محمد عبد القادر الفار
عندما أراجع بعض المواضيع والتعليقات التي كتبتها في مدونتي وفي الحوار المتمدن وفي منتدى إلحاد وفي أماكن أخرى قبل سنة ونصف من الآن .. يخشى جزء مني من أن أتهم بالنطوطة الفكرية لأنني كنت في موقع مختلف .. ولكن جزءا آخر يشعر بالراحة .. ربما لاطمئنانه أن العقل حي ما دام يتناقض .. وأن التغيير دليل على الديناميكية والمرونة النفسية والعقلية .. فهناك ما لا يتغير .. ولكن هناك المتحول…
كانت مسألة العنف وشرعية اللجوء إليه من قبل الأفراد أو الجماعات أو الأنظمة مسألة تؤرقني.. رفضتها مطلقا وتحت أي ظرف ليس من منطلق مثالي أو تطهري أو لوضع رشة موديرنيزم كما قد يظن البعض .. بل لأنني عودت نفسي على أن أكون متوحدا في رؤيتي .. لا أنظر من منظار واحد .. وأدرك الطبيعة البشرية التي لا ترضى بأحكام تطال وجودها لتدفع نتيجة فعل معين.. سواء كان فعلا جمعيا عليها هي أن تدفع ثمنه .. أو ظرفا ورثته أو وجدت نفسها ضمنه .. أو حتى اقترفته بكامل الإرادة والمسؤولية .. رفضت القتل والإعدام والسجن والرجم والجلد وكل ما يمتهن الجسم البشري أو يهدد حياته … وعندما جاء دور مسألة النضال ضد الاحتلال أو الفاشية أو الأنظمة المستبدة ألحقت ذلك العنف بغيره.. فلا عذر لقاتل .. ولم أكن أفوت فرصة لأؤكد فيها رفضي لفكرة المقاومة ورفضي للنضال المسلح وكراهيتي لكل من يشجع عليه ..
انزلقت إلى ما كنت أخاف منه وأصبحت أتعامل مع العنف بطريقة تطهرية .. وكأنني أكثر إنسانية بالتأكيد من كل من تسول له نفسه ارتكاب العنف.. دون أن أحاول أن أتعمق فعلا في ما قد يدفع الشخص إلى القتال في كثير من الحالات .. منها حالة شعبي … الذي تربيت وسط جزء منه كان قد ترهل .. ولم تتح له ظروفه لحسن حضظ أن يعيش ظروف الحرب والقهر… فكان دفاعه عن العنف الثوري دائما غير مفهوم لدي .. كانت طبيعتي المترفة مستعدة لتفهم ما كتبه هافلوك اليس عن القاتل والمجرم ورفض وضعهم ضمن قوالب تطمس إنسانيتهم وتجعلهم مجرمين بالفطرة … كانت هذه الطبيعة مستعدة للتعاطف مع قاتل جون لينون الذي لم يخرج من السجن حتى بعد أكثر من ثلاثين سنة على جريمته .. ولكن نفس تلك الطبيعة كانت تجد حاجزا كبيرا بينها وبين المقاوم الذي يحمل روحه على كفه ويتجه ليقتل ضحيته .. وهو إما مستوطن لأرضه أو قاتل لأهله …
كانت الفكرة هي أنني يمكن أن أتعاطف مع قاتل قام بقتل شخص أثناء السطو عليه .. لأنني مطمئن أنه قتله وهو يعلم أن ما يفعله خطيئة،، ولأنني مطمئن أن تعاطفي معه وتعاطف أي أحد معه لا يمكن أن يبرر جريمته … لكنني كنت أخاف من أن أؤيد قاتلا تحظى جريمته بتفهم عام وتعطى وصف الصواب والبطولة .. لم أكن متوحدا في رؤيتي كما جرت العادة … صرت أرى في كل مستوطن صورة الفيلسوف الرائع ألبير كامو الذي كان من البياد-نواه المستوطنين الفرنسيين للجزائر.. لذا كرهت فكرة (الحقيبة أو التابوت) وأحسست أنها لا تخلو من الهمجية .. كنت أتجاهل أن الإرادة الحرة متوفرة في حالة الأشخاص الذين أدافع عن حقهم في الحياة … حقهم محفوظ في العودة إلى المكان الذي خرجوا منه ليستوطنوا هذا المكان .. لكن هذه الإرادة ليست متاحة لشعب محتل .. يقول له سارقه أنا أعطيك السلام مقابل السلام … فلا حق لك حتى لو سالمت .. أقصى ما يمكن أن تحظى به هو أن أكف يدي عنك لو خرست … محتل يريد رشوة شعب كامل مقابل أن ينسى حقه …
ولكن كيف ينسى حقه … فحقه هذا ليس ورثة من عمه الذي توفي في كندا ليترك له ثروة لم يتعب بها .. وليس كنزا اكتشف فجأة أن أباه كان قد أوصى له به .. بل حقه في تلك الهدية المجانية التي يجدها كل الناس عندما يفتحون أعينهم على الحياة … هوية ومكان ينتمون إليه .. وهو ما لم يحظ به الفلسطيني لا في الداخل ولا في المهجر منذ نكبته..
ولم أكن أفهم أن ذلك المقاوم الذي قد يدفع حياته أو يقضي ما تبقى منها مشوها أو عاجزا أو أسيرا ثمنا ليس لتلك الهوية (فقد لا تتحقق في حياته) بل لمحاولته استعادة حياته وحياة شعب سرقت منه حياته في غفلة من التاريخ … كنت أتصور أن هذا المقاوم ما دام اختار القتل طريقا فهو لن يكون منضبطا في قتاله وسيتخذ أي هدف أمامه ليقتله حتى لو كان طفلا أو ضعيفا …. قادتني كراهيتي للعنف إلى نصرة الظالم عندما أردت نصرة المظلوم .. باستنكاري على المظلوم اللجوء إلى الشيء الوحيد الذي قد ينجح مع عدو ليس مستعدا لسماعه طالما هو ضعيف ..
أحسست أنني أنفر من المقاومة لأنني فتحت عيوني لأجد القوى الدينية الظلامية هي من يقودها وهي قوى لا أستطيع أبدا أن أفهمها أو أتعاطف معها حتى لو كانت تدافع عن حق شعبي وحقي في الحياة … لم أكن أفهم أن قضيتي عادلة حتى لو تولى الدفاع عنها أصحاب نهج ورؤية أمقتها… أو أنهم لن يستطيعوا في النهاية أن يختطفوها لحساب رؤيتهم وأجنداتهم لأنها بكل بساطة مباشرة وواضحة … حق شعب مطرود في العودة إلى دياره …
كنت أعتقد أن أسلوب اللاعنف يمكن أن يجدي مع فلسطين كما نجح في الهند دون أن أتفهم أن لا تشابه في الحالتين .. وأن العنف في حالة فلسطين هو شر لا بد منه .. حبذا لو كان بحوزتنا غيره .. ولكن لا مناص .. فالآخر مسلح …
كنت محبطا مما آل إليه وضع بعض البلدان التي استخدمت كل أشكال العنف للتحرر ونجحت في ذلك دافعة ضريبة باهظة من دم شعبها… فقد قادها الذين حرروها إلى الفشل والحروب الأهلية… لم أكن أدرك أن حل ذلك ليس برفض فكرة المقاومة … بل بالتواجد ضمنها لجعلها تقوم على أسس فكرية صحيحة لا تترك الوطن المحرر للاشيء .. بل في نفس وقت نضالها ضد العدو المحتل تناضل لوطن ديمقراطي يقوم على مبادئ الحرية والعدالة والتقدمية …
واليوم أعلن لنفسي أولا وللآخرين ثانيا أنني أدركت أن الحياة لا يمكن أن تكون مثالية تماما أو عادلة للجميع … وأنه خلال تلك الحرب التي فرضت على الشعوب المحتلة .. قد يموت أشخاص لم يكن عليهم أن يموتوا .. لكن الحياة تضع الكثيرين في الزمان والمكان الخاطئين ولا تترك لهم أو لغيرهم الخيار .. كما تفعل عندما تجعل مجموعة دون غيرها في مرمى كارثة طبيعية أو حادث … لا أحاول هنا أن أبرر قتل من لا يستحق القتل فتجنب هذا واجب.. لكنني أعبر عن فهم البانوراما الواسعة…
تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر لن يحدث نتيجة انتصار تحرزه على إسرائيل دولة أخرى تطوعت لإعادة حقوق الفلسطينيين
لن يحدث نتيجة دعاء الشيخ السديس ليلة القدر
لن يحدث مع الوقت
فنحن كتحرريين لا نريد حروبا .. نريد ثورات شعبية واعية لا ارتجالية .. تصوب الأوضاع العوجاء مثل وجود دولة إسرائيل وغيرها وتقيم أشكالا تحررية من الإدارة والنظام في كل مكان من العالم .. وليس حروب مافيات سلاح وصراعات نخب… وذلك لتحقيق الحرية .. لنا ولسوانا
