نقد الاشتراكية السلطوية
يجمع الأناركيون على نقد قاس للاشتراكية السلطوية. في البداية كانت انتقاداتهم اللاذعة غير مبررة كليا، حيث كانت توجه إلى الشيوعيين الأوائل الذين لم يعرفوا الماركسية الإنسانية، أو لأنها وجهت لماركس وإنجلز الذين لك يكونا سلطويين ودولتيين بالقدر الذي زعمه الأناركيون. ولكن في هذه اليام انتشرت وتنوعت الاتجاهات السلطوية التي كانت موجودة بشكل صغير وضعيف في الفكر الاشتراكي. اليوم أصبح النقد الأناركي أقل افتراءا وأكثر صحة لأنه أصبح أكثر امتدادا وأصبح مميزا بنكهة تنبؤية.
يؤيد شتيرنر الشيوعية ولكنه يشترط: “إذا كان الاعتقاد الشيوعي لمضطهدي المجتمع الحالي خطوة تقدمية على طريق تحريرهم الكامل، فإنهم لن يقضوا على “انسلابهم” للأبد، ولن يبرزوا فردانيتهم إلا إذا تجاوزوا الشيوعية.
لذا فإن شتيرنر يرى أن العامل في النظام الشيوعي سوف يبقى خاضعا لهيمنة المجتمع العمالي. وهذا العمل الذي يفرض على المجتمع من قبل العامل هو بمقابة قصاص له. ويكتب الشيوعي ويتلنغ: “لا يمكن للقدرات أن تنمو إلا بمقدار عدم ارباكها لتجانس المجتمع”. ويجيب شتيرنر عليه: “أن أكون مستقيما في نظام طاغ أو في مجتمع ويتلنغ، يعني غياب القانون في كلا الحاليتن”.
لا يعطي الشيوعي أهمية كبيرة “لوقت الفراغ” بل يكتفي بتقديمها للعامل مهملا ما أساسي: استفادة العامل من قدراته الذاتية بعد القيام بمهمته الانتاجية. ويرى شتيرنر أن خطورة المجتمع الشيوعي تحديدا أن الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج تسلم الدولة سلطات مفرطة أكثر من المجتمع الحالي: “إن الشيوعية بالغائها كل ملكية فرجية، تجعلني أكثر تبعية للآخرين، مع أنها تهاجم الدولة كثيرا، فإنها تريد اقامة دولتها الخاصة أيضا، ما يوقف نشاطي الحر وينصب علي سيدا”. في مواجهة هذا القمع الذي أعيش في ظله والذي يمارسه الملاك الأفراد، تثور عليه الشيوعية وهي محقة في هذا، ولكن وضع النفوذ في أيدي الكل هو أكثر رعبا”.
يستاء برودون بنفس الشكل من “النظام الشيوعي”، الحكومي، الدكتاتوري، التسلطي، العقائدي، الذي ينطلق من مبدا “تبعية الفرد إلى الجماعة”. إن ما حمله الشيوعيون عن السلطة هو ذات المفهوم الذي حمله أسيادهم القدماء. بل هو أقل تحررية. “مثل جيش سيطر على مدافع العدو ، كل ما فعلته الشيوعية هو توجيه مدفعها الخاص ضد جيش الملاك. والعبد يقلد دوما معلمه”. يصف برودون النظام السياسي الشيوعي بما يلي:
“ديمقراطية مركبة، تقوم شكليا على دكتاتورية الجماهير، لكن لا تملك الجماهير من السلطة إلا ما يكفي لضمان العبودية، انطلاقا من الصيغ التالية المسنبطة من السلطة المطلقة القديمة:
“عدم الفصل بين السلطات؛ المركزية المشددة؛ هدم المنهج الفكري الفردي، التعاوني والمحلي؛ شرطة مخابراتية وتعسفية”.
يريد الاشتراكيون السلطويون “ثورة من الأعلى”. “يدعمون فكرة أنه بعد الثورة يجب أن تستمر الدولة. إنهم يحافظون على الدولة، والسلطة، والتسلط، والحكومة، لا إنهم يزيدون أهمية هذه. ما يفعله الاشتراكيون السلطويون هو تغيير الأسماء. كأن تبديل الكلمات يكفي لتغيير الأشياء!” ويقول برودون هذه النكتة: “الحكومة بيطبيعتها هي ضد الثورة، ضعوا القديس سان بول في السلطة: يتحول إلى غيزو أو تاليران”.
يوجه باكونين هذا النقد للشيوعية السلطوية: “إنني أكره الشيوعية لأنها انكار للحرية، وأنا لا أستطيع تصور أي شيء إنساني بدون حرية. أنا لست شيوعيا على الاطلاق لأن الشيوعية تضع كل قوى المجتمع بيد الدولة، لأنها تؤدي إلى مركزة الملكية بأيد الدولة، أما أنا فأريد الغاء الدولة، انتزاع جذري لمبدأ سلطة الدولة ووصايتها، الدولة التي كانت وما وزالت تستعبد الناس وتقمعهم وتستغلهم وتفسدهم، بحجة جعل الناس أكثر أخلاقية وتمدنا. إنني أريد تنظيم المجتمع والملكية الجماعية من الأسفل إلى أعلى وليس من أعلى إلى أسفل، عن طريق الجمعية الحرة، إنني جماعي، ولست شيوعيا”.
بعد هذا الحديث بقليل انضم باكونين إلى الأممية الأولى حيث تواجه هو ومناصروه ليس بماركس وإنجلز فقط بل آخرون أيضا انتقدوا مواقفه وبشكل أكثر مما فعله منظرا الاشتراكية العلمية: فمن جهة، هناك الديمقراطيون الاجتماعيون الألمان الذين الدولة بالنسبة لهم محاطة بهالة من القدسية والذين يريدون إقامة “دول شعبية” مجهولة عن طريق الانتخاب والتحالفات الانتخابية؛ من ناحية أخرى البلانكيون الذين دعوا لدكتاتورية أقل ثورية، ذات صفة مؤقتة. حارب باكونين هذه المفاهيم السلطوية بشدة، والذين تأرجح ماركس وإنجلز بينهما، لأسباب تكتيكية حتى أعلنوا رفضهم لها بسبب ضغط النقد الأناركي.
أما مواجهة باكونين مع ماركس كانت بسبب تسلط ماركس بطريقة عصبية وشخصية في الأممية الأولى، خصوصا بعد 1870. هذا الصراع الذي دار بشكل رئيسي حول المسألة التنظيمية، أي جمعية العمال الدولية، ولكن لا شك أن كلا الطرفين كانا مخطئين. فباكونين ليس بريئا تماما، إذ أن ما اتهم به ماركس كان غالبا ظالما، بل ويعتريه جزء من سوء النية. لكن ما قد يلفت النظر هو أن باكونين قد أحسن العمل عندما أطلق صرخة تحذيرية منذ العام 1870 ضد بعض المفاهيم التنظيمية للحركة العمالية والسلطة العمالية، وهي مفاهيم سوف تشوه الثورة الروسية بعد هذا التاريخ بوقت طويل. كان باكونين يرى في الماركسية ما هو محق، وأحيانا ما هو ظالم، الذي سوف يشكل لاحقا نواة الللينينية، ثم سرطان الستالينية.
ويتحدث باكونين، بشيء من الخبث عن نوايا ماركس وإنجلز، إذا ما افترضنا عن إضمار الرجلين لهذا، رغم أنهما لم يفصحا عن هذا يوما: “يقال لنا، إن كل العمال لا يمكن أن يكونوا علماء، ألا يكفي أنه توجد في قلب هذه الجمعية، فئة من الرجال تملك علم وفلسفة وسياسة الاشتراكية، وفقا لما تسمح به أيامنا، حتى يمكن للأغلبية، عبر خضوعها الاستسلامي للقيادة، ضمان السير في الخط الذي يجب أن يقود إلى التحرر النهائي للبروليتاريا؟ هذا هو نمط التفكير الذي سمعناه بصورة غير مباشرة، إذا أن البوح بهذا يحتاج إلى الجرأة والرصانة الغير موجودتين، والذي نما سرا مع تحفظات مختلفة، ولبقة إلى حد ما”. ويتابع باكونين هجومه: “بما أنهم بدأوا من مبدأ أنم للفكر أفضلية على الحياة وأن للنظرية أفضلية على الممارسة الاجتماعية، فإنه، يجب أن تكون الثورات الاجتماعية، وإعادة البناء الاجتماعي نقطة البداية، فقد توصلوا إلى نتيجة أن الفكر والنظرية والعلم، هي ملكية حصرية لأقلية من الناس، هذه الأقلية يجب أن تقود الحياة الاجتماعية”. إن الدولة الشعبية المزعومة لن تكون إلا حكومة استبدادية للجماهير الشعبية، عبر ارستقراطية جديدة وصغيرة جدا تتألف من علماء حقيقيين أو مزعومين.
إن باكونين يكن اعجابا كبيرا بقدرات ماركس الفكرية، فقد عزم على ترجمة أبرز مؤلفات ماركس: “رأس المال”، إلى اللغة الروسية، كما أنه كان مؤمنا بالمادية التاريخية. إن باكونين قدر جدا المساهمة النظرية لماركس في تحرير البروليتاريا. ولكن ما رفضه هو أن يمنح التفوق الفكري حق قيادة الحركة العمالية: “إن الادعاء بأن فئة من الأفراد، حتى لو كانت الأكثر ذكاء وصدقا، لها القدرة على أن تصبح قائدة فكرية وروحية وووحدوية وآمرة للحركة الثورية والتنظيم الاجتماعي لكل البلدان، هو هرطقة مخالفة لأبسطج المفاهيم والتجربة التاريخية، وجعلنا نتسأل وباستغراب كبير كيف يمكن لرجل بذكاء ماركس الوقوع فيه. إن قيام دكتاتورية لتلبية حاجات المهندس الرئيسي للثورة العالمية، الذي ينظم ويقود الحركة الجماهيرية المنتفضة في كافة البلدان كما يتم ادارة الآلة، إننا نقول إن قيام هذه الدكتاتورية هو كاف لقتل الثورة، لشل وتشويه كل الحركات الشعبية. ما الذي نقوله إذا عن مؤتمر أممي يفرض على البروليتاريا العالمية حكومة تملك كافة صلاحيات الدكتاتورية، لصالح الثورة؟”
إن تجربة الأممية الثالثة أثبتت أن باكونين رغم مبالغته باسناد مفهوما استبداديا إلى ماركس، وإلى هذه الدرجة من الشمولية، فإن ما حذر منه قد تحقق بعد ذلك بوقت طويل.
أنا بالنسبة لخطر النظام الشيوعي الدولتي فإن اللاجئ الروسي لم يكن أقل تبصرا. فهو يرى أن الاشتراكيون العقائديون يطمحون إلى “وضع الناس في وعود حديدة”. طبعا إنهم يتفقون مع الأناركيين أن الدولة هي عبودية لكنهم يقولون أن الدكتاتورية فقط، أي دكتاتوريتهم، هي القادرة على تحقيق حرية الناس؛ لذا نحن نجيب بأن المغزى من أي دكتاتورية هو بقائها أطول مدة ممكنة. فبدل أن نترك البروليتاريا تدمر بذاتها الدولة، فإنهم يريدون “نقلها إلى أيدي متصدقيها، حراسا ومعلمين، زعماء الحزب الشيوعي”. لكنهم لم يروا أن هذه الحكومة هي دكتاتورية حقيقية “أيا كانت الأشكال الديمقراطية التي تمارسها”، فهم “يعزون أنفسهم بفكرة أن هذه الدكتاتورية هي مؤقتة وقصيرة”. لا، يجيب باكونين. إن هذه الدكتاتورية المؤقتة، سوف تؤدي بدون أدنى شك إلى “إعادة بناء الدولة، والامتيازات، وعناصر اللامساوة والقمع الدولتية، إلى “تشكيل حكومة أرستقراطية تبدأ من جديد باستغلال الناس واخضاعه بحجة الرفاهية المشتركة أو لإنقاذ الدولة”. هذه الدولة سوف تكون “الأكثر شمولية لأنها تتخفى حول ظاهرة مزيفة أي احترام إرادة الشعب”.
لمن باكونين بقي مؤمنا بنجاح الثورة الروسية وبشكل واضح: “فإذا تأخر عمال الغرب كثيرا، فإن التجربة سوف تكون من الفلاحين الروس”. إن الثورة في روسيا سوف تكون أساسا تحررية. ولكن حذار من التالي! فالثوريون يمكن أن يكملوا ببساطة دولة بيار لوغران “القائمة على إنهاء كافة أشكال الحياة الشعبية”، لأنه، “يمكن تغيير عنوان الدولة وشكلها، ولكنها ستبقى في عمقها هي ذاتها”. لذا يجب إما إنهاء الدولة، أو “التصالح مع أكثر الأكاذيب خساسة وخطرا في عصرنا: “البيروقراطية الحمراء”. ويتابع باكونين: “خذو أكثر الثوريين حماسة وضعوه على عرش البلدان الروسية أو امنحوه سلطة دكتاتورية وسوف يتحول قبل سنة ليصبح أسوأ من القيصر ذاته”.
بعد الثورة الروسية سوف يلاحظ فولين أحد محركي الثورة والشاهدين والمؤرخين لها، أن الواقع يتطابق مع رؤية المنظرين. فيتأكد، أن الثورة الاجتماعية والسلطة الاشتراكية هما عنصران نقيضين. لا يمكن التوفيق بينهما “الثورة التي تسترشد بالاشتراكية الدولتية وتقرر مصيرها، ولو بصورة مؤقتة أو انتقالية، هي ثورة فاشلة، إنها تمشي على طريق خاطة، على أكثر المنحدرات حدة. إن كل سلطة سياسية تمنح الامتيازات لمن يمارسها بعد الاستيلاء على الثورة والتحكم بها ولجمها سوف تخلق جهازهات البيروقراطي والقسري، الذي هو أمر مهم لكل دولة تريد البقاء، والقيادة، والأمر أو بكلمة واحدة تريد الحكم. قادة، موظفون، عسكر، شرطة، أعضاء في الحزب الحاكم. كل سلطة تسعى إلى السيطرة على الحياة الاجتماعية. فتعود على الجماهير على أسلوب التبعية، ما يؤدي إلى خنق المبادرة، بسبب وجود هذه السلطة. السلطة “الشيوعية” هي أداة قتل حقيقية. والسلطة المنفوخة عبر منحها الصلاحيات، تهاب كل عمل مستقل. فتبدو لها أي مبادرة مستقلة أمرا مريبا، خطيرا لأن السلطة تريد القيادة، تريدها منفردة. لذا تبدو كل المبادرات الأخرى تدخلا في مجالها وفي صلاحياتها وهو أمر لا يمكن القبول به”.
إذا، لماذا السلطة “المؤقتة” و”الانتقالية”؟ إن الأناركية ترفض بالكامل هذا الزعم. في عشية الثورة الاسبانية 1936 قال دييغو أباد دي سانتيلان عن الاشتراكية السلطوية ما يلي: “إما أن تعطي الثورة الثروة الاجتماعية للمنتجين، أو لا تعطيهم شيئا. فإذا أعطتهم هذه الثروة، وإذا انتظمت وسائل الإنتاج والتوزيع بشكل جماعي، فإن الدولة سوف تنتهي من تلقاء ذاتها. وإذا لم تعطهم الصورة هذا، فإنها ليست إلا خدعة، والدولة ستبقى”. إن هذه الصورة تعتبر لدى البعض مبسطة بعض الشيء، ولكنه ليس مبسطا وفقا لما يريده الأناركيون حقا: فهم ليسوا ساذجين ليتصوروا أن الدولة وبقاياها سوف تزول بين ليلة وضحاها، هم يريدون القضاء على هذه البقايا بأسرع وقت ممكن، فيما السلطويون مسرورون لفكرة بقاء الدولة الانتقالية المسماة بالعمالية.
http://blackcat-elibrary.atwebpages.com
