليتاريا”. وفي الوقت ذاته تصبح شكوك هنري أرفون في كتابة الصغير الأناركية شكوكا خاطئة، من أن الموقف الأناركي المعادي للديمقراطية يلتقي مع الموقف اللا ثوري المعادي للديمقراطية.
الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 4
رعب الدولة
من بين كل الأفكار التي تعمي الإنسان منذ القدم، بالبنسبة للأناركي هي فكرة الدولة، أكثر الأفكار شؤما. يعلنها شتيرنر “الخلود الأبدي تملكه الدولة”.
يهاجم برودون بقوة “وهم أفكارنا هذا ويرى أن الواجب الأول للكائن الحر والعقلاني هو رميها في المتاحف والمكتبات”. ثم يبدأ بالشرح مفككا هذه الآلية: ” إن ما هيأ عقول الناس وأحاط الدولة بهذه الهالة من السحر هو أن الحكومة قدمت للناس أنها مؤسسة عدلية طبيعية تقوم بحماية الضعيف”. ويهاجم برودون السلطويين الذين ينحون أمام السلطة كما ينحني وكلاء الكنيسة أمام القربان المقدس، وينتقد بشدة “جميع الأحزاب دون استثناء” التي تتوجه “دائما نحو السلطة الاستبدادية، وكأنها المحور الوحيد”، ويعبر عن أمله في مجيء ذلك اليوم الذي يحل فيه “نكران الدولة محل الايمان بالسلطة والكتب السياسية”.
يسخر كروبوتكين من البرجوازيين الذين “يعتبرون الناس كتجمعات همجية سوف تقتل بعضها البعض إذا ما توقفت الحكومة عن العمل”. أما مالاتيستا، فيستبق المحلليين النفسيين، ويكتشف الخوف من الحرية الذي يسكن لاوعي “السلطويين”.
ما هو الخطأ بالدولة وفقا للأناركيين؟
يشرح شتيرنر هذا قائلا: “نحن الاثنان، الدولة، وأنا، عدوان. كل دولة هي الاستبداد، سواء كان استبداد فرد، أو عدة أفراد”. كل دولة هي بالضرورة كما نسميها اليوم دولة شمولية: “للدولة هدف واحد دائما: الحد من، السيطرة على، واخضاع، إرادة الفرد، للهدف العام. الدولة تحاول برقابتها، مراقبتها، شرطتها، إعاقة أي نشاط حر وترى أن هذا القمع هو من واجبها لأن بقائها يرتكز عليه”. “الدولة لا تسمح لي إيصال أفكاري للآخرين والاستفادة منها إلا إذا تماثلت مع أفكارها، أي إنها تخرسني”.
يتابع برودون في ذات الموضو فيقول: “إن حكم الإنسان للإنسان: عبودية، أي إنسان يحكمني بوضع اليد، ليس إلا مغتصب ودكتاتور، إنه عدوي”. يتابع برودون مهاجما كما موليير وبيوماشيه: “الإنسان الذي يعيش في ظل حكم معين يصبح كالموقوف، المحقق معه، المتجسس عليه، المقاد، يصبح موضوع تشريع، وتنظيم، كالمسجون، المغسول دماغه، الموعوظ، المفتش، المقدر، المراقب، والمأمور من قبل كائنات لا تملك الصلاحية ولا العلم ولا الفضيلة. العيش في ظل حكم معين يعني خضوع الإنسان لمن يقدر أعماله، أن يكون مسجلا، عددا، سعرا، مطبعا، ينظر اليه بازدراء، كرقم، يدفع مكرها ضرائبه، مرخصا له أن يتبع، يوبخ، يمنع، يصلح، يقوم ويصحح. العيش في ظل الحكومة يعني استغلاله، التضحية به، استخدامه، احتكاره، ابتزازه، عصره، خداعه، سرقته، تحت ذريعة المنفعة العامة وباسم المصلحة العامة، وعند أدنى مقاومة، عند أول استنكار، يتم قمعه، تغريمه، اهانته، ملاحقته، تعنيفه، قتله، تقييده، سجنه، رميه بالرصاص، محاكمته، استبعاجه، التضحية به، بيعه، غدره، وأكثر من كل هذا، يلعب به، يهزأ منه، يشتم، يفضح. هذه هي الحكومة، هذه هي العدالة، هذه هي الأخلاق، أيتها الشخصة الانسانية، أيعقل أن تبقي لأكثر من قرنيا في هذه السفالة؟”
وفقا لباكونين، الدولة هي “تجريد يفترس حياة الناس، مقبرة هائلة لكافة القوى الفاعلة في البلاد يضحون بأنفسهم، ويطمرون فيها جميع طموحاتهم الحقيقية، باسم هذا التجريد”. وفقا لمالاتيستا، “الحكومة هي أبعد ما تكون عن إنتاج النشاط والحيوية، إنها تبدد، تشل وتحطم بسبب طريقة عملها ثروات هائلة.
وكلما توسعت صلاحيات الدولة وبيروقراطيتها، كلما ازداد الخطر. وفي رؤية تنبؤية يعلن برودون عن كارثة القرن العشرين وهي: “إن الوظائفية سوف تؤدي إلى شيوعية الدولة، مبتلعة الحياة المحلية والشخصية وفقا للآلية الادارية، مهدمة كل فكر حر. وسوف يلجأ كل الناس إلى السلطة، على حساب الجماعية”. لقد حان الوقت لإيقاف هذا: “إن هذا المركز بقوى أكثر فأكثر إلى درجة لم يعد من الممكن أن يعيش المجتمع والحكومة معا”. إن كل الدولة، من الأعلى إلى الأسفل، ليس إلا اغتصاب يجب تقويمه، وفوضى يجب الغاؤها، أداة قهر يجب هدمها.” ومع هذا هؤلاء الذين “يتحدثون عن حماية الدولة، عن زيادة صلاحياتها، عن تعزيز سلطتها، ليسوا ثوريين على الاطلاق!”.
كان لباكونين رؤية واضحة ومشابهة لإزدياد استبداد الدولة. لقد رأى أن قوى الثورة المضادة العالمية، “القائمة على موازنات ضخمة، جيوش نظامية، وبيروقراطية هائلة” وقال “مع كل تلك الوسائل المروعة للعمل المقدمة لهم من قبل المركزية الحديثة”، تصبح “واقعا مهددا، مدمرا، وهائلا”.
الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 3
ثورة عميقة
الأناركية يمكن أن توصف وقبل كل شيء بأنها ثورة عميقة. إن الأناركي قبل كل شيء هو إنسان ثائر. هو يرفض المجتمع بأكمله مع حراسه. يقول ماكس شتيرنر أن الأناركي هو الذي يحرر نفسه من كل ما هو مقدس، وينفذ عملية واسعة من إزالة التكريس. هؤلاء مشردي الفكر، الأشخاص السيئين، فبدل أن يعتبروا ما يقدم لآلاف الناس من راحة وعزاء حقائق لا تتزحزح، يقفزون على الحواجز التقليدية ويستسلمون دون عائق، لزوات نقدهم الوقح.
رفض برودون كل “الأمة الرسمية”، الفلاسفة، الكهنة، القضاة، الأكاديميون، الصحفيون، البرلمانيون، وغيرهم. “فهؤلاء، يرون الشعب وحش يجب محاربته، يجب كمه وتقييده، يجب إدارته كوحيد قرن أو فيل، ترويضه بالجوع، وهدر دمائه بالاستعمار والحرب”. يشرح اليزيه ريكلوس، لماذا يحافظ هؤلاء المحظوظون على هذا المجتمع: “لأن هناك أغنياء وفقراء، آمرين ومأمورين، أسياد وخدم، قياصرة يأمرون بشن الحروب وجنود يذهبون للموت، ولا يبقى أمام المدركين إلى الوقوف إلى جانب الأغنياء والأسياد، والأباطرة.
إن حالة الثورة الدائمة التي تعشيها الأناركي تدفعه للتعاطف مع اللانظاميين، الخارجين عن القانون، تدفعه للدفاع عن ذلك المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، عن هؤلاء المنبوذين. ويذهب باكونين إلى أنه من الظلم أن يتكلم ماركس وإنجلز عن “البروليتاريا الرثة” باحتقار عميق، فيرى أنه “في هذه البروليتاريا فقط تكمن روح وقوة الثورة الاجتماعية المستقبلية، وليس في الأغلبية المتبرجزة من الطبقة العاملة.”
هل تعلم أن بالزاك الأديب الفرنسي الشهير يقول أقوال يؤيدها الأناركي، يقولها من فم فوترين أحد الأبطال المتمردين والمجرمين، كتجسيد قوي للثورة الاجتماعية.
http://blackcat-elibrary.atwebpages.com/
الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 2
الأفكار الرئيسية للأناركية
مسألة الكلمات
إن كلمة الأناركية هي كلمة قديمة قدم العالم. مصدرها كلمتان من اللغة اليونانية القديمة: “آن” و”اركي”، وتعني إلى حد كبير غياب السلطة والحكومة. لكن، المقولة التي سادت على مر السنين والقائلة أن الناس لا يمكنهم أن يعيشوا دون سلطة أو حكومة جعلت لهذه الكلمة معنى آخر: لقد أصبحت مرادفة للفوضى، اللبلبة، وعدم التنظيم.
بيير جوزيف برودون المعروف بسخريته (مثل الملكية هي السرقة) واتخذ لنفسه لفظة الأناركية. وكأنه أراد أن يصدم الناس بقدر الامكان، في العام 1840 انخرط في هذا الحوار مع “محافظ تقليدي”:
“هل أنت جمهوري؟”
“جمهوري، نعم، لكن هذا لا يعني شيئا، الجمورية هي شيء عام، الملوك جمهوريون أيضا”
“إذا ! فأنت ديمقراطي.
“كلا”.
“ماذا ! ربما تكون ملكيا؟”
“كلا”.
“إذا دستوري؟”
“معاذ الله”.
“إذا فأنت أرستقراطي؟”
“على الاطلاق”.
“هل تريد حكومة مختلطة؟”
“اطلاقا”.
“إذا ماذا تكون؟”
“أنا أناركي”.
أحيانا كان يقوم بالتنازل عن لفظة أناركي، ليلفظها بشكل مركب “أنا-اركي”. بهذه الكلمة هم فهم كل شيء ما عدا الفوضى. رغم الظواهر، كان بناء أكثر من كونه هدام، كما سنرى. كان يرى أن الحكومة مسئولة عن الفوضى وآمن أنه فقط مجتمع بدون حكومة يمكن يستعيد النظام الطبيعي ويعيد خلق الانسجام الاجتماعي. وأكد أن اللغة لم تعطه كلمة أخرى واختار أن يستعيد الكلمة القديمة أناركية معناها الأساسي الاشتقاقي.
في سخونة المجادلات الانفعالية، ثشبث باستخدام كلمة أناركية معناها المبتذل للفوضى، ما جعل التشويش مرتبكا أكثر. كما تبعه تلميذه ميخائيل باكونين أيضا.
قاد برودون وباكونين هذا إلى ما هو أبعد، متخذين سرورا ماكرا في اللعب مع التشوش الذي خلق عبر استخدام معنين متنقاضين للكلمة: بالنسبة لهم، الأناركية كانت الفوضى الأكثر هولا، والتشويش الأكثر كمالا للمجتمع، وما بعد هذا التغيير الثوري الضخم، بناء نظام جديد، مستقر، وعقلاني مرتكز على الحرية والتضامن.
التلامذة المباشرين لهذين الأبوين للأناركية ترددوا قي استخدام هذه اللفظة المرنة، والتي تحمل فكرة سلبية للغير مثقفين، وتضع نفسها في حالات غموض يمكن أن تكون مزعجة على أبعد تقدير. حتى برودون أصبح أكثر حذرا في نهاية حياته السياسية الصغيرة وكان سعيدا في تسمية نفسه “فيدرالي”. في حين فضل أتباعه من البرجوازيين الصغار مصطلح التبادلية على الأناركية، والتيار الاشتراكي تبنى الجماعية، وقريبا سوف تتنحى من قبل الشيوعية. في نهاية القرن الثامن عشر، قبل سيباستيان فور بمصطلح نشأ في العام 1858 من قبل جوزيف ديجاك كعنوان لمجلته، التحررية. اليوم مصطلحي فوضوي وتحرري أصبحا قابلان للتبادل.
غير أن أغلب هذه العبارات كان لها ضرر رئيسي: عدم توضيح الخصائص الأساسية للمذاهب التي كان من المفترض وصفها. الأناركية هي حقا مرادف للاشتراكية. إن الأناركي يهدف أولا لإنهاء استغلال الإنسان من قبل الإنسان. الأناركية ليست إلا إحدى تيارات الفكر الاشتراكي، إن ذلك التيار الذي مكوناته هي السعي للحرية والسرعة لإنهاء الدولة. أدولف فيشير، أحد شهداء شيكاغو، قال: “إن كل أناركي اشتراكي، ولكن كل اشتراكي ليس بالضرورة أن يكون أناركي”.
بعض الأناركيين الذين يعتبرون أنفسهم أفضل الاشتراكيين وأكثرهم منطقية، قاموا بربط المصطلح بالارهابيين أيضا، أو سمحوا للآخرين ربطها حول أعناقه. هذا جعلهم أحيانا كجسم غريب في العائلة الاشتراكية ما أدى إلى سقوط سلسلة طويلة من سوء التفاهم والمعارك الكلامية – عادة بلاد هدف جاد. بعض الأناركيين المعاصرين حاولوا توضيح سوء الفهم بتبني تعابير أكثر وضوحا: يصفون أنفسهم بالاشتراكية أو الشيوعية التحررية.
الأناركية من النظرية إلى الممارسة / 1
دانييل غيران
مقدمة
مؤخرا كان هناك تجديد للاهتمام بالأناركية. كرست كتب، كتيبات، وأدبيات لهذا الغرض. هناك تردد في ما إذا كان هذا المسعى الأدبي مؤثرا جدا. من الصعب جدا تتبع الخطوط العامة للأناركية. فمن النادر أن وضع مفكروها البارعين أفكارهم في أعمال منظمة. وإذا ما حاولوا فعل هذا، فعلوها فقط في كراريس صغيرة تهدف للدعاية والترويج للأناركية، لذا لا يمكن إلا ملاحظة أجزاء قليلة من أفكارهم. علاوة على هذا، هناك عدة حركات أناركية والعديد من الاختلافات في أفكار التحرريين العظماء.
رفض السلطة والتأكيد على أولوية الحكم الفردي يجعل من الطبيعي أن لا تكون معتقدا جامدا. يقول برودون في رسالة له إلى ماركس، “دعونا لا نكون زعماء الدين الجديد حتى لو كان هذا الدين دين المنطق والعقل”. وهذا يترتب أيضا على وجهة نظر عدد من التحرريين ما يجعلها أكثر اختلافا، وأكثر فهما من هؤلاء الاشتراكيين السلطويين الذين أقاموا كنائس منافسة لفرض معتقداتهم على المؤمنين.
قبل إرساله للمقصلة، كتب المتمرد إيميل هنري رسالة إلى حاكم السجن بينما كان ينتظر تنفيذ الاعدام، يقول فيها: “إحذر من أن تظن أن الأناركية هي عقيدة، مذهب فوق السؤال والمناقشة، إنها تبجل مفكريها كما يبجل القرآن من قبل المسلمين المؤمنين”. لا، إن الحرية المطلقة التي نطلبها باستمرار تطور تفكيرنا بشكل ثابت وترفعه نحو آفاق جديدة (وفقا لطريقة تفكير الأفراد المختلفين)، مخرجة إباه من الاطار الضيق للتعليم والتصنيف. إننا لسنا مؤمنين!، لقد استمر هذا الثائر برفض “الايمان الأعمى” لماركسيين الفرنسيين في تلك الفترة: “الذين يعتقدون أن غيسد قال أن الواحد يجب أن يعتقد به، لقد أصبح لديهم كتاب مقدس، وسوف يكون تدنيسا له أن يستجوب أجد بنوده”.
بالرغم من التنوع والغنى في الفكر الأناركي، بالرغم من التناقضات والنزعات الفكرية التي تركز غالبا على قضايا خاطئة، فإن الأناركية هي مجموعة متجانسة من الأفكار. للوهلة الأولى يبدو أن هناك اختلافات واسعة بين الأناركية الأنانية (شتيرنر) والأناركية الاجتماعية. لكن إذا قمنا بنظرة أعمق على الموضوع، نجد أن مناضلي الحرية المطلقة ومناضلي التنظيم الاجتماعي ليسوا متباعدين عن بعضهم البعض. فالأناركي الاجتماعي هو أيضا مناضل أناني والأناركي الأناني هو أيضا مناضل اجتماعي الذي يخاف الاعلان عن نفسه.
الوحدة النسبية للأناركية الاتجتماعية تنشأ من الحقيقة وبأنها تطورت خلال مرحلة واحدة من قبل إثنين، الأول هو الفرنسي جوزيف بيير برودون، والثاني هو المنفي الروسي ميخائيل باكونين. والأخير قام بتطوير البرودونية كثيرا ونحو النهاية.لقد طور هذا النوع نحو الجماعية.
ورثته رفضوا هذا التعبير وأعلنوا أنهم شيوعيين (شيوعيين تحرريين). أحدهم، هو المنفي الروسي الآخر، بيتر كروبوتكين، الذي وجهها نحو الخيالية والتفاؤلية بشكل كبير ولكنه كان ذو نظرة “علمية” ضعيفة. الايطالي إيريكو مالاتيستا، من ناحية أخرى توجه نحو النشاط الجريء والطفيلي في بعض الأحيان ولكنه أغنى التفكير الأتاركي بعنده ومجادلاته الانفعالية في أغلب الأحيان. وقد أنجبت تجربة الثورة الروسية الأناركي الأكثر من رائع فولين.
النضالات الأناركية في نهاية القرن التاسع عشر كانت مثيرة وقصصية ودموية. ولكنها كانت نضالات ناشئة عن الطاقات والشجاعة الفردية، الأمر الذي ينال الاحترام، وقد استحوذت على اهتمام الرأي العام لنضالها ضد الظلم الاجتماعي؛ لكن يبدو هنا أن هذا انحرافا مؤقتا وعقيما في تاريخ الأناركية. تبدو نهايتها التاريخية. لقد قلل واهمل هذا الخاصائص الاساسية لمفهوم إعادة التنظيم الاجتماعي. وعندما ندرس هذا المفهوم نجده بناء وليس هدام، كما يدعي معارضوه. هذه السمة البناءة للأناركية سوف تقدم للقارئ في هذه الدراسة. على أي قاعدة؟ لأن الموضوع المدروس يتعلق بالحياة، ويشكل أحد أكثر المشاكل حدة من أي وقت مضى. وقد أظهر المفكرين التحرريين حاجات أوضاعنا الراهنة إلى حد بعيد.
هذا الكتاب الصغير، لا يهدف إلى نسخ التواريخ ونشر تاريخ الأناركية. مؤلفوا هذا كانوا علماء، غير مهتمين بالأسماء، مسحورين بالتشابهات السطحية، لقد اكتشفوا عددا من رواد الأناركية. قدموا قيمة متساوية لكل مفكر وزميله، وأعطوا بالتفاصيل الأحداث المتعلقة بسيرته بدلا من الدراسة المعمقة لأفكاره. تاركين مجلدات تملئ القارئ بالتشتت، والتنافر، ويبقى سؤاله ما هي الأناركية؟ حاولت هنا بطريقة مختلفة. إنني أرى أن حياة مفكري الفكر التحرري معروفة. رغم أن الاضاءة على بعضهم أقل من بعض الكتاب الآخرين. العديد من هؤلاء المفكرين كانوا أناركيين في حياتهم ونشاطهم ولكن كان هناك جوانب في حياتهم لم تكن أناركية.
مثلا، برودون كان محافظا في التفكير، كان مهمتما بقضاشا الدين وكان فيها بعيدا عن التحررية. ورغم أنه كان معاد للكهنوتية، لكنه قبل بعدد من الكهنوت الكاثوليكي، وفقا لتفسيراته الخاصة، قال بأن التدريب والتوجيه الأخلاقي للناس يمكن أن يستنبط من الرموز المسيحية، وفي النهاية كان جاهزا لسرد الصلاة. لا يشار إلى هذا غالبا وإلى تحيته للحرب، وهجائه للنساء، وتمييزه العنصري احتراما لذكراه.
زميله باكونين، لم يكن لنشاطه في الشباب أي ارتباط بالأناركية. فقد اعتنق الفكر الأناركي في 1864 بعد فشل الانقلاب البولندي الذي كان جزءا منه. كتاباته السابقة ليست جزءا من الأدب الأناركي اليوم. أما كروبوتكين، فقد كان عالما، ويحتفل بأعماله اليوم في الاتحاد السوفييتي كإحدى أبرز الشخصيات في دراسة الجغرافية الوطنية، ولم يكن له تعارف على الأناركية إلا خلال الحرب العالمية الأولى.
بدلا من التسلسل التاريخي والزمني بالكتب العادية في هذا الكتاب: سيقدم للقارئ تباعا المواضيع البناءة الرئيسية للأناركية، وليس للشخصيات. حذفت متعمدا العناصر الغير متفق عليها في الأناركية، مثل نقد الرأسمالية، الالحاد، ضد العسكرية، الحب الحر، الخ. ولم أستخدم أي إدلاء غير مدعم بالدليل، واستعنت بالاقتباسات قدر الامكان. ما يعطي وصولا للقارئ إلى أفكار المفكرين الحية والدافئة كما كتبوها أصلا.
كذلك، في الزوايا المختلفة، أوضحت المراحل العظيمة التي اختبرت في أحداث الثورة الروسية، ايطاليا، والثورة الاسبانية. ويعالج الفصل الأخير بلا شك أكثر الأفكار الاصيلة للأناركية: الادارة الذاتية العمالية كما طورت في عصرنا الحديث في الجزائر، ويوغوسلافيا، وربما قريبا في الاتحاد السوفييتي.
في هذا الكتاب الصغير، سيرى القارئ مفهومين للاشتراكية يتغيران حينا ويرتبطان حينا آخر، واحدة سلطوية، وأخرى تحررية. في نهاية هذا التحليل القارئ سوف يسأل نفسه عن المستقبل.
الثورة المجهولة / 12
الثورة المجهولة / 11
و نحن لا نعرف حقا ما حدث له بعد ذلك . لكن وفقا لمصادر نعتبرها فوق الشبهات , أنه قد تحول في النهاية ضد الـ ((بلاشفة) و أنهم بدورهم قد قتلوه رميا بالرصاص .
الثورة المجهولة / 10
هنا يجب أن نوضح أن هذه الخدعة لم تنطل على الأحزاب الثورية . إذ اعتبروا المانفستو مناورة سياسية ساذجة و بدأوا على الفور في شرح الأمر لجماهير العمال . و لم يكن العمال أقل ريبة . و قد بدا أن العمال قد أنهوا الإضراب كما لو كانوا قد حصلوا على مبتغاهم , أو كما لو كانوا قد وثقوا في حصولهم عليه . لكن الحقيقة أن انتهاء الإضراب كان علامة على افتقاد الثورة لقوة الدفع و تعذر ذهابها أبعد من ذلك . فلم تكن هناك أي علامة رضا حقيقي . و لم يبادر الشعب لإستخدام “حقوقه الجديدة” , التي أدرك بشكل حدسي طابعها الإحتيالي . و هو ما تم تبينه بسرعة . إذ فرّقت الشرطة المظاهرات السلمية التي خرجت في العديد من المدن للإحتفال بـ “النصر” و بـ “النظام الجديد” الذي وعد به القيصر . ثم تلا ذلك مذابح اليهود . بينما خلّدت الجدران مانفستو القيصر .

پێویستە لە ژوورەوە بیت تا سەرنج بنێریت.