الاشتراكية التحررية إعلان مبادىء

سامح سعید عبود

جذور الاستغلال والقهر

السلطة القمعية التى يمارسها البشر فى مواجهة بشر آخرين لها أسباب واقعية، و ما القهر و الاستغلال سوى نتائج مرة لهذه الأسباب، وأنت لا يمكن أن تقضى على النتائج مع استمرار وجود الأسباب، وهى أسباب لا علاقة لها بإرادة و وعى كلا من المتسلطين والمتسلط عليهم، القاهرين والمقهورين.

السلطة القمعية ليست سلوك يمكن وصفه بالحسن أو القبيح، ترجع لأخلاق من يمارسها، ربما تتدخل الأخلاق فحسب فى مدى سوء أو حسن استخدام السلطة القمعية، فيمكن أن يكون هناك حاكم جيد أو صاحب عمل لطيف أو مدير طيب، إلا أن هذا لا يعنى أن أى منهم لا يمارس القهر والاستغلال على من يخضعون له، مثلهم مثل الحاكم السىء، وصاحب العمل الشرس، والمدير الشرير .

ترجع السلطة القمعية بصرف النظر عن حسن ممارستها من الطيب واللطيف والجيد أو سوء ممارستها من الشرير والشرس والسىء، لسيطرته على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، و هى مصادر السلطة المادية، واحتكارها لنفسه، وحرمان الخاضع لها من السيطرة على تلك المصادر، والمسألة ليست معقدة، و إنما يمكن أن يفهمها ويلاحظها كل إنسان.

فمن يملك وسائل الإنتاج يتحكم فى المحروم منها، برغم المساواة القانونية بين المالك الحاكم، والمحروم المحكوم، فمن يملك الطعام قادر على إجبار الجائع على تنفيذ ما يريده هو لا ما يريد الجائع، و الذى لابد وأن يقبل شروط مالك الطعام حتى يعطيه ما يملأ معدته، ويستطيع الجائع أن يخدع نفسه بأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، و هذا صحيح، ولكن بشرط توافر الخبز أولا، فحتى يستطيع الإنسان ممارسة أى نشاط آخر غير الأكل، عليه أولا أن يملأ معدته بالطعام، و إلا لن يكون باستطاعته الحياة ليمارس أى نشاط.

من يملك وسائل العنف سواء كانت تلك الوسائل قوة عضلية أو سلاح قادر على إجبار الأضعف عضليا أو الأضعف تسليحا أو الأعزل من السلاح على تنفيذ ما يريده، وليس على الضعيف أو الأعزل إلا أن يستجيب لإرادة الأقوى لو أراد لنفسه الحياة والسلامة، وينطبق هذا على من يملك سلطة اتخاذ القرار بحكم منصبه كالرئيس والحاكم والظابط والمدير، القادر على اجبار المحكومين المرؤوسين والجنود والعمال على تنفيذ ما يريده هو بصرف النظر عن إرادتهم و رغباتهم .

من يملك وسائل المعرفة على نحو أكبر أو يحتكرها لنفسه دون الآخرين، قادر على السيطرة على من لا يملك منها إلا القليل أو من لا يملكها على الإطلاق، فشخص يعرف الطريق لابد و أن يقود من لا يعرفه للسير فيه، وما دمت لا تعرف إلى أين تتجه فما عليك سوى الاستجابة لنصيحة من يعرف.

هذه هى الأسباب الواقعية للاستبداد والاستغلال، و لا يمكن أن تقام أى علاقات اجتماعية سواء أكانت علاقات عمل أم علاقات أسرية أم علاقة صداقة تخلو من الاستبداد والاستغلال، إلا إذا تساوى الداخلين فى تلك العلاقة فى سيطرتهم على كل مصادر السلطة المادية الثلاثة على نحو متساو، فطالما سيطر أحد أطراف العلاقة منفردا على أى من هذه المصادر فأنه لا مفر من استبداده بالآخرين واستغلالهم، من الذين لا يسيطرون عليها مثله، وهى عملية منفصلة عن نية وأخلاق من يمارسها، ورغم أن هذه بديهيات لا تحتاج للبرهنة عليها، إلا أننا مضطرين لتوضيحها دائما، لأن القوى السياسية التسلطية المختلفة، تدعى دائما، بامكانية تحقيق الحرية الفردية والأخاء والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية دون القضاء على انقسام المجتمع بين من يسيطرون على مصادر السلطة المادية، وبين من لا يسيطرون عليها.

نشأ كل من الاستغلال والقهر عبر التاريخ البشرى إذن من انفصال السلطة القمعية عن إرادة البشر الخاضعين لها، و التى يمارسها الإنسان المتسلط على الإنسان المتسلط عليه، تلك السلطة الناتجة عن سيطرة المتسلطين على مصادر السلطة المادية دون المتسلط عليهم، ذلك لأن كل سلطة هى مفسدة، و كل سلطة مطلقة هى فساد مطلق، فالسلطة الفاسدة بطبيعتها، و فى حد ذاتها، تمنح الفرصة للإنسان المتسلط لأن يمارس استغلاله للإنسان المتسلط عليه وقهره أيضا.

ومن هنا فالقضاء على الاستغلال والقهر، لا يمكن أن يتحقق إلا فى إلغاء أسبابه الواقعية، و هو السلطة القمعية المنفصلة عن إرادة البشر وحريتهم، وذلك لا يتأتى إلا بالسيطرة الجماعية الكاملة على مصادرها المادية الثلاثة أى وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، فلن يتم إنهاء العلاقات الاستغلالية والقمعية بين البشر، بالوعظ أو بالقمع، و لا بأوهام المستبد العادل، و انتظار تحلى البشر بالحكمة وحسن الخلق، والحكمة تقتضى أن عليك أن تقضى على الجرثومة المسببة للمرض بدلا من مجرد تخفيف الأعراض الناتجة عنها، و الجرثومة هى سيطرة الرأسماليين والبيروقراطيين على وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، سواء عبر ملكية الأفراد الخاصة أو ملكية الدولة العامة، والجرثومة هى فى استمرار الناس فى الإنقسام بين من يملكون ومن لا يملكون، من يأمرون وبين من عليهم إطاعة الأوامر.

الصراع الاجتماعى

إذا كنت من الذين لا يملكون إلا قوة عملهم اليدوية أو الذهنية، و من المضطرين لبيعها مقابل أجر لإنتاج السلع والخدمات ، وفى نفس الوقت لا تملك سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بعملك، ذلك لأنك محروم من السيطرة على أى مصدر من مصادر السلطة المادية، وهى وسائل الإنتاج والعنف و المعرفة، و إنك بسبب ذلك الحرمان، فأنت مضطر لإطاعة أوامر من يسيطرون على تلك الوسائل ، فأنت إذن بروليتارى من البروليتاريين الذين يشكلون جماعة واحدة فى العالم هى البروليتاريا العالمية، و هم عبيد الاضطرار للعمل المأجور سواء لدى رأسالمال أو الدولة، بالاضطرار للخضوع لهما، و الذين توحدهم مصالح و أهداف و ظروف مشتركة بصرف النظر عن اختلافاتهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية واللغوية والثقافية و الجنسية ، و بصرف النظر عن مستوى تعليمهم ومعيشتهم، وطبيعة عملهم و محل إقامتهم و أوطانهم وأصولهم الاجتماعية.

البروليتاريون يشكلون الغالبية العظمى من السكان فى المجتمعات الرأسمالية، و فى كل العالم المعاصر، و الطريق الوحيد لانتزاع حقوقهم، و حرياتهم، وتحقيق مصالحهم، و أهدافهم المشتركة، هو وحدتهم الصلبة، و نضالهم المشترك فى كل مكان، بدءا من محل عملهم، وحتى العالم بأسره، وعدم سماحهم بتفتيت هذه الوحدة لأى سبب وتحت أى دعوة . فى مواجهة كل هؤلاء الذين يسيطرون على مصادر السلطة المادية سواء الرأسماليين أو البيروقراطيين أو المثقفين المعبرين عن مصالح هؤلاء، و الذين يستغلون البروليتاريين ويضطهدونهم و يقهرونهم و يضللونهم، ويفرقوا بينهم بشتى السبل ليتسلطوا عليهم، ويشكلون بدورهم طبقة أخرى هى البرجوازية العالمية.
المصالح الأولية للبروليتاريا فى ظل المجتمع الرأسمالى، تتلخص فى كفالة حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وزيادة ما يمكن أن يحصلوا عليه من إجمالى الناتج المحلى من خلال زيادة حصة عائد العمل “الأجور” بالنسبة لعوائد التملك “الربح والريع والفائدة” ، وهذا مشروط بتوافر درجة عالية من الديمقراطية السياسية والحقوق و الحريات الإنسانية وخاصة النقابية منها التى تتيح للبروليتاريا أدوات المساومة الجماعية مع الدولة و رأسالمال، بما يعنى الإمكانية المستمرة لتحسين ظروف حياتهم وعملهم.

أما المصالح النهائية للبروليتاريا فتعنى تحررها من عبودية العمل المأجور سواء للرأسمال أو للدولة ،وخضوعها لأى منهم، وذلك لا يمكن أن يتم إلا بسيطرتها الجماعية على كافة وسائل الإنتاج و والعنف والمعرفة، وإدارتها لشتى شئون المجتمع لصالحها، بواسطة المجالس العمالية والنقابات العمالية والتعاونيات العمالية فى مواقع العمل والمناطق السكنية، و اتحادات تلك المجالس والنقابات والتعاونيات طوعيا من أسفل لأعلى. فإذ كنت بروليتارى وفق التعريف السابق فهذا البيان يتوجه إليك، و إلى كل زملاءك البروليتاريين، ونحن نطمح أن يكون هذا البيان أداة من أدوات كثيرة مطلوبة لتوحيد كل البروليتاريين الناطقين بالعربية، كعملية جزئية من عملية أشمل هى توحيد البروليتاريا العالمية باعتباره الطريق الوحيد لتحررها.

نحن نعرف بالطبع أن هذا الطريق وخصوصا فى منطقتنا بالغ الصعوبة، وأنه يحتاج لخطوات كثيرة لعل أولها أن يتحد البروليتاريون فى منظمات عمالية ديمقراطية ومستقلة عن كل من الدولة ورأسالمال، و ذلك لتنظم نضالهم من أجل مصالحهم وأهدافهم المشتركة ، سواء الأولية منها أو النهائية، بداية فى كل وحدة إنتاج وخدمات ثم فى كل حى و مدينة وقرية و إقليم ودولة، وهكذا وصولا للوحدة العالمية للبروليتاريا العالمية، و لأن هذه المنظمات غائبة فى معظم بلدان المنطقة، و من ثم فالمطلوب عملية شاقة تحتاج لنضال دؤوب ومركز وطويل على كل بروليتارى واعى بوضعه الطبقى أن يشارك فيها ما وسعه الجهد.

إننا ننطلق فى رؤيتنا من أن الصراع الاجتماعى الجوهرى الذى لا يجوز أن يسبقه أو أن يحل محله أى صراع اجتماعى أو سياسى آخر هو الصراع بين الطبقتين الاجتماعيتين الرئيسيتين فىى العصر الحديث (البروليتاريا والبرجوازية).

البروليتاريون، هم المحرومين من السيطرة على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وانتاج المعرفة، والذين لا يملكون سوى قوة عملهم، والمضطرون لبيعها مقابل أجر، و لا يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياتهم وعملهم.

البرجوازيون، على النقيض من البروليتاريا، يسيطرون على وسائل الإنتاج والثروة والعنف المسلح وغير المسلح وإنتاج المعرفة، ويملكون سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف عملهم وحياتهم، وينقسمون إلى الرأسماليين وهم ملاك وسائل الإنتاج والثروة الذين يشترون قوة العمل المأجور و البيروقراطيين وهو كبار الإداريين والساسة الذين يملكون فى نفس الوقت سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بظروف حياة البروليتاريا وعملها .

سبب الصراع بين الطبقتين هو أن البروليتاريون هم عبيد العصور الحديثة، والبرجوازيون هم سادتها، وأن من مصلحة البروليتاريا أن تتحرر من تلك العبودية للبرجوازيين، ومن ثم فسوف يبقى الصراع بين الطبقتين طالما بقيت تلك العبودية.

تتواجد بين الطبقتين طبقة وسطى من المهنيين والحرفيين والمزارعين والفنيين المستقلين الأحرار الذين لا يعملون لدى أحد، ولا يستأجرون عمل الآخرين، وهم البرجوازيون الصغار الذين يمكنهم التحالف مع البروليتاريا أو البرجوازية حسبما تقتضى مصالحهم، ومن مصلحة البروليتاريا فى إطار صراعها مع البرجوازية أن تدفعهم للتحالف معها.
البروليتارى فى تعبير آخر هو المحروم من السلطة نظرا لحرمانه من السيطرة على مصادرها المادية، أى وسائل الإنتاج والعنف المادى أو المعنوى والمعرفة، و البروليتاريون ومعهم البرجوازيون الصغار هم خالقوا كل القيم المادية والمعنوية، وكل الثروات، وهم المحرومون منها فى نفس الوقت، فكأنما يخلقون بأنفسهم القيود التى تكبلهم بها البرجوازية، لأنهم لا يسيطرون علي الثروات التى يصنعوها بأنفسهم، ومن البديهى أن البروليتاريون لن يتحرروا من عبوديتهم للبرجوازيون سوى بسيطرتهم الجماعية على مصادر السلطة المادية.
الرأسمالية تقوم على استعمال العمل المأجور لإنتاج السلع وتقديم الخدمات، وتستولى لنفسها على الجزء الأعظم من الثروات التى تنتجها قوة العمل البشرى، وأى تجاوز للرأسمالية يعنى إلغاء و تجريم نظام العمل المأجور، كما سبق وألغت وجرمت البشرية العمل الجبرى والمجانى والعبودى بالقضاء على العبودية والإقطاع، وأى مشروع للتغيير الاجتماعى يحافظ على نظام العمل المأجور هو مشروع رأسمالى، وأى يسار لا يهدف إلى إلغاء نظام العمل المأجور و لايدينه هو يسار برجوازى و زائف، وعمليا لا يمكن إلغاء نظام العمل المأجور إلا فى النظام الاشتراكى التحررى.

النظام الاشتراكى التحررى

النظام الاشتراكى التحررى الذى يكفل التحرر الحقيقى للبشر والمساواة فيما بينهم، يتأسس على الملكية التعاونية لكل من وسائل الإنتاج والعنف والمعرفة، باعتبارها مصادر السلطة المادية، لا ملكية الدولة العامة كما فى اشتراكية الدولة، ولا الملكيةالخاصة الرأسمالية كما فى الرأسمالية، و يقوم من ناحية أخرى على احترام حقيقة تفرد الإنسان كفرد له سماته وشخصيته الفريدة، والذى تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب صفاته الجسدية والعقلية و مكتسباته الاجتماعية، وخبراته التاريخية، وقدراته الخاصة، تماما مثلما يجب أن نحترم حقيقة تميز الجماعات البشرية المختلفة ثقافيا ودينيا ولغويا.

أن هذا الإنسان الفريد متعدد الأبعاد والأنشطة والرغبات والاهتمامات والانتماءات، يأتى إلى العالم مكبلا بالعديد من القيود الذى لا دخل له فيها و لا اختيار، سواء الصفات الوراثية أو الأوضاع الاجتماعية، مجبرا على اكتساب مورثاته وجنسه و لغته وثقافته وعقيدته وعاداته وتقاليده ومجمل وعيه، ومن ثم فيجب لتحريره أن يكون له الحرية فى أن ينضم طوعا طالما قارب سن الشباب، إلى تعاونية معينة تقوم بنشاط محدد، ليتعاون مع أفرادها فى تلبية احتياجاتهم المشتركة عبر هذا النشاط، ومن ثم تتعدد التعاونيات التى يمكن أن ينضم لها الفرد بتعدد أنشطته واهتماماته وأبعاده ورغباته وانتماءاته، ولهذا فلابد أن يكون باب العضوية مفتوح لكل من يطلب عضوية تلك التعاونيات بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو آراءه السياسية أو دينه أو قوميته أو وضعه الاجتماعي .

يبدأ بناء المجتمع الاشتراكى التحررى إذن بتحرر إرادة الفرد العاقل والبالغ بالطبع ، فى أن يحدد ما يود ممارسته من نشاط، وما يود أن ينضم إليه من تعاونيات، وما يدخل فيه من علاقات اجتماعية مختلفة، وبالطبع تتنوع التعاونيات من إنتاجية ومهنية واستهلاكية وسكانية وإئتمانية وتأمينية و خدمية وتعليمية وثقافية واجتماعية، لتشمل كل أوجه النشاط البشرى المختلفة، ومن هنا تتعدد انتماءات الفرد و أنشطته، وعلاقاته الاجتماعية المختلفة، و تتحدد وفق إرادته الحرة.

يقوم المجتمع الاشتراكى التحررى على شبكة تحتية من تلك التعاونيات الأولية المتباينة الأنشطة بتباين النشاط البشرى، والتى تنشأ لتلبى الاحتياجات البشرية المختلفة ذلك لأن البشر ليسوا مجرد حيوانات منتجة فحسب أو مجرد مقيمين بمكان ما فقط، ومن ثم لا يمكن بناء المجتمع البشرى على جانب واحد من نشاطهم، بل يجب أن يبنى مراعيا تعدد جوانب شخصيتهم و أبعادها، ومن ثم تتعدد التعاونيات بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية واحتياجاتها .

وفيما يتعلق بتنظيم شئون التعاونية فهو كالتالى :-

لما كان كل نوع من أنواع النشاط البشرى يلزمه أساس مادى لممارسة النشاط من مصادر السلطة المادية المختلفة حسب الحالة، فيكون للتعاونية حق الملكية الجماعية لكل مصادر السلطة المادية المرتبطة بممارسة نشاطها، من عقارات وآلات وأموال وغير ذلك، والتى لا يجوز تجزئتها على أى نحو، أو تفتتها لملكيات خاصة لأعضاءها الذين يملكون حق الانتفاع بها على نحو متساو، ويبقى للأعضاء دائما حق تملك مقتنيات خاصة لاستعمالهم الشخصي، بما فيها ملكيتهم لأسهم خاصة بهم يشتركون بها فى رأسمال التعاونية، تتيح لهم حرية الانفصال عن التعاونيات، والانضمام إليها.

تلتزم التعاونية بعدم استخدام أى عمل مأجور أو أى عمل جبرى فى أى نشاط من أنشطة التعاونية، و تساعد التعاونية التحررية كل من يرغب فى التعامل معها كمنتج أو كمستهلك على الانضمام إليها كعضو بحصة فى رأسمال التعاونية و بالعمل فيها. على أن يكون لكل عضو فى التعاونية التحررية صوت واحد بصرف النظر عن حصته فى رأسالمال. و لكل عضو أن ينسحب من التعاونية فى أى وقت، على أن يأخذ حصته التى دفعها فقط من رأسالمال التعاونية.

التعاونيات لا تهدف بنشاطها للربح، و إنما تهدف لاستيفاء الحاجات الاستعمالية لأعضاءها، و من ثم يوزع صافى العائد الناتج عن نشاط التعاونية على شكل نسب محدودة يتفق عليها أعضاء التعاونية فى جمعياتهم العمومية على الترتيب التالى. نسبة محدودة لتكوين الاحتياطى المالى للتعاونية، وهو غير قابل للتجزئة على أى نحو، و نسبة محدودة للخدمات الاجتماعية والتعليمية والثقافية التى تقدمها التعاونية لأعضاء التعاونية و المجتمع المحلى، و نسبة محدودة لمكافأة المفوضين بالإدارة عن أعمالهم الإدارية التى أدوه،. و يوزع الباقى من عائد التعاونية الناتج عن نشاطها الإنتاجى للسلع والخدمات على الأعضاء المنتجين، وفق ما أداه العضو من جهد فى الإنتاج. و يوزع الباقى من أرباح التعاونية الناتج عن نشاطها الإستهلاكي للسلع والخدمات على الأعضاء المستهلكين، وفق ما استهلكه العضو من سلع وخدمات.

تتأسس إدارة التعاونية على الديمقراطية المباشرة، التى تعنى أن كل ما يتعلق بنشاط التعاونية و أفرادها فيما يتعلق منه بنشاط التعاونية، يحق لكل أعضاء التعاونية مناقشته، و اتخاذ قرارا بشأنه على نحو ديمقراطى. وعلى التعاونية تفويض من تراهم من مختصين فى الأمور التى يحتاج تقريرها إلى مختصين، ويحق لأعضاء التعاونية مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكلفيهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم، ومن ثم تنقسم القرارات إلى قرارات سياسية و إدارية يتخذها أعضاء التعاونية ديمقراطيا، وقرارات و فنية وتنفيذية يتخذها المختصون الذين تفوضهم الجماعة فى حدود اختصاصهم، كما أن هؤلاء المفوضين لا يحصلون من التعاونية على أكثر مما يحصل عليه العضو العادى مقابل أداء خدماتهم .

تحدد سياسة التعاونية و قرارتها الاجتماعات الدورية والاستثنائية لكافة أعضاء التعاونية، وذلك بالأغلبية المطلقة لأصوات الأعضاء. و تفوض الاجتماعات الدورية والاستثنائية للجمعية العمومية لأعضاء التعاونية من تراه غالبيتهم الأكفأ من بين الأعضاء لأداء المهام الإدارية المختلفة، فى فترات عدم انعقاد اجتماعات الجمعية العمومية الدورية والاستثنائية. و كل أعضاء التعاونية مرشحين للتفويض وناخبين للمفوضين فى نفس الوقت، و يتم تفويض من يحوز منهم على أصوات أكبر عدد من الأعضاء. و على الجمعية العمومية خلال اجتماعاتها الدورية والاستثنائية سحب التفويض من المفوضين بالإدارة أو إعادة تفويضهم، ومحاسبتهم على ما أدوه خلال الفترة ما بين الاجتماعات.

الاشتراكية التحررية لا تعنى عدم احترام المعرفة والعلم، ومن ثم التخصص والموهبة والقدرة الفردية، ولا تعنى عدم احترام النظام و القواعد، وبناء على ذلك فلكل تعاونية أن تحدد القواعد التى تنظم أوجه نشاطها، وأن تعاقب أى عضو من أعضاءها يخرج عن هذه القواعد والنظم التى حددوها بأنفسهم، أو قبلوها مع انضمامهم للتعاونية، وأن تفصل فى كل الخلافات التى قد تحدث بين الأعضاء، وتعاقب على كل المخالفات التى قد يرتكبوها، وتحفظ أمن التعاونية الداخلى.

من هذه التعاونيات الأولية التى تشكل خلايا المجتمع الاشتراكى التحررى، تتشكل اتحادات تعاونية متنوعة بتنوع النشاط البشرى، فيما بين التعاونيات المختلفة أو المتشابهة فى أنشطتها، وذلك من أسفل إلى أعلى، لتلبية احتياجات ومصالح بشرية أكثر اتساعا، تهم قطاعات أوسع من البشر، وتلبى احتياجاتهم المشتركة، الأمر الذى يمكن أن يتم عبر الاتحاد بين التعاونيات والاتحادات التعاونية من مستوى الاتحادات التعاونية المحلية والإقليمية وحتى الكوكب بأسره، فتنشأ اتحادات تعاونية على أسس جغرافية، وأخرى على أسس اقتصادية أو مهنية أو خدمية أو ثقافية.. الخ .

تقوم الاتحادات التعاونية المختلفة بإدارة المشاريع الكبيرة، و الأنشطة الضخمة، والمرافق العملاقة، وتؤدى المهام التى لا تستطيع القيام بها التعاونيات، فالاتحادات التعاونية هى تعاونية أكبر حجما بين تعاونيات أصغر، و تقوم على نفس الأسس التى تقوم عليها التعاونيات، و التى تنضم للاتحاد التعاونى ، لتلبى المطالب المشتركة لتلك التعاونيات كما ينضم الأفراد للتعاونيات لتلبية مطالبهم المشتركة.

يقوم الاتحاد التعاونى بحل التناقضات والمنازعات والخلافات بين التعاونيات المنضمة له لتحقيق المصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه، وتوفير الاحتياجات المشتركة للتعاونيات المنضمة إليه، على أساس مبدأ التعاون بين التعاونيات، والتبادل التعاونى للسلع والخدمات. وهذا المبدأ يحل مشكلة التفاوتات التىى يمكن أن تحدث بين تعاونيات غنية وتعاونيات فقيرة بحكم نشاط كل منهما وحجم أعمالها، ويحل المشاكل التى يمكن أن تحدث بناء على تضارب المصالح بين التعاونيات، ويمنع الإضرار بالمصالح المشتركة للتعاونيات المنضمة للاتحاد التعاونى.

الاتحادات التعاونية تقوم على الانضمام الطوعى للتعاونيات، عبر مفوضين منتخبين من تلك التعاونيات، و يحق لأعضاء التعاونيات المنضمة للإتحاد التعاونى مراقبة هؤلاء المفوضين ومحاسبتهم وتكليفهم وسحب التفويض منهم فى أى وقت إذا ما أخلوا بوظائفهم ومقتضيات تفويضهم .

مثلما يحدد أعضاء التعاونيات القواعد التى تلزمهم فى ممارسة نشاطهم الجماعى، تحدد التعاونيات المنضمة للاتحادات التعاونية القواعد الملزمة التى تنظم نشاطها الجماعى، وأن تعاقب الاتحادات التعاونية المخالفين لتلك القواعد، و أن تفصل فى الخلافات التى قد تحدث بين التعاونيات المختلفة، وتحفظ أمن الاتحاد الداخلى.

إذا كانت عضوية الأفراد للتعاونيات وعضوية التعاونيات للاتحادات التعاونية طوعية، فأن حق الانفصال مكفول للأفراد من التعاونيات ، وللتعاونيات من الاتحادات، وبالطبع فحق الأفراد فى تكوين التعاونيات المختلفة، و التعاونيات للاتحادات التعاونية حرية مكفولة للجميع.

أن حقوق سلطة التفويض هى حقوق إدارية و تنفيذية وتنظيمية، وليست سياسية، فالمفوضين ملزمين بالإرادة السياسية لمفوضيهم، كما أنه لا امتيازات لهم بسبب أداءهم لوظائفهم .

من الطبيعى أن أى سلوك أو نشاط سواء فردى أو جماعى يعرض أمن الناس وحريتهم وحقوقهم للانتهاك والخطر، لابد و أن يواجه بالردع أو العلاج اللازم عبر القواعد القانونية الملزمة والمتفق عليها للأفراد و للتعاونيات والاتحادات التعاونية.

الاشتراكية التحررية مشروع أممى، ومعادي لكل الحركات السياسية القائمة على أساس قومى أو دينى أو عنصرى، فالاشتراكية التحررية مشروع يهدف لتحرير كل البشر على ظهر الأرض، و لا يعترف بشرعية أى حدود جغرافية أو انفصالية بين البشر بسبب اختلاف قومياتهم أو أديانهم أو ثقافاتهم أو أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم، ويعتبر أن هذا التحرر غير ممكن إلا على مستوى الكوكب بأسره، و يرى أن الحل لمعظم مشكلات البشرية الآن، ولكى تتخلص من حماقتها وشرورها، هو بناء مجتمع اشتراكى تحررى يضم كل البشر وبصفتهم بشر فحسب على تلك الأرض وطنهم الوحيد، وملكيتهم الجماعية المشتركة، وقاربهم الذى يسبحون به فى الكون اللانهائى، بعيدا عن كل ما يفرقهم على أساس تمييزى بغيض .

نحن نرى على عكس ما هو شائع، أن التعاونيات والاتحادات التعاونية يمكنها أن تمارس كل الأنشطة السيادية والإنتاجية والخدمية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تمارسها الدولة، و يمارسها الرأسماليين، على السواء، بدءا من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحتى المشاريع الكبيرة و العملاقة بما فيها كل المرافق والمؤسسات العامة، و هى فى هذا الشأن لا تقل كفاءة إن لم تزيد بالفعل عن المؤسسات والشركات الرأسمالية والعامة والحكومية، فالفرق بين التعاونيات وبين المنشئات الحكومية و الرأسمالية يكمن فى القواعد التنظيمية التى تدار بها تلك المؤسسات فقط لا فى حجم الأعمال ولا فى عدد العاملين بها، و لا فى طبيعة ما تقدمه تلك المنشئات والمؤسسات من سلع وخدمات، فكما توجد شركات ومشاريع رأسمالية وحكومية صغيرة ومتوسطة وكبيرة، يمكن أيضا أن تتكون تعاونيات واتحادات تعاونية تحل محلها جميعا.

يمكن للتعاونيات أن تقوم بإنتاج كل السلع، وتقديم كافة الخدمات وأداء المهام السيادية، و ذلك بالتكامل والتعاون والاتحاد فيما بينها فى اتحادات نوعية أو اتحادات محلية أو وطنية، أو إقليمية أو دولية، من أسفل إلى أعلى، على نفس الأسس والقواعد التى تحكم التعاون التحررى فيما بين أعضاء التعاونيات، بعيدا عن مؤسسات الدولة و منشئات رأسالمال.

عندما نشأت الرأسمالية من قلب الإقطاع وسادت العالم بعد ذلك، لم تكن نتيجة فكرة فى عقل المفكرين، ولم تنشأ لأن حزبا ما ناضل من أجل تحقيقها، فقد نشأت الرأسمالية عندما تطورت الورش الحرفية لمصانع، بسبب التطور التكنولوجى، و استئجار أصحاب الورش العمال على نطاق واسع مما قلب العالم الإقطاعى رأسا على عقب، والاشتراكية التحررية لا تقدم نموذج هندسى سابق التخطيط، وإنما تستند رؤيتها للتغيير الاجتماعى على التعاونيات باعتبارها نموذج قائم فعليا فى الواقع كبذرة يمكن لها النمو لتصبح النظام السائد بعد زوال الرأسمالية والدولة الحديثة المرتبطة بها، وتدخلنا النضالى من أجل تحقيق هذا هو إزالة التشوهات الرأسمالية والبيروقراطية منها، والنضال من أجل أن تكون النظام السائد، ومن ثم لا يمكن وصف رؤيتنا بالخيالية كما يزعم خصومنا فنحن لسنا هواة هندسة اجتماعية لتناقض الهندسة الاجتماعية أساسا مع احترامنا للحرية الفردية والكرامة الإنسانية.

هذا هو الإطار العام لأهداف الاشتراكية التحررية ومبادئها، الذى يحمل بداخله إمكانيات الاختلاف فى التفاصيل بين متبنيه .

أن الهدف النهائى لكل اشتراكى تحررى هو تحقيق مجتمع بلا طبقات، وبلا سلطات قمعية، تختفى فيه الملكية الخاصة للثروات لتحل محلها الملكية الاجتماعية لكل مصادر السلطة المادية، ويزول فيه كل من العمل المأجور والعمل الجبرى، ليحل محله العمل الطوعى و التعاونى، وتنتهى فيه التفاوتات فى مستويات المعرفة بين الناس لتصبح المعرفة والمعلومات مشاعا بين الجميع، و يتحول الإنتاج من أجل الربح ليصبح إنتاجا من أجل اشباع الاحتياجات الاستعمالية للبشر، و يحل التعاون بين البشر محل التنافس، ويحل الأخاء بدلا من الصراع، و تندثر كل الحدود القومية والعرقية والدينية والثقافية التى طالما قسمت الناس، وسببت الحروب فيما بينهم، وتتلاشى فيه الفروق بين المدينة والريف، وبين العمل اليدوى والعمل الذهنى، وهى أهداف نبيلة وإنسانية، إلا أننا واقعيا نرى أنها لن تتحقق فى مثل تلك الظروف التى نعيشها الآن، ومن ثم سوف تظل حلما يستحق أن نناضل من أجله دون أن نتخلى عن الواقعية والعملية، فى ضوء حقيقة تدهور الثقافة و الوعى الاجتماعى السائد، وعدم استعداد معظم الناس للتحرر من عبوديتهم للسلطات القمعية، ومن الأوهام والأساطير السلطوية التى تسيطر عليهم، فضلا عن أن هذه الأهداف النهائية لن تتحقق إلا على نطاق عالمى، إذ لا يمكن أن تتحقق على نطاق محلى فى بلاد متخلفة وفقيرة مثل بلادنا، بلاد عاجزة عن أن تنتج أكثر مما تستهلك، ومن ثم فإننا وانطلاقا من النظرة الواقعية والعملية للأمور نطرح بدائل ممكنة الآن، ومتناسبة مع الظروف الواقعية لمجتمعاتنا، نرى أنه يمكن أن نحشد من أجل تحقيقها جهود أصحاب المصلحة فى تحقيقها..وهو ما يعبر عنه برنامجنا النضالي المرحلي.

المصدر: http://fasail.blogspot.com/2011/07/blog-post.html

لێدوانێک بنووسە

ئەم ماڵپەڕە لە ئەکیسمێت بۆ کەمکردنەوەی هەرزە واڵە و سپام سوود دەگڕێ. فێربە چۆن زانیاری بۆچونەکانت ڕێکدەخرێت.