في مواجهة هرميات واكراهات الاشتراكية السلطوية يطرح الأناركي مصدرين للابداع: الفرد، وعفوية الجماهير. ووفقا لما قد يكون عليه الأناركي، فرديا أكثر منه اجتماعيا، أم اجتماعيا أكثر منه فرديا. ولكن كما لاحظ أوغستين هامون في استطلاع للرأي أنه لا يمكن تصور أناركي غير فردي.
أعاد شتيرنر الاعتبار للفرد في عصر كان يهيمن عليه المفهوم الهيغلي المعادي للفردية، على المستوى الفلسفي، وعلى مستوى النقد الاجتماعي، كانت الأنانية البرجوازية قد دفعت بغالبية الاصلاحيين إلى إبراز النقيض لهذه الأنانية: ألم تولد كلمة الاشتراكية كنقيض للانانية؟
يؤكد شتيرنر على قيمة الفرد “الفريد”، أي الذي لا شبيه له إطلاقا، والذي وضعت الطبيعة منه نسخة واحدة (وهذا ما تؤيده أبحاث البيولوجيا)، ولمدة طويلة بقي هذا الفيلسوف منعزلا على دوائر الفكر الأناركي، كشخص غريب الأطوار، لا يتبعه إلا الفرديين “المتمسكين بخطاياهم”. لكن اليوم فإن عظمة وجرأة ما قاله تبدو واضحة جدا. وحقا، يبدو أن مهمة العالم المعاصر تكمن في إنقاذ الفرد من جميع ما يرزح تحت عبئه، من المصطنعات إلى الخضوع الكلي. في مقالة لسيمون ويل في العام 1933 تتذمر سيمون لعدم وجود أجوبة في الأجب الماركسي على الأسئلة التي تطرح عن ضرورات الدفاع عن الفرد ضد الأشكال الجديدة للقمع التي تبت القمع الرأسمالي الكلاسيكي. وبالفعل إن هذا الشق خطير فعلا، لكن شتيرنر أجاب عن هذا ثيل أواسط القرن التاسع عشر.
شتيرنر هو كاتب ذو أسلوب حاد، ينقر نقرا، يعبر عن أفكاره بقرقعات تشبه الأقوال المأثورة: “لا تبحثوا في نكران الذات عن حرية تنكر أبسط طبائعكم، بل ابحثوا عن طبائعكم … دعوا كل واحد منكم يكون قويا”. لا يوجد إلا تلك التي ينتزعها الفرد بنفسه. فالحرية المقدمة، الممنوحة، ليست حرية بل “سلع مسروقة”. “ليس هناك من حاكم غيري يمكنه أن يقرر إذا ما كنت على حق أو لا”. “إن الأشياء الوحيدة التي لا يحق لي القيام بها، هي تلك التي التي لا أقوم بها برأيي الحر”. “لك الحق في أن تكون ما تقوى على أن تكون عليه”. إن ما تقوم به تقوم به كونك فريد: “لا تستطيع الدولة، ولا المجتمع ولا الإنسانية أن تخضع هذا الشيطان”.
حتى يتحرر الفرد، عليه البدء بإعادة النظر بما لقنه إياه والديه ومعلموه. عليه القيام بعملية واسعة “لنزع القدسية عن ما تعلمه منهم. بدءا مما يسمى الأخلاقية البرجوازية:”مثل البرجوازية نفسها، التي لها حقلها الخاص، الأخلاقية البرجوازية ما تزال قريبة جدا من جنة الدين، ليست حرة بما فيه الكفاية، تستعير من البرجوازية قوانينها لتعيد زرعها في حقلها الخاص، بدلا من أن تخلق مذاهبها الخاصة والمستقلة”.
ينتقد شتيرنر الأخلاقية الجنسية على وجه الخصوص. إن رسل العلمانية من الأخلاقية الجنسية ذات موقف المسيحية. إنهم يرفضون الاستماع لنداءات الجسد. يسعون بجهد لمحاربة الجسد. يصفعون وجه اللأخلاقية. هذه الأحكام المسبقة الأخلاقية التي علمتهم إياها المسيحية تملك حصنا قويا بين الجماهير الشعبية: “يدفع الناس بشراسة الشرطة لمحاربة كل ما يبدو أنه غير أخلاقي أو غير لائق، وهذه الشراسة الشعبية المدافعة عن الأخلاقية تحمي مؤسسة الشرطة أكثر مما تستطيع القيام به الحكومة ذاتها”.
مستبقا علم النفس المعاصر، يلاحظ شتيرنر وينقض الاستبطان (أي جعله من الباطن). منذ طفولتنا، يتم إطعامنا الأحكام الأخلاقية المسبقة، حتى تصبح الأخلاق “قوة داخلية لا يمكنني التخلص منها”. “إن قمع هذه الأخلاقية هو أقسى عشر مرات لأنه يصرخ في وعيي”. “يدفع الشباب للمدارس كالقطعان حتى يتعلموا الأقوال المتكررة والقديمة وعندما يحفظونها غيبا يصبحون راشدين”. يعلن شتيرنر أنه محطم للهياكل الدينية: “إن الله، الوعي والواجبات والقوانين ليست إلا أكاذيب وهرطقات حشوا أدمغتنا وقلوبنا بها”. إن السحرة والمفسدين الحقيقيين للشبان هم رجال الدين والأهالي الذين “يعطلون قلوب الشباب ويخدرون روؤسهم بالحماقات”. إذا كان هناك عمل يأتي من الشيطان فهو ذلك الصوت الالهي الخاطئ الذي أدخلوه في الوعي”.
في رده لإعتبار الفرد يكتشف شتيرنر اللاوعي الفرويدي. إن الأنا قوية بحيث لا يسمح بالتغلب عليها، أو القبض عليها، وتنكسر في مواجهتها امبراطورية الفكر، والتفكير، والذهن”. الأنا هي ما لا يعبر عنه، ما لا يمكن تصوره، ما لا يمكن الامساك به. ونحن نسمع هذه الأقوال اللامعة نرى الصدى الأول للفلسفة الوجودية: “إنني أنطلق من فرضية، متخذا من ذاتي هذه الفرضية، أني استخدم هذه الأنا (الذات) فقط حتى أتمتع بها، كي أتغذى بها. أنا موجود فقط لأنني أتغذى منها. أن امتص ذاتي يعني أنني موجود.
طبعا، إن الحمية التي تستثير قلم شتيرنر تضعه بين الحين والآخر في تناقضات. فتصدر عنه بعض الأقوال اللااجتماعية. تصل أحيانا إلى التعبير عن استحالة العيش مع المجتمع: “لا نطمح للحياة المشتركة بل إلى الحياة المنعزلة”. “الناس ميتة، صباح الخير أنا، سعادة الناس تعاستي”. “إذا كان الأمر صحيحا بنظري، فهو صحيح. يمكن أن لا يكون صحيحا بنظر الآخرين، وهذه مشكلتك، لا مشكلتي: فليدافعوا عن أنفسهم”.
لكن هذه الانفعالات تعكس من لآخر جوهر فكره. فشتيرنر وعلى الرغم من الفخر الناسك يصبو للحياة الاجتماعية. مثل أغلب المنعزلين، المتحجرين، الانطوائيين، يحن شتيرنر كثيرا لهذه الحياة. أما من يسأله كيف تسمح له حصريته وتشبثه، العيش في المجتمع، فيجيبه وحده الإنسان الذي فهم “فرادته” يمكنه أن يقيم علاقات مع أمثاله. يحتاج الفرد إلى أصدقاء، إلى حضور، وإذا كان يكتب كتبا فهو بحاجة إلى لآذان. يتحد الفرد مع قريبه لتعزيز قوته والعطاء المرتكز على القوة المشتركة هو أكبر مما يعطيه كل فرد منعزل. “إذا وجد خلفك عدة ملايين من الناس لحمايتك، سوف تشكلون معا قوة مهمة وسوف تحققون الانتصار بسهولة”. ولكن بشرط واحد:”هذه العلاقات مع الآخرين يجب أن تكون إرادية وحرة، وقابلة دوما للفسخ. يميز شتيرنر بين المجتمع القائم والقائم على الاكراه والشراكة والتي هي عقد حر: “يستخدمك المجتمع فيما أنت تستخدم الشراكة”. “بالطبع الشراكة تفرض التضحية، الحد من الحرية. لكن هذه التضحية لا تهدف للصالح العام: إن مصلحتي الخاصة وحدها ما دفعني لبذل هذه التضحية”.
إن كتاب “الأنا وملكيته” يعرض بصورة خاصة الاهتمامات المعاصرة لمسألة الحزب، مشيرا بوضوح إلى الحزب الشيوعي. يوجه نقدا قاسيا للخضوع للحزب. “اتباع الحزب واجب دائما وفي أي وقت كان؛ ويجب تأييد ودعم مبادئه الأساسية بشكل ضروري. إن الأعضاء يخضعون لرغبات الحزب، حتى تلك القليلة الأهمية”. “إن برنامج الحزب وفقا لنظرتهم هو البرنامج الصحيح الذي لا شك فيه. إن الانتماء للحزب يكون جسدا وروحا. وذلك الذي ينتقل من حزب لآخر، يوسف سرعة أنه مرتد”. وفقا لشتيرنر، إن الحزب الواحد يتوقف عن كونه شراكة ويبقي فقط على الجثة. إنه يرفض الحزب لكنه لا يقطع الأمل من الانضمام لجمعية سياسية: “أنا دائما سوف أجد أشخاصا كافيين يريدون الاتحاد (الشراكة) معي بدون أداء قسام الاخلاص لرايتي”. لقد شعر أنه فقط يمكنه الانضميم للحزب إذا “لم يكن هناك ما هو الزامي فيه”، وشرطه الفريد كان أن يكون متأكدا “من عدم سيطرة الحزب عليه”. “الحزب ليس أكثر من حزب وهو جزء منه”. “إنه ينضم له بحرية ويتركه بحرية”.
هناك نقطة ضعف واحدة في تحليل شتيرنير، مع أنها موجودة إلى حد ما في كتاباته، وهي أن مفهومه حول وحدة الفرد ليس فقط أنانيا مفيج للفرد فقط، بل إنه مفهوم يفيد أيضا الجماعة. إن أي جمعية (شراكة) إنسانية لا يمكن أن تكون مثمرة إذا كانت تسحق الفرد، بل تكون مثمرة بقدر ما تنمي مبادرة الفرد، وطاقته الخلاقة. أليست قوة الحزب هي مجموع الأفراد الذين ينتمون له؟ إن هذا النقص في تحليله يعود إلى حقيقة أن تركيب شتيرنر بين الفرد والمجتمع يبقى ناقصا وغير كامل. في فكر هذا الثائر يتصارع اللااجتماعي مع الاجتماعي ولا يذوبان معا دائما. وينتقد الاجتماعيون الأناركيون هذا التوجه بصدق.
وقد انتقده هؤلاء بشدة، حيث أن شتيرنر والذي كانت تنقصه المعلومات حول الموضوع قد أخطأ بتصنيفه لبرودون أنه “شيوعي سلطوي”. والحقيقة أنه بالرغم من مهاجمة برودون لتقديس شتيرنر للفرد، فإن همه كان البحث عن تركيب أو توزان بين المصلحة الفردية والاجتماعية، بين القوة الفردية والجماعية. “إن الفردانية هي الحدث الأول للبشرية، فإن الشراكة (الجمعية) هي المكمل لها”. “يعتبر البعض أن الإنسان لا قيمة له في المجتمع فيميلون إلى تذويت الفرد في الجماعة. هذا هو النمط الشيوعي، حيث انحطاط لشخصية باسم المجتمع. إنه الطغيان، الطغيان الروحاني، اللامرئي؛ هذا بعيد عن الشراكة. لقد أفرغت الشخصية الإنسانية من قدراتها، ما أفرغ المجتمع المجتمع من حيويته”.
ولكن في المقابل، يهاجم برودون الطوباوية الفردية التي تجمع الفردانيات قرب بعضها البعض دون أي شيء يجمع بينها، أي دون قوة جماعية وبالنتيجة: لا شيوعية ولا حرية مطلقة. “لدينا الكثير من المصالح المشتركة، أشياء كثيرة جدا مشتركة”.
وباكونين أيضا هو فرداني واشتراكي في وقت واحد. فهو لا يتوقف عن التذكير بأن المجتمع الحر يرتكز على الفرد الحر. في كل مرة يعلن فيها عن حقوق يجب منحها للجماعات، مثل حق تقرير المصير، والانفصال، فهو ييسعى لأن يكون الفرد أول المستفيدين. فواجبات الفرد اتجاه المجتمع لا تكون إلا بمقدار قبوله الحر بأن يكون جزءا من هذا المجتمع. إن لكل إنسان الحرية في المشاركة أو عدم المشاركة، في أن “يعيش وفقا لرغبته في الصحراء أو الغابات بين الحيوانات المفترسة”. “الحرية هي حق كل كائن بشري في أن يكون مصدر العقوبة على أعماله ووعيه، في أن تكون إرادته هي التي تحدد أعماله هذه، وفي أن يكون مسؤولا فقط اتجاه نفسه أولا وآخرا”. إن المجتمع الذي اختار الفرد أن يكون جزءا منه بحرية لا يأتي في إلا في المرتبة الثانية لمسؤوليات باكونين. إن على المجتمع واجبات اتجاه الفرد أكثر مما له من حقوق: إن المجتمع لا يمارس “أي رقابة وأي سلطة” على الفرد شرط أن يكون راشدا، بل يجب على المجتمع أن يؤمن له “حماية حريته”.
يتجاوز باكونين الحدود عند كلامه عن “الحرية المطلقة والكاملة”. إن لي الحق في التصرف كما أشاء، أن أكون كسولا أو نشيطا، أن أعيش بكرامة، من عملي، أو من استغلال شفقة الآخرين وثقتهم بوقاحة، بشرط واحد: أن تكون هذه الشفقة وهذه الثقة ممنوحتين بشكل حر وصادرتان أن أفراد راشدين. حتى إن لي الحق في الدخول في جمعيات “لاأخلاقية” أو تبدو كذلك. ويذهب باكونين، وذلك لرغبته في الحفاظ على الحرية، إلى حد القبول في الجمعيات التي تهدف إلى إفساد الحرية الفردية أو العامة وهدمها: “لا يجب ولا يمكن أن يدافع عن الحرية إلا الحرية ذاتها؛ وإنه لقلب خطير للأمور أن نضرب الحرية بحجة الدفاع عنها”.
أما فيما يتعلق بالقضية الأخلاقية، فيقتنع باكونين تماما بأن “اللاأخلاقية” هي نتيجة التنظيم الفاسد للمجتمع. لذا يجب تهديم المجتمع كليا، ولا يمكن إعادة بناء الناس على أسس أخلاقية إلا عبر الحرية. فإن كل تضييق مفروض بهدف حماية الأخلاق لا يضرب إلا الأخلاق في نهاية الأمر. والقمع دائما يكون غير قادر على وقف التجاوزات اللاأخلاقية، بل إنه يعمقها، ويزيدها. إن غير مفيد إذا فرض أي تشريعات قاسية تضرب الحرية الفردية.
أما بالنسبة للأفراد الفوضويين، الكسولين، السيئين، فإن باكونين لا يقبل إلا بعقوبة واحدة هي نزع الحقوق السياسية أي ما يمنحه المجتمع للفرد من ضمانات. لذا فكل فرد له الحق في التخلي عن حريته ولكنه في هذه الحالة سيتم نزع حقوقه السياسية التي يتمتع بها، خلال فترة هذه العبودية الارادية.
بالنسبة للجريمة، ينظر اليها أنها مرض وعقوبتها هي العلاج ليس كعقوبة يفرضها المجتمع، بل ويجب الحفاظ على حق الفرد بعدم الخضوع للعقوبة المفروضة، وذلك عبر التعبير عن إرادته بالخروج من هذا المجتمع. وفي المقابل إن للمجتمع الحق في طرده وتعريته من ضماناته وحمايته.
لكن باكونين لم يكن عدميا على الاطلاق. إن مبدأه عن الحرية الفردية المطلقة لا يعني أنه ينكر الواجبات الاجتماعية. فأنا لست حرا إلا من خلال حرية الآخرين. “إن الإنسان لا يحقق فردانيته الحرة إلا إذا اكمله جميع الأفراد الآخرين الذين يحيطون به وفقط بفضل العمل والنفوذ الجماعي للمجتمع”. إن الشراكة إرادية، ولا شك أن باكونين يعتبر أن “هذه الشراكة ستجذب كل الناس، نظرا لما تقدمه إيجابيات هائلة”. الإنسان هو “الأكثر فردانية واجتماعية بين الحيوانات”.
كذلك إن باكونين لم يكن متساهلا مع الأنانية بمعناها المبتذل، أي مع الفردانية البرجوازية التي “تدفع الإنسان إلى الاستيلاء وتوطيد سعادته الخاصة بغض النظر عن كل الناس، وعلى حساب الآخرين وضررهم”. “هذا الفرد المنعزل والمجرد هو مجرد وهم مثل الاله”. العزلة المطلقة هي الموت “الفكري، المعنوي، والمادي أيضا”.
إن فكر باكونين هو فكر واسع وتركيبي حيث يقترح جسرا بين الأفراد وحركات الجماهير: “كل الحياة الاجتماعية ليست إلا تبعية متبادلة ودائمة بين الأفراد والجماهير. إن الأفراد الأكثر ذكاء وقوة هم في كل لحظة من حياتهم سواء المحفزات ونتائج الرغبات ونشاطات الجماهير”. الأناركي يرى أن الحركة الثورية هي نتاج هذا التفاعل؛ لذا فإنه يؤكد على النشاط الفردي والجماعي المستقل للجماهير لجهة النضال والنتيجة.
كان الورثة الفكريون لباكونين هم الأناركيون الاسبان. بالرغم من تعلقهم بالمفهوم الاشتراكي في عشية ثورة 1936، فقد أشاروا وبوضوح إلى الاستقلالية المقدسة للفرد. دييغو أباد دي سانتيان كتب “إن الطموح الأبدي إلى الفردانية سوف يمر بألف طريق الفرد لن يخنق بأي مساواتية. سوف تجد الفردانية والذوق الخاص والخصزصية مجالا معينا للظهور والتعبير”.