واين برايس
مقدمة المترجم
السطور التالية ليست موجهة لشيوعيين منظمين في أحزاب قائمة ( ستالينية غالبا ) و لا حتى لمن يعتبر نفسه يساريا أو ثوريا محترفا ، إنها موجهة أساسا لكل من يناضل و يحلم بتغيير الواقع الذي يعيشه ، إنها تحاول أن تشرح له باختصار ما ليس باشتراكية أو ما هو الشكل المزيف الذي وجد في الأمس من الاشتراكية و الذي لم يحقق انعتاق العمال بل خلق استغلال و تهميشا جديدا لهم ، لكي يكون قادرا بشكل أفضل على تصور البديل الثوري الحقيقي عن الواقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي القائم و النضال في سبيله .
مازن كم الماز
الجزء الثالث
رأسمالية الدولة ضد الاشتراكية التحررية
نحن نحلل الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة على أنها رأسمالية دولة . كان في هذه الدول إنتاج سلعي ، و استغلال للعمال ، و منافسة داخلية . لا تكفي جمعنة الملكية هنا ، من الضروري إلغاء علاقة رأس المال – العامل . إن برنامج اشتراكية الدولة سينتج بشكل دائم رأسمالية الدولة في الممارسة .
كروبوتكين و أنجلز عن رأسمالية الدولة
في وقت مبكر كعام 1910 صرح بيتر كروبوتكين أن “اللاسلطويين ( التحرريين ) يعتبرون … أن تسليم الدولة كل الموارد الرئيسية للحياة الاقتصادية – الأرض ، المناجم ، السكك الحديدية ، البنوك ، التأمين ، و ما إلى ذلك – و أيضا إدارة كل الفروع الرئيسية في الصناعة ، إضافة إلى كل الوظائف التي راكمتها بالفعل في أيديها ( التعليم ، … الدفاع عن الأرض ، الخ ) سيعني خلق أداة جديدة للاستبداد . إن رأسمالية الدولة ستزيد فقط من قوة البيروقراطية و الرأسمالية” . ( 1975 ، ص 109 – 110 ) إن برنامج اشتراكية الدولة سينتج في الممارسة رأسمالية الدولة .
رفيق كارل ماركس فريدريك أنجلز تنبأ بنمو الشركات العملاقة ، التروستات ، و الاحتكارات الرأسمالية ، التي ستخطط قطاعات أكبر فأكبر من الاقتصاد . مهام البرجوازية سيقوم بها بشكل متزايد البيروقراطيون المستخدمون . “كل الوظائف الاجتماعية للرأسمالي يقوم بها اليوم مستخدمون مدفوعو الأجر . لم يعد للرأسمالي وظيفة اجتماعية أكثر من وضع الربح في جيبه ….” ( 1954 ، ص 385 – 386 ، كان ماركس قد راجع كل كتاب أنجلز ضد دوهرينغ ، و ضم هذا القسم إلى كراس أنجلز الاشتراكية الطوباوية و العلمية ) . تبلغ هذه الاتجاهات ذروتها في رأسمالية الدولة ، كتب أنجلز :
“سيكون على الممثل الرسمي للمجتمع الرأسمالي – الدولة – أن تقوم بتوجيه الإنتاج …. لكن التحول … نحو ملكية الدولة لا ينهي الطبيعة الرأسمالية للقوى المنتجة … إن الدولة المعاصرة …. هي بالضرورة آلة رأسمالية ، هي دولة الرأسماليين ، التجسيد المثالي لكل رأس المال الوطني . كلما اتجهت أكثر نحو السيطرة على ( التحكم ب ) القوى المنتجة ، كلما أصبحت أكثر الرأسمالي الوطني في الواقع ، و كلما زاد بالتالي عدد المواطنين الذين تستغلهم . لا يجري التخلص من العلاقة الرأسمالية . بل إنها على العكس تدفع نحو القمة” . ( أنجلز ، 1954 ، ص 384 – 386 ) .
اعتقد كلا من كروبوتكين و أنجلز أن تأميم الصناعة من قبل الدولة الرأسمالية القائمة ( اشتراكية الدولة الإصلاحية ) لم يكن اشتراكية بل رأسمالية دولة . لكن أنجلز اعتقد أن التأميم من قبل دولة عمالية جديدة ( اشتراكية الدولة الثورية ) سيقود إلى شيوعية من دون طبقات ، من دون دولة . “تستولي البروليتاريا على السلطة السياسية و تنقل وسائل الإنتاج في أول الأمر إلى ملكية للدولة . لكن عندما تفعل ذلك ، فإنها تلغي نفسها كبروليتاريا ، تلغي كل الفوارق و التناقضات الطبقية ، و تلغي الدولة أيضا كدولة” . ( أنجلز ، 1954 ، ص 388 ) .
أراد كروبوتكين أيضا شيوعية من دون دولة لكنه لم يصدق بإمكانية قيام دولة عمالية . رأى أن ملكية مركزية ، دولتية ( أي خاضعة للدولة ) ، – حتى لو خلقتها ثورة عمالية – ستؤدي فقط إلى رأسمالية الدولة . عوضا عن الدولة ، اقترح أن يستولي العمال على السلطة من خلال “… تنظيم مجموعات محلية من المنتجين و المستهلكين في كل مدينة أو كومونة ، و أيضا فيدراليات إقليمية و أخيرا عالمية لهذه المجموعات” ( 1975 ، ص 110 ) . لقد سمي هذا البرنامج تاريخيا “بالاشتراكية التحررية” – التي تعني الاشتراكية المناهضة للسلطوية أو الاشتراكية القائمة على التسيير الذاتي ، اللاسلطوية أو القريبة من اللاسلطوية .
نظرية رأسمالية الدولة
من بداية ظهور الاتحاد السوفيتي ، اتهم اللاسلطويون ( التحرريون ) البلاشفة بأنهم قد خلقوا رأسمالية الدولة . لكن الماركسيون كانوا هم من طوروا رأسمالية الدولة كنظرية تنطبق على الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة له . يدخل في هذا عمل الشيوعيين المجالسيين ، المناهضين للدولة ، و المناهضين لللينينية ( ماتيك ، 1969 ) . معظم منظري رأسمالية الدولة كانوا تروتسكيين منشقين . لقد رفضوا إيمان تروتسكي بأن روسيا الستالينية قد بقيت “دولة عمالية” طالما احتفظت بملكية مؤممة . بين هؤلاء “تيار جونسون – فورست” ل سي . ل . ر . جيمس ( 1998 ) و رايا دونايفسكايا ( 2000 ) ، و توني كليف ( 1970 ) ، و هو مفكر حزب العمال الاشتراكي البريطاني و المنظمة الاشتراكية الأممية في الولايات المتحدة ، و كورنيليوس كاستورياديس ( 1988 ) من مجموعة اشتراكية أو بربرية في فرنسا . في الولايات المتحدة الأمريكية ، تطورت الرابطة الاشتراكية الثورية ، التي كنت عضوا فيها ، من التروتسكية المنشقة إلى اللاسلطوية ، بينما طورت نظرية خاصة عن رأسمالية الدولة ( هوبسون و تابور ، 1998 ) ، كما فعل نفس الشيء جناح انشق عنا أراد أن يبقى تروتسكيا ( والتر داوم ، 1990 ) .
لم يوافق اشتراكيون آخرون على ذلك ، حتى أولئك الذين قبلوا أن البلاد التي حكمتها أحزاب شيوعية لم تكن دولا عمالية أو اشتراكية بل كان فيها طبقة حاكمة مستغلة ( بكسر الغين ) . كتب ماكس شاختمان ، منظر “البيروقراطية الجماعية” ، … ليس النظام الاجتماعي الستاليني رأسماليا و لا يظهر أيا من الخصائص المميزة ، الكلاسيكية ، التقليدية للرأسمالية …. هناك الكثير … من الإرباكات في تصور دولة رأسمالية حيث يوجد كل الرأسماليين في المقابر أو في المهجر ( المنافي ) … لا يوجد مكان يمكن فيه لطبقة رأسمالية أصيلة ، أو أي جزء منها ، أن تدعم أو ترحب بالستالينية ، هذا البرود ( أو الفتور ) يعطي معنى اجتماعيا واضحا عن وجهة نظرها بما أنه من الواضح … أن الستالينية قد جاءت إلى السلطة من خلال تدمير الدولة الرأسمالية و الطبقة الرأسمالية” . ( 1962 ، ص 23 – 24 ) .
بشكل مشابه ، يرفض مايكل ألبرت ، و هو أحد المفكرين الذين وضعا “الاقتصاد التشاركي” ( الباركون ) ، “رأسمالية الدولة” كتوصيف لهذه المجتمعات ، لصالح أطروحة “التنسيقية” . لقد صرح ، أنه من الخطأ “القول أن الاقتصاد السوفيتي القديم كان رأسماليا رغم أنه لم يكن فيه ملكية خاصة لوسائل الإنتاج …. إن عدم وجود مالكين و صعود المخططين المركزيين ، و المدراء المحليين ، و بقية العمال المفوضين إلى وضعية الحكام هو ما يميز هذه الاقتصاديات على أنها مختلفة” . ( 2006 ، ص 158 ) .
لكن ، أيا تكن هذه الاختلافات فيما بينهم ، فإن واضعي نظرية أن الاتحاد السوفيتي كان رأسماليا لا ينكرون أن اقتصاديات الدول التي حكمها الحزب الشيوعي كانت مؤممة و مجمعنة . كانوا واعين بأن الطبقة الحاكمة كانت هي البيروقراطية الجماعية و ليست البرجوازية حاملة الأسهم . لهذا السبب كان كليف يسمي الاتحاد السوفيتي “رأسمالية الدولة البيروقراطية” ، و ليس فقط “رأسمالية دولة” ، و لهذا سمى كاستورياديس نظريته “بالرأسمالية البيروقراطية” . لقد أصروا أن أكثر ما يهم هو أن علاقة رأس مال – عمال قد وجدت في الدول الستالينية . أن العلاقة بين العمال و السادة قد بقيت نفسها في الأساس . كان العمال يستغلون من قبل الدولة ، و ليس من قبل الشركات الخاصة ، لكن الدولة كانت ، بتعابير أنجلز ، “التجسيد المثالي لرأس المال الوطني الكلي …. الرأسمالي الوطني” .
يمكن دراسة الاتحاد السوفيتي السابق من أحد منظورين طبقيين . من منظور الطبقة الحاكمة ، فإن الفروق بين البرجوازية حاملة الأسهم و البيروقراطية الجماعية مهمة . لا تكترث البرجوازية ، في نهاية الأمر ، سواء انتزع ثروتها و سلطتها منها العمال أم بيروقراطيون توليتاريون . في كلتا الحالتين ، فإنها تفقد ثروتها . لذا فإنها تكره كلا الخيارين و تعتبرهما نفس الشيء في الجوهر : “اشتراكية” . هذه أيضا هي وجهة نظر أولئك الذين يعتبرون الاتحاد السوفيتي مجتمعا لا رأسماليا : إما “اشتراكيا” أو “دولة عمالية” أو مجتمعا طبقيا جديدا . إنها وجهة نظر برجوازية أساسا .
لكن من وجهة نظر الطبقة العاملة ، فالذي يهم هو علاقة العمال بالطبقة المسيطرة – أسلوب استغلالهم . إذا كانت هذه الطريقة هي نفسها – إذا ، كما قال أنجلز ، “لم يتم إلغاء العلاقة الرأسمالية” – فعندها يبقى النظام هو نفسه . كيف يقسم الحكام القيمة الزائدة بينهم ، بعد أن يستحصلوا عليها من العمال ، هو قضية ثانوية . إن نظرية رأسمالية الدولة وحدها هي التي تنطلق من هذا المنظور البروليتاري .
الماركسيون الكلاسيكيون الذين كتبوا عن رأسمالية الدولة ، بدءا بماركس و أنجلز ، لم يتوقعوا أن تتطور الرأسمالية التقليدية بالفعل إلى شكل مستقر من رأسمالية الدولة . كان هناك كثير جدا من النزاعات و التناقضات داخل الرأسمالية للتغلب عليها . لكن الذي حدث في الاتحاد السوفيتي كان أن ثورة الطبقة العاملة قد أطاحت ببرجوازية ضعيفة . لم يكن العمال قادرين على التقدم نحو الاشتراكية – بسبب فقر البلد ، و فشل الثورة في الانتشار ، و بسبب سلطوية البلاشفة . لكن البرجوازية كانت أضعف من أن تستعيد حكمها التقليدي . عوضا عن ذلك أصبحت الدولة البلشفية نواة لرأسمالية جديدة دولتية . و أصبحت هذه نموذجا لعدة دول أخرى ، مثل الصين ، حيث كانت البرجوازية الوطنية أضعف من أن تصمد لكن الطبقة العاملة أيضا لم تكن قوية بما يكفي لتقيم التسيير الذاتي للعمال و الفلاحين . بعد عقود ، أصبحت التناقضات الداخلية في رأسمالية الدولة هائلة جدا . فتداعت و أعادت الرأسمالية التقليدية .
بأية طرق كان الاتحاد السوفيتي رأسماليا ؟
خلافا لشاختمان ، فقد أظهر الاتحاد السوفيتي ، و الدول الأوروبية الشرقية ، و الصين ، و بقية الدول الآسيوية ، و كوبا ، “الخصائص” الرئيسية للرأسمالية . كبداية ، كانت اقتصاديات منتجة للسلع . كل المجتمعات اللا رأسمالية تنتج بضائع مفيدة للاستهلاك ( لأعضاء القبيلة ، أو للأقنان و اللوردات ، أو العبيد و السادة ، أو – يوما ما – للمنتجين الموحدين بشكل حر في ظل الاشتراكية ) . فقط الرأسمالية تنتج سلعا للبيع . يشمل هذا السلعة الأكثر أهمية ، و هي قدرة العمال على العمل ، بأيديهم و عقولهم : سلعة قوة العمل . في الاتحاد السوفيتي ، لم يمنح العمال الطعام و الملابس هكذا ببساطة ، كما كان حال العبيد أو الجنود أو السجناء . لقد ذهبوا إلى المتاجر ليشتروا السلع الاستهلاكية – سلعا كان العمال أنفسهم قد أنتجوها . هذه البضائع الاستهلاكية كانت سلعا تباع في السوق . كانت قوة العمل التي باعها العمال لسادتهم أيضا سلعة . لقد بيعت قوة العمل بقيمتها ، ما تساويه للحفاظ على و إعادة إنتاج العمال و أسرهم . لكن العمال عملوا لساعات أطول من تلك الضرورية لإنتاج قيمة أجورهم فقط . كانت قيمة السلع التي أنتجوها في تلك الساعات الإضافية التي عملوها هي القيمة الزائدة ، أساس الربح . أنتج العمال قيمة أكبر من قيمتهم ، مما يعني أنهم قد تعرضوا للاستغلال بالطريقة الرأسمالية .
إن عمل مثل هذه الأسواق ، سواء أسواق البضائع الاستهلاكية أو العمل ، هو مشوه حقا بالمقارنة مع نموذج سوق حرة غير معاقة تماما للرأسمالية الكلاسيكية . لكن الأسواق تتعرض للتشويه أيضا تحت ظروف الرأسمالية الاحتكارية للرأسمالية الغربية اليوم ( ما يسميه الاقتصاديون البرجوازيون “بمنافسة غير كاملة” ) . تعرضت الأسواق أيضا للتشويه تحت ظروف ألمانيا النازية التوليتارية ، حيث جرى تنظيم العمل بشكل مكثف و دمجت الحكومة بأصحاب العمل الكبار – و مع ذلك بقي هناك برجوازية حاملة للأسهم و خالقة ( منتجة ) للربح . يمكن أن تكون الأسواق حتى أكثر تشوها تحت نموذج رأسمالية الدولة كما طورها أنجلز . يستمر البيع و الشراء – الأسواق المشوهة تبقى أسواقا .
المدافعون عن التحليلات اللارأسمالية عن البلدان التي حكمتها أحزاب شيوعية يزعمون أن هذه البلدان كانت خالية من المنافسة . لقد جرت إدارتها كما يفترض عبر “التخطيط المركزي” و بالتالي لا يمكن أن تكون رأسمالية ، كما قالوا . لكن حتى لو كان هذا صحيحا ، فإن الاتحاد السوفيتي أو كوبا كانت ستكون مجرد شركة واحدة في سوق رأسمالي عالمي . من الصحيح أنه تحت حكم ستالين ، بذل الاتحاد السوفيتي جهودا ليكون مكتف ذاتيا بأكثر ما يمكنه . لكن حتى عندها كانت هناك دائما بعض التجارة الدولية ، لم يمكن إلغاءها تماما . في أوقات أخرى ، اشترت هذه الأنظمة و باعت الكثير في السوق العالمية و اقترضت الديون العالمية . بينما كان يحث رجال الأعمال المكسيكيين للاستثمار في كوبا ، أخبرهم فيديل كاسترو ، “إننا رأسماليون ، لكننا رأسماليو دولة . نحن لسنا رأسماليون خاصون” . ( مقتبس في داوم ، 1990 ، ص 232 ) .
إلى جانب التجارة ، كان على الاتحاد السوفيتي دائما أن يبني قواه العسكرية ليدافع عن ثروة حكامه من حكام الدول الأخرى . بينما لم يجر تبادل الصواريخ النووية العابرة للقارات بين القوى الكبرى ، لكنها كانت تقارن ، سواء في القوة النارية و رخص الثمن . باختصار ، كانت هناك ضغوط تنافسية دولية على شركة الاتحاد السوفيتي لينتج أكثر ما يمكنه ، ليستغل عماله بأكثر ما يمكنه ، ليقوم بالتراكم بأسرع ما يمكن – و هي كلها عمليات رأسمالية . ( جرى التأكيد على هذه النقاط من قبل كليف ، 1970 . يكمن ضعف نظريته في أنه نظر فقط إلى هذه الضغوط الدولية ولذلك أنكر المصادر الداخلية للمنافسة التي حركت ( قادت ) السوق الداخلية و قانون القيمة . هذا يجعل نظريته بالضرورة تحليلا يقوم على النظام الثالث / أو الطبقة الجديدة ، مع نقاط ضعفها الملازمة ، كما نوقشت في القسم الثاني ) .
رغم مظهره الصارم ، كان في الاتحاد السوفيتي قدرا كبيرا من المنافسة الداخلية على المصادر المحدودة ( النادرة ) . فقد تنافست المصانع مع المصانع ، الشركات مع الشركات ، الأقاليم مع الأقاليم ، و الوزارات مع الوزارات . لقد طورت الخطة المركزية ، كما كانت ، تحت الضغوط التنافسية لوكالات مختلفة ، كل منها يسعى وراء أكثر ما يمكنه من الموارد و وراء أهداف إنتاجية أقل ما يمكن . عندما كان يجري تطويرها ، فإن الخطة كانت أقرب إلى لائحة رغبات منها إلى توجيه مشرف على الاقتصاد الوطني . لم تنفذ خطة الاتحاد السوفيتي أبدا على الإطلاق – و لا مرة واحدة ! ممزقة بسبب الخلافات الداخلية ، و محتاجة لإخضاع العمال ، لم تستطع البيروقراطية الحاكمة أن توحد الاقتصاد بطريقة متناغمة . و مفتقدة للديمقراطية العمالية ، كانت عاجزة عن أن تخطط الاقتصاد في الواقع .
كانت الجوانب التنافسية في الاقتصاد مبنية ( موجودة ) داخله رسميا . فقد قامت الشركات بعقد عقود ملزمة قانونا مع بعضها البعض في سبيل المواد الخام و آلات الإنتاج ، التي دفع مقابلها بواسطة رصيدها ( من النقود ) في البنوك المركزية . لذلك ، لم تكن هناك سلع من البضائع الاستهلاكية و من قوة العمل فقط ، بل كانت وسائل الإنتاج نفسها سلعا أيضا ، تباع و تشترى بين الشركات . المزارع الجماعية أيضا لم تكن مزارع دولة فقط بل كانت تعاونيات قانونية أيضا . لقد أنتجت الغذاء لصالح السوق ( هذا عدا قطع الأرض الخاصة المرخصة التي أنتجت حصة غير متكافئة من الغذاء ) . كان هذا سوقا شرعيا . إضافة إلى ذلك كان النظام بمجمله قد ربط ببعضه من خلال نظام ضخم من الأسواق السوداء و الرمادية ، من التجارة غير أو نصف الشرعية . قام الأفراد بعمل إضافي ، عقدت المصانع صفقات مع بعضها البعض عبر وسطاء خاصين ، كانت هناك جريمة منظمة ، و قد شحمت ( زيتت ) العجلات في المجتمع من خلال تجارة غير رسمية . كانت الإدارة البيروقراطية لتنهار دون هذا الدوران و من دون هذه الصفقات الواقعية ، أي من دون علاقات السوق ( الرأسمالية ) . ( يمكن دراسة هذا بالتفصيل في أي كتاب عن اقتصاد الاتحاد السوفيتي ) . للتحليلات الماركسية ، انظر هوبسون و تابور ، 1998 ، و داوم ، 1990 . شعر داوم أن “رأسمالية الدولة” تعطي انطباعا كاذبا بوجود رأس مال مركزي واحد ( أو منفرد ) ، لذلك فضل وصف “الرأسمالية المدولتة” ) .
عند هذه النقطة يمكنني أن أقدم نقدا أكثر تفصيلا للنظريات المختلفة عن رأسمالية الدولة ، لكن يعوزني المكان المتاح . ما يهم هو أن معظم منظري “رأسمالية الدولة” لديهم شكل ما من الاشتراكية التحررية – إما اشتراكية – لا سلطوية أو ماركسية داعية للاستقلال الذاتي . لكن كليف ( 1970 ) من التيار الاشتراكي الأممي ، ما زال يدعو إلى “دولة عمالية” ، و اقتصاد مؤمم و مركزي ، و إلى “حزب طليعي” ، و بقية عناصر الإرث اللينيني و التروتسكي – كما أن نفس الشيء صحيح عن داوم ( 1990 ) من الرابطة من أجل الحزب الثوري . بغض النظر عن النوايا ، تعكس هذه الأفكار علاقة رأس مال – عمل : العلاقة بين من يعطون الأوامر و من ينفذونها ، بين المستغلين ( بكسر الغين ) و المستغلين ( بفتح الغين ) ، بين العمل الذهني و اليدوي .
رفض أصحاب نظرية النظام الثالث / الطبقة الجديدة “رأسمالية الدولة” لأن النظام على نمط الاتحاد السوفيتي كان يحكم بواسطة البيروقراطية الجماعية ( أو بواسطة “طبقة منسقة” وفقا لأصحاب الاقتصاد التشاركي “الباركون” ) . لقد رؤوا جذورها عن حق في طبقة من المدراء المحترفين مدفوعي الأجر تحت الرأسمالية التقليدية . كما بينت في هذا الجزء و الذي سبقه ، فقد تنبأ ماركس و أنجلز بهذا كجزء من تطور الرأسمالية . كما قال أنجلز ، “كل الوظائف الاجتماعية للرأسمالي يقوم بها الآن مدراء مأجورون“. لكن هذه تبقى ضمن الوظائف الاجتماعية للرأسمالية ! في ظل الرأسمالية التقليدية ، تكون هذه الطبقة البيروقراطية الوسطى جزءا من النظام . لقد خلقت ( تشكلت ) تحت رأسمالية الشركات / الاحتكارية لكي تخدم الرأسمالية ، لكي تساعد على انتزاع القيمة الزائدة من العمال . و إلا لما استخدمتها البرجوازية لولا ذلك . المدراء هم أعلى خدم البرجوازية و يتوقون للانضمام إليها . الطبقات العليا منهم تفعل ذلك عادة، و هي تكافئ عادة بخيار الحصول على الأسهم ، بالمعرفة الداخلية ، و ما إلى ذلك .
لكن هناك قسم راديكالي من البيروقراطية المحترفة ( المهنية ) تحمل أحلام استبدال البرجوازية بالكامل . هذا ما فعلته في الاتحاد السوفيتي و الدول المماثلة . لقد ناقش اللاسلطويون و بعض الماركسيين دور البيروقراطيين في الاتحاد السوفيتي . عوضا عن استخدام ملكية الأسهم ، فقد قسموا الثروة الزائدة حسب المركز الوظيفي ، لكنهم بقوا طبقة رأسمالية بسبب كل ذلك . لقد خدموا كأدوات للتراكم الرأسمالي من خلال استغلال العمال . بكلمات أنجلز ، فإنهم قد أداروا “دولة معاصرة ، ماكينة رأسمالية ، دولة الرأسماليين ، التجسيد المثالي لرأس المال الوطني بمجمله” . كطبقة فإنهم أنفسهم هو ذلك الشيء الذي سماه ماركس برجوازية ، “تجسيد رأس المال“.
فيم إذا كان الاتحاد السوفيتي ، الخ ، رأسماليا أم لارأسماليا ، هو سؤال قد حسمه التاريخ . بعد عام 1989 ، تحول الاتحاد السوفيتي و الدول التابعة له إلى الرأسمالية التقليدية. لو أن هذا كان انتقالا للسلطة من طبقة إلى طبقة أخرى مختلفة ( من العمال أو طبقة جديدة في نظام اجتماعي ثالث إلى البرجوازية ) ، عندها كان يجب أن نتوقع ثورة رهيبة ، ثورة أو ثورة مضادة . عوضا عن ذلك، فإن البيروقراطية القديمة قد تحولت إلى برجوازية جديدة ، متحولة من شكل رأسمالي إلى شكل رأسمالي آخر . كانت هناك ثورات جماهيرية ، لكن المناورات من الأعلى إلى الأسفل تمكنت من تجنب ثورة عمالية . التوترات التنافسية الداخلية داخل البيروقراطية سمحت بأن تحول نفسها بسلام إلى شكل آخر من الحكم الرأسمالي. ( بالنسبة للعمال كانت هناك مكاسب – حريات أوسع – و كان هناك خسائر – تقطيع الخدمات الاجتماعية ). كان هذا حتى أكثر وضوحا في الصين ، حيث ما تزال البيروقراطية القديمة موجودة ، و ديكتاتورية الحزب الشيوعي ، و الإيديولوجيا الماركسية – اللينينية ، و “جيش الشعب” ، و قدر كبير من الصناعة المؤممة . لكن الدولة قد تبنت بوضوح الرأسمالية التقليدية و هي تشارك بحماسة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي .
المعاني السياسية لرأسمالية الدولة : الاشتراكية التحررية
الملكية المجمعنة ( الجماعية ) ضرورية – أساسية – لكنها غير كافية لوحدها ، إذا كان المطلوب من الاشتراكية أن تعني انعتاق الطبقة العاملة و كل المضطهدين ( بفتح الهاء ) . عوضا عن ذلك ، يجب على العمال الثوريين أن يلغوا تماما علاقة رأس المال – العمل . يجب أن توضع نهاية للانقسام بين من يعطي الأوامر و بين من يتلقاها ، بين أولئك الذين يعيشون جيدا بينما يعمل الآخرون ، بين أولئك الذين يديرون و أولئك الذين يقومون بالعمل اليدوي . هذا يعني إلغاء الدولة ، كمؤسسة فوق بقية المجتمع . و نفس الشيء بالنسبة ليوتوبيا ( بالمعنى السلبي ) الاقتصاد المخطط مركزيا الذي لن يحتاج إلى دولة ( أو هكذا أخبرنا ماركس و أنجلز ) لأنه سيكون “إدارة الأشياء و ليس البشر” ، كما لو أن هذه يمكن التمييز بينها في الممارسة . إن برنامج اشتراكية الدولة – حتى لو جرى التعبير عنه بكلمات ثورية ( كما فعل ماركس و أنجلز ) – سينتج دوما و بشكل ثابت رأسمالية الدولة في الواقع . بدلا عنه ، يجب القيام بكل مهام مجتمع لا طبقي من خلال الإدارة الذاتية لكل البشر العاملين ، حيث يشارك كل إنسان و يقرر و يخطط الحياة الاجتماعية و الاقتصادية بشكل ديمقراطي، على كل المستويات و بكل الطرق .
نقلا عن http://www.anarkismo.net/article/3304
