برنامج الأخوية الأممية

كتب سنة: 1869
المصدر: بوكانين حول الفوضوية 1971 (ترجمة Sam Dolgoff )
مصدر الترجمة: برنامج الأخوية الأممية بالقسم الانجليزي

ترجمة ونسخ: مازن كم الماز (يوليو 2006)


تشير كل الدلائل أن “الأخوية الأممية” السرية، المسماة أيضا “التحالف السري” قد تم حلها رسميا في أوائل 1869. ردا على اتهامات المجلس العام للأممية أنكر كلا من باكونين وغيلوم وجودها. من المؤكد أنه كان هناك مجموعة غير رسمية من أنصار أفكار باكونين ولكن، كما يقول غيلوم، كمنظمة رسمية، فإن (الأخوية الأممية) “وجدت فقط نظريا في دماغ باكونين كحلم أطلق له العنان بابتهاج…”. لكن هذا لا يقلل من أهمية الأفكار التي صيغت في هذا البرنامج التي كتبها باكونين.
فيما لا يغطي البرنامج كل المواضيع المناقشة في الإنجيل الثوري*، فهو يحتوي صياغة أكثر تركيزا وتطورا لأفكار باكونين عن الإستراتيجية الثورية، عن الاستيلاء على ملكية الدولة والكنيسة والملكية الخاصة، وتحويلها إلى ملكية جماعية (تعاونية) لجمعيات عمال الصناعة والزراعة المتحدين، الثقة بالقدرة الخلاقة للجماهير، العنف والإرهاب الثوريين، الثورة عبر دولة “اشتراكية” مركزية، وفوق كل شيء، مهام حركة الطليعة التحررية (الأخوية الأممية) في الثورة الاجتماعية.

ترغب منظمة الأخوية الأممية في ثورة ستكون في نفس الوقت عالمية، اجتماعية، فلسفية واقتصادية، بحيث لا يبقى أي حجر في مكانه، أولا في كل أوروبا، ومن ثم في بقية العالم، لتغيير النظام الحالي للأشياء الذي يقوم على الملكية، الاستغلال، الهيمنة وكل مبادئ السلطة، سواء أكانت دينية، ميتافيزيقية، عقيدية على الطريقة البرجوازية أو حتى ثورية على الطريقة الياكوبية. داعين إلى السلام للعمال والحرية للجميع، نريد أن نهدم كل الدول وكل الكنائس، وكل مؤسساتها وقوانينها السياسية، المالية، القانونية، البوليسية، التعليمية، الاقتصادية والاجتماعية، بحيث أن كل تلك الملايين من الكائنات البشرية البائسة، المخدوعة، المستعبدة، المعذبة، المستغلة، سوف تتحرر من كل الموجهين والمحسنين الرسميين وغير الرسميين – سواء كانوا مؤسسات أو أفراد – وفي النفس الأخير إلى حرية كاملة.

مقتنعون أن الشر الفردي والاجتماعي يكمن بشكل أقل بكثير في الأفراد منه في تنظيم الأشياء المادية وفي الظروف الاجتماعية، فنحن سنكون إنسانيين في أفعالنا في سبيل العدالة كما بسبب اعتبارات عملية، وأننا سندمر بدون شفقة كل ما يعترض طريقنا بدون تعريض الثورة للخطر. إننا ننكر إرادة المجتمع الحرة وحقه المزعوم في العقاب. العدل ذاته مأخوذ بأكثر معانيه إنسانية وأوسعها ليس إلا فكرة وبالتالي يمكن القول أنه ليس عقيدة مطلقة، إنه يطرح المشكلة الاجتماعية ولكنه لا يفكر للخروج منه، إنه يدل فحسب على الطريق الوحيدة الممكنة لانعتاق البشرية، وذلك بأنسنة المجتمع بالحرية والمساواة. الجواب الايجابي يحرز فقط بتنظيم عقلاني أكثر فأكثر للمجتمع. هذا الحل، المطلوب جد، مثلنا الأعلى للجميع، هو الحرية، الفضيلة، الذكاء والسعادة للجميع عبر تضامن الكل: الأخوية الإنسانية باختصار.

كل فرد إنساني هو الناتج الإلزامي للبيئة الطبيعية والاجتماعية التي يولد فيه، والتي يبقى خاضعا لتأثيرها عندما يتطور. الأسباب الثلاثة الكبرى لانعدام الأخلاق الإنساني هي: عدم المساواة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، الجهل ينشأ بصورة طبيعية من هذا كله، والنتيجة الضرورية لهذا هو العبودية.

حيث أن النظام الاجتماعي هو دوما وفي كل مكان السبب الوحيد للجرائم التي يرتكبها الأشخاص، فإن معاقبة المجتمع للمجرمين الذين لا يمكن أن يكونوا مذنبين هو عمل نفاق أو سخف واضح. إن نظرية الذنب والعقاب هي نتيجة للاهوت، الذي هو جمع السخافة مع النفاق الديني. الشيء الوحيد الصحيح الذي يمكن أن يعطى للمجتمع في حالته الانتقالية الراهنة هو الحق الطبيعي للقتل في الدفاع عن النفس ضد المجرمين الذي أوجدهم هو نفسه. ولكن ليس الحق بالحكم عليهم وإدانتهم. هذا لا يمكن، عند الحديث على نحو صارم، أن يكون صحيح، يمكن أن يكون فقط طبيعي، مؤلم، ولكنه فعل حتمي، في نفسه دلالة وحصيلة لغباء وعقم المجتمع المعاصر. كلما استخدم المجتمع أقل ما يمكن منها كلما كان أقرب إلى انعتاقه الفعلي. كل الثوريين، المضطًهدين، المعذبين وضحايا النظام الاجتماعي القائم، المستًغلين من كل الأصناف هم مذنبون كالمجرمين الذين خرجوا من صفوف الجماهير، مثلهم، فهم فاعلون للشرور ليسوا مذنبين، باعتبارهم أيضا نواتج إلزامية للنظام الاجتماعي القائم. ليس من المستغرب إذا ما قام الناس المتمردون بقتل عدد كبير منهم أولا. سيكون هذا سوء حظ، لا يمكن تجنبه كالخراب الذي تسببه عاصفة مفاجئة، ومن ثم تنتهي بسرعة، لكن هذا الفعل الطبيعي لن يكون أخلاقيا ولا حتى مفيدا.

لدى التاريخ الكثير ليعلمنا في هذه القضية. إن المقصلة المفزعة لعام 1793 التي لا يمكن أن تعاب لكونها كسولة أو بطيئة، وبالرغم من ذلك لم تنجح في تدمير الأرستقراطية الفرنسية. تم هز طبقة النبلاء بالفعل حتى جذوره، بالرغم من أنها لم تزال نهائي، ولكن لم يكن هذا من فعل المقصلة، لقد أنجز ذلك بمصادرة أملاكها. عموم، يمكننا القول أن المذبحة لم تكن أبدا وسيلة فعالة للقضاء على الأحزاب السياسية، وقد ثبت أنها غير فعالة خاصة ضد الطبقات الموسرة، حيث أن القوة تكمن ليس في الرجال أنفسهم بل في الظروف التي يخلقها تنظيم البضائع المادية للرجال ذوي الحظوة، وهو مؤسسة الدولة وأساسها الطبيعي: الملكية الفردية.

لذلك للقيام بثورة ناجحة، من الضروري مهاجمة هذه الظروف والبضائع المادية، تدمير الدولة والملكية. عندها لن يكون من الضروري تدمير الأشخاص وأن يحكم بالتعرض لرد الفعل الأكيد والحتمي الذي لم تمر أية مجزرة دون أن تحدثه في أي مجتمع.

ليس من المفاجئ أن الياكوبيين والبلانكيين أصبحوا اشتراكيين بالضرورة وليس بالإقناع، الذين يرون الاشتراكية كوسيلة وليست كهدف للثورة، حيث أنهم يريدون الديكتاتورية ومركزة الدولة، آملين أن الدولة ستقودهم بالضرورة إلى إعادة الملكية – حلم ثورة دموية ضد الأشخاص، لأنهم لا يريدون ثورة ضد الملكية. لكن ثورة دموية كهذه ، تقوم على إنشاء دولة ثورية مركزية قوية سوف تؤدي حتما إلى ديكتاتورية عسكرية وسيد جديد. من هنا فإن انتصار الياكوبيين والبلانكيين سيكون موتا للثورة.

إننا أعداء طبيعيون لهكذا ثوريين – سواء أكانوا ديكتاتوريي، منظمي أو القيمين على الثورة – الذين حتى قبل تدمير الدول الملكية المطلقة، الأرستقراطية والبرجوازية الحالية يحلمون بإنشاء دول ثورية جديدة، ممركزة بالكامل، حتى أنها أكثر مركزية من الدول التي نملك الآن. هؤلاء الرجال معتادون جدا على النظام المشكل من السلطة، ويشعرون بخوف شديد مما يتبادى لهم فوضى لكنه ببساطة التعبير الصادق والطبيعي عن حياة الناس، حتى أنه قبل ظهور فوضى جيدة صحية تنتج عن الثورة التي يحلمون بكبحها بفعل بعض السلطة التي ستكون ثورية بالاسم فقط ، وستكون فقط رجعية جديدة ذلك بأنها سوف تحكم على الجماهير بأن تحكم بالمراسيم، إلى الإذعان، الجمود، الموت وبكلمات أخرى للعبودية والاستغلال من قبل أرستقراطية جديدة مدعية للثورة.

ما نعنيه بالثورة هو انفجار ما يسمى اليوم بـ “انفعالات الشر” والإطاحة بما يسمى النظام العام.

إننا لا نخشى الفوضى، إننا نستحضرها. أننا مقتنعون أن الفوضى هي التعبير الغير مقيد للحياة المتحررة للشعب، يجب أن يصدر النظام الاجتماعي الجديد عن الحرية، المساواة، وقوى الثورة نفسها ضد الرجعية. لا يوجد شك أن هذه الحياة الجديدة – الثورة الشعبية – سوف تنظم نفسها في وقت ملائم، ولكنها ستخلق تنظيمها الثوري من الأسفل إلى الأعلى، من المحيط إلى المركز طبقا لمبادئ الحرية، وليس من الأعلى إلى الأسفل أو من المركز إلى المحيط حسب عادة كل سلطة. يهمنا قليلا فقط أن تسمى هذه السلطة كنيسة، ملكية مطلقة، دولة دستورية، جمهورية برجوازية ، أو حتى ديكتاتورية ثورية.إننا نمقتها ونرفضها كلها بالتساوي على أنها المصادر التي لا تنضب للاستغلال والمركزية.

الثورة كما نفهمها عليها أن تدمر الدولة وكل مؤسساته، بشكل جذري وكامل، منذ يومها الأول. النتائج الطبيعية والضرورية لهذا التدمير ستكون:

أ- إفلاس الدولة

ب- التوقف عن دفع الديون الخاصة من خلال تدخل الدولة، تاركا لكل مدين الحق في دفع ديونه إذا رغب بذلك

ج- التوقف عن دفع كل الضرائب وجباية أية ضرائب، مباشرة أو غير مباشرة

د- حل الأسلحة، النظام القضائي، البيروقراطية، البوليس والإكليروس

هـ- إلغاء العدالة الرسمية، تعطيل كل ما يسمى قضائيا بقانون، وتنفيذ هذه القوانين، وبالنتيجة، إبطال وحرق كل حقوق الملكية، صكوك التوريث، صكوك البيع والمنح، لكل القضاي، بكلمة واحدة، كل الشريط الأحمر المدني والقانوني، في كل مكان وفي كل الأشياء، تستبدل الحقيقة الثورية الحق الذي تعطيه وتضمنه الدولة

و- مصادرة كل الرأسمال الإنتاجي ووسائل الإنتاج لصالح جمعيات العمال، التي ستستخدمها في الإنتاج بشكل جماعي ( تعاوني)

ز- مصادرة كل الأملاك التي تملكها الكنيسة والدولة بالإضافة للمعادن النفيسة المملوكة من الأفراد، لصالح اتحاد جمعيات العمال، التي ستؤلف الكوميون ( في مقابل البضائع التي ستصادرها الكوميون فإنها ستوفر ضروريات الحياة التامة لكل الأفراد الذين فقدوها ويمكنهم لاحقا أن يكسبوا أكثر بعملهم الشخصي إذا استطاعوا وإذا رغبوا )

ح- لغرض إنجاز تنظيم الكوميون الثوري من متاريس دائمة، ومكتب مجلس الكوميون الثوري بانتداب ممثل أو اثنين لكل متراس، واحد لكل شارع أو حي، سوف يمنحون ممثليهم السلطة لاتخاذ القرارات، مسئولين دوم، ودوما يحوزون على تفويض صريح. مجلس الكوميون المنظم هكذا يمكنه اختيار، من بين أعضائه، لجان تنفيذية، واحدة لكل شعبة للإدارة الثورية للكوميون

ط- إعلان العاصمة، المتمردة والمنظمة على شكل الكوميون، بما مقتضاه، أنه بتدمير الدولة الموجهة، التسلطية، التي تمتلك الحق بفعل ذلك، والتي تم استعبادها تماما كبقية المراكز، لذلك فهي تتخلى عن الحق أو أية مطالبة بحكم الأقاليم

ي- الطلب من كل المقاطعات، الكوميونات، والجمعيات أن تحرر كل شيء وتحذو حذو العاصمة: أولا أن تنظم أنفسها على أساس ثوري، ثم أن تفوض مندوبين عنه، وهم أيضا ممنوحين السلطات اللازمة، مسئولين ومعهم تفويض صريح إلى مكان اجتماع معين مسبقا لغرض إنشاء إتحاد للجمعيات، الكوميونات والأقاليم التي تمردت باسم ذات المبادئ، ولغاية تنظيم قوة ثورية قادرة على هزيمة الرجعية. لن يجري إرسال المفوضين الثوريين إلى القتال والأوسمة تزين صدورهم، بل سيرسل المحرضون الثوريون إلى كل الأقاليم والكوميونات، خاصة إلى الفلاحين، الذين لا يمكن أن يثاروا إلى التمرد بواسطة مبادئ أو مراسيم ديكتاتورية ولكن فقط بالحقيقة الثورية نفسه، وذلك بالنتائج الحتمية للزوال التام للحياة القضائية الرسمية للدولة في كل الكوميونات. أيضا بزوال الدولة الوطنية بمعنى أن أية دولة أجنبية، مقاطعة، كوميون، جمعية أو حتى فرد معزول ثار باسم ذات المبادئ سوف يستقبل في الاتحاد الثوري بغض النظر عن حدود الدولة الحالية، بالرغم من أنهم قد ينتمون إلى منظومات سياسية أو وطنية أخرى، أما مقاطعاتهم، كوميوناتهم، جمعياتهم أو الأفراد الذين يدعمون الرجعية فسيتم استبعادهم. عبر توسيع وتنظيم الثورة لأجل الدفاع المشترك بين البلاد الثائرة فإن عالمية الثورة، المؤسسة على إلغاء الحدود وعلى أنقاض الدول سوف تنتصر.لا يمكن لأية ثورة سياسية أو وطنية أن تنتصر بدون تحولها إلى ثورة اجتماعية، وما لم تتحول الثورة الوطنية، بالتحديد بسبب طابعها الاشتراكي الراديكالي والذي هو هدم الدولة، فلن تصبح ثورة عالمية. بما أن الثورة في كل مكان لا تتحقق إلا بفضل الناس، وحيث أن توجهها الرئيسي يجب أن يرتكز على الناس، المنظمين في اتحاد طوعي لجمعيات زراعية وعمالية، فإن الدولة الثورية الجديدة، المنظمة من الأسفل إلى الأعلى من قبل المندوبين الثوريين الذين يمثلون البلدان الثائرة باسم ذات الأهداف، بغض النظر عن الحدود السابقة والاختلافات القومية، وستشكل إدارة الخدمات العامة هدفها الرئيسي وليس حكم الناس. إنها ستؤلف الحزب الجديد، تحالف الثورة العالمية، في مواجهة تحالف الرجعية.

هذا التحالف الثوري يستثني أية أفكار عن الديكتاتورية أو عن السلطة الحاكمة والموجهة. إلا أنه من الضروري لإقامة هذا التحالف الثوري ولانتصار الثورة على الرجعية أن وحدة الأفكار والأفعال الثورية تجد جسدا وسط الفوضى العامة والذي سيكون حياة وقوة الثورة. هذا الجسم يجب أن يكون المنظمة السرية والعالمية للأخوة الأممين.

تجد هذه المنظمة أصولها في الإيمان الراسخ بأن الثورات لا يصنعها الأفراد أبدا أو حتى من فعل الجمعيات السرية. إنها تصنع نفسه، تصنعها قوة الظروف، حركة الحقائق والأحداث. إنها تخضع لتحضير طويل في الوعي العفوي العميق للجماهير، ومن ثم تنفجر مندلعة غالبا من أسباب هامشية. كل ما تفعله هذه الجمعية جيدة التنظيم هو أن، أولا تساعد على ولادة الثورة بنشرها بين الجماهير الأفكار التي تعبر عن غرائزه، وأن تنظم، ليس جيش الثورة – فالناس وحدهم دوما عليهم أن يكونوا هذا الجيش – ولكن مفرزة من هيئة الأركان الثورية، المؤلفة من أشخاص أذكياء نشيطين ومخلصين، أصدقاء حقيقيين للشعب فوق كل شيء، رجال ليسوا بمزهوين أو طموحين، ولكنهم قادرين على أن يخدموا كوسطاء بين الفكرة الثورية وغرائز الشعب.

ليست هناك حاجة لأعداد كبيرة من هؤلاء الرجال. فمائة ثوري، متحالفين بقوة وبجد، سيفون بالغرض للمنظمة الأممية لعموم أوروبا. مائتان أو ثلاثمائة من الثوريين سيكفون للمنظمة لأكبر البلدان.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=144181

الماركسية، الحرية والدولة

الكاتب:ميخائيل باكونين (1814-1876)
الكتاب: الماركسية، الحرية والدولة (الفصل الأول: تمهيد)
المصدر: الماركسية، الحرية والدولية ضمن أرشيف ميخائيل باكونين بالقسم الانجليزي
نشر لأول مرة: 1950
ترجمة ونسخ: مازن كم الماز (أبريل 2006)

بخصوص الكتاب: يعتبر هذا الكتاب (الماركسية، الحرية والدولة) بمثابة رواية بوكانين بخصوص القطيعة بينه وبين كارل ماركس والتي وقعت أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن 19. كان بوكانين يرى أن الانشقاق بينهما يتصاعد من النظرتين المختلفتين بينهما بخصوص وظيفة الدولة في البرنامج الاشتراكي. فقد كان بوكانين يؤمن بالخصوص أن الأممية كانت متشبثة أكثر من اللزوم بمفهوم الدولة التي كان هو يعتبرها بمثابة المؤسسة الخطرة والحاطة من قيمة الانسان. فالدولة كما كتب بوكانين “تفرض، تحت تعلة الواجب الأعلى، الظلم والقسوة على كل الخاضعين لها. إنها تحد وتبتر وتقتل الانسان فيهم، بحيث عندما تتوقف كينونتهم الانسانية لن يكونوا إلا مجرد مواطنين.

الفصل الأول: تمهيد

أنا باحث مندفع عن الحقيقة ولست بخصم أقل حماسة للخيالات المريضة التي يستخدمها حزب “النظام”، الممثل الرسمي لكل القوى الفاسدة، الدينية، الميتافيزيقية، السياسية، القانونية، الاقتصادية والاجتماعية في الماضي والحاضر لتوحيش واستعباد العالم، أنا عاشق متعصب للحرية، وأعتبرها الوسط الوحيد حيث يمكن أن يتطور الذكاء والكرامة والسعادة الإنسانية، إنها ليست “الحرية” الرسمية المرخصة، المقاسة والمنظمة من قبل الدولة، هذا الزيف الذي يمثل امتيازات قلة تستمدها من عبودية كل الأشخاص الآخرين، وليست الحرية الشخصية الأنانية اللئيمة الوهمية التي طورتها مدرسة روسو وبقية مدارس الليبرالية البرجوازية والتي تعتبر حقوق الأفراد محدودة بحقوق الدولة وهكذا تؤدي بالضرورة إلى اختزال حقوق الأفراد إلى الصفر.

كلا، إنني أقصد الحرية الوحيدة التي تستحق هذا الاسم بحق، الحرية التي تكمن في التطور الكامل للقوى المادية والفكرية والأخلاقية الموجودة كقدرات كامنة في أي شخص(فرد)، الحرية التي لا تعترف بأية قيود سوى تلك التي يمكن نسبتها إلى قوانين طبيعتنا البشرية ذاتها مما يعني بالضبط عدم وجود قيود لأن هذه القوانين لا يتم فرضها علينا من مشرع خارجي إلى جانبنا أو فوقنا، إنها موجودة داخلنا، فطرية وتشكل الأساس الحقيقي لوجودنا المادي والفكري والأخلاقي، ولذلك بدلا من أن نراها كقيود يجب أن نعتبرها الشروط الحقيقية والسبب النافذ المفعول لحريتنا.

إنني أعني حرية كل فرد التي بعيدا عن تعطلها عند حدود حريات الآخرين تجد فيها تعزيزا لها وامتدادها إلى اللانهائية، الحرية اللامحدودة لكل فرد عبر الحرية للجميع، الحرية عبر التضامن، الحرية في المساواة، الحرية التي تنتصر على القوة البهيمية ومبدأ السلطة الذي ليس إلا التعبير المثالي عن هذه القوة، الحرية التي بعد أن تطيح بكل الأوثان السماوية والأرضية سوف تؤسس وتنظم عالما جديدا وذلك من التضامن الإنساني على أنقاض كل الكنائس والدول.

إنني مؤيد مقتنع للمساواة الاقتصادية والاجتماعية، لأنني أعلم أنه بدون هذه المساواة فإن الحرية، العدالة، الكرامة الإنسانية، الفضيلة، وخير الأفراد إضافة إلى ازدهار الشعوب لن يكون إلا مجموعة كبيرة من الأكاذيب. ولكني كمؤيد للحرية في كل الظروف، وهي الشرط الأول للإنسانية، أرى أن الحرية يجب أن تؤسس نفسها في العالم بواسطة التنظيم العفوي للعمل والملكية الجماعية لجمعيات إنتاجية تتنظم وتتوحد بشكل حر في مقاطعات وبالاتحاد المتساوي العفوي للمقاطعات وليس بالتأثير الفوقي والوصائي للدولة.

هذه هي النقطة التي تفرق الاشتراكيين أو التعاونيين الثوريين عن الشيوعيين السلطويين (Authoritarian) الذين يؤيدون المبادرة المطلقة للدولة. إن هدفهم هو ذاته، فكل حزب يرغب بشكل متساوي بإنشاء نظام اجتماعي جديد يقوم فقط على تنظيم العمل الجماعي، ويفرض بشكل حتمي على كل فرد بالقوة المطلقة للأشياء، ظروف اقتصادية متساوية للجميع والاستيلاء الجماعي على أدوات العمل. إن الشيوعيين وحدهم يتخيلون أنهم قادرون على تحقيق هذا بتطوير وتنظيم القوة السياسية للطبقات العاملة، وبشكل أساسي بروليتاريا المدن، بمساعدة البرجوازية الراديكالية فيم يرى الاشتراكيون الثوريون، أعداء كل التحالفات أو المشاركات المشبوهة، على النقيض من ذلك أنه لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بتطوير وتنظيم ليس القوة السياسية ولكن القوة الاجتماعية وبالتالي المعادية للسياسة للجماهير العاملة في المدن والريف على حد سواء، بما في ذلك كل الموالين من الطبقات العليا الذين يقطعون صلاتهم تماما بماضيهم ويرغبون بالانضمام إلى الجماهير ويتبنون برنامجها بالكامل.

هنا يوجد طريقان مختلفان. يعتقد الشيوعيون أن عليهم تنظيم قوى العمال ليستولوا على القوة السياسية للدولة. فيما يتنظم الاشتراكيون الثوريون بهدف تدمير، أو إن كنت تفضل كلمة أكثر تهذيبا، التخلص من الدولة. إن الشيوعيون مؤيدين لمبدأ وممارسة السلطة، أما الاشتراكيون الثوريون فيثقون فقط بالحرية. كلاهما مؤيد للعلم الذي عليه أن يقتل الخرافة ويستبدل الإيمان، الأول يرغب بفرضه أما الثاني فيبذل أنصاره أنفسهم لنشره بحيث أن مجموعات من البشر المقتنعين سوف ينظمون أنفسهم ويتحدون طوعا من الأسفل إلى الأعلى وفقا لمصالحهم الفعلية وليس وفق خطة معدة سلفا ومفروضة على الجماهير الجاهلة من قبل مفكرين متفوقين.

يرى الاشتراكيون الثوريون أنه هناك منطق عملي وحيوية أكثر في الطموح الغريزي والحاجات الفعلية لجماهير الشعب أكثر من الذكاء العميق لكل هؤلاء الرجال المتعلمين ومرشدي البشرية الذين بعد الكثير من الجهود فشلوا أن يجعلوها سعيدة وما يزالون يتجرؤون على إضافة جهودهم. على النقيض من ذلك يرى الاشتراكيون الثوريون أن الجنس البشري ترك نفسه يحكم لفترة طويلة بما فيه الكفاية أو أطول من اللازم وأن سبب مصائبه لا يكمن في هذا الشكل أو ذاك من الحكومات بل بالذات في مفهوم وحقيقة الحكومة من أي نوع كانت. وباختصار أصبح هذا التناقض تاريخيا بين الشيوعية المطورة علميا بواسطة المدرسة الألمانية والتي تم تبنيها جزئيا من الاشتراكيين الانكليز والأمريكيين وعلى الطرف الآخر البرودونية (الاشتراكي الفرنسي برودون) التي جرى تطويرها ودفعها إلى آخر نتائجها وجرى تبنيها بالمقابل من بروليتاريا الدول اللاتينية.

وقد جرى تبني كليهما وسيجري قبولها أكثر فأكثر من الوجدان المعادي للسياسة للشعوب السلافية.

 

‫مازن كم الماز | Facebook‬

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

نقد النظرية الماركسية حول الدولة

میخائیل باكونين

ترجمة : حسني كباش

لا يوجد أي طريق يقود من الميتافيزيقية إلى الوقائع الحقيقية للحياة . هناك هاوية واحدة تفرق النظرية عن الواقع . و من المستحيل أن تتجاوز هذه الهاوية بواسطة ما أسماه هيغيل (( القفزة النوعية )) من عالم الفكر إلى عالم الطبيعة و الحياة الواقعية .

الطريق الذي يقود من الواقع المعين إلى النظرية و بالعكس هو الأسلوب العلمي و يعتبر الطريق الواقعي . في العالم الواقعي هناك الحركة الاجتماعية نحو أشكال تنظيمية التي ستعكس بدورها صورة الحياة نفسها بكل جوانبها و تعقيداتها في أكبر مكان ممكن .

هكذا هو طريق البشر نحو الحرية الكاملة التي ستكون حقا للجميع , طريق الثورة الاجتماعية الأناركية التي ستنشأ من البشر أنفسهم الذي سيشكلون قوة تقضي على كل العقبات . فيما بعد ستخرج بشكل عفوي الأشكال الخلاقة للحياة الاجتماعية من قاعدة الروح الشعبي . طريق السادة الميتافيزيقيين يختلف تماما . ميتافيزيقيون هو تعبير نستخدمه عن أنصار هيغيل و عن الوضعيين و عن كل أولائك الذين يعبدون العلم كإله , كل أولائك الذين يمجدون بروكروستي , الذين بوسيلة أو بأخرى صنعوا معيار لمجتمع مثالي مؤلف من سجن ديق يريدون دفع كل الأجيال القادمة نحوه , كل أولائك الذين بدل أن ينظروا إلى العلم كجزء من الأحداث الأساسية للحياة الطبيعية و الاجتماعية يصرون على أن الحياة كلها تتوقف عند نظرياتهم العلمية التجريبية الإجبارية . الميتافيزيقيون و الوضعيون هم أولائك الذين يحاولون فرض قوانينهم الاستبدادية على الحياة باسم العلم , و هم شاؤوا أو أبوا عبارة عن رجعيين .

هذا أمر يتسهل قبوله .

العلم بالمعنة الحقيقي للكلمة هو الآن بيد أقلية غير مهمة . على سبيل المثال عندنا في روسيا كم عدد العلماء المهنيين من أصل السكان الذي يصل تعدادهم إلى 8 ملايين نسمة ؟ ربما ألف يعلمون بقطاعات علمية ولكن ليس أكثر من مئات قليلة يمكن أن يعتبروا علماء جديين . فإن كان العلم هو من يجب أن يملي القوانين فأغلبية الملايين ستحكم من قبل مئة أو مئتان من المختصين . و في الواقع سيكون الحكام أقل من هذا بكثير فكل الفروع العلمية لا تعنى بإدارة المجتمع . هذا سيكون واجب علماء الاجتماع – علم العلوم – و عالم اجتماع حقيقي عليه أن يكون على اتطلاع بكل العلوم الأخرى . كم من هؤلاء الناس يوجد في روسيا أو في كل أوروبا ؟ عشرين أو ثلاثين ؟ وهل سيحكم هؤلاء العشرين أو الثلاثين العالم ؟ هل يستطيع أحد أن يتصور شيء أكثر لا منطقية و استبداد أفظع من هذا ؟

شيء أكيد بأن هؤلاء العشرين أو الثلاثين سيتقاتلون فيما بينهم و إن اتفقوا على خط سياسي ما فسيتحمل نتائجه الجنس البشري

أهم مساوئ الشبه مختص هو توجهه نحو تقوية معرفته للتقليل من أهمية معرفة كل شخص آخر . أعطه سلطة الرقابة و سيصبح طاغية ساحق . أليس من العار أن تكون البشرية عبيد عند اختصاصيين معياريين ! أعطوهم السلطة المطلقة لرونهم يستخدمون الكائنات البشرية لتجاربهم كما يستخدم العلم اليوم الأرانب و الكلاب .

يجب أن نحترم العلماء لعطآتهم و إنجازاتهم , و لكن لمنع فساد مستواهم الفكري و الأخلاقي يجب ألا يمنحوا حقوق و امتيازات خاصة تختلف عن تلك التي يمتلكها أي شخص – على سبيل المثال حرية التعبير عن المعتقدات و الفكر و المعرفة – لا يجب أن يعطى لا لهؤلاء و لا لأي مجموعة اختصاصية غيرهم ليتسلطوا على غيرهم . و أولائك الذين أعطوا السلطة لا جدال بأنهم سيصبحون الظالمين و المستغلين في المجتمع .

إلا أنهم قد قالوا لنا كلاما آخر (( العلم لن يكون مدى الحياة ملك للقليلين سيأتي زمن و يصبح حقا للجميع )) زمن كهذا بعيد جدا و حتى يتحقق يجب أن تحدث اضطرابات اجتماعية كثيرة و لكن و حتى لو وصلنا إلى هذا الزمن من سيثق بوضع قدره بيد قديسي العلم .

أعتقد بأن من يؤمن بأنه بعد الثورة الاجتماعية سنصبح جميعا مثقفين هو مخطئ . حينها كما هو الآن العلم سيبقى أحد القطاعات الاختصاصية إلا أنها ستكون حق للجميع و ليس لقلة من أعضاء الطبقة السائدة . بإلغاء الطبقة العلم سيصبح حق لكل أولائك الذين يملكون القدرة و الإرادة لطلبه , و لكن ليس على حساب العمل العضلي الذي سيكون إجباري للجميع .

في متاح الجميع سيكون هناك تعليم علمي عام و خصوصا تعليم الطريق العلمي , تعويد التفكير الصحيح , و قدرة أن يقوم أحدهم بأشياء صحيحة بنسب أقل أو أكثر . و لكن موسوعات فكرية و علماء اجتماعيين متقدمين سيكونون قليلين جدا . سيكون من المؤسف للجنس البشري أن يكون التفكير النظري هو البئر الوحيد الذي يقود المجتمع , إن كان العلم وحده هو الذي يدير المجتمع . الحياة ستطفأ و البشرية ستتحول لقطيع عبودي صامت . سيادة العلم على الحياة لا يمكن أن يكون له نتيجة إلا وحشية الجنس البشري .

نحن الأناركيست الثوريين نؤيد التعليم لكل الشعب , و الحرية , و أكبر مجال تمديد للحياة الاجتماعية . إلا أننا أعداء للدولة و كل شكل من أشكال سيطرة الدولة . بعكس الميتافيزيقيين و الوضعيين و أولائك الذين يعبدون العلم ,نعلن بأن الحياة الاجتماعية و الطبيعة يسبقون النظرية التي هي عبارة عن حدث في الحياة إلا أنها ليست مؤسسها . خارج العمق الذي لا ينضب للمجتمع تحدث مجموعة مستمرة من التطورات و لكن ليس فقط عن طريق التفكير . النظرية تولد دائما من الحياة , و لكن أبدا لا تشكلها , كلافتات الطرقات التي قد تدلك على الطريق و الخطوات المختلفة للخيارات الوحيدة و المستقلة للحياة .

على هذا الأساس نحن لا نطمح لإرغام نفسنا أو غيرنا على شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي مأخوذة من كتب أو موضوعة من قبلنا . نؤمن بأن البشر يملكون داخلهم و داخل غرائزهم ( التي تتطور أكثرأو أقل من خلال المسيرة البشرية ) في حاجاتهم اليومية و في طموحاتهم التي يشعرون و التي لا يشعرون بها كل مزاية التنظيم الاجتماعي المستقبلي . نبحث عن هذا الشيء المثالي داخل البشر نفسهم . كل سلطة دولة و كل حكومة من طبيعتها تقرر من دون و من فوق الشعب و ترغم الناس دون جدل على الخضوع لتنظيم و أهداف غريبة و خارجة عن طموحات البشر . نعلن بأننا ضد كل حكومة و كل سلطة دولة و كل تنظيم حكومي بشكل عام . نعتقد بأن البشر يمكن أن يكونوا أحرار فقط حين ينظمون من القاعدة إلى الأعلى في اتحادات مستقلة و حرة دون الأبوية الحكومية و لكن ليس بدون تأثير التشكيلات الفردية و الحزبية .

أفكار كهذه نملك كثوار اجتماعيون و لذلك ندعى أناكيست . لا نحتج لهذا الاسم و لكن لأننا أعداء كل سلطة حكومية لأننا نعلم بأن سلطة كهذه تفسد من يرتديها و أولائك الذين يجبرون على الخضوع لها . فنتيجة لآثارها الضارة الفئة الأولى يتحولون لمستميتين و طموحين طغاة و مستغلين للمجتمع من أجل مصالحهم الطبقية و الشخصية أما الأخرين فيصبحون عبيد .

كل المثاليون و الميتاقيزيقيون و الوضعيون أولائك الذين يؤيدون سلطة العلم على الحياة و الثوار العقاديون يؤيدون جميعا فكرة الدولة و سلطتها بشكل متشدد لأنهم يرون فيها نظامهم و أملهم الوحيد لإنقاذ المجتمع . شيء منطقي جدا إذا كانوا معتمدين على الاقتراح الأساسي ( الذي نعتبره كاذب ) أن الفكرة تسبق الحياة و أن النظرية توجد قبل الخبرة الاجتماعية و أن علم الاجتماع يشكل بداية كل الانتفاضات الشعبية و إعادة الهيكلة يصلون إلى نتيجة حتمية تقول لأن الفكر , النظرية و العلم موجودون بأيادي قلة من الناس على الأقل في هذه الأيام فهؤلاءالقلة هم من سيقود الحياة الاجتماعية و لن يكونوا فقط الرواد بل قادة كل الحركات الشعبية . و فورا بعد الثورة التنظيم الاجتماعي الجديد لن ينظم من قبل الرابط الحر الموجود بين التنظيمات و الاتحادات الشعبية المحلية و غير المحلية من الأسفل إلى الأعلى كما هو مطلب و غريزة البشر , و لكن فقط عن طريق ديكتاتورية القلة المتعلمة التي تعتبر ممثل الإرادة الشعبية .

طريقة التمثيل الكاذب الحكومي تستخدم لتغطية سيادة الشعب من قبل إليت مميز , أقلية منتخبة من جموع شعبية مخدوعة لا تعرف لمن و لماذا انتخبت . باستخدام هذه التقنية و التعبير التجريدي لها الذي يعتقد بشكل كاذب بأنها تمثل الإرادة الشعبية و التي الناس الحقيقيون لا يعلمون شيئا عنها , يبنون نظرية الدولة كما يبنون نظرية الديكتاتورية الثورية .

الفرق بين الديكتاتورية الثورية و الدولة معدوم فالاثنان يمثلون نفس القاعدة ألا و هي حكم الأقلية على الأكثرية باسم الغباء المزعوم للفريق الثاني و الذكاء المزعوم للفريق الأول يبقى الفريقان فريقان رجعيان حيث أن الفريقان يعملا على حفظ و إدامة الحقوق السياسية و الاقتصادية للأقلية السائدة و العبودية السياسية و الاقتصادية للجماهير الشعبية .

هذا الآن يظهر بشكل واضح فالديكتاتوريون الثوريون إلى قلب القوة الحالية و الهيكل الاجتماعي ليبنوا على أطلالها ديكتاتوريتهم لم و لن يكونوا أعداء للحكومة بل على العكس هم دائما المروج المستميت لفكرة الحكومة . هم أعداء للحكومات الحالية لأنهم يريدون أن يستبدلوها . هم ضد الهيكل الحكومي الحالي لأنها تمنع نشوء ديكتاتوريتهم . إلا أنهم و بنفس الوقت أكثر الأصدقاء التزاما بسلطة الدولة لأنه في حال دمرت الثورة هذه السلطة محررة بشكل الجموع بشكل حقيقي ستمنع هذه الأقلية الثورية الكاذبة من أي أمل بالإساءة للجموع التي أرادوا تحويلهم لورثة سياساتهم الحكومية . لقد عبرنا مرارا وتكرارا عن نفورنا من نظريات ماركس و لاسال الذين يعتمدون على العمال بهدف تأسيس الدولة الشعبية , التي و اعتمادا على تحليلاتهم ليست إلا البديل البروليتاري في مكان السلطة الحكومية .

و لكن فليسمح لنا بالسؤال : إن كانت البروليتاريا هي الطبقة السائدة فعلى من ستحكم ؟ باختصار ستحافظ على وجود بروليتاري آخر يكون خاضعا لهذه السلطة الجديدة لهذه الدولة الجديدة . على سبيل المثال القرويون الذين لا يحظون باحترام الماركسيين باعتبارهم يمثلون مستوى ثقافي أدنى سيحكمون غالبا من العمال الصناعيين بالمدن . أو إن كان يجب أن ننظر إلى هذه المشكلة من وجهة نظر قومية فالسلافيين سيصبحون في نفس موقع الرضوخ للبروليتاريين الألمان المنتصرين حيث يرضخ الآن هذا الأخير للطبقة البورجوازية الألمانية .

طالما الدولة الموجودة فسيادة طبقة على طبقة ستبقى موجودة و النتيجة ستكون العبودية . فدولة دون عبودية هو أمر خيالي لذلك نحن ضد كل دولة .

ماذا يعني بأن طبقة البروليتاريا ستصبح الطبقة السائدة ؟ هل من المعقول أن تكون البروليتاريا بأجمعها على رأس الحكومة ؟ يوجد تقريبا 4 ملايين ألماني . هل من الممكن أن يكون الأربع ملايين هؤلاء أعضاء بالحكومة ؟ في هذه الحالة لا يوجد لا دولة و لا حكومة فإن كان هناك دولة سيكون هناك من يحكم و من هو عبد .

النظرية الماركسية تحل بشكل بسيط هذه المعضلة . فبقولهم حكم شعبي يقصدون حكم قلة ممثلة منتخبة من قبل الشعب . الحق الشعبي لانتخاب الممثلين الشعبين في الحكومة و الكلمة الأخيرة للماركسيين و للديمقراطيين . و هو عبارة عن كذبة تختفي خلفها الأقلية السائدة , كذبة يزداد خطرها بادعائها تمثيل الإرادة الشعبية .

و في النهاية و من أي جهة نريد أن ندرس هذه الكذبة سنرى بأنها تؤدي لأن تحكم الجموع الشعبية من قبل أقلية مميزة . الماركسيون يقولون بأن هذه الأقلية ستكون من العمال . نعم قد تكون هذه الأقلية مؤلفة من عمال سابقين يتوقفون عن كونهم عمال ما أن يصلوا إلى سدة الحكم و سينظرون إلى جموع العمال البسطاء من موقع سلطتهم الحكومية , لن يمثلوا الشعب بعد بل سيمثلون أنفسهم فقط و مطالبهم لممارسة السلطة على الشعب . أولائك الذين يرفضون هذا لا يعرفون إلا القليل عن الطبيعة البشرية .

الماركسيون يقولون بأن هؤلاء الممثلون المنتخبون سيكونون اشتراكيون مثقفون و ملتزمون . التعابير المشابهة (( لمثقفين اشتراكيين )) و (( اشتراكية علمية )) و …. إلخ الموجودة بشكل كبير في كتابات أنصار لاسال و ماركس تدل على أن الدولة الشعبية الكاذبة ليست إلا استبداد رقابي للسكان من قبل فئة قليلة من العلماء الكاذبين . و الناس الغير مثقفين سيتحولون إلى قطيع منضبط . يا لها من حرية حقيقية !

الماركسيون يعلمون جيدا عن هذا التناقض و يعترفون بأن حكومة علماء ستكون ديكتاتورية مهما كان شكلها الديمقراطي . إلا أنهم يتواسون بأن هذه السيادة ستكون لفترة وجيزة . يقولون بأن هدفهم الوحيد و تثقيف الشعب و رفع مستواه الاقتصادي و السياسي لدرجة دولة من هذا الشكل تصبح غير مهمة و الدولة تخصر حينها دورها القمعي ستتحول إلى تنظيم حر للمصالح الاقتصادية و الكمونات .

يوجد تناقض مهم في هذه النظرية . فإن كانت دولتهم حقا دولة شعبية لماذا يريدون إلغاءها ؟ و إن كانت الدولة ضرورية لتحرير العمال إذا العمال الذين يعيشون بهذه الدولة لم يتحرروا بعد . لماذا إذا تدعى هذه الدولة بالشعبية ؟ بحربنا ضد هؤلاء دفعناهم للاعتراف بأن الحرية أو الأناركية التي هي عبارة عن تحرير الجموع الشعبية و تنظيمها من الأسفل للأعلى هو الهدف النهائي و للتطور الاجتماعي و أن أي دولة دون أن نستثني دولتهم الشعبية هو عبارة عن تزاوج يتألف من الاستبداد من جهة و العبودية من جهة أخرى . يقولون بأن ديكتاتورية كهذه هي انتقال مرحلي نحو الحرية المطلقة للبشر و بأن الأناركية و الحرية هم الهدف , إلا أن الدولة و ديكتاتوريتها هي وسيلة , و هكذا حتى تتحرر الجموع الشعبية نحتاج أولا إلا الاستعباد ! حربنا مع هؤلاء يتوقف عند هذا التناقض . الماركسيون يصرون على أنه فقط عن طريق ديكتاتورية ( طبعا ديكتاتوريتهم ) يمكن أن يتحرر الشعب . و نحن نرد عليهم بأن أي ديكتاتورية لا تهدف إلا للمحافظة على ذاتها و بأنها ستولد استبداد الناس و العبودية . الحرية يمكن أن تولدد فقط من الحرية و من انتفاضة جماعية شعبية و تنظيم إرادي للناس من القاعدة إلى الأعلى .

إن نظرية الاشتراكيين المضادين للدولة أو الأناركسيت تقودهم حتما للصراع مع كل أشكال الدولة و مع كل خطوط السياسات البورجوازية و لا تختار طريق إلا الثورة الاجتماعية . النظرية المواجة الشيوعية السلطوية و حكم العلماء تجذب و تسبب ارتباك لأنصارها و تحت حجة التكتيك السياسي تقوم دائما بتعاملات مع الحكومة و الأحزاب البورجوازية و تسير بشكل فادح بطريق الرجعية .

النقطة التأسيسية لهذا البرنامج هو أن الدولة وحدها تستطيع تحرير البروليتاري ( الكاذب ) . لكي يتحقق ذلك يجب أن تهتم الدولة بتحرير البروليتاري من الرأسمالية . هل المعقول أن تملك الدولة إرادة كهذه ؟ ليتحقق ذلك يجب أن تصبح الدولة بيد البروليتاري عن طريق ثورة عن طريق عمل بطولي . و لكن ما أن يستحوذ البروليتاري على الدولة يجب بشكل مباشر أن يلغي هذا السجن الأبدي للبشر . و لكن اعتمادا على ماركس فالبشر ليس عليهم فقط بعدم إلغاء الدولة بل على العكس عليهم تقويتها على مدها و أن يتركوا المجال متاح للمحسنين الأوصياء المعلمين قادة الحزب الشيوعي , يعني بالنسبة للسيد ماركس و أصدقاؤه سيحررون الشعب بطريقتهم الخاصة , و سيحصرون السلطة بين أيديهم القوية , لأن الشعب الغير متعلم يحتاج إلى وصاية قوية , كما سينشؤون بنك حكومي , الذي سيتحكم بكل التجارة , الصناعة , الزراعة و حتى العلم . و الجموع ستفصل إلى معسكرين , الزراعيين و الصناعيين , و سيكونون تحت الإدارة المباشرة لسلطة الدولة , التي ستتكون من طبقة العلماء السياسيين المميزة الجديدة .

حسني كباش: https://www.facebook.com/profile.php?id=100003553869088

 

ما هي السلطة؟

ميخائيل باكونين 1871

تعريب: جوزف أيوب

ما هي السلطة؟ هل هي قوة حتمية للقوانين الطبيعية التي تعبر عن نفسها في روابط ضرورية وتعاقب للظواهر في العالمين المادي والاجتماعي؟ في الواقع، الثورة على هذه القوانين ليست فقط محرمة – بل حتى مستحيلة. قد نسيء فهمها أو حتى لا يمكننا معرفتها على الإطلاق، ولكننا لا نستطيع أن نعصيها؛ لأنها تشكل الأساس، وهي الشروط الأساسية لوجودنا – هي تحيطنا، تتغلغل فينا، تنظم جميع تحركاتنا، أفكارنا وأعمالنا، حتى عندما نعتقد أننا نعصيها، لا نظهر سوى سلطتها المطلقة.

نعم، نحن وعلى نحو جازم عبيد لهذه القوانين. لكن في مثل هذه العبودية لا وجود للذل، أو بالأحرى، إنها ليست عبودية على الإطلاق. في العبودية يُفترض سيد خارجي، وهو مشرّع من الخارج- يصدر الأوامر، في حين أن هذه القوانين ليست خارجه عنا، فهي متأصلة فينا، بل تشكل وجودنا، وجودنا كله، جسديا، فكريا، وأخلاقيا، نعيش، نتنفس، نفعل، نفكر، ونرغب فقط من خلال هذه القوانين. بدونها نحن لا شيء، لا نكون. من أين يمكن إذن، أن نستمد القوة والرغبة للتمرد عليها؟

في علاقته مع القوانين الطبيعية – حيث تبقى حرية الإنسان ممكنة، وذلك بالإقرار وتطبيق هذه القوانين على أوسع نطاق – انسجاماً مع التحرر (الفردي والجماعي) من الأنسنة التي يسعى إليها الانسان. بمجرد ادراك هذه القوانين، تمارَس سلطة لن يتنازع فئة من الناس عليها. على المرء، مثلاً، أن يكون الإنسان إما أحمقاً أو لاهوتي او على الاقل ماورائي، قانوني أو برجوازي اقتصادي لكي يتمرد على القانون. عليه أن يمتلك ايمان لكي يتصور أن النار لن تحرق والمياه لن تغرق، فيما عدا، يمكن اللجوء إلى بعض الحيل التي تأسست بدورها على بعض القوانين الطبيعية الأخرى. غير أن هذا التمرد، أو بالأحرى، هذه المحاولات والاهواء الحمقاء للتمرد هي أمر مستحيل، هو بالتأكيد استثناء لما هو بشكلٍ عام، اعتراف لفئة من الناس بالحكومة في حياتهم اليومية – وهذا هو، مجموع القوانين العامة المعترف بها عموما – بطريقة شبه مطلقة.

لسوء الحظ أن عددا كبيرا من القوانين الطبيعية، التي تأسست من قبل العلم، لا تزال غير معروفة لدى الجماهير، وذلك بفضل سهر حكومات الوصاية تلك التي وجدت، كما نعلم، فقط من أجل خير الشعب. هناك صعوبة أخرى – هي أن جزءاً كبيراً من القوانين الطبيعية مرتبطة مع تطور المجتمع البشري، التي هي إلى حد بعيد ضرورية، ثابتة، مهلكة، كالقوانين التي تحكم العالم المادي، لم تنشئ ويعترف بها من قبل العلم نفسه على نحو واجب.

إن أُدركت هذه القوانين – لمرة واحدة – من قبل العلم، وبواسطة العلم تحولت إلى وعي لدى كل انسان (من خلال نظام واسع في التعليم والارشاد الشعبي) وسيتم حل مسألة الحرية تماما. حينئذ يجب على السلطات الأكثر عناداً أن تعترف بأن لا حاجة إلى تنظيم سياسي أو لوضع تشريعات. ثلاثة أشياء مرتبطة بهذه السلطة: سواء انبثقت من إرادة سيادية أو من تصويت لبرلمان (انتخب بالاقتراع العام)، أو حتى مطابقتها لنظام قوانين الطبيعة – التي لم تكن يوما كذلك ولن تكون أبداً – هي دائماً قاتلة ومعادية لحرية الجماهير حيث أنها في الحقيقة تفرض نظاماً خارجياً، وبالتالي قوانين مستبدة.

إن حرية الإنسان تستند فقط على: أن يطيع قوانين الطبيعة، لأنه هو نفسه يعترف بها على هذا النحو، وليس لأنها تفرض نفسها عليه بأي ارادة خارجية، الهية أو بشرية كانت، جماعية أو فردية.

لنفترض أكاديمية تتألف من معظم ممثلي العلوم؛ وأن هذه الأكاديمية مكلّفة بتشريع وتنظيم المجتمع، في حين هذه التشريعات ليست مستوحاة إلا من محبة الحقيقة، ستكون هذه التشريعات في انسجام مطلق مع أحدث الاكتشافات العلمية. حسناً، من جهتي، هذا التنظيم والتشريعات ستكون كالمسخ، وذلك لسببين: أولاً، أن العلوم الإنسانية هي دائماً وبالضرورة ناقصة، وذلك مقارنة لما اكتشف مع ما تبقى ليُكتشف، حيث يمكن القول انها لا تزال في مهدها. وهكذا لكي تتبدل حياة الانسان العملية، جماعة أم فردًا، إلى التزام دقيق وحصري يترافق مع أحدث البيانات العلمية، علينا أن ندين المجتمع كما الأفراد لكي يعانوا الاستشهاد على سرير بروكرستس ، التي ستنتهي قريباً مؤلمة وخانقة لهم، حيث تبقى الحياة أعظم من العلم في أي وقت مضى.

السبب الثاني: المجتمع الذي يجب أن يطيع التشريعات المنبثقة من أكاديمية علمية، ليس لأنه مدرك هذا الطابع العقلاني لهذا التشريع (في هذه الحالة وجود الأكاديمية تصبح عديمة الفائدة) ولكن لأن هذا التشريع المنبثق من الأكاديمية، كان المفروض باسم العلم أن يقدّس دون فهمه. مثل هذا المجتمع سيكون مجتمعا، ليس للإنسان، بل للبهائم. ستكون حالة أخرى من تلك البعثات اليسوعية التي أرسلت إلى حكومة الباراغواي لوقت طويل . وبالتأكيد فإنها ستنحدر بسرعة إلى أدنى مراحل البلاهة.

يبقى هناك سبب ثالث وهو ما يجعل من المستحيل تشكيل مثل هذه الحكومة، بمعنى تلك الأكاديمية العلمية الممولة سيادياً،إذا جاز التعبير، بشكلٍ مطلق، وحتى لو كانت تتألف من ألمع الأشخاص، بحيث انها بالتأكيد سوف تنتهي من تلقاء نفسها في الفساد الأخلاقي والفكري.وحتى اليوم، هذا هو حال كل الأكاديميات مع بعض المزايا قليلة الممنوحة لها. بشكل حتمي، أعظم العباقرة العلميين منذ لحظة أن يصبح أكاديمياً يسقط في هفوات الخمول. ويفقد تلقائيته وعفويته، صلابته الثورية، وطاقته الوحشية لتحقيق عبقريته، وقدرته على تدمير العالم القديم وإرساء أسس جديدة. بدون شكأن كل ما يكتسبه من كياسة وحنكة نفعية وعملية هو ما يخسره من قوة فكره. في كلمة واحدة، سيصبح فاسداً.

هذا هي سمة الامتياز وكل مكانة ذات امتياز هي قاتلة لعقل وقلب الانسان. الانسان ذو امتياز، سواء كان اقتصاديا أو عمليا، هو رجل فسد في العقل والقلب. هذا هو القانون الاجتماعي الذي لا يقبل أي استثناء، كما على الطبقات ينطبق على كل الدول، متعاونين أومنفردين. ذلك هو قانون المساواة، الشرط الأعلى للحرية والإنسانية. المبدأ الاساسي لهذه الدراسة هو بالضبط شرح هذه الحقيقة في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية.

هذا الجسم العلمي الموثوق من قبل الحكومة سوف ينتهي قريبا من خلال تكريس نفسه ليس للعلم، بل من أجل شأنا آخر تماما: هو أن القضية ، كما هو الحال بالنسبة لجميع السلطات المتأسسة، ستبحث عن الدوام الأبدي من خلال تقديم مجتمع يتعهد أكثر من أي وقت مضى لرعاية الغباء وبالتالي في حاجة إلى المزيد من بسط حكومته واتجاها.

ولكن ما هو يصدق على الأكاديميات العلمية يصدق أيضا على جميع المجالس التأسيسية والتشريعية، وحتى على الذين وقع عليهم الاختيار عن طريق الاقتراع العام. في الحالة الأخيرة قد يجددوا مناصبهم، هذا صحيح، ولكن هذا لا يمنع في غضون سنوات قليلة من تشكيل مجموعة من السياسيين والسياديين في الواقع وإن لم يكن في القانون، مكرسين انفسهم للشؤون العامة للبلد حصراً، في النهاية يشكلوا نوعا من الارستقراطية السياسية أو الأوليغارشية. وهذا ما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا.

وبالتالي في هذه المسألة لا يمكن فصل أي تشريع خارجي عن أي سلطة، وكلاهما يميل إلى عبودية المجتمع، وتدهور المشرعين أنفسهم.
هل نستنتج من ذلك أنني أرفض كل أنواع السلطة؟ انها بعيدة عن تفكيري. فيما خص الأحذية، أفضل سلطة صانع الأحذية – المنازل، القنوات، أو السكك الحديدية ، أستشير كل من المهندس المعماري أو المهندس. لكل معرفة خاصة اناسها. ولكن لا أسمح لصانع أحذية أو لمهندس موهوب من أن يفرض سلطته علي. أستمع لهم بحرية وبكل احترام وذلك بسبب ذكائهم، طابعهم، معرفتهم، محتفظا دائما على حق النقاش، النقد، واللوم. أنا لا أكتفي باستشارة سلطة واحدة في أي فرع خاص، اقوم باستشارة عدد من المختصين؛ أقارن آرائهم، واختار تلك التي تبدو الأصح. لكنني على يقين بلا وجود سلطة معصومة، حتى في المسائل الخاصة، وبالتالي، مهما اكن احتراماً لنزاهة وصدق هكذا افراد ، لا يوجد لدي ثقة مطلقة في أي انسان. هكذا إيمان هو قاتل للمنطق والعقل، للحرية، وحتى بالنسبة لنجاح المستقبل، بل سيحولني فورا إلى عبد غبي، واتحول أداة لإرادة ومصالح الآخرين.

إلى حد معين، وطالما يبدو ذلك ضرورياً، فإذا أنحنيت أمام سلطة متخصصين وابدي استعدادي لتبعية ارشاداتهم وكذلك توجهاتهم، وذلك لأن سلطتهم فرضت علي ليس من قبل أحد، لا من قبل انسان ولا من قبل الله. وإلا أرفضها برعب، وأدعو الشيطان للأخذ بنصيحتهم، توجهاتهم، كذلك خدماتهم ، حينئذٍ مؤكداً سأدفع الثمن، من جراء فقدان حريتي واحترامي لذاتي، من أجل قصاصات من الحقيقة، مغلفة في أكاذيب، قد تعطى لي.

أنحني أمام سلطة ناس مختصة لأنها فرضت من قبل عقلي. وأدرك عدم قدرتي على الفهم والتطور، في كل تفاصيل المعرفة الإنسانية. فالاكثر ذكاءاً لا يستطيع فهم الكل. لهذا السبب – كما للعلم كذلك بالنسبة للصناعة – هناك ضرورة لشراكة وتقسيم العمل. الأخذ والعطاء هي الحياة البشرية. الكل يوّجه ويتوجه بدوره. فليس هناك سلطة ثابتة ومستمرة، بل هناك تبادل مستمر للسلطة، وفوق كل شيء هذه السلطة هي طوعية وتبعية.

إذن، هذا السبب نفسه يمنعني أن أعترف بسلطة ثابتة، دائمة، وشاملة، لأنه لا يوجد انسان عالمي، أي انسان قادر على استيعاب كل التفاصيل، والتي بدونها يستحيل تطبيق العلم في الحياة، كل العلوم وجميع فروع الحياة الاجتماعية. وإذا تحققت مثل هذه العالمية في انسان واحد، لفرض سلطته علينا، سيكون من الضروري دفع هذا الانسان للخروج من المجتمع، لأن سلطته حتما من شأنها أن تضع الآخرين في العبودية والبلاهة. لا أعتقد على المجتمع أن يسيء معاملة اصحاب الفكر كما فعلت حتى الآن، ولكن أيضاً لا أعتقد أن يذهبوا بعيدا في ذلك، ناهيك عن منحهم أي امتيازات أو حقوق حصرية، وذلك لثلاثة أسباب: أولاً، لأنه في كثير من الأحيان الانسان الدجال لن يكون عبقرياً، ثانياً: لأنه من خلال مثل هذا النظام من الامتيازات، فإنه قد يتحول الانسان العبقري إلى دجال، ويهتز أركانه، وتفسد اخلاقه، وأخيراً: لأن من شأنه إقامة سيد فوق نفسه.

الإخوان , البلاشفة و الربيع العربي

مازن كم الماز

بعد الانتصار الانتخابي الأخير لمرسي مرشح الإخوان في انتخابات الرئاسية المصرية تركز الأخذ و الرد اليوم في الكلام عن الإسلاميين و احتمالات نجاحهم في تأسيس دولة دينية من جهة , و من جهة أخرى عن “قصور” الثورات أو الانتفاضات الشعبية العفوية مع التركيز على أولوية خلق قيادة ثورية لتجاوز قصور أو تخلف هذه الثورات أو لكي تتطور إلى ثورات اجتماعية أكثر جذرية الخ .. سأستخدم هنا تاريخ ثورتي فبراير شباط و أكتوبر الروسيتين لعام 1917 لكي أحاول أن أبين كيف رد التاريخ من قبل على هذه الأسئلة و الهواجس من خلال محاولة فهم كيف انتهت الثورة الروسية إلى خلق الدولة الستالينية .. أولا هناك عدة آراء ترى أن احتمالات أن يؤدي صعود الإسلاميين إلى قيام دولة دينية مبالغ فيها لأن أمام مثل هذا الصعود عدة عوائق مهمة , و هذا صحيح نسبيا , هناك الجيش مثلا في مصر الذي شكل جزءا أساسيا من السلطة منذ عام 1952 , و هناك حماسة بين أعداد أكبر من الناس للانخراط في الشأن العام و هناك حريات أوسع للصحافة و للإعلام المرئي , و بالنسبة لليبراليين أيضا هناك بوادر مشجعة لعملية انتخابية طالما حلموا بها رغم كل السلبيات التي رافقتها أو نتائجها المخيبة .. لكن كيف كان الوضع في فبراير و أكتوبر 1917 في روسيا : كانت هناك جماعة محظورة طالما كفرت و قمعت و لوحقت و ضرب بها المثل في التطرف و اتهمت بالعمالة و أنها تريد قيادة البلاد نحو الانهيار و الخراب و طالما استخدمها النظام القيصري كفزاعة لتبرير استبداده بينما كانت هذه الجماعة تصر دائما على أنها تملك خاتما سحريا لحل مشاكل الفقراء و غالبية الروس – أقصد هنا البلاشفة .. قبل ثورة فبراير كان البلاشفة أضعف بكثير من الإخوان اليوم , كانوا عدة آلاف موزعين على المنافي و السجون و العمل السري بين خضم من ملايين الروس , و فوجئوا بالثورة كما فوجئ بها الجميع , لم يزد عددهم كثيرا عن عدة عشرات من الألوف بحلول شهر أكتوبر لكنهم كانوا قد سيطروا على سوفييت بتروغراد و موسكو و كسبوا ولاء قطعات عسكرية قريبة من المدينتين خاصة قاعدة كرونشتادت البحرية الواقعة بالقرب من العاصمة بتروغراد , استخدم البلاشفة لتحقيق ذلك شعارات شعبوية تعود في غالبيتها إلى منافسيهم , شعار الأرض للفلاحين أخذوه من الاشتراكيين الثوريين الحزب الفلاحي الأكبر , شعار كل السلطة للسوفييت أخذوه عن الأناركيين , الخ .. كان التنظيم البلشفي فضفاضا جدا أيام القمع القيصري بسبب ظروف اتساع روسيا نفسها و صعوبة الاتصالات بين المنظمات الحزبية و القيادات التي عاشت عموما في الخارج , لكن لأول مرة بدأ الحزب البلشفي خاصة في موسكو و بتروغراد يشهد مركزة حقيقية ستصل إلى درجة العسكرة مع استيلائه على السلطة و ممارسته لها , الأمر الذي سيمتدحه لينين و تروتسكي و ستالين فيما بعد على أنه أحد أهم أسباب انتصار البلاشفة في أكتوبر و بعده أي استيلائهم على السلطة و احتفاظهم بها لسبعين سنة قادمة .. كانت روسيا بعد إقصاء القيصر في فبراير تموج بحرية لا حد لها , الروس الذين اعتادوا الخضوع فقط على مدى قرون و الذين تحرر غالبيتهم من القنانة فقط قبل نصف قرن مارسوا أكبر درجة ممكنة من الحرية في كل شيء , لم يكن الموضوع يتعلق فقط بحرية التعبير أو بحرية الاحتجاج أو غيرها , بل كان أعمق من ذلك بكثير , نشأت شبكات أفقية من السوفييتات , و لجان المصانع و الأحياء و القرى , جمعيات من كل الأنواع في كل مكان , لقد نظم الروس حياتهم دون سلطة , و كان هذا هو الذي سمح لهذا الجيل بتحمل و تجاوز الظروف الصعبة لذلك العام و الأعوام القليلة التي تلته , صحيح أن الإنتاج الصناعي و الزراعي تأثر سلبا بالحرب العالمية و بالثورة لكن ما جرى هو أن غالبية الروس انتزعوا ما كان الأرستقراطيون و البرجوازيون يسرقونه منهم و وزعوه بينهم بطريقة عادلة أكثر , المفاجئ أنه بعد عدة سنوات فقط من هذا المشهد الرائع سنرى السوفييتات نفسها , أكثر مؤسسات الديمقراطية المباشرة للعمال و الجنود و الفلاحين حرية , و هي “تنتخب” الزعيم و “توافق” على خطاباته و سياساته بالتصفيق وقوفا , بعد سنوات ليست بالكثيرة أصبحت التشيكا الشرطة السرية هي من يحكم البلد فعلا و كان كل شيء أصبح يقرره أفراد لا يعدون حتى بالعشرات حتى لو أدت قراراتهم لجوع و موت الملايين .. هناك حقيقة يجب ألا تفوت أحد اليوم : للينين و للبلاشفة عموما تلامذة عرب نجباء جدا , هم الإسلاميون , الإخوان أساسا , إنهم بلاشفة اليوم و لينينيو الثورات العربية الحالية , لا يوجد سياسي يطبق اللينينية بحذافيرها اليوم كما يفعل الإخوان و لا يوجد بلاشفة مخلصون لكل دروس البلشفية و سياساتها و أفكارها التنظيمية من الإخوان اليوم .. إذا تجاوزنا الشبه الشكلاني بين مشاركة البلاشفة المحدودة جدا في ثورة فبراير 1917 و مشاركة الإخوان المحدودة أيضا في ثورة يناير 2011 و الثورات العربية عموما , فإن سلوك البلاشفة و الإخوان في الثورتين كان متطابقا إلى حد كبير , و الأسباب التي سهلت للبلاشفة أن يستولوا على الثورة الروسية توجد أيضا عند الإخوان : التنظيم الحديدي , أولوية الإيديولوجيا “الخلاصية” , براغماتية سياسية تصل إلى حد الخداع و المياكيافيلية .. يروي تروتسكي بعض تفاصيل ميكافيلية البلاشفة في كتابه دروس ثورة أكتوبر – 1924 , عندما يروي كيف أصر لينين على الاستيلاء على السلطة قبل يوم واحد فقط من مؤتمر السوفييتات الثاني خلافا لغالبية القيادة الحزبية التي كانت تريد من المؤتمر نفسه أن يستولي على السلطة حفاظا على المظاهر الديمقراطية , و كيف سخر لينين من “إيمان” هؤلاء القادة “بشكليات” اللعبة الديمقراطية , كان من الواضح أن لينين يريد السلطة لحزبه و ليس للسوفييتات و لهذا كان الاستيلاء على السلطة قبل مؤتمر السوفييتات و لو بيوم واحد فقط أمرا حيويا جدا بالنسبة له , يروي تروتسكي أيضا كيف كان بعض القادة البلاشفة يحاور المناشفة و الاشتراكيين الثوريين ليلة 25 أكتوبر نفسها بينما كان حزبهم يستولي على المواقع الحساسة في بتروغراد و يتحدث بسخرية أيضا عن سذاجة بعض خصوم البلاشفة الذين اعتقدوا أنهم أي البلاشفة سيخضعون لقرارات غالبية المؤتمرات و المجالس و أنه يكفي هناك هزيمتهم بخطاب لإعادتهم إلى صوابهم , إن كلام تروتسكي واضح لا لبس فيه : إن الخداع أحد وسائل ممارسة البلاشفة للسياسة و هذا ينطبق على كل القوى السياسية السلطوية أي التي تتمحور كل سياساتها على الوصول إلى السلطة , أي قيادة الآخرين و فرض مشروعهم عليهم من فوق , من موقع “السلطة” , و اليوم بشكل استثنائي على الإسلاميين , الذين كذبوا و نافقوا و خدعوا و زيفوا طوال الأشهر الماضية بعد ثورة يناير معتبرين في النهاية أن هذا النصر نصرهم لأنه نصر إلهي !! و متهمين كل من يقف في طريقهم بكل ما يخطر على بالهم , إذا قبلنا رواية تروتسكي و غيره من القادة البلاشفة عن الطريقة التي استولوا بها على السلطة لا نملك إلا أن نقول عن الإسلاميين اليوم : يا لهم من بلاشفة و لينينيين حقيقيين !! الفيلسوف اللبناني علي حرب كتب في السفير قبل أيام متحدثا عن الإسلاميين , قال أن المشكلة معهم ليست في تطبيق الشريعة , فالشريعة , بعيدا عن نظرية الحدود , هي مجموعة قيم , الحقيقة أن الإسلاميين يستخدمون قصة الشريعة و هذه القيم للاستيلاء على السلطة فقط , في الممارسة داسوا على كل تلك القيم و قد شاهدناهم يفعلون ذلك في انتخابات مجلسي الشعب و الشورى و الرئاسة , نحن لسنا أمام قوة سياسية أخلاقية , إننا أمام قوة سياسية تستخدم صورتها الأخلاقية المفترضة لكي تستولي على السلطة باسم تطبيق الأخلاق , تماما كما كان البلاشفة في عام 1917 .. ليست هذه هي المرة الأولى التي يثبت فيها الإسلاميون أنهم يستحقون لقب بلاشفة حتى من أكثر الستالينين أنفسهم , حدث هذا أيضا في إيران بعد ثورتها الشعبية الرائعة .. قبل أن يصل الخميني إلى طهران في أوائل 1979 كان يتحدث في باريس عن احترام حقوق المرأة و حرية الفكر و التعبير الخ و أنه لا يسعى لأن يمارس أي دور قيادي في إيران بعد الشاه , في خطابه الأول بعد نزوله من الطائرة سيتغير كل شيء و سيتحدث بطريقة مختلفة تماما مهددا خصومه الرافضين لقيام الدولة الثيوقراطية الدينية و ستزداد نبرة التهديد في كلامه مع الوقت , على التوازي مع ظهور دولته الثيوقراطية التي تحكمها المؤسسة الدينية و حلفائها من البازار , كدولة شمولية حقيقية .. هذا الكلام يجعلني أشعر بالشفقة حقا على بعض الليبراليين العرب الذين يصرفون جل وقتهم و جهودهم اليوم في كتابة دساتير و قوانين و في تحديد خصائص المرحلة الانتقالية بينما تجد الإخوان يصرفون وقتهم في تعزيز دعايتهم بين الناس و تصليب سيطرتهم على قواعدهم , بينما يتفرغ بعض الليبراليين السوريين لمثل هذه المهمة ينشغل الإخوان السوريون بتشكيل شبكة من الموالين داخل الحراك الثوري السوري و داخل كتائب الجيش الحر , هذه ليست دعوة لمنافسة الإخوان في من يمكن أن يكون أكثر لينينية أو بلشفية أو ماكيافيلية , الاستنتاج الذي أفترض أن هذا الاستعراض ينتهي إليه هو محدودية “الديمقراطية التمثيلية” كبديل عن الأنظمة الديكتاتورية القائمة و ضرورة الانتقال إلى ديمقراطية مباشرة يمارسها الثوار و كل المضطهدين مباشرة على مصيرهم .. يجب هنا أن نكون منصفين أيضا , ففي الدولة الستالينية كان للسلطة فيها قاعدة اجتماعية مهمة هي البيروقراطية الحزبية و الدولتية التي كانت تتمتع بامتيازات واضحة مقارنة ببقية الكادحين , أيضا لا يمكنك أن تشعر إن كنت تعيش في إيران بأنك تعيش في جحيم حقيقي , في الدولة الشمولية سواء الثيوقراطية أو الستالينية يستطيع الناس , غالبيتهم على الأقل , أن يعيشوا , أن يحصلوا على وظيفة و بيت و طعام و أن يربوا أطفالهم , لكن كروبوتات , كعبيد , أشياء , أصفار , أمام جبروت السلطة الطاغي , أقول هذا فقط كيلا نحاول أن نرسم صورة جهنمية عن الدول التوليتارية الستالينية أو الدينية رغم أن العبودية بحد ذاتها حالة جهنمية بالفعل لكنها ليست مرضا يحكم بالموت على الجميع , تحتاج الدولة و الطبقات الحاكمة إلى أن يحيا العبيد في نهاية المطاف و هي لذلك ستعطيهم ما قد يكفي لسد رمقهم و رمق أطفالهم , من دون هؤلاء العبيد ستموت الطبقة السائدة نفسها لأنها لن تجد من يطعمها … صحيح أيضا أن روسيا الستالينية عرفت شبكة من أجهزة قمع و ملاحقة عقابية و وقائية فاجرة في قمعها , هذا أيضا وجد و يوجد في إيران , السعودية , سوريا , كوبا , الصين الماوية , ألبانيا خوجة , الخ و أن عدد ضحاياها لم يكن قليلا , و أنه أحيانا كان كبيرا بشكل استثنائي , كما في مجاعات أوائل الثلاثينيات في روسيا مثلا أو في مجازر الخمير الحمر , لكن في الأغلب كانت غالبية الناس تستطيع العيش ضمن حدود ما إن لم تواجه مباشرة شبكة القمع هذه أو إذا لم تصطدم مباشرة بالسلطة .. إذا دخلنا في التفاصيل الأصغر لاحتمالات قيام دول شمولية جديدة بعد الثورات العربية , ثيوقراطية أو دينية هذه المرة , بنفس طريقة ظهور الدولة الشمولية الستالينية بعد الثورة الروسية , أي إذا تجاوزنا الشبه في الصورة العامة لندخل في تفاصيل الفروق بين الثورة الروسية و الثورات أو الانتفاضات العربية , يمكننا القول أن سقوط القيصر ثم الحكومة المؤقتة أدى أيضا إلى انهيار جيش النظام القديم , و كان على البلاشفة بناء جيش جديد خاص بهم و لو بدمج عناصر من الجيش القديم , هذا لم يحدث إلا في ليبيا , و يحدث في سوريا بالتأكيد , لكنه لم يحدث في مصر و تونس و اليمن .. و بينما كان الجيش التونسي منذ تأسيسه صغيرا احترافيا و بقي ذا دور هامشي جدا في السلطة التي تركزت بيد الديكتاتور بورقيبة و حاشيته و بالتالي لم يشكل تهديدا لوصول النهضة للسلطة في تونس , فإن الجيش المصري يشكل إلى جانب مؤسسة الرئاسة الحاكم الفعلي لمصر طوال أكثر من نصف قرن و هو يملك إمبراطورية اقتصادية حقيقية لا يمكنه تسليمها بسهولة للإخوان , و واضح أنه مهما بلغت محاولاتهم للوصول إلى مساومة فإن التناقضات بينهما قد تبلغ في لحظة ما مستوى الانفجار أو الصراع المفتوح , و طبعا لا يمكن التنبؤ سلفا بنتيجة هذه المواجهة أو زمانها أو حتى بحدوثها لأني أعتقد أن كلا الطرفين العسكر و الإخوان قد يحاولان أولا خلق حالة تشبه ذلك التعايش المتوتر بين أردوغان و العسكر في تركيا قبل التورط في صراع مفتوح غير مضمون النتائج رغم أنه في حالة فشلهما في خلق حالة التعايش هذه فإن الصراع بينهما قد يكون حتميا .. أيضا في حالات مشابهة و لو في الشكل على الأقل لظروف الثورات العربية الراهنة فإن ظهور أشكال جوفاء من الديمقراطية الفاسدة في أوروبا الشرقية بعد سقوط أنظمتها الشمولية في تسعينيات القرن الماضي يعود كما أعتقد إلى أن السياسيين أو الحكام الجدد جاؤوا من نفس الطبقة البيروقراطية الحاكمة سابقا حتى في رومانيا حيث كان إسقاط النظام أكثر عنفا و دموية و عدا ألمانيا التي تولت الطبقة البرجوازية الحاكمة سابقا في قسمها الغربي السلطة في ألمانيا الموحدة بعد أن ضمت بعض البيروقراطيين السابقين في الشرق إلى نخبتها الحاكمة , لهذا كان الموضوع أشبه بانتقال السلطة من فئة في هذه الطبقة إلى فئة أخرى مع تغيير طريقة إنتاج السلطة خاصة بعدما اكتشفت الطبقة الحاكمة أن صناديق الاقتراع لن تهدد سلطتها الفعلية بل إنها تعطي هذه السلطة شرعية مهمة و تضعف استعداد الجماهير للنضال ضد هذه السلطة مهما بلغت من فساد … يجب أيضا ألا نغفل قضية مهمة أخرى هي دور الحرب الأهلية في تعزيز سلطة البلاشفة و استبعاد كل خصومهم وصولا إلى إقامة دولة الحزب الواحد البوليسية و كذلك دور الحرب العراقية الإيرانية في تقوية سلطة الخميني على البلاد , كما شاهدنا مثل هذا الشيء بالنسبة لعبد الناصر ( حرب السويس 1956 ) , الأسد ( حرب تشرين 1973 ) , رغم أن الحروب اليوم مستبعدة جزئيا بسبب وضع مراكز النظام الرأسمالي العالمي المأزومة لكن حربا أهلية في سوريا مثلا ستقوي قبضة الإسلاميين هناك من دون شك , كذلك قيام حرب إيرانية مع جوارها أو مع إسرائيل أو مع أمريكا و الغرب قد تقوي أنظمة أخرى جديدة في المنطقة .. نظريا أعتقد أنه من الممكن للإخوان أن يستولوا على الثورات العربية , لقد جرى ذلك من قبل في معظم إن لم يكن كل الثورات السابقة و هم يملكون كل الأسلحة التي يتطلبها مثل هذا الاستيلاء , و لأننا نتحدث عن بشر فإن دروس التاريخ هذه ليست قراءة بسيطة في المستقبل بقدر ما هي قراءة في احتمالاته .. القضية الأخرى المهمة هي أننا شاهدنا بأم أعيننا أن الثورات هي ظواهر تاريخية اجتماعية إنسانية عفوية لا تخضع لإرادة شخص أو مجموعة , و هذا كان صحيحا على الدوام أيضا .. يجب ألا نقلل هنا من شأن دعاية الأحزاب السياسية و دعاية الأفكار التي يقوم بها المثقفون في اندلاع الثورات , كلها تشكل جزء أكيد من صيرورة تراكمية تمهد للثورات دون شك , لكن الثورات خلافا للتصور اللينيني السائد عنها ليست من فعل أشخاص أو مجموعات , إنها فعل عفوي للجماهير العريضة .. أيضا خلافا للتصور اللينيني السائد فإن مشكلة انحطاط الثورات تبدأ عندما تظهر “قيادة” ما لها , أي عندما تستولي مجموعة عليها , و ليس العكس , أي أن نجاح هذه القيادة في الاستيلاء على الثورة هو سبب انحطاط الثورات و ليس ازدهارها .. أولا لنتفق أن البلاشفة لم يغيبوا عن الثورات الجارية أيضا كما سبق و قلنا , لكنهم هذه المرة هم الإسلاميون الذين يمارسون اللينينية بكل إخلاص و حماسة , هذا إذا تجاوزنا النقطة التي تستخدمها قيادات الأحزاب الشيوعية و اليسارية في أن “الإيديولوجيا” هي مصدر القوة الفعلي للعمال و أن امتلاك “الحزب الطليعي” لهذه الإيديولوجيا هو مبرر وجوده كقائد مفترض لهذه الطبقة التي لا تستطيع من دون هذه القيادة أن تفكر أو تتصرف كطبقة .. الحقيقة هي العكس , هي أن هذه الطبقة لا يمكن أن تتصرف بشكل مستقل و ذاتي بوجود قيادة محترفة من هذا النوع , هذا لا ينفي ضرورة تنظيم الطبقة العاملة و بقية المضطهدين , بل على العكس تماما فالتنظيم قوة حقيقية للطبقة العاملة و انعدامه هو أحد نقاط ضعفها القاتلة , المشكلة هي مع التنظيم المركزي اللينيني – التروتسكي – الستاليني الذي يخدم غرض هذه القيادات بالتحديد بالسيطرة على المضطهدين و على المجتمع كخطوة تالية و ليس هدف انعتاق المضطهدين و تحررهم , إن التنظيم الذي ينظم المضطهدين ليخوضوا بفعالية أكبر النضال في سبيل انعتاقهم هو التنظيم الواعي الحر الطوعي و التنظيم الذي يمارس فيه العمال و المضطهدون ديمقراطيتهم المباشرة داخله حيث يشارك كل إنسان في صنع قراراته , حيث يكون كل فرد جزءا من عملية جماعية ديمقراطية لصنع القرارات و للنقاش الحر , إنه بذلك يشبه المجتمع الجديد الذي يريد أن يخلقه هذا التنظيم أي مجتمع يكون فيه كل إنسان سيد مصيره , هذا هو بالضبط الفرق بين التنظيم اللينيني الذي يعني خضوع المضطهدين لأقلية جديدة ستصبح بالضرورة طبقة حاكمة جديدة إذا استولت على السلطة و بين ممارستهم لتنظيم شؤونهم من خلال ديمقراطية مباشرة دون طبقة وسيطة دون بيروقراطية دائمة منفصلة عنهم .. إن الأحزاب التي تتألف قياداتها من أنتلجنسيا و تكنوقراط “ثوري” محترف ليست جزءا من الطبقة العاملة أو من المضطهدين , إن قياداتها جزء من الطبقة الاحترافية التي قد تخدم الطبقة السائدة و قد تقف ضدها أحيانا , صحيح أن بعضها قد يكون ذا أصول بروليتارية أو أنه قد يتحول إلى بروليتاريا بفعل إفقار الرأسمالية لكن هذه القيادات خلافا للبروليتاريا الحقيقية تمتلك امتيازات دائمة تصر على الاحتفاظ بها , إنها ليست بروليتارية , إنها تحاول أن توهم العمال بذلك لكي تنصب نفسها قائدة عليهم , الطائفيون يمارسون نفس اللعبة لكنهم لا يعرفون أنفسهم طبقيا بل طائفيا , هكذا يصبح الحريري سنيا مثل سكان باب التبانة الفقراء و نصر الله و بري شيعيين مثل سكان قرى الجنوب البؤساء , هكذا يصبح الملك السعودي و شيخه العرعور سنيا مثل سكان الحولة و القبير , و هكذا يصبح الأسد و عائلته علويين مثل سكان القرى المعدومة في جبال العلويين .. يكفي اليوم سماع المدائح بحق مرسي , من أن الثورة قد وجدت أخيرا “قائدها” لنفهم و لو بشكل بدائي تفاهة فكرة القيادة الثورية .. الحقيقة أن الثورة تبقى ناجحة أو في طريقها للنجاح و تحقيق انعتاق حقيقي للمضطهدين و تعطي المضطهدين حرية حقيقية طالما لم توجد هذه القيادة أو طالما لم تتمكن هذه القيادة من الاستيلاء على الثورة بعد .. لا يمكن أبدا مقارنة الديمقراطية المباشرة في ميدان التحرير و أشكال التنظيم الذاتي التي ظهرت في الزبداني و غيرها في سوريا و غيرها بما تسمى ديمقراطية صناديق الاقتراع .. طالما لم تنجح اية مجموعة من خلال مناوراتها و أساليب خداعها السياسية في الاستيلاء على الثورة أي طالما بقيت الجماهير تقود نفسها بنفسها كانت الثورة تتقدم باتجاه حرية حقيقية و باتجاه الانعتاق الحقيقي للمضطهدين .. الخداع هنا ليس مجرد موقف أخلاقي مثالي , بل أكبر من ذلك بكثير , فبالنسبة للأغلبية يتوقف وعيها بذاتها و بمصالحها على فهم حقيقي للواقع و لمصالحها و لوجودها , إن الخداع هو سلاح الأقليات الطامعة لخداع الأكثرية عن طريق خلق أوهام ما لتزييف وعيها و تزييف رؤيتها لذاتها و مصالحها و خلق الوهم بأن تلك الأقلية بالذات تمثل و تحقق هذه المصالح بشكل أفضل من الأكثرية نفسها و أن حكم هذه الأقلية و سيطرتها أفضل من حكم الأكثرية نفسها بنفسها , هذا من جهة مصالح هذه الأكثرية كما يجري الزعم .. صحيح ما قاله لينين و تروتسكي و ستالين من أن وجود قيادة “ثورية” لتنظيم “ثوري” يقوم على انضباط و على سمع و طاعة فولاذيين و قادرة في نفس الوقت على أن تقنع الجماهير بأن “تمشي” وراءها , أن كل هذا يسهل على هذه المجموعة الوصول إلى السلطة , و هذا بالضبط ما يفعله الإخوان اليوم في مصر و تونس و سوريا , لكن وصول هذه المجموعة إلى السلطة شيء و انعتاق و تحرر المضطهدين من كل استغلال و اضطهاد و استلاب شيء آخر تماما , إن لم يكن النقيض الكامل له .. إننا بكل وضوح أمام خيارين اثنين فقط لا ثالث لهما : إما أن تنجح أية مجموعة بفرض نفسها كسلطة جديدة على الجماهير أو أن تتمكن الجماهير من أن تحكم نفسها بنفسها , الخيار الأول يعتمد على المناورات السياسية تارة و القمع و المواجهة العسكرية تارة و أحيانا على بعض أشكال الديمقراطية التمثيلية كالانتخابات , و الخيار الثاني يعتمد على إقامة مؤسسات لممارسة الديمقراطية المباشرة كالسوفييتات و مجالس العمال و المجالس و اللجان و الجمعيات الشعبية و لجان المصانع و الأحياء و القرى الخ .. صحيح أن هناك فوارق بين حكم النخب , في درجة القمع و الحريات المتاحة للجماهير , الديمقراطية البرجوازية هنا تبدو أفضل مثلا من الدول الشمولية , و قد شاهدنا أناركيا أصيلا كالإيطالي مالاتيستا يوافق على أن الديمقراطية البرجوازية أفضل من الديكتاتورية في هذا الصدد , لكن دون أية أوهام , كما يفعل الليبراليون و الإصلاحيون , عن ضرورة هذه المرحلة الديمقراطية البرجوازية قبل الانتقال إلى ديمقراطية جماهيرية مباشرة , هذا غير صحيح كما أعتقد , و قد ظهرت الديمقراطية المباشرة في المجتمع المشاعي و في كثير من مؤسسات و أشكال التنظيم في المجتمعات العبودية و الإقطاعية و الرأسمالية ( كما أظهر كروبوتكين و غيره مرارا , يمكن العودة إلى كتاب كروبوتكين عن الدولة و دورها التاريخي الذي يتحدث فيه عن هذه المؤسسات في أوروبا القروسطية : المدن الحرة و جمعيات الحرفيين ذاتية التنظيم و مجتمعات القرى الكومونية و التي قامت الدولة الحديثة على تدميرها لكي تقيم سلطتها المركزية ) و يتوقف تطور مؤسسات و أشكال الديمقراطية المباشرة على اكتشاف الجماهير لها و فقدانها الإيمان بسلطة الطبقات السائدة , رغم أن مستوى إنتاجي مرتفع و وفرة حقيقية ستساعد من دون شك في دعم هذه الديمقراطية المباشرة و جعلها دائمة بأن توفر الشروط اللازمة لإنهاء الانقسام بين العمل اليدوي و الفكري الذي طالما بقي سيمنح بعض النخب امتيازات ما قد تصبح دائمة مع الوقت مما قد يعني ظهور أشكال استغلال و قمع و استلاب سلطوية جديدة لكن ارتفاع الإنتاجية ليس في حد ذاته هو الدافع إلى قيام أشكال أكثر ديمقراطية خاصة بالنسبة للمضطهدين و المهمشين .. هناك اليوم أيضا نفس الخيار أمام الجماهير , أمام المضطهدين و جزئيا أمام اليسار أيضا : إما السعي لخلق قيادة تستولي على السلطة كطبقة حاكمة جديدة و إن كان هذا “باسم الجماهير” ( هذا ما يفعله الإخوان هذه المرة و إن كان مع غيرة واضحة من القيادات الليبرالية و اليسارية السلطوية ) أو سعي الجماهير لأن تحكم نفسها بنفسها من خلال ديمقراطية مباشرة و من خلال مؤسسات أفقية قاعدية مجالسية كومونية مع القضاء النهائي على انقسام البشر إلى سادة و عبيد , حاكمين و محكومين , مضطهدين و من يضطهدهم .

‫مازن كم الماز | Facebook‬

اندیشمندان آنارشیسم ( پيير ژوزف پرودن )

نویسنده :ادوارد کاستلون

منبع : لوموند دیپلماتیک 

دويست سال پس از تولد پيير ژوزف پرودن، در ١٥ ژانويه ٢٠٠٩، در باره اوچه مي دانيم ؟ جمله اي معروف «مالکيت دزدي است !»، همين و بس. کسي را که شارل اوگوستين سنت بو، بزرگترين نويسنده عصر خويش مي دانست و ژرژ سورل برجسته ترين فيلسوف قرن نوزدهم مي گماشت، درپستوي کتابخانه هاي آزاديخواهان و فرهيختگاني چند پناه جسته است. بر خلاف ديگر متفکرين و نويسندگان هم عصرش ـ کارل مارکس، اگوست کنت، ژول ميشله و ويکتورهوگو يا آلکسي دو توکويل ـ موسسات انتشاراتي بزرگ اعتنايي به او ندارند.

ليکن سالگرد صد سالگي وي در سال ١٩٠٩، در فراموشي سپري نشد. رئيس جمهور وقت، ارمان فلير، به شهر بوزانسون، زادگاه وي سفر کرد تا از مجسمه برنزي به يادبود «پدر آنارشيسم» پرده برداري کند. در آن زمان، جامعه شناسان هوادار دورخيم (١)، حقوقدانان و وکلاي جمهوري خواه طرفدار لائيسيته، نظريه پردازان سنديکاليسم انقلابي و حتي سلطنت طلبان مخالف مجلس به پرودن توجه داشتند.

اما موج سنديکايي ـ آنارشيستي آن سال ها به سرعت مسير عوض کرد. روشنفکران و کارگران که قبل از جنگ اول جهاني پرودن را قبول داشتند، پس از انقلاب اکتبر سعي کردند وي را مظهر ضديت با مارکس جلوه دهند. صلح طلبان که هوادار تشکيل جامعه جهاني بودند، نظرات فدراليست او را مطرح کردند و طرفداران ويشي برخي جنبه هاي صنف گرايانه تفکر او را برگزيدند تا به رژيم خود مشروعيت بخشند. اين امر به نجات مجسمه پرودن ياري نرساند و در دوران اشغال فرانسه توسط نازي ها مجسمه اش را آب کردند، اما در عين حال اعتبار اين متفکر نزد افراد مترقي نيز تا مدت ها خدشه دار ماند.

چرا که دوران پس از جنگ در فرانسه همراه با سلطه روشنفکران مارکسيست چپ بود و همه ديگر تفکرات قرن نوزدهم، هر چند غني، به عقب رانده شد. از جمله نظرات پرودن، که راهي مياني بين مالکيت خصوصي (در تملک گرفتن انحصاري دارايي ها به صورت فردي) و کمونيسم (در تملک گرفتن و پخش دارايي هاي افراد به صورت مساوي توسط دولت) پيدا کند.

اين پيش قراول آنارشيسم «راه سومي»، از کجا آمده بود ؟ پدرش توليد کننده آبجو و مادرش آشپز بود. پرودن در زمينه ادبيات کلاسيک استعداد زيادي داشت اما به دليل وضع مالي خانواده ترک تحصيل کرد و در چاپخانه اي مشغول به کار شد. با تشويق برخي از بزرگان زادگاهش، فرانش کنته، پرودن توانست بورس سه ساله اي بگيرد و براي ادامه تحصيل در رشته زبان، منطق و فلسفه به آکادمي شهر بزانسن برود. در آن جا پرودن به اختلافات طبقاتي و تجربي که وي را از ديگر اعضاي انستيتو که راهنماي پژوهش هايش بودند، جدا مي کرد پي برد. در ضمن حد و مرزهاي تلاش هاي ليبرال هاي دوران پس از استقرار مجدد سلطنت ژوئيه را نيز بازشناخت، تلاش هايي که بر «ظرفيت» هاي والاي صاحبان ثروت متکي بود.

آن زمان دوران راي گيري بر اساس ماليات بود (يعني تنها افرادي که از حد معيني بيشتر ماليات پرداخت مي کردند حق راي داشتند ـ م) : آن که مال دارد به فردي که از او هم ثروتمند تر باشد راي مي دهد. در مقابل حق خدشه ناپذير مالکيت، واقعيت فقر و بي بضاعتي، اميد ليبرال ها که در همان زمان خيال داشتند نظم اجتماعي را در جامه حقوق مدني فردي مسقر سازند، کتمان مي کرد.

بعد از روز هاي ژوئن ١٨٤٨، او به يکي ازمورد حمله قرار گرفته ترين چهره ها ي دوران خود بدل شد

پرودن که معتقد بود تقسيم ثروت در جامعه مهم تر از شکل نمايندگي سياسي مردم مي باشد، راه حل رفع نابرابري هاي جامعه را در گسترش حق راي به بخش وسيعتري از مردم، که از سوي جمهوري خواهان پيشنهاد مي شد، نمي ديد. اين ارزيابي وي را به اقتصاد سياسي رهنمون ساخت.

او معتقد بود که ارزش هر شي مي بايست بر اساس «کارآيي» آن محاسبه شود، يعني به نسبت تاثيرات اجتماعي واقعي و مادي آن شي. اقتصاد دانان هم عصر وي که گردش ثروت از طريق مبادله برايشان اهميت داشت، ارزش اشيا را مستقل از نياز هاي توليدکنندگان براي ادامه کار تعريف مي کردند. ژان باپتيست سي (١٧٦٧ ـ ١٨٣٢) طرح مي کرد که «کالا ها با کالاهاي ديگر مبادله مي شوند». اين بدان معناست که فروش يک کالا با رونق گرفتن تجارت کالاهاي ديگر بالا مي رود و در وهله آخر، ارزش کالا بر اساس هزينه تامين آن ارزيابي مي شود، از اين رو به اين دليل که ارزش کالا بر اساس قرار داد ها مشخص مي شود، داراي مبناي ثابتي نمي باشد. مطابق نظر پرودن، به اين ترتيب ارزش کالا خارج از «کارايي» آن تعيين مي شود. درست است که تعادل بين توليد و مصرف مد نظر مي باشد، اما براي نيل به اين منظور، کالاي به فروش رسيده و ميزان کاري که براي توليد آن انجام گرفته مي بايست پيوسته در تعادل باشند. اما تعريف حقوقي مالکيت سد راه مبادله برابرانه است چراکه ثروت در دست مشتي مالک، بهره خوار و سرمايه دار انباشت شده است. لازم است که از قانون راه کارهاي ژان پابتيست سي قرائتي انقلابي تر صورت پذيرد ( قانوني مبتني بر اين اصل که عرضه آفريننده تقاضاست).

جالب است که اين نظرات، اقتصاد دانان معاصر پرودن مثل آدلف بلانکي، برادر لويي اوگوست انقلابي را به خود جذب کرد. به نظر مي رسيد مشخصه نا متداول اين نظريات بتواند بين تفکرات انتقادي سوسياليست ها (که پرودن نوشته هاي پيچيده و نومسيحي آن ها را که به نظر او احساسات آبکي و خيرانه اي مثل برادري را مطرح مي کردند، مورد انتقاد قرار مي داد) و نظرات اقتصاد دانان ، حقوق دانان و فيلسوفان هوادار نظم موجود، پلي برقرار کند.

در اين چارچوب، مارکس، نظريه ارزش اضافه پرودن که در «مالکيت چيست ؟» (١٨٤٠) طرح شده بود را مورد تمجيد قرار داد : «گفته مي شود که سرمايه داري ، دستمزد روزانه کارگران را پرداخته است ؛ براي اينکه دقيق تر گفته باشيم، سرمايه داري به تعداد کارگران اجرت روزانه پرداخته است. معناي اين دوجمله دقيقا مترادف نيست، چرا که سرمايه داري مزد نيروي عظيم ناشي از اتحاد و هماهنگي کارگران، آنچه از همگرايي و همزماني تلاششان توليد شده است را نپرداخته است. دويست سرباز هنگ پياده در عرض چند ساعت ستون ابليسک لوکسر را بر پايه اش استوار کردند(اين ستون در ميدان کنکورد پاريس نسب شده ـ م.). آيا يک نفر به تنهايي در عرض دويست روز از پس اين کار بر مي آمد ؟ اما بنا به محاسبات سرمايه دراي، مجموع حقوق آن دويست نفر معادل دويست روز دستمزد يک نفر است. کاشتن بذر در زميني باير، ساختن يک خانه، به راه انداختن يک کارگاه، همه اين ها مثل ستون ابليسک مي بايد برپا شود. کوهي که بايد جابه جا کرد. کوچکترين ثروتي که بوجود مي آيد، محقر ترين کارگاه ها و به راه اندازي خرده پاترين صنايع مستلزم هم نوايي استعداد هاي مختلف است که از توان يک فرد تنها خارج مي باشد».

بدون شک مارکس نيز با انتقادات پرودن به آنچه در نوشته هاي سال ١٨٤٤ اش «کمونيسم سطحي» مي ناميد موافق بود. گسست بين اين دو نفر که در پاريس با يکديگر معاشرت داشتند در سال ١٨٤٦ پيش آمد. مارکس نيش قلم خود را متوجه نويسنده اي کرد که همانطور که در نامه گسست خطاب به او نوشت در نظر داشت مالکيت را آرام آرام روي «شعله کم» از بين برد. او خواست پرودن مبني بر آشتي پرولتاريا با طبقه متوسط براي بر اندازي سرمايه داري را به مثابه تمايلي «خرده بورژوايي مي دانست که دائما بين سرمايه و کار در نوسان است، بين اقتصاد سياسي و کمونيسم».

به دنبال انقلاب ١٨٤٨ و استقرار جمهوري دوم، پرودن به عنوان نماينده مجلس انتخاب شد و در کميسيون مالي آن شرکت کرد. او در اين کميسيون تقاضاي تاسيس بانک ملي با سيستم مالي متمرکز را کرد ؛ پيشنهاد کرد که پشتوانه پول، توليد و تنها داراي ارزشي اسمي باشد (در آن زمان پشتوان پول طلا بود). او همچنين کاهش نرخ بهره و تعرفه مدت دار، اجاره و کرايه زمين را نيز تقاضا کرد. بعد از آن روز هاي ماه ژوئن (٢) همين پيشنهادات باعث شد که او مورد استهزاء و بيش از همه مردان سياسي آن دوران مورد حمله روزنامه هاي بورژوازي قرار گيرد.

برنامه هاي اصلاحي پرودن با شکست مواجه شد، او به تعمق درباره دشواري هاي نمايندگي سياسي نشست. به نظر او تجربه جمهوري دوم اليگارشي منتخبيني را بوجود آورد که نمايندگان در راس آن نقش نماينده واقعي را ندارند و ابراز نظر شهروندان در مورد قوانين تنها به صورت غير مستقيم آن هم در هنگام انتخابات قانونگذاري انجام مي شود.

از اين رو در اکثر موارد مردم در مقابل نمايندگانشان ناتوان اند و تنها با عدم انتخاب مجدد آن ها مي توانند نارضايتي خود را ابراز کنند. در عمل گسست بين انتخاب کننده و منتخب خيلي زود صورت مي گيرد. پرودن مي گويد: « بايد در اين محيط بسته که نامش مجلس ملي است زندگي کرد تا بتوان درک نمود که چگونه افرادي که اکثرا کاملا از وضعيت کشور ناآگاهند، آن را نمايندگي مي کنند». (اعترافات يک انقلابي ١٨٤٩).

پرولتاريا بايد انجمن هايي مبتني بر اصل تعاوني را ايجاد کند

تحليل او از يک مشاهده ساده فراتر مي رفت : او معتقد بود که قانون اساسي سال ١٨٤٨ قدرت اجرايي زيادي به رئيس جمهور داده و تحول به سوي يک ديکتاتوري اجتناب ناپذير گشته است. او به دليل بيان اين امر که مجلس تضعيف شده و به خاطر افشاي رفتار هاي لويي ناپلئون بناپارت (٣) زنداني شد. برخورد چاکرمآبانه بورژوازي در مقابل کودتاي ٢ دسامبر١٨٥١ و محبوبيت رژيم امپراتوري در بين اقشار مردمي وي را بسيار مايوس کرد. او با تلخي از کنج زندان ، استقرار امپراطوري دوم را نظاره مي کرد (در همين شماره به گوشه اي از نوشته هاي چاپ نشده وي در اين دوران توجه کنيد).

پس از رهايي از زندان در سال ١٨٥٢ بر عليه انباشت ثروت در دست مشتي سرمايه دار ـ که به دنبال واگذار کردن راه آهن و دسايس سوداگران بورسي رشد کرده بودند ـ قد علم کرد. در سال ١٨٥٨ مجبور به جلاي وطن شد و به بلژيک پناه برد تا پس از چاپ کتاب ضد روحانيتش «عدالت در انقلاب و در کليسا» مجددا زنداني نشود. در پايان زندگي اش به پاريس بازگشت و از هر زمان بيشتر نسبت به «دموکراتيک بودن» انتخابات عمومي بدبين بود.

در آخرين نوشته هاي قبل از مرگش، روز ١٩ ژانويه ١٨٦٥، حتي بيهوده بودن وجود کانديداهاي کارگري را به ميان کشيد. پرولتاريا بايد خود را از نهاد هاي «بورژوازي» رها کرده انجمن هايي بر مبناي اصل تعاوني ايجاد کند و روابط دوجانبه را نهادين سازد. خلاصه کلام، بايد «دموکراسي کارگري» برپاسازد.

اگر برخي جنبه هاي نظرات پرودن را کنار نهيم (زن ستيز، مرد سالار و تا حدي ضد يهود) مشخصاتي که متاسفانه نزد سوسياليست هاي قرن نوزدهم ديده مي شد، بقيه افکار وي هنوز مطرح است. بويژه آنچه به بدبيني نسبت به عملکرد سيستم دموکراتيک در کشور هاي پيشرفته سرمايه داري بر مي گردد. چرا که هنوز هم اين اطمينان وجود ندارد که منافع طبقات مردمي و کارگران، امروز بهتر از زمان پرودن توسط احزاب سياسي «نمايندگي» شود.

در مجموعه تلاش هاي کنوني براي «مدرنيزه» کردن سوسياليسم، جايي نيز براي ايدئولوژي اي که گسست طبقاتي مسالمت آميزرا مطرح مي کرد وجود دارد که سازماندهي جامعه را بر اساس تقسيم کاري مبتني بر تعاوني مطرح و اختلاف کمتري بين درآمد ها را طلب مي کرد؛ عدالت خواه بود ضمن اينکه اقتصاد را نيز مد نظر داشت، نمايندگي بر اساس موقعيت اجتماعي ـ حرفه اي را بر انتخابات عمومي ترجيح مي داد، چرا که اين نوع انتخاب به زعم او مي توانست هر لحظه به سوي سزاريسم منحرف شود ؛ به سوداگران و سرمايه داران بزرگ اعلام جنگ مي کرد، هوادار فدراليسم غير متمرکز و نه مبادله آزاد بود ؟ و يا پرودن بيشتر به درد افراد حاشيه اي و خارج رسانه ها مي خورد که محيط هاي کاملا بسته آزادگراي (ليبرتر) خود را بر صفحه تلويزيون تر جيح مي دهند ؟

بدون آنکه در انتظار واهي سفر رئيس جمهور روز ١٥ ژانويه به بزانسون براي بزرگداشت دويست سالگي تولد پرودن باشيم، دست کم مي توان اميد داشت که اين متفکر و مبارز گوشه اي از شهرت صد سال پيش خود را باز يابد.

١ – اميل دورخيم (١٨٥٨ ـ ١٩١٧) با توسعه علم بررسي داده هاي اجتماعي، رشته نويني را بنيان نهاد : جامعه شناسي.

٢ – مجلس ملي که بعد از انتخابات ٢٣ آوريل ١٨٤٨ در دست اکثريت محافظه کاربود، کارگاه هاي ملي را بست ـ نهادي که براي بيکاران پاريس شغل آفريني مي کرد ـ اين تصميم شورش خشونت باري را در پايتخت بر انگيخت. بين ٢٢ و ٢٦ ژوئن ١٨٤٨ بيش از ٤ هزار شورشي کشته شدند و همين تعداد به الجزاير تبعيد گرديدند.

٣- که فاتحانه در دسامبر ١٨٤٨ به رياست جمهوري انتخاب شده بود.

http://anarchyanalysis.blogspot.com/

 

يسقط الطغيان , تسقط الطائفية , يحيا الإنسان , تحيا الحرية

مازن كم الماز

نولد في أسر تلقننا هويتها كما تسميها و نحن أطفالا و تصر عندما نصبح واعين و قادرين على النقد و الاختيار أن لا خيار لنا في هويتنا و أن نقدها يساوي الكفر , هذا صحيح للعلوي و السني و المسيحي و الشيعي الخ .. نولد بين أفراد نسميهم أقرباؤنا , نتعلم أن نحبهم أو أن نشعر بإلفة خاصة معهم و بينهم , لكننا نعرف فيما بعد أن بينهم الجيد و السيء , الجيد و السيء هنا من زاوية إنسانية بحتة و ليست من زاوية الوصفة الأخلاقية السائدة التي تقوم على نفي كل ما هو إنساني لصالح كل ما هو دوغمائي , و لصالح كل سلطة قمع على حساب إنسانيتنا المقموعة .. هذه “الهويات” التي يعطينا إياها آباؤنا و أجدادنا بالولادة ظهرت قبلهم أيضا بمئات السنين و ربما أكثر , ظهرت ليس فقط لتقسم البشر بل لتسهل أن يحكم معظمهم من قبل أقلية محدودة جدا , أن يحكمنا كاهن أو شيخ أو إمام أو سلطان أو امبراطور أو أمين عام أو جنرال أو فوهرر أو أي زعيم هو تفسير كل هذه الهويات التي تفرض علينا فرضا , إنها لا تعني أية حقوق لنا كبشر و لا تعني حمايتنا من القهر و الظلم و الاضطهاد , على العكس , فهذا النضال ضد القهر و الظلم و الاضطهاد بدأ و يجري و سيجري خارج كل المؤسسات القائمة الدينية و السلطوية و الدولتية ( التابعة للدولة ) بل و ضدها في معظم الأحيان , و اليوم أيضا تستخدم هذه الهويات لكي نحكم و لكي نخضع , لكي نقتل بعضنا البعض , تماما كما كان عليه الحال طوال قرون و عصور , دون أن تعني أي من هذه “الهويات” أكثر من تسلط أقلية على مصيرنا و حياتنا و عقولنا و أجسادنا .. إننا في الواقع أفراد من مجموعة أكبر بكثير , هي كل البشرية , و إننا في الواقع أبناء كل هذه الأرض , هذه هي الهوية الوحيدة التي تعني أننا بشر لنا حقوق , أن من حقنا أن نعيش بكرامة من تعبنا و أن من حقنا أن نعيش بحرية , هذه هي الهوية الوحيدة التي تعني أن نحكم أنفسنا بأنفسنا و نكون سادة مصيرنا و ألا نكون عبيدا لأي كان أيا كانت طائفته او دينه أو قوميته , هذه الأرض في الواقع لنا جميعا , لكل البشر , لكل من يعيش و يعمل عليها , و الأديان و الأفكار و الإيديولوجيات و الفلسفات وجدت فقط لكي تنزع منا أرضنا و تنزع منا عرقنا و نتاج تعبنا و تعطيه لبعض الكسالى باسم آلهة و أصنام الأرض و السماء .. كنا دائما ننقسم كبشر إلى غالبية ساحقة من كل الأديان و الطوائف و القوميات تكدح ليلا نهارا من أجل حفنة من الكسالى أصحاب الأموال و القصور و الذين يحيطون قصورهم و عالمهم الخاص بسور من الجنود و الشرطة المرتزقة , و أمام هذا السور العالي الذي أقامه اللصوص لحماية ما ينهبوه منا لا يمكننا أن ننتصر إلا معا , كل الفقراء و المضطهدين من كل أصقاع الأرض .. أمامنا اليوم فرصة ذهبية لنغير واقعنا , على هذه الأرض التي تسمى سوريا ثورة , لكنها ليست ثورة لتغيير ديكتاتور علوي بديكتاتور سني و ليست ثورة لتغيير طائفة حراس هذا السجن أو شبيحته القتلة , إنها ثورة لتدمير أسوار السجن و إلغاء جنس الحراس و العسكر من حياتنا و محاكمة الشبيحة آخر القتلة المأجورين كي نبدأ حياة جديدة على أساس الحرية و العدالة و المساواة لكل إنسان يعيش على هذه الأرض .. إن العدو الحقيقي للفقير العلوي هو الديكتاتور و اللص من بني طائفته بالذات , و لن يتمتع أي فقير علوي لا بحريته و لا بحقوقه الأبسط كإنسان إلا بإسقاط هذه الديكتاتورية و بناء مجتمع الحرية و العدالة لكل الناس و لكل المضطهدين , يجب على الفقراء العلويين أن يتوقفوا عن إطاعة أوامر هذه الديكتاتور و توجيه أسلحتهم إليه بدلا من توجيهها لصدور إخوتهم … إن العدو الحقيقي للفقراء السنة هم رجال الدين الطائفيون و السياسيون من بني طائفتهم بالذات الذين يتاجرون بدمائهم ليصنعوا أمجاد ديكتاتوريتهم الخاصة , يجب على الفقراء السنة أن يتوقفوا عن إطلاق النار على إخوتهم العلويين و أن يوجهوا سلاحهم جميعا ضد الديكتاتور و ضد كل اللصوص و تجار دماء الفقراء من كل الأديان و الطوائف .. إن كل البشر إذا تجاوزوا هذه التفاهات التي تفرض عليهم , إذا توقفوا عن ترديد تفاهات المصلحين و القديسين و الفلاسفة و رجال الدين عن أشخاص يسميهم البعض أئمة أو صحابة أو قديسين أو أنبياء أو أمهات مؤمنين أو مصلحين عباقرة الخ , سيجدون أنهم جميعا مجمعون على الإيمان بالحرية و العدالة و الحب و الجمال .. إن كل الطغاة و كل اللصوص , كل طوائف الأرض و كل آلهة الأرض و السماء , كل حراس السجون و كل كهنة جهنم الفقراء , كلهم لا يؤمنون بأي من هذه القيم الإنسانية و لا يؤمنون بالإنسان في الأساس , إنهم يؤمنون فقط بحقهم في استعباد كل الفقراء و بحقهم في نهب كل الفقراء , و هذا بالضبط ما يجب أن ينتهي و إلى الأبد , بنضال كل الفقراء و المضطهدين يدا بيد ضد من يضطهدهم , في سبيل عالم جديد , أيها الفقراء و المضطهدون , تعالوا نحطم كل الأصنام و نسقط كل الطغاة , كي نبدأ حياتنا كبشر , كأحرا.

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B2/159164214145031

 

نعوم تشومسكي : عن الأناركية، الماركسية، وآمال المستقبل

 (الترجمة إلى العربية / محمد عبد القادر الفار)

 

 نعوم تشومسكي معروف على نطاق واسع بانتقاده للسياسة الخارجية الأمريكية، وكذلك بعمله كعالم  لسانيات ولغويات، وهو معروف على نطاق أضيق بتأييده المستمر لأهداف الاشتراكيين الليبرتاريين libertarian socialists.

وفي مقابلة خاصة مع مجلة Red and Black Revolution ، يقدم تشومسكي آراءه عن الأناركية وعن الماركسية، وخيارات الاشتراكية وفرصها اليوم. وقد أجرى معه هذه المقابلة في مايو 1995 الكاتب كيفن دويل Kevin Doyle .

 ….

 س : في البداية نعوم، إنك ومنذ وقت طويل تدافع عن فكرة الأناركية. وكثير من الناس يعرفون عن المقدمة التي كتبتــَها سنة 1970 لكتاب دانييل غورين “الأناركية: من النظرية إلى الممارسة” Anarchism: From Theory to Practice ، ولكن في الآونة الأخيرة، مثلاً في الفيلم الوثائقي “صناعة الرضى” Manufacturing Consent  أتيحت لك الفرصة لتسلــّط الضوء من جديد على مضمون فكرة الأناركية وإمكانياتها. فما الذي يجذبك إلى الأناركية؟

 ** تشومسكي : لقد انجذبت إلى الأناركية منذ أن كنت مراهقاً يافعاً، منذ أن بدأت أفكر في العالم كأبعد من  مجرد نطاق ضيق، ولم أجد سبباً كافياًً منذ ذلك الوقت لتغيير تلك المواقف المبكرة.

أعتقد أن ما يمكن فهمه فقط هو أن تبحث وتتعرف على هياكل السلطة، والطبقية، والتراتبية، والسيطرة في كل جانب من جوانب الحياة، وتواجهها، وما لم يكن بالإمكان إعطاء تبرير لوجودها، فإنها غير شرعية، وينبغي حلها، لزيادة نطاق الحرية الإنسانية.

وذلك يتضمن السلطة السياسية، والملكية، والإدارة، والعلاقات بين الرجال والنساء، وبين الآباء والأبناء، وسيطرتنا على مصير الأجيال المستقبلية (والتي هي الأولوية الأخلاقية الأساسية وراء الحركة الطبيعية، من وجهة نظري) وأشياء كثيرة غيرها. ومن الطبيعي أن يعني ذلك تحدياً لمؤسسات التسلط والسيطرة الضخمة : الدولة، السلطات الاستبدادية الخاصة وغير المبررة التي تتحكم في معظم الإنتاج المحلي والدولي، وهكذا.

ولكن ليس ذلك فقط، وذلك هو ما فهمته دائماً على أنه جوهر الأناركية: الاقتناع بأن عبء أو مسؤولية التبرير والبرهان على الشرعية تقع على عاتق الدولة، وأنه يجب حل الدولة ما لم يتم تقديم ذلك التبرير.

 أحياناً يمكن الاضطلاع بذلك العبء أو تقديم تبرير من ذلك النوع، فإذا كنت أتمشى مع أحفادي واندفعوا فجأة إلى شارع مزدحم، فإنني لن أستخدم سلطتي فقط بل كذلك الإجبار الجسدي لإيقافهم. فالفعل يجب أن يواجه، ولكنني أعتقد أنه سيقابل هذه المواجهة هنا عن طيب نفس. وهناك أيضاً حالات أخرى، فالحياة مسألة معقدة، ونحن نفهم القليل جداً عن البشر والمجتمع، والتصريحات الكبيرة هي بشكل عام مصدر للضرر أكثر من كونها مصدراً للمنفعة. لكنها رؤية صحيحة برأيي، ويمكن أن تقودنا إلى أبعد من ذلك.

 وبالابتعاد عن مثل تلك التعميمات، نبدأ بالنظر إلى الحالات التي تنشأ منها المسائل التي تهم الإنسان وتتعلق بمصلحته.

 س : إنه من الصحيح القول أن أفكارك وانتقاداتك هي اليوم أكثر انتشاراً من أي وقت مضى. ولا بد من القول أيضاً أن آراءك تحظى بالاحترام على نطاق واسع. كيف برأيك يـُستقبل تأييدك للأناركية في هذا السياق؟ بالتحديد أنا مهتم بردة الفعل التي تتلقاها من الناس حديثي الاهتمام بالسياسة والذين ربما مروا على أرائك. هل هؤلاء الناس متفاجئون بتأييدك للأناركية؟ هل هم مهتمون؟

 ** تشومسكي : إن التراث الفكري الشائع، كما تعلم، يربط “الأناركية” بالفوضى، والعنف، والقنابل، والتخريب وما إلى ذلك. لذا فالناس يتفاجؤون عادة عندما أتحدث بإيجابية عن الأناركية و أعرف بنفسي من خلال تقاليد أساسية  فيها. لكن انطباعي هو أنه وسط عامة الناس، قد تبدو الأفكار الأساسية لها معقولة عندما تنقشع السحب التي تغطيها. بالطبع عندما نأتي إلى الأمور التفصيلية، لنقل طبيعة الأسر مثلاً، أو كيف يمكن أن يعمل الاقتصاد في مجتمع أكثر حرية وعدالة، فإن التساؤلات والخلافات تظهر. لكن هذا ما يجب أن يكون. فالفيزياء لا تفسر فعلياً كيف يتدفق الماء من الحنفية إلى مغسلتك. وعندما نلتفت إلى مسائل أكثر تعقيداً وأهمية للإنسانية، فإن الفهم يكون ضيقاً جداً، وهناك متسع للاختلاف، والتجريب، وكذلك استكشاف الخيارات نظرياً وبالممارسة، لمساعدتنا على الفهم أكثر.

 س : ربما عانت الأناركية أكثر من أي فكرة أخرى من مشكلة سوء التفسير. فالأناركية يمكن أن تعني أشياء مختلفة للأشخاص المختلفين. هل تجد غالباً أن عليك أن تشرح ما تعنيه بالأناركية؟ هل يزعجك سوء تفسير الأناركية؟

 ** تشومسكي : سوء الفهم هو دائماً مزعج. وجزء كبير منه يعود إلى هياكل القوة والسلطة التي لها مصلحة في منع الفهم، لأسباب واضحة جداً. إنه من الجيد أن نتذكر مبادئ ديفيد هيوم عن الحكومة. لقد عبر عن تفاجـُـئه من أن الناس قد خضعوا وأذعنوا لحكامهم دائماً. وقد استنتج أنه : بما أن القوة هي دائماً في جانب المحكومين، فإن الحكام لا يملكون شيئاً يؤيدهم سوى الرأي. “إن الدولة إذاً تتأسس فقط على الرأي، وهذه المقولة تنطبق على أكثر الحكومات استبداداً وأكثر الحكومات عسكرية ً كما تنطبق على أكثرها حرية وشعبية على حد سواء”. لقد كان هيوم ماكراً جداً، وقد لا يمكن اعتباره ليبرالياً بمعايير اليوم. وهو بالتأكيد يقلل من أهمية فعالية القوة، لكن ملاحظته تبدو بالنسبة إليّ صحيحة في جوهرها، ومهمة خصوصاً في المجتمعات الأكثر حرية، حيث فن السيطرة على الرأي أكثر تهذيباً بكثير. وسوء التفسير مع أشكال أخرى من التشويش هي أمور من الطبيعي أن ترافق ذلك.

 لذا هل يزعجني سوء التفسير؟ بالطبع، ولكن تماماً كما يزعجني الجو المتعفن، وهو سيبقى موجوداً طالما ظلت مراكز القوى تجند طبقة مكلفة بالدفاع عنها. وبما أنهم غالباً ليسوا لامعين كثيراً، أو بما أنهم لامعون بما يكفي لمعرفة أن من الأفضل لهم تجنب ميدان الحقائق والحجج، فإنهم سيتجهون إلى سوء التفسير، والتشويه، وغيرها من الأدوات المتاحة لؤلئك الذين يعلمون أنه ستتم حمايتهم من خلال الوسائل المختلفة المتاحة للأقوياء.

إن علينا أن نفهم لماذا يحدث كل ذلك، وأن نحله بقدر استطاعتنا. إن ذلك جزء من مشروع التحرر –لأنفسنا ولغيرنا، أو بعبارة معقولة أكثر : للناس الذين يعملون معاً لتحقيق هذه الأهداف.

 قد يبدو ذلك بسيطاً وساذجاً وهو كذلك. لكن علي إذاً أن أجد الكثير من الشرح للحياة الإنسانية الذي ليس ساذجاً، عندما نتخلص من السخف والتموضع الذاتي.

 س: ماذا عن “دوائر الجناح اليساري الراسخة ” والمعروفة أكثر، حيث يتوقع المرء أن يجد معرفة أكبر بحقيقة ما تمثله الأناركية؟ هل تواجه أي تفاجؤ لديهم بآرائك وتأييدك للأناركية؟

** تشومسكي : إذا كنت أفهم ما تعنيه ب”دوائر اليسار الراسخة” أو المعترف بها، فهناك الكثير من التفاجؤ لديهم بآرائي عن الأناركية، لأن القليل جداً هو معروف عن آرائي بكل شيء. هذه ليست الدوائر التي أتعامل معها. إن من النادر أن تجد أي مرجع لأي شيء أقوله أو أكتبه. وذلك ليس صحيحاً كلياً بالطبع. وبالتالي ففي الولايات المتحدة (وغالباً بشكل أقل في المملكة المتحدة أو أي مكان آخر) ستجد بعض الفهم لما أقوم به بالتأكيد من القطاعات الأكثر انتقاداً واستقلالية مما يمكن تسميته ب “دوائر الجناح اليساري الراسخة”، ولدي أصدقاء شخصيون وزملاء مبعثرون هنا وهناك.  ولكن ألق نظرة على الكتب والصحف، وسترى ما أعنيه. أنا لا أتوقع أن يتم الترحيب بما أكتبه وأقوله بشكل أكبر في تلك الدوائر من نادي الكلية أو غرفة مدراء التحرير، ولكن مرة أخرى مع وجود استثناءات.

 فالسؤال يطرأ بشكل هامشي فقط، إلى درجة تصعب معها إجابته.

 س : لقد لاحظ عدد من الناس أنك تستخدم تعبير “الاشتراكي التحرري” ‘libertarian socialist’ في نفس السياق الذي تستخدم فيه كلمة “الأناركية”. هل ترى أن هذه المصطلحات متماثلة جوهرياً؟ هل الأناركية نوع من الاشتراكية بالنسبة  إليك؟ إن الوصف الذي ظل يستخدم هو أن “الأناركية تعادل الاشتراكية مع الحرية”. هل تتفق مع هذه المعادلة الأساسية؟

 ** تشومسكي : إن مقدمة كتاب دانييل غورين التي ذكرتـَها تفتتح باقتباس من شخص متعاطف مع الأناركية قبل قرن من الزمان، يقول فيه أن “الأناركية لها خلفية واسعة، وأنها تحتمل أي شيء”. هناك عنصر رئيسي واحد هو ما يطلق عليه عادة “الاشتراكية التحررية” ‘libertarian socialism’. وقد حاولت أن أشرح في كل مكان ما أعنيه بذلك، مؤكداً أنه في الواقع بالكاد أصيل بي؛ فأنا آخذ الأفكار من رموز هادية في الحركة الأناركية وهم الذين أقتبس منهم، وهم بالأحرى يصفون أنفسهم باستمرار بأنهم اشتراكيون، بينما يدينون بقسوة “الطبقة الجديدة” من المفكرين الثوريين الذين يسعون إلى الوصول إلى سلطة الدولة في سياق النضال الشعبي و إلى أن يكوّنوا “البيروقراطية الحمراء الفاسدة” التي حذر منها باكونين، والتي عادة تسمى “اشتراكية”. إنني أفضل الاتفاق مع فهم رودولف روكر بأن هذه النزعات (شديدة المركزية) في الأناركية تأتي من أفضل ما في التنوير والفكر الليبرالي الكلاسيكي، وفي الواقع أكثر مما وصف هو. في الحقيقة، لقد حاولت أن أظهر أنهم يتناقضون بشدة مع المذهب الماركسي-اللينيني نظريةً وممارسة، وبالتحديد المذاهب “الليبرتارية” ‘libertarian’ الدارجة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإديولوجيات أخرى معاصرة لها، والتي تبدو لي كلها بأنها تختزل للدفاع عن شكل أو آخر من السلطة  اللاشرعية، وغالباً الاستبدادية الحقيقية.

 – الثورة الإسبانية –

س : في الماضي، عندما كنت تتحدث عن الأناركية، كنت تؤكد عادة على نموذج الثورة الإسبانية. وبالنسبة إليك يبدو أن هناك جانبين لذلك النموذج. فمن ناحية، تقول أن تجربة الثورة الإسبانية هي نموذج جيد على “الأناركية في الممارسة”، ومن ناحية أخرى، تؤكد أيضاً أن الثورة الإسبانية هي مثال جيد على ما يمكن للعمال تحقيقه من خلال جهودهم باستخدام “الديمقراطية التشاركية”. فهل هذان الجانبان – الأناركية في الممارسة، والديمقراطية التشاركية- وجهان لعملة واحدة بالنسبة إليك؟ هل الأناركية هي فلسفة عن قوة الجماهير؟

** تشومسكي : لا أميل إلى استخدام تراكيب خيالية متعددة المقاطع مثل “فلسفة philosophy” للإشارة إلى ما يبدو حساً مألوفاً عادياً. كما أنني لا أرتاح إلى الهتافات. إن إنجازات العمال والفلاحين الإسبان، قبل سحق الثورة، كانت مثيرة للإعجاب من نواح كثيرة. ومصطلح “الديمقراطية التشاركية” هو مصطلح جديد، تطور في سياق مختلف، ولكن هناك نقاط تشابه بالتأكيد. أعتذر إذا بدا ذلك مراوغة. إنه كذلك، ولكن لأنني لا أعتقد أن أياً من فكرتي الأناركية أو الديمقراطية التشاركية هو واضح بما يكفي للإجابة عما إذا كانا يعنيان الشيء نفسه.

س: واحد من أهم إنجازات الثورة الإسبانية كان درجة الديمقراطية القاعدية التي تم تحقيقها. ويقدر عدد الناس الذين شملهم الأمر ب3 مليون شخص. وكانت إدارة الإنتاج الريفي والمدني يتولاها العمال بأنفسهم. هل من المصادفة برأيك أن الأناركيين، المعروفين بدفاعهم عن الحرية الفردية، قد نجحوا في مجال الإدارة الجماعية؟

** تشومسكي : ليست مصادفة بالمرة. إن النزعات التي كنت دائماً أجدها الأكثر إقناعاً وجاذبية في الأناركية هي تلك التي تسعى إلى مجتمع منظم بشكل كبير، تتكامل فيه أنواع كثيرة ومتنوعة من التراكيب (الورشة، المجتمع، وأشكال أخرى متعددة من الاتحاد الطوعي voluntary association) ولكن يتحكم فيها المشاركون بها، لا أولئك الموجودون في موقع إعطاء الأوامر (مرة أخرى باسثتناء الحالات التي تكون فيها السلطة مبررة، كما في بعض الحالات الطارئة).

 

– الديمقراطية –

س : الأناركيون عادة يبذلون جهداً كبيراً في بناء الديمقراطية القاعدية grassroots democracy. ويتم اتهامهم غالباً بأنهم “يذهبون في الديمقراطية إلى المغالاة”، ومع هذا فكثير من الأناركيين قد لا يوافقون بسهولة على اعتبار الديمقراطية مكوناً مركزياً في الفلسفة الأناركية. فالأناركيون غالباً ما يصفون سياساتهم بأنها متعلقة “بالاشتراكية” أو متعلقة بالفرد”- ومن النادر أن يقولوا أن الأناركية معنية بالديمقراطية. هل توافق على أن الأفكار الديمقراطية هي خاصية مركزية في الأناركية؟

** تشومسكي : إن انتقاد “الديمقراطية” عند الأناركيين كان في العادة انتقاداً “للديمقراطية البرلمانية”، إذا أن هذه الديمقراطية قد ظهرت في مجتمعات ذات خصائص قمعية. خذ الولايات المتحدة مثلاً، والتي منذ نشأتها كانت حرة وديمقراطية. إن الديمقراطية الأمريكية قد تأسست على المبدأ الذي أكده جيمس ماديسون في الاجتماع الدستوري سنة 1787، وهو أن الوظيفة الأساسية للحكومة هي “حماية الأقلية الأغنياء من الأغلبية”، ولذلك فقد حذر من أنه في إنجلترا، التي هي النموذج شبه الديمقراطي الوحيد اليوم، إذا ما أتيح لعامة السكان أن تكون لهم كلمة في الشؤون العامة، فإنهم سيطبقون الإصلاح الزراعي أو أعمالاً وحشية أخرى، وأن النظام الأمريكي يجب وضعه بعناية لتفادي مثل تلك الجرائم ضد “حقوق الملكية” التي يجب حمايتها (في الواقع، يجب أن تسود). إن الديمقراطية البرلمانية في هذا الإطار تستحق بالفعل انتقاداً حاداً من التحرريين الحقيقيين، وقد أغفلت هنا العديد من الخصائص الأخرى التي تكاد تكون عبودية- غير ملحوظة لأذكر واحدة فقط، وكذلك عبودية الأجور التي أدينت بشكل لاذع من قبل الشعوب العاملة التي لم تسمع أبداً بالأناركية أو بالشيوعية خلال القرن التاسع عشر فما قبله.

 

– اللينينية –

س : إن أهمية الديمقراطية القاعدية في تحقيق أي تغيير ذي معنى في المجتمع يبدو أنها توضح نفسها بنفسها. ومع هذا فقد ظل اليسار ملتبساً وغامضاً حول ذلك في الماضي. وأنا أتحدث بشكل عام، عن الديمقراطية الاجتماعية، ولكن عن البلشفية أيضاً، وهي تقاليد اليسار التي يبدو أنها أقرب إلى التفكير النخبوي منها إلى الممارسة الديمقراطية الدقيقة. لينين، كي نتحدث عن نموذج معروف جداُ، كان متشككاً في أن العمال قد يطورون أي شيء أكثر من تطوير “وعي اتحادات العمال” وهو ما قصد به -كما أفترض- أن العمال لن ينظروا أبعد من مأزقهم الوقتي. وبطريقة مشابهة، كانت للاشتراكية الفابية باتريس ويب (نسبة إلى الجمعية الفابية في إنجلترا، المترجم) والتي كانت شديدة التأثير في حزب العمال في إنجلترا، وجهة النظر بأن العمال كانوا مهتمين فقط “باحتمالات سباقات الخيول”.

فكيف تنشأ هذه النخبوية، وما الذي تفعله في اليسار؟

** تشومسكي : إنني أخشى أن من الصعب علي أن أجيب على هذا السؤال. إذا كان المتعارف عليه أن يتضمن اليسار “البلشفية”، عندها سأعزل نفسي من اليسار بشكل قاطع. لقد كان لينين واحداً من ألد أعداء الاشتراكية، برأيي، لأسباب ناقشتها سابقاً. إن فكرة أن العمال يهتمون فقط بسباقات الخيول هي سخف لا يمكن أن يتماشى حتى مع نظرة سطحية إلى تاريخ الحركة العمالية أو الطبقة الضاغطة من العمال النشطاء والمستقلين، والتي ازدهرت في أماكن كثيرة، بما فيها الأحياء الصناعية في إنجلترا الجديدة التي لا تبعد أميالاً كثيرة عن المكان الذي أكتب منه، ناهيك عن السجل الملهم لكفاحات الناس المضطهدة والمقموعة عبر التاريخ، وحتى هذه اللحظة. خذ الزاوية الأكثر بؤساً في هذا النصف من الكرة الأرضية : هاييتي، التي يعتبرها الغزاة الأوروبيون مثل الجنة والتي تشكل مصدراً لجزء غير قليل من ثروة أوروبا، والتي أصبحت الآن محطمة، وربما لا يمكن علاجها. في السنوات القليلة الماضية، وتحت ظروف بائسة إلى درجة أن قليلاً من الناس في الدول الغنية يمكنهم تصورها، قام الفلاحون مع سكان الأحياء الفقيرة جداً في هاييتي بإنشاء حركة ديمقراطية شعبية تقوم على تنظيمات قاعدية تتفوق على أي شيء أعرفه في أي مكان، وفقط المأجورون بشدة هم الذين لن يتداعوا من السخرية عندما يستمعون إلى التصريحات الجدية للمثقفين والزعماء السياسيين الأمريكيين عن أنّ على الولايات المتحدة أن تعلم الهاييتيين دروس الديمقراطية. إن إنجازات الهاييتيين كانت كبيرة ومفزعة للأقوياء إلى درجة أنه كان علي الهاييتيين أن يتعرضوا إلى جرعة أخرى من الإرهاب الفظيع، المدعوم بقوة من الولايات المتحدة أكثر مما يعلن عنه، وهم لم يستسلموا حتى الآن. إذاً هل هم مهتمون فقط بسباقات الخيول؟

تحضرني هنا بعض الأسطر التي اقتبستها من روسو أحياناً : ” عندما أرى حشوداً من البدائيين العراة كلياً يحتقرون شهوانية الأوروبيين، ويتحملون الجوع، والنار، والسيف، والموت فقط ليحافظوا على استقلالهم، أشعر أنه لا ينبغي على العبيد أن يفكروا في الحرية”.

س: بالحديث مرة أخرى بشكل عام، فإنك في أعمالك “ردع الديمقراطية Deterring Democracy”، “اوهام ضرورية : الهيمنة على الفكر في المجتمعات الديموقراطية Necessary Illusions: Thought Control in Democratic Societies” وغيرها، قد تعاملت باستمرار مع شيوع الأفكار النخبوية ودورها في مجتمعات كمجتمعاتنا، وقد جادلت بأنه في ظل الديمقراطية “الغربية” (أو البرلمانية) تكون هناك معاداة عميقة لأي دور أو مساهمة من جماهير الناس، خشية أن يهدد ذلك الدورُ التوزيعَ غير المتساوي للثروة والذي هو لمصلحة الأغنياء. إن عملك هنا مقنع بشدة، ولكن، بوضع ذلك جانباً، فقد صُـدم البعض ببعض تأكيداتك. على سبيل المثال، أنت تقارن سياسات الرئيس جون ف. كندي بسياسات لينين، مساوياً بين الاثنين بطريقة أو بأخرى. وهذا، كما أستطيع أن أضيف، قد صدم المؤيدين لكلا المعسكرين ! هل يمكن أن تفصل أكثر عن صحة هذه المقارنة؟

** تشومسكي : لم أقم فعلياً “بالمساواة” بين مبادئ المثقفين الليبراليين في إدارة كندي بمبادئ اللينينيين، لكنني لاحظت نقاطاً ملفتة في تشابهها- بالأحرى كما تنبأ باكونين قبل قرن من ذلك في تعليقه الإدراكي على “الطبقة الجديدة New Class”. على سبيل المثال، لقد اقتبست فقرات من روبرت ماكنامارا (وزير الدفاع الأمريكي في عهد كندي، المترجم) عن الحاجة إلى تعزيز السيطرة الإدارية إذا أردنا أن نكون “أحراراً” حقاً، وكيف أن “ضعف الإدارة” الذي هو “التهديد الحقيقي للديمقراطية” هو اعتداء على المنطق نفسه. قم بتغيير بعض الكلمات في تلك الفقرات وستحصل على المبادئ اللينينية المعيارية. لقد ناقشت أن الجذور هي عميقة، في الحالتين. ومن دون توضيح أكثر عما يجده الناس “صادماً”، لا يمكنني أن أوضح أكثر. إن المقارنات هي محددة، وأعتقد أنها صحيحة وملائمة. وإن لم تكن كذلك، فلابد أنه كان خطاً يهمني أن أتنور بشأنه.

  – الماركسية –

س: اللينينية تحديداً تعبر عن شكل من الماركسية تطور مع مجيء فلاديمير لينين. فهل تفصل أنت ضمنياً بين أعمال ماركس ونقدك المحدد للينين عندما تستخدم مصطلح “اللينينية”؟ وهل ترى استمرارية بين آراء ماركس وممارسات لينين اللاحقة؟

** تشومسكي : إن تحذيرات باكونين من “البيروقراطية الحمراء” التي يمكن أن تشكل “أسوأ الحكومات الاستبدادية” كانت قبل لينين بوقت طويل، وكانت موجهة ضد أتباع السيد ماركس. لقد كان هناك، في الواقع، أتباع من أنواع كثيرة متنوعة؛ بانيكوك، لوكسمبرغ، باول ماتيك، وغيرهم ممن يختلفون كثيراً عن لينين، وآراؤهم تتلاقى عادة مع بعض عناصر الأناركية السنديكالية (النقابية) anarcho-syndicalism. وقد كتب كارل كورش وآخرون بتعاطف مع الثورة الأناركية في إسبانيا في الحقيقة.

إن هناك استمرارية بين ماركس ولينين، لكن هناك أيضاً استمرارية بين ماركس والماركسيين الذين كانوا منتقدين بشدة للينين والبلشفية. وأعمال تيودور شانين في الأعوام الآخيرة عن مواقف ماركس اللاحقة عن ثورة الفلاحين هي ذات علاقة هنا أيضاً. أنا بعيد عن أن أكون دارساً ماركسياً، ولن أجازف بإصدار أي حكم حول أي من تلك الاستمراريات تعكس “ماركس الحقيقي” إذا كان هناك جواب لهذا السؤال أصلاً.

س : لقد حصلنا مؤخراَ على نسخة من كتيبك “ملاحظات على الأناركية Notes on Anarchism “. وفيه تأتي على ذكر آراء “ماركس المبكر”، وتحديداً تطويره لفكرة “الاغتراب في ظل الرأسمالية”. هل تتفق بشكل عام مع ذلك التقسيم لحياة ماركس وأعماله، أقرب إلى الاشتراكية التحررية في شبابه، ليصبح لاحقاً سلطوياً حازماً ؟

** تشومسكي : إن ماركس المبكر يأتي بشكل كبير من البيئة التي عاش فيها، ويجد المرء العديد من أوجه التشابه بينه وبين التفكير الذي حرك الليبرالية الكلاسيكية، وسمات التنوير والرومانتيكية الفرنسية والألمانية. ومرة أخرى، أنا لست دارساً لماركس بشكل كاف لادعاء حكم موثوق. لكن انطباعي المتواضع هو أن ماركس المبكر كان إلى حد كبير رمزاً للتنوير المتأخر، وأن ماركس اللاحق كان ناشطاً سلطوياً إلى حد كبير، ومحللاً نقدياً للرأسمالية، كان لديه القليل ليقوله عن البدائل الاشتراكية. لكن تلك تبقى مجرد انطباعات.

س : من خلال فهمي، فإن اللب في وجهة نظرك العامة يتغذى من مفهومك عن الطبيعة الإنسانية. ففي الماضي، كان ينظر إلى فكرة طبيعة الإنسان كشيء انكفائي regressive، بل حتى محدِّد أو مقيد ومحصور. على سبيل المثال، فإن سمة الثبات في الطبيعة البشرية كانت تستخدم في العادة كحجة على عدم إمكانية تغيير الأشياء جوهرياً في اتجاه الأناركية. فهل لك رأي آخر؟ ولماذا؟

** تشومسكي : إن لب وجهة نظر أي أحد يمثل إلى حد ما مفهومه عن طبيعة الإنسان، ومع هذا فإنه قد يكون بعيداً عن الإدراك أو ينقصه النطق به articulation. وذلك صحيح على الأقل بالنسبة إلى الناس الذين يعتبرون أنفسهم مسؤولين أخلاقياً، لا وحوشاً. وبعيداً عن الوحوش، سواء أكان الشخص يدافع عن الإصلاح، أو الثورة، أو الاستقرار والثبات، أو العودة إلى مراحل سابقة، أو حتى يزرع حديقته الخاصة، فإنه ينطلق من أرضية أن ذلك “جيد للناس”. لكن حكمه ذاك يقوم على بعض فهمه للطبيعة البشرية، التي سيحرص الإنسان المنطقي على جعلها أوضح ما يكون، إذ عندها فقط يمكن تقييمها. لذا في هذا السياق أنا لا أختلف عن أي شخص آخر.

أنت محق في أن الطبيعة البشرية ظل ينظر إليها على أنها شيء “انكفائي regressive “، ولكن لا بد أن ذلك هو نتيجة تشويش عميق. فهل حفيدتي مثلاً لا تختلف بأي شيءعن الصخرة، أو السلامندر، أو الدجاجة، أو القرد؟ إن الشخص الذي يرفض هذه السخافة سيميز أن هناك طبيعة بشرية خاصة. ويبقى لدينا إذا السؤال عن ماهيتها- وهو سؤال غير بديهي وساحر، يحظى باهتمام علمي هائل وأهمية إنسانية. ونحن نعرف جزءاً معقولاً عن بعض جوانب هذه الطبيعة، وهذه ليست الجوانب ذات الأهمية الإنسانية الكبرى. وبعد ذلك، تبقى لنا آمالنا وأمنياتنا، حدسنا، وتأملاتنا.

ليس هناك أي شيء “انكفائي” في حقيقة أن الجنين البشري مقيد لدرجة أنه لا تنمو له أجنحة، أو أن جهازه البصري لا يعمل بالدقة التي يعمل بها عند الحشرة، أو أنه تنقصه غريزة التوجه عند الحمام الزاجل. إن العوامل نفسها التي تقيد تطور الكائن تتيح له أن يحقق بناءً غنياً، ومعقداً، ومفصلاً للغاية، مشابهاً في نواح كثيرة لأقرانه، بإمكانيات غنية ورائعة. والكائن الذي ينقصه ذلك التركيب الداخلي المحدِّد، والذي يقيد مسارات التطور جذرياً، سيصبح كمخلوق أميبي amoeboid يدعو إلى الشفقة (حتى لو استطاع أن يبقى حياً بطريقة ما). إن مدى وحدود التطور مترابطة منطقياً.

خذ اللغة مثلاً، كأحد الإمكانيات القليلة المميزة للإنسان التي يعرف عنها الكثير. إن لدينا أسباباً قوية جداً لنعتقد أن جميع اللغات الإنسانية المحتملة متشابهة جداً فيما بينها؛ حتى أن عالماً من المريخ لو راقب البشر قد يستنتج أن هناك لغة واحدة فقط، باختلافات صغيرة بين مكان وآخر. والسبب هو أن السمة المحددة من الطبيعة البشرية والتي تقف وراء نمو اللغة تتيح خيارات محصورة جداً. فهل هي محدَّدة إذا ً؟ بالطبع نعم. هل هي محرِّرة ؟ أيضاً بالطبع نعم.

 إن هذه القيود الكثيرة هي التي تجعل من الممكن لجهاز ثري ومعقد من التعبير عن الأفكار أن يتطور بطرق متشابهة على أساس من التجربة الأولية المبعثرة، والمتفاوتة.

ماذا عن مسألة الاختلافات البشرية المحددة حيوياً biologically-determined ؟ إنه من الأكيد أنها موجودة، وهي سبب للبهجة، لا للخوف أو الحسرة. إن الحياة بين نسخ متشابهة لن تستحق أن تعاش، والإنسان سليم العقل سيفرح أن لدى الآخرين قدرات وإمكانيات لا يشتركون فيها. إن ذلك يجب أن يكون ابتدائياً. وما يُعتقد به غالباً بالنسبة لهذه الأمور هو غريب حقاً، في رأيي.

هل الطبيعة البشرية، أياً كانت، مساعدة على تطور أشكال أناركية من الحياة أم معيقة لها؟ إننا لا نعرف ما يكفي لنجيب، بشكل أو بآخر. إنها مسائل تحتاج إلى التجربة والاكتشاف، لا إلى التصريحات الفارغة.

– المستقبل –

س : قبل أن ننتهي، أود أن أسألك باختصار عن بعض شؤون اليسار الحالية. لا أعلم إذا كان الوضع في الولايات المتحدة مماثلاً، ولكن هنا (في إيرلندا) بسقوط الاتحاد السوفييتي، حل باليسار انهيار في المعنويات. ليس لأن الناس كانوا مؤيدين ومحبين لما كان موجوداً في الاتحاد السوفييتي، بل هو بالأحرى شعور عام بأنه بزوال الاتحاد السوفييتي، فإن فكرة الاشتراكية أيضاً قد سقطت. هل مررت بهذا النوع من ضعف المعنويات؟ وما هي ردة فعلك عليه؟

**تشومسكي : إن ردة فعلي على نهاية الطغيان السوفييتي كانت مشابهة لردة فعلي على هزيمة هتلر وموسوليني. فكل تلك الحالات، انتصار للروح الإنسانية.  وكان ينبغي أن يحظى ذلك بترحيب الاشتراكيين تحديداً، لأن عدواً كبيراً للاشتراكية قد سقط أخيراً. وقد عجبت مثلك عندما رأيت كيف أن الناس -ومن ضمنهم أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم معادين للستالينية ومعادين لللينينية- قد انهارت معنوياتهم بسقوط الاستبداد. وهذا ما يكشف أن التزامهم باللينينية كان أكثر مما ظنوا.

لكن هناك على أية حال، أسباباً أخرى للقلق من زوال ذلك النظام الاستبدادي والوحشي، والذي كان ”اشتراكياً” بقدر ما كان “ديمقراطياً” (تذكر أنه كان يدعي الأمرين (الاشتراكية والديمقراطية) وأن ادعاءه للأخيرة كان يتم تسخيفه في الغرب، بينما كان الغرب يتقبل بحماسة اتصاف الاتحاد السوفييتي بالصفة الأولى (الاشتراكية)، كسلاح ضد الاشتراكية- وهو أحد النماذج الكثيرة على خدمة المثقفين الغربيين للسلطة).

أحد الأسباب التي تدعو إلى القلق يتعلق بطبيعة الحرب الباردة. ومن وجهة نظري، فقد كانت تلك الحرب مقياساً مهماً “لصراع الشمال والجنوب” وهو المصطلح “الملطف” الذي يستخدم اليوم للتعبير عن احتلال أوروبا لمعظم العالم. لقد كانت أوروبا الشرقية هي “العالم الثالث” الحقيقي، والحرب الباردة الدائرة منذ 1917 لا يمكن تشبيهها ولا إلى درجة خفيفة بمحاولات أجزاء أخرى من العالم الثالث في مسار سعيها إلى تحقيق استقلالها، مع أن اختلاف الموازين في هذه الحالة قد أعطى الصراع طبيعة خاصة. لهذا السبب، فلم يكن من المنطقي أن نتوقع غير عودة هذه المنطقة وبشكل كبير إلى وضعها السابق: فالأجزاء الغربية منها، مثل جمهورية التشيك أو بولندا الغربية، سيتوقع أن تعود إلى الغرب، بينما تتراجع الأخرى إلى دورها الخدمي التقليدي  لتصبح “النومنكلاتورا” السابقة (النومنكلاتورا: الطبقة البيروقراطية الحاكمة في دول الكتلة الشرقية ، المترجم) هي نخبة العالم الثالث (وذلك بموافقة قوة الدول الغربية والتي بشكل عام تفضلها على غيرها). وذلك لم يكن مشهداً جيداً، وقد أدى إلى معاناة هائلة.

سبب آخر للقلق يتعلق بالردع وعدم الانحياز. فالإمبراطورية السوفييتية على شذوذها، قد أعطت بوجودها مجالاً لعدم الانحياز، وقامت لأسباب تعدو للسخرية بتقديم العون لضحايا الهجمة الغربية. هذه الخيارات قد ذهبت الآن، والجنوب يعاني من نتائج ذلك.

سبب ثالث يدعو إلى القلق يتعلق بما تسميه صحافة رجال الأعمال ب”العمال الغربيين المدللين بمعيشتهم المترفة”. وبعودة معظم أوروبا الشرقية إلى القطيع، فقد  أصبح لأصحاب الأعمال والمدراء أسلحة جديدة فعالة ضد الطبقات العاملة والفقراء الذين في بيوتهم. وجينيرال متورز وفولكس فاجن ليس بمقدورهم فقط أن ينقلوا الإنتاج إلى المكسيك والبرازيل، (أو على الأقل أن يهددوا بذلك، والذي يفضي غالباً إلى الشيء نفسه)، بل إلى بولندا وهنجاريا أيضاً، حيث يمكنهم أن يجدوا العمال الماهرين والمدربين وبتكلفة اقل بكثير. وهم مبتهجون بذلك بالطبع، بالنظر إلى القيم الموجهة لهم.

يمكننا أن نتعلم الكثير عن حقيقة ما كانت الحرب الباردة (أو أي صراع آخر)  تدور حوله بالنظر إلى من فرح ومن أصبح تعيساً عند نهايتها. ووفق هذا المقياس، فإن المنتصرين في الحرب الباردة يشملون النخب الغربية والنومنكلاتورا السابقة، التي اصبحت غنية اليوم بأكثر مما كانت تحلم به، أما الخاسرون فيشملون جزءاً أساسياً من سكان الشرق ومعهم العمال والفقراء في الغرب، وكذلك القطاعات الشعبية في الجنوب التي كانت سعت إلى الاستقلال.

إن هذه الأفكار توشك على إثارة المثقفين الغربيين إلى حد الهستيريا، هذا عندما تمكنهم ملاحظتها، وهو ما يندر حدوثه. إن ذلك سهل الإظهار. وهو كذلك مفهوم، والملاحظات صحيحة، ومدمرة للقوة والميزات، وبالتالي تؤدي إلى الهستيريا.

وبشكل عام، فإن ردود أفعال إنسان مخلص على نهاية الحرب الباردة ستكون أكثر تعقيداً من مجرد الابتهاج بسقوط نظام استبدادي وحشي، وأغلب ردود الأفعال السائدة يغمرها قدر هائل من النفاق، في رأيي.

– الرأسمالية –

س : من نواح كثيرة، يجد اليسار نفسه اليوم قد عاد إلى نفس النقطة التي بدأ منها في القرن الماضي. ويواجه الآن، كما في ذلك الوقت، شكلاً مهيمناً من الرأسمالية. ويبدو أن هنالك “إجماعاً” اليوم، وأكثر من أي وقت مضى على مر التاريخ، على أن الرأسمالية هي الشكل الصحيح الوحيد للتنظيم الاقتصادي الممكن، على الرغم من أن التباين في توزيع الثروة يتسع. في مواجهة هذه الخلفية، قد يجادل المرء أن اليسار ليس واثقاً بشأن كيفية المضي قدماً. كيف ترى الفترة الحالية؟ هل هي مسألة “عودة إلى الأساسيات”؟ هل ينبغي توجيه الجهود الآن نحو إبراز الوجه التحرري للاشتراكية والتأكيد على الأفكار الديمقراطية؟

** تشومسكي : هذه في معظمها بروبجندا، في رأيي. فما يطلق عليه “رأسمالية” هو في الأساس نظام من الشراكة الميركانتيلية corporate mercantilism، مع استبداديات خاصة ضخمة غير مبررة تمارس سيطرة هائلة على الاقتصاد، والأنظمة السياسية، والحياة الاجتماعية والثقافية، وهي تعمل بتعاون كبير مع دول قوية تتدخل بقوة في الاقتصاد المحلي والمجتمع الدولي. وذلك صحيح للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، خلافاً للأوهام الكثيرة. والأغنياء وأصحاب الامتيازات كما في الماضي لا يريدون  أن يواجهوا انضباطاً في السوق، ومع ذلك يعتبرون هذا جيداً لعموم الناس. وللاستشهاد ببعض النماذج، فإن إدارة ريغن، التي رقصت على نغمة السوق الحر، كانت تتباهى أمام مجتمع رجال الأعمال أيضاً بأنه سيكون الأكثر حماية في تاريخ الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة- في الواقع أكثر حماية من جميع الآخرين مجتمعين. نيوت جنجريتش، الذي يقود الحملة الصليبية الحالية، يمثل مقاطعة هائلة الثراء تتلقى إعانات مالية فدرالية أكثر من أي ضاحية أخرى في البلاد، خارج النظام الفدرالي نفسه. و “المحافظون” الذين يطالبون بإلغاء وجبات الغداء المدرسية للأطفال الجائعين يطالبون أيضاً بزيادة في ميزانية البنتاغون، الذي تأسس في أواخر الاربعينيات بشكله الحالي لسبب –  كان إعلام رجال الأعمال لطيفاً بما يكفي لإخبارنا به- هو أن صناعة التكنولوجيا العالية لا يمكنها البقاء في ظل اقتصاد “نقي”، “تنافسي”، “غير ممول”، “حر”، والحكومة يجب أن تكون “المخلّص” لها. وبدون هذا “المخلّص”، فإن ناخبي جينجرتش قد يصبحون من الفقراء العاملين (هذا إذا أسعفهم الحظ لذلك). أي لن يكون هناك كمبيوترات ولا إلكترونيات ولا صناعة طيران ولا تعدين ولا أتمتة ، إلخ ، إلخ

إن الأناركيين – أكثر من كل الناس – يجب ألا تمر عليهم هذه الأكاذيب التقليدية.

إن أفكار الاشتراكيين التحرريين هي مألوفة اليوم أكثر من أي وقت مضى، والناس منفتحة عليها بشكل كبير. وبالرغم من القدر الهائل من البروبجندا المنظمة، خارج الدوائر المتعلمة، فإن الناس لا زالت محتفظة إلى حد كبير بمواقفها الشعبية. في الولايات المتحدة مثلاً، يعتبر أكثر من 80% من السكان أن النظام الاقتصادي “ظالم كلياً” ويعتبرون النظام السياسي محتالاً، يخدم “المصالح الخاصة”، لا الناس. والغالبية العظمى تعتقد أن العاملين لهم صوت ضعيف جداً في الشؤون العامة (والوضع نفسه ينطبق على إنجلترا)، وأن على الحكومة مسؤولية دعم المحتاجين من الناس، وأن الإنفاق على التعليم والصحة يجب أن تكون له الأولوية على الاقتطاعات من الميزانية و اقتطاعات الضرائب، وأن المقترحات الجمهورية الحالية في الكونغرس تخدم الأغنياء وتضر الفقراء، إلى غير ذلك. وربما يروي المثقفون قصة أخرى، لكنه ليس من الصعب أبداً أن تجد الحقائق.

س : إلى حد معين، تمت البرهنة على صحة الأفكار الأناركية بسقوط الاتحاد السوفييتي – فقد تم إثبات صحة تنبؤات باكونين. فهل تعتقد أن على الأناركيين أن يتشجعوا بهذا التطور العام وببعد نظر تحليل باكونين؟ هل على الأناركيين أن ينظروا إلى الفترة القادمة بثقة أكبر في أفكارهم وتاريخهم؟

** تشومسكي : أعتقد – أو على الأقل أتمنى – أن تكون الإجابة على ذلك متضمنة في كلامك. أعتقد أن الفترة الحالية فيها نذر شؤم و إشارات آمال كبيرة في نفس الوقت. أما النتيجة فتعتمد على مدى استفادتنا من الفرص المتاحة.

https://1ofamany.wordpress.com

اللاسلطوية عكس الفكر الماركسى اللينينى فى تنظيم المجتمع

ليورانزو كمبوا إرفن

ترجمة : سامح سعيد عبود

تاريخيا ،هناك ثلاث أشكال رئيسية من الاشتراكية،الاشتراكية التحررية (اللاسلطوية)،الاشتراكية السلطوية(الشيوعية الماركسية)،الاشتراكية الديمقراطية (الديمقراطية الاجتماعية الانتخابية) .اليسار السلطوى يردد صدى التصوير البورجوازى ل اللاسلطوية كأيديولوجية للفوضى والعبث والجنون .لكن اللاسلطوية وخاصة اللاسلطوية الشيوعية ليس لديها و ما يجمعها وهذه الصورة . الزائفة و المصنوعة من قبل أعدائها أيديولوجيا الماركسيين اللينينين. إنه من الصعب جدا على الماركسيين اللينينين تقديم نقد موضوعى ضد اللاسلطوية الشيوعية بسبب طبيعتها التى تدك كل المزاعم الأساسية للماركسية اللينينية ، طالما ظلت الماركسية اللينينية تتمسك بكونها فلسفة الطبقة العاملة وأن البروليتاريا لا تستطيع أن تدين بتحريرها لأى أحد سوى للحزب الشيوعى ،فأنه يكون من الصعب الاستناد إليها والقول أن الطبقة العاملة حتى الآن ليست مستعدة لإعفائها من التسلط عليها، لينين أتى بفكرة الدولة الانتقالية، والتى ستذوى بعيدا بمرور الزمن ، أو لتمضى بعد فترة “ديكتاتورية البروليتاريا” لماركس ، الللاسلطويون كشفوا هذا الخط الأيديولوجى كثورة مضادة ، وكانحراف لانتزاع السلطة من يد الناس ، وبعد 75 عاما من الممارسة الماركسية اللينينية التى برهنت على صحة وجهة النظر تلك ، حيث رأينا جميعا ما تسمى بالدول الاشتراكية المؤسسة على مفاهيم الماركسية اللينينية و قد أنتجت فقط الدولة الستالينية البوليسية ،حيث العمال لا يملكون أى حقوق ، بينما تملكها الطبقة الحاكمة الجديدة من التكنوقراطيين وساسة الحزب الصاعدين ، ورأينا كيف استمرت التفاوتات الطبقية بين هؤلاء الذين ميزتهم الدولة النطاق و بين الجماهير المحرومة بخلقها الحرمان واسع النطاق بينهم ، و من ثم فقد دشنت صراع طبقى آخر بدلا من أن تلغى كل صراع طبقى كما سبق ووعدت . لكن الماركسيين اللينينيين بدلا من توجيه انتقادات رئيسية للفكرة اللاسلطوية ، فقد ركزوا هجماتهم ليس على مفهوم اللاسلطوية بل على الرموز التاريخية للاسلطوية و بشكل خاص على باكونين (المعارض الأساسى لماركس فى الأممية الأولى). اللاسلطويين هم الثوريين الاجتماعيين الذين يهدفون إلى اللا دولتية ،اللا طبقية ، الاتحادات التعاونية الطوعية لمجتمعات لا مركزية مؤسسة على الملكية الاجتماعية ، الحرية الفردية ، والإدارة الذاتية المستقلة للحياة الاقتصادية والاجتماعية. اللاسلطويون يختلفون عن الماركسيين اللينينيين فى كثير من القضايا ، و بشكل خاص فى البناء التنظيمى ، و هم يتميزون عن الاشتراكيين السلطويين فى ثلاث مفاهيم أولية ، هم يرفضون المفاهيم الماركسية اللينينية ، حول الحزب الطليعى ، المركزية الديمقراطية ، ديكتاتورية البروليتاريا ، و اللاسلطويون لديهم بدائل لكل هذه المفاهيم ، ولكن المشكلة هى أن معظم المنتمين لليسار (بما فيهم بعض اللاسلطويون) جاهلين بشكل كامل بالبدائل البنيوية الملموسة لتلك المفاهيم الماركسية وهى الجماعة الدعائية ، والديمقراطية المباشرة ، و المشتركات (الكوميونات )الجماهيرية. البديل اللاسلطوى للحزب الطليعى هو الجماعة الدعائية . الجماعة الدعائية بشكل مجرد تتكون كاتحاد شيوعى لاسلطوى بين أفراد و جماعات متقاربة فى عملها ورؤاها ،و هى تقام على قواعد تنظيمية أو ضرورية فحسب ، وهى تعتمد على توافق إرادات و رغبات الأعضاء فى التعاون فيما بينهم وإلحاح الظروف الاجتماعية التى تفرض عليهم النضال سويا ، و الاتحاد اللاسلطوى الثورى يقام بواسطة ممثلين عن جماعات دعائية متجانسه ، (أو الجماعة المتجانسة نفسها عند نموها لحد يسمح لها بالانقسام لجماعات دعائية فرعية ) .وفى كل الأحوال يتم الإلتزام بمبدأ ضمان الحقوق و الامتيازات والمسئوليات التصويتية الكاملة لكل عضو . الجماعة الدعائية واتحاداتها تضع كل من السياسات و خطط الأعمال المستقبلية و تؤدى وظائفها وفق هذا المبدأ ، أنها تربط بين كل من النظرية الشيوعية اللاسلطوية والممارسة الاجتماعية . عقيدتها هى الانخراط فى الصراعات الطبقية و الاجتماعية من أجل نفى النظام الرأسمالى والسلطوى ، أنها تنتظم سواء فى التجمعات البشرية المختلفة أو فى أماكن العمل ، و هى فى النهاية جماعة ديمقراطية تخلو من أى رموز للسلطة مثل زعماء الحزب و اللجنة المركزية وخلافه. و لأن الثورة لابد وأن تحدث على نطاق واسع يتجاوز نطاق عمل الجماعات واتحاداتها المحلية فأن العمليات التنسيقية بين هذه الجماعات واتحاداتها المحلية تصبح ضرورة ملحة ، و تشكيلها لا يمكن أن يكون فى طريق معاكس لمبادىء اللاسلطوية ، فما يعارضه اللاسلطويون تحديدا هو التراتبية فى التنظيم ، سلطة القيادة المعرقلة للعمل ، و التى تكبح الدافع الخلاق للكتل المنخرطة فى العمل وتطبق بقرارتها البيروقراطية على رقابهم ، حيث يكون الأعضاء فى مثل هذه الجماعات التراتبية مجرد خدم وعبيد لقيادة الحزب ، لكن برغم أن اللاسلطويون يرفضون مثل هذه القيادة المركزية المتحكمة فى تابعيها ، فهم يقرون أن هناك بعض الناس يكونون أكثر خبرة أو أفصح أو أكثر مهارة من آخرين ، وهؤلاء الأشخاص لابد وأنهم سيلعبون أدوار القيادة فى العمل ، هؤلاء الأشخاص ليسوا رموز مقدسة للسلطة ، ويمكن ببساطة أن ينحوا عن مسئولياتهم حسب إرادة عضوية التنظيم ، كما يوجد هناك أيضا وعى بأهمية تداول المسئوليات بين الأعضاء بشكل متواتر لإكساب الآخرين المهارات المختلفة عبر ممارسة المسئوليات ، و بشكل خاص النساء والمنتمين للأقليات العرقية والثقافية فى المجتمع الذى تنشط فيه الجماعة الدعائية ، والذين لا يحصلون عادة على هذه الفرص بحكم انتماءاتهم والعادات والتقاليد والأعراف السائدة المحيطة بهم . خبرة هؤلاء الأشخاص الذين يكونون عادة نشطاء محنكين أو مؤهلين على نحو أفضل من الغالبية فى لحظة ما تجعلهم يستطيعون المساعدة على تشكيل وقيادة و تطور الحركة ، و المساعدة على بلورة الإمكانية من أجل التغيير الثورى فى الحركة الشعبية . ما لا يستطيعوا أن يفعلوه هو تولى السلطة فوق مبادرة هذه الحركات الشعبية نفسها. الأعضاء فى هذه المجموعات الدعائية ينكرون الأوضاع التراتبية (تمتع أى شخص بسلطة رسمية أكثر من الآخرين ) وهى الأوضاع المشابه للأحزاب الماركسية اللينينية الطليعية ،كما أن المجموعات الدعائية اللاسلطوية لن تسمح بإدامة قيادتها من خلال الديكتاتورية بعد الثورة .فبدلا من ذلك فأن الجماعات الدعائية واتحاداتها سوف تحل نفسها فور انتصار الثورة ، وعضويتها السابقة عندئذ ستكون مهيئة للذوبان فى عمليات اتخاذ القرارات فى تجمعات المجتمع الجديد .ومن ثم سيكون هؤلاء اللاسلطويون بعد الثورة بلا قيادات بل مجرد أفراد أكثر وعيا يعملون كمرشدين و كمنظمين لحركة الجماهير فى عملية بناء المجتمع الجديد . ما لا نريده ولا نحتاجه بالفعل هو مجموعة من السلطويين تقود الطبقة العاملة ، و تقيم من نفسها قيادة مركزية لصنع القرارات و بدلا من “ذبول” دول الماركسية الللينينية الموعود فأننا رأيناها جميعا وقد أدامت الأوضاع التسلطية (البوليس السرى، سادة العمال ، الحزب الشيوعى) للحفاظ على سلطتهم التى انتزعوها . الفعالية الظاهرة لمثل هذه المنظمات التى تخدع البعض بضرورتها ، تحجب الطريقة التى يحتذى بها الثوريين أنفسهم المؤسسات الرأسمالية ( الدولة والشركة) التى يكافحونها ، فمنظماتهم المحاكية للنمط البورجوازى القائم على الانقسام بين البشر ، بين من يأمرون ومن يطيعون الأوامر ، تصبح ممتصة بالقيم البورجوازية والسلطوية برغم خطابها الشيوعى التحررى، ومعزولة تماما عن الاحتياجات الواقعية ورغبات الناس العادية. مقاومة الماركسيين اللينينين لقبول التغيير الاجتماعى الثورى الذى يحطم الانقسام بن البشر بين آمرين ومأمورين ، أيما كان يكمن فى فوق كل ما رأيناه فى مفهوم لينين للحزب . فرضية ضرورة انتزاع السلطة السياسية ووضعها فى يد الحزب الشيوعى كشرط للتحرر الاجتماعى .الحزب الذى يخلقه اللينينين اليوم ،مثلما يعتقدون سوف يصبح الحزب الوحيد للبروليتاريا و الذى يمكن للطبقة العاملة من خلاله أن تنتظم وتحوز السلطة وأن تحرر نفسها. فى الممارسة أيما كانت ،هذا يعنى الديكتاتورية الشخصية والحزبية، والتى تعطي الحزب الفائز والقائد الحق والواجب لمحو كل الأحزاب و الأيديولوجيات الأخرى المهزومة و المقودة . كل من لينين وتروتسكى و ستالين ، قد قتلوا الملايين من العمال والفلاحين، كما نكلوا بمعارضيهم الأيديولوجيين فى الجناح اليسارى للثورة ، وحتى بالألاف من أعضاء حزبهم البلشفى. دموية هذا التاريخ الخيانى تفسر كل هذه العدائية والمنافسة البالغة الحدة بين الأحزاب الماركسية اللينينية و التروتسكية حتى اليوم ، وتفسر لماذا نرى فى كل دول العمال سواء فى كوبا أو فى الصين أو فى فيتنام أو فى كوريا تجسم بيروقراطية طغيانية فوق شعوبها. ويفسر أيضا لماذا رأينا أنه فى معظم البلاد الستالينية بشرق أوربا قد تم إسقاط حكوماتها بواسطة البورجوازية الصغيرة والناس العاديين فى عقد الثمانينات ، و ربما نشهد خسوف شيوعية الدولة بشكل كامل ، فهؤلاء لم يصبح لديهم شىء جديد ليقولوه وأنهم لن يمكنهم استعادة حكوماتهم مرة ثانية.البديل عن المركزية الديمقراطية هى الديمقراطية المباشرة بينما تصل المجموعات اللاسلطوية لقراراتها عبر مناقشة لاسلطوية بين أعضاءها ،نجد أن الماركسيين اللينينين ينتظمون خلال ما يسمى بالمركزية الديمقراطية .المركزية الديمقراطية تقدم كشكل من ديمقراطية الحزب الداخلية ، لكنها فى الحقيقة محض تراتبية استبدادية ، حيث كل عضو فى الحزب وأخيرا فى المجتمع بعد نجاح الحزب قى الوصول للسلطة يكون خاضعا للعضو الأعلى حتى نصل للجنة المركزية للحزب كلية القدرة والجبروت ثم رئيسها صاحب الحق الوحيد فى التفكير وإصدار الأوامر . و هذا إجراء غير ديمقراطى بشكل كامل وهو يضع القيادة فوق مستوى النقد حتى لو لم تكن فوق مستوى اللوم .أنها طريقة تفسد و تفلس العمليات الداخلية للمنظمة السياسية ، أنك لا تملك صوتا فى الحزب ويجب أن تخاف من قول أى تعليقات ناقدة للقيادة أو حول القادة حتى لا تتناولك الشكوك والاتهامات. القرارات فى المجموعات اللاسلطوية تتخذ من قبل كل الأعضاء (والذين لا يملك أحد منهم سلطات فوق ما يملكه عضو أخر) الأقلية المخالفة تحترم ، و مساهمة كل فرد تكون طوعية . كل عضو له الحق فى الموافقة أو عدم الموافقة على أى سياسة أو فعل ، وأفكار كل عضو تعطى نفس الوزن والاعتبار ،لا قرار يمكن أن يتخذ حتى يكون لكل عضو فرد أو مجموعة منضمة يمكن أن تتأثر بهذا القرار ،الفرصة ليعبر عن رأيه فى الموضوع محل القرار .الأعضاء الأفراد والجماعات المنضمة للاتحاد تحتفظ بحقها فى رفض دعم أنشطة جماعية أو اتحادية معينة .هذه هى الديمقراطية الحقيقية ،القرارات التى تخص الاتحاد ككل يجب أن تتخذ بواسطة أغلبية أعضاءه . فى معظم القضايا لا يكون هناك احتياج حقيقى لاجتماعات رسمية من أجل اتخاذ القرارت ، ما نحتاج إليه هو تنسيق أعمال المجموعة أو الاتحاد .بالطبع ،هناك أوقات يجب أن يتخذ فيها قرار عاجل ، وأحيانا بسرعة جدا.وهذا يكون أمر نادر لكن أحيانا لا يمكن تفاديه ،القرار فى هذه الحالة يمكن أن يتخذ بواسطة حلقة أصغر من العضوية العامة المكونة من مئات أو آلاف . ولكن فى الأحوال العادية كل هذا يحتاج لتبادل المعلومات والحقائق بين الأعضاء و الجماعات من أجل اتخاذ قرار يعيد تناول القرار الأصلى الذى تم اتخاذه فى ظرف الطوارىء. بالطبع خلال هذا النقاش سوف يبذل جهد لتوضيح أي اختلافات أساسية بين الأعضاء حول القرار المتخذ ، و اكتشاف الطرق البديلة للفعل الذى تم اتخاذ القرار بشأنه. وهناك دائما محاولات للوصول عبر النقاش لتوافق متبادل على القرارات بين وجهات النظر المتعارضة ،بينما لو كان هناك مأزق أو عدم وجود إمكانية للوصول للتوافق المتبادل مع القرار ، فيأخذ القرار طريقه للعرض على التصويت ، وحينئذ يقبل أو يرفض أو يلغى بأغلبية الثلثين . و هذا على العكس كليا من ممارسة الأحزاب الماركسية اللينينية حيث اللجنة المركزية من جانب واحد تعد السياسات والقرارات لكل المنظمة على نحو تحكمى وتسلطى اللاسلطويون يرفضون مركزة السلطة ومفهوم المركزية الديمقراطية .كل المجموعات الدعائية هى اتحادات حرة مشكلة وفق احتياج عام و ليسوا ثوريين مروضين بالخوف من السلطة ،بينما يتسع نطاق مجموعات العمل (والذى ممكن أن تتشكل بين العمال أو حركة مكافحة العنصرية ،أو حقوق المرأة ،أو التمويل أو التغذية والإسكان ..الخ) و تصبح منظمات ضخمة يصعب معها ممارسة الديمقراطية المباشرة ، فأنه يمكنها حينئذ أن تنقسم لمجموعتين أو أكثر تتمتع بالاستقلال الذاتي بلا مركزية مع استمرارها متحدة فى اتحاد واحد واسع .و هذا يجعلها قادرة على الاتساع بلا حدود بينما تحتفظ بشكلها اللاسلطوى المتميز بكل من الإدارة الذاتية و اللامركزية. أنها نوعا ما تشبه النظرية العلمية للخلية الحية فى الانقسام وإعادة الانقسام لكن بالمعنى السياسى. المجموعات اللاسلطوية لا تنتظم بشكل ضرورى على نحو محكم ، نظرية التنظيم اللاسلطوية مرنة والبنية التنظيمية يمكن أن لا توجد عمليا أو توجد على نحو محكم جدا وهذا يعتمد على نمط المنظمة المطلوب فى ظل الظروف الاجتماعية التى تواجهها الحركة اللاسلطوية ،على سبيل المثال المنظمة يمكن أن تكون محكمة خلال العمليات العسكرية أو خلال القمع السياسى المشدد.المشتركات الجماهيرية (الكوميونات) بديل عن ديكتاتورية البروليتاريا اللاسلطويون الشيوعيون يرفضون المفهوم الماركسى اللينينى عن ديكتاتورية البروليتاريا ،وما يسمى ب”الدولة العمالية” مفضلين المشتركات الجماهيرية (الكوميونات). بما لا يشبه أعضاء الأحزاب اللينينية والذين يعيشون يوميا على نحو مشابه بوجه عام لنمط الحياة البورجوازى الحاضر، فأننا اللالطويون يحاولون العيش وفق أنماط الحياة والبنية التنظيمية التى تحاول أن تعكس المجتمع التحررى للمستقبل و ذلك من خلال الترتيبات الحياتية التشاركية، الجماعات المتقاربة… اللاسلطويون بنوا كل أنواع المشتركات الجماهيرية والتجمعات خلال الحرب الأهلية الأسبانية فى عقد الثلاثينات من القرن الماضى ، لكن تم تحطيمها من الفاشيين والشيوعيين. ولأن الماركسيين اللينينين لا يبنوا تنظيمات تعاونية ( أنوية المجتمع الجديد) مفضلين الانغماس فى عالم البورجوازية ، فأنهم لا يستطيعوا رؤية العالم إلا فى المصطلحات السياسية البورجوازية فقط. هم يريدون الاستحواز على سلطة الدولة ويحلوا ديكتاتورياتهم فوق الشعب والعمال بدلا من إزالة سلطة الدولة واستبدالها بالمجتمع التعاونى الحر. أنهم يؤكدون أن الحزب يمثل البروليتاريا و التى لا احتياج لها لتنظيم نفسها خارج الحزب ،وحتى فى الاتحاد السوفيتى السابق ،فأن عضوية الحزب الشيوعى لم تشكل إلا خمسة فى المئة من السكان. هذه أسوء أنواع النخبوية و التى جعل الأحزاب الرأسمالية أكثر ديمقراطية بالمقارنة بها. ما كان يقصده الحزب الشيوعى بتمثيل سلطة العمال لم يكن واضحا ،إلا أن النتائج كانت 75 عاما من القهر السياسى وعبودية الدولة بدلا من عهد من الحكم الشيوعى المجيد ، أنهم يجب أن يخضعوا للحساب سياسيا من جراء جرائمهم ضد الناس،ويجب أن نرفض نظريتهم و ممارستهم السياسية الثورية ،أنهم جللوا الاشتراكية والشيوعية بالعار، و أجلوا إمكانية تحققهما الفعلى لمدى زمنى طويل. أننا نرفض ديكتاتورية البروليتاريا ، كونها قهر غير مقيد ، والماركسيين اللينينين و الستالينين مصممين على تحقيقه ، الملايين قتلهم ستالين باسم مكافحة الصراع الطبقى الداخلى ، وملايين أكثر قتلتهم الحركات الشيوعية فى الصين و بولندا و أفغانستان وكمبوديا وبلاد أخرى حيث اتبعت فرضية كل من تروتسكى و ستالين بضرورة الإرهاب الثورى . نحن نرفض شيوعية الدولة كأسوأ انحراف وطغيان حدث باسم التحرر مما اضر بقضية التحرر .و نجزم أننا نستطيع أن نصنع ما هو أفضل منها مع المشترك الجماهيرى (الكوميون) . كوميون الجماهير اللاسلطوى (أحيانا يطلق عليه مجلس العمال بالرغم من بعض الاختلافات بين المفهومين) يمكن أن يكون قومى أو قارى أو اتحاد متعدد القوميات لتعاونيات سياسية واقتصادية و تشكيلات تشاركية محلية . اللاسلطويون يتطلعون لعالم ومجتمع يكون فيه صنع القرار عمل كل شخص والذى ينخرط فيه مع باقى أعضاء التشاركية أو الكوميون المنضم إليه ، و من ثم فهو ليس عمل قلة تروض الآخرين وفق نزواتها وتحركهم كالتروس فيما يسمى ديكتاتورية البروليتاريا. إن أى ديكتاتورية وكل ديكتاتورية هى أمر سيئ حتى ولو تمت باسم البروليتاريا ، و أنها لا يمكن أن تعيد لنا الأشكال الاجتماعية الحرة بعد أن سلبتها ، بالرغم مما يخبرنا به اللينينون بأنها تحمينا من الثورة المضادة .فطالما الماركسيين اللينينين يدعون أن هذه الديكتاتورية ضرورية لكى تضرب أى ثورات مضادة بورجوازية تقودها الطبقة الرأسمالية أو رجعيو الجناح اليمينى فأنهم أبعد ما يكونوا عن المشروع التحررى . اللاسلطويون يشعرون أن هذا الإدعاء نفسه جزء من مدرسة التخريف الماركسى. فجهاز ممركز مثل الدولة يكون هدف أسهل للمعارضين فى معسكر الثورة المضادة من تنظيم اتحادى مكون من التشاركيات اللامركزية. هذه التشاركيات سوف تبقى مسلحة ومدربة للدفاع عن الثورة ضد أى جيش يهاجمها عسكريا . مفتاح حركة الناس نحو الدفاع والحراسة والكفاح ووحدات الاستعدادات العسكرية الأخرى للحفاظ على ما اكتسبوه بأنفسهم من تشاركيات حرة ، وليس قهرهم بأجهزة الأمن وغسيل العقول . موقف اللينينين من ضرورة الديكتاتورية لحماية الثورة لم يكن مبرهنا عليه فى الحرب الأهلية ، و التى تلت الثورة الروسية ؛ فى الحقيقة بدون الدعم من اللاسلطويين وقوى الجناح اليسارى الأخرى و عبر الشعب الروسى حكومة البلشفيك كانت ستهزم لا محالة . والحقيقة أن الديكتاتورية انقلبت على داعميها ، وطاردت الحركات اللاسلطوية الأوكرانية والروسية وحتى المعارضين أيديولوجيا فى الحزب البلشفى حيث واجهوا السجن و القتل و النفى . ملايين من المواطنيين الروس قد قتلهم لينين و تروتسكى حقا بعد الحرب الأهلية بينما كانوا يشددون من سلطة الدولة وهو ما سبق حكم ستالين الدموى. الدرس هو أننا لن نخدع لكى نسلم سلطة الشعب المتجذرة لديكتاتورين يقودونا كأصدقائنا وقادتنا. نحن لا نحتاج الحلول الماركسية اللينينية فهى خطيرة ومضللة .هناك طريق آخر ، لكن عند كثير من اليساريين و الناس العادييين الاختيار الوحيد يظهر ليكون بين الفوضى اللاسلطوية أو الأحزاب الشيوعية الماركسية مهما كانت دوجمائية و ديكتاتورية . هذه هى النتيجة الأولية لعدم الفهم والدعاية. اللاسلطوية كأيديولوجية تقدم بنيات تنظيمية ملائمة ،بمقدار ما هى بديل صالح للنظرية الثورية ، و التى لو استخدمت يمكن أن تكون أساس لتنظيم بصلابة التنظيم الماركسى اللينينى (أو حتى أكثر منها )، هذه المنظمات ستكون مساواتية و واقعية لمنفعة الناس فقط أكثر من القادة الشيوعيين. اللاسلطوية غير مقيدة بأفكار نظرى فرد، ومن ثم فهى تسمح بالإبداع فرديا ليتطور فى شى التجمعات بدلا من الدوجمائية المميزة للماركسيين اللينينيين ،ولكونها ليست عقيدة دينية فهى تشجع التعامل الواسع مع الإبداع والتجريب والارتقاء بمؤيديها ليجيبوا واقعيا على متطلبات الظروف المعاصرة. هى مفهوم لصنع أيديولوجيا صالحة لمتطلبات الحياة بدلا من محاولة صنع حياة صالحة لمتطلبات الأيديولوجيا، ومن ثم فاللاسلطويون يبنون منظمات لتبنى عالم جديد لا لتديم سلطتها فوق الجماهير . يجب أن نبنى حركة أممية تنسيقية منظمة تهدف إلى تحويل الكوكب إلى تشاركية ستكون وثبة كبرى فى التطور الإنسانى وخطوة ثورية عملاقة .أنها تغير العالم الذى نعرفه وتنهى المشاكل الاجتماعية التى طالما اجتاحت الجنس البشرى ،أنها بدأ عصرا جديدا من الحرية والإنجاز. دعنا نتفق معه لنحصل على عالم نكسبه!

http://anarkye.blogspot.com

بيان من أجل شيوعية تحررية

بيان من أجل شيوعية تحررية

البديل التحررى – فرنسا

http://alternativelibertaire.org/

نسخة قابلة للطباعة


كيف يمكن النضال اليوم ضد الرأسمالية؟

كيف يمكن تصور مشروع جديد، يقطع مع الاشتراكيات التسلطية، مع الدولانيين، المركزيين، اليعقوبيين، الذين دفعوا الحركة العمالية والاجتماعية إلى المأزق، سواء اللينينية، أو الستالينية، أو الاشتراكية-الديمقراطية؟

والسؤال هو كيف يمكن لهذا الصراع الذي نسميه اشتراكية أو شيوعية تحررية، والذي يصبو إلى قطيعة ثورية كونه يهدف إلى بناء مجتمع شيوعي بالمعنى الأصيل، أي المجتمع الشيوعي المدار ذاتياً، نقول كيف يمكن لهذا الصراع ان يسلك طريقاً متأقلماً مع المعطيات الجديدة والمعقدة للمجتمع المعاصر؟

هذه الوثيقة تعبر عن الاتجاهات الكبرى، عن المقترحات العامة لتيار نضالي يبحث عن أجوبة على هذه الأسئلة.

هذه الوثيقة لا تزعم تقديم أجوبة جاهزة، بصورتها النهائية: فهي ليست عقيدة، متزمتة، جامدة.

إنها تشكل فحسب نقطة انطلاق نظرية وعملية؛ فهي تُعبِّرُ عن التقاءات ، عن نقاط اتفاق؛ تطرح أسئلة. هي إذَن مجرد وسيلة للتفكير والعمل، والتي لن نذخر جهداً لتطويرها في المستقبل.

يريد هذا النص المشاركة في بناء تيار ثوري، دولي، جديد.

سوف نحاول إجراء توليف لعطاءات متعددة، مستقاة من الصراعات والتجارب التاريخية التي خاضتها التيارات الثورية المختلفة، الإدارية الذاتية (أي المرتكزة إلى مبدأ الإدارة الذاتية)، الأيكولوجية (البيئية)، النِسَوية، النقابية… نحن نعتبر أننا ننتمي إلى نَسَبٍ واسع ومتعدد يمد جذوره في الإرهاصات الأولى للحركة العمالية، في التيارات ضد التسلطية، النقابية الثورية، التحررية، الأنرشية، المجالسية، ولكننا نحاول توسيعَ رقعة مراجعنا أبعد من هذا، مع رفضنا الانصياع لأي عقيدة دوجمائية، أياً كانت، ماضية أم حاضرة.

نرغب في إيجاد تحديد معاصر لمفهوم الصراع الطبقي و للبروليتاريا، يأخذ في عين الاعتبار التحولات العميقة التي طرأت على عصرنا دون أن يبخس دور الانتفاضات والنضالات التي خاضتها الطبقات المسحوقة.

نؤكد أن الرأسمالية ليست المرحلة الأخيرة للتاريخ الإنساني، المرحلة النهائية وغير القابلة للتجاوز: من هنا ضرورة قيام مشروع ثوري جديد، لا يقتصر على شلة صغيرة من الناس، بل يستند إلى نضالات الشغيلة، نضالات العناصر الشابة، نضالات الطبقة التي تشكل قاعدة المجتمع، كما يستند إلى التنظيم الذاتي لهؤلاء وإلى قدرتهم على فرض سلطات مضادة.

نحاول إذن خلق توجه سياسي، اجتماعي، ثقافي، يمفصل كل أنواع النضال الجماهيري: من ناحية تلك المطالبة بانتزاع حقوق للناس، أو النقابية، وبصورة عامة تلك المنبثقة عن نضال الجمعيات (الجمعياتية)، ومن ناحية ثانية تلك النضالات (التعبيرات) الجذرية، البديلة، الثورية. إن هذا التوجه يرفض أن يضيع في متاهات الدهاليز المؤسساتية، في السياسة المهنية، إذ هو يمنح الأولوية للنضالات الاجتماعية وللنضال على الأرض مع الناس وللناس.

نريد بالضرورة أن ننتظم كي نكون أكثر فعالية، ولكننا نرفض الحزب شكلاً ومحتوى ووظيفةً. أخيراً ولأننا لا نزعم الإمساك بالحقيقة ولأن اتحاد القوى ضروري كي تزن في ساحة النضال، فإننا نبحث على التلاقيات الممكنة في العمل النضالي وفي الحوار مع كل القوى ضد الرأسمالية. لهذا نقترح فكرة حركة كبرى معادية للرأسمالية وذاتية الإدارة: هي قوة تعددية، واسعة، يشكل تيارنا أحد مكوناتها.

إنها كما تلاحظون قناعات تحدد هوية صراعنا والتي تساهم هذه الوثيقة في إيضاحها.

   نضال ضد الرأسمالية

نحن ضد الرأسمالية وبصورة جذرية. نحن لا نعارض فحسب تجاوزات النظام الرأسمالي الذي يهيمن اليوم على العالم أجمع، بل نعارض جذريا كل مرتكزاته: استغلال العمل الإنساني لمصلحة أقليات، أي أصحاب القيادة والامتياز؛ التخريب التدريجي للمصادر الطبيعية (للبيئة)؛ التطور العالمي غير المتساوي والإمبريالية؛ إنسلاب الفرد؛ السيطرة الدولانية على المجتمع.

كوننا ضد الرأسمالية فنحن نرفض منطق السباق من أجل الربح، منطق المؤسسة (أي المؤسسة التجارية)، نمط التطور الإنتاجي، التراتبية و اللامساواة الاجتماعية: نرفض إذن  هذه الشعارات التي يطلقها مجتمع يسيطر عليه كلياً نمط إنتاج رأسمالي وطبقات رأسمالية.

 نحن معادون للرأسمالية لأسباب اجتماعية، عبر التزامنا في الصراعات الطبقية للطبقة المستغَلة. كما معادون للرأسمالية لأسباب أتيقية (أخلاقية)، عبر التزامنا بالقيم المساواتية، التحررية، قيم العدالة الاجتماعية واحترام خصوصيات كل فرد. وكذلك لأسباب حياتية لأن الرأسمالية تقوم على استغلال أكثر فأكثر ضراوة للطبيعة التي تهدد في أمد منظور استمرار الإنسانية.

نحن معادون للرأسمالية أياً كان الشكل التاريخي الذي تتخذه: رأسمالية ليبرالية أو رأسمالية دولانية. نحن ضد الرأسمالية الليبرالية المؤسَسة على تنظيم “مستقل” للسوق والتي تزعم أنها “ديمقراطية” فيما في الحقيقة هي ترتكز على نمط إنتاج لا ديمقراطي جوهرياً وهي تهدف كلياً لتحقيق أرباح في جيوب الطبقات المسيطرة. كذلك نحن ضد رأسمالية الدولة وإن زعمت أنها “اشتراكية” أو حتى “شيوعية” فيما في الحقيقة هي تقوم على نمط استغلال وسيطرة طغيانية للشغيلة وعلى التحديد التسلطي للسوق لصالح طبقة من أصحاب الامتياز فائقة القوة تتمثل في البيرقراطية و تقنوقراطية الدولة (أي قيادة الحزب). وبالتالي نحن لا ندعم لا دولنة جزئية أو كاملة للرأسمالية الليبرالية ولا خصخصة جزئية أو كاملة لرأسمالية الدولة.

إن معاداتنا للرأسمالية تندرج منذ حين في النضالات اليومية التي هي في البداية محصورة بالضرورة في الإطار المفروض من قبل الطبقات المسيطرة. لكن هذه النضالات تدعمُ، عبر عملية النقد الجذري الذي تمارسه وعبر مشروع مجتمع بديل للرأسمالية، تدعمُ مفهوم اشتراكية “ذاتية الإدارة” وتحررية تساعد في قيام حراك واسع يناضل على خلفية الصراع الطبقي والانتفاضات الثورية الدائمة.

نضال منطلق من الصراع الطبقي

نؤكد أن تقسيم المجتمع إلى طبقات متناقضة يبقى الميزة الأساسية للرأسمالية المعاصرة. لقد عَرِفت الرأسمالية تحولات عميقة؛ فهي لم تكف ولن تكف عن التحول عبر دورة مستمرة من الأزمات والتوسع. وهي في أي حال ترتكز أولاً وأخيراً على علاقات سيطرة قياديين على مُقادين مع اللازمة المعروفة وهي استغلال الطبقات المسيطِرة للشغيلة اليدويين والذهنيين.

إن الطبقات الاجتماعية تتحدَّدُ بموقعها في علاقات السلطة ضمن الإنتاج – إنتاج الأشياء المادية، السلع، التجهيزات، إنتاج الخدمات – وسواء قام هذا الإنتاج في القطاع الخاص أم العام.

ولكن نعني بالطبقات الاجتماعية مجمل المرتبطين بهذه الفئات الاجتماعية والمتموقعة في الإنتاج: العائلات، الشباب، الذين لا يعملون، المتقاعدون، العاطلون عن العمل.. نعني إذن بصراع الطبقات الصراعات القائمة في المؤسسات أو المرتبطة بالعمل، بالبطالة، بالعمل غير الثابت، كما الصراعات القائمة في بقية المجتمع عندما تبرز هذه الصراعات تناقضات طبقية.

لقد طرأت على الطبقات الاجتماعية في الرأسمالية المعاصرة تغييرات في تركيبتها ولا يسعنا بالتالي الاستمرار في الاستناد إلى الصور التي تركها لنا القرن الماضي.

ونعني بالطبقة الرأسمالية مجمل الفئات التي تمسك بزمام القرار في الإنتاج والمجتمع والتي تقرر كيفية توزيع فائض إنتاج القيمة. فقد انضمت اليوم إلى البورجوازية المتميزة بالملكية الفردية شرائح رافقت تطور شركات ومؤسسات وإدارات الدولة: أي البيرقراطية والتقنوقراطية.

البروليتاريا الحديثة لا تقتصر على العمال وحدهم، رغم أن هؤلاء لا يزالون يحتلون مكاناً مهماً في المجتمع. بالنسبة إلينا البروليتاريا هي مجمل المجموعات الإنسانية التي لا تمتلك سلطة قرار حقيقية في الإنتاج، والملزمة بيعَ قوةِ عملها عبر وضعية العمل المأجور. هذه البروليتاريا تتشكل في قاعدتها من الشغيلة اليدويين ومن العمال والمستخدمين. بالإضافة إلى الشغيلة الذهنيين والمسيطَر عليهم والمستغلِّين مثل التقنيين والأساتذة.

إن جزءاً كبيراً من البروليتاريا الحديثة واقع في البطالة والعمل الهش، أي العمل المؤقت، غير الثابت. وهذه البطالة والعمل الهش أصبحا مُعطيين بنيويين وَزِنين في العلاقات الاجتماعية المعاصرة.

بين الطبقة الرأسمالية والبروليتاريا برزت شرائح متوسطة ومأجورة جديدة (كوادر، تقنيون..)، تقوم بمهام إدارة و تأطير. وتكتسب هذه الشرائح وزناً متزايداً سياسياً ولكن ثقافياً أيضاً. إن الصراع الطبقي يفترض أن نميز ضمن هذه الشرائح بين تلك التي يقتصر دورها على الأمور التقنية والمهنية، وتلك التي تشارك في تقرير غائية الإنتاج. هذه الشرائح المتوسطة والمأجورة الجديدة هي متنوعة بصورة قصوية بحيث ينبغي التفريق ضمنها بين شريحتين كبريين: الشريحة الأكثر ثراء والتي تتماهى مع الطبقة الرأسمالية ولا تتميز عنها إلا بقدر ابتعادها عن مراكز القرار، فيما الشريحة الأخرى تتداخل كلياً مع البروليتاريا.

إن تطور القطاع الثالث، وتزايد عدد التقنيين، وتناقص عمال الصناعة في البلدان الصناعية، والعمل الهش والبطالة، كل هذا أدى إلى إزالة الصورة الاجتماعية التقليدية التي كانت لا ترى إلا عمال الصناعة.

يمارَسُ اليوم صراع الطبقات بأشكال جديدة. لقد غدت صورة الطبقة المكونة فقط من العمال، الأقلية العمالية، كطليعة سوسيولوجية وقوة جذب وحيدة، غدت صورة قديمة وبائدة يقتضي استبدالها بمشروع وحدة جديدة، أوسع بكثير توحِد جميع مكونات البروليتاريا الحديثة، الذهنية واليدوية، المأجورة والغارقة في نمط العمل الهش، الصناعية والخدماتية (أعمال القطاع الثالث: التجارة، التأمين..)، مع أخذ الخصوصيات بعين الاعتبار،. هذه البروليتاريا الجديدة، المتعددة الأشكال ولكن القابلة للتوحيد على أساس وضعها المشترك، هذه البروليتاريا المسيطَر عليها والمستغَلَّة، ينبغي أن تبحث عن نقاط تلاقٍ مطلبية وضد رأسمالية مع جماهير واسعة من الشرائح المتوسطة المأجورة التي تسيطر عليها الرأسمالية. هذه التلاقيات سوف تنبني بفضل الصراعات الاجتماعية، الوعي الجماعي، بفضل بروز مشاريع جديدة تحوِّل وتطوِّر المجتمع.

دون أن نَصُبَّ في “رسولية” معينة، وانطلاقا فقط من دورها في علاقات الهيمنة والإنتاج، يمكن الجزم بأن البروليتاريا تحمل في طياتها صراعاً طبقياً دائماً، كامناً حيناً ومتفجراً أحياناً. يفرض هذا الصراع الطبقي على الطبقات المسيطرة تحولات وتسويات دائمة، تحددها موازين القوى، في مجالات العمل، توزيع الثروات، الحقوق، المؤسسات. ولكنها تحمل أيضاً إعادة نظر شاملة للرأسمالية، ما تمَّ التعبيرُ عنه بصورة دائمة على مرِّ التاريخ. يحمل إذاً الصراع الطبقي تحولاتٍ جزئية، متعارضة مع المنطق الرأسمالي والمصالح الرأسمالية، كما يحمل قطيعة ثورية ترسم قواعد مجتمع جديد يحرر الإنسانية جمعاء.

إن مشاركتنا في نضالات البروليتاريا لا تمنعنا من رؤية أن المجتمع على درجة كبيرة من التعقيد والتنوع، وأنه يمثل تشكيلة اجتماعية غير متجانسة تهيمن عليها الرأسمالية وقوانينها (لا سيما قوانين السوق)، وحيث تتعايش أشكال أخرى من الإنتاج (أو قل أشكال أخرى من استغلال الشغيلة): أشكال تعاونية، جمعياتية، ما قبل رأسمالية (الفلاحون، الحرفيون)، و فردانية. ثمة أشكال اجتماعية أخرى تدخل هكذا حقل صراع الطبقات: طبقة الفلاحين، الشرائح المتوسطة التقليدية، الشرائح المتوسطة المأجورة الجديدة، ما يطرح بالضرورة مشاكل نظرية وعملية عديدة لا يمكن اجتنابها خلال سيرورة إيجاد البديل للرأسمالية.

يجب أن نذكر هنا على وجه الخصوص “شغيلة الأرض” (المزارعون) الذين يقبع العدد الأكبر منهم تحت نير استغلال المنظومة المهيمنة، فَهُم يشكلون دوماً فئة اجتماعية مهمة سواء لجهة غائية عملهم أم لموقعهم في البيئة الطبيعية.

نضال ضد الإمبريالية

إن انتعاش الرأسمالية في القرن التاسع عشر والعشرين ما كان ليتم لولا النهب المنهجي لثروات بلدان الجنوب واستغلال البروليتاريا في الغرب من ناحية واستغلال بروليتاريا شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية من ناحية ثانية. تستند الرأسمالية على التطور غير المتساوي على مستوى الكرة الأرضية، على نظام عالمي إمبريالي حيث تفرض نفسها العواصم الكبرى، سواء مباشرة عبر الاستعمار، أم عبر الأنظمة المتواطئة، أم بسلاح المساعدات المصلحية والاستدانة.

ونتائج هذه السيرورة كارثية : تهديم التوازنات الطبيعية والزراعات الحيوية والإنتاج المحلي لصالح قطاعات تصديرية للثروات باتجاه العواصم (المتروبولات الكبرى). هكذا فإن اقتصاديات هذه البلدان هي غير مكتملة، تبعية، غير قادرة على الاستجابة لاحتياجات السكان. وما هي لازمة هذا الأمر: تزايد اللامساواة، البؤس والجوع. كما الهيمنة المتصاعدة للثقافة الغربية ولنمط حياة غربي لا بد أن يفتت القيم الخاصة لكل شعب.

نطالب فرنسا بإزالة الاستعمار عن بلدان “الدوم توم”، أي مناطق ما وراء البحار. نحن معادون بالكامل “لإمبرياليتنا”، ولا يمكن إلا أن ندعم بالشكل الأكثر وضوحاً نضالات الشعوب الواقعة ضحية هذه الإمبريالية، ولا سيما تلك التي تخوضها وستخوضها شعوب “الدوم توم” من أجل إزالة الاستعمار عن كاهلها. كما نعارض التدخلات العسكرية والحروب التي تسببت بها “دولتنا”.

نحن ندعم جميع نضالات الشعوب ضد الإمبريالية ومن أجل استقلالها. وهذا الدعم المبدئي هو في آن واعٍ ونقدي. لقد أكدت التجربة أن نضالات الاستقلال، المشروعة دوماً في رفضها للسيطرة، وتالياً المستحقة كل الدعم، تُولد في غالب الأحيان أنظمة بيروقراطية، عسكريتارية، أو متورطة في شتى أشكال النيوكولونيالية. لا ترتكز جميع النضالات على المكونات الاجتماعية ذاتها، ودعمنا يذهب أولاً إلى الفلاحين الفقراء ومختلف شرائح البروليتاريا. لا ترسم جميع حركات التحرر الأهداف نفسها، ولا تستخدم الأسلحة والأشكال نفسها. ندعم أولاً القوى الأكثر ديمقراطية، الأكثر تمثيلاً والأكثر قدرة على مصارعة الرأسمالية والدولانية.

في مواجهة القمع ندعم الطموحات القومية والهوياتية[1]. دعمنا أمر أكيد ولكنه دعم نقدي، لا سيما إزاء مفاهيم تنزع إلى تثبيت تعارض بين الشعوب أو محو الواقع الطبقي، كما تتحفنا به الثلاثية المقدسة “أمة/دولة/وطن”. مقابل هذه المفاهيم التي تحمل هيمنات جديدة ينبغي أن نواجهها بطرح آخر يكمن في حق كل شعب في العيش على “أرضه” بالمعنى التاريخي والثقافي للكلمة دون أن يحظر أي شعب، على شعوب أخرى، على ثقافات أخرى، حقٌَها في التعايش مع تلك الشعوب، والاختلاط بها. هدفنا هنا هو الإسهام في خلق مواطنة تقطع مع الانتماءات الإثنية والثقافية والقومية والدينية.

في البلدان الأوروبية  وبأشكال مختلفة نجد السيرورة ذاتها، سيرورة التطور غير المتساوي، سيرورة قمع الثقافات والشعوب، والتي ولدت مطالب قومية وأحياناً نضالات من أجل الاستقلال أو الحكم الذاتي (كما في أيرلندا، في منطقة الباسك الإسبانية، في كورسيكا). هنا أيضاً ثمة نضالات مشروعة تنال مشاركتنا أو دعمنا النقدي، لا سيما عندما تحمل هذه النضالات شرائح كبيرة من الشعوب المعنية والتي يمكن أن تفتح أفقاً “ضد-رأسمالي” وتحريري.

 نضال بيئي

يشكِل النضال البيئي تاريخياً جزءاً لا يتجزأ من النضال التحرري، كما يشكل برأينا أحد الجبهات الأساسية للنضال الثوري. عدة عناصر تدق اليوم ناقوس الخطر على البشرية وتمنح النضال البيئي أهمية أساسية: التلوث، تخريب البيئة، زعزعة استقرار المنظومات البيئية للكرة الأرضية.

لقد ولدت الرأسمالية قطيعة بين الإنسان والطبيعة. كيف لا والدينامية الخاصة بها تستند إلى ضرورة تحقيق نمو متزايد للإنتاج، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا على حساب نزيف دائم للمصادر الطبيعية. المنطق الإنتاجي هو المسؤول عن تخريب الطبيعة الهائل، عن التدهور العام لإطار الحياة، عن زعزعة لا سابق لها للتوازنات البيئية. تخريب طبقة الأوزون، خلل في التوازنات الحرارية للفضاء، فناء الغابات في النصف الشمالي للكرة الأرضية (“الأمطار الحمضية”)، تلوث المياه من جرّاء رمي النفايات الصناعية والزراعية، تعدد الكوارث الصناعية (الكيميائية والنووية)، تخريب الغابات الاستوائية… تُحَضر لنا الحضارة الإنتاجية للغد مستقبلاً سوداوياً.

إن الحكومات والأحزاب الحاكمة والأجهزة الدولية تكرر الإعلانات وتتخذ أنصاف الإجراءات التي تحفظ المصالح الأساسية للشركات المتعددة الجنسيات والمسؤولية عن التلوث، ولكنها إجراءات غير كافية لكبح شتى أنواع تخريب الطبيعة.

إزاء المشاكل البيئية يبدو أن كل ما تحاول أن تفعله الرأسمالية أو المجتمعات البيرقراطية غير قابل للتطبيق. لقد خرب هذا المنطق الهدف “الطبيعي” للإنتاج، أي تلبية احتياجات المنتجين. يقود هذا المنطق الإنسانيةَ إلى مأزق أكيد.

إن النشاط الإنساني يقترب من حدود لم تعد تستطيع منظومة “الأرض” البيئية تحملَها. ثمة تناقض بين الإبقاء على اقتصاد رأسمالي إنتاجي وبقاء الإنسانية على قيد الحياة.

هكذا فإن النضال البيئي لا يندرج فقط ضمن النضالات من أجل إزالة التلوث ومن أجل وقف تخريب البيئة والطبيعة، رغم ضرورة هذه النضالات. فالنضال البيئي برأينا لا يمكن إلا أن يكون نضالاً ضد الرأسمالية بصورة جذرية. هذا النضال البيئي أو هذا المفهوم البيئي الجديد يجب أن يواجه أولاً منطق وطبيعة المنظومة القائمة، فيعرض نمطه الجديد في التطور، ومفهوماً آخر للعمل والتكنولوجيات، وشكلاً آخر للاستهلاك، وبالطبع علاقة أخرى بين المجتمع والطبيعة. يمكن للنضال البيئي أن يحمل مشروعاً مجتمعياً بديلاً للرأسمالية وبصورة شاملة، ومشروع حياة من نوع آخر مؤسسة على رابط عميق بين البشر والطبيعة، رابط مستعاد[2] ومتجدد. ولكن لنُحَذرَ من أمر هام: إن ما نقصده هنا ليس ذلك المفهوم الميتولوجي بعض الشيء، عن طبيعة “صافية” هدمها الإنسان. إذ إن الإنسان ونشاطاته الخلاقة والمنتجة تشكل جزءاً من الطبيعة. إن كوكبنا “الأرض”، بثروته النباتية والحيوانية لم يكن يوماً منظومة جامدة، بل على العكس من ذلك كان دوماً مقراً لتطور دائم، لتوازن دينامي لمكوناته.

إلا أن التطور التكنولوجي للقرن العشرين خلق وضعاً جديداً. فالإنسان قادر اليوم، إن لم يتحكم بتطوره، أن يخلق قطيعة خطيرة، خللاً عنيفاً في توازن الكرة الأرضية. لقد شهد القرن العشرون مرحلة التحول من التلوث “المقبول” (أي الذي يمكن أن يتحمله المحيط البيئي) والذي تسببت به اليد البشرية إلى “فقدان توازن بيئي” يهدد مستقبل الإنسانية. إن الإجراءات المجتزأة ليست فعالة إطلاقاً أمام التزايد الشامل لفقدان التوازن البيئي. ما يجب مواجهته هو المرض وليس حواليه.

والحال أن هذه المواجهة لا تأتي في أولوية برنامج عمل المؤسسات السياسية، كما ليست العمل الوحيد الذي يقوم به الأخصائيون الذين في وسعهم إيجاد حلول للمشاكل المستعجلة  التي كشف عنها علمُ البيئة. من أجل التصدي لهذا الأمر يقتضي قيام عمليات تعبئة جماهيرية كبرى. والموضوعات البيئية يجب ان تستعيدَها وترفعَها وتناضلَ من أجلها الحركة العمالية نفسها. لا سيما وأن الشغيلة هم المتضررون الأوائل من الكوارث البيئية، سواء في عملية الإنتاج أم في حياتهم اليومية.

ينبغي أن يتحكم البشر بالنمو السكاني (الديمجرافي)، أن تراقب إنتاجها الصناعي، واستهلاكها للطاقة الوقودية، أن تعيد ابتكار زراعة لا تقضي على مصادر المياه والأتربة. إن الإنتاجية الرأسمالية تتعارض كلياً مع هكذا تطور. من ناحية لأن هذه الإنتاجية تفترض بالضرورة نمواً متفجراً للإنتاج، للاستهلاك وللسكان؛ ومن ناحية ثانية لأنها ترتكز إلى مجتمعات غير مساواتية كلياً، وغير قادرة على التحكم بإدارة جماعية لتوزيع متجانس للثروات المتوفرة.

إن النضال البيئي، ولأن لا معنى له خارج توكيد ضرورة قيام نوع آخر من التطور، فهو مرتبط مباشرة بالنضال من أجل ديمقراطية مباشرة ومن أجل مساواة اقتصادية.

إنه لمن المرتقب أن تتخذ التعبئات البيئية تطورات مهمة. رغم أن تحقيق انتصارات جزئية هو أمر مهم، لكن مفعولها لا يكتمل إلا إذا ساهمت في إضعاف الهيمنة الأيديولوجية لمفهوم الإنتاجية[3] على الشعوب، إلا إذا ترافقت مع تطور الديمقراطية والتعاضد بين الناس… وشكلت خطوة باتجاه نمط جديد من التطور.

هكذا فإن النضال البيئي، إذا نظرنا إليه من زاوية مختلفة، يستطيع /ويجب/ أن يرتبط، بالصراعات الطبقية في إطار رفض شامل للرأسمالية.

نضال ضد كل الإستلابات

إن نضالنا ليس موجهاً فحسب ضد شكل من أشكال الإنتاج المادي وسيطرته على العمل والعمل والطبيعة. فنحن نحمل طموحات تحررية تتجاوز الصراع الطبقي وحده. لذا فإن تحرير كل فرد ليس بنظرنا هدفاً ثانوياً بل الهدف الأساسي للصراع الاجتماعي. بعيداً عن أي تعارض بين الأمرين، نحن نعتبر أن الحرية الفردية لا يمكن أن تتقدم بمعزل عن النضال الاجتماعي الجماعي.

منذ آلاف السنين القمع والإنسلاب يخنقان إبداع الفرد والمجموعات الاجتماعية: العنصرية، كره الأجانب، قمع النساء، القيود الأخلاقية التي تمارس ضد المثيلي الجنس، فرض المفاهيم الثقافية… وهذه الإنسلابات لم تخلقها الرأسمالية، بل هي تفيد منها كوسائل تمتن سيطرتها، عبر قمع القدرات الخلاقة والحيوية لكل فرد وعبر تعميق الكراهية والتفتت بين الناس.

 تندرج الأديان بين العناصر الأساسية المسببة للإنسلاب: عبر الرؤية للعالم التي تقدمها الأديان، والأشكال التراتبية التي تعتمدها، وتقييد حياة الأفراد ضمن شبكة من العقائد الجامدة والأفكار المحرَّمات المفروضة. فنحن بالطبع مؤيدون لحرية الإيمان وممارسة الطقوس الدينية ونحترم خيارات كل إنسان، ونستنكر كل أشكال القمع والحظر. لكننا نرفض كل إمساك من قبل الأديان بالمجتمع كما نريد إخضاع الأديان لنقد جذري.

 نحن إذاً مؤيدون لنضال شامل ضد كل أشكال الإستلاب والقمع والذي يصبو إلى الاحترام المطلق لهوية كل فرد، كي يستطيع الناس أن يعيشوا، ويحبوا، ويعملوا، ويبدعوا، ويعبروا عن آرائهم بحرية، دون عوائق من حيث العرق، والجنس، والانتماء إلى دولة (الجنسية)، والسن ونمط حياة، أن يستطيع الجميع إيجاد مكان في المجتمع الإنساني، يضمن لهم حياة مزدهرة ووسائل عيش كافية.

إذا كانت الرأسمالية تدعم هذه الإنسلابات المترسخة منذ الأزمنة الغابرة، مع تجديدها لها، فأنها بنفسها حاملة لإنسلابات خاصة: في العمل مثلاً حيث الفرد مجزأ، مهيمَن عليه ومختزَل إلى مجرد سلعة؛ وكذلك في علاقة الإنسان بالطبيعة؛ وفي الحياة اليومية حيث يحدد منطقُ الربح نمطَ الاستهلاك.‍‍‍??

نحن إذاً نؤيد تضافر الصراعات الطبقية مع الصراعات المختلفة الأخرى ضد كل أنواع الإستلاب. إن تهديم النظام الرأسمالي وبناء علاقات اجتماعية مساواتية وتحررية يوفران القواعد الضرورية لحقبة تحرير جديدة.

نضال ضد قمع النساء

هذا النضال مفروض في إطار الرأسمالية لأن هذه الأخيرة تفرض اللامساواة بين النساء والرجال في المؤسسات، كما المعاملة المهينة والاستغلال الجنسي. إن النضال من أجل تحرير النساء والمساواة في الحقوق مع الرجال هي موضوعة أساسية من موضوعات النضال التحرري، والذي لا يمكن فصلُه عن النضال ضد الرأسمالية والدولانية.

ولقد أدى هذا النضال قسطاً من مهمته إذ إن وضعية المرأة تحسنت بصورة فعلية في الواقع وفي وعي الناس بفضل النضالات النسائية في السبعينيات والثمانينيات. أما اليوم فإن هذه المكتسبات هي موضع إعادة نظر، لا سيما بما يخص حق الإجهاض. يجب علينا أن ندافع عن هذه المكتسبات في مؤسسات العمل وخارجها وأن نوسع نطاقها.

في كل مساحة تمَّ فيها تحقيق مكسب للمرأة نشهد ضغطاً معاكساً يهدف إلى حرمان المرأة حقها في التحكم في حياتها، في جسدها وفي حياتها الجنسية، وإلى إرجاع المرأة إلى موقع ثانوي وتبعي طبقاً للصورة التقليدية للمرأة. وهذا الضغط لا شك أنه يجد دعماً نشِطاً له في المنظومات القائمة، ولا سيما من قِبَل المؤسسات الدينية بمختلف طوائفها. هكذا فإن النضال ضد قمع النساء هو أحد نضالاتنا الأساسية في مؤسسات العمل وخارجها، وبالارتباط بالصراع الطبقي.

نضال ضد دولاني

نحن نرفض أسطورة الدولة الجمهورية، الحيادية، الديمقراطية، التي تسبح فوق كل المصالح الخاصة. الدولة هي، على العكس من ذلك، تنظيم العنف السياسي الذي يُفرضُ على الجماهير الكادحة. الدولة الجمهورية، ككل الدول، هي بنية هرمية ومركزية، قمعية، موحدية[4]. الدولة هي سلاح الطبقات الحاكمة، وهي تؤطر، تدرِّبُ، تصحِّح وتقمع السكان.

الدولة الحديثة هي دولة رأسمالية. إنها الجسم المركزي للرأسمالية، الذي يلتزم إدارة الإحتكارات الكبرى وينسج روابط متينة مع رأسمالية القطاع الخاص؛ الدولة الحديثة تعمل هي نفسها كمؤسسة (شركة) رأسمالية بين المؤسسات الأكثر أهمية، فتولِّد الطبقة التقنو-بيرقراطية المعروفة.

ترتكز الدولة الفرنسية إلى الصيغة التالية “أمة، وطن، دولة”، التي انبنت على حساب سحق الخصوصيات الثقافية، المناطقية، المحلية، لصالح ثقافة مركزية ومهيمنة. في إطار عملية الاندماج الأوروبي يعاد النظر بهذه السيرورة: فاللاحصرية-اللامركزية تحوٌِل بعض السلطات إلى بعض المحافظات (المناطق) والأقضية. لكن هذا الأمر لا يغير تحليلنا. فأوروبا التي يتم بناؤها تَختزل (وسوف تختزل أكثر) الخصوصيات. فهي تُمركز (وستمركز أكثر) السلطات الضرورية لديمومة النظام. تتبدل المستويات الجغرافية للدولة لكي تستجيب أكثر للطابع الدولي والعالمي للرأسمالية.

نحن نؤكد أن الرأسمالية والديمقراطية هما متناقضان، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تنبني على إنتاج غير مساواتي بصورة جوهرية. إن المجتمع الرأسمالي الحديث مطبوع بالتناقض بين ادعائه بضمان المصالح الجماعية لكل السكان وبين غائيته الحقيقية وهي العمل لصالح أصحاب الامتياز. إن النضال من أجل ديمقراطية حقيقية هو أحد رهانات النضال الطبقي على قواعد تغيير نمط الإنتاج الحالي.

نحن ننتقد إذاً الصفة الوهمية والكاذبة “للديمقراطية البرلمانية” التي تخفي سلطة نمط الإنتاج الرأسمالي على المجتمع. لا يمكن فصل إمكانية اختيار قياديي الدولة والمشرعين عن البنية الهرمية للدولة ولا عن وظيفتها في إدارة الرأسمالية. إن النظام البرلماني يجعل من المواطن ناخباً سلبياً، يفوض سلطته إلى قادة يستحيل أن يعملوا لغير المصالح الأساسية للطبقات الرأسمالية.

هذا لا يعني أننا نساوي بين الدكتاتوريات والديمقراطيات البرلمانية. هذه الأخيرة هي نتاج تسوية فبرَكَها النظام ليفيد منها، تسوية بين الطموحات والنضالات الديمقراطية التي حملها السكان والبروليتاريا من ناحية، ومن ناحية ثانية بين مصالح الطبقات المهيمنة التي هي بحاجة لتوافق سياسي حد أدنى. هكذا فإن الدولة الحديثة البرلمانية تحمل تناقضات مهمة. إن النضالات التي تم خوضُها منذ قرنين فرضت حرية التعبير والتنظيم، حق الانتخاب العام، حق الانتخاب للنساء. وهي نفسها التي فرضت اهتماما خاصاً بالقضايا الاجتماعية والتضامنية، ومفهوماً مساواتيا للمرافق العامة. الدولة الحديثة هي ساحة رهان النضالات والتوترات الطبقية المتناقضة، يصبو بعضها إلى تعزيز هذه الحقوق الديمقراطية، وبعضها الآخر إلى إعادة النظر بها وتقليصها. لذا فنحن ضد خصخصة المرافق العامة التي تقلب رأساً على عقب منطق المصلحة العامة.

نحن لسنا رافضين للانتخاب بالمطلق. مع تأكيدنا أن أي تغيير جذري مفيد للبروليتاريا لا يأتي بالضرورة عبر المُنتخَبين، فإننا لا نستبعد مبدئياً إمكانية التصويت أو الدعوة إلى التصويت لهذا أو ذاك الناخب، في ظروف محددة، مع تذكيرنا الدائم بموقفنا النقدي الجذري من المفهوم الانتخابي وتفضيلُنا المطلقة للنضالات الاجتماعية.

نضالنا هو ضد الدولة. مقابل الدولة الرأسمالية والبرلمانية، نطرح مشروعاً بديلاً، من أجل ديمقراطية مدارة ذاتياً وفدرالية ومرتكزة على تجميع الوسائل الأساسية الإنتاج.

هذا النضال ضد الدولانية يعبِّر عن نفسه في الانتفاضات والصراعات ضد الجيش وعسكرة المجتمع، ضد النظام البوليسي، ضد الظلم، ضد النظام السجني، وضد النظام التربوي الحالي.

نساهم في النضالات ضد كل الدكتاتوريات ولتوسيع رقعة الحريات الديمقراطية في الأنظمة البرلمانية، مع تأكيدنا على أن المطلب الديمقراطي هو في حالة قطيعة مع جهاز الدولة ومع النظام الإجتماعي الذي تدافع عنه.

إستراتيجية مرتكزة على النضالات الاجتماعية وإدارتها الذاتية

وحدها النضالات المباشرة التي تقوم بها الجماهير يمكنها أن تفرض تحولات جدية مناقضة للمصالح الرأسمالية. بمواجهة الإستراتيجية الاجتماعية-الديمقراطية التي تقوم بتغييرات عبر المؤسسات الدولانية والأحزاب السياسية نحن نطرح إستراتيجية النضالات الاجتماعية. لذا فإن أصحاب القرار في هذه التغييرات ليسوا القادة السياسيين أو الأقليات المناضلة بل الشغيلة والشبان والسكان، الذين يدرجون نضالهم ضمن حركات جماهيرية تُشْرك دون أي نخبوية العددَ الأكبر من الناس المعنيين بالتغيير.

إن الإدارة الذاتية للنضالات والسلطة الممنوحة للجماهير والتنسيق بينها هي الشروط والأشكال الضرورية كي تقوم القاعدة بدور المقرِّر الجماعي. تجارب عديدة أظهرت صحة الديمقراطية المباشرة.

يسعى المناضلون أن يقدموا مساعدة أساسية في مجال إطلاق وقيادة الصراعات الجماهيرية. دون أن ننكر أهميتها وضرورة عملها نقترح على الأقليات الواعية والناشطة مفهوماً إدارياً ذاتياً لدور منشطي النضالات. إن نشاط المنظمين والناطقين باسم التنظيمات والمنسقين والمفوضين، كل هؤلاء الذين يقومون بدور إيجابي، ويسندون نشاطهم إلى مفهوم الإدارة الذاتية، نقول إن دور هؤلاء لا بد أن يكون متناقضاً بالضرورة، لأنه دور يحمل أهدافاً محدَّدة: أن تُدير العمل الحركات السياسية والاجتماعية نفسها (إدارة ذاتية)، أن يأخذ الجميعُ الكلامَ، أن يصل الأمرُ إلى حالة من الوعي والمساءلة الجماعية. هذه الجدلية الحية هي جد ضرورية. فهي تسمح تجنب عائقين: عائق القيادية وعائق العفوية.

إن الاستقلالية العمالية وبصورة أوسع استقلالية كل الحركات الاجتماعية هي ضرورية كي تستطيع القاعدة الاجتماعية التحكم بالنضالات. وهذه الاستقلالية هي إزاء المؤسسات الدولانية وسلطات أصحاب العمل. هي استقلالية إزاء كل شكل من أشكال الإدارة الخارجية.

إن النضالات الاجتماعية لا تقتصر على النضالات التي يخوضها الشغيلة في مؤسسات العمل. إن إعادة النظر الشاملة بالنظام تمر أيضاً بتحريكات (حشود) جماهيرية أخرى مدارة ذاتياً: تعبئة الشبان والعاطلين عن العمل وشغيلة العمل غير الثابت، والنضالات من أجل السكن، وإطار الحياة وحقوق المرأة والنضالات ضد العنصرية.

طِبقاً لهذا المفهوم للنضال الاجتماعي الأولوية بنظرنا ليست للجذرية الثورية، إنما لإمكانية تحريك شرائح مهمة من الشغيلة والناس، وتحريضها على النشاط النضالي، وفتح باب السجالات الجماعية.

فالثورة ذاتية الإدارة لا يمكن أن تنبني دون تأييد كثيف من المجتمع. إن أثرَ نضالاتنا اليوم على الوعي الجماعي هو مرتبط بالتأكيد بقدراتنا على تطوير ممارسات جماهيرية واسعة، ذاتية الإدارة، وبديلة.

من هذا المنظور سوف نتصدى لكل المحاولات الطليعية، تلك الأقليات التي تُنصب أنفسها ممثلةً للقاعدة. ففي المرحلة الأولى يقتضي بناء حركات تمثيلية فعلياً، وفي الوقت نفسه تقديم اقتراحات تهدف إلى مزيد من التقدم في موضوع التمثيل الفعلي للناس (القضاء على الانعزال، على التجمعات الكوربوراتية..) وطرح توجهات ذاتية الإدارة.

هذا لا يعني أنه ينبغي رفض كل عمل أقلَّوي (فئوي)، بل يعني أن العمل الأقلَّوي يجب أن يندرج ضمن أفق توسعي باتجاه الجماهير. نحن نؤكد أن النضالات المطلبية –والتي لا تحمل بالتالي أهدافاً ثورية- يمكن أن تحرك الجماهير المستغلَّة وتتيح وعي الجماهير لموقعها الطبقي وتقيم تجارب واقعية من التنظيم الذاتي الحاملة في طياتها قطيعات معادية للرأسمالية.

إن من شأن أهداف التغيير الكبرى والمشاريع البديلة التي تحملها الحركات الجماهيرية تسريع قيام تغيير شامل للمجتمع. كذلك إن من شأن تحقيق المشاريع البديلة مثل التعاونيات والنشاطات التعاضدية ذاتية الإدارة يمكن أن تحمل إعادة نظر شاملة للمجتمع، إذا ما بقيت مرتبطةً بالشغيلة والسكان والصراعات الطبقية. لسنا إذاً ضد المطالب ولا ضد الإصلاحات. إن خط التماس بين “الإصلاحية” و”الصراع الطبقي” يقع بنظرنا بين الإصلاحات المنتزَعَة بالنضالات المستقلة وبين الإصلاحات الممنوحة من قبل النظام أو التي يتم التفاوض بشأنها خارج أي نضال وتوتر.

لا بدَّ أيضا من ملاحظة أن الرأسمالية تتمتع بقدرة هائلة على استعادة الأمور وعلى إعادة النظر لاحقاً بكل ما اضطرت التنازل عنه تحت الضغط والنضال.

صراع نقابي ثوري

إن النضال المطلبي يمرُّ في غالب الأحيان في المؤسسات عبر العمل النقابي. نحن ندعو إلى المشاركة النشطة في العمل النقابي الذي ننظر إليه كممارسة جماهيرية وطبقية يقوم بها الشغيلة، دون ثمة فرض مسبق لأشكال التنظيم التي يختارها الشغيلة بصورة حرة في إطار السيرورة البديلة. فالتنظيم النقابي هو أو يجب أن يكون وسيلة لصالح هذه الممارسة الميدانية. نحن واعون لواقع أن الحركة النقابية تعيش بطبيعتها –وككل النضالات المخاضة ضد الرأسمالية في مرحلة غير ثورية- تناقضاً بين الاندماج والقطيعة، وأن الاندماج يُولِّدُ نزعة ثقيلة إلى التسويات الاجتماعية والبيرقراطية.

نحن ندعم عملاً نقابياً ثورياً متعارضاً مع الممارسات والتوجهات والبنى المهيمنة في التنظيمات النقابية. مطلبنا هو الاستقلالية النقابية والديمقراطية الداخلية والفدرالية، ودعم التنظيم الذاتي للنضالات واحترام الوحدة العمالية؛ نطالب بتعاون “ما بين مهني” ودولي، دون نسيان هدفنا الأخير وهو التغيير ذاتي الإدارة للمجتمع.

لكل فرد حق الانتماء إلى هذه أو تلك النقابة بحرية تامة. يمكن أن تتخذ نقابيتنا الثورية أُطراً مختلفة: كونفدراليات كبرى ذات توجه إصلاحي، بنى نقابية صغيرة، أو قطاعية ذات توجه نضالي طبقي، تجمعات للشغيلة ناشطة في الإطار النقابي. ما هو أساسي بالنسبة إلينا هي الإمكانية الفعلية التي تمنحها البنية النقابية لقيام نشاط نقابي في المؤسسة وتجمع مناضلين نقابيين.

هكذا فإن نقابيتنا تندرج أساساً في إطار العمل على الأرض ومع البنى القاعدية.

وكنقابيين ثوريين نرفض تماماً تقسيم العمل القائم بين الحزب الذي يهتم بالسياسة وتاليا بكل المسائل المجتمعية وبين نقابة لا تهتم إلا بالمطالب المباشرة في المؤسّسة. بنظرنا يجب أن يحمل التنظيم النقابي إستراتيجيته السياسية الخاصة لتغيير المجتمع والتي يبلورها بكل استقلالية.

أخيراً نحن نرفض الدور الذي منحته اللينينية للعمل النقابي حيث غدت النقابة مجرد “وصلة” بين الناس والحزب. إذا كان من الطبيعي أن تتمَّ مناقشة النشاط النقابي مثله مثل كل النشاطات المجتمعية داخل التيارات السياسية، إلا أننا نرفض ممارسة ما يمكن تسميته “العصبوية” والتي تعني أن كل عضو في النقابة ينصاع للمواقف التي يفرضها عليه حزبه.

صراع دولي

لقد انبنت الرأسمالية على المستوي العالمي كله وتالياً فإنه لا يمكن تصور إستراتيجية صراع طبقي في بلد واحد. الرهانات هي دولية والحركات الاجتماعية تسجل تأخراً كبيراً يستحيل أن يستمر. الصراع من أجل توجه دولي هو ضروري وهو صراع لا بد ان يسحق مقاومات قومية ومحلية عديدة. نحن نؤيد تنظيم روابط تنسيق دولية في القطاعات وعلى جميع الجبهات. الصراع الدولي يمر في آن عبر التعاضد الدولي والنشاطات النضالية الدولية. تعاضد دولي، مع نضالات المناضلين، بين الشعوب؛ نشاطات عملية متناسقة، بناء وحدات دولية لمواجهة سلطات هي متعددة الجنسيات منذ زمن طويل.

يصبو إذاً النضال الدولي إلى تعداد الروابط والنضالات على مستوى العالم كي يبرز مشروع تعاون واسع بين جميع السلطات المضادة، العمالية والشعبية، ضد الطبقات الحاكمة في الشرق والغرب، في الشمال وفي الجنوب.

هدفنا هو إعادة تأسيس حركة دولية جديدة، ضد رأسمالية وضد سلطوية، تفرض سلاماً عادلاً ومشروع كرة أرضية منزوعة كلياً من السلاح، حيثُ تُلغى الحدود بين البشر. وهذا الهدف يغدو أكثرَ إلحاحاً في ظل قيام نظام عالمي جديد تقوده الأمم المتحدة وحيث تغدو إمكانيات الشعوب أكثر فأكثر تواضعاً.

صراع ثوري

نحن ثوريون، أي أننا نؤيد تغييراً جذرياً للمجتمع. يسعى الصراع الطبقي أن يقود إلى تغيير سلم الأولويات والمعايير في المجتمع. يمكن أن يحل الصراع الطبقي علاقات إنتاج ذاتية الإدارة محل العلاقات الرأسمالية؛ أن يحل ديمقراطيةً ذاتية الحكم وفدرالية محل الدولة؛ أن يحل علاقة عالمية مساواتية جديدة محل النظام الإمبريالي.

أن نكون ثوريين فهذا لا يعني أن نكون سلبيين وأن ننتظر قطيعةً “سوف تقوم لا محال”: ليس المستقبل مكتوباً في أي مكان، إنه ما سوف يصنعه الناس، وعند كل حقبة تاريخية تتعدد الإمكانات. ليس ثمة سبب يبرر مقولة أن التاريخ وصل إلى مرحلة أخيرة: الرأسمالية ليست الشكل الأخير للمجتمع الإنساني. إلا أن الاشتراكية ذاتية الإدارة لن تأخذ محل الرأسمالية ميكانيكياً، في نهاية “أزمة أخيرة” ذات مخرج واحد.

أن نكون ثوريين، هذا لا يعني كذلك أن نقطع أنفسنا عن شروط حياة ونضال محدودة فرضها الإطار الرأسمالي، طالما لم يتمَّ بعدُ القضاء على الرأسمالية. نحن نرفض مقولة “الكل أو اللا شيء” ونؤكد على العكس من ذلك أن الطريق الذي يمكن أن يمهد لثورة مقبلة يقوم عبر تناقضات المجتمع الواقعي، وعبر النضالات الجزئية التي يجب خوضها. نحن نرى أن القطيعة الثورية والانتقال من مجتمع رأسمالي إلى مجتمع ذاتي الإدارة هي ثمرة سيرورة صراع طبقي تاريخية وطويلة المدى، كما ثمرة ترشيد وعي الناس حيث يفرض الشغيلة والسكان سلطتهم المضادة تدريجياً.

كثوريين نحن لسنا بالضرورة مؤيدين لحل عنفي. الأساسي في سيرورة التغيير هو العمل البناء الذي يفترض أن يدافع الناس عن ذاتهم للحفاظ على المكتسبات. إلا أن درجة العنف هي أولاً ما تختاره وتفرضه الطبقات الحاكمة المنتصر عليها. يمكن إذاً أن يكون العنف ضرورياً. يجب بالتالي أن نكون حذرين، كي نتنبه لتجاوزات ولخطورة العسكرة.

ما عدا في حالات الحكم الدكتاتوري أو الاحتلال العسكري أو الكولونيالي، نحن معادون للعمليات الأقلوية (الفردية) العنيفة التي تقوم بها مجموعات مسلحة مقطوعة عن السكان والشغيلة، كما نحن نعارض القيام بعمليات تهدد حياة الناس. إن النشاط الأقلوي المسلح القائم في ظروف كهذه يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الدولة ويشرع تعزيز قواها ويؤدي إلى انعزال بارانويي.

من ناحية أخرى، في إطار الرد النضالي لدى الجماهير ينزع النظام البوليسي والقضائي إلى تجريم أشكال عديدة من النضال الطبقي الجماهيري. لذا فإن علينا أن نقيم خط تماس واضح بين الأعمال الأقلوية المنعزلة والأشكال القاسية التي يمكن أن تتخذها نضالات الشغيلة والناس للدفاع عن مكتسباتها وعن نضالاتها.

كذلك نحن لا نخلط بين العمل المسلح الأقلوي وبين اللاشرعية التي تفرضها على التنظيمات الثورية والطبقة العمالية دولة قوية تتنكر لحق الإضراب أو التظاهر. كما لا نرى في العمل الرمزي للأقليات ضد رموز السلطة والاستغلال مجرد إرهاب أعمى.

أخيراً تجدر الإشارة إلى أن إرهاب الدولة هو المسؤول في أغلب الأحيان عن الأعمال المسلحة الأقلوية (التي يقوم بها مجموعة أفراد)، لا سيما في البلدان المستعمَرة.

خلاصة القول إن عمل الثوريين لا يمكن تحديده بمفهوم احترام الشرعية المفروضة من الدولة، بل هو يتطور طبقاً لوعي الجماهير التي تحدد هي، في نهاية المطاف، معيار مشروعية الأعمال النضالية.

الاشتراكية العفوية للجماهير

إن مفهومنا للاشتراكية ليس ثمرة عمل خارج صراعات البروليتاريا. نحن نؤكد على العكس أن الشغيلة أنفسهم هم الذين اكتشفوا عفوياً قواعد مجتمع بديل للرأسمالية، عبر نضالاتهم ولا سيما خلال الحقبات الثورية.

منذ الثورة الفرنسية بدأت تبرز العلامات الأولى. خلال كومونة باريس للعام 1871، في روسيا وأوكرانيا في الأعوام 1917 و1921، في أسبانيا من 1936 إلى 1937 تطورت قواعد اشتراكية أخرى ممكنة، سحقتها أخيراً البيرقراطية الجديدة أو البورجوازية. ثم جاءت كل تجربة ثورية تؤكد هذا الطموح إلى مجتمع وإلى إنتاج جديدين، حيث يبرز دور مؤسسات العمل الجماعية وذاتية الإدارة، والكومونات الحرة، ضمن فدرالية كبرى تنظم المجتمع الجديد.

هذه الاشتراكية العفوية للشغيلة ألهمت تياراً واسعاً في الحركة العمالية معادياً للتسلط (ضد تسلطي) ونحن نقر بانتمائنا إلى هذا التيار. كما نعلم ثمة تيارات أخرى فرضت نفسها خلال عشرات السنين: تصدت اشتراكيات دولة (اجتماعية ديمقراطية، لينينية، ستالينية) لطموحات الاشتراكية العفوية. لكن هذا المسار أوصل الحركة العمالية إلى المأزق.

لقد فتحت اشتراكية الشغيلة العفوية أفقاً رائعاً للإنسانية، برسمها شكلاً سامٍ من الديمقراطية عبر تحقيق مشاريع ومكتسبات واقعية. إلا أن التجارب التاريخية كشفت أيضاً حدوداً ونقاط ضعف يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. لذلك فإن مشروعاً متماسكاً يحمله تنظيم يجمع مجموعة من المناضلين هو ضروري اليوم لطرح المشاكل التي تواجهها وستواجهها اشتراكية الشغيلة العفوية. وإذا كان قيام هكذا مشروع لا يمثل ضمانة كاملة فهو يساعد حركة الجماهير ذاتية الإدارة على تجاوز ضعفها وحدودها.

بديل لاشتراكيات الدولة

نحن نؤكد أنه يجب القطع مع اشتراكية الدولة، والاستلهام من الجذور العفوية لاشتراكية الشغيلة، وبلورة اشتراكية جديدة غير تسلطية (ضد تسلطية) لا بد منها لقيام نهضة للنضال الثوري.

الاجتماعية الديمقراطية

تستند الإجتماعية الديمقراطية على وهم الديمقراطية الشكلية بشكلها الجمهوري، على الإيمان بدولة “حيادية”، فوق الطبقات، والتي يمكن تالياً أن تقوم بدور إيجابي لصالح المستغَلين. ثمة خطآن في هذه النظرة: الوعد بتوجيه الدولة الرأسمالية ضد المصالح الرأسمالية؛ وهدف تغيير تدريجي للمجتمع من الرأسمالية إلى الاشتراكية، تغيير سلمي وشرعي، إصلاحي، عبر القوانين والأنظمة. نجد أنفسنا هكذا أمام إستراتيجية سياسية مندرجة ضمن مؤسسات الرأسمالية ومحترمة لقواعدها. الاشتراكية الديمقراطية هي أولاً اشتراكية دولانية، مرتكزة على تفويض السلطة، يفيد منها السياسيون والطبقات المسيطرة البيرقراطية والتقنوقراطية.

إن نتائج الاشتراكية الديمقراطية هي كوارثية على البروليتاريا. فهي تقيم سلاماً اجتماعيا حيث يفقد الشغيلة قدراتهم في المقاومة، وتخضع التنظيمات النقابية لقواعد النمط الانتخابي ولأوامر السياسات الحكومية عندما يمسك اليسار بزمام السلطة.

شيئاً فشيئاً كشفت الاشتراكية الديمقراطية عن نفسها بما هي شكل لإدارة رأسمالية تتطور باتجاه أكثر فأكثر ليبرالية.

اللينينية والستالينية

 في الأساس اللينينية هي مشروع تغيير ثوري للمجتمع تحت إدارة حزب قائد وعبر مركزة لكل الاقتصاد في أيدي الدولة، لكنه أفلس بفعل احتقار ومحاربة جوهر الاشتراكية العفوية للشغيلة، ذاتية الإدارة والفدرالية. هكذا الحصيلة جاءت مأساوية ولطخت كلمة “شيوعية” بمساوئ التجربة فيما الشيوعية هي برّاءة من كل هذه التجربة بل مضادة لها تماماً.

واليوم فإن التاريخ أثبت هذا الأمر: إن دولنة وسائل الإنتاج لا تعني بالضرورة القطيعة مع العلاقة “مهيمِن/مهيمَن عليه” الرأسمالية، بل تعني الانتقال من رأسمالية متفجرة، منافسة، إلى رأسمالية دولة، مع قيام طبقة جديدة مهيمِنة ومستغِلّة. لا يمكن تقديم الدولانية كشكل انتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية بل كشكل جديد لقمع الشغيلة.

لا يستطيع أي حزب أن يعلن نفسه “طليعة البروليتاريا”، أن يزعم أنه يمثل وعي طبقة بحالها، وأن يحل نفسه محل هذه الطبقة في إدارة السيرورة الثورية والمجتمع، وأن يفرض دكتاتوريته على الشغيلة وباسم تحريرها.

إن الشكل المركزي للحزب اللينيني، القصوي في هرميته، يتفق تماماً مع هدفه في استلام السلطة وفي إدارة دولة تشرف على جميع النشاطات الاجتماعية، ما يقود بالضرورة إلى قيام نمط إرهابي داخل التنظيم، إلى سحق جميع التشكيلات الأخرى خارج الحزب، إلى القطيعة بين القائد والمُقاد، بين الحزب والشغيلة، بين الحزب والمجتمع.

إن إستراتيجية استلام السلطة من قبل الحزب تقود أيضاً إلى ممارسات كريهة في النضالات اليومية: تغدو التنظيمات الجماهيرية والنقابات مجرد حزام ربط وانصياع لأوامر الحزب، وتهيمن مفاهيم القيادية والمركزية في توجيه النضالات، وتخضع نشاطات المناضلين للفريضة العليا الكامنة في مصلحة الحزب.

بالتأكيد نحن لا نساوي بين الستالينية واللينينية. فاللينينية هي تيار ثوري أما الستالينية فهي أولاً منظومة دفاعية عن البيرقراطية. إلا أنه تجدر الملاحظة أن اللينينية هي التي هيأت لقيام هذه البيرقراطية ومهدت الطريق أمام الجرائم التي ارتُكِبت ضد الديمقراطية وضد الشغيلة.

إن التيارات الاجتماعية الديمقراطية واللينينية تقدم طرحاً غير صحيح لأنها تَعِدُ، كل حسب طريقته، بقيادة الدولة ضد المصالح الرأسمالية ولصالح الشغيلة (النهج الإصلاحي للدولة أو بناء دولة “عمالية”). إن التجارب الحكومية للاجتماعية الديمقراطية والنتيجة السلبية إجمالاً للنهج اللينيني-الستاليني هي المقبرة التي ترقد فيها الأوهام البروليتارية الواعدة “بالغد الجميل”.

مع هذا لا يمكننا أن نختزل دور الاجتماعية الديمقراطية واللينينية معتبرين أنها زرعت الأوهام في الحركة العمالية. أكثر من هذا يجب أن نقرَّ بأن هذه التيارات استُخدمت غالباً كسلاح ضد الاشتراكية العفوية للشغيلة لأن مجيئهم إلى السلطة سلمياً أم عنفياً سمح بحل التناقضات الطبقية لصالح الرأسمال: إدارة الأزمات على يد الاجتماعية الديمقراطية وتطور رأسمالية الدولة على يد اللينينيين.

 أكثر من هذا، فإن هذه التيارات لم تتردد يوماً في القيام بدور معاد للثورة وبشكل واضح. ألمانيا 1918، روسيا وأوكرانيا 1921، الجزائر 1954-1962: أمثلة كثيرة عن مشاركتهم في القمع الدموي للحركات العمالية الثورية وانتفاضات الشعوب المستعمَرة.

ضرورة مشروع ثوري

 إنه لمن الضروري قيام مشروع ثوري جديد يكون بديلاً عن مشاريع اشتراكيات الدولة والليبرالية. نقصد بمشروع ثوري مشروع مجتمع اشتراكي ومشروع سياسي يقترح طريقاً يُحضِّر لشروط ثورة ذاتية الإدارة انطلاقا من الظروف الحالية.

يمكن أن تحمل اليوطوبيا تأثيراً حاسماً على الحركات الاجتماعية. فهي تغذي الخيال الجماعي والنضالات المباشرة في شكلها وفي هدفها، وتمنح قوة للنضال ضد الرأسمالية عبر اكتشاف إمكانيات خلق مجتمع بديل. الخيال ضروري لتغيير واقع الأمر.

إذا كنا نعتبر من الضروري أن يحمل تيارنا مشروعاً كهذا فنحن لا نزعم أننا نحل محل الحركات الاجتماعية التي تبتكر بنفسها خططها ومشاريعها. نحن نميز إذاً بين مشروعنا الخاص المنبثق من واقعنا وطموحاتنا وبين المشاريع التي تبتكرها الحركات الاجتماعية في بعض الحقبات التاريخية.

لا يزعم مشروعنا استباق المستقبل والتنبؤ به، ولا أن يكون خطة جاهزة لبناء الاشتراكية. انطلاقا من تجاربهم يجد الشغيلة الأجوبة الملائمة على الأسئلة المجتمعية. ولكن ضمن هذه الأجوبة يمكن لطروحاتنا أن تكون مساعداً وحافزاً يوجه النضال على المستوى الفكري والعملي بالاتجاه الأكثر تحرريةً، الأكثر ذاتي الإدارة.

إن صياغة مشروع ثوري يستند إلى التجارب التاريخية وتجارب النضال المعاصرة. وسوف يحاول المشروع تقديم أجوبة واقعية آخذاً بعين الاعتبار الصعوبات المصادَفة ضمن السيرورة التاريخية الواقعية. كذلك يجب أن يستند مشروعنا إلى التطور التكنولوجي والشروط الثقافية الحالية. يحتاج هذا المشروع إذاً لإعادة تقييم دائم، استنادا إلى التجارب الجديدة للنضالات الاجتماعية وإلى ما يحرزه المجتمع من تقدم.

إن صياغة مشروع تحرري معاصر يستتبع إعادة النظر أو التخلي عن عدد من الأفكار الميتولوجية والأخطاء والأفكار البائدة التي حملتها تاريخياً الحركة الثورية والتيارات التحررية. لا يمكن أن يتقدم المشروع التحرري دون أن ندير ظهرنا للدوجمائيات والأفكار البالية.

غائيات الاشتراكية اللاتسلطية

إن الاشتراكية التي نناضل من أجلها، الاشتراكية اللاتسلطية،  تصبو إلى تغيير جذري في المجتمع يحقق الاشتراكية العفوية للشغيلة والطموحات المساواتية والتحررية التي طالما تمَّ التعبير عنها في النضالات الطبقية التي خاضها المستغَلُّون في العالم والنضالات التحررية التي خاضها المقموعون (نضال المرأة، النضال من أجل الحريات العامة والفردية).

الاشتراكية اللاتسلطية هي البحث عن الديمقراطية الحقيقية: أي عندما يؤسس الشعب السيد بنفسه مجتمعه، عندما يقرر بنفسه سياسته، عندما يدير ذاتياً إنتاجه.

هكذا تكون الديمقراطية قد تحققت أخيراً بعد طي صفحة علاقات الإنتاج القائمة على العمل المأجور، وبعد تشريك وسائل الإنتاج الأساسية وتجميعها (جعلها جماعية) في القاعدة وليس دولنتها؛ كذلك لأن الإدارة الذاتية تكون قد حلت محل العلاقة “قائد ومقاد”، رئيس ومرؤوس”، وتكون قد حلت جماعة إنسانية قيد التوحد، متساوية وحرة سياسياً واجتماعيا، محل مجتمع منقسم إلى طبقات متناحرة.

وهذه الديمقراطية هي أصلية لأن جهاز الدولة قد تقوَّض، أي جهاز سيطرة الطبقات المستغِلة، ليحل محله تنظيم فدرالي للمجتمع، قائم على الإدارة الذاتية المعممة، الممارسَة في اتخاذ جميع القرارات الكبرى، وعلى السيادة الجماعية الفعلية، على الديمقراطية “من أسفل إلى أعلى” أو “من الأطراف نحو المركز”، على سلطة الجمعيات القاعدية ومجالسها المتشاركة بحرية.

 الاشتراكية اللاتسلطية هي الصراع من أجل مجتمع حيث يكون الفرد حراً ومسؤولاً في آن. حر في عالم واقعي حيث ترزح بثقلها الضرورات المادية وفي مجتمع حيث يتشارك الجميع في المسؤوليات الملقاة. الاشتراكية اللاتسلطية هي الحرية الكاملة في التعبير والقول والإبداع؛ حرية الإنسان في اختيار نمط حياته ونمط حياته الجنسية وثقافته. والقول أن الإنسان مسؤول يعني أنه سيد عمله. وهو مساوٍ للجميع يأخذ ما يعود إليه بعد توزيع نتاج العمل. إن غائية الاشتراكية اللاتسلطية هي بناء مجتمع حيث الجماعة المتضامنة تسمح للفرد أن يزدهر منمِّياً خصوصياته. هو مجتمع تتوازن فيه وتدعم بعضها البعض كل عناصره: الفرد، الإقليمي (أو المحلّي)، الخاص والجماعي، الاجتماعى، الثقافي: إنه مجتمع متساو وتحرري.

تقتضي إذاً الاشتراكية اللاتسلطية إزالة إنسلاب الجميع، نهاية جميع أنواع القمع، العنصرية، كره الأجانب، التضييق على الحريات وعدم التسامح، الذهنية البطركية. وهذا الهدف يمر حتماً عبر تغيير جذري في نمط الإنتاج، سواء في البنيان، في أشكال التنظيم والسلطة وفي الأهداف. إنها نهاية الإنتاج المحدد بالربح. هي بداية إنتاج متجِه نحو تلبية متساوية للحاجات المعبَّر عنها اجتماعيا، ما لا يعني تسطيح الحاجات وتوحيدها لأن المجتمع مؤسس على تحرير الأفراد والجماعات القاعدية، أي في آن على التعددية والانسجام في أنماط الحياة. إنه نمط إنتاج متعارض كلياً مع الإنتاج القائم على السباق المجنون والمهدِّم لإطار الحياة والذي يفتح الطريق إذاً لعلاقة جديدة تعيد إدماج الناس في توازن “الأيكوسيستيم” (توازن الفضاء). إنه إنتاج حيث الشغيلة، كل الشغيلة، والبروليتاريا جماعياً والشرائح الأخرى التي تسيطر عليها الرأسمالية، حيث كل هؤلاء يفلتون من العمل القائم على الإنسلاب والسيطرة والقيادة ليحل محله عمل يتم التحكم به ومنفتح على الإبداع الفردي والجماعي.

الإشتراكية اللاتسلطية هي نهاية نظام معيَّن للعالم. نهاية الكولونيالية والإمبريالية، لصالح علاقة متساوية ومتضامنة بين جميع الشعوب، مؤسسة على الاستقلالية، الإنتاج الممركز ذاتياً وعلى التقارب بين البلدان الغنية والفقيرة. نهاية النظام الدولاني لصالح فدرالية حرة للمناطق ذاتية الإدارة. نهاية الحدود والحرب وتهديدها، من أجل عالم دون حدود ومنزوع السلاح كلياً.

 السلطة المضادة والقطيعة الثورية

الثورة الشيوعية التحررية ليست مجرد ثورة سياسية تحل فريقاً حاكماً محل آخر أو تبدِّل في عبارات الدستور. إنها ثورة شاملة تصيب جميع أشكال المجتمع السياسية والثقافية والاقتصادية. لذا نتكلم على ثورة اجتماعية.

إن شروط الثورة – أي ما يقود شعباً أو شعوباً على طريق تغيير جذري كهذا – ليست لا أيديولوجية فقط ولا “موضوعية” فقط. الثورة ليست النهاية الميكانيكية لتطور القوى المنتجة. وهي ليست كذلك النتاج الصافي لسيرورة إيديولوجية. لا تأتي الثورة إلا بعد دينامية تكون الممارسات الاجتماعية في قلبها، ونعني الممارسات الواقعية للجماهير والأفراد، ونضالاتهم التي تقوم ضمن الشروط المادية لكل مرحلة والتي تسمح قيام وعي جماعي للذات وبروز مشاريع تغيير مجتمعي أكثر فأكثر إتساعاً.

 الثورة الاجتماعية إذاً تتحضر عبر سيرورة تاريخية حيث يشكِّل وعي الأفراد والطبقات الاجتماعية العنصرَ الأساسي، وهي ترتكز إلى تجارب واقعية عبر النضالات الطبقية والنضالات التحررية المنظمة ذاتياً. هذه السيرورة نسميها سلطة مضادة. والشغيلة لن يضعوا قواعد المجتمع البديل إلا عبر خوض تجربتهم الذاتية في الإدارة الذاتية.

ليست الحرية بالنسبة لنا هدفاً بعيداً يسمح باللجوء إلى أي وسيلة، بل على العكس من ذلك الحرية هي الهدف والوسيلة معاً. نحن نطرح دينامية عمل وتوعية ليس بإشراف قادة يُتبعون بعماء، بل على العكس إذ إن هذه الدينامية نريدها في إطار الإدارة الذاتية للنضالات حيث تعبِّرُ عن نفسها وتحقق ذاتها قواعد الناس والأفراد.

السلطة المضادة هي إذاً إستراتيجية سياسية اجتماعية لتهيئة شروط الثورة الاجتماعية التي تندرج منذ الآن في الصراعات اليومية. وهي تستند إلى النضالات المطلبية متجاوزةً الإطار المفروض من قبل سلطة الطبقات المسيطرة من أجل تطوير سلطات مضادة في القاعدة. وهذه السلطات المضادة لا يمكن أن تصبح تنظيماً بديلاً للدولة إلا عبر التنسيق فيما بينها وعبر توحدها فدرالياً.

إن القطيعة الثورية هي نتاج كل هذه السيرورة التي يمكن أن تمتد على مدى سنوات طويلة: إنه الانقلاب على السلطات الممأسسة، سلطات أصحاب الأعمال، الدولانية لتحل محلها السلطةُ المضادة، السلطة الجديدة. وهذه القطيعة تستند إلى دينامية تعيد الإمساك بالحياة الاجتماعية والإنتاج في الأساس، مع توفير الإطار الضروري لديمومتها وصلابتها.

إن القطيعة المعادية للرأسمالية (أو ضد الرأسمالية) هي نتاج حركتين متمفصلتين، كل واحدة منها ضرورية للأخرى. ليس ثمة قطيعة ثورية دون إعادة تملك الشغيلة لوسائل الإنتاج. هكذا فإن النضال ضمن المؤسسات وتحديداً حول مسائل العمل والإنتاج هي فعلاً جبهة لها الأولوية للنضال الثوري. ولكن ليس من قطيعة دون حركة اجتماعية ثانية تتطور خارج الإنتاج، تكتسب فسحات كبيرة من الإنتاج وتغزو جميع أجهزة المجتمع. لذا فإن المؤسسة (الشركة، المصنع..) لا يمكن أن تكون الأولوية الأولى للصراع الثوري.

فالبروليتاريا، في التحديد الواسع الذي نعتمده، هي بالطبع الطبقة المحركة والملهمة للثورة الاجتماعية. لكنها لن تكون بالضرورة الطبقة الوحيدة التي تقود الثورة. بل من مصلحتها أن تتحالف مع فئات أخرى لتحقيق جبهة واسعة ضد رأسمالية. لذلك فإن السلطة الجديدة لن تكون حصراً سلطة البروليتاريا – وإن سيكون للبروليتاريا وزنها المقرِّر- ولا بالطبع دكتاتورية البروليتاريا؛ إن السلطة الجديدة هي سلطة مجموعة اجتماعية جديدة، ثمرة علاقات إنتاج جديدة ذاتية الإدارة، ومتوحدة حول هوية “مواطنون-شغيلة” يشاركون في الإدارة الاشتراكية للإنتاج.

هذه السلطة الجديدة لا يسعها أن تتسع مباشرة لتشمل جميع السكان حيث يمكن أن يعبِّر عن آرائهم أعداء المجتمع الجديد أيضاً. وفي أي حال فإننا نلمس هنا أحد التناقضات الرئيسية للثورة ذاتية الإدارة في مرحلتها الأولى: من ناحية بناء ديمقراطية فعلية ومن ناحية ثانية ضرورة النضال ضد شريحة من الناس ممن لا يزالون متعلقين بالأفكار البالية. إلا أن الدينامية تكمن في الاختفاء التدريجي للفروقات الطبقية.

ثمة إذاً بعد القطيعة الثورية عدة مراحل من البناء الثوري والمرحلة الأولى لا شك أنها ستكون مطبوعة بانقسامات موروثة من الرأسمالية. ولكن منذ الأيام الأولى تقوم علاقات إنتاج جماعية – شيوعية بالمعنى الأصيل للكلمة- على مستوى وسائل الإنتاج الأساسية وتبعاً لنمط الإدارة الذاتية تنتظم من جديد المصالح العامة (الإدارات العامة) وحلقات التضامن التي كانت تحت إشراف الدولة. هكذا، محل النمط القديم، يحل شكل جديد ديالكتيكي قائم على المركزية واللامركزية في آن ونعني على الفدرالية. ثمة إذاً عدة مراحل انتقالية حيث يتعمَّقُ بناء الشيوعية ولكن في ظل غياب مجتمع انتقالي ملصوق بين الرأسمالية والشيوعية.

في كل هذه السيرورة الثورية – التي تبدأ بممارسات يومية مضادة للسلطة – يبدو لنا أن دور تيار لاتسلطي هو ضروري جداً. نحن نرفض الدور القيادي الذي تمنحه اللينينية للحزب الثوري والتي تقود الحزب للحلول محل الجماهير وليفرض في نهاية الأمر منظومة تولِّد البيرقراطية لا محال. إلا أن على الثوريين أن يقوموا بدور المنشِّطين والمرشدين. إن دعاوتهم تدخل ضمن دينامية وعي الناس لذاتهم عبر طرح نقد جذري للرأسمالية وعبر جعل اشتراكية الشغيلة العفوية نمطاً ممنهجاً. إن عمل الثوريين القائم على التنسيق والتلاقي والتنظيم هو ضروري في الصراعات الطبقية للمساعدة في تطوير التنظيم الذاتي وفي إبراز مشاريع بديلة. وهذا النوع من النضال الإرادي هو أحد شروط تطور سيرورة لا تخضع لأي قانون “حتمي” وحيث أن العفوية سبق وأثبتت في التاريخ قيمتها الاستثنائية، ولكن أيضاً عدم قدرتها على التغيير الجذري في المجتمع وتأسيس اشتراكية حرَّة. إن الحضور الناشط لتيار منظَّم ولا تسلطي هو ضروري للغاية من أجل اجتناب الانحرافات البيروقراطية: تيار يملك الوسائل التي تجعله يفرض نفسه في أوساط الشغيلة والشبان؛ تيار حاضر بقوة ومتشكِّل من مناضلين ناشطين (ومنشِّطين) في الحركات الاجتماعية، مناضلين مسموعين ومؤثرين. وأيضاً ضرورة التنظيم التي لا يجب أن تنسينا أن التنظيم ينزلق بسرعة في ورطة “القيادية” أياً كانت المزاعم التحررية. لذلك فإنه لا بدَّ من الحذر الشديد (الحذر الذاتي) لهذه الناحية عبر إتباع نمط الإدارة الذاتية للبنية النضالية التي تتيح الإدارة الجماعية للتنظيم من أسفل إلى فوق، والأسفل هنا هي القاعدة الغاطسة في قلب المجتمع.

من أجل شيوعية تحررية

إن مشروع المجتمع الذي نطرحه يستند إلى التجارب الفعلية التي قامت بها الشغيلة والشعوب: الكومونات الحرة، المجالس العمالية، الفدراليات، النقابية الثورية.

نسمِّي هذا المشروع “الشيوعية التحررية” وليست مرجعيتنا هنا التيار الشيوعي “الماركسي اللينيني” بل تيار الفكر الشيوعي الأكثر قدماً، المعادي للتسلطية، النقابي، المجالسي.

“الشيوعية”: تعني المجتمع المؤسَّس على فكرة “اشتراكية وسائل الإنتاج، دون تملك خاص وممركز، أي مجتمع دون طبقات ودون دولة.

“والتحررية”: تعني المجتمع الذي يهدف ويشترط تحرير المجتمع والشغيلة والأفراد، والذي يمرُّ عبر تحقيق المساواة الاقتصادية والديمقراطية من أسفل إلى أعلى في الإنتاج كما في المجتمع.

الشيوعية التحررية هو مشروع مجتمع قيد التطور تحركه سيرورة ثورية دائمة تعمل على توسيع رقعة هذا المجتمع الجديد على كافة الكرة الأرضية وعلى إدماج جميع الناس ضمن مشروعها.

نرسم هنا بعض المحاور الكبرى لهذا المشروع، كما يمكن تصور ذلك في المرحلة الأولى من بناء الشيوعية التحررية، أي في المرحلة حيث لا يزال عد كبير من الناس بعيداً عن الأفكار الجديدة، حيث لا تزال الثورة تواجه أعداءً عديدين في الداخل والخارج، وحيث يجب المباشرة بالتغيير ونحن نحمل على أكتافنا وزر الإرث التكنولوجي (الرأسمالي) الثقيل.

علاقات إنتاج ذاتية الإدارة

عندما نقول تشريك (أو اشتراكية) وسائل الإنتاج فنحن لا نقصد مركزة هذه الوسائل بل المقصود التملك الجماعي من قبل كل المجتمع، أي إدارة ذاتية للإنتاج في كليته، وإدارة ذاتية لكل وحدة عمل من قبل الشغيلة الذين يعملون فيها. ونقصد بالإدارة الذاتية سلطة القرار الجماعي لجمعيات الشغيلة، مع حرية كاملة في التعبير وتصويت ديمقراطي. فالإدارة الذاتية تقضي على علاقات الإنتاج الرأسمالية “قادة/مقادون”، مع ما تستتبعه من  تنظيم تراتبي وتجزيئي. في الإدارة الذاتية المسؤولون، المنسقون، المندوبون هم منتخبون من الجمعيات القاعدية؛ يمكن أن يتمَّ عزلهم في أي حين وهم يخضعون للإدارة الجماعية القاعدية؛ وهم ملزَمون بتطبيق الخيارات الكبرى تبعاً لتكليفات أمرية (ملزمة) من الجمعيات والمجالس المحلية تُجدَّدُ دورياً.

إن قَلب علاقات العمل رأساً على عقب يمرُّ عبر تغيير جذري لطبيعة العمل. سوف يصارُ إلى إعادة توحيد الوظائف اليدوية والذهنية التي فصلتها الرأسمالية عن بعضها: كل شغيل يساهم في إتخاذ القرار المرتبط بالإنتاج. تتضمن مدة العمل هذه المهام (ومن ضمنها أيضاً المسائل “السياسية” المتعلقة بالمنطقة، بالمجتمع)، ومهام التنفيذ كما يتمتع الشغيل  بوقت لا يستهان به مخصَّص للتأهيل. لا يعود وقت العمل خاضعاً للتقسيم الموروث من الرأسمالية بين العمل المجزَّأ من ناحية والتسلية من ناحية ثانية. المقصود هنا أن مشاركة الشغيل في عملية الإنتاج الجماعي وفي الحياة الاجتماعية تغدو وحدة غير قابلة للتجزئة الصارمة كما في السابق وفي كلا الحالتين تكون مشاركته نابعةً عن رغبة حقيقية لا تخلو من الغبطة والانتعاش.

هذا التغيير في أسلوب وطبيعة العمل وعملية إزالة الإنسلاب الذي يميزه هما النواة المركزية لسيرورة تغيير جذري عميقة للنسيج الإنتاجي والتكنولوجيات. وهذه التكنولوجيات ينبغي أن تتأقلم مع نمط الإنتاج الجديد ومع المعايير المجتمعية الجديدة التي ستدشِّن مرحلة من الإبداع والتجديد.

في المرحلة المرجوة يفلت الإنتاج من مستلزمات الإرباح. الاحتياجات الإنسانية هي التي تصبح مهيمنة. وهذه الاحتياجات ليست ولن تغدو يوماً “موضوعية”: إنها تستجيب لمعطيات ثقافية، لطموحات شخصية ولكن أيضاً لما يقترحه الإنتاج. ثمة إذاً تنوُّع كبير من الاحتياجات التي تستدعي منظومة شديدة التعقيد تحدِّد بدورها مستلزمات الإنتاج. برأينا يمكن رسم  إواليتين تعملان في آن: الأولى إوالية التخطيط والتنسيق العام وذاتي الإدارة، تُمركز الاحتياجات في البلدات والمناطق، ووحدات وفدراليات الإنتاج. يضمن هذا التخطيط الإعمال الجماعي للتغييرات الكبرى، كما يضمن للجميع تلبية الاحتياجات الجوهرية بصورة حرَّة، مجانية، متضامنة (سكن، صحة، تأهيل، مواد تغذية أساسية…). أما الإوالية الثانية فهي تضمن المبادرة العفوية للأفراد وللجماعات القاعدية التي تعبر عن احتياجاتها في السوق المتحررة من إكراهات الاقتصاد التجاري ولكنها تتيح للجميع الإفادة من المنتوجات والخدمات المختلفة كل حسب ما يشاء.

ديمقراطية فدرالية وذاتية الإدارة

ترتكز الديمقراطية الفدرالية ذاتية الإدارة على الجمعيات القاعدية للشغيلة وللبلدات. وهي تنظم بنية المجتمع انطلاقا من المناطق، من أجل خلق مساحات سلطة جماعية قابلة للرقابة مباشرةً من قبل الناس. وهذه المساحات المناطقية ذاتية الإدارة (أو المُدارة ذاتياً) لا تعيد بالضرورة التقسيم الحالي للمناطق الإدارية. كما تصبو إلى الفدرالية الدولية للمناطق، ذات الأفق العالمي. تقرِّرُ قواعد مشتركة ذاتية الإدارة، ولكنها تحافظ على الحقوق المكتسبة عبر التملك الجماعي لوسائل الإنتاج. هذه الحقوق وهذه القواعد تفرض نفسها في كل المناطق، ضامنةً لكل فرد وكل جماعة الحماية الضرورية. من ناحية أخرى ثمة استقلالية كبيرة تميِّزُ نمط العمل في القاعدة، في البلديات وفي المناطق الفدرالية.

إن الفدرالية هي شكل تنظيم و”مَركزة/لامركَزَة” تسمح باجتناب عائق المركزية البيروقراطية و تذرير المجتمع[5]. إنه التوازن بين مبادرة واستقلالية الوحدات المُفَدْرلة والتضامن بين جميع هذه الوحدات: ارتباط داخلي بين بعضها البعض دون تراتبية، حيث يتخذ ويُطبِّق الجميع الخيارات الجماعية في المسائل المشتركة. الفدرالية تستتبع مفهوماً منفتحاً، جدلياً للمجتمع كمساحة حيث يمكن الموازنة بين حقل العام والخاص دون أن يتم اختزال أي منهما للآخر.

تقود الفدرالية إلى هيكلة المجتمع بصورة ثابتة. تضمن التنسيقَ على مستوى الإنتاج فدراليات مقسمة إلى  فروع. توحِّد (تجمع) كل منطقة البلدات ووحدات العمل. تشكل المناطق فدرالية دولية وتتمتع بقسط لا يستهان به من الاستقلالية. يقوم بمهمة التنسيق ضمن الفدرالية مجلس متشكل من عدد كبير من ممثلي القاعدة، ومن منتخبين مباشرين خاضعين لرقابة شديدة ومرتبطين بصورة وثيقة بموكليهم. كل فدرالية تعين مسؤولين خاضعين لإدارة القاعدة. هكذا فإن مجالس الفدراليات المناطقية والمهنية الخ. تقوم بمركزة سلطة القاعدة ليس عبر ممارسة السلطة باسم القاعدة بل بتنظيم النقاش الديمقراطي. فهي تضمن قيام استشارات منتظمة لكل السكان المعنيين بدءاً بالقاعدة وتحسم النقاش ارتكازا إلى الخيارات المختلفة. بعد ذلك يقع على عاتق مجلس الفدرالية تنفيذ القرارات الديمقراطية.  يُلجَأُ إلى هذه الاستشارات في المسائل الكبرى، في الخيارات الكبرى، فيما تقوم الوحدات الفدرالية باتخاذ المبادرة في قرارات عديدة أخرى.

لا تعطى الوكالة من القاعدة فقط عند انتخاب المندوبين أو المسؤولين وعلى أساس وعود المرشحين أو برامج تنظيماتهم المحتملة. فالوكالة الأمرية تُعطى بناء على محتوى تقرره القاعدة ويُجدَّدُ بانتظام. إن الديمقراطية من الأسفل إلى الأعلى تمثل شكل السلطة الجماعية الجديد بصورة تقطع كلياً مع التقسيم “قادة/مقادين”، “حكام/محكومين”، مع التفرقة بين الدولة من ناحية وبين المجتمع من ناحية ثانية. كل “مواطن-شغيل” يكون متشاركاً مع هذه السلطة والحكومة تكون هكذا قد دخلت المحترف والبلدة: إنها الحكومة الذاتية للمجتمع التي تستجيب طبيعياً لمطلب إدارة الإنتاج الذاتية.

الفروقات بين الدولة البرلمانية والفدرالية ذاتية الإدارة هي فروقات جذرية. إذ إن اتجاه السلطة أصبح معكوساً: أجهزة التنسيق المركزية غدت خاضعة لإدارة القاعدة. انتخاب ديمقراطي للمندوبين والمسؤولين، تفويض المهام من أجل التنسيق والقرارات العادية، ولكن رفض تفويض السلطة في القرارات الكبرى وبالتالي ديمقراطية مباشرة. تفقد هكذا الأحزاب دورها كموجِّه للسجال وكقوة تدير المجتمع: يمكن للتشكيلات السياسية أن تعبِّر بحرية عن آرائها وأن تغذي السجال الديمقراطي، إلا أن المفوضين يتلقون وكالاتهم من القاعدة وليس من الأحزاب.

الديمقراطية ذاتية الإدارة تفترض حرية التعبير والتنظيم المطلقة، حرية ممارسة الطقوس، الحرية التامة للصحافة.

أخيراً ثمة ضرورة للدفاع عن المجتمع الجديد من أعدائه الداخليين والخارجيين، لأن الانحراف سيبقى بالتأكيد، أقله في هذه المرحلة الأولى، كما ستبقى السلوكيات العنصرية أو الجنسية (استعداء المرأة مثلاً)؛ كل هذا سيفرض ضرورة قيام قانون، عدالة منظَّمة وأشكال من الدفاع الذاتي العسكري. ولكن الهدف هو بالتأكيد القضاء على الأجهزة القمعية للمجتمع القديم وإحلال بنى مراقَبَة بقوة من السكان والمجالس. إن مخاطر العسكرة والنظام البوليسي هي أكيدة في المرحلة الثورية وتتطلب حذراً شديداً، دون نسيان الغاية المرجوة وهي قيام مجتمع خالٍ من أي عسكرة وغير بوليسي.

تيار جديد

ندرج أنفسنا ضمن نَسَبٍ تاريخي يأخذ جذوره من بدايات الحركة العمالية. ولكن في آن نعتبر أننا تيار جديد، نتاج توليفات عديدة وتجاوزات عديدة.

ندرج أنفسنا في امتداد التيارات التاريخية اللاتسلطية الكبرى التي جهدت لترجمة طموحات الاشتراكية العفوية للشغيلة. لقد ضَمَنَ أتباع الفكر الجماعي اللاتسلطي للأممية الأولى، والنقابيون الثوريون والأنرشيون النقابيون، والشيوعيون التحرريون، لقد ضمن هؤلاء ديمومةَ تيار تحرري محوره الصراع الطبقي ونحن ننتمي له.

وهذا الإسناد لا يستتبع لا خضوعاً لعقيدة جامدة ولا مديحاً للماضي. هذا الإسناد (أو هذه المرجعية) هو نقدي لا يوفر نقاط الضعف والنقص والأخطاء. إن النزعات التي نستند إليها هي حية، متناقضة ومرتبطة بالحقبات التي ظهرت فيها. نحن نريد الإفادة من مكتسبات تيار رئيسي للحركة العمالية كما التخلي عن كل ما يمكن أن يبدو لنا خاطئاً وبائداً.

نحن في آن نقابيون ثوريون (أو أنرشيون نقابيون) وشيوعيون تحرريون. نقترح إذاً توليفاً لمجمل المكونات التحررية ذات لون “صراع طبقي” ونشكِّل بالتالي تياراً جديداً.

نحن لا نطمح لأي احتكار. توجد تنظيمات وتجمعات عديدة تعلن انتماءها لنسب تحرري. نحن مع خوض النقاش كي توضع قوانا معاً في أكثر الظروف الممكنة دون نكران خصوصيات كل فريق. رغبة مماثلة في المواجهة والتوحُّد تقودنا إلى رفض العصبوية بين كل القوى التي تناضل ضد الرأسمالية.

إلا أن مجهودنا التوليفي لا يتوقف عند التيارات التحررية وحدها. نحن نبحث عن تجميع للمكتسبات الإيجابية لمجمل التيارات الثورية.

إن مستقبل الماركسية الثورية بما لديه من لامركزية (لايعقوبية)، لا قيادية، لا يمكن أن يقوم بعد الفشل التاريخي للينينية دون أن ينهل من التيار التحرري العمالي ويتوحَّد معه. وهذا الأخير يربح الكثير إذا أدمَجَ وتجاوز في آن أجمل ما عند ماركس، أجمَلَ ما عند الماركسية الثورية والتيار المجالسي.

نهجنا النظري والعملي يتمحور حول مفهوم للتاريخ ومنهج تحليلي يُدمِجُ المعيارين الديالكتيكي والمادي، مبتعدين هكذا عن حتمية اقتصادية تبسيطية وميكانيكية.

مع ماركس وباكونين نحن نعارض المفهوم المثالي للتاريخ، والذي غالباً ما تشوبه أخلاقية أو ثنائية (مانوية) ضيقة، ونعطي الأولوية انطلاقا من عوامل اجتماعية ومادية وأيضاً، جدلياً، انطلاقا من عوامل ثقافية، سيكولوجية واعية، نقول إننا نعطي الأولوية انطلاقا من كل هذا للمفهوم الذي يرى أن البشر يصنعون تاريخهم بذاتهم. ثمة في السجالات التي كانت دائرة في الأيام الأولى للحركة العمالية، على تنوعها وتناقضها، رأسمال كبير من التفكُّر الفلسفي الذي يبدو لنا من الضروري إدماجه في صوغنا لمفهوم للتاريخ ولمنهج تحليل حالي يفلت من الحتمية الاقتصادية، مع تأكيده على الأهمية الكبرى للعوامل الاجتماعية والمادية.

إن التوليف الذي نبحث عنه لا يقتصر كذلك على النهل الإيجابي من التيارات الماركسية الثورية والتحررية. نحن ننهل أيضاً من مكتسبات التيارات الثورية والجذرية: ذاتية الإدارة، البيئية، النسوية، اليسارية النقابية…

هذه السيرورة العامة المتشكلة من توليفات وتجاوزات عديدة، ولكن أيضاً من تجديدات و إدماجات تتمحور حول الصراع الطبقي هي أحد شروط بروز تيار جديد في رحم الحركة العمالية والذي يجهد تنظيمنا للعمل على توكيده وتركيزه.

تنظيم ذاتي الإدارة

تنظيمنا ليس حزباً، لا نصبو إلى نيل أصوات الناخبين والاندماج في لعبة المؤسسات الدولانية.

إن النشاط الأساسي للتنظيم هو دعم تطور النضالات المعادية للرأسمالية وتطوير التنظيم الذاتي، وذلك بسياسته ودعاوته، بالجهد التفكيري النظري الجماعي، بالتأهيل، بالمساعدة التي يقدمها، بنضال أعضائه،  للوصول إلى سلطة مضادة تمارسها قاعدة المجتمع كما لقطيعة مع النظام الرأسمالي.

إن التنظيم يرتكز على هذا البيان من أجل بديل تحرري، طالما لم يقرر عكس ذلك الرفاق تبعاً للقواعد الفدرالية وذاتية الإدارة وحسب شروط العقد. هذا البيان ليس برنامجاً تاريخياً، ولا إعلان مبادئ جامدة، إنه ليس في نهاية الأمر سوى لحظة من سيرورة نظرية، عملية و تنظيمية تحتوي هي نفسها على إمكانية تجاوزها.

يحدد عقد نظامي قواعد سير عمل التنظيم ويربط جميع الأعضاء المتشاركين بصورة حرة.

إن التوجهات الإستراتيجية للتنظيم ومواقفه وقراراته تخضع للسجالات وللإدارة الجماعية ولتصويت قاعدة التنظيم. هذا الأخير يشكل هكذا ساحة اختبار للديمقراطية الفدرالية وذاتية الإدارة.

التنظيم هو إذاً فدرالية ذاتية الإدارة، قائمة على المسؤولية الجماعية لمجمل مناضليه. نحن نريد أن نقلب رأساً على عقب الصورة التقليدية للحزب التراتبي، ولكن دون أن ننكر ضرورة وأهمية نشاطات التنسيق والتنشيط في التنظيم؛ هذا يعني أننا نصبو إلى قيام إطار سجال ومشاركات أفقية ولا مركزية.

إن التنظيم هو مكان تعددي حيث يمكن لتنوع كبير من الآراء أن يعبِّرَ عن نفسه، على خلفية هوياتية مشتركة. وإذا كان من الطبيعي أن يكون لهذا التنظيم ديمقراطياً توجه أغلبي، فهو يحرص أشدَّ الحرص في آن على ضمان حقوق الأقليات والمجموعات القاعدية في التعبير، في السجال الداخلي طبعاً، ولكن أيضاً في صحافة التنظيم، طبقاً للشروط التي يضعها العقد النظامي.

يجهد تنظيمنا لتضافر نشاطات أعضائه من أجل مزيد من الفعالية. كذلك فهو يدعم التوجه الأغلبي. لكنه يحترم حرية الرأي والعمل لكل عضو. إذا كان جميع الأعضاء ملزمين باحترام الآخر عند الكلام أو العمل باسم التنظيم فإنهم لا يخضعون إلا لخياراتهم الخاصة عندما يناضلون في الحركات الاجتماعية.

بما أننا تنظيم “صراع طبقي” فإننا نعطي الأولوية للعمل في أوساط البروليتاريا وفي أماكن عملها وحياتها. لكننا لا نهمل الإنغراس في أوساط الشبان وتثبيت حضورنا في مجمل الحركات الاجتماعية.

يرفض تنظيمنا كل علاقة إدارة وإشراف على نضالات الشغيلة والناس. يمكن أن نساهم في تنظيم مبادرات وعمليات تعبئة. لكن إدارة الصراعات الاجتماعية يجب أن تكون في يدِ القاعدة، وإن كان مناضلو تيارنا من عداد منشِّطي هذه النضالات.

صراعنا دولي وبناء تيارنا يمرُّ عبر تعدد المبادرات، باتجاه هيكلة دولية.

من أجل حركة كبيرة مناهضة للرأسمالية وذاتية الإدارة

لا يزعم تنظيمنا أن يصبح بقواه وحده البديل للرأسمالية. نحن نريد أن نكون قوة موحدِّة في الحركة الثورية وفي الحركة العمالية لأننا نرفض كل عصبوية وكل انعزالية.

نريد أن نسهم في نهضة النضال الثوري الجماهيري، في إعادة تأسيس الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين. للوصول إلى هذا الهدف ترتكز إستراتيجيتنا السياسية على جدلية بين مستويين من التعبير والتنظيم مختلفين ومتكاملين:

– تنظيم وتطوير تيار تحرري جديد يتمحور حول الصراع الطبقي (تيار “صراع طبقي”).

– بروز حركة واسعة ضد رأسمالية وذاتية الإدارة، حيث يندمج فيها التيار التحرري الجديد دون أن يختفي.

في جعبتنا إذاً مشروع كبير للوحدة يتحقق في ممارساتنا اليومية ويشكل جزءاً لا يتجزأ من هويتنا. وهذا المشروع نقترحه على مجمل القوى السياسية والنقابية والبيئية والجمعياتية التي تقاتل ضد الرأسمالية. سوف تشهد هذه الحركة الواعدة توحداً بين مناضلين ذوي أصول أيديولوجية مختلفة وذوي أولويات نضالية متنوعة. هذه الحركة ستكون تعددية، منفتحة، وفي تبحث عن نقاط التلاقي على قواعد أساسية.

إن الحراك المقبل المعادي للرأسمالية سيكون قوة جماهيرية لها وزنها الفعال في المجتمع، وهي ستساهم في تعدد السلطات المضادة وتحضِّرُ شروط القطيعة الثورية. وسيسجل بالتالي هذا الحراك نضالاته قبل أي شيء في الساحة الاجتماعية، في قاعدة المجتمع، رابطاً بين النضالات المختلفة، النضالات العمالية والنضالات الشبابية، مقترحاً حلولاً ترتكز على مفهوم الإدارة الذاتية. حراك سياسي اجتماعي إذاً وليس حزباً جديداً. وإذ نأخذ بعين الاعتبار الظروف الواقعية المختلفة لكل بلد، فإننا ندرج مشروعنا البديل ضمن مقاربة دولية، توحِّد تدريجياً جميع القوى البديلة لليبرالية، للاجتماعية الديمقراطية، وللستالينية، في أوروبا وفي العالم أجمع.

هذا الحراك لن يولَدَ “بسهولة”، بإعلان ذاتي، أو باتفاق شركاء. إنه نتاج سيرورة تاريخية تصنعها نقاط التلاقي والتوحد والصوغ والممارسات الواقعية. سوف يكون القرار إذاً للنضالات الاجتماعية الكثيفة ولتطورها الهجومي.

نحن بحاجة لرسم مخطط النضال بصورة جماعية، أما إذا جمَّعنا هذه النضالات تجميعاً فهذا لن يسمح بالاستجابة لأزمة التوجُّه (النظري والسياسي) ورسم الآفاق الواضحة، لأزمة الهوية التي تلغم الحركة العمالية والاجتماعية.

إن ما يجب تقديمه هو مشروع سياسي جديد. لصوغ هذا المشروع سوف تتواجه أفكار مختلفة؛ في هذا السجال سنكون قوة اقتراح وإقناع، لنتقدم نحو توليف جديد، الأكثر تحررية، على غرار النقابية الثورية التي كانت ثمرة جدليةٍ بين آفاق تحررية وتنظيمات جماهيرية.

نطمح لممارسات عملية ومشتركة في القاعدة، لأننا نعتبر أن البديل الجماهيري، المنغرس في الأحياء المكتظة، في المصانع، بين الشبان، ينطلق من المشاكل الواقعية التي يعيشها الناس. نشاطات جديدة هي ضرورية كي تسمح للانتفاضات المجتمعية القاعدية أن تعبر عن نفسها وأن تنظم ذاتها.  هذه النشاطات العملية المشتركة ستقدم الإجابات الضرورية، بوجه تهديدات اليمين المتطرف وأكاذيب الاجتماعية الديمقراطية. بهذا فقط يمكن أن يكتسب هذا البديل قوى جديدة.

إن بروز هذا الحراك الكبير هو إحدى أولويات تيارنا. هذا لا يعني أننا سنختفي روحاً وجسداً في التجمع المقبل. نريد أن نكون إحدى القوى المبادِرة، إحدى القوى الموحِّدة. وأن نصبح غداً إحدى القوى الأساسية والمسموعة، ضمن حركة ثورية، حركة عمالية مؤسَّسة من جديد… ومتجددة.

نص مقرَّر في 18-19-20 أيار 1991.

هوامش البيان :

1 Départements d Outre mer.

2 Territoires d Outre mer.

3  – التي تناضل من أجل توكيد هويتها.

4- لأنه كان قائماً في التاريخ الغابر.

5- الإنتاجية هنا تعني الإنتاج الرأسمالي، أي الإنتاج بهدف تحقيق الأرباح وبصرف النظر عن الأضرار اللاحقة بالطبيعة.

6 – أي أنها تفرض نمطاً واحداً أوحداً.

7 – من ذرة أي تفتيت المجتمع.

 

http://anarchisminarabic.blogspot.co.uk