الفصل الثاني
مولد الـ (سوفيات)
———————
نصل الآن إلى واحد من أهم جوانب الثورة الروسية . أصل الـ (سوفيات) و نشاطها الأول .
و هي واحدة أخرى من التناقضات , و أحد أقل جوانب الثورة فهما و أكثرها تشويها .
في كل ما كتب حتى اليوم عن أصل الـ (سوفيات) – و لا أتحدث فقط عن الدراسات الأجنبية بل و عن الوثائق الروسية كذلك , هناك فجوة لا يمكن للقاريء المدقق ألأ يلاحظها , أن لا أحد حتى الآن يمكنه تحديد متى ة لا أين و لا كيف نشأت أول الـ (سوفيات) العمالية .
حتى اليوم يجمع الكل , كتاب و مؤرخين , بورجوازيين و إشتراكيين – مناشفة و بلاشفة و غيرهم – على تأريخ أول الـ (سوفيات) العمالية بنهاية 1905 . في حدود وقت إضراب أكتوبر الكبير , و بيان القيصرية المؤرخ في 17 أكتوبر و الأحداث التي تلت ذلك . و من خلال الصفحات التالية سوف يفهم القاريء سبب الفجوة المذكورة .
بعض الكتاب – و بالتحديد (ب ميليوكوف) P. Miliukov في مذكراته الغامضة – يلمح إلى سلف ما سيكون فيما بعد (سوفيات) منذ أوائل 1905 . لكنهم يفشلون في إعطاء تفاصيل دقيقة . و عندما يحاولون إعطاء التفاصيل تجدهم مخطئين . فمثلا , يعتقد (ميليوكوف) أنه قد وجد أصل الـ (سوفيات ) في لجنة (تشيدلوفسكي) Chidlovsky Commission , و هذه كانت مؤسسة نصف حكومية – نصف ليبرالية حاولت – بلا جدوى – حل بعض المشاكل الإجتماعية عشية يناير 1905 بالتعاون مع الوفود الرسمية التي تمثل العمال . و وفقا لـ (ميليوكوف) فإن أحد موفضي هذه اللجنة من المثقفين و يدعى (نوصار) Nossar , قد شكل مع موفضين آخرين الـ (سوفيات) على هامش أعمال اللجنة . أول الـ (سوفيات)العمالية . و أن (نوصار) قد صار الروح المحركة و كذلك رئيس هذا الـ (سوفيات) . و هذه قصة مبهمة و الأهم أنها غير دقيقة . فعندما ظهر (نوصار) في لجنة (تشيدلوفسكي) كما سنعرض كان عضوا – و رئيسا كذلك – لأول الـ (سوفيات) العمالية و التي تشكلت قبل وجود هذه اللجنة التي لا تربطها بها أية علاقة . و هو نفس الخطأ الذي وقع فيه كتّاب آخرون .
و يقدم الإشتراكيون الديموقراطيون أنفسهم أحيانا على أنهم المحرضون الحقيقيون على تشكيل الـ (سوفيات) الأول .
و تبذل البلاشفة غاية وسعها لسرقة هذا الشرف منهم .
لكنهم كلهم مخطئون , جاهلون بالحقيقة . و الحقيقة غاية في البساطة . بأنه لا طرف واحد و لا حزب واحد و لا منظمة واحدة دائمة و لا حتى قائد واحد كان مسئولا عن ولادة فكرة الـ (سوفيات) الأول . لقد نشأ الـ (سوفيات) عفويا , نتيجة لإتفاق جماعي , في سياق حشد صغير عارض , و خاص تماما . (3).
و المواد الت سيجدها القاريء هنا لم تنشر من قبل و هي تشكل واحدة من الفصول المفقودة للثورة المجهولة . و قد حان الوقت لإستعادة الحقيقة التاريخية . و ما يجعل الأمر أكثر إلحاحا هو واقع أن هذه الحقيقة موحية للغاية . .
و أننا استميح القاريء عذرا لأنني سأضطر للحديث عن نفسي . لأنني قد شاركت في إنشاء أول (سوفيات) ) لمفوضي العمال على الرغم مني , في (سانت بطرسبورج) , في يناير – فبراير من العام 1905 و ليس في نهايته . و قد أكون اليوم الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يروي و يؤرخ هذه الحادثة التاريخية , ما لم يكن أحد العمال الذين شاركوا في العمل ما يزال على قيد الحياة و قادرا على رواية القصة .
لقد أردت أن أروي هذه الحقائق في مناسبات عديدة من قبل . إذ كلما طالعت الصحف – الروسية و الأجنبية على حد سواء – كنت دائما أجد هذه الفجوة . لا أحد من الكتّاب كان قادرا على الإخبار بأين و لا متى و لا كيف نشات أولى الـ (سوفيات) العمالية في روسيا . و غاية علمهم أن الـ (سوفيات) قد نشأت في (سانت بطرسبورج) في العام 1905 , و أن رئيسها الأول كان كاتب عدل من (سانت بطرسبورج) يدعى (نوصار) , و يعرف أكثر باسمه الآخر (خروستاليف) Khrustalev . لكن أين و كيف نشأت فكرة هذه الـ (سوفيات) ؟ و لماذا تم إطلاقها ؟ و ما هي الظروف التي تم تبني هذه الفكرة فيها و وضعها موضع التنفيذ . و كيف و لماذا صار(نوصار) رئيسا لها ؟ و من أين جاء و ما هي انتماءاته الحزبية ؟ و من كان الناس في أول (سوفيات) ؟ و ماذا كانت وظيفته ؟ كل هذه الأسئلة ذات الأهمية التاريخية بقيت بلا إجابة . .
هنا ينبغي أن نؤكد أن هذه الفجوة مفهومة . فإنشاء أول (سوفيات) كان حدثا خاصا منعزلا . و قد حدث في جو حميمي للغاية , بعيدا عن متناول كل دعاية و خارج أي حملة أو عمل بعيد المدى .
و يستطيع القاريء التحقق مما أقول بشكل غير مباشر . ففي الكتابات التي تعالج هذا الجانب من الثورة الروسية , سيجد القاريء اسم (نوصار – خروستاليف) يذكر عرضا . لكنه سيجد أيضا شيئا محيرا . إذ لم يذكر أحدد على افطلاق كيف و لا متى ظهر هذا الرجل على الساحة و لا لماذا و لا ماذا كانت ظروف التي صار فيها رئيسا لأول (سوفيات) . و الكتاب الإشتراكيون ينزعجون بصورة جلية من الحديث عن (نوصار) . و يبدو أنهم لا يريدون الإشارة إليه أو ذكر اسمه . لكنهم من ناحية أخرى غير قادرين على الصمت إزاء الحقيقة التاريخية – التي يفضلونها – فيتمتمون بعبارات مبهمة غير دقيقة و لا مفهومة عن (نوصار) و دوره ثم ينتقلون مسرعين إلى أنشطة الـ (سوفيات) في نهاية 1905 عندما أصبح (ليون تروتسكي) Leon Trotsky رئيسا لـ (سوفيات) (سانت بطرسبورج) .
هذا التحفظ , و هذا الانزعاج , و هذا التعجل يمكن فهمه . فباديء ذي بدء فلا المؤرخون و لا الإشتراكيون – بما فيهم (تروتسكي) و لا الأحزاب السياسية عامة يعلمون أي شيء حول الأصل الحقيقي للـ (سوفيات) و من المزعج لهم حقا الاعتراف بهذا . ثانيا : حتى لو عرف الإشتراكيون الحقائق و أرادوا أخذها في الإعتبار , سيكون عليهم الإعتراف بأنه لا يد لهم في هذا الأمر كله و أنهم فقط استفادوا منه بعد ذلك بكثير . و هذا هو السبب – سواء أعرفوا الحقيقة أم جهلوها – في محاولتهم إخفاءها بكافة الطرق , و رسم صورة إيجابية لأنفسهم .
أما ما منعني من رواية هذه الوقائع حتى الآن (4) هو الشعور بالإنزعاج الناجم عن الحاجة إلى الحديث عن الذات . و من ناحية أخرى لم تتح لي الفرصة للكتابة عن الـ (سوفيات) للصحافة العامة , و التي علاوة على ذلك , لا أكتب لها . و بمرور الوقت لم أكن قد قررت إنهاء صمتي عن أصل الـ (سوفيات) لأحارب الأخطاء و الأساطير , لكشف الحقيقة .
لكن , ذات مرة منذ عدة سنوات . أزعجتني التلميحات الجوفاء و الكاذيب في بعض المقالات و المجلات . فزرت (م ميلجونوف) M. Melgunov , و هو ناشر لمجلة تاريخية روسية تصدر في باريس , و عرضت عليه , بغرض التوثيق البحت , عرضا مفصلا لميلاد أول الـ (السوفيات) العمالية . غير أن عرضي لم يؤد إلى شيء . فأولا : رفض الناشر قبول بداهة موقفي بألا يتم تعديل النص . و ثانيا : لأنني علمت بأن مجلته أبعد ما تكون عن الحيادية في التعامل مع التاريخ .
غير أني أود أن أذكر استثناءا واحدا , فقد ذكرت هذه الحقائق في دراسة موجزة عن الثورة الروسية , نشرها (سباستيان فاوريه) Sebastien Faure في موسوعته Encyclopedic Anarchiste , تحت عنوان الثورة . و قد نشر (فاوريه) فيما بعد كتابا بعنوان La veritable Revolution sociale ضمنه بعض الدراسات المنشورة في الموسوعة بما فيها مقالي . و لكن لأن الجمهور في الغالب لا يقرأ الأدب التحرري بقيت هذه الحقائق مطمورة حتى الآن .
و لأنني مضطر للحديث عن الـ (سوفيات) فسأروي الحقائق كما تكشّفت لي , و ليجد المؤرخون و الصحافة و أي مهتمون آخرون الحقيقة ها هنا .
في العام 1904 كنت منخرطا في أعمال تثقيفية و تعليمية بين عمال (سانت بطرسبورج) و قد قمت بتنفيذ مشروعي بصورة منفردة متبعا منهجي الخاص . و لم أكن انتمي لأي حزب سياسي , برغم من إدراكي لثوريتي . كنت لا أزال في الثانية و العشرين من العمر و قد غادرت الجامعة للتو .
بحلول نهاية 1904 كنت معلما لنحو مائة من العمال .
و من بين طلبتي , كانت هناك إمرأة شابة , و كانت تنتمي و زوجها إلى “قطاعات” (جابون) . . حتى ذلك الوقت لم أكن قد سمعت شيئا ذا بال عن (جابون) و لا عن قطاعاته . و ذات ليلة أخذني طلبتي إلى أحد “القطاعات” في الجوار آملين في إثارة إهتمامي بهذا العمل و مؤسسه . في هذه الليلة كان (جابون) بنفسه حاضرا الإجتماع . و في ذلك الوقت لم يكن دور (جابون) الحقيقي قد تحدد بعد . و لم يكن لدى العمال التقدميين ثقة كاملة في مشروعه – لأنه كان حكوميا و انبثق من الحكومة – لكن كان لهم اغراضهم الخاصة في ذلك المشروع . و يبدو أن سلوك الكاهن الغامض كان يدعم هذه الأغراض . و قد آمنوا أن (جابون) , و تحت غطاء واقي من الشرعية , كان يحضّر في الواقع لحركة ثورية واسعة . و لعل هذا السبب هو ما جعل كثير من العمال يرفضون في وقت لاحق التصديق بأن (جابون) كان عميلا للشرطة . و بمجرد أن انكشف هذا الدور , أقدم بعض العمال , الذين كانوا أضدقاءا مقربين لـ (جابون) على الإنتحار .
في نهاية ديسمبر قابلت (جابون( .
و قد فتنتني شخصيته . فمن ناحيته بدا , أو اراد أن يبدو مهتما بعملي التعليمي .
و اتفقنا على أن نتقابل ثانية لنحظى بحديث مطوّل و لهذا الغرض أعطاني (جابون) بطاقة زيارة و عنوانه .
بعد ذلك بأيام قليلة , بدأ إضراب مصنع (بوتيلوف) Putilov الشهير . و بعد ذلك بقليل , و بالتحديد في مساء السادس من يناير 1905 جاءني طلبتي و قد ملأتهم الحماسة ليخبروني أن الأحداث قد اتخذت منحنيا بالغ الخطورة . إذ حرّض (جابون) على حركة واسعة بين جماهير العمال في العاصمة , و أنه يزور جميع القطاعات خاطبا في الحشود , داعيا للتجمع يوم الأحد التاسع من يناير قبالة القصر الشتوي لتقديم “العريضة” للقيصر . “العريضة” التي كان قد كتبها , و التي سيقرأها و يعلق عليها في “القطاع” القريب في الليلة التالية . . السابع من يناير . و قد بدت لي هذه الأنباء مستبعدة للغاية . على أنني قد قررت الحضور في “القطاع” في الليلة التالية لأقيّم الوضع بنفسي .
في اليوم التالي ذهبت إلى “القطاع” . و كان هناك تجمعا كبيرا حاشدا قد ملأ الغرف و الشارع على الرغم من البرد الشديد . كان الناس جديون و قد التزموا الصمت . و بالإضافة إلى العمال , كان هناك أشخاص من مختلف المشارب , مثقفون و طلبة و جنود و عملاء شرطة و عدد قليل من تجار الحي , و كان هناك الكثير من النساء . و لم تكن هناك حراسة أو خدمة أمن من أي نوع .
ذهبت إلى القاعة , و كان الناس في انتظار قدوم الأب (جابون) في أية لحظة . و لم يمض طويل زمن حتى حضر . و شق طريقه سريعا نحو المنصة عبر كتلة متزاحمة من البشر , كلهم وقوف و يضغطون بقوة ضد بعضهم البعض . و ربما كان في القاعة أكثر من ألف شخص .
كان الصمت مؤثرا . و فجأة و بدون أن يخلع معطفه المصنوع من الفرو الذي أكتفى بحل أزراره و حسب ليجعل his cassock و صليبه الفضي مرئيا , خلع قلنسوته بلفته مصممة فظة تاركا شعره الطويل ينسدل , قرأ (جابون) “العريضة” للحشد الضخم الذي انصت , من الكلمات الأولى , باهتمام و رهبة .
و على الرغم من أن صوته كان أجشا إلى أبعد حد – و قد استهلكه استخدامه بلا توقف لعدة أيام – كان خطابه بطيئا وقورا و في ذات الوقت دافئا , باعثا على الثقة , يسري إلى قلوب جميع الناس الذين استجابوا باهتياج لمرافعته و دعاواه . .
كان التأثير الذي تركه لا ينسى . أن يشعر الإنسان بأن شيئا هائلا و مصيريا سيحدث . أتذكر كيف ارتعدت بمشاعر غير عادية طوال الخطبة بأكملها .
و بمجرد أن انتهي , نزل عن المنصة و غادر مسرعا محاطا بثلة من أتباعه المخلصين , داعيا الحشد الذي ما يزال في الخارج إلى الإستماع إلى “العريضة” التي سيقرأها مرة أخرى أحد معاونيه .
و إذ فرّقتي عنه الحشود الكثيفة من البشر , و إذ بدا على عجلة من أمره و قد استهلكه ما بذله من الجهد فوق العادي , و إذ أحاط به أصدقاءه , لم أحاول أن أصل إليه . علاوة على ذلك , كان هذا بلا طائل . لكنني فهمت أن ما أخبرني به طلبتي كان صحيحا . حركة جماهيرية هائلة , حركة بأهمية استثنائية , و قد تم إطلاقها .
و عندما ذهبت إلى القطاع في اليوم التالي , الثامن من يناير , كنت أريد أن أرى ما الذي يحدث . كنت أريد في الأساس الإلتحام بالجماهير و أن أشارك في الحدث . و قد كان العديد من طلبتي بصحبتي .
أما ما وجدته في “القطاع” فقد أوحى إليّ بما يتوجب عليّ فعله .
فباديء ذي بدء رأيت الحشود تتجمع في الشارع . و قد أخبرونا بان أحد أعضاء “القطاع” في الداخل يقرأ “العريضة” . فانتظرت .
بعد بضعة دقائق انفتح الباب بخفة و غادر نحو ألف شخص القاعة . و دخلها ألف غيرهم . و كنت مع هؤلاء الأخيرين .
و حالما انغلق الباب بدأ أحد “الجابونيست – و كان جالسا على المنصة – في قراءة “العريضة” .
لكنه ياللأسف !! كان بغيضا , بصوته الضعيف الرتيب بلا روح , بلا تفسير أو استخلاص , يتمتم الرجل بالنص أمام الحشد الحريص اليقظ . و قد انتهى من محاضرته المملة في عشر دقائق ثم يتم تفريغ القاعة لتستقبل ألف شخص آخرين .
و بعد تشاور وجيز مع أصدقائي , أجمعنا أمرنا و هرعنا إلى المنصة . حتى ذلك اليوم لم أكن قد تحدثت أمام جماهير مطلقا . لكنني لم أتردد . كان من الضروري للغاية تغيير طريقة إعلام و تثقيف الناس .
ذهبت إلى العمال الذي كان على وشك تأدية واجبه مرة أخرى . فأخبرته : “لابد و أنك متعب . دعني أحل محلك . . . ” فنظر إلى في دهشة و ارتباك . إذ كانت المرة الأولى التي يراني فيها . فأكملت :” لا تخف . . أنا صديق (جابون) . . و هذا هو الدليل .” و أريته بطاقة (جابون) و أيد أصدقائي عرضي . .
و أخيرا استسلم الرجل فنهض و أعطاني “العريضة” و غادر المنصة . و هكذا بدات في القراءة على الفور مع الإستمرار في تفسير الوثيقة , و التأكيد على المقاطع الأساسية , الاحتجاجات و المطالب , و أنا على يقين بأن القيصر سيرفض .
قرأت العريضة عدة مرات , حتى وقت متأخر من الليل . و نمت ليلتها في “القطاع” مع بعض العمال على مناضد وضعت جنبا إلى جنب . و في الصباح التالي – يوم التاسع من يناير الشهير – كان علي أن أقرأ “العريضة” مرة أو مرتين . ثم خرجنا إلى الشارع . و كان هناك حشد ضخم ينتظرنا هناك مستعد للتحرك مع أول إشارة . و في تمام التاسعة صباحا اصطففت و أصدقائي , ذراع في ذراع , في ثلاثة صفوف و دعونا الجماهير أن تتبعنا و انطلقنا نحو القصر .
لكننا لم نصل إلى الميدان أو القصر .فقد كان علينا أن نعبر بوابة (نيفا) Neva عبر حائط من الجنود على مشارف ما يسمى جسر (ترو-يسكي) Troisky و بعد قليل من التحذيرات غير الفعالة بدأ الجنود في إطلاق النار . و كانت الزخات الثانية قاتلة . فتوقف الحشد و تفرق تاركا نحو ثلاثين قتيلا و ضعف هذا العدد as many من الجرحى . و يجب هنا أن أذكر أن الكثير من الجنود قد أطلقوا النار في الهواء , فتحطم عدد من نوافذ الطوابق العلوية في المنازل المواجهة للقوات بفعل الرصاصات .
مرت بضعة أيام و الإضراب الشامل باق على حاله في (سانت بطرسبورج)
و يجب أن نؤكد أن هذا الإضراب الهائل قد نفّذ بشكل عفوي . لم يطلقه أي حزب سياسي و لا أي جهاز إتحادي – إذ لم يكن في ذلك الوقت أي اتحادات في روسيا – و لم تكن هناك لجنة للإضراب . فجماهير العمال غادرت المصانع و الورش بمبادرة ذاتية و دافع حر . و لم تستطع الأحزاب السياسية ركوب الموجة للإستيلاء على الحركة , على عادتها , إذ تم تجاوز هذه الأحزاب تماما .
و مع ذلك واجه العمال سريعا السؤال التالي : ماذا نفعل الآن ؟
دق العوز أبواب المضربين , و كان يجب التصدي له بدون تاخير . و من ناحية أخرى تساءل العمال كيف يجب و كيف يمكن الإستمرار في النضال . و كانت الـ “قطاعات” و قد حرمت من قياداتها مشلولة عاجزة تماما . و لم تعط الأحزاب السياسية أية علامة على وجودها على قيد الحياة . و كانت هناك حاجة ملحة لوجود جهاز لتنسيق و قيادة الأحداث .
لست أدري كيف تم حل هذه المشكلة في الجزاءلأجزاء الأخرى من العاصمة , ربما استطاعت بعض “القطاعات” تقديم مساعدات مادية للمضربين في مناطقها , أما بالنسبة للحي الذي كنت أقطنه فقد اتخذت الأحداث منحى آخر و كما سيرى القاريء ستؤدي هذه الأحداث فيما بعد إلى عمل عام .
كان اجتماع من نحو أربعين من عمال الجوار يعقد في منزلي كل يوم . و قد تركتنا الشرطة لحالنا في ذلك الوقت . و قد حافظت الشرطة بعد الأحداث الأخيرة على حياد غامض . و قد استفدنا من هذا الحياد . و بحثنا عن سبل للتحرك . و كنا على وشك اتخاذ بعض القرارات . و قد قررنا , طلبتي و أنا , إنهاء مجموعتنا الدراسية و الإنضمام للأحزاب السياسية بشكل منفرد لنتحوّل إلى ناشطين . و قد اعتبر كل واحد منا الأحداث الجارية بداية الثورة .
و ذات مساء , بعد حوالي ثمانية أيام من التاسع من يناير , دق أحدهم على باب غرفتي . و كنت وحدي . و كان شابا طويلا و قد تحدّث إليّ بطريقة متعاطفة منفتحة : ” أنت كذا و كذا ؟ ” و عندما أومأت ايجابا أكمل : ” لقد بحثت عنك طويلا . و قد عثرت على عنوانك أخيرا بالأمس . أنا (جورج نوصار) George Nossar , كاتب عدل . و سأشرح السبب من زيارتي . لقدد استمعت إليك في الثامن من يناير تقرا “العريضة” . و أرى أنه لديك الكثير من الأصدقاء , و الكثير من العلاقات مع الدوائر العمالية . و يبدو أنك لا تنتمي إلى أي حزب سياسي.”
“هذا صحيح.”
“حسنا , و أنا أيضا لا أنتمي إلى أي حزب , لكنني ثوري صورة شخصية و أتعاطف مع الحركة العمالية , لكن ليس لدي أية معارف بين العمال . و من جهة أخرى لدى اتصالات واسعة مع الأوساط البورجوازية نت الليبراليين الذين يعارضون النظام . لذلك فإن لدي فكرة معينة . أعلم أن الآلف من العمال يعانون بشكل رهيب , مع زوجاتهم و أطفالهم بسبب الإضراب و أنا أعرف بعض رجال الأعمال الأغنياء الذين يرغبون في مساعدة هؤلاء البائسين . و بإختصار , بإمكاني جمع مبالغ كبيرة نسبيا لصالح المضربين , لكن المشكلة هي كيفية توزيع هذه الأموال بشكل منظم و عادي و مفيد . و قد فكّرت فيك أنت , إذا كان بإمكانك أنت و بعض العمال الذين تعرفهم تحمّل مسئولية استلام المبالغ التي استطيع احضارها و توزيعها على المضربين و على أسر ضحايا التاسع من يناير ؟ “
قبلت على الفور . و كان من بين أدقائي عامل بإمكانه استخدام عربة رئيسه , و بالتالي يمكنه استخدامها لزيارة العمال لتوزيع الإغاثة .
و في الليلة التالية اجتمعت مع أصدقائي . و كان (نوصار) حاضرا . و قد أحضر معه بالفعل بضعة آلاف من الروبلات . و بدأنا عملنا على الفور .
بعد حين , أنشغلت أيامنا بالكامل بهذه المهمة . في المساء كنت استلم الأموال اللازمة من (نوصار) , و أعدّ جدول أعمالي و زياراتي . و في الصباح التالي , والأموال على المضربين . بمساعدة أصدقائي , كنا نوزع . و هكذا تعرّف (نوصار) على العمال الذين جاءوا لزيارتي .
لكن الإضراب كان ينكسر . في كل يوم كان هناك المزيد من العمال يعودون إلى العمل . و في وقت ما كانت الأموال تنفد .
و هنا برز إلى السطح نفس السؤال من جديد : ماذا نفعل ؟ كيف نستمر بالعمل . و ما الشكل الذي يمكن أن تتخذه الأحداث الآن ؟
كان إحتمال الإنفصال على خير دون محاولة مواصلة النشاط المشترك تبدو مؤلمة و بلا معنى . و لم يعد قرار الإنضمام إلى الأحزاب كلُ على حدة مرضيا لنا . كنا نريد شيئا آخر .
و كان (نوصار) يشارك بإنتظام في مناقشاتنا .
و ذات مساء , و كان هناك العديد من العمال في منزلي كاعادة , و كان (نوصار) هناك أيضا , طوّرنا فكلاة تشكيل منظمة دائمة للعمال : شيء من قبيل لجنة أو مجلس , يكون من شأنها تتبع تسلسل الأحداث , و تكون بمثابة حلقة الوصل بين كل العمال , تبلغهم عن الوضع و مستجداته , و يمكن أن تكون , إذا لزم الأمر , نقطة تجمع العمال الثوريين .
لست أتذكر على وجه التحديد ميف جاءت هذه الفكرة إلينا , لكني اعتقد أنها كانت فكرة العمال و إقتراحهم .
و الكلمة (سوفيات) , و التي تعني بالروسية “مجلس” , قد أطلقت لأول مرة على هذا المعنى المحدد .
و بالإختصار , مثّل المجلس الأول شيء ما كجمعية إجتماعية دائمة للعمال . و اعتمدت الفكرة , ز من هنا و هناك تقررت كيفية تنظيم الـ (سوفيات) و كيف يؤدي وظيفته .
و نما المشروع بسرعة .
و اتخذ القرار بإخبار العمال في كل المصانع الكبرى عن هذا التنظيم الجديد , و للمضي قدما , و لا يزال الأمر غير رسمي , في اتخاب أعضاء مكاتب التنظيم و الذي أطلق عليه لأول مرة “مجلس (سوفيات) مندوبي العمال” .
و هنا برز سؤال آخر : من سيوجه العمل في الـ (سوفيات) ؟ من سيرأسه و يرشده ؟
و قد عرض عليّ العمال هذا المنصب دون تردد .
و مأخوذا بثقة العمال التي عبروا عنها بعرضهم , لم التفت إلى هذا العرض قط . و أخبرت أصدقائي : ” أنتم عمال , و تريدون إنشاء منظمة تتعامل مع مصالحكم كعمال . فتعلموا إذن من البداية أن تتعاملوا مع مشاكلكم بأنفسكم , و لا تضعوا مصيركم في يد شخص ليس منكم , و لا تقيموا سادة جدد على أنفسكم , و إلا سينتهي الأمر بالسيطرة عليكم و خيانتكم . و أنا على اقتناع بأنه في كا ما له علاقة بنضالاتكم و تحرريركم , فإنه لا أحد غيركم سيكون قادرا على الوصول إلى نتائج حقيقية . كما أن أحدا لن يفعل شيئا لكم , بدلا عنكم . يجب أن تجدوا رئيسكم و أمينكم و أعضاء إدارة لجانكم من بينكم . و إذا احتجتم لأية معلومات أو توضيحات بشأن بعض المسائل المحددة , و بإختصار , إذا كنتم بحاجة لأية نصيحة فكرية أو أخلاقية من المفترض أنها تحتاج لقدر ما من التعليم فبإمكانكم الرجوع إلى المثقفين و المتعلمين الذين من المؤكد سيكونون سعداء , لا لقيادتكم كسادة لكم و لكن لإعطائكم ما تحتاجون من مساعدة بدون التدخل في منظمتكم . و هم ملزومون بمساعدتكم لأنه ليس بخطأكم أن حرمتم من التعليم الأساسي . و هؤلاء الأصدقاء المثقفين بإمكانهم حتى حضور إجتماعاتكم , و لكن كمستشارين فقط .
و قد أضفت اعتراض آخر : ” كيف يمكن أن أكون عضوا في تنظيمكم , و أنا لست عامل أصلا ؟ بأي طريقة يمكنني هذا ؟
و كانت الإجابة : ” هذا أسهل شيء . سنحصل على بطاقة عامل من أجلك .” و أشارك في التنظيم باسم آخر ! ! و قد اعترضت بقوة على هذا الإجراء , و اعتبرته ليس فقط مما لا يليق بي و لا بالعمال , و لكن أيضا إجراء خطر وخيم العواقب , : ” في الحركة العمالية يجب أن يتم كل شيء بصراحة , و صدق , و إخلاص .”
لكن برغم من اقتراحاتي , لم يشعر أصدقائي في أنفسهم القوة الكافية للقيام بالأمر بدون “دليل” . و هكذا قدّموا (تروتسكي) Trotsky , مفوض البلشفية في المستقبل . فدخل الـ (سوفيات) و عيّن في منصب الأمين . . و فيما بعد , عندما تم اعتقال (نوصار – خروستاليف) Khrustalev-Nossar , صار (تروتسكي) رئيسا للـ (سوفيات) .
و قد تابع العمال في العديد من المدن المثال الذي ضربه عمال العاصمة في يناير 1905 . فتشكلت الـ (سوفيات) العمالية هنا و هناك . برغم طبيعتها المؤقتة في ذلك الوقت . إذ كانت سرعان ما تتعرض لقمع السلطات المحلية .
لكن من جهة أخرى , استمر (سوفيات) (سانت بطرسبورج) في عمله طويلا . لأن الحكومة المركزية , بعد أحداث التاسع من يناير و بعد الهزائم الكبرى التي منيت بها في حربها ضد اليابان , لم تجرؤ على المساس به . و أكتفت باعتقال (نوصار) .
علاوة على ذلك فإن إضراب يناير قد انكسر بسبب افتقاده القوة الدافعة . و إذ غابت أي حركات أكثر اتساعا , فقد انحط نشاط الـ (سوفيات) الأول إلى مهام تافهة .
و قد قمع (سوفيات) (سانت بطرسبورج) أخيرا , بحلول نهاية 1905 . و وقفت الحكومة القيصرية على أقدامها مرة أخرى , و قامت بتصفية آخر بقايا الحركة الثورية , و اعتقلت (تروتسكي) و المئات من الثوريين , و دمّرت كل التنظيمات السياسية اليسارية .
لكن (سوفيات) (سانت بطرسبورج) , التي صارت (بتروجراد) , عاود الظهور مرة أخرى في وقت حاسم من ثورة فبراير – مارس 1917 , عندما تشكّلت الـ (سوفيات) في كل المدن و المناطق الرئيسية من البلاد . .
